Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الطهارة قيل له: لا يجب ذلك في خبر ابن عمر رضي الله عنهما، ويجب في خبر أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأن الفرقة المذكورة في خبر المتبايعين تحتمل وجهين، فلا يكون قول ابن عمر من طريق التأويل قاضياً على المعنى المراد بها (١). والسبع المذكورة في خبر أبي هريرة لا تحتمل الثلاث، والثلاث تحتمل السبع، فعَلِمْنا أنه لم يقل بالثلاث مع روايته السبع من طريق التأويل، إذ لا مدخل للتأويل فيه. وأيضاً: فقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلب يَلَغُ في الإناء أنه قال: ((يُغسل ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً))(٢). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا ابن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك(٣). (١) راجع: لتوجيه التفرقة بين تأويل ابن عمر وتأويل خبر أبي هريرة رضي الله عنهم فيما كتبه المؤلف في: الفصول في الأصول ٢٠٣/٣ وما بعدها. (٢) وأخرجه الدارقطني في السنن ١٣، ١٤ (٦٥/١). (٣) وأخرجه الدارقطني ٦٥/١ بسند المؤلف. قال النووي: ((إنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لأن راويه عبد الوهاب مجمعٌ على ضعفه وتركه ... وأما إسماعيل بن = ٢٨٢ كتاب الطهارة فخيَّره في هذا الخبر بين الثلاث، وبين السبع، فدل على أن ما زاد عن الثلاث نَدْب؛ لأنه لو كان واجباً: لما خُيِّر في تركه. * ومما يدل على تناقض قول مخالفنا في العدد: أن إناءَيْن لو كان في كل واحد منهما أقل من قلتين، فولغ فيهما كلب: أنهما نجسان، يجب غسلهما سبعاً، تعبداً على مذهبه، فإن جُمعَ بينهما(١): طَهُرا جميعاً، وسَقَطَ غَسل الإناء الذي جُمِعا فيه (٢): فلو كان اعتبار العدد عبادة لإزالة النجاسة، لما سقط ببلوغه قلتین. مسألة: [حُكمُ أسآر الدواب: حُكُمُ لحومها](٣) قال أبو جعفر: (وسؤر الدواب التي يكره أكلها: في حُكم لحومها، وسؤر ما يؤكل لحمه منها: في حُكْم لحمه). قال أبو بكر : الأسآر عندهم على أربعة أنحاء: ١ - منها: طاهر لا يكره، كسؤر الإنسان وما يؤكل لحمه من الدواب. ٢ - ومنها: طاهر يكره الوضوء به، كسؤر السَّنَّور والفأرة والحية وسباع الطير ونحوها، والدجاجة المخلاة، ونحوها. ٣ - ومنها: نجسُ مقطوعٌ بنجاسته، وهو سؤر الكلب والخنزير، عياش: فمتفق على ضعفه)). المجموع ٥٨١/٢، وينظر تقريب التهذيب ص ٤٣٠ (٤٢٥٧)، وص ١٣٧ (٤٧٣). (١) أي فصار قَدْرهما بعد الجمع أكثر من قلتين. (٢) انظر: الأم للشافعي ٥/١، والمجموع ١٣٦/١. (٣) راجع: الأصل ٢٧/١-٢٨-٣٠-٣٣، ٢٥٣. المبسوط ٤٧/١_٥٠. بدائع الصنائع ٦٣/١-٦٦. ٠ ٢٨٣ كتاب الطهارة وسائر السباع التي يُستطاع الامتناع من سؤرها في العادة. ٤ - ومنها: سؤرٌ مشكوكٌ فيه، لم يقطعوا فيه بطهارةٍ ولا نجاسة، وهو سؤر الحمار والبغل. * فأما القسم الأول، وهو سؤر الإنسان وما يؤكل لحمه من الدواب: فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في طهارته(١). * وأما سؤر السنَّور ونحوها، فالأصل فيه: ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: ((إنها ليست بنَجِسَة، إنها من الطّوافين عليكم والطَّوافات))(٢)، قالت: وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفَضْلها(٣). وحديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). وفي بعض الأخبار: ((إنها من ساكني البيوت))(٤)، فصار ذلك أصلاً في طهارته. (١) انظر: بداية المجتهد ٢٧٤/١، والمغني ٦٠/١، ٦٢، ٧٠. (٢) سبق تخريجه. (٣) أخرجه أبو داود ٧٦ (٦١/١)، وابن ماجه ٣٦٨ (١٣١/١)، والدار قطني في السنن ١٧، ١٨ (٦٩/١)، وفي السند عندهما: حارثة بن محمد، أبو الرجال المدني، وهو ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص١٤٩ (١٠٦٢)، وكذا الحديث: ٢٠ عنده بسند أبي داود في المصدر. والحديث: ١٩ بسند أخرجه به الحاكم في المستدرك ١٦٠/١، وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي. (٤) سبق تخريجه. ٢٨٤ كتاب الطهارة * وأما وجه الكراهة: فحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يُغْسَل الإناء من سؤر الهِرِّ مرة))(١). فاستعملوا الخبرَيْن، أحدهما في إثبات حكم الطهارة، والآخر في الكراهة. فإن قيل: لو كان الوضوء به مكروهاً، لما توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يختار من الأعمال إلا أفضلها، وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بفضل سؤر الهرة. قيل له: هذا لو لم يعارضه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الأمر بغسل الإناء منه: کان کما قلتَ، فأما مع ذلك: فلا. وعلى أنه يحتمل أن يكون فِعْله ذلك كان على وجه التعليم، فلم يكن مکروهاً على هذا الوجه، بل هو أفضل. كما روي أنه أخَّر المغرب حتى كان قبل غيبوبة الشفق(٢)، فلم يكن ذلك مكروهاً لوقوعه على وجه التعلیم. (١) أخرجه الترمذي ٩١ (١٥١/١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩/١-٢٠، وصححه مرفوعاً، وأخرجه أبو داود ٧٢ (٥٨/١) موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه، وقال النووي: ((وذكر الهرة ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة، موقوفاً عليه. انظر: المجموع ١٧٥/١. (٢) أخرجه مسلم ٦١٣ (٤٢٨/١) من حديث بريدة رضي الله عنه، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٨/١. ٢٨٥ كتاب الطهارة قال أبو بكر أحمد : وقال أبو يوسف: لا أكره الوضوء بسؤر الهرة. قال أحمد : وحديث أبي قتادة وعائشة أفادانا معنيين: أحدهما: طهارة سؤر الهرة. والثاني: بيان المعنى الذي هو من أجله كان ظاهراً، وهو أنه لا يُستطاع الامتناع من سؤرها في العادة؛ لأن قوله: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات)): يفيد ذلك. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنها من ساكني البیوت))، فاعتبرنا ذلك في نظائرها من الفأرة والحية، وسائر ما لا يُستطاع في العادة الامتناع من سؤره مما يسكن البيوت. فصل: [سؤر الكلب والخنزير وسائر السباع](١) * فأما سؤر الكلب: فقد تقدم منا القول في نجاسته(٢). * وأما سؤر الخنزير وسائر السباع: فالوجه في نجاسة سؤرها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون بفَلاةٍ من الأرض، وما ينوبُه من الدواب والسباع فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً))(٣). فلو لم يكن سؤر السباع نجساً، لأخبرهم بطهارته، ولقال: وما عليكم (١) راجع: الأصل ٣١/١، ٣٣، ٢٥٣. المبسوط ٤٨/١ وما بعدها، بدائع الصنائع ٦٣/١ وما بعدها. (٢) قريباً. (٣) سبق تخريجه. ٢٨٦ كتاب الطهارة منه، وهو طاهر؛ لأن السائل كان جاهلاً بالحكم، فلما أجابه عن السباع، وما ذکر معها بما قال، دلَّ على نجاسة سؤرها. فإن قيل: فأنتم لا تعتبرون القلتين، فکیف ساغ لكم الاحتجاج به. قيل له: قد بيَّنًا فيما تقدم وجه ذلك، وأن ذكره القلتين إخبار منه أنه وإن كان قلتين فإنه يضعف عن حَمْل الخبث. وأنه جائز أن يكون خرج على سؤال سائل سأل عن هذا القدر. وعلى أن أكثر أحواله أنه يفيد نجاسة سؤر السباع، واعتبار القلتين، وقد قامت الدلالة على سقوط اعتبارهما، فبقيت دلالة الخبر في نجاسة سؤر السباع، إذ لم تقم الدلالة على نسخه. فإن قيل: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تَرِدُها السباع والكلاب، فقال: ((لها ما أخذت، وما بقي فهو لنا طهور))(١). قيل له: فينبغي أن تدل على طهارة سؤر الكلب؛ لأنه قد جمعه إلى السباع. وعلى أنه يحتمل أن يكون من قَبْل تحريم أكلها، فكان سؤرها مباحاً، ثم حُرِّم سؤرها بتحريم لحومها، كالكلاب. وأيضاً: فإن خبرنا حاظر، وهذا مبيح، والحظر والإباحة إذا اجتمعا: فالحظر أولى. (١) سبق تخريجه، والحديث استدل به الشافعية على طهارة سؤر السباع غير الكلب والخنزير. انظر: المجموع ١٧٣/١. ٢٨٧ كتاب الطهارة فإن قيل: روى عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ((أنتوضأ بما أفْضَلَت الحُمُر، فقال: وبما أفضلت السباع))(١). قيل له: يرويه داود بن الحصين عن جابر رضي الله عنه، وداود هذا ضعيف(٢)، وهو مرسل أيضاً؛ لأن داود بن الحصين لم يلق جابراً، ولا أدر كه. فإن قيل: رواه إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر رضي الله عنه. قيل له: أخطأ فيه مَن وَصَلَه عند أهل النقل، ويُنكرون روايته على راویه(٣). ولو ثبت: كان وجهه ما بيَّنَّا في كونه قبل تحريم لحومها. (١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢٥٢ (٧٧/١) وفيه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بما أفضلت السباع)، والشافعي في الأم ٦/١، والدار قطني في السنن الحديث: ١-٣ (٦٢/١). (٢) داود بن الحصين مختلف فيه، وثقه ابن معين والعجلي، وضعفه آخرون، وقال الساجي: منكر الحديث. مات سنة ١٣٥ هـ. راجع: تهذيب التهذيب ١٥٧/٣ ترجمة: ٣٤٥. (٣) لم أعثر على مرسل داود، أما الموصول ففيه إبراهيم بن محمد، روى عنه الشافعي، وهو متروك، وكذلك روى عن ابن أبي حبيبة - هو إبراهيم بن إسماعيل - وهو ضعيف. قال النووي: ((هذا الحديث ضعيف؛ لأن الإبراهيمَيْن ضعيفان جداً عند أهل الحديث، لا يُحتج بهما)). انظر: المجموع ١٧٣/١، وتقريب التهذيب ص٨٧، ٩٣ الترجمة: ١٤٦، ٢٤١. ٢٨٨ كتاب الطهارة فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الماء طهور لا ينجسه شيء))(١)، يقتضي عمومه ما قلنا. قيل له: فينبغي أن لا ينجسه الكلب والخنزير. وعلى أنه خرج على سبب، وهو أنه سئل عن فضل الوضوء، فأجاب بذلك، يعني أن الاغتراف منه لا ينجسه. وأيضاً: تحريم السباع يوجب تحريم لبنها، وإذا كان محرماً، كان كلبن الكلب والخنزير، فوجب أن يكون لعابهما كلعابهما، لاتفاقهما في تحریم اللبن. * ووجه آخر: وهو أن لبنها إذا كان نجساً، وهو رطوبة متولدة منها، كان لعابها كذلك؛ لأنه رطوبة متولدة منها. وأيضاً : لما كان الكلب محرم الأكل لا لحرمته، ويستطاع الامتناع من سؤره، وكان هذا المعنى موجوداً في سائر السباع، وجب أن تكون مثله، لمشاركتها إياه في العلة الموجبة لنجاسة سؤره. والدليل على صحة هذه العلة: اتفاقنا جميعاً على نجاسة سؤر الخنزير، وطهارة سؤر الإنسان والسنور، إذ كان تحريم لحم الإنسان؛ لحرمته، وكان الهر مما لا يستطاع الامتناع من سؤره. [السور المشكوك فيه](٢) : وأما الحمار: فهو مشكوكٌ فيه عندهم، لم يقطعوا فيه بطهارة ولا (١) سبق تخريجه. (٢) راجع: الأصل ٢٨/١، ٢٥٣، المبسوط ٥٠/١، بدائع الصنائع ٦٥/١. ٢٨٩ كتاب الطهارة نجاسة، وذلك أنه يُشبِه الهِرَّ، إذ هو من ساكني البيوت، ويشبه الكلب من حيث هو محرَّم الأكل، ويُستطاع الامتناع من سؤره، فلما أَخَذَ الشبه منهما جميعاً، احتاطوا فيه، فجمعوا له بين التيمم والوضوء في حال عدم الماء، وذلك أن فرض الطهارة لا يسقط بالشك، ولا يحصل اليقين بحصول الطهارة إلا بالجمع بينهما عند عدم الماء الطاهر. فإن قال قائل: يستحيل أن يكونا جميعاً من فرضه، إذ كل واحد منهما لا یثبت حکمه مع الآخر. قيل له: فرضه أحدهما، إلا أنه لما اشتبه علينا، أمرنا بالاحتياط، لا على أنهما جميعاً فرض في حال واحد، إنما الفرض أحدهما، إلا أنه لما أشكل علينا أمره: لم يسقط فرضه بالشك. وقد يجوز أن يَلزمَ الإنسان في حال اشتباه الحكم من الفرض ما لا يلزمه لو كان الحكم معلوماً، مثل الشاكِّ في الصلاة، قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد بالبناء على اليقين، وقال: ((إن كانت قد تمت صلاته: فالركعة والسجدتان له نافلة))(١). فَأَمَرَه بفعل الركعة ليؤدي فرضه بيقين، ولولا الاشتباه لم يؤمر بها. وأمر قاذف الزوجة باللعان، ولو عَلِمْنا الصادق منهما لم يجب. ولو أن رجلاً طلق واحدةً من نسائه بعينها، ثم نَسِيَها: حِيْل بينه وبين نسائه حتى یتیقَّن، ولولا إشکال الأمر لم يُحَلّ بينه وبينهن. وكذلك إذا علم أن إحدى هؤلاء النسوة أختُه من الرضاعة: لم يجز أن (١) أخرجه مسلم ٥٧١ (٤٠٠/١)، وأبو داود ١٠٢٤ (٦٢١/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٣٣/١. ٢٩٠ كتاب الطهارة ينكح منهن واحدة، فالتحريم إنما هو فرضٌ لواحدة دون غيرها، فقد لزمه عند الإشكال فرض اجتنابهن جميعاً. وإذا كان عنده ثلاثة أوان، أحدهنَّ نَجِسٌ لا يعرفه بعينه: لم يجز له الإقدام على استعمال شيء منها إلا بعد التحرِّي. ونظائر ذلك في الأصول أكثر من أن يُحصىُ، وفيما ذكرنا كفايةٌ وتنبيهٌ على غيرها. مسألة : [لا يستعمل التحرِّي في الأواني إلا في ثلاثة](١) قال أبو جعفر: (ومَن كان معه في سفره إناءان أحدُهما نجس: يخلطهما ويتيمم، ولا يستعمل التحرِّي إلا في ثلاثة أوانٍ). قال أبو بكر : كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه التحري في الإناءين أيضاً. والأصل في ذلك: أن الماء النجس لما لم تصح الطهارة به في حال، ثم استوى الطاهر والنجس، فلم يكن لأحدهما حكم الغَلَبة، لم يكن أحدهما بأولى من الآخر، فصار كالماء الذي خالطته النجاسة، فلم نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة، كذلك الإناءان. * وليس كذلك الثوبان إذا كان أحدهما نجساً، فيَتحرَّى ويصلي؛ وذلك لأن الثوب النجس قد تجوز فيه الصلاة بحال، وقد تجوز الصلاة أيضاً مع النجاسة اليسيرة في الثوب والبدن، ولا يجوز الوضوء بما فيه نجاسة يسيرة أو كبيرة. (١) راجع: الأصل ٢٩/٣، المبسوط ٢٠١/١٠، وبدائع الصنائع ١١٩/١. ٢٩١ كتاب الطهارة فجاز التحري في الثوبين إذا لم يجد غيرهما؛ لأنه لو علم النجاسة خفيفة، ولم يكن معه غيره: صلى فيه، ولو علم نجاسة الماء: لم يجز استعماله بحال. فلما كان ذلك من حكم الماء النجس، ثم استوى هو والطاهر، لم يكن أحدهما بأولى بثبوت حكمه من الآخر، بل حكم النجس أولى؛ لأن اليسير من النجاسة يُفْسِد الكثير من الماء. * والمسلوختان(١) يجوز التحري فيهما إذا كانت إحداهما ميتة كالثوبين، وذلك إذا لم يجد غيرهما، فأما إذا وجد غيرهما: فلا، وكذا کان یقول أبو الحسن الکرخي رحمه الله. * وأما إذا كانت ثلاثة أوانٍ، أحدُها نجس: فإنه يجوز له التحرِّي؛ لأن الطاهر قد حصل له الغلبة، وقد تعلق الحكم بالغالب في كثير من الأصول. ألا ترى أن مَن دخل دار الحرب يسعه استعراضهم بالقتل، وأن جميعَ مَن في دار الإسلام محظور الدم، وإن لم يَخْلُ من أن يكون فيهم مرتد أو مُلحِد يَحِل قتله، إلا أن الحكم كان للغالب، كذلك الأواني إذا صار للطاهر حکم الغلبة: جاز التحري فيها. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٢)، وهذا واجدٌ. قيل له: لو كان واجداً لجاز له استعماله والإقدام عليه بغير تحرِّ، فلما (١) المسلوخة: هي الشاة التي نُزع جلدها. انظر: القاموس المحيط (سلخ). (٢) النساء: ٤٣. ٢٩٢ كتاب الطهارة لم يجز له قبل التحري الإقدامُ عليه، عَلِمْنا أنه غيرُ واجد قبل التحري، فينبغي أن يثبت أولاً جوازُ التحري حتى يحصل الوجود للماء. وأيضاً: فإنا نأمره بالتيمم بعد خلطهما أو إراقتهما. فإن قيل: قد جاز التحري في القِبلة مع غلبة جهات غير القبلة؛ لأن القبلة لها جهة واحدة، وسائر الجهات ليست لها. قيل له: لأن هذا مما تبيحه الضرورة. وأيضاً: يلزمه قياساً عليه: جواز التحري في الثوب الواحد إذا أصاب طرفاً منه نجاسةٌ، فيغسله دون سائره، وقد اتفق الجميع على سقوط التحري في ذلك(١). فإن قيل: لما كان أصل الماء الطهارة، وجب أن لا يزول حكمه بالاشتباه، كما أن الشاكَّ في الحَدَث يعمل على أصل اليقين في طهارته. قيل له: فينبغي أن يُقْدِمِ على استعمال أيِّ الماءَيْن شاء بغير تحرِّ، كما يُلغي الشكَّ في الحدث، ويبني على يقين الطهارة، وهذا لا يقوله أحد. ويلزمه مثله أيضاً في الثوب الواحد إذا أصاب طرفاً منه نجاسةٌ، واشتبه عليه موضعها. وأيضاً: فكما أن طهارة الماء تتعين في الأصل، كذلك وجود النجاسة تعيَّن، وهي محظورة الاستعمال. وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من ذلك في ((مسائل الخلاف)). (١) لم أقف على أحد يقول بالتحري في الثوب الواحد. ينظر: المغني ٨٥/١. كتاب الطهارة ٢٩٣ باب الآنية(١) وجلودُ الميتة سوى الخنازير مسألة : [طهارة جلود الميتة بالدباغ](٢) قال أبو جعفر: (وإذا دُبغ الإهاب مما ذكرنا: فقد صار حلالاً، وجاز و بيعه، والتوضؤ فيه، والصلاة عليه). قال أحمد: روى طهارةَ جلود الميتة بالدباغ ابنُ عباس(٣)، وعائشة(٤)، وأم سلمة(٥)، وميمونة (٦)، وسلمة بن المُحَبَّق رضي الله (١) متن مختصر الطحاوي ص١٧. (٢) راجع الأصل ٢٠٦/١، المبسوط ٢٠٢/١، بدائع الصنائع ٨٥/١-٨٦. (٣) حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، أخرجه مسلم ٣٦٦ (٢٧٧/١)، ومالك في الموطأ الحديث: ١٧ (٤٩٨/٢)، والأربعة في ((السنن)). انظر: الهداية في تخريج أحاديث البداية ١٨٩/٢. (٤) حديث عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت)). أخرجه أبو داود ٤١٢٤ (٣٦٨/٤)، وابن ماجه ٣٦١٢ (١١٩٤/٢)، والنسائي في السنن (المجتبى) ٤٢٤٤-٤٢٤٧ (١٧٤/٧) بلفظ: (دباغها طهورها))، و: ((ذكاة الميتة دباغها)). (٥) حديث أم سلمة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر)). أخرجه الدارقطني في السنن ٢٨ (٤٩/١)، وقال: ((تفرد به فرج بن فضالة، وهو ضعيف)». (٦) حديث ميمونة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ بشاة ميتة فقال: = ٢٩٤ كتاب الطهارة عنهم(١) عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظِ كلها تقتضي جميعاً طهارتها بالدباغ، وهي مشهورة، فلذلك تركنا ذكر أسانيدها. وفي حديث ميمونة رضي الله عنها: (إنما حرم أكلها)) (٢)، وفي بعض ألفاظه: ((إنما حرم لحمها))(٣). فإن قيل: في حديث عبد الله بن عُكَيْم قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عَصَب))، وذلك قبل موته بشهر (٤). وروى محمد بن بكّار عن عدي بن الفضل عن محمد بن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء))(٥). ((هلا انتفعتم بجلدها)) قالوا: إنها ميتة. قال: ((إنما حرم أكلها)). أخرجه البخاري ١٤٢١ (٥٤٣/٢)، ومسلم ٣٦٣ (٢٧٧/١). (١) حديث سلمة بن المحبق رضي الله عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((دباغها طهورها))، وذلك في غزوة تبوك. أخرجه أبو داود ٤١٢٥ (٣٦٩/٤)، والنسائي في السنن (المجتبى) ٤٢٤٣ (١٧٤/٧)، قال النووي في المجموع ٢١٨/١: إسناده صحیح. (٢) عند البخاري، المصدر السابق. (٣) عند الدارقطني في السنن، الحديث: ٥ (٤٣/١). (٤) أخرجه أبو داود ٤١٢٧_٤١٢٨ (٣٧٠/٤-٣٧١) واللفظ له، والترمذي ١٧٢٩ (١٩٠/٤)، وقال: ((هذا حديث حسن))، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٦٨/١، وغيرهم من أصحاب السنن. (٥) قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر حديث ابن عُكَيْم: ((وفي الباب عن ابن = ٢٩٥ كتاب الطهارة قيل له: أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فغير معروف، ورواته مجهولون(١)، فلا يُعارَضُ به أخبار مَن قدَّمنا ذِكْره. وأما حديث ابن عُكَيْم رضي الله عنه، فلا يُعترض به على ما روينا، فإن فيه: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عَصَب))، والمدبوغ لا يسمى إهاباً، إنما يسمى أديماً، والإهاب قبل الدباغ (٢)، فلم يتناول المدبوغ، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف. وعلى أنا نجمع بينهما، فنستعملهما، فنقول: لا يُنتفع من الميتة بإهاب، ولا عصب قبل الدباغ؛ لحديث ابن عكيم، ويُنتفع به بعد الدباغ؛ لأخبار الآخرین. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾(٣)، وهو عام في الجلد وغيره. عمر رضي الله عنهما. رواه ابن شاهين في في ((الناسخ والمنسوخ))، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف. التلخيص الحبير ٤٨/١ الحديث: ٤١، وأخرج الطحاوي بهذا اللفظ - من حديث جابر بن عبد الله، بسند فيه زمعة بن صالح. قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف. انظر: شرح معاني الآثار ٤٦٨/١٠، والتلخيص الحبير المصدر السابق. (١) أما السند الذي ذكره المؤلف، ففيه عدي بن الفضل، وهو متروك. كما قدمنا عن الحافظ ابن حجر، وبقية رواته معروفون وثقات. راجع: تقريب التهذيب ص٣٨٨ ترجمة: ٤٥٤٥. (٢) انظر: المصباح المنير ص٢٨. (٣) المائدة: ٣. ٢٩٦ كتاب الطهارة قيل له: خَصَصْنا منه الجلد المدبوغ بالسنة. وعلى أنه بعد الدباغ عندنا ليس بميتة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دِباغها ذَكاتها))(١)، والمذكَّى ليس بميتة. وقد وافَقَنَا الخصمُ على جواز الانتفاع بعد الدباغ، إلا أنه زَعَمَ لا يجعل فيه شيء مائع، ولا يصلي عليه(٢)، وفرَّق بينه وبين حاله قبل الدباغ. فقد ثبت أن الدباغ قد أخرجه من حكم الميتة، لولا ذلك لما جاز الانتفاع به بحالٍ. * ومن جهة النظر: أنه لما خرج عن حد الأكل بالدباغ، صار کالخشبة والثوب ونحوه مما لا يُحِلّه حكم الموت. ويدل على اعتبار هذا المعنى: قول الله عز وجل: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾(٣)، فحرَّم منها المأكول. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة رضي الله عنها(٤): (١) هذا لفظ حديث عائشة رضي الله عنها عند النسائي، السنن (المجتبى) ١٧٤/٧. (٢) انظر: بداية المجتهد مع الهداية ١٨٤/٢. (٣) الأنعام: ١٤٥. (٤) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بسَرِف سنة سبع، وماتت بها، ودفنت سنة إحدى وخمسين. انظر: تقريب التهذيب ص ٧٥٣ ت: ٨٦٨٨. ٢٩٧ كتاب الطهارة ((إنما حرم أكلها))(١). * وليس جلد الخنزير، وجلد الإنسان كجلود سائر الحيوان(٢)؛ لأن هذين لا يلحقهما الذكاة بالذبح، وسائر الحيوان يلحقه الذكاة، والدباغ قائم مقام الذكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((دباغها ذكاتها))(٣). فإن قيل: فينبغي أن لا يطهر جلد الكلب بالدباغ؛ لأن الذكاة لا تلحقه. قيل له: تَلحقه الذكاة عندنا، لو ذُبح: جاز الانتفاع بجلده، وكذلك إذا دبغ جلده بعد موته (٤). مسألة : [لا يكره شيء من الآنية غير الذهب والفضة](٥) ءِ قال أبو جعفر: (وكلّ إناءِ غير الذهب والفضة فغير مكروه في شيء من ذلك). قال أبو بكر أحمد : أما الذهب والفضة فيكره استعمالهما للوضوء، والأكل، والشرب. والأصل فيه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن (١) تقدم تخريجه. (٢) واستثناء جلد الخنزير؛ لكون جميع أجزائه نجسة العين، أما جلد الإنسان؛ فلكرامته احتراماً له. انظر: بدائع الصنائع ٨٦/١. (٣) سبق تخريجه. (٤) انظر: بدائع الصنائع ٨٥/١. (٥) راجع: الجامع الصغير ص ٤٧٥، بدائع الصنائع ١٣٢/٥ وما بعدها. ٢٩٨ كتاب الطهارة الشرب في آنية الذهب والفضة))(١)، وقال: ((إن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم))(٢). والوضوء، والادَّهان فيه مكروه أيضاً، قياساً على الشرب، لأن ذلك قد يُفعل لإصلاح الجسم كالشرب. وكذا كان الأكل مكروهاً - وإن لم يُذكر - قياساً على الشرب. مسألة : [طهارة أجزاء الميتة التي لا دم فيها](٣) قال أبو جعفر: (وصُوفُ الميتة، وعِظَامُها، وشعرُها، وعَصَبُها کجلدها فيما ذكرنا). قال أبو بكر أحمد : الصوف والشعر والعظم طاهرٌ لا يَحتاج إلى دباغ. والعَصَبُ يَحتاج إلى ذلك، فعسى أن يكون أراد بقوله: ((كجلدها)): في العصب، أو أن يكون أراد كجلدها بعد الدباغ. والأصل في ذلك أن الشعر والصوف والعظم ونحوها لا يلحقها حكم الموت؛ لأنها لا حياة فيها، والدليل عليه أن الحيوان لا يألم بأخذها منه. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم: ((ما بان من البهيمة وهي حية، فهو ميتة))(٤)، وهذه الأشياء تَبِين منها وليست بميتة، فعلمنا أنها لا يلحقها (١) صح النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة عند البخاري ٥٣٠٩، ٥٣١٠ (٢١٣٣/٥)، وعند مسلم ٢٠٦٦ (١٦٣٧/٣) من حديث حذيفة رضي الله عنه. (٢) متفق عليه من حديث أم سلمة رضي الله عنها عند البخاري ٦٥٣٤ (٢١٣٣/٥)، وعند مسلم ٢٠٦٥ (١٦٣٤/٣). (٣) راجع: الأصل ٢٠٧/١، المبسوط ٢٠٢/١، بدائع الصنائع ٦٣/١. (٤) أخرجه أبو داود ٢٨٥٨ (٢٧٧/٣)، والترمذي ١٤٨٠ (٦٢/٤)، وقال: = ٢٩٩ كتاب الطهارة حكم الموت؛ لأنها لو لَحقَها لما كانت مذكَّةً إلا بذكاة الأصل، كسائر أعضائها. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا يوسف بن الصقر(١) قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا بأس بمَسْك (٢) الميتة إذا دُبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غُسل بالماء))(٣). فإن قيل: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة رضي الله عنها: ((هلا انتفعتم بإهابها))(٤)، ولم يذكر فيه الشعر والصوف، دلَّ على أنه لا يجوز الانتفاع بالشعر؛ لأنه لو جاز لنَّّههم عليه، كما علَّمهم التوصل إلى الانتفاع بالجلد بالدباغ. ((هذا حديث حسن غريب))، والحاكم في المستدرك ١٢٤/٤، ٢٣٩/٤ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه من حديث أبي واقد الليثي وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، ولفظهم: ((ما قُطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)). (١) عند الزيلعي في نصب الراية ١١٨/١، والدارقطني المصدر الآتي، وفيه: (السفر)، بدل: (الصقر). (٢) المَسْك: بفتح الميم وسكون السين: الجلد، والجمع: مُسوك، مثل: فَلْس وفُلوس. ينظر النهاية في غريب الحديث ٣٣١/٤، المصباح المنير (مسك). (٣) أخرجه الدارقطني في السنن ١٩-٢٠ (٤٧/١) بسند المؤلف، وقال: يوسف بن السفر: متروك، ولم يأت به غيره، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٤/١. (٤) عند مسلم في الصحيح ٣٦٥ (١/ ٢٧٧)، وتقدّم. ٣٠٠ كتاب الطهارة قيل له: أمره إياهم بالانتفاع بالإهاب بعد الدباغ: أَمْرٌ بالانتفاع به على جثته إذا كان عليها شعر أو صوف؛ لأنه لو لم يَجز ذلك لقال لهم: احلقوا شعرها، ثم انتفعوا بها. وقد بينا هذه المسألة في مواضع، فأغنى عن إعادته.