Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب البيوع
بدرهم: فإن البيع يصح في قفيز واحد في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن جملة الثمن مجهولة، لا يصح العقد فيها، وثمن القفيز
الواحد معلوم، فيصح العقد فيه.
* قال : (فإذا كَالَه البيِّع للمشتري، كان المشتري بالخيار، إن شاء
أَخَذَ بقيّتَها بعد القفيز، كلّ قفيز منها بدرهم، وإن شاء تَرَك).
وذلك لأن الجهالة قد زالت، فصحَّ البيع فيها، لزوال المعنى الذي
مِن أجله أبطلناه.
وإنما كان له الخيار؛ لأنه لم يعلم بَدْءاً بجملة الثمن، وإنما عَلِمَها
الآن، فكان بمنزلة مَن اشترى شيئاً لم يَرَه، فإذا رآه كان له الخيار، بمنزلة
مَن اشترى شيئاً برأس ماله، ثم عَلِمَ برأس المال.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه البيع فيها كلها، كلٌّ قفيز
بدرهم)؛ لأن المعقود عليه من الطعام معيَّن يصح البيع فيه، وإنما بقي
علينا في جملة ثمنها أن نكيل الطعام، فلا يُفْسِد ذلك البيع.
* قال : (فإن اشترى الصبرة كلَّها بمائة درهم، كل قفيز منها بدرهم:
جاز البيع في جميعها، في قولهم جميعاً)؛ لأن الثمن معلوم، والطعامَ
معيَّن.

٦٢
كتاب البيوع
باب المُصَرَّاة(١) وغيرها
مسألة : [ما يوجبه عَيب التَصْرية]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى الرجل ناقةً، أو بقرةً، أو شاةً، على أنها
لَبُون، ثم حَلَبَها مرةً بعد مرة، فتبيَّن له بنقصان لبنها، أنها مصرَّاة: فإنه
يَرْجع علی بِّعها بنقصان عیبها، ولیس له ردُّها علیه بوجه.
وقال أبو يوسف بعد ذلك: يردُّها وقيمةَ صاعٍ من تمر، واللبنُ له).
قال أحمد : قول أبي جعفر في الشاة ونحوها، إذا اشتراها على أنها
لبون، وإجازة البيع فيها مع هذا الشرط، فإنّ الذي نعرفه في مذهبهم في
ذلك أن البيع فاسد(٢).
وقد رُوي عن محمدٍ في الرجل يشتري شاةً على أنها حلوب: أن البيع
فاسد، وقد ذكره أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى في الجامع الصغير
الذي صنَّفَه(٣).
قال أحمد : والأصل في ذلك، أن الشيء لا يدخل في حكم العقد،
(١) المُصَرَّاة: ((التي جُمِع اللبنُ في ضَرْعها بتَرْك حَلْبها، ليغترَّ بها المشتري،
فيزيد في الثمن))، كما في المغرب ٢١٥/١، المصباح المنير ((صرى)).
(٢) وأشار إلى هذا أيضاً الإسبيجابي في شرحه ١ / لوحة / ١٧٥.
(٣) أي الإمام الكرخي، كما في كشف الظنون ٥٧٠/١، تحت عنوان: ((الجامع
الکبیر)).

٦٣
كتاب البيوع
ولا يكون له حصة فيه، إلا بأحد وجهين: إما أن يتناوله العقد بالتسمية،
أو يقع عليه التسليم الموجَب بالعقد، وما عدا ذلك فليس بداخلٍ في
العقد، ولا حصة له من الثمن.
واللبنُ الحادِث بعد القبض لا حكم له في العقد، وذلك لأن العقد لم
يتناوَلْه؛ لأنه لا يصح العقد عليه على حِياله، ولم يقع عليه التسليم، فلما
لم يكن داخلاً في العقد، لم يجز أن يكون له حصة فيه، وإذا امتنع ثبوت
الحصة، امتنع ردُّ الأصل؛ لأن الناس فيه على قولين:
إما قائلٌ يقول: يردُّها ويردُّ معها صاعاً من تمر.
وقائلٌ يقول: لا يردُّها، ويرجع بأرش النقصان.
فلما امتنع إثبات الحصة للَّبن لما وصفنا، امتنع الرد.
وأيضاً: فإن الولدَ الحادِثَ بعد القبض، لا حصة له من الثمن
بالاتفاق(١)، وهو جزء من أجزائها كاللبن، فوَجَبَ أن يكون كذلك حُكْم
اللبن، إذ كل واحد منهما لا يصح إفراده بالعقد في حال اتصاله بالأصل،
ولم یقع علیه التسلیم.
قال أحمد: والولد واللبن وما جرى مجراهما مما يَحْدُث بعد
القبض، فإنه وإن لم یکن دَخَل في العقد، فهو موجَب به.
والدليل عليه: أن المشتري المغرور يرجع عند الاستحقاق بقيمة
الولد على الغارِّ، فلولا أنه أوجبه له بالعقد، لَمَا رجع عليه بقيمته،
حينئذ لم يسلم له إلا بضمان القيمة، فلم يَخْل حكم الأصل بعد حدوث
(١) المغني لابن قدامة ٤٠/٤.

٦٤
كتاب البيوع
الزيادة من أحد وجهين:
إما أن يفسخ العقد من الأصل على جميع الثمن، فيبقى اللبن والولد
للمشتري بغير شيء، وهو موجَب بالعقد، وقد انفسخ العقد، فلا يجوز
أن يبقى في يده ما هو موجَب به مع فسخه.
أو أن يردَّه بحصته مع حصة الولد واللبن، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا
حصة لهما إذا حَدَثا بعد القبض، لما بيَّنَّاه، ومثله إذا كان مستهلَكاً، فهذا
موافق للخبر الذي ذکِر فیه ردُّ اللبن.
* وأما خبر المصراة، فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم على
أربعة أوجه :
يروى من طريق أبي هريرة على ثلاثة أوجه:
- أحدها: ((مَن اشترى شاة مصرَّاة فهو بأحد النظرَيْن: إن شاء
أمسكها، وإن شاء ردَّ معها صاعاً من تمر))(١).
- والوجه الآخر: «فليردَّ معها صاعاً من طعام، أو تمر))(٢).
(١) صحيح البخاري ٣٦١/٤، صحيح مسلم ١١٥٩/٣.
(٢) جاء في المخطوط: (من طعام لا تمراً)، ولما استمر المؤلف في الشرح في
الصفحة التالية قال: ((والخبر الذي ذكر فيه القمح والتمر ... ))، وقال أيضاً: ((وجعل
قيمة اللبن تمراً أو قمحاً ... )) مما يرجح أن الصواب: (من طعام أو تمر)، والمراد
بالطعام هو القمح، كما في فتح الباري ٣٦٤/٤، وقد جاء في مسند الإمام أحمد
٣١٤/٤ بإسناد صحيح، كما قال ابن حجر في الفتح ٣٦٤/٤ ((صاعاً من طعام أو
صاعاً من تمر))، ولذا أثبت ما رأيته صواباً.
ويحتمل أن يكون الصواب: ((صاعاً من طعام لا سمراء))، كما في رواية مسلم
=

٦٥
كتاب البيوع
- والثالث: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى
قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا فُلَيْح بن سليمان عن أيوب بن
عبد الرحمن عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن اشترى شاةً مصرَّاة، فالمشتري بالخيار ثلاثة
أيام: إن شاء ردَّها، وصاعاً من لبن))(١).
فذكر في هذا الحديث صاعاً من لبن.
- والوجه الرابع: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا أبو كامل قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا صدقة بن سعيد عن
جُمَيْع بن عُمَيْر التيمي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((مَن باع محفَّلة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردَّها،
ردَّ معها مِثل لبنها، أو مثلَيْه قمحاً))(٢).
١١٥٩/٣ وتحرفت: ((سمراء)) إلى: ((تمرا))، لكن الأُولىُ أَوْلى، والله أعلم بالصواب.
(١) لم أهتد لهذه الرواية، لكن يُستأنس هنا بقول ابن حجر في فتح الباري
٣٦٥/٤ لما تكلم عن حديث المصراة قال: ((ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر
التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى ... )). اهـ، ولعل هذه الرواية في سنن
سعيد بن منصور، حيث رواها المؤلف من طريقه.
(٢) سنن أبي داود ٧٢٨/٣ وسكت عنه، سنن ابن ماجه ٧٥٣/٢، سنن البيهقي
٣١٩/٥ وقال: تفرد به جميع بن عمير، قال البخاري: فيه نظر.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٣/٣: ((ضعَّفْه البيهقي بجُمَيْع بن عمير،
وهو مختلف فيه))، وقال في فتح الباري ٣٦٤/٤: في إسناده ضعف. اهـ. قال الخطابي
في معالم السنن ٨٩/٥: ليس إسناده بذاك، ومثله قول المنذري في مختصر سنن أبي
داود في الصفحة نفسها، وكذلك قول ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢٣١/٢.

٦٦
كتاب البيوع
فهذا يخالف الأخبار الأُوَل، من قِبَل أنه ذَكَر القمح، وذَكَر ردَّ المثل
أيضاً، وهذه الألفاظ كلها صحيحة عندنا على مذهبنا، ولا تستقيم على
مذهب مخالفنا، وذلك لأنه جائز أن يكون ذلك فيمَن اشترى شاة على أنها
تَحْلِب كذا وكذا، فيوجب ذلك فساد العقد، فإذا حَلَبَها، وَجَبَ عليه ردُّ
اللبن إن كان قائماً بعينه، أو مِثْله إن كان مستَهلَكاً، فهذا موافق للخبر
الذي ذُکر فیه ردُّ اللبن.
والخبر الذي ذُكِرَ فيه القمح والتمر، يجوز أن يكون على معنى أنه
جعله قيمةَ اللبن، وكان التمر والبُرُّ أوجدَ عندهم من الذهب والفضة.
وجهَةٌ أخرى، وهي أنه جائز أن يكون في حال كان يجوز فيها عقد
البيع على اللبن في الضرع، فصار مشترَى معها، فلم يمنع ذلك ردُّ الشاة،
وجعل قيمة اللبن تمراً، أو قمحاً، وذلك منسوخ بنَهْي النبي صلى الله عليه
وسلم عن بيع اللبن في الضرع، رواه ابن عباس(١).
ويحتمل أن يكون رجلٌ اشترى شاةً بتمر، فحَلَبَها قبل القبض، ثم
وَجَدَ بالشاة عيباً بعد القبض، وردّها، وكانت حصة اللبن صاعاً من تمر
من جملة الثمن.
(١) سنن ابن ماجه ٧٤٠/٢، مسند أحمد ٣٠٢/١، سنن الدار قطني ١٤/٣.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٦/٣: ((روي من طريق عمر بن فروخ .. قال
البيهقي: تفرد به عمر وليس بالقوي، قلت: وقد وثقه ابن معين وغيره)).اهـ، ثم ذكر له
طرقاً أخرى، وقد توسع الزيلعي في تخريجه في نصب الراية ٤ /١١.
وقد روي مرفوعاً، وموقوفاً على ابن عباس، ورجَّح ابنُ حجر الوقفَ، كما في
الدراية ١٥٠/٢.

٦٧
كتاب البيوع
وحَمْل الخبر على مذهب المخالف خلاف الأصول؛ لأنه يوجب أن
يكون لو اشترى شاةً بصاع تمر، ثم حَلَبَها، أنه يردها ويردُّ معها صاعَ تمر،
ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع، فهذا خلاف الأصول من وجهين:
أحدهما: أنه يلزمه أكثر مما عليه.
والثاني: ما فيه من الربا؛ لأنه يأخذ عن نصف صاع تمر: صاعَ تمر.
مسألة: [ظهور العيب في الأَمَة المشتراة بعد استغلالها]
قال أبو جعفر : (ومَن اشترى أَمَةً فاستغلَّها، ثم أصاب بها عيباً، ردَّها
علىُ بَيِّعها، والغلة طيِّية).
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي
الشوارب قال: حدثنا مسدّد قال: حدثنا مسلم بن خالد عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة أن رجلاً اشترى غلاماً في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم، وبه عيبٌ لم يَعلم به، فاستغلَّه، ثم عَلِمَ بالعيب، فخاصَمَه إلى
النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إنه قد استغلَّه منذ زمان،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الغلَّة بالضمان))(١).
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ٨٠/٦، ١١٦، ١٦١ بلفظ: ((الغلة بالضمان))،
وكذلك الحاكم في المستدرك ١٥/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
ورواه بلفظ: ((الخراج بالضمان)) الترمذي في سننه ٥٨١/٣ وقال: حسن
صحيح، والنسائي ٢٥٤/٧، وأبو داود ٧٨٠/٣ قال أبو داود: هذا إسناد ليس
بذاك. اهـ، وابن ماجه ٧٥٤/٢، المستدرك ١٥/٢، ووافقه الذهبي على
تصحيحه، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٢/٣: ((وصححه ابن القطان، وقال
ابن حزم: لا یصح». اهـ.

٦٨
كتاب البيوع
وقد رواه جماعة عن عروة عن عائشة، وقالوا فيه: ((الخراج بالضمان)»
والمعنى واحد، الخراج المذكور في هذا الخبر، هو الغلة المذكورة
في غيره.
مسألة : [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد وطئها]
قال أبو جعفر: (ولو جامَعَها، ثم أصاب بها عيباً، كان بيِّعها بالخيار:
إن شاء أَخَذَها لا شيء له غيرها، وإن شاء ردَّ أرش عيبها من ثمنها، بِكْرَاً
كانت أو ثِّياً، وكذلك لو جنى عليها جناية ثم وجد بها عيباً).
قال أحمد : الجماع عندهم بمنزلة ذهاب جزء منها بجناية المشتري،
أو من السماء، والدليل على ذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
اختلفوا في هذه المسألة:
فقال علي(١) عليه السلام: يرجع بأرش العيب، إلا أن يشاء البيِّع أن
يقبلها، ويرد (٢) الثمن.
وقال عمر (٣): ((يردُّها، ويردُّ معها عُشْرِ ثمنها إن كانت بِكْراً، أو نصف
العشر إن كانت ثیباً».
ثم اختلفوا في جناية المشتري عليها:
(١) مصنف عبد الرزاق ١٥٢/٨، سنن البيهقى ٣٢٢/٥، وقال: قال الشافعي:
لا نعلمه يثبت عن عمر ولا علي ولا واحد منهما. اهـ، لكن ابن التركماني تعقبه وجوَّد
سنده، وهو في كتاب الآثار لمحمد بن الحسن ص ١٦٢.
(٢) في الأصل (أو يرد).
(٣) سنن البيهقي ٣٢٢/٥.

٦٩
كتاب البيوع
فقال علي (١) عليه السلام: لا يردُّها، ويرجع بأرش العيب، إلا أن
يشاء البيِّع أن يقبلها، ويردُّ جميع الثمن.
وقال عمر (٢): يردُّها مع الأرش.
فحصل من اتفاقهم جميعاً أن وطء المشتري في الحكم، كجنايةٍ
عليها، على حسب اختلافهم فيه، فلما ثبت عندنا في حكم جناية
المشتري ما وصفنا، وَجَبَ أن يكون الوطء بمثابته.
فإن قيل: هلأَّ كان الوطء بمنزلة الاستخدام.
قيل له: لاتفاق الجميع من السلف(٣) على أنه في حكم الجناية دون
الاستخدام، على ما بيَّنَّاه.
ويدل على الفصل بينهما، أنه لو اشترى جاريةً على أنه بالخيار ثلاثاً،
فاستخدمها: لم يبطل خياره، ولو وطئها: بَطَل خياره، كما لو جنى عليها
بَطَلَ خياره، فكان الوطء كالجناية دون الاستخدام.
وأيضاً: فإن استخدام الغير لها لا يوجب شيئاً، ووطؤه إياها لا يخلو
من حدٍّ، أو مَهْر، فدلَّ على أن الوطء مخالف للخدمة.
ألا ترى أنه يملك إباحة الخدمة، ولا يملك إباحة الوطء إلا من وجه
العقد.
ودليل آخر: هو أنَّا لو فسخنا البيع بهذا الوطء، عادت إلى ملك البيِّع
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) لم أهتد لتوثيق هذا الاتفاق.

٧٠
كتاب البيوع
على حكم الأصل، كأنّ العقد لم يكن، وذلك يوجب حصول وطئه في
غير ملك، وحصول الوطء في غير ملك، لا يخلو من حدٍّ، أو مهر، فلما
امتنع وجود ذلك مع الرد، امتنع الرد.
مسألة : [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد جناية غيره عليها]
قال أبو جعفر: (ولو كان زوَّجها، أو جَنَى عليها غيرُه جناية، فوجب
لها مهرٌ، أو أرشٌ، ثم وَجَدَ بها عيباً، رجع على بيِّعها بأرش عيبها، ولم
يكن لبيِّعها أخذُها).
وذلك لأن المهر الواجب بمنزلة أرش اليد، وأرش اليد بمنزلة الولد؛
لأنه بدل جزء من أجزائها، كما أن الولد جزء من أجزائها، فلما امتنع الرد
مع حدوث الولد، امتنع مع الأرش والمهر.
مسألة : [ظهور العيب بالأمة المشتراة بعد عتقها]
قال أبو جعفر: (ولو أعْتَقَها، ثم عَلِم بعيبها، رجع بأرشه على بيِّعها).
قال أحمد : وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس ألاَّ يرجع؛ لأنه
مَنَعَ الرد بفعله، كالقتل، والبيع، والهبة، إلا أنه استحسن الرجوع بأرش
العيب.
والأصل فيما يمنع الرد من فعله، ويمنع الرجوع بأرش العيب أوْ لا
يمنع: أن المشتري متىْ مَنَعَ نَقْل الملك في المشترَىُ بفعلٍ مضمون: لم
يرجع بأرش العيب، ومتى لم يمنع نَقْل الملك فيه بفعله، أو مَنَعه بفعلٍ
غير مضمون: رجع بأرش العيب إذا تعذَّر ردُّ العيب.
فإذا باع فقد نقل الملك فيه بفعلٍ مضمون، وهو التسليم بعد منع
البيع.

٧١
كتاب البيوع
ألا ترى مَن سلَّم مالَ غيره إلى آخر: ضَمِنَه، وكذلك إذا وهب
وسلَّم، فقد مَنَعَ نَقْل الملك فيه بفعلٍ مضمون، وكذلك لو قتله.
وأما إذا أعتقه، فإنه لم يمنع نَقْل الملك فيه بفعلٍ مضمونٍ؛ لأن العتق
لا يوجب ضماناً على المعتِقِ.
ألا ترى أن مَن أعتق عبدَ غيره، لم يضمنه، ولو سلَّمه ضمنه.
وأما إذا صَبَغَه أحمر(١)، فإن هذا وإن كان فعلاً يتعلق به الضمان في
ملك الغير، فإنه لم يمنع نقلَ الملك فيه، ألا ترى أنه يقدر علىُ نَقْل الملك
فيه، وإنما تعذّر الرد من طريق الحكم؛ لأنه لا يمكنه فسخ البيع في الزيادة
التي حصلت بالصبغ، لأنه لم يدخل تحت العقد، ولا يمكنه فسخ البيع
في الثوب دون الصبغ، فإنما امتنع رده من طريق الحكم، لا من جهة أنه
لا یمکن نقل الملك فیه، ولذلك كان الأمر فیه علی ما وصفنا.
مسألة : [قَتْل المشتري الأمةَ المشتراة المعيبة]
قال أبو جعفر: (ورَوى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف (٢) أنه إذا
(١) هكذا بدأت الجملة في الأصل: (وأما إذا صبغه أحمر ... )، وكذا في النسخة
المغربية، وواضح تماماً أنها منقطعةُ المعنى عما سبقها، وبذا يُعلم أن سقطاً حصل في
النسختين يُقدَّر بسطر والله أعلم، وفيه يؤكد الجصاص ما مضى بمثال آخر عمن
اشتری ثوباً، ثم استعمله وأدخل عليه الصبغ.
(٢) للإمام أبي يوسف رحمه الله مؤلفات كثيرة، لكن الذي وصل إلينا من كتبه
قليل، ومِن كتبه التي لم تصل: (الأمالي)، فله إملاء رواه عنه بشر بن الوليد القاضي
يحتوي على ستة وثلاثين كتاباً مما فرّعه أبو يوسف، وذكر شرف الدين القرتبي من
مناقب أبي يوسف أنه صنف التصانيف المبسوطة، ومن ذلك الإملاء، والأمالي،
وذكر أن الأمالي لأبي يوسف في ثلاثمائة مجلد، كانت موجودة في القرن العاشر في

٧٢
كتاب البيوع
قتلها المشتري، ثم عَلِمَ بالعيب، رَجَعَ على البَيِّع بأرش العيب).
قال أحمد : المشهور من قولهم جميعاً أنه لا يرجع بشيء.
مسألة : [أكل المشتري الطعامَ المشترَى المعيب]
قال أبو جعفر: (ولو كان طعاماً فأكله، أو ثوباً فلبسه حتى تخرَّق: لم
يرجع بالأرش في قول أبي حنيفة).
للعلة التي وصفنا، وهي أنه مَنَعَ نَقْل الملك فيه بفعل مضمون.
(و قال أبو يوسف ومحمد: يرجع بأرش العيب استحساناً).
لأن الطعام يُشترى للأكل، والثوبُ لُّبْس.
* ولو كان عبداً فقتله غيرُه، وأَخَذَ قيمتَه: لم يرجع على البيِّع بشيء؛
لأن أَخْذ القيمة بمنزلة أَخْذ الثمن بالبيع.
مسألة : [اختلاف البائع والمشتري فيمَنْ حَصَل عنده العيب]
قال: (وإذا اختلف البيِّع والمشتري في عيب يحدث مثله، فقال البِّع:
حَدَثَ عندك، وقال المشتري: حَدَثَ عندك، فالقول قول البيِّع مع يمينه
على البَتَات بالله: لقد باعه وسلَّمه، وما به هذا العيب).
وإنما كان القولُ قولَ البِّع؛ لأن الأصل فيه الصحة، والعيبَ حادث،
فالقول قول مدَّعي الأصل؛ لأنه معتصِمٌ بالظاهر.
وأيضاً: فإن المشتري يدعي لنفسه خياراً يوجب له فسخ البيع، فالقول
قول البيِّع في نَفْيِه، كما لو ادعى خيارَ الشرط، أو خيارَ الرؤية.
غزة في خزانة مفردة لها. اهـ من حسن التقاضي للكوثري ص / ٣٢-٣٤ مختصراً.

٧٣
كتاب البيوع
وأيضاً: فإذا عَلِمْنا أن العيب حادِث، ولم يُعْلَم تقدُّمه على القبض، لم
يجز الحكم به قبله؛ لأنا لا نعلم ما يدعيه المشتري من تاريخ حدوث
العيب، فيحكم بحدوثه في أقرب الأوقات إلى حال الخصومة.
* فإن نَكَلَ البَيِّع عن اليمين، ردَّ عليه؛ لأن نكوله بمنزلة الإقرار،
وهذا مما یؤخذ بالنکول؛ لأنه يصح بدله.
* وإن أقام المشتري البينةَ: قُبلَت بينتُه، لقوله صلى الله عليه وسلم:
((البِّنة على المدَّعي، واليمين على المدَّعىُّ عليه))(١).
والمشتري في هذه الحال هو المدعي.
مسألة : [ظهور العيب في شيءٍ مأكولُه في جَوْفه]
قال: (ومَن اشترى شيئاً مأكوله في جوفه، وكَسَرَه فوَجَدَه فاسداً، فإنْ
كان لقِشْره قيمة، يرجع بأرش العيب، إلا إن شاء البيِّع أن يقبله ويردَّ
الثمن).
لأنه بمنزلة مَن اشترى ثوباً فقَطَعه، ولم يَخِطْه.
قال: (وإن كان لا قيمة له، رجع بجميع الثمن).
لأنه لا يجوز أن يستحق ثمن ما لا قيمة له.
(١) سنن الترمذي ٦٢٦/٣، وقال: هذا حديث في إسناده مقال، البيهقي
٢٥٢/١٠، وإسناده حسن أو صحيح، كما قال الإمام النووي في شرح مسلم ٣/١٢.
ولفظ: ((اليمين على المدعى عليه)): هو في صحيح البخاري ٢٨٠/٥، وصحيح
مسلم ١٣٣٦/٣.
وقد ذكر طرق الحديث ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٠٨/٤.

٧٤
كتاب البيوع
مسألة : [مِلك مال العبد المشترَى]
قال: (ومَن باع عبداً وله مالٌ، فمالُه للبَيِّع إلا أن يشترط المبتاع،
فیکون له على ما تحل عليه البياعات).
فكأنه باع عبداً، أو دراهم، أو دنانير، بثمنٍ مسمى، فيجوز على الاعتبار.
وإنما كان مالُه للبيِّع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن باع عبداً، وله
مال، فماله للبيِّع إلا أن يشترط المبتاع))(١).
وإنما جاز بيعه مع ماله، على الاعتبار الذي تجوز عليه البياعات؛ لأن
مالَه ليس يتبع العبد، بل هو بمنزلة سائر أموال المولى، بدلالة أن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يُدْخِلْه في العقد على العقد إلا بالشرط.
مسألة : [جناية العبد المشترَى في بني آدم]
قال أبو جعفر : (وإذا جنى العبدُ جنايةَ في بني آدم، ثم باعه مولاه،
فإن عَلِمَ بالجناية: فعليه الأرش كاملاً، وإن لم يعلم: فعليه الأقلُّ من قيمة
العبد، أو الأرش).
وذلك لأن جناية العبد في رقبته، والمولى فيها بالخيار، إن شاء ألزمها
بعيبه، وأسقطها عن الرقبة، وإن شاء دفع الرقبة بها.
فإذا باعه مع العلم بالجناية، فقد اختار إلزامها نفسه، فتلزمه، وإذا لم
يعلم بالجناية، فعليه الأقلّ؛ لأنه لم يختر إلزامَ نفسه الجناية، إلا أنه قد
أتلف رقبةً كانت الجناية فيها، فيغرم قيمة الرقبة، إلا أن تكون الجناية
بأقل، فيلزمه الأقل.
(١) صحيح البخاري ٤٩/٥، صحيح مسلم ١١٧٣/٣.

٧٥
كتاب البيوع
مسألة : [جناية العبد المشتَرىُ في مال]
قال: (وإن كانت الجناية في مال، فباعه المولىُ، فللغرماء أن
يفسخوا البيع، فإن فسخوه كان لهم أن يستسعُوه في دَيْنهم، وإن شاؤوا
رفعوه إلى الحاكم حتى يبيعه لهم، وإن شاؤوا أجازوا البيع، وأخذوا
الثمن).
وذلك لأن حق الغرماء ثابت في ذمة العبد، لا سبيل للمولى إلى
إسقاطه، وأما الجناية فإنما هي في الرقبة، لا في الذمة، وللمولى
إسقاطها.
ألا ترى أنه لو أعتقه: بطلت الجناية من الرقبة، ولم يبطل الدَّيْن، وإذا
كان حق الغرماء ثابتاً في الذمة، فلهم أن يستوفوه من السعاية، ولهم أن
يستوفوه من الثمن، فمِن أجل ذلك كان لهم فَسْخ البيع، وإن شاءوا
أجازوه، وأخذوا الثمن.
* ولهذه المسائل مواضع أُخر، هي أولى بها من هذا الموضع،
ولذلك لم نستقص القول فيها هاهنا، وستجدها في مواضعها من هذا
الكتاب(١)، مشروحة مفسّرة إن شاء الله تعالى.
مسألة : [البيع بالبراءة من العيوب]
قال أبو جعفر : (والبيع بالبراءة من العيوب جائزٌ في الحيوان وغيره).
قال أحمد : لا خلاف بين أهل العلم(٢) في جواز البيع مع شرط
(١) فى آخر كتاب القصاص والديات، باب جناية العبد.
(٢) المغني لابن قدامة ٢٣٨/٤.

٧٦
كتاب البيوع
البراءة من عيوب محصورة معلومة، وأن ذلك شرطٌ لا يفسد البيع.
وإنما اختلفوا في جواز شرط البراءة من العيوب مطلقاً، فأجازها
أصحابنا.
والأصل في جواز البراءة من المجهول: حديث عبد الله بن رافع عن
أم سَلَمة ((أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مواريث
قديمة، قد دَرَسَتْ، فقضى لأحدهما على صاحبه، فقال الآخر: والله إن
حقي لحَقُّ يا رسول الله، فأمرهما أن يعيدا الخصومة، فأعاداها، فقضى
عليه ثانياً، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال النبي صلى الله عليه
وسلم: إنكم لتختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم يكون ألحنَ بحُجَّته من
بعض، وإنما أقضي بما أسمع، فمن قضيتُ له من حق أخيه بشيء، فإنما
أقطع له قطعةً من النار.
فقال له المقضيُّ عليه: قد جعلتُ حقي له، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: لا، ولكن اذهبا، فاسْتَهِمَا، وتوخَّيا الحق، ولُيُحْلِل كلّ واحدٍ
منكما صاحبه)) (١).
فقوله: ((وليُحْلِلِ كلّ واحدٍ صاحبَه))، مع ما ذكر في الخبر
(١) سنن أبي داود ١٤/٤، وسكت عنه هو والمنذري في المختصر ٢١٠/٥،
وهو حديث صحيح أو حسن، حيث أورده ابن حجر في زيادات الباب في الفتح
١٧٤/١٣، مسند أحمد ٣٢٠/٦، وليس فيهما إعادة القضاء.
وأصل الحديث: ((إنكم تختصمون إلي ... )) في الصحيحين: البخاري ٢٨٨/٥،
١٧٢/١٣، صحيح مسلم ١٣٣٧/٣، وللحديث عدة ألفاظ متقاربة المعنى في
الصحيحين وكتب السنن.

٧٧
کتاب البيوع
أنهما اختصما في مواريثَ قديمةٍ قد دَرَسَت، أصل في جواز البراءة
من المجاهيل(١).
ويدل عليه أيضاً: أن البراءة إسقاط حق، فأشبهت العتق، فلما جاز
العتق في عبيدٍ مجهولين، كان كذلك حكم البراءة.
ويدل عليه أيضاً: أنه لو سمَّى جنسَ العيب، فأبرأ من الشلل، أو
القروح، أو الشجاج: جاز بالاتفاق، وهي مجهولة، فكذلك إذا أبهَمَهَا.
وروي(٢) نحو قولنا عن ابن عمر، وزيد بن ثابت.
مسألة : [شراء ما باعه بأقلَّ من الثمن قبل قبضه الثمن]
قال: (ومَن باع شيئاً، لم يجز له أن يشتريَه بأقل من ذلك الثمن، قبل
أن يَنْقُدَ جميع الثمن).
قال أحمد : الأصل فيه: ما روي ((أن امرأةً سألتْ عائشةَ فقالت: إني
بِعتُ من زيد بن أرقم خادماً (٣) بثمانمائة درهم إلى العَطاء، ثم اشتريتُها
بستمائة، فقالت: بئس ما شَرَيْتٍ، وبئس ما اشتريت، أبلِغِي زيدَ بن أرقم
أن الله قد أبطَلَ جهادَه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يَتُب.
فقالت: أرأيتٍ إن لم أجد إلا رأس مالي؟
(١) ويستفاد من قوله: ((وتوخيا الحق)): جواز الإبراء من المجهول، لأن التوخي
لا يكون في المعلوم. اهـ من فتح الباري ١٧٦/١٣ عن ابن العربي المالكي.
(٢) سنن البيهقي ٣٢٨/٥، والجوهر النقي في الصفحة نفسها.
(٣) الخادم: واحدُ الخدم، غلاماً كان أو جارية، كما في الصحاح (خدم)، وقد
ذكرت هذا إيضاحاً؛ لأنها قالت بعد كلمات: ((ثم اشتريتُها)): بالتأنيث، أي اشتريت
الجارية، وهي مثبتة في المغربية.

٧٨
كتاب البيوع
فقالت عائشة: ﴿فَمَنْ جَاءَ هُ، مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانْنَهَى قَلَهُ, مَا سَلَفَ﴾))(١).
ولا جائز أن يكون هذا القول منها إلا توقيفاً عن الرسول عليه الصلاة
والسلام.
والدلالة على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن ما كان طريقه الاجتهاد والرأي، لا يلحق فاعله فيه
الوعید.
والثاني: لأن مقادير عُظْم الأجرام لا تعلم إلا توقيفاً، كما أخبرت
بمقدار الجرم، فإن مثله يبطل الاجتهاد، فعُلِمَ أن ذلك توقيفاً.
ولا يجوز أن يكون لأجل البيع إلى العطاء؛ لأن هذا الخبر قد دلَّ على
أن من مذهب عائشة جواز البيع إلى العَطاء؛ لأن البيع إلى العطاء لو كان
عندها فاسداً، لكان الشراء الثاني فسخاً للأول؛ لأنه لا خلاف(٢) أن مَن
باع شيئاً بيعاً فاسداً، ثم اشتراه من المشتري: أن الشراء الثاني فسخٌ للأول،
لا يستحق به فاعله الذم، فلما ذمَّتْها على العقدَيْن جميعاً بقولها: ((بئس ما
شريت، وبئس ما اشتريت))، دلَّ على أن البيع الأول إلى العطاء كان جائزاً
عندها، وأن الثاني كان فاسداً.
فإن قيل: فكيف أنكرتْ عليها البيعَ الأول، وهو صحيح عندها(٣).
(١) سنن البيهقي ٣٣٠/٥، وقوَّى سنده ابن التركماني في الجوهر النقي.
(٢) القوانين الفقهية ص ١٧٢.
(٣) في الأصل (عندنا)، والتصويب من النسخة المغربية، وأيضاً من الجوهر
النقي لابن التركماني ٣٣١/٥، فقد نقل نص الجصاص هذا بلفظ: ((عندها)»، وهو ما
يقتضيه السياق.

٧٩
کتاب البيوع
قيل له: لأنها علمت أنها قصدت به إلى إيقاع العقد الثاني، كما ترى
الناس يفعلونه.
مسألة : [الخيانة في الإخبار بالثمن في بيع المرابحة والتولية]
قال أبو جعفر : (وإذا باع الرجلُ من الرجل شيئاً مرابحة(١)، ثم عَلِمَ
المشتري بخيانةٍ كانت من البيِّع ... إلى آخر ما ذَكَر)(٢).
قال أحمد : من مذهب أبي يوسف: أن المرابحة والتولية سواء، تُحَطّ
فيهما جميعاً الخيانة.
ومن مذهب محمد: أنهما سواء، ولا تُحَطّ الخيانة، لكن للمشتري
الخيار في فسخ البيع.
وأما أبو حنيفة فيَحطَّ الخيانة في التولية، ولا يحطّها في المرابحة،
ويجعل له الخيار في الفسخ.
وجه قول أبي حنيفة: أن الخيانة لا تُخْرِج عقدَ المرابحة مِن أن يكون
عقدَ مرابحة، وإنما سمَّى ما حكمه أن يكون ربحاً: رأسَ مال، فإذا لم
تُخرجه الخيانة من أن يكون عقد مرابحة، لم يجز الحطّ، ووجب الخيار؛
لأن ما كان رأسَ مال، فهو أفضل في كونه ثمناً من أن يكون ربحاً، فصار
كمن اشترى عبداً بثمن مؤجل، وباعه مرابحة بثمن حال، فيكون للمشتري
(١) المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح، والتولية
من غير زيادة ربح، كما في مختصر القدوري ٣٣/٢.
(٢) تتمة عبارة المختصر ص٨٢: ((بخيانة كانت من البائع له في ثمنه، زادها
عليه ... ))، ثم ذكر الطحاويُّ أقوال أئمة المذهب، وقد ذكرها الجصاص رحمه الله في
شرح العبارة.

٨٠
کتاب البيوع
الخيار، لأن الحالَّ أفضل من المؤجل.
وأما التولية: فإن إثبات الخيانة فيه يخرجه من أن يكون عقد تولية؛
لأنه يصير عقد مرابحة، وهما لم يدخلا في عقد مرابحة، فلا يجوز أن
يلزمه إياه.
ولأبي يوسف: أن البيِّع قد رضي بنَقْله إليه بالعقد الأول، وزيادة
الربح المذكور، فلا بد من أن تُحطَّ الخيانة مع رضا البيِّع ببيعه بغير خيانة.
ولمحمد: أن البيِّع وإن كَذَب في الثمن، فإنه لم يرض بنقله إليه إلا
بالثمن المسمَّى في العقد الثاني، فلا يُحطّ عنه شيء، ولكن للمشتري
الخيار.
مسألة : [اختلاف المتبايعين في الثمن والمبيع قائم]
قال أبو جعفر: (وإذا اختلف المتبايعان في الثمن، والمبيع قائم:
تحالفا).
وذلك لما رواه جماعة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جَدِّه
عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا اختلف البيِّعان،
والمبيع قائم بنفسه، وليس بينهما بيِّنة: فالقول ما قال البيِّع، أو يترادَّان))(١).
والخبر مرسل في الأصل؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله يقال إنه لم
(١) بهذا اللفظ في سنن ابن ماجه ٧٣٧/٢، ورواه النسائي ٣٠٢/٧، سنن أبي
داود ٧٨٠/٣-٧٨٣، المستدرك ٤٥/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، البيهقي
٣٣٢/٥، وللحديث طرق كثيرة بألفاظ متقاربة، وقد فصل الكلام عنها وعن اتصالها
وقبولها الزيلعي في نصب الراية ١٠٥/٤-١٠٧، وابن حجر في التلخيص الحبير
٣٠/٣-٣٢.