Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الصلاة مسألة: [مَن لا تجب عليهم الجمعة](١) قال: (ولا تجب الجمعة على مسافرِ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ، ولا صبي، وإن صلَّوا: أجزأهم). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ثنا الحسين بن إسحاق التستري قال: حدثنا القاسم بن دينار قال: حدثنا إسحاق بن منصور عن هريم، عن إبراهيم بن محمد المنتشر(٢) عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبدٍ، أو أمةٍ، أو مريضٍ، أو صبي))(٣). وروى أبو حنيفة عن أيوب بن عائذ عن محمد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربعة لا جمعة عليهم: المرأة، والعبد، والمريض، والمسافر))(٤). وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: ((نهى'(٥) رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأتي الجمعة)»(٦). (١) راجع: الأصل ٣٤٥/١، ٣٧٠، المبسوط ٢٢/٢، بدائع الصنائع ٢٥٨/١. (٢) وفي ((د)): ابن المنتشر. (٣) وأخرجه أبو داود ١٠٦٧ (٦٤٤/١)، والحاكم في المستدرك ٢٨٨/١، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (٤) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار ١٩٩ ص٤٠، وابن أبي شيبة في المصنف ٥١٤٩ (٤٤٦/١). (٥) في (د)): نهانا. (٦) أخرج نحوه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٤/٣. ١٤٢ كتاب الصلاة وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على مسافر جمعة))(١). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن الوليد الكرابيسي قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا محمد (٢) بن بدر، عن يحيى بن حمزة عن الحكم عن القاسم عن أسماء رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة)»(٣). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاة المرأة في دارها خيرٌ من صلاتها في مسجد حيِّها))(٤). وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماءَ الله عن مساجد الله، وبيوتُهن خيرٌ لهن))(٥). ويدل على أن المسافر لا جمعة عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم (١) أخرجه البيهقي في السنن ١٨٤/٣، وقال: الصحيح أنه موقوف، وأخرجه - موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنه - عبد الرزاق في المصنف ٥١٩٨ (١٧٢/٣). (٢) في ((د)): مخلد بن یزید. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل، وفيه: الحكم بن عبد الله أحد رواة الحديث كلام للمحدثين ضعفوه. انظر: نصب الراية: ٣٢/٢. (٤) أخرج نحوه أبو داود ٥٧٠ (٣٨٣/١). (٥) أخرجه أبو داود ٥٦٧ (٣٨٢/١)، وأصل الحديث عند البخاري ٨٥٨ (٣٠٥/١)، ومسلم ١٣٦/٤٤٢ (٣٢٧/١). كلاهما بدون الشطر الأخير: ((وبيوتهن خير لهن)). ١٤٣ كتاب الصلاة يجمِّع في شيء من أسفاره، ولو جمَّع، لنُقِل كما نُقِل في غيره. مسألة: [فرض الوقت هو الظهر، والجمعة بدل عنها](١) قال: (ومَن صلَّى في بيته يوم الجمعة الظهر: أجزأه، ما لم يخرج بعد ذلك يريد الجمعة). وذلك لأن فَرْضَ الوقت عند أبي حنيفة وأبي يوسف هو الظهر، والجمعةَ بدلٌ منها. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وأول وقت الظهر حين تزول الشمس)) (٢)، ولم يفرِّق بين الجمعة وغيره. وأيضاً: قد اتفقوا على أنه لو لم يصلِّ الإمام الجمعة، حتى خرج الوقت: صلَّى الظهر فائتةً(٣)، فدلَّ على أنها كانت لزمت في الوقت قبل فوات الجمعة، إلا أن فرض الوقت - وإن كان هو الظهر - فإن عليه إسقاطه بفعل الجمعة. ويدل على أن فرضه هو الظهر، أن فرض الجمعة غير متعلق بفعله، بل بشرائط من غير فعله، نحو الإمام، والخطبة، والجماعة، فدلَّ على أن فرض الوقت هو الظهر الذي يجب(٤) فعله، ثم عليه إسقاطها بفعل الجمعة إذا وُجدت شرائطها. (١) راجع: الأصل ٣٥٦/١، المبسوط ٣٢/٢، بدائع الصنائع ٢٥٦/١. (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: الأوسط ٥٤٤ (١٠٧/٤). (٤) في ((د)): يمكن فعله. ١٤٤ كتاب الصلاة * وقال محمد: فرض الوقت هو الجمعة؛ لأن عليه إتيانها، وترك الظهر لها، ولو كان فرض الوقت هو الظهر، ما كان عاصياً بفعلها، وتخلَّفه عن الجمعة. ونبيِّن لك موضع الخلاف بينهم، بقولهم فيمَن صلى الجمعة، وهو ذاكرٌ للفجر يخاف أن تفوته إن صلى الفجر. قال(١) فيه أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجزئه الجمعة؛ لأنه متى تَرَكَ الجمعة، أمكنه فعل الظهر الذي هو فرضه من غير فوات. وقال محمد: يصلي الجمعة إذا خاف فوتَها، كالذي يذكر الفجر في آخر وقت الظهر، فيخاف فوتَها إن اشتغل بالفجر، فيصلي صلاة الوقت، لئلا تفوته. إلا أن محمداً يلزمه على أصله: أن لا يجيز الظهر قبل فعل الإمام الجمعة؛ لأن الجمعة هي الأصل، والظهر بدل منها عند الفوات، فلا يجوز فعلها مع إمكان فعل الأصل، كصوم الكفارة مع وجود الرقبة، ونظائره. ويفرِّق محمد بينهما، بأن الظهر وإن كان بدلاً من الجمعة، فليس فعل الجمعة موقوفاً على فعله، إلا باستكمال شرائطها، وتلك الشرائط ليست من فعله، فتكون(٢) مراعاة، فإن أدرك الجمعة بطلت، وإن لم يُدْرکها صحت. * وقول زفر مثل قول محمد في أن فرض الوقت هو الجمعة، وهو (١) في ((د)): فقال أبو حنيفة: ((لا تجزئه الجمعة)) وهو قول أبي حنيفة لأنه إلخ. (٢) في (د)): فتكون الظهر. ١٤٥ كتاب الصلاة على القياس في منعه جواز الظهر قبل أن يصليَ الإمام الجمعة. قال أبو جعفر: (فإن خرج بعد ذلك يريد الجمعة، قبل فراغ الإمام منها: انتقض الظهر، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينتقض حتى يدخل في الجمعة). لأبي حنيفة: أنهم متفقون على أن دخوله في الجمعة ينقض الظهر، والدخولُ فرضٌ من فروضها، كذلك السعي، لما كان من فروضها، لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾(١): وَجَبَ أن ينتقض به الظهر، كما انتقض بالدخول. فإن قيل: والطهارة من فروضها، ولو توضأ يريد الجمعة: لم ينتقض الظهر. قيل له: لأن الطهارة لا تختص بالجمعة دون غيرها، وفرض السعي مختص بالجمعة، دون غيرها من الصلوات؛ لقول الله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾(٢). وفي القارِن إذا خرج إلى عرفات قبل طواف العمرة روايتان: إحداهما: لا يصير (٣) ناقضاً لعمرته حتى يقف لها، وهي الرواية المشهورة. (١) الجمعة: ٩. (٢) الجمعة: ٩. (٣) في ((د)): أن لا يكون ناقضاً. ١٤٦ كتاب الصلاة والأخرى: أنه يصير رافضاً بالخروج إليها قبل الوقوف(١)، وهو نظير السعي إلى الجمعة بعد فعل الظهر. والفرق بينهما على الرواية المشهورة: أن الإحرام آكد في حال البقاء من الصلوات؛ لأن ترك بعض فروض الصلاة: يُخرجه منها، وتَرْك بعض فروض الإحرام: لا يخرجه منه، فلذلك اختلفا. مسألة : [أقل ما يجزئ في الخطبة](٢) قال: (ومَن خَطَبَ يوم الجمعة بتسبيحةٍ واحدة: أجزأه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه حتى يكون كلاماً يُسمَّى خطبة). لأبي حنيفة ظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾(٣)، فالذكر الذي يلي الأذان هو الخطبة، فدلَّ على جوازها بكلِّ ذِكْر. وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله! علِّمني عملاً يدخلني الجنة، فقال: ((لئن أقصرتَ الخطبة، لقد أعرضتَ المسألة)) (٤). (١) انظر: الجامع الصغير، ص: ١٦٤، والمبسوط: ٣٥/٤. (٢) راجع: الأصل ٣٥١/١، المبسوط ٣٠/٢، بدائع الصنائع ٢٦٢/١. (٣) الجمعة: ٩. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٩٩/٤، وأبو داود الطيالسي، والدارقطني، ورجالهم كلهم ثقات، كما ذكر العلامة الشيخ أحمد الساعاتي في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ٦٣/٩-٦٤، ٠٢٤/١٩ ١٤٧ كتاب الصلاة فسمَّى هذا القول (١) منه خطبة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((صلاة الجمعة ركعتان، وإنما قُصرت لأجل الخطبة))(٢) . وخَطَبَ عمار رضي الله عنه، فأوجز، فقيل له: لقد أوجزتَ، فلو كنتَ تنفَّستَ، فقال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقصار الخُطبة، وإطالة الصلاة))(٣). وروىُ عَدِي بن حاتم رضي الله عنه أن رجلاً خَطَبَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مَن يُطِع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما فقد غَوَى، فقال: ((قُم. بئس الخطيب أنت))(٤). وأيضاً: فإن المقصد من الخطبة ذكر الله تعالى؛ لأن القُربة في تلك(٥)، فلا اعتبار بتطويل الكلام معه. (١) أي قوله: (علِّمني عملاً يدخلني الجنة)، ومعنى: (لئن أقصرتَ الخطبة، لقد أعرضتَ المسألة): أي أن الرجل عبّر عن سؤاله بلفظ قصير وجيز، ولكن المسألة عريضة واسعة، لأن الأعمال التي تُدخل الجنة كثيرة الشُّعَب. ينظر بلوغ الأماني للساعاتي ٩ / ٦٣. (٢) أخرجه النسائي في المجتبى ١٤١٩ (١١١/٣)، وقال: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر، والبيهقي في السنن الكبرى ١٩٩/٣، وذكر بينهما كعب بن عجرة، وصححه ابن السكن كما في التلخيص الحبير ٦٦/٢. (٣) أخرجه بلفظ قريب مسلم ٨٦٩ (٥٩٤/٢). (٤) أخرجه مسلم (٨٧٠) (٥٩٤/٢)، وليس فيه: (قم)، وتمام الحديث: ((بئس الخطيب أنت. قل: ومَن يعص الله ورسوله)). (٥) في ((د)): لأن القربة فيه. ١٤٨ كتاب الصلاة * وقال أبو يوسف ومحمد: الكلمة الواحدة لا تسمى خطبة، والجمعة إنما فُعلت بخطبة، فلا يجزئ إلا أن يأتيَ بما يُسمَّى خطبة على الإطلاق. ١٤٩ كتاب الصلاة (١) باب صلاة العيدين [مسألة: ما يُستحب فعله يوم العيد](٢) قال أبو جعفر: (ويُستحب للرجل يوم الفطر أن يغتسل، وأن يستاك، وأن يتطيب، وأن يَطْعَم، ويُخرِجَ صدقة الفطر، ويَلْبَسَ من أحسن ثيابه، فيغدوَ إلى مُصَلاّه). قال أبو بكر: أما استحباب الغُسْل والسواك والتطيب، فكما يُستحب يوم الجمعة؛ لأن العلة التي لها أُمر بذلك في الجمعة موجودةٌ في صلاة العيدين، وهو ما روي أن الناس كانوا عمَّالاً لأنفسهم، فيَعْرَقون، ثم يَحضُرُون الجمعة، فقيل لهم: لو اغتسلتم(٣). قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((غُسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وأن يستاك ويَمَسَّ من طيب أهله))(٤). وذلك كله تأديبٌ لئلا يتأذى بعضُهم ببعض. * وأما قوله: يَطْعَم قبل الخروج؛ فلما حدثنا دعلج قال: حدثنا أبو (١) انظر: متن مختصر الطحاوي ص ٣٧-٣٨. (٢) راجع: بدائع الصنائع ٢٧٩/١. (٣) أخرجه البخاري ٨٦١ (٣٠٧/١)، ومسلم ٨٤٧ (٥٨١/٢). (٤) أخرجه البخاري ٨٤٠ (٣٠٠/١)، ومسلم ٨٤٦ (٥٨١/٢). ١٥٠ كتاب الصلاة مسلم قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا ثواب بن عتبة المهري قال: حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع، فیأکل من أضحیته))(١). * وأما إخراج صدقة الفطر؛ فلما روى أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بزكاة الفطر أن تُؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة(٢)(٣). وكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك(٤). [الجهر بالتكبير في الرواح لمصلى العيد](٥) قال أبو جعفر : (ويغدو إلى مصلاه كذلك جاهراً بالتكبير حتى يأتي مُصَلاَّه). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾(٦). (١) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٣/٥، والترمذي ٥٤٢ (٤٢٦/٢)، وقال: حديث بريدة حديث غريب، والحاكم في المستدرك ٢٩٤/١، وصححه، ووافقه الذهبي. (٢) في ((د)): المصلیُ. (٣) أخرجه البخاري ١٤٣٨ (٥٤٨/٢)، ومسلم ٩٨٦ (٦٧٩/٢). (٤) أخرج ذلك عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠٣٢٢ (٣٩٥/٢). (٥) راجع: الأصل ١٨٤/١، المبسوط ٤٢/٢، وبدائع الصنائع ٢٧٩/١. (٦) البقرة: ١٨٥. ١٥١ كتاب الصلاة [مسألة : ما يفعله يوم النحر] قال: ((ويفعل يوم النحر كذلك، إلا أنه إن شاء طَعِمَ، وإن شاء لم يَطْعَم)). قال أبو بكر أحمد: أما التكبير؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(١): قيل: إنها أيام العشر، ويوم النحر منها(٢). وأيضاً: لما ثبت ذلك من سُنَّة يوم العيد، وجب أن لا يختلف فيه الفطر والأضحى. ويُحكى عن أبي حنيفة أنه يكبر في الأضحى، دون الفطر. * وأما قوله: إن شاء طَعِم، وإن شاء لم يَطْعم: فإن المستحب عندهم أن لا يَطْعَم حتى يرجع من المصلَّى، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فیه(٣). (٤) مسألة : [صفة صلاة العيد] قال: (وينبغي للإمام أن يصليَ بالناس صلاة العيد إذا حلَّت الصلاة، وهي ركعتان، يكبر تكبيرة الافتتاح، ثم يستفتح ويتعوذ، ثم يكبر ثلاث تكبيرات، يرفع يديه في كل تكبيرة، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورةً، ثم (١) الحج: ٢٨. (٢) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ٢٣٣/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٨٣/٣. (٣) وذلك في حديث بريدة رضي الله عنه السابق تخريجه قريباً. (٤) راجع: الأصل ١/ ٣٧٢، المبسوط ٣٧/٢، وبدائع الصنائع ٢٧٧/١. ١٥٢ كتاب الصلاة یکبر ولا یرفع یدیه، ثم یرکع ويسجد. فإذا قام في الثانية قرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم يكبر ثلاث تكبيرات يرفع يديه في كل تكبيرة، ثم يكبر أخرى فيركع بها، ولا يرفع يديه فيها، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: مثل ذلك إلا أنه يؤخر التعوذ إلى موضع القراءة)). قال أبو بكر أحمد : مذهب أبي يوسف: أنه لا يرفع يديه في شيء من تكبيرات العيد بعد تكبيرة افتتاح الصلاة، وهو قول ابن أبي ليلى(١). * وقد اختلف السلف في تكبيرات العيد: فروى الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه ((أنه كان يكبر يوم الفطر إحدى عشرة تكبيرة، يفتتح بتكبيرة واحدة، ثم يقرأ، ثم يكبر خمساً يركع بإحداهن، ثم يقوم فيقرأ، ثم يكبر خمساً يركع بإحداهن. وكان يكبر في الأضحى خمس تكبيرات، ثلاثاً في الأولى، وثنتين في الثانية، يبدأ بالقراءة فيهما، ويَعُدُّ تكبيرةَ الافتتاح وتكبيرة الركوع من تكبيرات العيد))(٢). وروى قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((مَن شاء (١) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة ... اختلف في سماعه من عمر رضي الله عنه، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين. تقریب التهذيب ص٣٤ ت: ٣٩٩٤. أما قوله فلم أقف عليه فيما تيسر لي من المراجع. (٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٧٠٠ (٤٩٥/١). ١٥٣ كتاب الصلاة كبر سبعاً، ومن شاء تسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة))(١). وعن ابن عباس رضي الله عنهما من وجه آخر: أنه كان يكبر في الأولىُ سبعاً، وفي الثانية خمساً. فمنهم مَن قال عنه: يَعْتَدُّ بتكبيرة الركوع منها، ومنهم مَن حكى عنه: سوى تكبيرة الركوع. وكان لا يفصل بين الفطر والأضحى، ويبدأ فيهما جميعاً بالتكبير(٢). وروي عن عمر بن الخطاب(٣)، وعبد الله بن مسعود(٤)، وأبي موسى الأشعري(٥)، وحذيفة (٦)، وابن الزبير (٢) رضي الله عنهم خمساً في الأولىُ، وأربعاً في الثانية، يوالي بين القراءتين، ويَعْتَدُّ بتكبير الركوع والافتتاح من تكبيرات العيد. (١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢١٦٨ (٢٧٩/٤) ليس فيه سبع. (٢) أخرجه ابن المنذر في المصدر السابق برقم: ٢١٥٦ (٢٧٤/٤)، وابن أبي شيبة في المصدر السابق برقم: ٥٧٢٤ (٤٩٦/١). (٣) الذي وجدت عنه ثنتا عشر تكبيرة عند ابن أبي شيبة برقم: ٥٧١٨ (٤٩٥/١)، والله أعلم. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٦٩٩ (٤٩٤/١)، وابن المنذر في المصدر السابق برقم: ٢١٥٨ (٢٧٥/٤). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر في المصدرين السابقين. (٦) أخرجه - بالإضافة إلى المصدرين السابقين لابن المنذر وابن أبي شيبة - عبد الرزاق في المصنف ٥٦٨٧ (٢٩٣/٣). (٧) خمساً وخمساً عنه عند ابن المنذر (٢٧٧/٤). ١٥٤ كتاب الصلاة فكانت تكبيرات الزوائد عندهم ستاً: ثلاثاً في الأُولى، وثلاثاً في الأخيرة. وروي عن جابر(١)، ومسروق (٢)، والحسن(٣)، وسعيد بن المسيب(٤)، وقتادة(٥) عشر تكبيرات، مع تكبيرة الافتتاح(٦). * فذهب أصحابنا في ذلك إلى ما روي عن عمر وعبد الله رضي الله عنهما، ومَن تابعهما، لما عاضده من الأثر والنظر. فأما الأثر: فما حدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء وابن أبي زياد(٧) قالا: حدثنا زيد بن حباب عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال: أخبرني أبو عائشة - جليس لأبي هريرة - أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر؟ (١) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصدر السابق برقم: ٥٦٨٨ (٢٩٤/٣)، وابن المنذر في المصدر السابق برقم: ٢١٦٠ (٢٧٦/٤). (٢) أخرجه عنه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة ٣٠٥/١، وابن أبي شيبة برقم: ٥٧٠٩ (٤٩٥/١). (٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٧١٦ (٤٩٥/١). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٧٠٧ (١ /٤٩٥). (٥) لم أعثر على قوله فيما تيسر لي من المراجع. (٦) في ((د)): تكبير الصلاة. (٧) في ((د)): ابن أبي الزناد. ١٥٥ كتاب الصلاة فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً، تكبيره على الجنائز (١). فقال حذيفة: صدق. فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم. وقال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص رضي الله عنه (٢). وحدَّث الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن ويحيى بن عثمان قالا: حدثنا عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة قال: حدثني الوضين بن عطاء أن القاسم أبا عبد الرحمن أخبره قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد، وكَبَّر أربعاً، وأربعاً، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف قال: ((لا تنسوا(٣)، كتكبير الجنائز))، وأشار بأصابعه، وقبض إبهامه(٤). فإن قيل: روى عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَبَّر في العيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى، وخمساً في الأخيرة سوى تكبيرة الصلاة(٥) . وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أبي واقد الليثي و(٦) عائشة (١) في ((ق)): الجنازة. (٢) سنن أبي داود ١١٥٣ (٦٨٢/١). (٣) فى ((د)): لا تسهوا. (٤) شرح معاني الآثار للطحاوي ٣٤٥/٤. (٥) أخرجه أحمد في المسند ١٨٠/٢، وأبو داود في السنن ١١٥٢ (٦٨٢/١). (٦) في ((د)): عن عائشة. ١٥٦ كتاب الصلاة رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس يوم الفطر والأضحى، فكبر في الأولىُ سبعاً، وفي الثانية خمساً) (١). وروى الفرج بن فضالة عن عبد الله بن عامر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله(٢). قيل له: عبد الله بن عبد الرحمن ساقط الحديث عند أهل النقل (٣). وحديث ابن لهيعة مضطرب السند، يرويه مرةً عن أبي الأسود عن عروة(٤)، ومرة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب(٥)، ومرة عن خالد بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب(٦). وهذا يدل على أنه غير مضبوط في الأصل. وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فقد ذكر أن أصله موقوف عليه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم(٧). (١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٤٣/٤. (٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٤ (٤٩/٢)، والفرج بن فضالة: ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص ٤٤٤ ت: ٥٣٨٣. (٣) انظر: الضعفاء والمتروكون للنسائي ص١٣٩، ت: ٣٢٠، وتقريب التهذيب ص٣١١، ت: ٣٤٣٨. (٤) عند الطبراني في المعجم الكبير ٣٢٩٨ (٢٧٨/٣)، مجمع الزوائد ٢٠٧/٢. (٥) عند أبي داود في السنن ١١٥٠ (١ /٦٨١). (٦) عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٤٤/٤. (٧) والصحيح ما رواه مالك عن ابن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنهم من فعله. أخرجه في الموطأ ٩ (١ /١٨٠). ١٥٧ كتاب الصلاة وقال أهل المعرفة بالحديث: إن حديث الوضين بن عطاء، أَوْلى من طريق السند من هذه الأحاديث كلها(١). ولو تعارضت الروايات فيه، كان الذي تشهد له الأصول من ذلك أَوْلى، والأصول شاهدة بصحة قولنا؛ لأن تكبيرات العيد ابتداؤها مفعول في حال القيام في الصلاة، فأشبهت تكبيرات الجنازة. وهي أربعة متوالية، لما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في تكبيرات الجنازة: ((كل ذلك قد كان - يعني سبعاً، وخمساً، وأربعاً ـ ورأيتهم قد أجمعوا على أربع تكبيرات))(٢)، فأخبر باتفاق الصحابة (٣) علیھا. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كَبَّر على النجاشي(٤) وعلى غيره أربعاً)(٥). (١) راجع: شرح معاني الآثار ٣٤٥/٤. (٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١١٤٢٥ (٤٩٤/٢). (٣) في ((د)): الجماعة، وقد نقل الإجماع على لسان عمر بن الخطاب وأبي وائل وإبراهيم رضي الله عنهم ابن أبي شيبة في المصدر السابق برقم: ١١٤٤٣، ١١٤٤٥، ١١٤٤٦ (٤٩٥/٢-٤٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٩٦/١. (٤) هو أصحمة النجاشي، ملك الحبشة، آوى المسلمين المهاجرين زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحسن إليهم، كتب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام فأسلم، وتوفي في رجب سنة ٩ هـ. انظر: خبره في السيرة النبوية لابن هشام ١ / ٢٦٧. (٥) أما تكبيره على النجاشي أربعاً، فأخرجه البخاري ١١٨٨ (٤٢٠/١)، ومسلم ٩٥١ (٦٥٦/٢). ١٥٨ كتاب الصلاة فوجب أن تكون تكبيرات العيد كذلك، لاتفاقهما في أن كل واحد منهما مفعولٌ في حال القیام. ولا فرق بين الفطر والأضحى فيهما، كما لا يختلفان في سائر أركانهما ومسنونهما. * وإنما قلنا إن تكبير الافتتاح معتدٍّ به من تكبير العيد: من قِبَل أنه لما صح عندنا أنها كتكبيرات الجنازة أربعاً متوالية، وجب أن يُعتدَّ بتكبير الركوع، إذ لو لم يُعتدَّ به في الركعة الثانية، حصلت ثلاث تكبيرات متوالية، وإذا كان تكبير الركوع معتداً به من تكبير العيد في الثانية، كان كذلك حكمها في الأولى؛ لأن أحداً لم يفرِّق بينهما. فإن قيل: فعلى هذا تحصل التكبيرات في الأُولىُ خمساً. قيل له: هذا كذلك، إلا أن المتواليات منها أربع؛ لأن القراءة فاصلة بینھما. * وإنما قلنا إنه يوالي بين القراءتين؛ لأن الذكر المسنون في حال القيام مقدَّم في الركعة الأولى على القراءة، ومؤخَّر عنها في الركعة الأخيرة، ألا ترى أن ذكر الاستفتاح مقدَّم على القراءة، والقنوتَ في الوتر مسنون في الركعة الأخيرة بعد القراءة، فكذلك تكبير العيد لمشاركة الذكر المسنون فيما وصفنا. * وأما رفع اليدين في حال التكبيرات، فإن وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنها مفعولة في حال الاستقرار في القيام، ليس لها حكم الركعة بأسرها، فأشبهت تکبیر الافتتاح، لما کان وصفه ما ذکرنا، تُرفع(١) فیه اليدان. (١) في (د)): رفع اليدين فيها ولا يلزم. ١٥٩ كتاب الصلاة فلا يلزم عليه تكبيرات الجنازة؛ لأن كل واحدة (١) من الثلاث بعد الافتتاح قائمة مقام ركعة، فأشبهت التكبيرة المفعولة في حال النهوض إلى القیام، فلا تُرفع اليدان فيها. * وجعلها أبو يوسف بمنزلة سائر التكبيرات المفعولة بعد تكبيرة الافتتاح، نحو تكبير الركوع والسجود وتكبيرة الجنازة. * وأما التعوذ فإن أبا يوسف رأى تقديمه على تكبيرات العيد؛ لأنه ذِكْرٌ ليس بقرآن، كذكر (٢) الاستفتاح، فالواجب تقديمه على تكبيرات العید. ومحمد جعله بعد التكبير، ليليَ القراءة بلا فصل؛ لقول الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾(٣). مسألة : [لا صلاة قبل العيد] (٤) قال أبو جعفر: (ولا يصلي قبل صلاة العيد، وإن شاء صلى بعدها أربعاً، وإن شاء لم يُصلِّ). قال أبو بكر: وذلك لما روى ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم العيد، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلها ولا بعدها))(٥). (١) في ((د)): كل واحد من الثلاثة ... قائم مقام إلخ. (٢) في (د)): كذلك. (٣) النحل: ٩٨. (٤) راجع: الأصل ٣٧٩/١، المبسوط ٤٠/٢، بدائع الصنائع ٢٨٠/١. (٥) أخرجه البخاري ٩٤٥ (٣٣٥/١)، ومسلم ٨٨٤ (٦٠٦/٢). ١٦٠ كتاب الصلاة وروي أن عبد الله بن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما قاما فنَهَيَا الناسَ عن الصلاة قبل صلاة الإمام يوم الفطر(١). وعن ثعلبة بن زهدم أن علياً استخلف أبا مسعود رضي الله عنهما على الكوفة، فخرج يوم العيد، فرأى أناساً يصلون فقال: يا أيها الناس ليس من السنة أن يُصلَّى قبل العيد(٢). مسألة : [جواز التيمم لصلاة العيد عند عدم الماء](٣) (وإذا أحدث رجلٌ بعد دخوله في صلاة العيد، أو قبل وليس بحضرته ماء: تیمم وصلَّى. وفي قول أبي يوسف ومحمد: إذا أحدث بعد الدخول في صلاة الإمام: لا يتيمم، أما قبل الدخول: فإنه يتيمم). لأنا لو أمرناه بالوضوء توضأ لا ليصلي؛ والطهارة إنما تجب للصلاة، ألا ترى أن الحائض لا طهارة عليها؛ لأنه لا صلاة عليها، وكذلك مَن ليس عليه صلاة، لا طهارة عليه، فإذاً تكليفه استعمالَ الماء لا ليصلي به ساقط، فجاز له التيمم. وأما إذا دخل مع الإمام، ثم أحدث، فهو كذلك؛ لأن كل حال يجوز عليها الابتداء، جائز عليها البناء، فلما جاز له الابتداء بالتيمم، جاز له البناء. (١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٦٠٦ (٢٧٣/٣). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٧٤٠-٥٧٤١ (١ / ٤٩٧-٤٩٨). (٣) راجع: الأصل ٣٧٦/١، المبسوط ٤٠/٢.