Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الصلاة
أن القوم لو أفسدوا صلاتَهم: لم تفسد عليه صلاته من أجلهم، وأن الإمام
لو فسدت صلاته: فسدت صلاة القوم.
ولا يخرج الإمام بنَفْس الحدث من الإمامة؛ لأنه لو خرج من حكم
الإمامة، لصار القوم منفردين، تبطل صلاتهم بنَفْسِ حَدَث الإمام، وقد
قامت الدلالة على جواز الاستخلاف، وأن الثاني يقوم مقام الأول.
* وإن قَدَّم القوم رجلاً، أو تقدَّم رجل(١) منهم قبل خروج الإمام من
المسجد: جازت صلاتهم؛ لأن الاستخلاف لما كان مستحَقّاً عليهم، إذ به
تصح صلاتهم، جاز لكل واحد منهم أن يتقدَّم، أو يقدِّم غيرَه، فيقوم مقام
الأول.
ولهذه العلة قالوا: إذا كان معه رجل واحد، فأحدث الإمام، صار
المأموم إماماً للأول، نوى أو لم ينو؛ لأنه حصل في صلاة تتضمن
الاستخلاف عند الحدث، ولم يبق مَن يستحق الخلافة عليه، فتعينت فيه.
فإن قيل: فقد قالوا: إن الإمام لو أُغمي عليه: فسدت صلاته، وصلاة
القوم، ولم يجعلوا لواحدٍ منهم أن يخلفه.
قيل له: من قِبَل أن صلاة الإمام قد بطلت بنَفْس الإغماء، ولما بطلت
صلاته قبل الاستخلاف، بطلت صلاة القوم، ألا ترى أنه لو خرج من
المسجد قبل أن يقدِّم القومُ غيرَه: بطلت صلاتهم.
فإن قيل: فما الفرق بين الإغماء وسائر الأحداث، والإغماء لا يوجب
من الطهارة إلا ما يوجبه الرعاف والقيء اللذان ورد فيهما الأثر؟
(١) في (د)): واحد.

٨٢
كتاب الصلاة
قيل له: لم تفسد صلاته بالحدث فحسب، وإنما فسدت من قِبَل أن
الإغماء لما كان حدثاً، ثم بقي الإغماء على كل حال الصلاة، فسدت
صلاته.
ألا ترى أن سائر المحدِثين في الصلاة، إذا بقوا على حال الصلاة
ساعةً بعد الحدث: بطلت صلاتهم، فكذلك المغمى عليه، لما لم يكن منه
الانصراف عن الصلاة عقب الحدث، بطلت صلاته.
مسألة : [القهقهة في الصلاة حدث ينقض الوضوء](١)
والقهقهة في الصلاة حدث، وكان القياس عندهم أن لا يكون حدثاً،
إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا موسى بن زكريا بالبصرة قال: حدثنا إبراهيم بن هانئ قال: حدثنا
محمد بن يزيد بن سنان قال: حدثنا أبي عن الأعمش عن أبي سفيان عن
جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ضحك
منكم في صلاته، فليتوضأ، ثم ليُعِد الصلاة))(٢).
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا مطين قال: حدثنا محمد بن الحارث
الحراني قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الحسن بن
(١) راجع: الأصل ١ / ١٧٢، المبسوط ١٧١/١، بدائع الصنائع ٢٢٨/١.
(٢) وأخرجه الدار قطني في السنن ٤٧ (١/ ١٧٢) وقال: يزيد بن سنان أبو فروة
الرهاوي، وابنه محمد: ضعيفان، والوهم في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
وقد روي عن جابر خلاف ذلك اهـ قال ابن حجر: وزاد [الدار قطني] في رواية [عن
جابر]: إنما قال لهم ذلك حين ضحكوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وهذا يُشعر بأن للحديث أصلاً. الدراية ٣٤/١ ح: ٢٧.

٨٣
كتاب الصلاة
دينار عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: ((كنا خلف النبي صلى الله عليه
وسلم في صلاةٍ، فجاء رجل ضرير، فتردَّى في حفرة في المسجد،
فضحك ناس من خلفنا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن ضحك
أن يعيد الوضوء والصلاة))(١).
وروى عبد الكريم أبو أمية عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قهقه أعاد الوضوء
والصلاة))(٢).
وروى عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن
عمر بن قيس عن عمرو بن عبيد(٣) عن الحسن عن عمران بن حصين رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ضحك في الصلاة
قرقرة(٤)، فليُعِدِ الوضوء والصلاة)) (٥).
وروى محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن
(١) وأخرجه الدارقطني في السنن ١-٢ (١٦١/١-١٦٢)، وقال: الحسن بن
ديناز، والحسن بن عمارة: ضعيفان. وراجع نصب الراية ١/ ٤٩_٥٠.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ١١ (١٦٤/١)، وقال: عبد الكريم: متروك،
والراوي عنه عبد العزيز بن الحصين، وهو ضعيف أيضاً.
(٣) في ((د)): (عبيد الله)، والصواب ما أثبت من ((ق)). وهو عمرو بن عبيد بن
باب، أبو عثمان، البصري المعتزلي.
(٤) القرقرة: الضحك العالي. انظر: النهاية لابن الأثير ٤٨/٤.
(٥) وأخرجه الدارقطني في السنن ١٢ (١٦٥/١)، وقال: عمر بن قيس المكي
المعروف بسندل: ضعيف ذاهب الحديث. وراجع: نصب الراية ٤٩/١.

٨٤
كتاب الصلاة
إسحاق عن الحسن عن دينار عن قتادة عن أبي المليح ابن أسامة عن أبيه
قال كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجل ضرير،
فوقع في حفرة قريباً منا، فضحكنا، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن
نعيد الوضوء كاملاً، والصلاة كاملة))(١).
وقد رواه مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم الحسن(٢)، وأبو
العالية (٣)، وإبراهيم(٤)، والزهري(٥)، في آخرين منهم(٩).
فإن قيل: روي عن جابر رضي الله عنه أنه كان لا يرى على الذي
ضحك في الصلاة وضوءاً (٧).
(١) أخرجه الدارقطني، وقد سبق قريباً.
(٢) هو البصري أخرجه عنه محمد بن الحسن في الآثار ١٦٣ ص٣٣،
وفي الحجة على أهل المدينة ٢٠٤/١ -٢٠٦، والدارقطني في السنن ١٤
(١٦٥/١).
(٣) أخرج عنه عبد الرزاق في المصنف ٣٧٦٠-٣٧٦٣ (٣٧٦/٢)، والدار قطني
في السنن ٥-١٠، ٢٦-٤٢ (١٦٣/١، ١٦٨-١٧١).
(٤) أخرج عنه محمد في الحجة ٢٠٦/١-٢٠٧، والدارقطني في السنن ٤٣
(١٧١/١).
(٥) حديث الزهري عن الحسن، ذكره الدارقطني في المصدر: ١٣، ١٥، ١٨،
٢٠ (١٦٥/١-١٦٦).
(٦) مثلا سهل بن معبد الجهني، ذكره الدارقطني في السنن: ٢١-٢٣
(١٦٧/١)، وابن سيرين عنه أيضاً برقم: ٢٥ (١٦٨/١).
(٧) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٣٧٦٦ (٣٧٧/٢)، وابن أبي شيبة في
المصنف ٣٩٠٨ (١ /٣٤٠).

٨٥
كتاب الصلاة
قيل له: يحتمل أن يريد به التبسم من غير قهقهة.
وقد روى عنه ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه
أنه كان يرى أن يعيد الوضوء والصلاة مَن ضحك في الصلاة إذا قرقر (١).
فإن قيل: روى أبو شيبة عن أبي خالد عن أبي سفيان عن جابر رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الضحك في الصلاة ينقض
الصلاة، ولا ينقض الوضوء)) (٢).
قيل له: إذا رُوي خبران في أحدهما إيجاب الوضوء، وفي الآخر
إسقاطه، فخبر الإيجاب أوْلى؛ لأن الإسقاط ورد على الأصل، والإيجاب
طارئ عليه لا محالة(٣).
وأيضاً في خبر الإيجاب حظر الصلاة إلا بعد الطهارة، وفي خبر
الإسقاط إباحتها قبل الطهارة، فخبر الحظر أولى.
فإن قيل: لم نجد شيئاً يوجب الطهارة إذا وقع في الصلاة إلا وهو
يوجبها في غيرها، فلما اتفقنا على أن القهقهة لا توجب الطهارة في غير
الصلاة، كان كذلك حكمها في الصلاة.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٩٠٢ (٣٣٩/١)، وعبد الرزاق في
المصنف ٣٧٧٤ (٣٧٨/٢).
(٢) أخرجه الدار قطني - عن عبد الباقي بن قانع - في السنن ٥٨ (١٧٣/١).
(٣) والحديث معلول وعلته هو أبو شيبة، إبراهيم بن عثمان، قاضي واسط
الكوفي، متروك الحديث. انظر: تقريب التهذيب ص٩٢ ت: ٢١٥. وراجع: نصب
الراية ١ / ٥٣.

٨٦
كتاب الصلاة
قيل له: قد بينا أنه لا يجوز الاعتراض على الآثار بالنظر.
وعلى أن مخالفنا يجعل رؤية الماء في غير الصلاة ناقضة للطهارة،
ولا يجعلها كذلك في الصلاة، فخالف بين حال الصلاة وغيرها، على
عكس ما يجب اعتباره.
وذلك لأن حال الصلاة يجوز أن يتعلق بها من الحرمة، وتغليظ
الحكم، ما لا يتعلق بغيرها كحرمة الصلاة.
كما تجب كفارة حلق الرأس واللبس في الإحرام، ولا يجب مثله في
غير الإحرام، وکفارة صوم شهر رمضان يجب لإفطاره في شهر رمضان،
ولا يجب في غيره، فكان لما ذكرنا نظير في الأصول.
فأما أن تكون رؤية الماء في غير الصلاة، توجب الطهارة، وفي حال
الصلاة لا توجبها بلا أثر ولا نظر؛ فهذا تحكّمٌ في دين الله عز وجل بما لم
يُنْزِّل به سلطاناً.
فإن قيل: لا يجوز أن نتوهم على أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم(١) أنهم ضحكوا خلفه في الصلاة.
قيل له: يحتمل أن يكون الضحك كان من بعض المنافقين، فبيَّن النبي
صلى الله عليه وسلم الحكم للجماعة.
وأيضاً: فقد ترد على الإنسان حال لا يَضبط فيها نفسَه من الضحك،
فلا يُذَمُّ على تلك الحال.
(١) في ((ق)): (وروي عن أصحابه أنهم)، والصواب ما أثبت.

٨٧
کتاب الصلاة
وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنهم ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَا أَنفَضُوْاْ إِلَيْهَا
وَتَرَّكُوَكَ قَابِمًا﴾(١)، ومعلوم أنهم لم يكونوا فضلاء الصحابة(٢).
(١) من الآية رقم: ١١ من سورة الجمعة.
(٢) ينظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠٩/١٨، روح المعاني ١٠٤/٢٨.

٨٨
كتاب الصلاة
باب صلاة المسافر (١)
مسألة: [بيان مسافة القصر](٢)
قال أبو جعفر: (ومَن سافر يريد مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً: قَصَرَ
الصلاة إذا جاوز بيوت مِصْرُه، وإن سافر يريد دون ذلك: لم يَقْصُر).
قال أبو بكر : وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها، والمقيم يوماً وليلة))(٣).
وهذا القول خارج مخرج البيان، وحُكْم البيان أن يكون شاملاً جميع
ما اقتضى البيان من جهته، فقد بيَّن بذلك حكمَ جميع المسافرين، فكل
مسافرٍ هو الذي يكون سفره ثلاثاً، حتى يكون بيانه مستوعباً لحكم
جمیعهم.
ولو كان السفر الذي يتعلق به الحكم أقل من ثلاث، لكان قد بقي من
المسافرين مَن لم يبيَّن حكمه في الخبر، وقد قلنا إن ما ورد على وجه
البیان، فحکمه أن یکون شاملاً لجميع ما اقتضى البیان في بابه.
وأيضاً: قوله: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها)): اسمٌ للجنس،
(١) متن مختصر الطحاوي ص ٣٣-٣٤.
(٢) راجع: الأصل ٢٦٥/١، المبسوط ٢٣٥/١، وبدائع الصنائع ٩٣/١.
(٣) سبق تخريجه.

٨٩
كتاب الصلاة
لدخول الألف واللام عليه، فلا أحد من المسافرين يثبت لهم هذا الاسم
في الشرع، وإلا وهو داخل في اللفظ.
ويدل عليه أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِلَّ لامرأةٍ
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرم))(١).
فعلَّق الحكم بالثلاثة، كقول الله تعالى في عِدَّة المطلقة: ﴿ثَلَثَةً
قُرُوْءٍ﴾(٢)، وفي اليائسة: ﴿ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾(٣)، وسائر الأعداد التي علَّق بها
الأحكام، فكان الحكم مقصوراً عليها، دون ما هو أقل منها، كذلك ما
وصفنا.
فإن قيل: روي: ((لا تسافر يوماً))(٤)، و: ((لا تسافر يومين))(٥).
قيل له: كله صحيح، ومتى قَصَدْتَ سفر ثلاثة أيام، لم يخرج يوم
وليلة، ولا یومان منه.
ومَن استعمل خبر اليوم واليومين على الانفراد في حَظْر السفر، فقد
أسقط الثلاثة، وسَلَبَها فائدتها، ومَن استعمل الثلاثة، لم يُسقط حكم
(١) أخرجه مسلم ٤١٨/٨٢٧ و٤٢٣/١٣٤٠ (٩٧٦/٢)، و: ٣٣٨ (٩٧٥/٢)،
والبخاري ١٠٣٦ (٣٦٨/١).
(٢) البقرة: ٢٢٨.
(٣) الطلاق: ٤.
(٤ أخرجه البخاري ١٠٣٨ (٣٦٩/١)، ومسلم ١٣٣٩ (٩٧٧/٢).
(٥) أخرجه البخاري ١٧٦٥ (٦٥٩/٢)، ومسلم ٨٢٧ (٩٧٦/٢).

٩٠
كتاب الصلاة
اليوم(١) واليومين على الوجه الذي وصفنا.
فإن قيل: وما في تعلّق حكم إباحة سفر المرأة بما دون الثلاثة،
وحَظْره في الثلاثة، مما يوجب أن يكون القصر في الثلاثة؟.
قيل له: لاتفاق الجميع على أن حكمهما (٢) واحد، وأن حكم الحظر
في سفر المرأة إذا كان متعلقاً بالثلاثة، فالقصر والإفطار مثله.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِ يضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَ﴾(٣)، وعمومه يتناول القليل والكثير، فما اتفق الجميع على خروجه
من حكم الآية، أخرجناه منه، وما عداه فمحمول على الظاهر.
قيل له: لا يصح اعتبار عمومه؛ لأنه مُجْمَل، لا يتناول مقداراً معلوماً
(٤)
في اللغة(٤).
(١) في ((ق)): (لم يسقط حكم اليومين واليومان على الوجه ... ) إلخ. والصواب ما
أثبت من ((د)).
(٢) في ((ق)): (حكمها واحد)، والتصويب من ((د))، والمراد: حكم سفر المرأة
وحكم قصر الصلاة.
(٣) البقرة: ١٨٥.
(٤) قال المؤلف في أحكام القرآن ١٧٤/١ : ((وليس للسفر حد معلوم في اللغة،
يفصل به بين أقله وبين ما هو دونه ... ؛ لأنه اسم مأخوذ من العادة، وكل ما كان
حكمه مأخوذ من العادة، فغير ممكن تحديده بأقل القليل.
وقد قيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف، من قولهم: سفرت
المرأة عن وجهها، فسمي الخروج إلى الموضع البعيد سفراً؛ لأنه يكشف عن أخلاق
المسافر وأحواله، ومعلوم ... أن ذلك لا يتبين في الوقت اليسير، واليوم واليومين،
=

٩١
كتاب الصلاة
فإن قيل: يتناول اليوم واليومين، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً))(١).
قيل له: يتناوله الإطلاق، وإنما يسمّى سفراً بتقييد، وما دخل تحت
الآية، فهو ما يسمى سفراً بالإطلاق.
وكذلك إن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾(٢)، كان
الجواب فيه ما ذكرنا من إجمال(٣) اللفظ.
وعلى أن لفظ الضرب في الأرض والسفر، لما كان مُجْمَلاً على ما
اتفق عليه الجميع أنه مراد: أثبتناه، وما اختلفوا فيه: لم يصح إثباته إلا
بدلیل.
وأيضاً: فإن طريق هذا الضرب من المقادير التوقيف والاتفاق، وقد
حصل الاتفاق في الثلاثة، ولم يرد فيما دونها توقيف ولا اتفاق، فلم
یثبت.
مسألة : [وجوب القصر على المسافر] (٤)
قال: (وصلاة السفر ركعتان إلا المغرب والوتر فإنهما ثلاث ثلاث،
لأنه قد يتصنع في الأغلب لهذه المسافة، فلا يظهر فيه ما يكشفه البعيد من أخلاقه)).
(١) سبق تخريجه قريباً.
(٢) النساء: ١٠١.
(٣) فى ((د)): (احتمال اللفظ).
(٤) راجع: الأصل ٢٧٠/١، ٢٨٩، والمبسوط ٢٣٩/١، وبدائع الصنائع
٩١/١، ٩٢.

٩٢
كتاب الصلاة
إلا أن يصلِّيَ خلفَ مقيم، فيُتِمَّ، فإن صلَّى المسافر ما يُقصر من الصلاة
أربعاً، ولم يقعد في الثنتين: بطلت صلاته).
قال أبو بكر أحمد : الحجة لأصحابنا في هذه المسألة من طريق
الآثار، واتفاق الصدر الأول رضي الله عنهم، والنظر.
فأما الآثار: فحديث عائشة رضي الله عنها: ((فُرضت الصلاة في السفر
والحضر ركعتان، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على ما
كانت)»(١).
وقال ابن عباس رضي الله عنه: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في
الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين)) (٢).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة
الفجر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمامٌ غير قَصْرٍ على لسان نبيكم))(٣).
وقال عمر رضي الله عنه حين سأله يعلى بن مُنْيَة (٤): كيف نقصر وقد
(١) أخرجه البخاري ٣٤٣ (١٣٧/١)، ومسلم ٦٨٥ (٤٧٨/١).
(٢) أخرجه مسلم ٦٨٧ (٤٧٩/١)، وأبو داود ١٢٤٧ (٤٠/٢)، وأحمد في
المسند ٣٥٥/١.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٧/١، والنسائي في المجتبى ١٤١٩ (١١١/٣)،
وقال: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر، اهـ والصحيح سماعه منه كما
صرح بذلك أحمد في المسند ٣٧/١، وصححه مسلم في مقدمة الصحيح ٣٤/١.
(٤) في مصادر الحديث: يعلى بن أمية، وكلاهما صحيح، فأمية والده، ومنية
أمه، صحابي مشهور مات سنة بضع وأربعين. انظر: تقريب التهذيب ص ٦٠٩ ت:
٧٨٣٩.

٩٣
كتاب الصلاة
أَمِنَّا؟ فقال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عما سألتَني عنه فقال:
((صَدَقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه))(١).
وقال عمران بن حصين رضي الله عنه: ((ما رأيت النبي صلى الله عليه
وسلم يصلي في السفر إلا ركعتين، وصلى بمكة ركعتين، وقال: ((أتمَّوا
فإنا قومٌ سَفْر))(٢).
فلو كان القصر موقوفاً على اختيار المصلي، لقال: ((أتمَّوا، فإنا لا
نريد الإتمام)).
وأيضاً: وردت الآثار متظاهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يصلي في السفر ركعتين، لا يزيد عليهما. رواه عمر (٣)، وابن مسعود (٤)،
وأبو هريرة(٥)، وابن عباس(٦)، وابن عمر(٧)، وعمران بن حصين(٨)،
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٦/١، ومسلم ٦٨٦ (٤٧٨/١)، والنسائي في
المجتبى ١٤٣٢ (١١٦/٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٣٠/٤-٤٣١، وأبو داود ١٢٢٩ (٢٣/٢)،
والترمذي ٥٤٥ (٤٣٠/٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه عنه مسلم ٦٩٢ (١ / ٤٨١).
(٤) أخرج ذلك عنه البخاري ١٠٣٤ (٣٦٨/١).
(٥) قال الزيلعي: ((أخرجه الدارقطني في سننه)). نصب الراية ١٩٠/٢، ولم
أجده في المطبوع من سنن الدارقطني، والله أعلم.
(٦) أخرجه البخاري ١٠٣٠ (٣٦٧/١)، ومسلم ٦٨٨ (٤٧٩/١).
(٧) أخرجه البخاري ١٠٥١ (٣٧٢/١)، ومسلم ٦٨٩ (٤٧٩/١-٤٨٠).
(٨) سبق تخريجه قريباً.

٩٤
كتاب الصلاة
وأنس(١)، في آخرين من الصحابة رضي الله عنهم(٣).
فثبتت دلالته من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أن فرض الصلاة مُجْمَل في الكتاب، وفِعْل النبي صلى الله
عليه وسلم وارد فيها على جهة البيان، فهو على الوجوب، كفعله الأعداد
في ركعات الظهر، وسائر الصلوات في الحَضَر.
ومدَّعي التخيير فيه، كمدعي التخيير في الظهر والعصر في الحضر بين
الأربع وبین الست.
والثاني: أنه لو كان المسافر مخيَّراً بين الإتمام والقصر، وكان مراد الله
في أمره بالصلاة، لما جاز أن يترك النبيُّ صلى الله عليه وسلم التوقيف
عليه إما قولاً وإما فعلاً؛ لأن الحاجة إلى معرفة بيان التحديد في السفر،
كالحاجة إلى معرفة عدد ركعات الصلاة في الحضر، فلما عَدِمْنا منه البيان
في الزيادة على الركعتين من جهة القول والفعل، علمنا أنها غير ثابتة على
الركعتين.
* ومن جهة الإجماع، اتفاق الصدر الأول على النكير على عثمان
رضي الله عنه في إتمامه الصلاة بمِنِى(٣)، وموافقة عثمان إياهم على ذلك،
(١) أخرجه عنه مسلم ٦٩٠ (١ / ٤٨٠).
(٢) مثلاً عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه عند البخاري ١٠٣٣
(٣٦٧/١)، وعن جابر رضي الله عنه عند أبي داود ١٢٣٥ (٢٧/٢)، وقال: ((غير
معمر یرسله ولا یسنده)».
(٣) صح النكير على عثمان على الإتمام بمِنى عند مسلم ٦٩٥ (٣٨٢/١)، ولم
أقف على الاتفاق. والله أعلم.

٩٥
كتاب الصلاة
واعتذاره بأنه إنما أتمَّ؛ لأنه تأهَّل بمكة، وقال: سمعتُ النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: ((من تأهَّل بيلد، فهو من أهله))(١)، ولو كان مخالفاً لهم، لما
احتاج إلى الاعتذار.
وقال الزهري: ((إنما أتمّ عثمان؛ لأنه أزمع الإقامة))(٢).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((مَن صلَّى في السفر أربعاً، كمن
صلَّى في الحضر ركعتين)) (٣).
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ((صلاة السفر ركعتان، مَن خالف
السنة كفر)) (٤).
وأنكره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في عامة الصحابة (٥).
فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((قَصَرَ رسولُ الله
(١) أخرجه أحمد في المسند ٦٢/١، وضعف أحمد شاكر سنده برقم: ٤٤٣
(٣٥١/١)، وذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار ٦٠٩٩ (٢٦٣/٤)، وأعله
بالانقطاع، وضعف عكرمة بن إبراهيم.
(٢) ذكره البيهقي في المعرفة ٦٠٩١ (٢٦٢/٤).
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢٢٣٨ (٣٣٤/٤).
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢٢٣٥ (٣٣٣/٤)، وعبد الرزاق في
المصنف ٤٢٨١ (٥١٩/٢-٥٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ٨١٧٨ (٢٠٥/٢)،
ولعل المراد من الكفر، كفران نعمة التخفيف للسفر. والله أعلم.
(٥) أي أنكر الأربع ركعات في السفر بمِنى على عثمان رضي الله عنه. أخرجه
البخاري ١٠٣٤ (٣٦٨/١)، ومسلم ٦٩٥ (٤٨٣/١).

٩٦
كتاب الصلاة
صلى الله عليه وسلم في السفر، وأتمَ)(١).
قيل له: هو صحيح (٢)، وهو معنى قول عمر رضي الله عنه: ((تمامٌ غيرُ
قَصْرُ))، ومعناه: قَصَرَ في الفعل، وأتمّ في الحكم (٣).
فإن قيل: فقد كانت عائشة رضي الله عنها تُتِمُّ في السفر (٤).
وروي عنها أن المسافر بالخيار: إن شاء أتمّ، وإن شاء قَصَرَ(٥).
قيل له: إنها سئلت عن ذلك، فقالت: ((أنا أم المؤمنين، فحيث
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٤٤ (١٨٩/٢) وقال: هذا إسناد صحيح.
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٩/٢، وفيه: مغيرة بن زياد، وهو ضعيف.
وأخرجه الشافعي في الأم ١٧٩/١.
(٢) قال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ٤٦٤/١: ((ولم يثبت عنه أنه أتم
الرباعية في سفره ألبتة، وأما حديث عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يقصر في السفر ويتم ... ))، فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ((هو
كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وقد روي: ((كان يقصر، وتُتِمّ ... أي
تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين))، قال شيخنا ابن تيمية: ((وهذا باطل، ما كانت
أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه، فتصلي
خلاف صلاتهم)).
(٣) أي: قصر الرباعية إلى اثنتين فعلاً، ولكنه أتم في الحكم، حيث إن فرض
المسافر ركعتان، وذلك تمام غير قصر.
(٤) قال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ٤٦٥/١. قلت: ((وقد أتمت عائشة بعد
موت النبي صلى الله عليه وسلم))، وقد أخرج ذلك عنها البخاري ١٠٤٠ (٣٦٩/١)،
ومسلم ٣/٦٨٥ (٤٧٨/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٢٤/١.
(٥) لم أقف عليه فيما تيسر لي من المراجع.

٩٧
كتاب الصلاة
حَلَلْتُ فهو داري))(١).
وأما قولها: ((المسافر بالخيار)): فمعناه في أن يدخل في صلاة مقيم
فُيُتِمّ.
فإن قيل: لما لزمه الإتمام، لدخوله في صلاة المقيم، دل على أنه
مخيّر بين الإتمام والقصر قبل الدخول.
قيل له: لأن حكم الصلاة يتغير بالإمام، ألا ترى أن المرأة والعبد
والمريض إذا دخلوا مع الإمام في الجمعة صلوا ركعتين، ولا يدل ذلك
على أنهم مخيّرون قبل الدخول بين أن يصلوا أربعاً أو ركعتين.
وأيضاً: فالمقيم مخيّر بين أن يسافر فيصلي ركعتين، وبين أن يقيم
فيصلي أربعاً، ولا يدل ذلك على أنه مخيّر قبل السفر بين الإتمام والقصر.
* ومن جهة النظر: إنه لما كان مخيّراً بين فعل الزيادة على وجه
الابتداء، و(٢) تركها لا إلى بدل، دل ذلك على أن الزيادة نفل؛ لأن هذه
صورة النفل في الأصول، وصورة الفرض أنه لا خيار له فيه، أو يكون
مخيّراً بین فعله و(٣) تركه إلى بدل.
فإن قيل: قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ
مِنَ الصَّلَوَةِ﴾(٤): يقتضي التخيير.
(١) أخرج نحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٢٨/١.
(٢) في ((د)): أو تركها.
(٣) في ((د)): أو تركه.
(٤) النساء: ١٠١.

٩٨
كتاب الصلاة
قيل له: ليس هذا القصر الذي اختلفنا فيه؛ لأن هذا القصر معقود
بشرط الخوف، واتفق الجميع على أن قصر السفر غير معقود بشرط
الخوف، وأن الخائف وغيره يقصر(١).
وعلى أن غير (٢) الخائف لم يدخل في حكم الآية، فلا يصح
الاحتجاج به في المسافر الذي ليس بخائف.
وعلى أن قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ﴾: لا يقتضي التخيير، وإنما فيه
جواز القصر(٣)، وفيما قدَّمنا من الأدلة: الوجوب، ولا يتنافيان.
ألا ترى أن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾(٤): لم ينف
وجوب السعي بينهما.
وأيضاً: فإن هذا القصر ليس هو قصراً في أعداد الركعات عندنا، وإنما
هو على أحد وجهين :
إما إباحة الصلاة بالإيماء في حال الخوف، فيكون قصراً في أوصاف
الصلاة، أو إباحة الاختلاف والمشي في صلاة الخوف؛ لأن مثله في
غيرها يُفْسِد الصلاة، فسمَّه قصراً أباح الصلاة معه.
(١) انظر: بداية المجتهد مع تخريجه الهداية ٣٠٤/٣.
(٢) في ((د)): حكم الخائف.
(٣) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ٢٥٣/٢-٢٥٥.
(٤) وتمام الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ﴾ إلخ. البقرة: ١٥٨.

٩٩
كتاب الصلاة
مسألة : [الاعتبار في القصر وعدمه بآخر الوقت](١)
قال: (ومَن سافر في آخر الوقت قبل أن يصلي: صلَّى صلاةَ مسافر،
ولو قَدِمَ مسافرٌ في آخر الوقت قبل أن يصلي: صلَّى صلاةَ مقيمٍ).
قال أبو بكر أحمد : جواب هاتين المسألتين لا خلاف بين أصحابنا
فیه.
وكذلك قولهم في الحائض إذا طهرت في آخر الوقت: أنه يلزمها
فرض الصلاة، ولو حاضت في آخر الوقت: سقط عنها فرض الصلاة.
واختلف شيوخُنا المتأخرون في الوقت الذي يتعلق به فرض الصلاة،
فقال بعضهم: إنما يتعلق حكم الوجوب بآخر الوقت، وقال آخرون: بأول
وقت، إلا أنه موسَّع له في التأخير (٢).
وكذا قال مَن قال بهذه المقالة في الزكاة: إن فرض الزكاة يتعلق
بوجود النصاب، إلا أنها تجب وجوباً موسَّعاً إلى الحول (٣).
وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: إن الفرض يتعين
بالفعل من أول الوقت إلى آخره، فإذا جاء آخر الوقت تعيّن الفرض
بالوقت، ويحصل عليه الوجوب، فَعَلَ الفرض أو لم يفعل، وما قبل ذلك
(١) راجع: الأصل ٢٦٨/١، المبسوط ٢٣٨/١، بدائع الصنائع ٩٥/١ - ٩٦.
والفصول في الأصول للمؤلف ١٢١/٢-١٢٩، وكشف الأسرار عن أصول فخر
الإسلام البزدوي ١/ ٤٦٩.
(٢) راجع: كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٤٥٨/١، وأصول
السرخسي ١ / ٣٠-٤٤.
(٣) راجع: بدائع الصنائع ٣/٢، وشرح فتح القدير ١١٤/٢.

١٠٠
كتاب الصلاة
فهو مخيّر فيه، فإن فَعَلَه تعيَّن الفرض بالفعل، وصار ذلك الوقت كأنه(١)
وقت الوجوب بعينه.
ونظير ذلك ما خيَّر الله عز وجل الحانثَ في يمينه، بين التكفير
بالعتق، أو الكسوة، أو الإطعام(١)، ولا يجوز لنا تعيين شيء من ذلك عليه
بنفس الحِنْث، فإن فَعَلَ أحدَها، تعيّن حكم الفرض منه بالفعل، إذ كان
مخيَّراً في فِعْل أيها شاء.
كذلك الذي يدخل عليه وقت صلاة، لما كان مخيَّراً في أن يفعلها في
أي وقت شاء، إلى أن ينتهيَ إلى الوقت الذي لا يسعه فيه التأخير: لم يعيّن
عليه فرض الصلاة بدخول الوقت، إذ كان له تأخيرها إلى آخر الوقت، لا
إلى بدل ولا قضاء؛ لأن المفعول في آخر الوقت غير مفعول على وجه
القضاء عما لزمه بأول الوقت.
فلما كان كذلك: عَلِمْنا أن الفرض لم يتعيَّن عليه بالوقت، حتى إذا
فعله: تعيَّن عليه حكم الفرض بالفعل، فإذا صار إلى آخر الوقت تعيّن عليه
الفرض بوجود الوقت؛ لأنه يستحق اللوم بالتأخير، ولأنه لو تَركَه، تَركَه
إلى قضاء فرض فائت عن وقته.
فإذا ثبت ذلك، ثم لم يصلُّ المقيم حتى سافر قبل خروج الوقت، فقد
أتى عليه وقت الوجوب، وهو مسافر، فلزمته صلاة المسافر، وكذلك
(١) في ((د)): کله.
(٢) يشير بذلك إلى قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِىَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ
رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَئِنِّكُمْ إِذَا حَفْتُمْ﴾. المائدة: ٨٩.