Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كتاب المناسك : (ولا يجزئ النسك إلا في الحرم). وذلك لما بيَّه من أنه دم متعلِّق بالإحرام(١). [لو حلق المحرم شعر رأسه، أو بعضه ](٢) قال: (وإذا حلق رأسه من غير ضرورة: فعليه دم لا يجزئه غيره). لما بيَّنَّا(٣). (وإن كان من ضرورة: فعليه أيُّ الكفارات شاء)؛ للآية(٤). * قال: (وكذلك لو حلق ربع رأسه في قول أبي حنيفة، وقال أبو یوسف، ومحمد: لا يجب عليه دم حتى يحلق أكثر رأسه، فيجب دم). قال أبو بكر أحمد : الرواية المشهورة عنهم جميعاً أن عليه في حلق الربع دماً. وروي عن أبي يوسف وحده في غير الأصول: أن الدم لا يجب حتى يحلق أکثر رأسه. * وأما اعتبار الربع؛ فلأن الربع قد تعلّق به الحكم في الرأس في باب جواز مسحه، فصار في حكم الكل من هذا الوجه. (١) راجع: باب ذكر الحج، صفة الإحرام من هذا الشرح. (٢) راجع: الجامع الصغير ص١٥٤، المبسوط ٧٠/٤-٧٣، بدائع الصنائع ١٩٢/٢. (٣) قريباً من كفارة الحلق إذا كان به أذى. (٤) هي قوله تعالى: ﴿فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ، أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ ﴾. البقرة: ١٩٦. ٥٦٢ كتاب المناسك ولأن الربع قد ثبت حكمه أيضاً في باب كشف المرأة ربع رأسها، أو ساقها في الصلاة، بأنه يمنع جوازها، فكذلك في الحلق في الإحرام. ألا ترى أن حلق القليل لا يوجب دماً، والكثير يوجبه، فاحتَجْنا إلى حدٍّ فاصلٍ بينهما، فجعلوه الربع، كما في كشف المرأة ربع رأسها، أو ساقها في الصلاة. وقال أبو يوسف في كشف الساق والرأس: إنه لا يمنع الصلاة حتى يكون أكثر من النصف في إحدى الروايتين(١)، فكذلك في الحلق. [لو حلق المحرم شاربه، مواضع المحاجم، أوشعر إبطه](٢) قال : (وإن حلق شاربه: فعليه طعام). وذلك لأن الشارب تابع للِّحية، فهو كمن حلق أقل من ربع رأسه. * قال : (وإن حلق مواضع المحاجم: فعليه دم في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: عليه الطعام). وذلك لأن العُنُق عضو كبير، لا نظير له في البدن، فأشبه الرأس، ومواضع المحاجم منه أكثر من الربع. ولا خلاف بينهم(٣) أنه لو حلق الرقبة كلها: كان عليه دم في قولهم جميعاً. (١) راجع: المبسوط ١٩٧/١. (٢) راجع: الجامع الصغير ص١٥٤، المبسوط ٧٣/٤، بدائع الصنائع ١٩٣/٢. (٣) أي بين أئمة الحنفية. ٥٦٣ كتاب المناسك وأبو يوسف ومحمد جعلا الرقبة تابعة للرأس، فلا يجب في ربعها دم کالشارب. * قال : (وإن حلق إبطيه أو إحداهما: كان عليه دم). لأن الإبط عضو كامل، إلا أن له نظيراً في البدن، فإن حَلَقَه كله: وَجَب دم، وإن حَلَق بعضه: لم يجب دم، لأنه عضو صغير، وله نظير في البدن. وإنما خَصَّ أبو حنيفة الرأس والرقبة، بأن جعل في ربع كل واحد منهما دماً، لما وصفنا. [لو قص المحرم أظافره](١) (وإن قص أظافره كلَّها: فعليه دم، كذلك إن قص أظافر يدٍ أو رِجْلٍ: فعليه دم). وذلك لأنه قد أزال التَّفَث عن عضوٍ، إذ الجميع من جنس واحد، فلا يجب في الكل إلا ما يجب في العضو، ألا ترى أنه لو لبس قميصاً وسراویل وخفین وعمامة، لم یجب علیه إلا دم واحد. * قال : (فإن قصَّ خمسة أظافير من يدين أو رِجْلين، ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليه صدقة، وقال محمد: عليه دم). لأبي حنيفة: أن المبتغَى بقص الأظفار النفع والزينة جميعاً، وإنما حصل له النفع فیما قص من البدن دون الزينة، فلا يبلغ به دماً. ومحمد اعتبر العَدَد. (١) راجع: الجامع الصغير ص١٥٤، المبسوط ٧٧/٤، بدائع الصنائع ١٩٤/٢. ٥٦٤ كتاب المناسك [لو قطع المحرم شجر الحرم](١) قال : (وفي شجر الحرم: قيمة يجزئ فيه الهدي والطعام، ولا يجزئ الصوم). وذلك لأن صيامه تعلق بحرمة الموضع، فأشبه حقوق الآدميين، فلا يجزئ مِن بدله إلا مال. * (ولا يحتش من حشيش الحرم، ولا يرعى في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يرعى ولا يحتش). لأبي حنيفة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولا يُختلى خَلَاَها))(٢)، وهو يعم الأمرين جميعاً. وأيضاً: حين مُنع من إتلافه بالقطع، وجب أن يُمْنَعَ بالرعي، كما أنه لما مُنْعَ من قتل الصيد، مُنعَ أن يرسل عليه كلباً يقتله. * قال: (وشجر الحرم الذي نُهي عنه هو: مما لا يُنْبِتُه الناس من الحشيش وما أشبهه، إلا الإذخر، فإنه لا بأس به). قال أبو بكر أحمد : لا يَضْمن من شجر الحرم إلا ما نَبَتَ بنفسه، مما لا يُنْبته الناس، وما عداه لا یضمنه. ولا يضمن ما أنبته هو ثم قَطَعه؛ لأنه ماله بمنزلة متاعه وضَيْعته، فله أخذه. (١) راجع: الحجة على أهل المدينة ٤٠٦/٢، المبسوط ١٠٣/٤. بدائع الصنائع ٢١٠/٢. (٢) تقدم تخريجه. ٥٦٥ كتاب المناسك [حكم أكل المحرم من الصيد](١) قال: (ولا يأكل المحرم من صيد البر ما تولَّىَ صيدَه، ولا ما تولَّى صيدَه من المُحْرِمين غيرُهُ). وذلك لأن قتل المحرم الصيد لا يذكِّيه، وهو بمنزلة الميتة، لأنه حُظِرَ ذلك عليه من جهة الدين(٢)، كصيد المجوسية(٣)، والوثنية. * (ولا بأس بأن يأكل مما صاده حلالٌ). لحديث أبي قتادة (٤)، وغيره(٥). * قال : (ولا بأس بأن يذبح ما بدا له من الأنعام). لأنه فيها کالحلال؛ إذ لیست بصید. (١) راجع: الحجة على أهل المدينة ١٧٤/٢، المبسوط ٧٩/٤، ١٨٨، بدائع الصنائع ١٩٥/٢. (٢) وذلك بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمًا﴾. المائدة: ٩٥-٩٦. (٣) في ((ق)): المجوسي. (٤) أخرجه البخاري ١٧٢٥ (٦٤٧/٢)، ومسلم ١١٩٦ (٨٥٢/٢). (٥) ينظر مسلم ١١٩٧ (٨٥٥/٢)، ومسند أحمد في المسند ٣٦٢/٣، والترمذي ٨٤٦ (٢٠٣/٣) وقال: حديث جابر حديث مفسر، والمطلب: لا نعرف له سماعاً من جابر .... قال الشافعي: ((هذا أحسن حديث روي في هذا الباب)). ٥٦٦ كتاب المناسك [حكم الاستظلال، والادّهان بزيت](١) قال: (ولا بأس بأن يَسْتَظِلَّ راكباً ونازلاً). کما لابأس بأن يستظل ببيت. * قال: (ومَن ادَّهن وهو محرم بزيت: كان عليه دم). وذلك لأن الزيت في نفسه طِيْب(٢)، ألا ترى أن المتطيِّب منه طَيِّب بالاتفاق (٣)، وهو إنما اكتسب رائحة الطيب، كدهن البان والزِّتْبَق والورد ونحوه، ومعلوم أن الرائحة لا حكم لها، لأنه لو لبس رداء مبخّراً بالعود والمِسْك، لم يلزمه لأجل الرائحة شيء. قال أبو بكر أحمد : قال أبو يوسف ومحمد: عليه في الزيت صدقة. [حكم قتل المحرم للبراغيث والقمَّل] (٤) قال: (ولا بأس للمحرم بقتل البرغوث والنملة والبقَّة). لأنها ليست بصيد؛ لأن الصيد ما كان جنسه ممتنعاً مستوحشاً، وهذه الأشياء ليست بمتوحشة ولا ممتنعة. (١) راجع: الحجة على أهل المدينة ٢٧٠/٢، المبسوط ١٢٢/٤، ١٢٩، بدائع الصنائع ١٨٦/٢. (٢) فلو دهن بزيت غير مطيب: فحكمه حكم الطيب؛ لأنه يليّن الشعر وينمّه ويحسّنْه، ويلين الجسم، ويزيل عنه الهوام. (٣) انظر: المغني ١٤١/٥، وبداية المجتهد ٣١٠/٥. (٤) راجع: الحجة على أهل المدينة ٢٦٠/٢-٢٦٤، المبسوط ٩١/٤، ١٠١، بدائع الصنائع ١٩٦/٢. ٥٦٧ كتاب المناسك * قال: (وإن قَتَل قملة أطعم شيئاً)(١). وذلك لأن فيه إزالة التفث، لأن القُمَّل بمنزلة الشعر؛ لأنها متولدة من بدن الإنسان. [حكم حلق المحرم شعر غيره](٢) قال : (ومَن حلق وهو مُحرمٌ شعرَ رأس غيره، أو قصَّ أظفار غيره: أطعم شيئاً). وذلك لأنه منهي عن حلق شعر غيره، أو قص أظافير غيره(٣)، كما أنه منهي عن قتل صيد غيره. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّ بَلُغَ اَلْهَدْىُ تَحِلَّهُ﴾(٤)، وهو ينتظم رأس نفسه ورأس غیره. ولا یجب دم؛ لأنه لم یحصل له به نفع ولا زينة. (١) في ((ق)): مسكيناً، وما أثبته من ((د))، وهو موافق للمختصر المطبوع ص ٧٠. (٢) راجع: الجامع الصغير ص ١٥٥، المبسوط ٧٢/٤، بدائع الصنائع ١٩٣/٢. (٣) والمراد أن هذا الغير لم ينته من المناسك، فلو قصَّ له بإذنه من أجل تحلله فلا بأس بذلك. (٤) البقرة: ١٩٦. ٥٦٨ كتاب المناسك باب الفدية وجزاء الصيد(١) [وجوب الدم بالدفع من عرفة قبل الغروب](٢) و قال أبو جعفر: (ومَن وقف بعرفة من المُحْرِمين بالحج، ودفع منها قبل الغروب: فعلیه دم). قال أبو بكر أحمد: لا تفسد حجته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجه))(٣). وعليه دم؛ لأنه ترك سنة الدفع؛ لأن من سنته الدفع بعد الإمام، أو (٤) معه (٤). قال أبو جعفر: (وإن كان الإمام واقفاً على حاله، ورجع فوقف معه ما بقي من الوقوف: فالدم عليه على حاله). قال أبو بكر أحمد : وهذا الجواب خلاف مذهبهم؛ لأن من مذهبهم (١) متن مختصر الطحاوي ص ٧٠-٧٣. (٢) راجع: مناسك الكافي مع الأصل ٤١٣/٢، المبسوط ٥٥/٤، بدائع الصنائع ١٢٧/٢. (٣) سبق تخريجه. (٤) وذلك لما ورد في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم ١٢١٨ (٨٩٠/٢)، وفيه: ((فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص ... ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم)). ٥٦٩ كتاب المناسك أن الدم يسقط بعوده قبل دفع الإمام؛ لأنه قد فعل سنة الدفع، وقد رواه عنهم أبو الحسن الكرخي رحمه الله(١). مسألة : [فدية الصيد إذا قتله المحرم](٢) قال أبو جعفر: (وإذا قتل المحرم صيداً: حَكَمَ عليه في ذلك ذوا عَدْل بقيمته، ثم إن شاء صَرَفها في هَدْي، وإن شاء اشترى بها طعاماً فأطعم كل مسكين نصف صاع من بُرُّ، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوماً، وهو مخيّرٌ فیه. وقال محمد: يَحْكم به ذوا عَدْل، فإن حكَمَا بهدي: نُظِر إلى نظيره من النَّعَم الذي يشبهه في المنظر، ولم يُنْظَر إلى قيمته فيما له نظير. وما لا نظير له: فقيمته، ويشتري بالقيمة طعاماً، ثم إن شاء أطعم، وإن شاء صام). قال: (وإن حَكَم الحكمان بالطعام أو الصيام، فعلى ما قال أبو حنيفة). قال أبو بكر أحمد : الخيار إلى القاتل في الهدي أو الطعام أو الصيام، ولیس الخيار إلى الحکمین. وجه قول أبي حنيفة: أن قول الله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(٣): (١) كذا نقل عنه الكاساني في بدائع الصنائع ١٢٧/٢. (٢) راجع: الجامع الصغير ص ١٥٠، المبسوط ٨٢/٤، بدائع الصنائع ١٩٨/٢. (٣) المائدة: ٩٥. ٥٧٠ كتاب المناسك قد انتظم القيمة، لاتفاق الجميع على أن ما لا نظير له من النَّعَم: فالواجب فيه القيمة (١)، فإذا أريد به القيمة في بعض ما دخل في اللفظ، وجب أن يكون المراد بالجميع القيمة، لأنه لا يجوز أن يرادا جميعاً بلفظ واحد. وأيضاً: فإنا إذا حملناه على القيمة، كان اللفظ عاماً في الجميع، والنظير يكون خاصاً في البعض، وحَمْلُ اللفظ على معنى ينتظم العموم، أَوْلى من حَمْله على معنى الخصوص. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٢)، فكان هذا المثل هو القيمة في حق الآدمي، فوجب أن يكون کذلك فیما یجب من حق الله. وأيضاً: فإن القيمة أعدل من النظير من النَّعَم، ألا ترى أن الظبي الذي قتله لو كان ملكاً لآدمي، كان الذي يجب عليه للآدمي القيمة، وكانت القيمة في حق الآدمي أعدل من النظير، كان كذلك في حق الله. وقول الله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾(٣)، فإن معناه: إن اختار الهدي بالقيمة الواجبة، لأنه خيَّره بينه وبين الطعام والصيام بقوله: ﴿أَوْكَفَّرَّةٌ طَعَاهُ مَسَكِينَ﴾ (٤). (١) لم أقف على توثيق هذا الإجماع، أو أنه أراد أئمة المذهب، والله أعلم. (٢) البقرة: ١٩٤. (٣) المائدة: ٩٥. (٤) المائدة: ٩٥. ٥٧١ كتاب المناسك وقد قيل: إن فيه تقديماً وتأخيراً، وأن تقديره: فجزاء مثل ما قتل من النَّعَم يحكم به ذوا عدل منكم. وهذا تمام الكلام، ثم قال: هدياً بالغ الكعبة إن اختاره، أو طعاماً، أو صياماً. * قال: (وقَتْله للصيد عمداً أو خطأ سواء). وذلك لأن جنايات الإحرام لا يختلف حكمها في الخطأ والعمد، بدلالة الفوات(١). * قال : (وكلما قتل صيداً: حُكِمَ عليه كما ذكرنا). لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ﴾(٢)، ولم يفرِّق بين أول مرة وما بعدها. وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْثَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾(٣): لا ينفي وجوب الجزاء؛ لأن أول الآية يوجبه، وآخرها يوجب الوعيد، ولا يمتنع اجتماع الوعيد والجزاء. مسألة (٤): قال: (وإذا قتل المحرمان صيداً: كان على كل واحد منهما الجزاء). (١) أي فوات الحج لا يختلف حكمه بالسهو والعمد، ويجب القضاء، كذلك جنايات الإحرام. (٢) المائدة: ٩٥. (٣) المائدة: ٩٥. (٤) راجع: الحجة على أهل المدينة ٣٨٨/٢، المبسوط ٨٠/٤، بدائع الصنائع ٢٠٢/٢. ٥٧٢ كتاب المناسك لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ﴾(١)، و: ((من)): يتناول كل واحد من العقلاء بالحكم الذي عُلَّق به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(٢): يتناول كل واحد من القاتلين بإيجاب كفارة تامة. وأيضاً: لما كان الجزاء كفارة فيها صوم لقوله: ﴿أَوْ كَفَّرَّةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ﴾(٣): أشبهت كفارة الخطأ. وليس الجزاء بمنزلة الدية؛ لأن الجزاء كفارة لا على وجه البدل، والدليل عليه أنه لو قتل صيداً لآدمي: لزمته القيمة للآدمي، والجزاء لله تعالى، فعلمنا أن وجوبها ليس على جهة البدل، إذ ليس يجوز أن يلزمه بدلان لشيء واحد. وليس ارتفاع الجزاء وانخفاضه بموجب أن يكون بدلاً من الصيد؛ لأن كفارة الطيب والحلق وسائر الجنايات الواقعة في الإحرام، قد ترتفع وتنخفض، وليست(٤) ببدل، ألا ترى أنه لو طيّب بعض عضو: وجبت عليه الصدقة، وكذلك لو حلق أقل من ربع رأسه، أو قلَّم بعض أظفار کفه. (١) المائدة: ٩٥. (٢) النساء: ٩٢. (٣) المائدة: ٩٥. (٤) في ((د)): ولا يوجب أن يكون بدلاً. ٥٧٣ کتاب المناسك ولو طيَّب عضواً كاملاً، أو حلق ربع رأسه، أو قلَّم أظافير(١) كفه: كان عليه دم. مسألة : [مضاعفة الجزاءات على القارن](٢) قال : (وإذا قتل القارن صيداً كان عليه جزاءان). لأنه مُحْرِم بشيئين، وكل واحد من الإحرامين يوجب جزاء إذا كان على وجه الكفارة. وليس مثل المحرم إذا قتل صيداً في الحرم، فيلزمه جزاء الإحرام دون الحرم؛ لأن جزاء الحرم يشبه ضمان الأموال، بدلالة أنه لا يجب به إلا حق في مال، فإذا ضَمِنَ من وجه، لم يَجُز أن يضمن من وجه آخر. * (وكذلك كل جناية وقعت منه في قِرانه: فعليه فيها كفارتان). [مسألة : ] قال: (فإذا قتل الحلال صيداً في الحرم: كان عليه الجزاء، ولا يجزئه إلا الهدي أو الصدقة، ولا يجزىء فيه الصوم). لأن ضمانه لم يتعلق بمعنى في القاتل، وإنما تعلق بحرمة غيره، فأشبه إتلاف الأموال، فلا يجب به إلا حق في ماله. (١) في ((ق)): بعض أظفار. (٢) راجع: الجامع الصغير ص١٥١، المبسوط ٨١/٤، بدائع الصنائع ٢٠٦/٢. ٥٧٤ كتاب المناسك مسألة: [الإحصار من العدوِّ، والمرض](١) قال : (والإحصار من العدو، والمرض سواء). لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾(٢)، وقال أهل اللغة: يقال: أحصره المرض، وحَصَرَه العدوُّ(٣)، فالذي في لفظ الآية: الإحصار من المرض. ومن جهة السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن كُسِر أو عَرَجَ، فقد حلّ، وعليه الحج من قابل)»(٤). ولأن المعنى الذي من أجله جاز له الإحلال في الإحصار من العدو، هو موجود في المرض، وهو الحبس. * قال : (وثبت على إحرامه حتى يُنحَر عنه هديٌّ في الحرم). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِّقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَّ بَبْغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ ﴾(٥)، فدل على معنیین: (١) راجع: الحجة على أهل المدينة ١٨٢/٢، المبسوط ١٠٨/٤، بدائع الصنائع ١٧٥/٢. (٢) البقرة: ١٩٦. (٣) انظر: إصلاح المنطق لابن السكيت ص ٢٣٠، والقاموس المحيط (حصر). (٤) أخرجه أحمد في المسند ٤٥٠/٣، والترمذي ٩٤٠ (٢٧٧/٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧٠ وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وأبو داود في السنن (١٨٦٢)، وهذا لفظه. (٥) البقرة: ١٩٦. ٥٧٥ كتاب المناسك أحدهما: أنه لا يجوز الإحلال إلا بعد ذبح الهدي. والثاني: أن يكون الذبح في الحرم، وذلك لأن قوله: ((حتى)»: غاية، ولو كان موضعُ الإحصار موضعَ ذبح الهدي، لم يكن يشرط فيه بلوغ غاية هي المحل. ويدل عليه قوله: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾(١): يعني من المحصَرين؛ لأن الكناية راجعة إليهم، ﴿أَوْ بِ أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾(٢)، ولو جاز له أن يُحِلِّ في الحِلَّ بذبح الهدي في موضعه، لما صح فيه هذا الحكم. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾(٣): أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق الهدي للتطوع(٤)، فجعله للإحصار، فلم يبلغ المحل الذي له ساقه(٥). وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بدنةً ناجيةَ بن جندب الأسلمي رضي الله عنه حتى أخذ بها في الشِّعاب والأودية، فنحرها في الحرم(٦). (١) البقرة: ١٩٦. (٢) البقرة: ١٩٦. (٣) الفتح: ٢٥. (٤) في (د)): للطوع. (٥) قال المؤلف في أحكام القرآن ٣٩٤/٣: ((قد كان ممنوعاً بدياً عن بلوغ المحل، ثم لما وقع الصلح: زال المنع، فبلغ محله وذبح في الحرم)). (٦) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٤٢/٢، وأبو داود ١٧٦٢ = ٥٧٦ كتاب المناسك [مسألة: قضاء المحصَر ما عليه] قال : (وعليه قضاء ما حَلَّ منه). لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كُسر أو عَرَج، فقد حلّ، وعليه الحج من قابل))(١). * قال: (فإن كان الذي حَلّ منه عمرة: فعليه عمرة مكانها، وإن كان حجة: فعليه حجة وعمرة مكانها). وذلك إذا لم يحج في تلك السنة. فإن حج في تلك السنة: فعليه الحجة وحدها. وإن حج من قابل: كان عليه حجة وعمرة، وذلك لأنه إذا حج من قابل، فالحجة الأولى فائتة عن سَنَّتِها، والذي يفوته الحج يتحلل بفعل عمرة، فتلزمه العمرة التي تعلقت بالفوت. [مسألة: لا إحصار بمكة](٢) قال : (ولا يكون الإحصار بمكة). قال أبو بكر أحمد : كل مَن أمكنه أن يتحلل من إحرامه بالطواف: لم يكن محصَراً، ألا ترى أن الذي يفوته الحج ليس بمحصر؛ لأنه يمكنه أن يتحلل بالطواف. (٣٦٨/٢)، والترمذي ٩١٠ (٢٥٣/٣) وقال: حديث حسن صحيح. (١) سبق تخريجه. (٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ١٩١/٢، المبسوط ١١٤/٤، بدائع الصنائع ١٧٧/٢. ٥٧٧ كتاب المناسك * قال : (ولا يكون الحاج محصَراً بعد ما يقف بعرفات). وذلك لأن الإحصار يوجب له الإحلال والقضاء، وبعد الوقوف لا يتعلق به وجوب القضاء بحال، ألا ترى أنه لا يجوز أن يلحقه الفساد بعد الوقوف بحال. [وقت ذبح هدي الإحصار](١) قال: (ويجوز ذبح هدي الإحصار قبل يوم النحر في قول أبي حنيفة). لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾(٢)؛ ولأن الدم الذي يحل به قائم مقام الطواف الذي يلزمه بالفوت، ولا وقت لذلك الطواف، فكذلك الدم الذي يقوم مقامه في الإحلال. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه قبل يوم النحر). لأن الطواف الذي يحل به عند الفوات لا يجوز قبل يوم النحر. [ليس على المحصر حلق](٣) قال: (وليس على المحصر حلق في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف فيما روى عنه محمد: يحلق رأسه، فإن لم يحلق: فلا (١) راجع: الجامع الصغير ص١٥٧، المبسوط ١٠٩/٤، بدائع الصنائع ١٨٠/٢. (٢) البقرة: ١٩٦. (٣) راجع: مناسك الكافي مع الأصل ٤٦٢/٢، المبسوط ١٠٧/٤، بدائع الصنائع ١٨٠/٢. ٥٧٨ كتاب المناسك شيء عليه، وقال أبو يوسف بعد ذلك في رواية ابن سَمَاعة: لابدَّ له من حلقه). لأبي حنيفة: أن الحلق نسك يختص بالإحرام من توابعه، فأشبه رمي الجمار والسعي ونحوه، وليس كالصدقة التي تلزم في الإحرام، ولا كالصوم؛ لأن الصوم والصدقة ليسا مختصين بالإحرام في كونهما قربة. [ما يفعله المحصر بالعمرة](١) قال: (ويفعل المحصَر بالعمرة كما يفعل المحصَر بالحج). لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾(٢): راجع إلى جميع المذكور، وهو قوله: ﴿ وَأَتِمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَلِلَّهِ﴾(٣). * (ولا وقت لنحر الهدي لها). كما لا وقت لأفعالها، والإحلال منها لو بلغ مكة. [حكم من فاته الحج] (٤) قال: (ومَن فاته الحج: تحلل بعمل عمرة). (١) راجع: الحجة على أهل المدينة ١٩٣/٢، المبسوط ١٠٩/٤، بدائع الصنائع ١٧٧/٢. (٢) البقرة: ١٩٦. (٣) البقرة: ١٩٦. (٤) راجع: الجامع الصغير ص ١٦٥، الحجة ٣٣٠/٢، المبسوط ١٧٤/٤، بدائع الصنائع ٢٢٠/٢. ٥٧٩ كتاب المناسك روي ذلك عن جماعة من الصحابة (١)، ولا نعلم فيه خلافاً (٢). * (والفوت يحصل بترك الوقوف بعرفة، حتى يطلع الفجر يوم النحر). لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك عرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجم))(٣). وقال: ((مَن فاتته عرفة، فقد فاته الحج))(٤). [حكم إحرام العبد والمرأة بغير إذن السيد والزوج](6) قال: (وإذا أحرم العبد بغير إذن المولى، أو المرأة بغير إذن زوجها سوى حجة الإسلام: فللمولى والزوج أن يُحِلّهما). وذلك لأن العبد متطوِّع بالحج، وهو لا يملك بذلك من نفسه؛ لأن المولی أملك به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها))(٦). (١) أخرجه مالك في الموطأ ١٥٣ (٣٨٣/١)، والبيهقي في المعرفة ١٠٤٣٢ (٣٨٥/٧-٣٨٦). (٢) انظر: بداية المجتهد ٤٦٨/٥، والمغني ٤٢٥/٥. (٣) سبق تخريجه. (٤) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٢ (٢٤١/٢)، وراجع: نصب الراية ١٤٥/٣. (٥) راجع: مناسك الكافي مع الأصل: ٤٦٣/٢، المبسوط ١١٠/٤، بدائع الصنائع ١٨١/٢. (٦) أخرجه البخاري ٤٨٩٦ (١٩٩٣/٥)، ومسلم ١٠٢٦ (٧١١/٢)، والدارمي = ٥٨٠ كتاب المناسك فإذا كانت ممنوعة من الصوم لحقِّ الزوج: فالحج أَوْلى بذلك. وإنما كان لهما أن يُحِلاّهما في الحال؛ لأنه (١) يجوز لنا تأخير حقهما في الحال بإحرام العبد والمرأة، ثم يكون الدم عليهما، أما العبد فحتى يَعْتِق؛ لأنه لا يملك، والمرأة ففي الحال؛ لأن كل مَن حَلِّ من إحرامه بغير طواف: فعليه دم. * (وعليهما من القضاء ما على المحصَر). [مسألة : ] قال: (وليس للزوج أن يمنعها من حجة الإسلام إذا كان معها مَحْرم). کما لا یمنعها من صلاة الفرض، وصيام شهر رمضان. [مسألة :](٢) قال : (والفقير إذا حجَّ: أجزأه عن حجة الإسلام). لأنه من أهل الخطاب بالحج؛ لأنه يملك منافع نفسه، إلا أنه لم يكلفه لعدم الاستطاعة، ومتى ما حصل هناك، صار مستطيعاً، فلزمه فرض الحج. * والعبد إذا حج في الرق، ثم أُعتق: لم يجزئه عن حجة الإسلام، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سلف(٣). في السنن ١٧٢٠ (٢١/٢)، وهذا لفظه. (١) في ((د)): (لأنهما لا يجوز لنا)، ولا يستقيم الكلام بهذا، والصواب ما أثبته من «ق)». (٢) راجع: بدائع الصنائع ١٢٠/٢. (٣) راجع: من هذا الشرح: كتاب الحج، باب وجوب الحج، مسألة: حج =