Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الطهارة وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: ركبتُ مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البحر ففَنِيَ ماؤهم، فتوضؤوا بالنبيذ، وکرهوا ماء البحر(١). وما نعلم أحداً من الصحابة روي عنه خلافُ ذلك (٢). فأما الأثر الذي ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله في جواز الوضوء بالنبيذ: فهو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجنِّ: ((أمعكَ ماء؟ قال: لا. فقال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، فتوضأ به، وصلى الفجر)). روي هذا الخبر عن عبد الله من أربع طرق(٣): الوضوء بالنبيذ. ونقل الإمامان النووي وابن قدامة المقدسي جواز الوضوء بالنبيذ عن الأوزاعي وسفيان والحسن وإسحاق. انظر: المجموع شرح المهذب ٩٣/١، والمغني ١٨/١. (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢٢/١ (١٣٩٦)، وليس فيه ذكر لأصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم. (٢) انظر: بداية المجتهد ٣٠٦/١. (٣) قال الزيلعي: ((فقد تلخص لحديث ابن مسعود سبعة طرق))، ثم فصلها. انظر: نصب الراية ١٤٣/١، وقد جمع الشيخ أحمد الصديق الغماري طرق الحديث كلها، فبلغت عشرين طريقاً، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، وقال: ((وجود ابن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ـ ورد عن ابن مسعود من طرق بلغت حد التواتر، مما لا يمكن رد جميعه، ولا تكذيب أولئك الثقات ولا الضعفاء أيضاً؛ لأن الأمر أشهر من ذلك، والرواة أكثر من أن يتفق جميعهم على الكذب أو الغلط))، ينظر الهداية في تخريج أحاديث البداية ٣٠٨/١ - ٣١٣. ٢٠٢ كتاب الطهارة رواه ابن عباس، وأبو رافع، وأبو وائل، وأبو زيد مولى عمرو بن وره حُرَیْث. - فأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فأخبرناه عبد الباقي بن قانع في الإجازة(١) قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا عمر بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود رضي الله عنهم أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له رسول الله صلى الله علیه وسلم: أمعك ماء يابن مسعود؟ قال: معي نبيذ في إداوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صُبَّ عليَّ منه))، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((هو شرابٌ، وطهورٌ))(٢). وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن رِشْدين المصري(٣) (١) مصطلح من مصطلحات علم مصطلح الحديث، وطريق من طرق تحمل الحديث، وهو: إذن الشيخ برواية بعض مروياته المعينة لشخص أو لأشخاص معينين، من غير أن تقرأ جميع الأحاديث المجاز بها. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٧، الفصول في الأصول ١٩٢/٣ للمؤلف. (٢) أخرجه أحمد في المسند، الحديث: ٣٧٨٢ (٢٩٥/٥) عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة به. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه ابن ماجه ٣٨٤ _ ٣٨٥ (٣٥/١ -٣٦)، والدار قطني في السنن ١١ (٧٦/١) بسند المؤلف. (٣) يقرأ في الأصل: ((المقري)): والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٧٥/٢، ومن الطبراني في معجمه الكبير الآتي الذكر. ٢٠٣ كتاب الطهارة قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا ابن لهيعة بإسناده، مثله(١). - وأما حديث أبي رافع فأخبرنا عبد الباقي بن قانع إجازة قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا. قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، ((فتوضأ به))(٢). وحدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسین الکرخي رحمه الله قال: حدثنا علي بن عبيد قال: حدثنا العمري قال: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، بإسناده مثله. - وأما حديث أبي وائل: فحدثنا أبو بكر الجعابي قال: ثنا أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم، عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن أم عبد؟ قلت: لا والله يا رسول (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦١ (٧٦/١٠ - ٧٧)، والدار قطني في السنن ١٠ (٧٦/١). (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٥٥/١ قال الشيخ أحمد شاكر ١٦٥/٦ (٤٣٥٣): إسناده صحيح، وأخرجه الدارقطني في السنن ١٣ - ١٤ (٧٧/١)، وقال: علي بن زيد ضعيف. اهـ، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٩٥. ٢٠٤ كتاب الطهارة الله، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهور))، فتوضأ به رسول الله صلی الله عليه وسلم(١). - وأما حديث أبي زيد: فحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ. قال: ((تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهورٌ)(٢). وقد روى هذا الحديث عن أبي فَزَارةَ: سفيانُ الثوري(٣) وشعبة(٤) وإسرائيل(٥) والجراح أبو وكيع بن الجراح(٦) وأبو العميس عتبة بن عبد الله(٧). (١) أخرجه الدارقطني في السنن ١٦ (٧٧/١ - ٧٨)، وقال: الحسين بن عبيد الله هذا يضع الحديث على الثقات. (٢) أخرجه أبو داود ٨٤ (٦٦/١). (٣) عند أحمد في المسند ٤٤٩/١، ٤٢٩٦ (١٤٥/٦) قال شاكر: إسناده ضعيف، وعند ابن ماجه ٣٨٤ (١٣٥/١)، والطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦٣ (٧٨/١٠)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٦٩٣ (١٧٩/١). (٤) لم أجد روايته فيما تيسر لي من المراجع. (٥) عند أحمد في المسند ٤٠٢/١، ٣٨١٠ (٣٠٩/٥) قال شاكر: إسناده ضعيف، والطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦٣ (٧٦/١٠). (٦) عند ابن ماجه ٣٨٤ (١٣٥/١)، والطبراني في المعجم الكبير، ٩٩٦٧ (٨٠/١٠). (٧) عند أحمد في المسند ٤٥٨/١، ٤٣٨١ (١٧٧/٦)، والطبراني في المعجم ٢٠٥ كتاب الطهارة وفي بعضها أنه قال: ((تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ منها وصلى))(١). حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أسد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص عن سفيان الثوري عن أبي فزارة العبسي قال: حدثني أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فحضرت صلاة الفجر، فسألني فقال: أمعك وَضوء؟ فقلت: يا رسول الله! معي إداوة فيها شيء من النبيذ، فقال: «تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ منها وصلى الفجر))(٢). قال أبو بكر : والمخالف لنا يعترض على هذه الآثار من وجوه أربعة: الكبير ٩٩٦٦ (٧٩/١٠). قلت: ورواه شريك عند الطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦٤ - ٩٩٦٥ (٧٨/١٠). وأبو المعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه، عند الطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦٨ (٨٠/١٠). وأبو عبد الله الجدلي عنده أيضاً، الحديث: ٩٩٦٩ (٨١/١٠). قال الهيثمي: فيه یحیی بن یعلی، وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد ٣١٥/٨. وميناء عن عبد الله بن مسعود عنده أيضاً، الحديث: ٩٩٧٠ (٨٢/١٠) قال الهيثمي: ((ميناء: كذاب)». انظر: المجمع ١٨٥/٥. (١) الزيادة عند الترمذي ٨٨ (١٤٧/١) وقال: ((أبو زيد مجهول))، وأحمد في المسند ٤٠٢/١، ٣٨١ (٣١٠/٥). قال شاكر: إسناده ضعيف. والطبراني في المعجم الكبير ٩٩٦٦ (٧٩/١٠). (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٠٢/١، ٣٨١ (٣١٠/٥) عن إسرائيل عن أبي فزارة. قال شاکر: إسناده ضعيف. ٢٠٦ كتاب الطهارة أحدُها : دعواهم مخالفتها للأصول من الكتاب، والاتفاق. لأن قوله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ ﴾(١)، يقتضي عندهم أن يكون الماء المفروض به الطهارة، هو ما يتناوله اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدومٌ في نبيذ التمر. ولاتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بكثير من المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق (٢). والوجه الثاني : الطعنُ في سند هذه الآثار، من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد لا يُدرئ من هو، وكذلك رجال حديث ابن عباس وأبي رافع. والثالث: من جهة ما عارضها من حديث علقمة أنه قال: قلتُ لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هل كنتَ مع النبي صلى الله عليه وسلم (٣) ليلة الجن؟ فقال: ((ما كان معه منا أحد)) . والرابع : تسليم الرواية وتأويلها على الوجوه الموافقة للأصول. * فأما الجواب عن الوجه الأول، وهو دعواهم بمخالفتها لظاهر الآية والاتفاق، فدعوى عارية من البرهان؛ لأن ظاهر الآية معنا، وذلك لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٤): إنما يقتضي ظاهره إباحة التيمم عند (١) المائدة: ٦. (٢) انظر: المغني ١٥/١. (٣) أخرجه مسلم ٤٥٠ (١/ ٣٣٣). (٤) المائدة: ٦. ٢٠٧ كتاب الطهارة عدم كل جزء من الماء، ولا يقتضي إباحته عند وجود شيء منه. لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ ﴾(١): اقتضى ماءً منكوراً، وذلك يتناول كل جزء من الماء على حياله، سواء كان منفرداً بنفسه أو مخالطاً لغيره. وقد يصح أن يقال: إن في نبيذ التمر ماء، وإن كان أجزاء التمر هي الغالبة عليه. كما أن ماءً لو وقعت فيه نجاسة يسيرة، جاز أن يقال: إن في هذا الماء نجاسة، وكما أن لبناً لو صُبَّ فيه ماء يسير، جاز أن يقال: إن فيه ماء، وإذا كان غير ممتنع أن يقال: في نبيذ التمر ماء، كان من مقتضى الآية حظر التیمم معه. وعلى أن المائية التي في النبيذ إنما هي من الماء دون التمر؛ لأن التمر لیس بمائع، وهذه المائية غير موجودة فيه. فالمعترِضُ على الآية، وعلى الخبر المرويِّ في جواز الوضوء بالنبيذ، مؤكِّد لصحة قولنا، ومن هذه الجهة قلنا: إن دلالة فحوى الآية تقتضي جواز الوضوء بالنبيذ، لما ذكرنا من أن الماء الذي أُبيح التيمم عند عدمه: ماءٌ مَنْكورٌ، وأن وجود جزء منه يمنع التيمم، فلو اكتفينا بدلالة الآية على صحة ما قلنا، لکان فيه غنى. فإن قيل: فيلزمك على هذا جواز الوضوء بسائر الأنبذة، بل بسائر المائعات التي فيها شيء من أجزاء الماء. قيل له: إنما يلزمنا ذلك لو لم نُقِم الدلالة عليه؛ لأن كلامنا في ذلك (١) المائدة: ٦. ٢٠٨ كتاب الطهارة لم يخرج مخرج الاعتلال، فيلزمنا عليه المناقضة (١)، لأجل وجوده مع عدم الحكم على ما يعتقده مَن لا يرى القول بتخصيص العلة. وإنما استدللنا به من جهة دلالة اللفظ، ولا يمتنع أحد من تخصيص ما كان هذا وصفه من دلائل الأسماء. وبهذا المعنى وقع الفصل بيننا وبين مَن قَبِلَ (٢) خبرَ الشاهد واليمين(٣)، في اعتراضه على قول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ (٤). وذلك لأن في هذه الآية حَظْرَ قبول شهادة شاهد واحد، لأنه قال: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾، فمنع أن نقبل عند عدم الرجلين إلا رجلاً وامرأتين، فمتى عَدِمْنا الرجلين، وقَبِلْنا شاهداً واحداً مع يمين الطالب، فقد خالَفْنا حكمَ الآية؛ لأن الله تعالى أوجب قبول شهادة الرجل والمرأتين عند عدم الرجلين. (١) المناقضة هي: تخلف الحكم عن العلة، وهو يبطلها إلا إذا كان المانع، فهو تخصيص لها، أي إخراج لبعض ما تتناوله، وتخصيص العلل الشرعية جائز عند الحنفية ومالك. انظر في ذلك: أصول السرخسي ٢٧٢/٢، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٧٦/٤، ٢١٠. (٢) هو الإمام مالك والشافعي ومن معهما. انظر: الموطأ للإمام مالك ٧٢٢/٢ - ٧٢٥، والأم ٢٥٦/٦. (٣) وهو ما رواه ابن عباس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد)). صحيح مسلم ١٧١٢ (١٣٣٧/٣). (٤) البقرة: ٢٨٢. ٢٠٩ كتاب الطهارة والشاهدُ واليمين لا يتناولهما اسم الرجل والمرأتين، فلذلك لم نُجِزْ قبولَ خبر الشاهد واليمين على معنى يخالف الآية (١). وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَّجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٢): فإن ظاهره يقتضي جواز التيمم عند عدم كل جزء من الماء، ولا يصح التيمم مع وجود نبيذ التمر، إذا كان فيه جزء من الماء، وهو الذي اقتضت الآية بطلانَ التیمم معه. * واحتجوا أيضاً في رد الخبر: بأن ليلة الجن كانت بمكة، وآيةَ التيمم نزلت بالمدينة، فكانت ناسخةً له. فقلنا لهم: إن الآية نفسَها تمنع جواز التيمم مع وجود النبيذ الذي فيه جزء من الماء، على ما تقدم من بيانه. وعلى أنه ليس فيما ذكروا ما يمنع الوضوء به، بل يدل ذلك على جواز الوضوء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ به في حالٍ لم یکن قد نَقَلَ فیه عن الوضوء بالماء إلى بدل، فدل أنه توضأ به على معنى أنه بقي فيه حكم الماء، لا على جهة البدل عنه، والتيمم إنما ورد حُكْمه (١) قال المؤلف في ((الفصول في الأصول)) ١٩٣/١: ((أكثر ما فيه حديث: القضاء بالشاهد واليمين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد، فهذه حكاية قضية منه صلى الله عليه وسلم، لا يُعلم كيفيتها ولا معناها، وقد نقضي نحن بالشاهد واليمين في وجوه ... ))، ثم قال: (( ... خبر الشاهد واليمين ... لا يخلو أن يكون قبل الآية أو بعدها، فإن كان قبلها: فهو منسوخ بها، وإن كان بعدها: فهو ناسخ لها، ونسخ الآية بخبر الواحد غير جائز». اهـ، وينظر: أحكام القرآن ٥١٤/١ - ٥٢٠ للمؤلف نفسه. (٢) المائدة: ٦. ٢١٠ كتاب الطهارة على وجه البدل عن الماء، فلا حكم له مع وجود النبيذ الذي هو مُبقى على حكم الأصل، الذي هو الماء. فإن قيل: فجَوِّز الوضوء به مع وجود الماء إن كان الوضوء به مفعولاً على حكم الماء، الذي هو الأصل. قيل له: لولا قيام الدلالة على امتناع جواز الوضوء به مع وجود الماء، لأجزنا الوضوء به، لكن الدلالة منعتنا(١). ومما يدل على أن فرض الوضوء بالماء كان قائماً في ذلك الوقت، غير منقول إلى البدل، أن النبي صلى الله عليه وسلم طَلَبَ منه الماء للطهارة به، فلما أخبره بكون النبيذ معه، قال: ((تمرة طيبة وماء طهور)). فأخبر أنه توضأ به على أنه الماء المفروض به الطهارة، لا على جهة البدل عنه. * وأما دعواهم مخالفته للأصول من جهة اتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق، فإن ذلك على خلاف ما ظنوا؛ لأن خبر الوضوء بالنبيذ إنما يَعترض على قياس الأصول التي ذكروها، ولم يعترض على الأصول أنفسها، وقد بينا فيما سلف أن أخبار الآحاد إذا وردت من الجهات التي تقتضي قبولها والعمل بها - لو لم يعارضها القياس - ، فهي إذا وردت معارِضةً للقياس: کانت مقدّمةً علیه، و کان القیاس متروكاً لها. (١) والدليل المانع هو الإجماع على أنه لا يجوز الوضوء إلا بماء مطلق، والنبيذُ ليس بماء مطلق، ثم الحديث الوارد في وضوء النبيذ، وقد نُصَّ فيه على عدم الماء عندما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم بالنبيذ، كما سبق، وراجع: المغني ٢٠/١. ٢١١ كتاب الطهارة وهذا نظير ما نقوله في أَكْل الناسي، أنه لا يوجب الإفطار، للأثر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه (١)، والقياسُ يوجب الإفطار، فتركنا القیاس للأثر. وكما قلنا في إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة، للأثر(٢)، والقیاسُ یمنع منه، فتركنا القیاس للأثر، وکان عندنا أولی منه. ونظائر ذلك كثيرة، فلسنا ندفع أخبار الآحاد بقياس الأصول، لكن لا نقبلها في مخالفة الأصول أنفسها. * والخبرُ المخالفُ للأصول مثلُ قولِ مخالفنا في عَبِيدِ ستةٍ، أعتقهم المريضُ ثم مات، ولا مالَ له غيرهم، فقال مخالفنا: إنه يُقْرَع بينهم، فنعتق اثنین بأعیانهما، ونردُّ الباقین إلى الرق، وتأول فیه ما روى عمران بن حصين رضي الله عنه في رجل أعتق ستة أعبدٍ له عند موته، لا مالَ له (١) هو ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أكل ناسياً وهو صائم، فليُتِمَّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه)). صحيح البخاري ٦٢٩٢ (٢٤٥٥/٦)، صحيح مسلم ١١٥٥ (٨٠٩/٢). (٢) هو ما روي ((أن أعمى تردّى في بئر، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض مَن كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصلاة)). أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣٧٦٠، ٣٧٦٣ (٣٧٦/٢)، وقد رويت الأحاديث فيه مسندة ومرسلة، وفيها كلام للمحدثين طويل. راجع: نصب الراية ٤٧/١ - ٥٤، والفصول فى الأصول ١٨٨/١ -١٩١، و١٥٥/٣ - ١٥٧ للمؤلف، وللإمام محمد عبد الحي اللكنوي رسالة نفيسة في هذه المسألة سماها: ((الهَيْهَسَة بنقض الوضوء بالقهقهة)). ٢١٢ كتاب الطهارة غيرهم، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة (١). وهذا الخبر مقبول عندنا، محمول على معنى لا يخالف الأصول، وقد بيَّنَاه في مسألة القرعة من هذا الكتاب(٢). وحَمَلَه مخالفُنا على وجهِ مخالفٍ للأصول. وإنما صار المعنى الذي ذهب إليه مخالفنا: مخالفاً للأصول أنفسها، لا على المعنى الذي قلناه في قبول خبر نبيذ التمر، والوضوء من القهقهة ونحوهما، من قِبَل أن الناس متفقون على امتناع رفع الحرية عمَّن وقعت عليه القرعة(٣). وهذا لأن المريض كان مالكاً لا محالة لثلث كل واحد منهم، جائزَ التصرف فيه من غير حقٍّ لأحدٍ، فنفذ عتقه فيه، فكانت القرعة رافعةً لما استحقه من العتق، وهذا معنى متفق على بطلانه (٤)، فمن أجله صار مخالفاً للأصول أنفسها. ومن جهة أخرى إنه استعمل القرعة على وجه يُخفق بها بعضهم، وينجح البعض، فصار في معنىُ المَيْسِر والقمار اللذين حرمهما الله بنص كتابه؛ لأن رجلاً لو قال لرجل: ((أقارعك على أرضك وأرضي))، أو: (١) أخرجه مسلم ١٦٦٨ (١٢٨٨/٣). (٢) راجع: كتاب العتاق مسألة: إذا أعتق عبديه في مرض موته، ولا مال له غيرهما، لوحة رقم: ١٨٢ - ١٨٤ من الجزء الرابع من نسخة ((ق)). (٣) لم أعثر على هذا الاتفاق، والله أعلم. (٤) لم أعثر على هذا الاتفاق، والله أعلم. ٢١٣ كتاب الطهارة ((أقارعه علىُ رِقِّ مَن خرجت عليه القرعة منهما)): لم يصح ذلك، والقرعة المستعملة في العبيد هي هذا بعينه، فسقطت، لمخالفتها للأصول. * ومما ترده الأصول من الأخبار: خبر المُصَرَّاة(١) إذا استُعمل على ما ذهب إليه المخالف؛ لأنه يوجب أن مَن اشترى شاةً بصاع تمر، ثم حلبها، ثم وقف على التصرية، أنه يردها ويرد معها صاعَ تمر، وحصةُ اللبن أقل من صاع تمر ، وهذا ردٌّ للأصول من وجهين: أحدهما: إلزام المشتري أكثرَ مما لزمه من الغُرْم. والثاني: أنه يأخذ صاعاً عن أقل منه(٢). * وأما طَعْنُهم في خبر الوضوء بالنبيذ من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد مجهول، فإنه جهلٌ من قائله، وذلك لأن أبا فَزَارةَ مشهور، واسمه راشد بن كَيْسان العبسي، وله أحاديث مروية قد نقلها عنه الأئمة، وكان أحدَ الزهاد، فيما حدثنا ابنُ قانع في كتاب ((الطبقات))(٣). وإنما الوصول إلى معرفة عدالة مَن لم نشاهده من الرواة: من جهة (١) هو قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: ((لا نُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها بعدُ، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعَ تمر)). صحيح البخاري ٢٠٤١ (٧٥٥/٢). (٢) قال المؤلف في ((الفصول)) ١١٤/٣: حديث المصراة يردُّ آيةَ الربا، وانظر: ٢٠٣/١ - ٢٠٤ منه، وينظر ((النكت الطريفة)) ص ٩٠، مسألة بيع المصراة. (٣) ((الطبقات)) لابن قانع: ذكره المؤلف أيضاً في ((الفصول في الأصول)) ١٨٧/١، ويُكثر النقل عنه علماء الجرح والتعديل، كالمزي وابن حجر، ولم أعثر عليه مخطوطاً ولا مطبوعاً. ٢١٤ كتاب الطهارة نقل الفقهاء وأهل العلم عنه، من غير طعنٍ منهم عليه في روايته، ولا تهمته بالكذب، وأبو فزارة ممن نقل عنه الأئمة، ولم يطعن أحدٌ منهم في نقله، ولا اتهمه بروایة حدیث یوجب تهمته(١). وأما أبو زيد: فمشهورٌ من عامة التابعين. قال يعقوب بن شيبة(٢). ((سمع أبو زيد مولى عمرو بن حُريث عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقد أدرك جماعةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الطبقة الأولى من الكوفيين بعد الصحابة))(٣). * وأما حديث ابن لَهِيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس رضي الله عنهما: فمستقيم السند، لا نعلم أحداً منهم طعن عليه في روايته، أو اتهم بالكذب في نَقْله(٤). وكذلك حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود رضي الله عنه(٥). (١) وانظر لتوثيقه: تهذيب التهذيب ١٩٦/٣ (٤٣٤)، تقريب التهذيب (١٨٥٦). (٢) هو أبو يوسف، يعقوب بن شيبة السدوسي، ولد سنة ١٨٠ هـ، وتوفي سنة ٢٦٢ هـ في بغداد، المحدث الحافظ الكبير العلامة، له: ((المسند الكبير المعلل))، العديم النظير، وكان قد عُيّن لقضاء العراق، ويُذكر أنه كان يتفقه على مذهب الإمام مالك، وقد طبع جزء من مسنده في بيروت عام ١٩٤٠ م. انظر: تاريخ بغداد ٢٨١/١٤، سير أعلام النبلاء ٤٧٦/١٢، الأعلام للزركلي ١٩٩/٨. (٣) لم أستطع بعد البحث قدر الإمكان توثيق هذا القول. (٤) قال الدارقطني في سننه ٧٦/١: ((تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف))، وهذا ليس على إطلاقه، وينظر لحال ابن لهيعة بالتفصيل: تهذيب التهذيب ٣٢٧/٥. (٥) في طريق أبي رافع للحديث: علي بن زيد بن جدعان، وهو مختلف فيه، = ٢١٥ كتاب الطهارة ولو وجب أن تُردَّ أخبار الآحاد التي تفرَّد بها الرواة: لوجب أن يُبدأ فيُردَّ خبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الرطب بالتمر؛ لأنه لا يرويه إلا زيد أبو عياش، ولا يُدرى من هو (١)؟. ويُثَنَّى(٢) خبرُ مَن يروي: ((إن الله عزَّ وجلَّ كَتَبَ عليكم السعي، فاسعَوْا))؛ لأنه لا يرويه إلا امرأة(٣). ويُردُّ خبر شعبة عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى في إفراد الإقامة؛ لأنه: ﴿ قُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾(٤)، لا يُدرىُ مَن أبو جعفر، ولا مَن أبو المثنى(٥). وقد وُثِّق، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم والأربعة. انظر: تهذيب التهذيب ٢٨٣/٧ (٥٤٥)، وقد صحح له الترمذي أحاديث. انظر: سنن الترمذي ١٠٩ (١٨٢/١)، ٥٤٥ (٤٣٠/٢). (١) الحديث أخرجه مالك في الموطأ ٢٢ (٦٢٤/٢)، ومن طريقه الترمذي ١٢٢٥ (٥٢٨/٣)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وانظر: نصب الراية ٤٠/٤. (٢) في ((ق)): ویرد. (٣) هي حبيبة بنت أبي تَجْراة، والحديث رواه الشافعي في ((المسند)) الإمام بترتيب السندي ٩٠٧ (٣٥١/١، ٣٥٢)، وفي ((الأم)) أيضاً ٢١٠/٢، وأحمد في المسند ٤٢١/٦. (٤) سقط هذا الوصف بهذه الآية من ((ق)). (٥) أخرجه أبو داود ٥١٠ - ٥١١ (٣٥٠/١ -٣٥١)، والنسائي في السنن (المجتبى) ٦٢٧ (٣٤/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٣/١. وفيه: عن أبي جعفر الفراء عن مسلم مؤذن كان لأهل الكوفة، وأحمد في المسند ٨٥/٢ - ٨٧ ٥٥٦٩ (٢٧١/٧ - ٢٧٣). قال شاكر: إسناده صحيح. ٢١٦ كتاب الطهارة * وعلى أي وجهٍ وقع إسناد حديث الوضوء بنبيذ التمر، فليس بدون حديث الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن البزير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وبعضهم يقول: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، في القلتين(١). ولا دون حديث الشاهد واليمين(٢)، مع مخالفته للكتاب. ولا هو أضعف من حديث: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل)»(٣)، ونظائرها من الأخبار الواهية السند، المضطربة المتون والمعاني، التي قَبِلها مخالفُنا، كرهنا ذكرها خوف الإطالة. * وأما اعتراضهم عليه بما عارضه من حديث علقمة أنه سأل عبد الله رضي الله عنه: هل كنتَ مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ((ما كان منا معه أحد)). وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً إذا لم نجد الماء))(٤). (١) أخرجه الشافعي في الأم ١٨/١، وأحمد في المسند ٢٧/٢ (٤٨٠٣) (١٩/٧) وقال شاكر: إسناده صحيح، وأصحاب السنن الأربعة. انظر: التلخيص الحبير ١٦/١-٢٠ الحديث: ٤، وسيأتي عند المؤلف. (٢) تقدم تخريجه قريباً. (٣) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٢٥/٣ (٢١)، وعبد الرزاق في المصنف ١٩٦/٦ (١٠٤٧٣)، وفيهما: عبد الله بن محرر، وهو متروك الحديث ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص ٣٢٠ (٣٥٧٣)، والتلخيص الحبير ١٥٦/٣. (٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم ٥٢٢ (١/ ٣٧١). ٢١٧ كتاب الطهارة وقوله صلى الله عليه وسلم: ((التيمم طهور المسلم إذا لم يجد الماء))(١)، وأن هذا العموم ينافي جوازَ الوضوء بالنبيذ وترك التميم. فإنه يقال لهم: أما كون عبد الله رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فصحيحٌ قد ورد نَقْله من جهاتٍ أُخَرَ صحيحة غير الطرق التي وصفنا. فمنها: ما روي عن أبي عثمان النهدي بالإسناد الصحيح أن عبد الله رأى بالكوفة قوماً من الزَّطَّ، فقال: ((ما أشبههم بالجن ليلة الجن)»(٢). وروى ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه ليلة الجن))(٣). وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: ((أن عبد الله رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن))(٤). وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي (١) أخرجه الترمذي ١٢٤ (٢١١/١) بلفظ: ((الصعيد الطيب طهور المسلم)) وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وصححه الحاكم في المستدرك ١٧٦/١-١٧٧. وراجع: نصب الراية ١٤٨/١ وما بعدها. (٢) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٣١/٢، ولفظه: ((ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن))، وأخرج الطبري نحوه في ((جامع البيان)) في تفسير سورة الأحقاف ٣٢/٢٦. (٣) أخرجه البيهقي في («دلائل النبوة)) ٢٣١/٢. (٤) لم أعثر على من خرجه فيما تيسر لي من المراجع. ٢١٨ كتاب الطهارة عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال لي: ((التمس ثلاثة أحجار، فوجدت له حجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا رِكْسٌ)(١). وحدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا [إسحاق الدبري](٢) عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، فأمر ابنَ مسعود أن يأتيَه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: ((هذا رِكْسٌ، اِيتني بحجر))(٣). وذَكَر علقمةُ نحواً مما في حديث أي عبيدة من القصة، فوجب أن يكونا حديثاً واحداً في حال واحدة، وأن لا يكونا حديثين في حالين مختلفين؛ لأن في كلا الحديثين أنه ألقى الروثة، وقال: ((إنها رِكْسُ). ويمتنع أن يكون عبد الله قد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم مرة أن الروثة رِكْسٌ لا يجوز الاستنجاء بها، ثم يأتيه بها ثانية. وأيضاً يمتنع في العادة أن يكون كلما سأله أحجار الاستنجاء، لا يجد إلا حجرين وروثة، فثبت أن القصة واحدة، وإذا ثبت ذلك، وأخبر أبو عبيدة أنها كانت في ليلة الجن: ثبتت زيادته. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٩٩٥٢ (٧٣/١٠). (٢) سقط من د، وورد فيه بدله: الزبيري. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٩٩٥١ (٧٣/١٠)، وهذا الحديث، والذي قبله عند البخاري في الصحيح ١٥٥ (١/ ٧٠) بدون ذكر ليلة الجن، وراجع: نصب الراية ١/ ٢١٥-٢١٧. ٢١٩ كتاب الطهارة * وحديث علقمة في نفيه كون عبد الله رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، إن كان ثابتاً على ما ادعاه المخالف، فواجب أن يعارِضَ هذه الأخبارَ كلَّها، ويوجب الطعنَ فيها، وأن لا يكون مخصوصاً بإفساد حدیث نبيذ التمر، دونها. وقد اتفق الفقهاء(١) على قبول حديث أبي عبيدة؛ لأن منهم مَن يحتج به في إيجاب ثلاثة أحجار للاستنجاء(٢)، ومنهم مَن يجيز بما دونه(٣)، لأنه اكتفى بالحجرين، وألقى الروثة. وعلى(٤) أنا نقول: إن حديث علقمة ليس بمخالف لحديث الوضوء بالنبيذ، وذلك لأن في حديث علقمة أنه سأل ابن مسعود قال: فقلت: هل شهد أحد منكم ليلة الجن؟ فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً ففقدناه، فالتمسناه، فبِتْنا شَرَّ ليلةٍ بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حراء(٥)، فقال: أتاني داعي الجن، فقرأتُ عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، (١) سوف يُثبِت المؤلف هذا الاتفاق عن طريق حصر الخلاف الذي يدل على قبول الحديث. (٢) هو قول الشافعية وأحمد ومن معهما. انظر: المجموع شرح المهذب ١٠٤/٢. (٣) هذا عند الحنفية ومالك رحمهم الله، لأن الغرض منه التطهير، فبأي عدد حصل اكتفي به. انظر: بدائع الصنائع ١٩/١. (٤) في ((د)): وقال أنا إلخ، والصواب ما أثتبنا من ((ق)). (٥) غار حراء معروف مشهور بمكة المكرمة. ٢٢٠ كتاب الطهارة وسألوه الزاد(١). فجائزٌ أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله الماء في هذه الحال، وفيها توضأ بالنبيذ. وذَكَرَ إسماعيل بن إسحاق(٢) في كتابه في ((أحكام القرآن))(٣): حدثنا محمد بن عبيد بن حسان قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان أنه قال لابن مسعود: حَدَّثْتَ أنك حَضَرْتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَفْدَ الجن. قال: فكيف کان؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّ عليه خطاً، وقال له: ((لا تَبْرَح))، حتى إذا كان قريباً من الصبح، أتاني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي: هل رأيتَ شيئاً؟ قلت: نعم، رأيت رجالاً سوداً مستشعرين بثياب بيض (٤). وفي حديث أبي فزارة نحو ذلك من القصة، فاحتمل أن يكون حديث علقمة موافقاً له، وأنه إنما عَنَى بقوله: ((ما كان معه منا أحد)): في حال (١) أخرجه مسلم ٤٥٠ (٣٣٢/١). (٢) هو أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل البصري، المالكي، قاضي بغداد، صاحب التصانيف. منها: ((أحكام القرآن))، ولد سنة ١٩٩ هـ، وتوفي سنة ٢٨٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٣٣٩/١٣. (٣) ذكره الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء ٣٣٩/١٣ وغيره، ولعله من آثاره المفقودة، حيث لم أعثر له على مخطوط، ولا مطبوع. (٤) وأخرجه الطبري في التفسير ٣٢/٢٦ عن محمد بن ثور إلخ.