Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ كتاب الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا رضي الله عنه، وحسبك به في عداد المفسرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ وقد بيَّن لنا قائلاً: ((ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه)). صحيح مسلم برقم ٢٤٦٢، ١٩١٢/٤. فهو حري أن يقدم تفسيره في هذه المسألة على غيره من الصحابة الذين وردت عنهم آثار وأقوال في ذلك إما غير مسندة، أو بأسانيد كلها ضعاف، ولو صحت فهي متجهة تحتمل أن تكون تفسيراً للزينة اللاتي نُهين عن إبدائها - كما قال ابن كثير (٤٥٤/٣) - ثم إن الزينة في لغة العرب، والواردة في القرآن، هي ما تتزين به المرأة، مما هو خارج عن أصل خلقتها، أما وجهها فهو من أصل خلقتها، وليس من الزينة الظاهرة التي لا يمكن إخفاؤها، كما تدل عليه كلمة: ﴿ظهر﴾، حيث لم يقل: إلا ما يُظهرن منها. وإذا كان شعرها وساعدها عورة يجب سترها، والعلة هي كونها زينة تجذب قلوب الرجال، وتأخذها وتثير الفتن، فالوجه منها أولى بذلك، إذ هو أصل جمالها، به يستظهر الخاطبون جمالَها وحُسْنها من دمامتها، ورؤيته من أعظم أسباب الافتتنان بها. فلذا أرى أن وجه المرأة عورة يجب ستره من الأجانب، وهو أحوط الأقوال وأبعدها عن الفتنة وأسبابها، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، وأوفقها بنصوص الكتاب والسنة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)). أخرجه الترمذي في السنن ١١٧٣ (٤٧٦/٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن خزيمة في الصحيح ١٦٨٥ (٩٢/٣)، وقال في مجمع الزوائد ٣٥/٢: رواه الطبراني في الكبير (١٠١١٥) ورجاله موثقون، وراجع كتاب: الحجاب، لأبي الأعلى المودودي، وأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ١٩٧/٦، ٥٨٦. ٧٠٢ كتاب الصلاة بخمار))(١)، فدل أن رأسها عورة، وما كان عورة: وَجَبَ ستره في الصلاة، واليد والوجه والقدم ليست بعورة: فلا يلزمها سترها في الصلاة. مسألة: [عورة الأمة في الصلاة] قال أبو جعفر: (ولا يجب على الأمة وأم الولد والمدَبَّرة والمكاتَبَة تغطية رؤوسهن في الصلاة). قال أبو بكر : وذلك لأن شعر الأمة ليس بعورة؛ لأنه يجوز للأجنبي النظر إليه، فصار كشعر الرجل. ورُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول للإماء: ((اكْشفْن رؤوسکن، ولا تشبّهْن بالحرائر)»(٢). لأن الناس متفقون على أن لها أن تسافر بغير مَحْرم (٣)، فصار حكمها معهم، كحكم ذوي المحارم، ولذي المحرم أن ينظر من ذات مَحْرمه إلى رأسها. مسألة: [الترتيب في قضاء الفوائت](٤) قال أبو جعفر: (ومَن ذَكَرَ صلاةً فائتة، وهو في أخرى من الصلوات (١) سبق تخريجه قريباً. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٠٥٩، ٥٠٦١، ٥٠٦٢ (١٣٥/٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦٢٣٦، ٦٢٣٩-٦٢٤٠ (٤١/٢)، ومالك في الموطأ ٤٤ (٩٨١/٢)، وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢٢٧/٢: الآثار بذلك عن عمر صحيحة. (٣) لم أقف على توثيق هذا الإجماع فيما تيسر لي من المصادر. (٤) راجع: الجامع الصغير ص١٠٦. المبسوط ١٥٤/١. وبدائع الصنائع ١٣١/١ وما بعدها. ٧٠٣ كتاب الصلاة الخمس، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات: مضى فيها، ثم قضى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك: قَطَعَ ما هو فيه، وصلى الفائتة، إلا أن يكون في آخرٍ وقتِ التي دَخَلَ فيها، يخاف فوتَها، فيُتِمُّها، ثم يقضي الفائتة). قال أبو بكر أحمد : كان أبو حنيفة يوجب الترتيب في الفوائت ما لم تكن الفوائت سِتّاً، فإذا صارت ستّاً: سقط الترتيب. وروي عن محمد في غير الأصول(١): أن الفوائت إذا كنَّ خمساً، ولم يبق من وقتهن شيء، أنها بمنزلة الست(٢). * والحجة في وجوب الترتيب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته أربع صلوات يوم الخندق، حتى كان بِهَويٍ(٣) من الليل قضاهن على الترتيب)) (٤). (١) كالنوادر والهارونيات والرقيات والكاسانيات، وأما الأصول، وتسمى كتب ظاهر الرواية، فهي: المبسوط، ويسمى الأصل، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والزيادات، والسير الكبير، والسير الصغير. انظر: حاشية ابن عابدين ٥٠/١، ٦٩، ٧٠، ومفتاح السعادة ٢٣٧/٢. (٢) هي رواية ابن سماعة في نوادره عن محمد. انظر: المبسوط ١٥٤/١، بدائع الصنائع ١ /١٣٥. (٣) الهَوِيُّ - بالفتح -: الحين الطويل من الزمان. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢٨٥/٥. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٥/٣، ٤٩، والدارمي في السنن ١٥٢٤ (٤٣٠/١)، وصححه ابن سيد الناس وابن السكن. انظر: شرح الترمذي لأحمد شاكر ٣٣٨/١. ٧٠٤ كتاب الصلاة فدل ذلك على وجوب الترتيب في الفوائت من وجهين: أحدهما: أن فعلَه ذلك واردٌ مورد البيان؛ لأن فرض الصلاة مُجْمَل في الكتاب، فمهما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعلٍ في أو صاف الصلاة وأفعالها: فهو واردٌ موردَ البيان، وفعلُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان: فهو على الوجوب، إلا أن تقوم الدلالة على الندب. والجهة الأخرى: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))(١)، وقد صلى الفوائت على الترتيب، فلزم بمضمون الخبرین إيجاب الترتيب. * دليل آخر: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن نام عن صلاة أو نسيَها، فليصلُّها إذا ذَكَرَها، فإن ذلك وقتها)). وروي: ((لا كفارة لها إلا ذلك)). وروي: ((لا وقت لها إلا ذلك))(٢). فجعل وقت الذكر أخص بالفائتة منه بصلاة الوقت، ولما كان كذلك: صارتا كالفجر والظهر، لما اختص كل واحد منهما بوقت، لزم فيهما الترتيب. وأيضاً: لما صار الوقت أخصَّ بالفائتة منه بصلاة الوقت، أشبهتا (١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه البخاري ٥٧٢ (٢١٥/١)، ومسلم ٦٨٤ (٤٧٧/١) إلا: ((فإن ذلك وقتها))، و: ((لا وقت لها إلا ذلك))، فقد أخرج نحوه الدارقطني في السنن ١ (٤٢٣/١). ٧٠٥ كتاب الصلاة الظهر والعصر بعرفات، وأن وقت الظهر لما كان أخص منه بالعصر، لزم فيهما الترتيب. فإن قيل: فهذه العلة موجودة في آخر الوقت. قيل له: ليس كذلك؛ لأن آخر الوقت أخصُّ بصلاة الوقت منه بالفائتة، لقيام الدلالة عندنا على(١) أنه منهي عن فعل الفائتة، وتَرْك صلاة الوقت، فلم يكن عليه وجوب الترتيب في أول الوقت، كوجوبه في آخره. * ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على وجوب الترتيب بين صلاتي عرفة (٢)، والمعنى فيه اجتماع صلاتين واجبتين غير مفعولتين على وجه التكرار في وقت واحد يتسع للصلاتين جميعاً، وذلك موجود في الفائتة مع صلاة الوقت. فإن ألزمونا على ذلك إيجاب الترتيب فيما زاد على اليوم والليلة. قيل لهم: أما ما تقدم من دلائل السنة، فلا يدخل ذلك عليه؛ لأن فعله صلی الله عليه وسلم إنما ورد فيما كان أقل من يوم وليلة. أما علتنا هذه، فلا يلزم عليها ما ذكرت أيضاً؛ لأنا جعلنا العلة اجتماع وجوب صلاتين غير مفعولتين على وجه التكرار، فإذا زادت على اليوم والليلة: وقع فيها تكرار. * وهذا معنى صحيح قد اعتبره أصحابنا في كثير من مسائلهم، ألا ترى أنهم يجوِّزون تقديم بعض ركعات الصلاة على بعض، وترك الترتيب (١) في ((د)): (لأنه منهي عن فعل). (٢) انظر: بداية المجتهد (مع الهداية) ٣٩٢/٥-٣٩٣. ٧٠٦ كتاب الصلاة فيها، وذلك كالذي ينام خلف الإمام حتى يصليَ الإمام ركعة، ثم يُحْدِث الإمام، فيقدِّمه أنه مأموم، وأنه يبدأ بالركعة التي نام فيها خلفه، ثم يبني على صلاة الإمام، فإن لم يفعل، وبنى على صلاة الإمام، ثم قضى الركعة أجزأته. وأصل هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا إذا أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الصلاة، فقَضَوا الفائت، ثم تابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاء معاذ رضي الله عنه، وقد فاته بعض الصلاة، فترك قضاء الفائت، وتابع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ما كنتُ لأجدك على حال إلا أتابعك عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سَنَّ لكم معاذ، فكذلك فافعلوا))(١). فقدَّم معاذ رضي الله عنه ما كان حكمه أن يؤخره، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادتها، فصار ذلك أصلاً في جواز الصلاة مع ترك الترتيب في الركعات. ولهذا المعنى قالوا فيمن ترك سجدة (٢) من الركعة الأولى، أنه جائز له قضاؤها في الثانية؛ لأنها مفعولة على وجه التكرار. ومن أجله أجازوا ترك الترتيب في قضاء صوم شهر رمضان إذا كان (١) أخرجه أحمد في المسند ٢٤٦/٥، وأبو داود ٥٠٦ (٣٤٦/١)، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، وعبد الرحمن لم يسمع من معاذ، ولم يدركه. هكذا قال البيهقي في السنن الكبرى ٢٩٦/٢. (٢) في ((ق)): ركعة سجدة. ٧٠٧ كتاب الصلاة مفعولاً على وجه التكرار. وأوجبوا الترتيب بين السجود والركوع؛ لأن كل واحد منهما غير مفعول على وجه التكرار، وفعل السجدة الثانية إنما يقع على جهة تكرار فعلٍ قد وقع مثله، فثبت حكمها مع ترك الترتيب. وأيضاً: في الفرق بين انضمام الست في الفوات وما دونها: أنه قد ثبت في وجوب الترتيب في القليل منها، وثبت أيضاً سقوطه في الكثير؛ لأنا لو أوجبناه لوَجَبَ أن يكون: لو فاتته صلاة، فصلى عشرين سنة، وهو ذاكرٌ لها، أن لا يجزيه شيء منها، وهذا قول فاحش الخطأ، خارج عن أقاويل الفقهاء، فثبت أن حكم الترتيب ساقط في الكثير. واحتَجْنَا إلى حدٍّ فاصل بين القليل والكثير، وقد ثبت عندهم أيضاً أن انضمام ست صلوات يُسْقِط الفرضَ في حال الإغماء (١)، وأن ما دونها لا يسقطه، فوجب أن يكون هذا هو الحد الفاصل بين القليل والكثير في إيجاب الترتيب، لتعلق حكم سقوط الفرض بانضمام الست دون ما عداها. فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت))(٢)، وعمومه يوجب فعل صلاة الوقت إذا أقيمت، وإن كان عليه صلاة فائتة. (١) هو قول الحنفية أن المغمى عليه يوماً وليلة يقضي، وأكثر من يوم وليلة لا يقضي. انظر: الحجة على أهل المدينة ١٥٤/١-١٥٩، والمبسوط ٢١٧/١. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٢/٢، وفي سنده أبو تميم الزهري: مجهول، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٧٢. ٧٠٨ كتاب الصلاة قيل له: المراد به إذا لم يكن عليه صلاة فائتة، بدلالة اتفاق الجميع على جواز فعل الفائتة في هذا الحال(١). وأيضاً: فما ذُكِر من الدلالة تخصه. فإن قيل: لو كان الترتيب فرضاً، لما أسقطه النسيان، كما لم يسقط ترتيب السجود على الركوع بالنسيان، إذ كان فرضاً. قيل له: معلوم أن الترتيب إنما يجب بين صلاتين واجبتين، والصلاة المنسية ليست بواجبة في حال النسيان، فاستحال إيجاب الترتيب. وأما ترتيب السجود على الركوع، فمخالف للصلاتين، وذلك لأن منزلة السجود من الركوع، كمنزلة الصلاة من الوقت، فلما لم يسقط فرض الوقت بالنسيان، كذلك لم يسقط ترتيب السجود على الركوع. ومما يبين ذلك أنه لا يجوز سقوط فرض السجود، إلا مع سقوط فرض الركوع، وأن كل واحد منهما متعلق بالآخر، فإما أن يسقطا معاً، أو يثبتا معاً، فلما كان كذلك، لم يكن للنسيان تأثير في إسقاطه. وأما الصلاتان فقد يجوز سقوط فرض إحداهما، مع ثبوت فرض الأخرى، فلما لم يكن عليه فعل الصلاة المنسية في حال النسيان، صح له فعل صلاة الوقت. وإنما قلنا إنه يبدأ بصلاة الوقت، إذا خاف فوتها إن بدأ بالصلاة (١) قال النووي: ولا يجوز قطع فريضة [قد دخل فيها] لمراعاة مصلحة فريضة أخرى، [وهي الجماعة]. انظر: المجموع ٢١١/٤، وقد نقل الطحاوي الإجماع على أنه ينبغي له أن يركع ركعتي الفجر في منزله بعد ما أقيمت، ما لم يخف فوت صلاة الإمام. انظر: شرح معاني الآثار ٣٧٦/١. ٧٠٩ کتاب الصلاة الفائتة: من قِبَل أن فعل الصلاة في الوقت فرض، والترتيب فرض، ولا يمكنه فعلهما جميعاً، فقد دُفع إلى ترك إحداهما، إما الوقت وإما الترتيب، وفرض الوقت آكد من فرض الترتيب؛ لأن لآخر الوقت تأثيراً في إسقاط الفرض وإيجابه، بدلالة أن المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: سقط عنها فرض الصلاة، ولو طَهُرت في آخر الوقت: لزمها فرض الصلاة، وليس للترتيب هذه المزية، فصار الوقت آكد من الترتيب، فلذلك تُرِك الترتيب من أجله. ويدل على تأكد حكم الوقت على الترتيب: أن الترتيب يُسقطه النسيان، وفَرْض الوقت لا يسقطه النسيان. مسألة: [الترتيب بين الوتر الفائت وصلاة الفجر](١) قال: (ومَن ذَكَر الوتر من ليلته، وهو في صلاة الفجر، فَسَدَت عليه، وصلى الوتر، ثم الفجر، إلا أن يكون في آخر وقتها، ويخاف أن يفوتَه الفجر إن صلى الوتر، وقال أبو يوسف ومحمد: الوتر لا يُفْسِد الفجر). [بحثُ مطوَّل في وجوب الوتر :] قال أبو بكر أحمد : المشهور من مذهب أبي حنيفة وجوب الوتر، فقد حُكي أن أبا حنيفة سئل عن الصلوات المكتوبات كم هي؟ فقال: خمس، فقال السائل: فما تقول في الوتر؟ قال: واجب. قال السائل: هذا غَلَطٌ في الحساب(٢). (١) راجع: الجامع الصغير ص١٠٦، والأصل: ١٦٦/١، والمبسوط ١٥٥/١، وبدائع الصنائع ٢٧٢/١. (٢) السائل هو يوسف بن خالد السمتي قبل أن يتتلمذ على أبي حنيفة. انظر: = ٧١٠ كتاب الصلاة فجَهِلَ السائل، ولم يفرِّق بين المكتوبة والواجب، وظنَّ أنه إذا قال: هو واجب، فقد قال: إنه من المكتوبة. وقد يكون(١) واجب ليس بمكتوبة، كصلاة العيدين هي واجبة، ولا يقال: إنها مكتوبة، ولا وجوبها كوجوب صلاة الجمعة، وكغُسْل الميت واجب، وليس كغُسْل الجنابة، وصدقة الفطر واجبة، وليست كالزكاة في الوجوب، وسجدتا السهو واجبتان، لا يُرخَّص في تركهما، وليستا كسجود الصلاة. [الوجوب على مراتب في الشرع : ] فليس في إطلاق لفظ الوجوب في الوتر، ما يقتضي إلحاقه بالمكتوبة، إذ كان الوجوب على مراتب في الشرع، وطرق الواجبات مختلفة، فمنها ما ثبت بنص القرآن، ومنها ما ثبت بالسنة من طريق التواتر والاستفاضة، ومنها ما طريقه أخبار الآحاد، ويسوغ الاجتهاد فيه، وطريق إثبات وجوب الوتر: أخبار الآحاد، فلم يكن كالمكتوبة. * ولأبي حنيفة في قوله هذا، من السلف ما لو اكتُفي بهم في تصحيح المقالة، لكان فيهم غنى وكفاية، وأنا ذاكرٌ قول مَن قال من السلف بمثل مقالته في الوتر، ثم نشرع في الحِجَاج لها، بما يوضح عن صحتها إن شاء الله. فمن ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((ليس الوتر بحَتْم بدائع الصنائع ٢٧١/١. (١) (يكون): هنا تامة، أي: قد يوجد واجب، وهو ليس من المكتوبات. ٧١١ كتاب الصلاة كصلاة المغرب، ولكن أوتِروا يا أهل القرآن))(١). فهذا القول يدل على أنه كان يراه واجباً، وأن وجوبه عنده، ليس كوجوب المكتوبة، وذلك لأنه أَمَرَ به بقوله: ((أوتروا))، وأخبر أن حَتْمه لیس کحتم المغرب. ولو لم يكن يراه حتماً واجباً لقال: ليس بحتم، فيُعقَل منه نفي الوجوب، وأنه ليس كالمغرب، فلما قال: ((ليس بحتم كالمغرب)): عُلِم أنه أراد أنه ليس وجوبه كوجوب المغرب، وأنه دونه في الوجوب. وقد روى أبو معشر عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه قال: ((الوتر واجب على كل مسلم، والتكبير قبل القنوت)) (٢). وروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله رضي الله عنه: ((الوتر يجب كصلاة المغرب وتر النهار))(٣)، فأطلق عبد الله رضي الله عنه لفظ الوجوب على الوتر. (١) أخرجه الترمذي ٤٥٤ (٣١٦/٢)، وقال: هذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش، وقد حسن حديثه، والنسائى فى المجتبى ١٦٧٤_١٦٧٥ (٢٢٨/٣_٢٢٩)، وابن ماجه ١١٦٩ (١/ ٣٧٠) كلهم بلفظ: ((الصلاة المكتوبة)) بدل المغرب، وقد ورد نفي التشبيه بالمغرب في قول سعد بن أبي وقاص، أخرجه عنه عبد الرزاق، في المصنف ٤٥٦٨ (٣/٣). (٢) أخرج الشطر الثاني منه ابن أبي شيبة في المصنف ٦٩٤٨ (١٠٠/٢)، والشطر الأول عند البزار كما في نصب الراية ١١٣/٢. (٣) سبق تخريج قول ابن مسعود في الوتر أنه ثلاث كالمغرب وتر النهار، وأخرج الطحاوي نحوه في شرح معاني الآثار ٢٩٤/١ وليس فيه تصريح الوجوب. ٧١٢ كتاب الصلاة وروى أبو قيس عن علقمة قال: ((الوتر واجب))(١). وقال إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال: ((الوتر واجب، ولم يُكتَب))(٢). وقال أبو محمد الأنصاري للمخدجي رضي الله عنهما (٣): ((الوتر واجب)). وخالفه عبادة بن الصامت رضي الله عنه(٤)، فهذا ما حضرنا من قول السلف. * ومما يدل على وجوبه: ما ورد من الآثار المختلفة الألفاظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي على اختلاف ألفاظها دالةٌ على وجوبه. فمن ذلك: ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثني قريش بن حيان العجلي قال: حدثنا بكر بن وائل عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب (١) لم أعثر عليه فيما تيسر لي من المراجع. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٤٥٨٣ (٧/٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦٨٦٠ (٩٢/٢). (٣) في ((ق)): أبو محمد المخدجي الأنصاري، والصواب ما أثبت من (د))، ومصادر الحديث، فإنهما شخصان: أبو محمد الأنصاري صحابي قيل اسمه: مسعود بن زيد، وقيل: قيس بن عبابة. انظر: تقريب التهذيب ص٦٧١ الترجمة: ٨٣٤٢، والمخدجي من التابعين هو أبو رفيع، ويقال اسمه: رفيع. انظر: تقريب التهذيب ص ٦٤٠ الترجمة: ٨١٠٠. (٤) أخرجه مالك في الموطأ ١٤ (١٢٣/١)، وأبو داود في السنن ١٤٢٠ (١٣٠/٢)، والنسائي في المجتبى ٤٦٠ (٢٣٠/١). ٧١٣ كتاب الصلاة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الوتر حق على كل مسلم، فمن أحبّ أن يُوتر بخمسٍ فَعل))(١)، وذكر الحديث(٢). وروى أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوز(٣) .... قال: حدثنا يعقوب الدورقي، ومحمد بن ميمون الخياط - وهذا لفظه - قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري قال: ((الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن غُلِب إلا أن یومیء: فلیومیء)»(٤). فقد نص في هذا الخبر على الوجوب من وجوه: أحدها: قوله: ((حق عليه)): وليس في ألفاظ الوجوب شيء آكد من قول القائل: حق عليه، ألا ترى أن الشهادات لا تقبل فيها الألفاظ المحتملة للمعاني، ولو قال الشاهد: ((أشهد أن لفلان على هذا ألف درهم حق عليه)): كانت الشهادة صحيحة، فدل أن قوله: ((حق عليه)): يقتضي الوجوب، ولا يحتمل غير ذلك. وآخر: وهو أنه قال في حدیث سفیان: «حق واجب))، فنص علیه. (١) في سنن أبي داود: (فليفعل). (٢) عند أبى داود ١٤٢٢ (١٣٢/٢)، وأخرجه النسائي (٢٣٩/٣). (٣) سقط هذا السند من ((ق))، وفي ((د)) يوجد طمس في هذا الكلمة. (٤). وأخرجه أحمد في المسند ٤١٨/٥، والنسائي ١٧١٢ (٢٣٩/٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٩١/١ وهذا لفظه، والدارقطني في السنن ١ (٢٢/٢) وصحح ابن حجر سنده. انظر: التلخيص الحبير ١٣/٢، الحديث: ٥٠٨. ٧١٤ كتاب الصلاة وقوله: ((مَن غُلب إلا أن يومىء: فليومىء)): يدل عليه أيضاً من وجهين: أحدهما: أن أمره بالفعل يقتضي الوجوب. والثاني: أمره بفعله إيماءً، وليس ذا صورة النوافل. * وحديث آخر: وهو حديث أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوتر))(١). والأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. فقال أعرابي: ما تقول؟ قال: ((ليس لك، ولا لأصحابك))(٢): فهذا لفظ(٣) الإيجاب؛ لأنه أمر، والأمر عندنا للوجوب. فإن قيل: لما خص أهل القرآن، دلَّ على أنه غير واجب؛ لأن ما كان واجباً، لا يختلف في حكمه(٤) أهل القرآن وغيرهم. قيل له: لم ينفه عن غير أهل القرآن(٥)، وإنما فيه إيجابه على أهل القرآن، وإذا وجب على أهل القرآن، وَجَبَ على غيرهم، كما قال الله (١) أخرجه الترمذي ٤٥٣ (٣١٦/٢) وقال: حديث حسن، والنسائي ١٦٧٤ (٣٢٩/٣)، وأبو داود في السنن ١٤١٦ (١٢٨/٢) وهذا لفظه. (٢) أخرجه أبو داود ١٤١٧ (١٢٨/٢)، وابن ماجه ١١٧٠ (٣٧٠/١)، وهو منقطع عندهما، فإن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. (٣) في ((د)): (فهذا اللفظ يقتضى الإيجاب). (٤) في ((د)): وجوبه. (٥) في ((ق)): الكتاب. ٧١٥ كتاب الصلاة تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(١)، فخص المؤمنين، والكفار بمثابتهم في الأمر بالتوبة. وأيضاً: فإنما أراد مَن آمن بالقرآن، واعتقد صحته، كما قال الله عز وجل: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ (٢)، والمراد مَن اعتقد الإيمان بالكتاب، لا من حفظه وقرأه. فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: ((ليس لك، ولا لأصحابك)): يدل على أنه ليس بواجب؛ لأن الأعراب وغيرهم لا يختلفون في الوجوب. قيل له: يجوز أن يكون الأعرابي كان كافراً. وإن كان مسلماً، يحتمل أن يريد: ليس لك، لا لأصحابك خاصة، بل للناس عامة، وإنما قال ذلك؛ لأنه عَلِم أن ظنَّ الأعرابي سيسبق إلى أنه لأهل القرآن خاصة، فأخبره أنه للناس عامة. * حديث آخر: وهو حديث خارجة بن حذافة العدوي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله قد أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمُر النَّعَم، هي الوتر، فجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر))(٣). (١) النور: ٣١. (٢) آل عمران: ٦٥. (٣) أخرجه أبو داود ١٤١٨ (١٢٨/٢-١٢٩)، والترمذي ٤٥٢ (٣١٤/٢) وقال: حديث غريب، والحاكم في المستدرك ٣٠٦/١، وقال: صحيح الإسناد ولم = ٧١٦ كتاب الصلاة وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرَّم على أمتي الخمر، والميسر، والمزامير(١)، والكُوبة (٢)، وزادني صلاة الوتر))(٣). وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله زادكم صلاة، فاحفظوها، وهي الوتر))(٤). فكانت الدلالة من هذه الأخبار على وجوبها من وجهين: أحدهما: قوله: ((فاحفظوها))؛ لأنه أمرٌ يقتضي الوجوب. والثاني: قوله: ((زادكم)): والزيادة إنما تقع على الواجبات، لا على النوافل؛ لأن النوافل لا غاية لها، فتقع عليها الزيادة، والواجبات ذوات عدد معلوم، فيصح الزيادة عليها. فإن قيل: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زادكم))، ولم يقل: زاد علیکم. يخرجاه، ووافقه الذهبي. وراجع: نصب الراية ١٠٨/٢-١٠٩. (١) مفرده مزمار. وهي الآلة التي يزمر بها، أي يغنى بها. انظر: النهاية في غريب الحديث ٣١٢/٢. (٢) الكوبة هي النرد، وقيل: الطبل، وقيل: البربط .. انظر: النهاية ٣٠٧/٤. (٣) أخرجه أحمد في المسند ١٦٥/٢، ١٦٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٦/٤. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٠٦/٢، ولفظه: ((فحافظوا عليها))، وفي سنده: المثنى بن الصباح اليماني الأبناوي، أبو عبد الله ضعيف، اختلط بأَخَرة. انظر: تقريب التهذيب ص٥١٩ الترجمة: ٦٤٧١. ٧١٧ كتاب الصلاة قيل له: إذا صح أنه أراد الزيادة على الواجبات، لم يختلف حكم قوله: (زادكم))، و: ((زاد عليكم))؛ لأن الزيادة على الواجب، لا تكون إلا واجباً. وعلى أنك إذا حملته على الإباحة، فقد جعلته کمن قال: ((زاد لكم))، وليس ذلك في اللفظ. وعلى أنه لا فرق بين قوله: ((زادكم))، و: ((زاد عليكم)) قال الله: ﴿َزِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾(١)، وقال: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾(٢)، وهو عليهم، لا لهم. حديث آخر: وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عوف قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن أبي غسان عن محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نام عن وتره، أو نسيَه، فليصلِّه إذا ذكره))(٣). وهذا الحديث يدل من وجهين على وجوب الوتر: أحدهما: الأمر بفعله. والثاني: إثباته في الذمة بالفوات بإيجابه قضاءه عليه، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نسيَها، فليصلِّها إذا ذَكَرَها))(٤). (١) النحل: ٨٨. (٢) النبأ: ٣٠. (٣) عند أبي داود ١٤٣١ (١٣٧/٢). (٤) سبق تخريجه. ٧١٨ كتاب الصلاة * وحديث آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمود بن محمد قال: حدثنا يحيى بن داود قال: حدثنا وكيع عن الخليل بن مرة عن معاوية بن قُرَّة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن لم يوتر، فليس منا))(١). وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو إسحاق الطالقاني قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عبيد الله بن عبد الله العُتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الوتر حق، فمَن لم يوتر، فليس منا))(٢). ومثل هذا القول لا يُطلَق إلا في ترك الواجبات، وهو كقوله: ((مَن غشَّنا، فليس منا))(٣)، و: ((مَن حَمَلَ علينا السلاح، فليس منا))(٤). * ودليل آخر: هو حديث أبي الدرداء(٥)، وأبي هريرة رضي الله عنهما: ((أوصاني خليلي ألا أنام إلا على وتر)) (٦)، وهو مشهور. (١) أخرجه أحمد في المسند ٤٤٣/٣، وفي سنده الخليل بن مرة، وهو ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص١٩٦ الترجمة: ١٧٥٧، وهو منقطع، لأن معاوية بن قرة لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه ولا لقيه. راجع: نصب الراية ١١٣/٢. (٢) عند أبي داود ١٤١٩ (١٢٩/٢). (٣) أخرجه مسلم ١٠١ (٩٩/١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) أخرجه البخاري ٦٤٨٠ (٢٥٢٠/٦)، ومسلم ٩٨ (٩٨/١) كلاهما من حديث ابن عمر، وهو جزء من حديث أبي هريرة السابق قريباً عند مسلم. (٥) أخرجه عنه أبو داود ١٤٣٣ (١٣٨/٢)، ومسلم ٧٢٢ (٤٩٩/١). (٦) أخرجه - عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري ١١٢٤ (٣٩٥/١)، ومسلم ٧٢١ (٤٩٩/١). ٧١٩ كتاب الصلاة فإن قيل: ذَكَرَ فيه صلاة الضحى، وصومَ ثلاثة أيام من كل شهر، وليسا واجبین، فكذلك الوتر. قيل له: ظاهره يقتضي وجوب الجميع، وخَصَصْنا صلاة الضحى، والصوم بالإجماع(١). : ويدل على وجوبه من جهة النظر: أن النبي صلى الله عليه وسلم جَعَلَ له وقتاً يختص به كسائر الواجبات، فدل على وجوبه؛ لأن النوافل لا تختص بأوقات، وإنما تَتْبَعُ الفروض، فلما كان وقت الوتر المستحب ما بين العشاء الآخر إلى طلوع الفجر، ويكره تأخير العشاء الآخرة إلى ما بعد نصف الليل، ثبت أن له وقتاً يُستحب فعله فيه، دون سائر الصلوات. * واحتج مَن خالف في وجوب الوتر من الآثار: بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((خَمْسُ صلوات كتبهنَّ الله على عباده)) (٢)، ووجوب الوتر يقتضي أن تكون ستّاً. وبحديث مالك عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن طلحة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فذكر الحديث إلى قوله: ((خمس صلوات في اليوم والليلة))، قال: هل عليَّ غير ذلك؟ قال: ((لا، إلا أن تَطَوَّع بخير))(٣). وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) انظر: المغني ٥٤٩/٢ -٥٥١، و٤٤٥/٤. (٢) سبق تخريجه. (٣) أخرجه البخاري ٤٦ (٢٥/١-٢٦)، ومسلم ١١ (٤٠/١-٤١). ٧٢٠ كتاب الصلاة قال: ((ثلاثٌ هنَّ عليَّ فريضة، ولكم تَطَوُّع: الأضحى، والوتر، والضحى))(١). واحتجوا من ظاهر القرآن بقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾(٢)، والست لا واسطة لها. * قيل له: أما قوله: ((خمسُ صلوات كتبهنَّ الله على عباده)): فالمراد به المكتوبات، ولیس الوتر مكتوبة (٣). وأيضاً: فإن وجوب الوتر متأخِّر لقوله: ((زادكم صلاة))، وهو ((كنهيه عن كل ذي ناب من السباع، وذي مِخْلب من الطير)) (٤)، فلا يعترض عليه بقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾(٥)؛ لأنه لم يكن المحرَّم في ذلك الوقت غیر ما في الآية، ثم حُرِّم بعد. وكما لم يَنْف هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم وجوب صلاة العيدين، والصلاة على الجنازة، كذلك لا ينفي وجوب الوتر. وأما حديث طلحة رضي الله عنه، فمحمول على ما ذكرنا أيضاً؛ لأن (١) أخرجه أحمد في المسند ٢٣١/١ بسندٍ فيه أبو جناب الكلبي، وهو ضعيف، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٠، وسكت عنه. وقال الذهبي: غريب منكر، والدارقطني في السنن ١ (٢١/٢)، وفيه أبو جناب يحيى بن أبي حية، وهو ضعيف. انظر: التلخيص الحبير ١٨/٢ الحديث: ٥٣٠. (٢) البقرة: ٢٣٨، وراجع: أحكام القرآن لابن العربي ٣٠١/١. (٣) راجع: أحكام القرآن للجصاص ٤٤٣/١. (٤) أخرجه البخاري ٥٢١٠ (٢١٠٣/٥)، ومسلم ١٩٣٢ (١٥٣٣/٣). (٥) الأنعام: ١٤٥.