Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الطهارة
((الصعيد: الأرض، والصعيد: التراب، والصعيد: الطريق، والصعيد:
القبر، فكل ما كان من الأرض فقد انتظمته الآية))(١).
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((جُعِلت لي الأرض
مسجداً وطَهُوراً))(٢)، فجعل الأرض طهوراً، وهو عموم في سائر أجزاء
الأرض.
فإن قيل: روي في حديث آخر: ((جُعلت لي الأرض مسجداً، وترابها
لنا طهوراً))(٣).
قيل له: نستعملهما، فنقول: ((ترابها طهور بهذا الخبر، وجميع
أجزائها طهور أيضاً بقوله: ((جعلت لي الأرض طهوراً).
وأيضاً: فليس في قوله: ((وترابها طهوراً): نفيٌ لغيره.
* ويدل على أنه غير مقصور على التراب: حديث ابن عمر رضي الله
عنهما الذي قدَّمنا، أن النبي ضرَبَ بيديه على الحائط في بعض سِكَكِ
المدينة، وتيمم، ثمّ ردَّ عليه السلام، وقال: ((ما منعني من الرد عليك إلا
أني كنتُ على غير طُهْر))(٤).
فإن قيل: ذلك التيمم لا اعتبار به؛ لأنه كان في المصر، وفي حال
(١) انظر: قوله في ((لسان العرب)) مادة صعد ٢٤٤٦/٤-٢٤٤٧، وراجع: النهاية
في غريب الحديث ٢٩/٣-٣٠، المصباح المنير ص ٣٤٠.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه بذكر التراب بهذا اللفظ مسلم ٥٢٢ (٣٧١/١)، والدار قطني في
السنن ١ (١٧٥/١)، وأبو داود الطيالسي في ((المسند)) الحديث: ٤١٨ ص٥٦.
(٤) سبق تخريجه.

٤٢٢
كتاب الطهارة
وجود الماء من غير عذر، ولأن ردَّ السلام لا تتعلق صحته بالطهارة.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن عدم
الطهارة كان مَنَعه من ردِّ السلام، وليس يمتنع من أن يكون النبي صلى الله
عليه وسلم قد كان متعبَّداً بأن لا يردّ السلام إلا وهو على طهارة(١)، ولا
يُدرى هل نُسِخَ عنه هذا الحكم أم كان باقياً إلى أن توفي.
وأما جوازه في المصر فلخوف الفوات، لأن رد السلام إنما يكون
على الفور، وهذا نظير ما يقوله في جواز التيمم في صلاة الجنازة في
المصر؛ لخوف الفوات.
فإن قيل: فجوِّزه بالذهب والفضة، لأنهما من الأرض.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأنهما ليسا من أجزاء الأرض، وإنما هي
جواهر مودَعة في الأرض، ألا ترى أن طَبْعهما مخالف لطبع الأرض.
* وذهب أبو يوسف إلى ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم:
(التراب كافيك، ولو إلى عشر حِجَجٍ))(٢)، وقولِه صلى الله عليه وسلم:
((وترابُها لنا طهور))(٣).
مسألة : [لا يَجمع الجريح بين التيمم والغَسْل](٤)
قال أبو جعفر: (ومَن كان به جرح يضرُّهُ الماءَ في أيِّ مكانٍ كان من
(١) فى ((د)): وهو طاهر.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) راجع: الأصل ١٢٤/١، المبسوط ١٢٢/١، بدائع الصنائع ٤٨/١، ٥١.

٤٢٣
كتاب الطهارة
جسده(١)، ووَجَبَ عليه الغُسْل: غَسَلَ سائر جسده سواه، وليس عليه
التیمم).
وذلك لأن عليه غَسْل سائر مواضع الصحة؛ لإمكان غسلها إذا كان
الأكثر من بدنه صحيحاً.
* ولم يجب(٢) عليه التيمم؛ لأنه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل
عنه، فإذا لزمه فرضُ الغَسْل: سقط حكم التيمم.
ولأن التيمم لا يجب إلا مع عدم الماء، أو تعذر استعماله، فلما لزمه
فرض الغسل في بعض الأعضاء، لم يجز لزوم التيمم فيها، لما وصفنا.
* ويدل عليه أيضاً: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علياً
رضي الله عنه بالمسح على الجبائر(٣)، ولم يأمره بالتيمم مع الوضوء.
[مسألة : ]
قال(٤): (فإن كان الأكثر من بدنه مجروحاً: جاز له التيمم، ولم يكن
عليه غَسْل شيء من بدنه).
(١) في ((د)): ومتن المختصر: في مكان من جسده.
(٢) في ((د)): ثم لا یجب.
(٣) أخرجه ابن ماجه ٦٥٧ (٢١٥/١)، والدارقطني في السنن ٣ (٢٢٦/١)،
وعبد الرزاق في المصنف ٦٢٣ (١٦١/١)، وفي السند عندهم: عمرو بن خالد، وهو
كذاب، متروك، وعند الدارقطني سند آخر برقم: ٤ (٢٢٧/١)، وسكت عنه،
وبرقم: ١-٢ (٢٢٦/١) وقال فيه: ((خالد بن يزيد المكي، وهو ضعيف))، وراجع:
نصب الراية ١ /١٨٦.
(٤) أي أبو جعفر الطحاوي.

٤٢٤
كتاب الطهارة
وذلك لأن الحكم متعلَّق في مثل ذلك بالأكثر، ألا ترى أنه لا يجب
عليه إذا كان مَجْدُوراً (١) غَسْلَ ما بين الجُدَرِيَيْن.
* ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ
الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٢)، فسوَّى بين المرض وبين
عدم الماء في جواز التيمم، وتَرْكِ استعمال الماء.
مسألة: [بقاء التيمم حتى يوجد ما ينقضه](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن وجب عليه أن يتيمم لعَوَز الماء، أو لعلّةٌ ببدنه،
فتيمَّم، كان على تيممه ما لم يُحْدِث، أو يجد الماء).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَيَمَّمُواْ﴾(٤)،
فأباح التيمم لعدم الماء، وهذا المعنى قائم بعد فعل الصلاة كهو قبله، فلا
فرق بين الحالين إذا كانت العلة التي لها جازت صلاته بالتيمم قبل الفراغ
منه، موجودة بعد الفراغ منها.
وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: ((التراب
كافيك، ولو إلى عَشْرِ حِجَج، فإذا وجدتَ الماء فَأَمْسِسْه جلدَك))(٥).
(١) المجدور: ذو الجُدَري. اهـ المغرب (جدر) ١٣٥/١، وهو داء معروف
يأخذ الناس مرة في العمر. اهـ تاج العروس (جدر) ٣٨٠/١٠ (ط الكويت).
(٢) المائدة: ٦.
(٣) راجع: الحجة على أهل المدينة ٤٨/١، المبسوط ١١٢/١.
(٤) المائدة: ٦.
(٥) سبق تخريجه.

٤٢٥
كتاب الطهارة
وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((التراب وضوء المسلم ما
لم يجد الماء))(١).
فإن قيل: قوله: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حِجَج)): ليس بتوقيتٍ،
لحصول الیقین بأن ذلك لا یبقی.
قيل له: أَجَل، إلا أنه قد دلَّ به على بقاء حكم التيمم ما لم يجد
الماء، وأكَّده بذكر السنين العشر.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(٢)،
لم يُرِد به العدد، وإنما أراد به تأكيد نفي الغفران.
فإن قيل: قوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾،
إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٣)، يقتضي إيجاب التيمم لكل صلاة.
قيل له: هذا غلط من وجوه:
أحدها: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ (٤): لم يُرِدْ به حقيقة اللفظ؛
لأنه لو أريد به ذلك، كانت الطهارة بعد الدخول فيها، وهذا لا يقوله
أحد، فثبت أن اللفظ مجاز، والمجاز لا يستعمل إلا بدلالة تقوم عليه غير
اللفظ.
(١) سبق تخريجه.
(٢) التوبة: ٨٠.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) المائدة: ٦.

٤٢٦
كتاب الطهارة
وأيضاً: فإن: ((إذا)): لا يقتضي التكرار، وإنما يتناول مرة واحدة(١)،
وما بعدها إنما دخل في الحكم من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ.
وأيضاً: لو جاز أن يقال ذلك في التيمم، لجاز أن يقال مثله في
الوضوء؛ لأنه مذكور معه، فلما لم يكن إرادة القيام إلى الصلاة شرطاً في
إيجاب الوضوء: كذلك في التيمم؛ لأنهما جميعاً دخلا في حكم الآية
بلفظ واحد.
فإن قيل: اللفظ يقتضي التكرار فيهما جميعاً، إلا أنا خَصَصْنا الوضوء
بدلالة، ولم تقم الدلالة في التيمم.
قيل له: ليس هناك لفظان: أحدهما للوضوء، والآخر للتميم، وإنما
هو لفظ واحد لهما، وقد صح نفي التكرار في أحدهما، فالآخر مثله.
وأيضاً: قد وافقنا بعضُ مخالفينا على جواز نفلٍ وفرضٍ بتيمم واحد،
فلا يخلو هذا المتيمم بعد فراغه من الفرض، من أن يكون حكم تيممه
باقياً أو زائلاً، فإن كان باقياً: جاز له أن يصلي به فرضاً آخر، وإن كان
زائلاً: فالواجب أن لا يجزيه النفل؛ لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب
الطهارة.
فإن قيل: قد يختلفان في باب جواز النفل قاعداً من غير عذر، وعلى
الراحلة حيثما توجهت به من غير خوف، ولا يجوز مثله في الفرض.
قيل له: لا يجوز النفل على شيء من هذه الأحوال إلا ومثله يجوز في
(١) انظر لمعاني حرف: ((إذا)): كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٣٦٣/٢، ولم
أعثر على أحد نصَّ على أن: ((إذا)): لا يقتضي التكرار، وإن كان هو حقاً ثابتاً لم
یخالفه أحد. والله أعلم.

٤٢٧
كتاب الطهارة
الفرض في حال العذر، فلا فرق بين النفل والفرض في الأصول في باب
الطهارة.
فإن قيل: فقد جعلتم وضوء الاستحاضة مقدَّراً بالوقت؛ لأنه لا يرفع
الحدث، فهلاّ كان التيمم مثله، لوجود هذه العلة(١).
قيل له: الفصل بينهما: أنه لم يوجد بعد التيمم حَدَث، فيعتبر فيه
الوقت، وقد وُجد من المستحاضة سيلان الدم بعد الطهارة، وهو حدث،
فرُخِّص لها الصلاة بالحدث مادامت في الوقت، فإذا خرج الوقت ألزمناها
الطهارة لحدث قد وُجد منها بعد الطهارة، فلذلك اختلفا.
مسألة: [إبقاء الماء خشية العطش، وجواز التيمم](٢)
قال أبو جعفر : (إذا خاف العطش على نفسه، فله أن یتیمم، ويَحْبِس
الماءَ لنفسه).
لأن الله تعالى قد أباح التيمم للمريض، لما يَخشى على نفسه من
ضرر استعمال الماء، فكذلك الخائف على نفسه العطش، يلحقه ضرر
باستعمال الماء للطهارة: فجاز له العدول عنه إلى التيمم.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٣): يعني من
ضيق.
(١) أي أن كل واحد من وضوء الاستحاضة، والتيمم لا يرفع الحدث، وإنما
هو مبيع.
(٢) راجع: الأصل ١٠٤/١، ١١١، المبسوط ١٠٩/١، وبدائع الصنائع
٤٧/١.
(٣) الحج: ٧٨.

٤٢٨
كتاب الطهارة
[مسألة : ]
قال: (ولا ينبغي لعادم الماء أن يعجِّل بالتيمم، ولكن يؤخره إلى آخر
الوقت).
وذلك لأنه عسى أن يجد الماء، فيصلي بطهارة الماء، ويخرج بها من
الخلاف في إعادة الصلاة لو وجده في الوقت بعد الفراغ منها بالتيمم.
[مسألة : ]
قال : (فإن تيمم في أول الوقت، وصلَّى أجزأه).
وذلك لقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوةَ لِّدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(١)، ثم قال: ﴿إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الضَلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
جَاءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٢)، فتضمنت
الآية إباحة فعل الصلاة بالتيمم في أول الوقت، ولا يكون ذلك إلا وقد
تقدم فعل التيمم على الوقت.
وأيضاً: عموم قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٣)، يوجب جواز
التيمم عند عدم الماء في أول الوقت، وهذا أيضاً يوجب جواز التيمم
قبل دخول الوقت؛ لأنه لم يخصِّص في جوازه وقتاً من وقت، وإنما
(١) الإسراء: ٧٨.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) المائدة: ٦.

٤٢٩
كتاب الطهارة
علَّقه بعدم الماء.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾(١)، ولا يصح القيام
إليها قبل دخول الوقت.
قيل له: هذا يدل على صحة قولنا؛ لأن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ﴾(٢): لا يخلو من أن يكون المراد به وجود القيام إلى الصلاة، أو
إرادة القيام إليها، ومعلوم أنه لم يُرِدْ وجود القيام إليها، لأن ذلك لا
يكون (٣) إلا بعد وجود جزء منها، وشرط ذلك الجزء أيضاً تقديم الطهارة
عليه، فانتفى بذلك أن يكون المراد وجود القيام، فإذاً معناه: إذا أردتم
القیام إليها.
وهو قد یرید القیام إليها قبل دخول وقتها إذا دخل الوقت، کما یرید
أن يصليَ غداً، وفي مستقبل عمره، فواجب أن يصحَّ تيممه بحكم الآية
قبل دخول الوقت.
وكما جاز الوضوء قبل دخول الوقت: كان كذلك حكم التيمم الذي
هو مشروط عند عدمه.
* ويدل على جواز تقديمه على الوقت: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ
(١) المائدة: ٦.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) في ((د)): لا يوجد.

٤٣٠
كتاب الطهارة
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(١)، فأباح فِعْلَها عقيب الزوال في أول وقتها.
وقال: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ﴾(٢)، فأباح الصلاة في
أول وقتها بطهارة يقدِّمها عليها من وضوء أو تيمم، فصح جواز تقديمه
على الوقت.
وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه:
((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء))(٣)، وقال صلى الله عليه وسلم:
((التراب كافيك ولو على عشر حِجَج))(٤)، ولم يخصِّص به حالاً من حال،
ولا وقتاً من غيره.
مسألة : [بطلان التيمم بوجود الماء قبل القَعْدة الأخيرة قَدْرِ التشهد](٥)
قال أبو جعفر : (ومَن تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أو
بعد دخوله فيها قبل أن يقعد في آخرها مقدار التشهد: انتقضت طهارتُه،
وتوضأ، واستأنف الصلاة).
(١) الإسراء: ٧٨.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) راجع: الأصل ١ /١٠٥، المبسوط ١١٠/١، بدائع الصنائع ٥٧/١.

٤٣١
كتاب الطهارة
قال أبو بكر: قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾(١)، وظاهره يقتضي وجوب الغسل بعد القيام إلى الصلاة
والدخول فيها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٢)، فأوجب الغَسْل بعد
القيام إلى الصلاة، وأسقطه عند عدم الماء بالتيمم (٣)، فمتى وَجَدَ الماءَ:
لزمه الغَسْل بالظاهر.
وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((التراب طَهُور المسلم ما لم
يجد الماء، فإذا وجدتَ الماء فأمْسِسْه بَشَرَتَكَ))(٤).
وقوله لأبي ذر رضي الله عنه: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حِجَج،
فإذا وجدتَ الماء فَأَمْسِسْه جلدَك))(٥)، ولم يفرِّق بين حاله بعد الدخول في
الصلاة، وقبل دخوله.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم في المصلي: ((لا ينصرف
حتى يسمعَ صوتاً، أو يجدَ ريحاً)(٦).
قيل له: قاله في الشاكِّ في الصلاة.
(١) المائدة: ٦.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) في (د)): فأسقط عند عدم الماء العمل بالتيمم، وهو خطأ.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٤٦/٥، وأبو داود في السنن ٣٣٢ (٢٣٦)،
والدارقطني في السنن ٢ (١٨٧/١).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.

٤٣٢
كتاب الطهارة
وكذلك قوله: ((لا وضوء إلا من صوت، أو من ريح)) (١).
وأيضاً: حال الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة، بدلالة أنه لو أحدث فيها:
لزمته الطهارة، وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شرائط
صحة الصلاة، مثل وجود الثوب للعريان(٢)، ولزوم الأَمَةِ تغطية الرأس
بالعتق(٣)، ولزوم الطهارة بوجود الحدث(٤).
فلما كان رؤية(٥) الماء قبل الدخول في الصلاة ينقض التيمم، وجب
أن لا يمنع كونه في الصلاة من انتقاضه، ولزوم الطهارة به.
فإن قيل: الفرق بين حال الصلاة وبين(٦) غيرها، أن فرض الطلب
قائم عليه ما لم يدخل في الصلاة، فإذا صار فيها: سقط عنه فرض
الطلب؛ لأنه ينافي فعل الصلاة، فسقط عنه من أجل ذلك فرض استعمال
(١) سبق تخريجه.
(٢) ستر العورة شرط لصحة الصلاة فى حال القدرة، أما عند العجز عن سترها
فيسقط هذا الفرض، وتجب عليه الصلاة عرياناً للضرورة، وهي تُقدَّر بقدرها، فإذا
وجد أثناء صلاته ما يستر به عورته يجب سترها. انظر: بدائع الصنائع ١١٧/١،
والمبسوط ١٨٧/١.
(٣) وهذا مبني على الرأي القائل بأن شعر أمة الأجنبي ليس من العورة، فلا
يجب عليها ستره في الصلاة، فإذا عَتَقَت أثناء الصلاة، وصارت حرة، فعورة الحرة
عورة لها، ويلزمها تغطية رأسها. انظر: مسائل عورة الأمة في: بدائع الصنائع ١٢١/٥.
(٤) أي مَن سبقه الحدث في الصلاة لزمته الطهارة، والبناء على ما قد صلى.
انظر لذلك: المبسوط ١٨٧/١-١٨٨.
(٥) في ((ق)): ((وجود)).
(٦) في ((ق)): ((حال)).

٤٣٣
كتاب الطهارة
الماء.
قيل له: قولك بإيجاب فرض الطلب قبل الدخول في الصلاة، دعوى
لا دلالة عليها، إلا أنا نقول لك مع تسليمه(١): خَبِّرْنا عنه: إذا طلب الماء،
فلم يجده، فتيمم، هل سقط عنه فرض الطلب؟
فإن قال: نعم. قيل له: فإن وَجَدَ الماء قبل دخوله في الصلاة، أليس
ينتقض تيممه مع سقوطه فرض الطلب عنه على قولك؟
فقد نقضت بذلك ما أصَّلْتَ من أن سقوط فرض الطلب يمنع لزوم
استعماله الماء.
وإن قلتَ: إن فرض الطلب قائم عليه مع التيمم قبل دخوله في
الصلاة.
قلنا لك: فينبغي أن لا يصح تيممه؛ لأن بقاء فرض الطلب يمنع صحة
التیمم عندك.
وإن جاز أن يقول: إن فرض الطلب قائم عليه مع صحة تيممه،
وجواز دخوله في الصلاة، فهلاّ قلتَ: إنَّ فرض الطلب قائم عليه بعد
دخوله في الصلاة.
فإن قال: لأن كونه في الصلاة ينافي بقاء فرض الطلب عليه.
قيل له: وجواز دخوله في الصلاة ينافي بقاء فرض الطلب، فواجبٌ أن
يسقط عنه فرض الطلب قبل دخوله فيها؛ لأنك قد أجزتَ له الدخول،
وهو ينافي فرض الطلب.
(١) كذا بالتذكير في النسختين، والمراد: تسليمه إيجاب فرض الطلب.

٤٣٤
كتاب الطهارة
* ودليل آخر: وهو أن وجود الماء لما كان مانعاً من صحة الابتداء:
وجب أن يمنع البقاء(١)، كالحدث لما مَنَعَ الابتداء: مَنَعَ البقاء.
فإن قيل: العِدَّة تمنع ابتداء عقد النكاح، ولا تمنع البقاء (٢).
قيل له: لا يخلو من أن تريد إلزامَنا الفرقَ بين الابتداء والبقاء على علةٍ
أوجبتْ علينا ذلك، أو بسَوْمنا القياس على النكاح.
فإن أردتَ إلزامنا: فعلى أية علة؟ وما اعتللنا به في الصلاة غير موجود
في النكاح.
وإن سُمْتَنا (٣) قياسَها على النكاح، فالواجب إظهار العلة التي من
أجلها اختلف حكم الابتداء والبقاء في النكاح، وتدل على صحتها.
ثم تسومنا قياسَ رؤية الماء عليها إن كانت موجودة فيها.
فإما أن تقول: اختلف حكم الابتداء والبقاء في مسألةٍ وجب أن
يختلف في سائر المسائل، فإن هذا قول ساقط لا يستحق الجواب.
وعلى أنا نسامحك فنقول: إن شرط صحة الصلاة وجود الطهارة فيها
(١) في د: ((البناء)). وهو خطأ.
(٢) لا يجوز ولا ينعقد النكاح أثناء العدة - سواء كانت العدة عن طلاق أو عن
وفاة أو دخول في نكاح فاسد أو شبهة نكاح - لغير الزوج الذي هي تعتد منه إذا لم
يكن له مانع آخر غير العدة، هذا في ابتداء عقد النكاح، أما بقاؤه فلا يجوز للرجل أن
يتزوج المرأة في عدة أختها، ولا أربعاً من الأجنبيات والخامسة تعتد منه، وذلك لقيام
بعض أحكام النكاح حال العدة، فكان النكاح قائماً من وجه، والثابت من وجه:
كالثابت من كل وجه في باب المحرمات. انظر: بدائع الصنائع ٢٦٣/٢، ٢٦٨.
(٣) في د: (سَمَّيْنا).

٤٣٥
كتاب الطهارة
في الابتداء والبقاء، فلما كان وجود الماء قبل الدخول فيها مانعاً من صحة
الابتداء، ووقوعها بطهارة التيمم: وجب أن يكون البقاء مثله إذا كان شرط
الجميع وجود الطهارة معه، وليس شرط بقاء النكاح خلوها من العدة،
وإنما ذلك شرط في نفس العقد.
فإن قيل: فقد فرَّقْتَ أنتَ بين الابتداء والبقاء في نفس الطهارة،
فقلتَ: لو ابتدأ الصلاة مع الحدث: لم يصح افتتاحه، ولو سبقه الحدث
بعد الدخول: لم يبطل الافتتاح.
قيل له: لا فرق بينهما على ما ذكرنا، لأنا قلنا: كل حال لا يصح(١)
الابتداء عليها: لا يصح البقاء معها، والمحدِث لا يصح له البناء مع
الحدث، لأنا نقول: لو فعل جزءاً من الصلاة بعد الحدث: بطلت صلاته،
كما لو ابتدأها مع الحدث لم تصح.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن الصغيرة إذا اعتدَّت
شهراً، ثم حاضت: انتقلت(٢) عدتها إلى الحِيَض(٣)، فلم تختلفَ حال
وجود الحَيْض في الابتداء وبعد وجوب العدة، ومحل الشهور من
الحِيَض محل التيمم من الماء(٤)، وكونها معتدة(١) مثل كون المصلي في
(١) في ((د)) لا يصلح.
(٢) في ق: استقبلت.
(٣) قال ابن المنذر: ((أجمع كل مَن نحفظ عنه من أهل العلم على أن الصبية أو
البالغ المطلقة التي لم تحض، إن حاضت قبل انقضاء الشهور الثلاثة، بيوم أو أقل من
يوم، أن عليها استئناف العدة بالحِيَض)). الإشراف على مذاهب العلماء، المسألة:
٢٨٤٦ (٢٨٥/٤).
(٤) أي أن الشهور بدل من الحيض، كما أن التيمم بدل من الماء.

٤٣٦
كتاب الطهارة
الصلاة مع التيمم.
وأيضاً: لو خرج وقت مسحه، وهو في الصلاة: لزمه فرض غَسْل
الرِّجْلین(٢)، فدل ذلك على معنیین:
أحدهما: أن كونه في الصلاة: لا تأثير له في مَنْع لزوم الطهارة.
والثاني: أن خروج وقت المسح: يبطل حكم البدل، ويوجب الرجوع
إلى حكم الأصل من غسل الرِّجلين، كما يبطل وجودُ الماء حكمَ التيمم،
فلما لم تختلف حاله قبل الصلاة وبعد الدخول فيها في(٣) لزوم غسل
الرِّجلين، فخروج الوقت وجب أن لا يمنع لزوم التيمم، والعلة الجامعة (٤)
بینهما: أن كل واحد منهما لا يثبت حکمه مع لزوم الآخر.
وكذلك لو كان عرياناً، فوجد ثوباً وهو في الصلاة: لزمه فرض
الستر، ولم يمنع كونه في الصلاة من لزوم ذلك.
وكذلك المستحاضة إذا انقطع دمها، وبرأت وهي في الصلاة، لم
یختلف حكمها في ذلك قبل الدخول أو بعده.
* ومن جهة أخرى: إن التيمم لما كان بدلاً عن الماء: لم يجز بقاء
حكمه مع وجود المبدّل عنه، إذ ليس في الأصول بقاء حكم البدل مع
(١) في ((د)): كونها في الأشهر.
(٢) وذلك لأن الاستتار بالخف مانع في المدة، فإذا انقضى: سرى ذلك الحدث
إلى القدمين، فعليه غسلهما، وليس عليه إعادة الوضوء. انظر: الأصل ١/ ٩٤،
والمبسوط ١٠٣/١.
(٣) في ((د)): من لزوم.
(٤) فى ((د)): المعنى الجامع.

٤٣٧
كتاب الطهارة
الأصل.
فإن قيل: فلو صام المتمتع ثلاثة أيام في الحج، وحلّ بالحلق، ثم
وجد الهديَ قبل السبعة الأيام: لم ينتقض صومه الأول، مع كونه بدلاً
عنه.
قيل له: الثلاثة بدل الهدي، لا السبعة، والدليل عليه أن الهدي هو
الذي يقع به الإحلال، فوجب أن يكون بدله ما يقع الإحلال بعده(١)، فلما
وقع الإحلال بالثلاث: صار وقوع الإحلال به بمنزلة الفراغ من الصلاة،
فلا يؤثر وجود الماء بعد ذلك في حكمها، ألا ترى أنا نقول إنه لو وُجد
الهدي في الثلاث، أو في أيام النحر قبل أن يحل: أنه ينتقل إلى الهدي،
كما نقول في المصلي إذا وجد الماء قبل فراغه من الصلاة.
مسألة : [وجود الماء بعد القعدة قدر التشهد، وتسمى المسائل الاثنا
عشرية](٢)
قال أبو جعفر : (وإن وجده بعد ما قعد في صلاته مقدار التشهد: فإن
أبا حنيفة قال: تفسد صلاته، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تفسد).
قال أبو بكر: لهذه المسألة نظائر أجراها أبو حنيفة رحمه الله
على أصل واحد (٣)، مثل العريانِ إذا وجد ثوباً، وخروجٍ وقت
(١) في ((د)): ما يوجب له الإحلال به.
(٢) راجع: الأصل ١٢٢/١، المبسوط ١١٠/١، ١٢٥، بدائع الصنائع ٥٧/١.
(٣) قال الكاساني: هذه من المسائل المعروفة بالاثني عشرية، ثم عدَّ هذه
المسائل وقال: ((إن الأصل فيها: أن أفعال المصلي المفسدة للصلاة إذا وجدت
أثناءها، مثل الكلام، والحدث العمد، والقهقهة ونحو ذلك، لا تفسدها اتفاقاً لو
=

٤٣٨
كتاب الطهارة
المسح(١)، والمؤمىءٍ إذا برأ فقَدَر على الركوع والسجود، وإذا خَرَجَ
وقتُ الجمعة(٢)، وإذا ذَكَرَ صلاةً فاتته في اليوم والليلة، وخروجٍ وقت
المستحاضة، والأميِّ إذا عُلِّم سورة، وإذا برأت الجراحة في موضع
الطهارة، وطلوع الشمس.
وكان شيوخنا يحتجون في جميع المسائل(٣) لمذهب أبي حنيفة، لأن
الخروج من الصلاة عنده بفعله فرض (٤).
والدليل على ذلك أنه منهي عن البقاء في الصلاة إلى دخول وقت
وُجدت بعد ما قعد قدر التشهد، بناء على أن صلاته تامة، والخروج منها بالسلام
ليس بفرض عندنا، وأما ما طرأ على المصلي مما هو معنى سماوي وليس من فعله
بعد ما قعد قدر التشهد: فهو يفسد صلاته عند أبي حنيفة، نحو هذه المسائل. انظر:
بدائع الصنائع ٥٨/١، وراجع: المبسوط ١٢٥/١.
(١) أي خروج وقت المسح، وهو في صلاته قد قعد قدر التشهد الأخير.
(٢) أي خروج وقت صلاة الجمعة بدخول وقت صلاة العصر.
(٣) في ((د)): في جميع ذلك.
(٤) قال الكاساني: وهذه الأشياء [الحدث العمد، والقهقهة، والكلام] حرام
ومعصية، فكيف تكون فرضاً؟ [إذا قلنا بأن الخروج من الصلاة بالسلام ليس بفرض،
وإنما الفرض أن يكون الخروج بفعله، ولو بمثل الكلام والحدث العمد]. والوجه
لتصحيح مذهب أبي حنيفة في عدةٍ من هذه المسائل من غير البناء على الأصل الذي
ذكرنا، أن فساد الصلاة ليس لوجود هذه العوارض، بل بوجودها يظهر أنها كانت
فاسدة، فالمتيمم إذا وجد الماء صار محدثاً بالحدث السابق في حق الصلاة التي لم
تُؤدّ .. لم يظهر حكم الحدث في حق الصلاة المؤداة للحرج ... ولا حرج في الصلاة
التي لم تؤد ... فظهر فيها حكم الحدث السابق. بدائع الصنائع ٥٨/١ ٥٩.

٤٣٩
كتاب الطهارة
صلاة أخرى.
قالوا: فكل ما طرأ على المصلي مما يُخرجه من الصلاة بغير فعله:
فإنه يُفسد عليه صلاته، نحو المسائل التي ذكرنا.
وأما أبو الحسن الكرخي فكان يحتج لذلك، بأن كل ما يغيِّر الفرض،
فوجوده في آخر الصلاة كوجوده في أولها.
والدليل على ذلك أن مسافراً لو نوى الإقامة في آخر الصلاة قبل
التسليم، كانت نيته تلك موجبَةً عليه الإتمام، فكان وجودها في آخرها،
كهو في أولها، فقسنا على ذلك ما كان في حكمه وبمثابته، ووجود الماء
يغيِّر فرض التيمم، وكذلك وجود الثوب للعريان، وخروج وقت المسح،
ونظائره من المسائل.
فوجب أن يكون وجود ذلك في آخر الصلاة، كهو في أولها، فلما
كان حدوث هذه الأشياء في أول الصلاة مفسداً لها: وجب أن يكون ذلك
حكمها إذا حدثت في آخرها.
وهذا المعنى موجود في جميع هذه المسائل، إلا في طلوع الشمس؛
لأن طلوع الشمس لا يغيِّر الفرض، إلا أنه صار في حكم ما ذكرنا بمعنى
آخر، وهو أنه ليس من فعله، كخروج وقت المسح، وخروج وقت
المستحاضة، وخروج وقت الجمعة، فكذلك استوئ حكمه وحكمها.
فإن قيل: فالمأموم يخرج من الصلاة بتسليمة الإمام إذا كان قد أدرك
أول صلاته، ولم يوجب ذلك فساد صلاته وإن خرج منها بغير فعله، فهذا
يوجب فساد اعتلالك.
قيل له: لا يوجب ذلك، لأنه لم يخرج من صلاة إمامه بسلامه إلا من
حيث عقد صلاته بصلاته، فإنما خرج منها بفعله، لأنه عقد على نفسه

٤٤٠
كتاب الطهارة
الصلاة الموجبة لخروجه منها بتسليم الإمام.
قال أبو بكر أحمد : وليس كذلك ما يطرأ على المصلي من الأسباب
المغيِّرة للفرض عند أصحابنا جميعاً، بمنزلة الأمة إذا أُعتقت وهي في
الصلاة مكشوفة الرأس، فتأخذ قناعها وتبني.
وكذلك المجتهد في القبلة إذا أداه اجتهاده إلى جهة، فصلى إليها، ثم
أداه اجتهاده وهو في الصلاة إلى أن الجهة غيرها، فيتوجَّه إليها، ويبني.
وذلك لأن الأَمَةَ لم يكن عليها فرض الستر قبل دخولها في الصلاة،
وإنما هو فرضٌ لَزِمها في الحال، فأشبهت أهل قُبَاء حين كانوا يصلون إلى
بيت المقدس، فأتاهم آتٍ، فأخبرهم أن القِبلة قد حُوِّلت، فاستداروا
إليها، وبَنَوْا(١)، فصار ذلك أصلاً في حدوث الفرض.
وما ذكرناه من المتيمم إذا وَجَدَ الماء، والعاري إذا وجد الثوب،
ونظائرهما من المسائل، فإن الفرض كان متقدماً عليهم في استعمال
الماء، والستر، وغسل الرجلين، وما أشبه ذلك.
وإنما أجيز لهم ترك الفرض للعذر، وحكمه باق عليهم، فإذا زال
العذر: عاد إلى أصل فرضه، فصار كأنه فَعَل جزءاً من الصلاة مع بقاء
الحدث، ومع العري، ونحوه مع زوال العذر، فلذلك فسدت صلاتهم.
وأما المجتهد إلى القِبلة، فإنه لم يرجع من اجتهاده إلى يقين، وإنما
صار من اجتهاده إلى اجتهادٍ مثله، والاجتهادُ لا يُنقض بالاجتهاد، ويُنقضُ
باليقين، وإنما نظيره مما ذكرنا أن يجتهد بمكة إلى جهة الكعبة في ليلة
مظلمة، ثم يصير إلى اليقين في خلاف الجهة التي ابتدأ الصلاة إليها، بأن
(١) أخرجه مسلم ٥٢٦(٣٧٥)، وغيره.