Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب الزكاة مسألة: [مَن لا تجب عليه زكاة](١) قال أبو جعفر: (ولا زكاة على طفلٍ، ولا على مجنون في مواشيهما، ولا في ذهبهما وفضتهما، وكذلك المكاتب، والذُّمِّي). قال أبو بكر أحمد : يُروى نحو قول أصحابنا في نفي زكاة مال اليتيم عن عبد الله بن مسعود(٢)، وابن عباس(٣)، في آخرين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين(٤). ويُحكى عن ابن شبرمة(٥) أنه لا يزكي الذهب والفضة من مال اليتيم، ويزكي الإبل والبقر والغنم(٦). (١) راجع: الأصل ٩٨/٢، المبسوط ١٦٢/٢، بدائع الصنائع ٤/٢-٦. (٢) أخرج عنه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة ٤٥٨/١، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠١٢٥ (٣٧٩/٢). (٣) أخرج عنه محمد بن الحسن في المصدر السابق ٤٦٠/١. (٤) مثلاً من الصحابة - عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة في المصنف ١٠١٣٦ (٣٨٠/٢)، ومن التابعين إبراهيم النخعي، والحسن البصري، والشعبي وشريح، وسعيد بن جبير رضي الله عنهم أجمعين. انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١٠١٢٦-١٠١٣٥ (٣٨٠/٢)، والحجة على أهل المدينة ٤٥٨/١-٤٦٢. (٥) هو عبد الله بن شبرمة، الكوفى، القاضى، فقيه ثقة. توفى سنة ١٤٤هـ. انظر: تقريب التهذيب ص٣٠٧ ت: ٣٣٨٠. (٦) ذكره عنه النووي في المجموع شرح المهذب ٣٣١/٥. ٢٦٢ كتاب الزكاة ويروى عن علي (١)، وعمر(٢)، وابن عمر (٣)، وعائشة (٤) رضي الله عنهم أنه يزكي الجميع، وهو قول الشافعي (٥). والحجة لنفيها عنهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُقيق، وعن الصبي حتی یحتلم))(٦). فوجب بهذا الظاهر نفي الزكاة عن ماله؛ لأن إيجابها ينافي رَفْع القلم. فإن قيل: إنما يدل ذلك على زوال التكليف عنه، فما الدليل على أنه ليس على وليه إخراجها عنه؟ قيل له: قول الله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلّإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(٧)، وقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾(٨)، فنفى بذلك وقوع الأداء عن الصبي إذا (١) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠١١٣ (٣٧٩/٢). (٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠١١٩ (٣٧٩/٢)، والدارقطني في السنن ٤ (١١٠/٢). (٣) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٦٩٩٢ (٦٩/٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠١٢٣ (٣٧٩/٢). (٤) أخرجه عنها عبد الرزاق في المصنف ٦٩٨٣-٦٩٨٥ (٦٦/٤-٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠١١٤ (٣٧٩/٢). (٥) انظر: الأم للشافعي ٢٨/٢. (٦) سبق تخريجه. (٧) النجم: ٣٩. (٨) الأنعام: ١٦٤. ٢٦٣ كتاب الزكاة لم يكن ذلك فعله، فلما انتفى الوجوب بالخبر، وانتفى الأداء بالآية، سقط قول مَن أوجبها. وعلى أنه يحتاج أن تثبت الزكاة أولاً، ثم يجب الأداء؛ لأنه لا يجب أداء زكاةٍ لم تجب على مالك. وإن سئلنا على هذا زكاة الفطر؟ قلنا: العموم ينفيها، وخصصناها بدلالة. ودليل آخر: وهو قول أبي بكر الصديق بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، من غير نكير من أحدٍ منهم عليه: ((لأقاتلن مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة))(١). وموجبُ الزكاة عليه دون الصلاة: مفرِّقٌ بينهما. فإن قيل: المكاتب عليه الصلاة، ولا زکاة علیه. قيل له: فإذا كان مَن عليه الصلاة لا زكاة عليه، فمَن لا صلاة عليه، أحرى بأن لا يكون عليه زكاة؛ إذ الصلاة آكد في باب اللزوم من الزكاة. دليل آخر: وهو أن الزكاة عبادة محضة، لا يلزم أحداً عن غيره، فأشبهت الحج والصلاة والصوم، فمِن حيث لم تلزم الصبي هذه العبادات، لم تلزمه الزكاة، للعلة المانعة من وجوب الصلاة ونظائرها، وهي الصغر. فإن قيل: الزكاة مخالفة للصلاة؛ لأنها حق في المال، فيلزمه كالغُصوب والنفقات. (١) أخرجه البخاري ١٣٣٥ (٥٠٧/٢). ٢٦٤ كتاب الزكاة قيل له: والحج حق قد يجب في المال ولا يلزمه، والذمي والمكاتب يلزمهما الغُصوب والنفقات، ولا يلزمهما الزكاة. فإن قيل: قد ألزمتَه صدقةَ الفطر، وعُشْرَ الأرضين. قيل له: أما عُشْر الأرضين، فليس موضوعه موضوع العبادات، لوجوبه في أرض الوقف على المساجد، وأرض المكاتَب، والذمي على مذهب المخالف. ولا خلاف(١) أن الزكاة متعلِّقٌ وجوبها بالمالك، على جهة أنها عبادة محضة. وأما صدقة الفطر، فليست عبادة محضة، وهي تلزم الأب عن ابنه الصغير، وعن عبده، فأشبهت النفقات التي تلزم الإنسان لغيره، وزكاة المال لا تلزمه عن غيره، فأشبهت الحج والصلاة والصوم. ودليل آخر: وهو أن الصبي ليس له اعتقاد الإيمان، فأشبه الكفر(٢). وأيضاً: فإن الصبي(٣) لا يتصرَّف فيه بالمعروف، من نحو القرض والهبة، فأشبه المكاتَب، فلما لم يكن في مال المكاتب زكاة، كان كذلك مال الصبي، لوجود هذا المعنى. فإن احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن ولي يتيماً له مال، فليتَجِر فيه، ولا (١) لم اقف على مَن نص عليه أو خالفه. (٢) هنا بياض فى ((ق))، والذي أثبته هو من ((د)). (٣) في ((ق)): مال الصبي. ٢٦٥ كتاب الزكاة يتركه فتأكله الصدقة))(١). قيل له: معلوم أن الزكاة الواجبة لا تأتي على جميع المال، فثبت أن المراد: لا تأكل منه الصدقة، فحينئذ لا يكون خصمنا أَوْلى بصَرْفه إلى الزكاة، منا إذا (٢) صرفناه إلى زكاة الفطر، والصدقات التي كانت واجبة عند القسمة، وعند الحصاد ونحوه. وإذا كان(٣) المعنى ما وصفنا، سقط الاحتجاج به، لأنا متى أوجبنا صدقةً ما، فقد قضينا عهدة الخبر. وقد قيل: إن أصل الحديث إنما هو عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه موقوفاً عليه، وأن مَن رَفَعَه، فهو غالط (٤). وأيضاً: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المسلم إذا أنفق نفقة على أهله، كانت له صدقة))(٥). (١) أخرجه الترمذي ٦٤١ (٣٢/٣)، وقال: في إسناده مقال؛ لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث، والدارقطني في السنن ١-٣ (١٠٩/٢-١١٠)، وقال النووي: هذا الحديث ضعيف. المجموع شرح المهذب ٣٢٩/٥. (٢) في ((د)): بصرفه إلى صدقة الفطر. (٣) في ((د)): ولاحتمال ما وصفنا سقط إلخ. (٤) انظر الحديث موقوفاً على عمر رضي الله عنه في سنن الدارقطني ٤ (١١٠/٢). (٥) أخرجه البخاري ٥٠٣٦ (٢٠٤٧/٥)، ومسلم ١٠٠٢ (٦٩٥/٢). ٢٦٦ كتاب الزكاة وروى سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثّ على الصدقة، فقال رجل: عندي دينار، فقال: «تصدّقْ به على نفسك))(١). فجعل نفقته على نفسه صدقة، فإن صحَّ الخبر: كان مراده النفقة عليه، وعلى أهله إذا كانت هذه النفقة صدقة، فعبّر عنها بها. * وأما الذميُّ والمكاتب، فلا خلاف بين أهل العلم في نفي الزكاة عن مالهما (٢). وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الفضل بن العباس الصواف قال: حدثنا يحيى بن غيلان قال: حدثنا عبد الله بن بزيع عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس في مال المكاتَب زكاة حتى يَعْثِقِ))(٣). مسألة: [تعجيل الزكاة](٤) قال أبو جعفر: (ويجوز تقديم الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحول). (١) أخرجه أبو داود ١٦٩١ (٣٢٠/٢)، وأحمد في المسند ٢٥١/٢، والنسائي في المجتبى ٢٥٣٤ (٦٢/٥). (٢) انظر: المغني ٧٢/٤، والمجموع شرح المهذب ٣٣٠/٥، ٤٣٤. (٣) وأخرجه - مرفوعاً بنفس السند والمتن - الدارقطني في السنن ١ (١٠٨/٢)، - وموقوفاً - أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٧٠٠٤ (٧١/٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠٢٣٢ (٣٨٨/٢). (٤) راجع: الأصل ٢٥/٢، ٥٤، المبسوط ١٧٦/٢، بدائع الصنائع ٥٠/٢. ٢٦٧ كتاب الزكاة وذلك لما روى حُجَيَّة عن علي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تَحُلَّ، فرخَّص له في ذلك))(١). وفي خبرٍ آخر عن العباس رضي الله عنهما: أنه استسلف منه صدقة (٢) عامین(٢). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن العباس رضي الله عنه حين مَنَعَ الصدقة فقال: ((هي عليَّ، ومثلها معها))(٣)، يعني لسنة مستقبلة. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَلِهِمْ صَدَقَةٌ ﴾(٤)، ولم يخُصَّها بوقت. وأيضاً: لما وُجد السبب، وهو النصاب، وجب أن يجوز الأداء. وقد أجاز مالك بن أنس رضي الله عنه تعجيل الكفارة قبل الحنث؛ لأن عنده أن اليمين سبب لها(٥)، والصدقة أَوْلى بالجواز، لوجود النصاب. وعندنا أن اليمين ليست سبباً للكفارة، فلذلك لم نُجِزْها. (١) أخرجه أبو داود في السنن ١٦٢٤ (٢٧٥/٢-٢٧٦)، والترمذي ٦٧٨ (٦٣/٣) وقال: هذا أصح من حديث إسرائيل عن الحجاج. (٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٧-٨ (١٢٤/٢-١٢٥). (٣) أخرجه مسلم ٩٨٣ (٦٧٦/٢)، والبخاري ١٣٩٩ (٥٣٤/٢). (٤) التوبة: ١٠٣. (٥) انظر: المدونة الكبرى ٥٩٠/١. ٢٦٨ كتاب الزكاة مسألة: [مقارنة النية إخراج الزكاة](١) قال أبو جعفر: (ولا تجزئ الزكاة عمن أخرجها إلا بنيةٍ مخالطةٍ لإخراجه إياها). قال أبو بكر أحمد رحمه الله: قد ذكر هشام عن محمد أنه إن صرّ(٢) مقدار الزكاة على حِدَة، ونوى أن يكون من زكاة ماله، ثم دفع، ولم تحضره النية عند الدفع: إني أرجو أن يجزئه إذا كان نوى أن ما أعطى من الصرة، فهو من الزكاة (٣). وإنما لم تجز الزكاة إلا بنية؛ لأنها فرض مقصود بعينه، كالصلاة والصيام، ولا نعلم مع ذلك فيه خلافاً بين الفقهاء(٤). مسألة : [لو أخذ الإمامُ الزكاة كُرهاً : أجزأت](٥) قال أبو جعفر: (ومَن امتنع من أدائها، فأخذ الإمام منه كُرْهاً، فوضعها في أهلها: أجزأت عنه). وذلك لأن للإمام ولايةً في أخذ الصدقات، فقام أَخْذُه مقامَ دفع(٦) المالك، كما أن الأب لما كانت له ولايةٌ في دفع صدقة الفطر عن (١) راجع: المبسوط ٣٤/٣، بدائع الصنائع ٤٠/٢-٤١. (٢) في ((ق)): خَصَّ. (٣) انظر في ذلك: بدائع الصنائع ٤١/١. (٤) انظر: المغني ٤ /٨٨-٨٩. (٥) راجع: الأصل ٧/٢، ٤٤، الجامع الصغير ص١٢٧، المبسوط ١٦١/٢، بدائع الصنائع ٣٥/٢. (٦) في ((ق)): أخذ. ٢٦٩ كتاب الزكاة الصغير، جازت مع عدم نية الصغير، لوجود نية مَن يستحق الولاية في الدفع(١). مسألة: [لا زكاة في الحُمْلان والفُصْلان والعجاجيل منفردةً](٢) قال أبو جعفر: (ولا زكاة في الحُمْلان، والفُصْلان، والعجاجيل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: فيها وليدة منها). قال أبو بكر أحمد : وقال زفر فيها مُسِنَّة. قال أبو بكر أحمد : والمسألة في الحملان أن يكون له أربعون شاة في أول الحول، فتوالدت أو استفاد أربعين حَمَلاً قبل الحول بشهر أو نحوه، ثم ماتت المسانَّ، وبقيت الحملان(٣)، لا تصح مسألة الحملان إلا على هذا(٤)؛ لأنها لو بقيت في ملكه حولاً، كانت مسان، تجب فيها الصدقة عند الجميع إذا حال عليها حول بعد ما صارت مسانٌ. والحجة لأبي حنيفة ما حدثنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله قال: (١) في (د)): الإعطاء. وتكررت فيه الجملة: كما أن الأب لما كانت له إلخ. (٢) راجع: الأصل ٤/٢، المبسوط ١٥٧/٢، بدائع الصنائع ٣٠/٢. والحملان: مفرده حَمَل، وهو الجذع من أولاد الضأن فما دونه، والعجاجيل جمع الجموع: عِجَّوْل، والمفرد: عِجْل: ولد البقرة. والفصلان مفرده: فِصْل: هو ولد الناقة إذا فصل عن أمه. انظر في ذلك: القاموس المحيط ص١٢٧٧، ١٣٣١، ١٣٤٧، والمصباح المنير ص٣٩٤. (٣) في (د)): الأولاد. (٤) في ((د)): إلا من هذا الوجه. ٢٧٠ كتاب الزكاة حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا يعقوب يعني الدورقي ومحمد بن هشام قالا: حدثنا هشيم قال: أخبرنا هلال بن خباب عن ميسرة أبي صالح عن سويد بن غفلة رضي الله عنه قال: أتانا مصدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فجلست إليه فسمعته يقول: ((في عهدي أن لا آخذ من راضعٍ لبن))(١). يدل هذا الحديث على معنيين: أحدهما: نفي الحق عن الصغار. والآخر: أنها لا تؤخذ في الصدقة، فانتفى به قول القائلين بأخذ واحدٍ منها(٢)، وقولِ مَن قال بأخذ مُسنَّة. وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دون خمسٍ من الإبل، ولا فيما دون أربعين من الغنم شيء))(٣). والفصلان والحملان لا يتناولها اسم الإبل والغنم، بل هي دونها، فانتفى وجوب الحق فيها، لظاهر الخبر. وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر أنس: ((في أربعين شاة: شاة، وفي خمس من الإبل: شاة))(٤). (١) أخرجه أحمد في المسند ٣١٥/٤، وأبو داود ١٥٧٩ (٢٣٦/٢-٢٣٧)، والنسائي ٢٤٥٦ (٣٠/٥). (٢) في (د)): منهما. (٣) سبق تخريجه. (٤) سبق تخريجه. ٢٧١ كتاب الزكاة وقال: ((فمن سُئلها على وجهها: فليعطها، ومَن سُئل فوقها: فلا يعطها))(١). فنفى وجوب الصدقة على الوجه المذكور في الخبر. ومَن أخذ حَمَلاً، فقد سألها على غير وجهها، ومن أخذ شاة مسنَّة من الحملان، فقد سأل فوقها، فيقضي قول النبي صلى الله عليه وسلم ببطلانه؛ لأن اسم الإبل والغنم لا يتناول الفصلان والحملان منفردة عن المسانِ (٢). وأيضاً: لا سبيل إلى إثبات النصاب إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، فلا جائز إثبات الحملان والفصلان نصاباً، مع عدم ذلك ووجود الخلاف. فإن قيل: فقد عددتها مع المسانِّ. قيل له: لوجهين: أحدهما: الاتفاق(٣)، وجائزٌ إثبات النصاب بالاتفاق. والثاني: أن الاسم يتناولها عند وجود المسانَ معها، كما يجري لفظ التذكير على الإناث والذكور عند الاجتماع، ولا يجري على الإناث منفردات. والثالث: ما روى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله (١) سبق تخريجه. (٢) في ((د)): المسنات. والمسنّة من الشاة التي نبتت سنها التي بها يصير صاحبها كبيراً. انظر: المغرب ٤١٨/١ مادة (سنن). (٣) انظر: المغني ٤٦/٤. ٢٧٢ کتاب الزكاة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة فيه: ((يَعُدُّ صغيرها و کبیرها)»(١). وظاهره يقتضي وجوب الحق من جميعها عند الاجتماع. ويدل على اختلاف حال انفرادها أو اجتماعها مع المسانُّ: أن مَن أوجب واحداً فيها (٢) في حال الانفراد، يوجب في حال الاجتماع مسنّة، ولا يوجب في الصغار بقسطها من الحمل والفصيل، وفي الكبار بقسطها من المسنة، ولو كانت كلها صغاراً، لوجب عندهم فيها واحد منها (٣). ويدل على بطلان قول مَن أوجب المسنة، ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقاً في أول الإسلام فقال: ((لا تأخذ من حَزَرَات الناس)) (٤). وهو خيار أموالهم. وقال لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: ((إياك وكرائم (٥) أموالهم)»(٥). (١) لم أقف عليه. قال ابن حجر: ((قول علي رضي الله عنه لم أره))، ثم ذكر سند الحديث. انظر: التلخيص الحبير ١٥٦/٢. (٢) في (د)): منهما. (٣) في ((د)): بعينها. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٩٩١٥ (٣٦١/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٣/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/٤، والحَزَرات على وزن سَجَدات: جمع: حَزْرة، وحَزْرة المال: خياره. المصباح المنير (حزر). (٥) سبق تخريجه. ٢٧٣ كتاب الزكاة ونهى عن أخذ الماخض(١) والرُّبَّى(٢)، وفحل الغنم (٣). فمَن أخذ من أربعين حملاً: مسئَّة، فقد أخذ من خيار أموالهم، وذلك خلاف السنة. وأيضاً: معلوم أن الصدقات موضوعة في حواشي أموالهم، وليس في الأصول صدقة تستغرق المال، وجائز أن لا يكون في خمس من الفصلان والعجلان قيمة شاة وسط، فتأتي الصدقة على المال، وذلك خلاف الأصول. ودليل آخر: وهو أن الفرض يتغير تارة بزيادة السن، وتارة بزيادة العدد، فيجب في خمس وعشرين: ابنةُ مخاض، ثم في ستة وثلاثين: ابنةُ لبون، وكذلك الحِقَّة والجَذَعة، ثم في ستٍ وسبعين: ابنتا لبون، فيتغيَّر الفرض بزيادة العدد، فجرت زيادة السنين مجرى زيادة العدد فيما تعلق بهما من حكم الصدقات، فوجب أن يكون نقصان السن كنقصان العدد، فيكون أربعون حملاً بمنزلة سبع وثلاثين مسنة. فإن قال قائل: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ((لو منعوني عَناقاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه))(٤). (١) في ((د)): الخاص. الماخض من النساء والإبل والشاء المقرب التي أخذها الطلق. انظر: النهاية ٣٠٦/٤. والقاموس المحيط ص٨٤٣. (٢) تقدم ذکر معناها. (٣) سبق تخريجه في حديث ((كتاب عمر رضي الله عنه في الصدقات)). (٤) أخرجه البخاري ٣٣٥ (٥٠٧/٢). ٢٧٤ كتاب الزكاة وذُكر بحضرة الصحابة من غير نكير. قيل له: الصحيح: (لو منعوني عِقالاً)) (١)، وهو صدقة عام(٢)، ويحتمل عقال البعير، ومعلوم أن عقال البعير ليس بواجب في الصدقة، كذلك العَنَاق. وأيضاً: معناه: لو كان العَناق مما يجب فيه، ثم منعوني لقاتلتهم، كقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآءَ الِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾(٣). وأيضاً: فإن السُّعاة كانوا يأخذون الصدقة، ويجمعونها، فتتوالد في أيديهم قبل أن يدفعوها إلى الإمام، وقد كان سعاة أهل الردّة فرَّقوا ما في أيديهم في قومهم، منهم مالك بن نويرة(٤)، ونظراؤه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: (لو منعوني عَنَاقاً مما وُلد في أيديهم لقاتلتهم)) (٥). (١) أخرجه البخاري ٦٨٥٥ (٢٦٥٧/٦)، وقال: ((عناقاً: أصح، ومسلم ٢٠ (٥١/١). (٢) اختلفوا في معنى ((العقال)) المراد هنا في الحديث، ومن ضمن هذه المعاني: صدقة العام، وهو اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢٨٠/٣. (٣) الأنبياء: ٢٢. (٤) هو أبو حنظلة، مالك بن نويرة، التميمي اليربوعي، شاعر، فارس، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني حنظلة، وقد قُتل بأمر خالد بن الوليد في قتال الردة، وتزوج خالد امرأته. انظر خبره في: السيرة النبوية لابن هشام ١٨٨/٤، والإصابة في تمييز الصحابة ٣٥٧/٣، الترجمة: ٧٦٩٦. (٥) لم أعثر على هذا السبب لورود الحديث. ٢٧٥ كتاب الزكاة فإن قيل: في حديث أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة: ((ويُعدُّ صغيرها وكبيرها)»(١)، وظاهره يقتضي وجوب الحق في الصغار منفردة. قيل له: الواو للجمع حتى تقوم دلالة الاستئناف، فكأنه قال: ويَعُدُّ صغيرها مع كبيرها. مسألة (٢) : ولا تجب صدقات المواشي إلا في السائمة منها. وذلك لما روى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر صدقة البقر وقال: ((ليس على العوامل شيء))(٣). رواه جماعة عن أبي إسحاق مرفوعاً، وقال زهير عنه: ((أحسبه)) (٤)، وهو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أحسبه أحبّ إلي. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال: حدثنا رحمويه قال: حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس (١) سبق تخريجه. (٢) راجع: الأصل ١٠/٢، ١٦، ١٨، ٣٦، المبسوط ١٦٥/٢، بدائع الصنائع ٣٠/٢. (٣) أخرجه أبو داود ١٥٧٢ (٢٢٩/٢)، والدارقطني في السنن ٣ (١٠٣/٢). (٤) عند أبي داود في السنن المصدر السابق. ٢٧٦ كتاب الزكاة في البقر العوامل صدقة))(١). ويدل عليه حديث أنس في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: («هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطها، صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة))(٢). فنفى بقوله: ((ومن سئل فوقها فلا يعطه)): وجوبها في غير السائمة؛ لأنه ذكر السائمة، ونفى الصدقة عما عداها. فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((في خمسٍ من الإبل شاة))(٣): وعمومُه يوجب في السائمة وغيرها. قيل له: يخصه ما ذکرنا. وأيضاً: فالحاجة إلى معرفة وجوب صدقة العوامل عامة، فلو كان من النبي صلى الله عليه وسلم نص في إيجابها، لورد النقل به متواتراً كوروده في السائمة، فلما عَدِمْنا ذلك، عَلِمْنا أن لا صدقة فيها. وأيضاً: ما عدا الذهب والفضة من الأموال معلّق وجوبُ الزكاة فيه بطلب النماء منها، وحق المؤونة فيها، بدلالة وجوبها في عروض التجارة، وسقوطها عما كان منها لغير التجارة، وقد أسقط مالك بن أنس (١) وأخرجه الدارقطني في السنن ٢ (١٠٣/٢)، وفي سنده سوار، وهو ضعيف. والطبراني في المعجم الكبير، الحديث: ١٠٩٧٤ (٤٠/١١). (٢) سبق تخريج كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في الصدقات. (٣) سبق تخريجه. ٢٧٧ كتاب الزكاة زكاة الحلي، لأجل أنه مرصَد في الاستعمال(١)، فلزمه مثله في العوامل. ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس في النَّخَّة، ولا في الجبهة، ولا في الكُسْعة صدقة))(٢). وقال كثير من أهل اللغة: إن النخَّة: البقر العوامل(٣). مسألة: [إذا باع ماشيته بماشيةٍ: استأنف بها حولاً] (٤) قال أبو جعفر : (ومَن باع ماشيةً قبل الحول بماشيةٍ سواها: استقبل بها حولاً). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول))(٥). (١) انظر: بداية المجتهد (مع الهداية) ٢٠/٥، والموطأ ٢٥٠/١-٢٥١. (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. فيه سليمان بن أرقم متروك، مجمع الزوائد ٦٩/٣. والنَّخَّة: بفتح النون وضمها، هي الرقيق، وقيل: البقر العوامل. انظر: النهاية ٣١/٥، والقاموس المحيط، ص٣٣٤. والجبهة: الخيل. انظر: النهاية ٢٣٧/١، والكُسْعة: بضم الكاف: الحمير. وقيل: الرقيق. انظر: النهاية ٤ /١٧٣. (٣) هو قول الكسائي وثعلب. انظر: لسان العرب (٤٣٧٤/٦) مادة نخخ. (٤) راجع: الأصل ١٣/٢، ٤٦، المبسوط ١٦٦/٢، بدائع الصنائع ١٥/٢. (٥) أخرجه ـ من حديث علي رضي الله عنه - أبو داود ١٥٧٣ (٢٣٠/٢). و - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما - الدار قطني في السنن ١ (٩٠/٢)، والترمذي ٦٣١ (٢٥/٣-٢٦) وقال: روي موقوفاً، وهو أصح. وراجع: نصب الراية ٣٢٨/٢_٣٣٠. ٢٧٨ كتاب الزكاة ويفارق ذلك عروض التجارة إذا باعها بمثلها، فيبني على الحول الأول؛ لأن زكاة العروض متعلقة بقيمتها، والقيمة موجودة في الحالين؛ لأنها دراهم أو دنانير، فصارت بمنزلة الدراهم إذا اشترى بها دنانير، فلا يسقط حكم الحول. مسألة: [بيع الماشية بعد وجوب الزكاة](١) قال: (ومَن باع ماشيةً بعد وجوب الصدقة فيها، والمُصَدِّق قائم: كان المُصدِّق بالخيار: إن شاء أخذ (٢) البائع حتى يؤديَ صدقتها، وإن شاء أخذها مما في يدي المشتري). قال أبو بكر أحمد رحمه الله: ذكر محمد رحمه الله تعالى هذه المسألة في ((الأصل)) (٣)، فقال فيها: ((إن كانا قد افترقا أخذها من البائع، وإن كانا لم يفترقا، فإن شاء أخذها من المشتري، وإن شاء أخذها من البائع)). وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يتأول الافتراق الذي ذكره محمد على نقل السائمة عن موضعها، لا على افتراق المتابعين فحسب، ووجدت ابنَ سماعة قد ذكر ذلك عن محمد أيضاً فيما سأله عنه فأجابه فیه(٤). واحتج أبو الحسن رحمه الله لوجه ذلك، بأن صحة ضمانها على (١) راجع: الأصل ٢٢/٢، المبسوط ١٧٣/٢، بدائع الصنائع ١٥/٢. (٢) هكذا: (أخذ البائع): في النسختين، والمختصر المطبوع. (٣) انظر: الأصل ٢٢/٢-٢٣. (٤) انظر: المبسوط ١٧٤/٢. ٢٧٩ كتاب الزكاة المشتري ما (١) يتعلق بالنقل في حق العين، وإن حصلت في ضمانه للبائع بالتخلية، وما لم ينقلها لا تصير في ضمانه لغير البائع، ألا ترى أن مَن خلى بين المبيع والمشتري، حصل بذلك في ضمان المشتري، ولو استحقه مستَحِق قبل نقله وقد هلك، لم يضمنه المشتري للمستحق. فإذا صح ذلك، قلنا في مسألة الزكاة، إنها لما حصلت في ضمان المشتري في حق العين، وكان البائع جائز التصرف فيها مع وجوب الزكاة، لم يكن للمصدِّق على المشتري سبيل. وما لم يحصل في ضمانه في حق العين أعني المشتري: صارت بمنزلة ما لم يقبض بعد من حقهم، وكان بمنزلة ما لم يتم فيه ملك(٢)، فكان للمصَدِّق أخذها من العين، وكان القياس أن لا يأخذها من المشتري في الحالين؛ لأن تصرف البائع جائز فيها إلا أنه تُرك القياس إذا لم يتعلق بها؛ لما وصفنا. (١) في ((د)) : لما. (٢) في ((د)): ما لم يتم القبض فيه. ٢٨٠ كتاب الزكاة باب زكاة الخيل(١) [زكاة الخيل، ومقدار الواجب فيها](٢) قال أبو جعفر: (وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يوجب الزكاة في الخيل السائمة إذا حال عليها الحول، وهي كذلك، إذا كانت ذكوراً وإناثاً، يُلْتَمَس نَسْلُها مع ذلك، فيكون المصَدِّق بالخيار: إن شاء أخذ منه لكل فرس ديناراً، وإن شاء قوَّمها، ثم زكاها كما تزكى الدراهم. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في الخيل صدقة على حال). قال أبو بكر أحمد : مذهب أبي حنيفة فيها: أنها إن كانت إناثاً وحدها أو إناثاً وذكراناً وجبت الصدقة، وإن كانت ذكوراً وحدها: فلا صدقة فيها. والخيار فيما يعطي من الدينار عن كل فرس(٣)، أو في تقويمه (٤)، فيعطي عن كل مائتي درهم: خمسة دراهم إلى رب المال(٥)، وليس للمُصَدِّق فيها خیار. (١) متن مختصر الطحاوي ص ٤٥-٤٦، وفيه: باب الخيل فيها زكاة. (٢) راجع: الأصل ٤٦/٢-٦٥، المبسوط ١٨٨/٢، بدائع الصنائع ٣٤/٢. (٣) في ((ق)): رأس. (٤) في ((د)): أو يقوم. (٥) أي الخيار لرب الخيل، لا للمصَدِّق.