Indexed OCR Text

Pages 981-1000

حكى البصريون عنه أنه قال: وإن غلب على عقله في
ردته بمرض، أو غيره، قضى الصلاة في أيام غلبتها على
عقله، قال: كما يقضيها في أيام عقله. قال: فإن قيل :
فلم لم تجعله قياسٍ على المشرك، يسلم، فلا تأمره بإعادة
صلاة؟
قيل: فرق الله تعالى بينهما، فقال عز وجل: (قُلْ
لِلَّذِيْنَ كَفَرُوْا إِنْ يَنْتَهُوْا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال:
٣٨].
وأسلم رجال، فلم يأمرهم رسول الله مَّل بقضاء صلاة.
ومَنَّ(١) رسول الله ◌َيّ على المشركين، وحرم الله تعالى
دماء أهل الكتاب، ومنع أموالهم بإعطاء الجزية، ولم يكن
المرتد في هذه المعاني، بل أحبط الله تعالى عمله بالردة،
وأبان رسول الله صلّ أن عليه القتل إن لم يتب بما تقدم له
من حكم الإِيمان، وكان مال الكافر غير المعاهد مغنوماً
بحال، ومال المرتد موقوفاً، ليغنم إنْ مات على الردة، أو
يكون على ملكه إن تاب، ومال المعاهد له، عاش أو
مات، فلم يجز إلّا أن يقضى الصلاة، والصوم والزكاة، كل
ما كان يلزم مسلماً، لأنه كان عليه أن يفعل، فلم تكن
معصيته بالردة تخفف عنه فرضاً کان علیه .
(١) ورد في الأصل (وهو) وعلى هامشه: (ومر) وفوقه: ظـ
- ٩٨١ -

فإن قيل: وكيف يقضى، وهو لو صلى في تلك الحال،
لم يقبل عمله؟
قيل له: لأنه كان لو صلى في تلك الحال، صلى على
غير ما أمر به، فكانت(١) عليه الإِعادة إذا أسلم، ألا ترى أنه
لو صلى قبل الوقت [ق ٢٥٩/أ] وهو مسلم، أعاد، والمرتد
صلى قبل الوقت التى تكون الصلاة مكتوبة له فيه لأن الله
تعالى قد أحبط عمله بالردة.
فإن قيل: ما أحبط من عمله؟
قيل: أجر عمله، لا أن عليه أن يعيد فرضا، أداه من
صلاة، ولا صوم ولا غيره، قبل أن يرتد، لأنه أداه مسلما.
فإن قيل: وما يشبه هذا؟
قيل: ألا ترى أنه لو أدى زكاة كانت عليه، أو نذراً نذره
لم يكن عليه إذا حبط أجره فيها أن يبطل، فيكون كما لم
يكن، أو لا ترى أنه لو أخذ منه حداً، أو قصاصاً، ثم ارتد،
ثم أسلم، لم يعد عليه، وكل هذا فرض(٢) عليه، ولو حبط
بهذا المعنى، فرض حبط(٣) کله.
(١) من الأم، وفي الأصل (وكان).
(٢) وفي الأم: وكان هذا فرضاً عليه.
(٣) الآم (١ / ٧٠ - ٧١).
- ٩٨٢ -

قال أبو عبدالله: فاعترض معترض ممن ينتحل
الشافعي بمناقضة الشافعي في هذا الباب فقال: المرتد في
حال ردَّته لو صلى، لكانت صلاته غير جائزة، وإذا كانت
الصلاة في وقت الردة غير جائزة، فغير جائز أن تجب عليه
إعادتها في الوقت الثاني بعد إسلامه .
فعارض هذا معارض، يحتج للشافعي رضى الله عنه،
وقال: لا حجة لك فیما ذكرت، لأنه لیس کل من کان لو
صلى في وقت، لم يجزه صلاته، لا يجب عليه قضاؤها،
إذا هو تركها في ذلك الوقت.
من ذلك أن جنبا لو صلى، وهو جنب قبل أن يتطهر، لم
يجزه صلاته، ولو تركها، فلم يصلها، حتى ذهب الوقت
ساهيا، أو عامدا، ثم اعتقل، لوجب عليه قضاؤها .
وكذلك المحدث الذي لم يتوضأ، وكذلك المرتد في
حال ردته، لا يجزئه صلاته، حتى يسلم، ثم يصلى كما
كان الجنب، وغير المتوضيء، لا يجزئه صلاته في حال
حدثه حتی یتطهر ثم يصلى .
فإن قال: إن الغرض على الجنب أن يتطهر، ويصلى .
قيل: وكذلك المرتد، الفرض عليه أن يسلم، ويصلى
وإن صلى قبل أن يسلم لم تجزه صلاته، كما أن الجنب
- ٩٨٣ -

إن صلى قبل أن يغتسل لم تجزه صلاته .
ثم قال: الدليل على أن الصلاة لا تجب إعادتها على
المرتد إذا أسلم أن المرتد في حال ردته كافر، وعلى الكافر
أن يسلم، ثم يصلى، وإذا صلى في حال كفره، لم تجزه،
صلاته .
قال أبوعبدالله: وهذا كلام مكرر، قد مَرَّ بعضه فيما
مضى، وهو أن على الجنب أن [ق ٢٥٩/ب] يغتسل، ثم
يصلى، كما كان على الكافر أن يسلم، ثم يصلى .
ثم قال: وقد أسلم، مَنْ أسلم من أهل الكفر، فلم
يأمرهم النبي وَل بإعادة صلاة سلفت، قال: فكذلك
المرتد لا يجب عليه ذلك، فجعل المرتد قياسا على الكافر
الذي لم يسلم قط، وهو يزعم أن القياس باطل، لا يجوز
العمل به، وفي اقتياسه المرتد على الذى لم يسلم قط،
ترك لأصله، وخروج من مذهبه.
وزعم أنَّ الصلاة في حال الردة غير واجبة، فغير واجب
أن تعاد بعد الإِسلام.
فقوله: إنّ الصلاة غير واجبة على المرتد خلاف ما دلَّ
عليه كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله ◌َله، وخروج من
المعقول والنظر.
- ٩٨٤ -

ويلزمه أن يكون الرجل إذا ترك الصلاة، وسائر
الفرائض جاحداً لها مستكبراً عنها، وهو يعلم أنها حق من
عند الله تعالى، وأصرَّ على ذلك إلى أن مات، لا يكون
عاصياً لله تعالى، في تركه الفرائض على هذا الوجه، ولا
ملوماً، ولا مذموماً، ولا معاقباً على ذلك، بل يلزمه أن يزعم
أن ذلك مباح له، إذْ كان غير واجب عليه .
فإن زعم أنه أول ما يترك الصلاة جاحدا لها، كافر
عاص، ثم إذا كرر الجحود بها، والترك لها لم يكن عاصياً.
قيل له: وكيف صار الترك الأول، والجحود معصية،
والثاني لا معصية، وهو مثل الأول، سواء ترك كترك،
وجحود كجحود، والنهى قائم عنهما جميعاً، وهو في جميع
أحواله عالم بأن الصلاة، وجميع الفرائض من عند الله
تعالى، قد أنزلها الله تعالى في كتابه، وجاء بها رسوله وَله
، فإنه متعمد للكذب على الله تعالى عناداً وتكبراً عن قبول
الحق، والخضوع له .
من زعم أن هذا غير عاص لله تعالى في تركه الفرائض
تكبراً، وعنوداً(١) وجحودا، خشيت أن يكون منسلخاً من
الإِسلام.
(١) كذا في الأصل: عنوداً: وهو بضم العين مصدر، وبفتحها: صفة من عَنْدَ
بمعنى عَانَدَ. ورد على هامشه: (وَعِنَاداً)
- ٩٨٥ -

ولعل هذا دين عارض الشافعي رضى الله عنه بهذه
العارضة، یوهم أن الشافعي رضی الله عنه کان لا یوجب
الفرائض على الكفار، ولا يلزمهم المعصية في تركها،
والعقوبة في تضييعها، وليس هذا من مذهب الشافعي ، بل
مذهبه أن الفرائض من الصلاة، والصيام، وغيرهما لازمة
لجميع الكفار، وجميع ما حرم الله تعالى على المؤمنين،
حرام عليهم، وهم معاقبون على تركهم الفرائض،
وجحودهم إياها معذبون على استحلالهم ما حرم الله
تعالى من الزنا [ق ٢٦٠ /أ] وقتل النفس التى حرم الله،
وشرب الخمر، والدم، وأكل الميتة، والربا، وغير ذلك مما
حرم الله تعالى .
١٠٦٦ - حكى المصريون عن الشافعي رضى الله عنه أنه قال:
إذا كان لك على نصراني حق من أي وجه ما كان، ثم
قضاكه من ثمن خمر، أو خنزير، تعلمه، لم يحل لك أن
تأخذه، سواء ذلك فيما قضاك، أو وهب لك، أو أطعمك
كما لو كان لك على مسلم حق، فأعطاك من مال غضبه،
أوربا، أو حرام، لم يحل لك أخذه، وإذا غاب عنك معناه
من النصراني، والمسلم، فكل ما أعطاك، وأطعمك، أو
وهب لك، وأمكن أن يكون من حلال، وحرام، وسعك أن
تأخذه على أنه حلال حتى تعلم أنه حرام، ولا فرق بين ما
- ٩٨٦ -

أعطاك من ذلك تطوعاً، أو بحق لزمه .
١٠٦٧ - قال الشافعى رضى الله عنه: وحلال الله تعالى لجميع
خلقه، وحرامه عليهم واحد، قال: فالخمر، والخنزير،
وثمنهما محرَّم على النصراني، كهو على المسلمين.
وقال: فإن قال قائل: لِمَ لا تقول: إن ثمن الخمر،
والخنزير حلال لأهل الكتاب، وأنت لاتمنعهم من اتخاذه،
والتبايع به .
قيل: قد أعلمنا الله تعالى أنهم لا يؤمنون به، ولا باليوم
الآخر، ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله، ولایدینون دین
الحق، فكيف يجوز لأحد عقل عن الله عز وجل أن يزعم
أنها لهم حلال، وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يحرمون ماحرم
الله، ورسوله .
فإن قال: فأنت تقرهم عليها؟
قلت: نعم، وعلى الشرك بالله تعالى، لأن الله تعالى
أذن لنا أن نقرهم على الشرك به، واستحلالهم شربها،
وتركهم دين الحق بأن نأخذ منهم الجزية قوة لأهل دينه،
وحجة الله تعالى عليهم قائمة، لامخرج لهم منها، ولا عذر
لهم فيها، حتى يؤمنوا بالله، ورسوله، ويحرموا ماحرم الله
ورسوله .
- ٩٨٧ -

قال أبو عبد الله: قال الله عز وجل فيما يؤبخ به
الكافر على كفره به. وتركه الصلاة له، وسائر الفرائض:
﴿فَلَا صدّق وَلاَ صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [القيامة: ٣١]
فلا صدق﴾لا آمن بالله تعالى، ﴿ولا صَلّى﴾ لله عز وجل،
ولكِنْ كَذَّبَ﴾ بالله تعالى، وبكتابه، ﴿وَتَوَلّى﴾ عن طاعته
مِنْ إقامة الصلاة وسائر الفرائض، ثم أوعده على ذلك كله
وعيداً بعد وعيدٍ، فقال تعالى: ﴿أَوْلِى لَكَ فَأَوْلِى، ثُمْ أَوْلِى
لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٢]. [ق ٢٦٠ /ب] وقال عز وجل :
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُوْا الصَّلاَةَ، واتّبَعُوْا
الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَأْ﴾ [مريم: ٥٨] فأوعدهم وعيدا
غليظا على إضاعتهم الصلاة، واتباعهم الشهوات، وهم
كفار، والدليل على كفرهم قوله تعالى: ﴿ إِلَا مَنْ تَابَ وَآمَنَ،
وَعَمِلَ صَالحِا﴾[الفرقان: ٧٠] قال المفسرون : ﴿تَابَ﴾من
الشرك، ﴿وَآمَنَ وعَمِلَ صَالحِاً﴾ أداء الفرائض.
وقال الله عز وجل فيما حكى عن الكفار أنهم سئلوا بعد
دخولهم النار: ﴿مَاَسَلَكَكُمْ فِىْ سَقَرَ، قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلَّيْنَ،
، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكَيَنَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]،
فأخبروا أنهم عذبوا على تركهم الصلاة، وإطعام
المسكين، ويشبه أن يكونوا أرادوا بتركهم إطعام المسكين
منعهم الزكاة .
- ٩٨٨ -

الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِيْنَ الَّذِيْنَ
لَا يُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦].
قال أبو عبدد الله: وأخبر النبى وَّل فى حديث عبادة
ابن الصامت رضى الله عنه أن الله افترض على عباده
خمس صلوات، لم يخص مسلما منهم دون كافر، فأخبر
أن الصلوات مفترضات على جميع العباد(١).
قال أبو عبد الله: فثبت بالدلائل التى ذكرناها أن
الصلاة، وجميع الفرائض لازمة لجميع الكفار، كلزومها
المسلمين، وكذلك جميع ماحرم الله تعالى على
المسلمين، فهو عليهم حرام، فإذا ارتد الرجل عن
الإِسلام، فكفر بالله تعالى، ورسوله وعمله ، ثم ترك الصلاة
جاحداً لها، متكبرا عنها، ازداد كفراً إلى كفره، ومعصية
إلى معصيته، وكذلك جميع الفرائض إذا تركها بعد
الارتداد، وجحوداً، واستكباراً، ازداد كفراً ومعصيةً،
وكذلك هو فى استحلاله جميع ماحرم الله تعالى من قبل
المؤمنين، واغتصاب أموالهم، والزنا، وشرب الخمر، وغير
ذلك، فهو يزداد باستحلال ذلك كله كفراً إلى كفره،
ومعصية إلى معصيته .
(١) تقدم بالأرقام التالية: (١٠٥١، ١٠٥٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤).
- ٩٨٩ -

قال الله تبارك وتعالى: (وإذا مَا أُنْزِلَتْ سُوْرَةُ، فَمِنْهُمْ مَنْ
يَقُوْلُ: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هُذِهِ إِيْمَاناً، فَأَمَّا الَّذِيْنَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ
إِيْمَاناً، وهُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ، وأَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ،
فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِ). [التوبة: ١٢٤].
قال أبو عبد الله: [ق ٢٦١ / أ] فإذا أسلم الكافر، وقد
ترك الصلاة، وسائر الفرائض فى كفره، ثم تاب من ذلك
كله، وآمن لم يجب عليه قضاء شيء مما ترك من
الفرائض، ولم يؤاخذ بشىء مما ارتكب من المحارم،
وليس ذلك لأنها لم تكن واجبة عليه فى كفره، ولم يكن
مؤاخذا بما ضيّع(١) منها، معاقبا على ما ارتكب من
المحارم، لو مات على كفره، ولكن الله عز وجل تفضل
عليه بالإِيمان، والتوبة، فغفر له ذنوبه السالفة، ودفع عنه
قضاء الفرائض التى تركها فى كفره.
٠
قال الله عز وجل: (قُلْ للَّذِيْنَ كَفَرُوْا: إِنْ يَنْتَهُوْا، يُغْفَرْ
لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨].
وقال تعالى: (إِنِىْ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ، وَآمَنَ وعَمِلَ
صَالِحاً، ثُمَّ اهْتَدِى) [طه: ٨٢].
(١) وعلى هامشه: (صَنَعَ).
- ٩٩٠ -

وقال عز وجل : (وَالَّذِيْنَ لَا يَدْعُوْنَ مَعَ الله إِلَهاً
آخَرَ، وَلاَ يَقْتُلُوْنَ النَّفْسَ الَّتِىْ حَرَّمَ الله إلّ بِالْحَقِ، وَلاَ يَزْنُوْنَ،
ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامِها يُضَاعَفْ لَه الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَيَخْلُدْ فِيْهِ مُهَانًا) ثم قال تعالى: (إِلَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وعَمِلَ
عَمَلاً صَالحِاً). [الفرقان: ٦٨-٧٠].
وقال عز وجل: (قُلْ: يَاعِبَادِىَ الَّذِيْنَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ، لَاتَقْنَطُوْا مِنْ رَحْمَةِ الله، إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيْعاً) [الزمر: ٥٣] يعنى بالإِيمان والتوبة.
دل على ذلك بقوله تعالى: (وأَنِيبُوا إِلَى رَبِكُمْ، وأَسْلِمُوْا
لَه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ) [الزمر: ٥٤].
وجاء الخبر عن النبى وَّر أنه قال: الإِسلام يهدم
ماقبله(١) .
قال أبو عبد الله: ولم يختلف المسلمون فى أن
النبى ◌ّ لم يأمر أحداً من الكفار أسلم، بقضاء شىء من
الفرائض، واتفق على القول بذلك أهل الفتوى من علماء
(١) أخرجه ابن سعد عن الزبير وعن جبير بن مطعم بلفظ: الإِسلام يجب ما كان
قبله. وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير ٤١١/٢) وورد نحوه في
حديث طويل عند أحمد (١٩٩/٤، ٢٠٤، ٢٠٥) ومسلم: الإِيمان
(١١٢/١) من حديث عمروبن العاص وموضع الشاهد منه في صحيح مسلم:
أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وذكر الهجرة والحج أيضاً يهدان ما
قبله .
- ٩٩١ -

أهل الإِسلام، فبهذه الحجج يسقط قضاء الفرائض عن من
أسلم من أهل الكفر، لا لأنها لم تكن بواجبة عليهم.
فإن قال قائل، فيقول: إن الفرائض على الكفار أن يأتوا
بالصلاة، وسائر الفرائض قبل أن يسلموا.
قيل له: هذا خطأ لأن هذا يوهم أن لهم أن يؤخروا
الإِسلام إلى أن يأتوا بالفرائض، ولا يحل لأحد من أهل
الإِدراك والعقل أن يؤخر الإِسلام كما قد عين، ولكنا نقول:
الفرض على الكفار أن يسلموا ويصلوا، ويؤدوا الفرائض،
ويجتنبوا المحارم كلها، ويقدموا على الإِسلام قبل ذلك.
[ق ٢٦١ / ب] كله، لأن الفرائض، وجميع الأعمال
الصالحة لاتقبل إلا بالإِسلام فإنهم امتنعوا من الإِسلام،
وأداءِ الفرائض، وارتكبوا المحارم، وماتوا على ذلك، فهم
عصاة في جميع ذلك، معاقبون علی ذلك كله.
وهذا كما نقول: الفرض على الجنب، وغير المتوضيء
أن يتطهر، ويصلى، ولو صلى الجنب قبل أن يتطهر لم
تجزه صلاته، لأن الصلاة لا تقبل إلا بطهارة، كما أن الكافر
لا تقبل منه الصلاة إلا بإسلام، وطهارة، فإن أخر الجنب
الطهارة، والصلاة جميعًا حتى ذهب الوقت، ثم مات مصرا
على ذلك، مات عاصياً في الأمرين جميعا، مستوجباً
للعقوبة على تركها جميعاً.
- ٩٩٢ - ٠

وكذلك الكافر إذا أخَّر الإِسلام والصلاة حتى ذهب
وقتها، ثم مات مصرا على ذلك.
ولا يجوز أن يقول: الفرض على الجنب أن يصلى قبل
أن يغتسل كما لا يجوز أن يقول: الفرض على الكافر أن
يصلى قبل أن يسلم، لكنا نقول: على هذا أن يتطهر
ويصلى، وعلى الكافر أن يسلم ويصلى .
فإن قال قائل: فإنما قال الله تعالى :
(إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ كِتَاباً مَوْقُوْتاً) [النساء:
١٠٣ ]
وقال عز وجل : (قُلْ لِعِبَادِىَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا يُقِيْمُوْا الصَّلاَةَ)
[إبراهيم: ٣١]
وقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِيَامُ) [البقرة: ١٨٣] فأوجب الصلاة، والصيام، وسائر
الفرائض على المؤمنين .
قيل له: ليس فى إيجابه الصلاة على المؤمنين إسقاط
لها عن الكفار، والمنافقين، ولكن الله عز وجل وضع أقدار
الكفار عن أن يخاطبهم بإيجاب الفرائض عليهم باسم
الكفر، استصغاراً لهم، ووضعاً لأقدارهم، وخاطب
المؤمنين باسم الإِيمان، وسائر الفرائض عليهم باسم
الإِيمان .
- ٩٩٣ -

ودل على وجوب (١) ذلك على الكفار بما أوعدهم على
تضييعها من العذاب. قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا
.آمِنُوْا بالله وَرَسُوْلِه) [النساء: ١٣٦].
كما قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَةِ، فَأَغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ) [المائدة: ٦]
(ويَأَيُّهَاَ الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ) [البقرة: ١٨٣]
فلم يكن فى مخاطبته المؤمنين بإيجاب الإِيمان بالله
ورسوله عليهم إسقاط الدعوة للكفار، لأنه قد دل على
إيجاب ذلك عليهم [ق ٢٦٢ / أ] بما هو أدل على الوجوب
من الأمر، وهو تغليظ الوعيد عليهم، بإيجاب تخليدهم
النارَ لتركهم الإِيمان، وكفرهم بالله تعالى .
قال الله عز وجل: (ومَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله وَرَسُوْلِه، فإنَّ
أَعْتَدْنَا لِلْكَافِيْنَ سَعِيْراً) [الفتح: ١٣]
ولو ذهبنا نتلو الآيات التى أوعد الله تعالى فيها الكفار
التخليد فى النار، وآيسهم من مغفرته ورحمته، لكثر
الكتاب، وطال، ولولا أن المسلمين لا اختلاف بينهم فى
ذلك، لتكلفنا تلاوتها، وقد أمر رسوله صل* بأن يأمرهم
بالإِيمان به تعالى، وبرسوله مله باسم الناس، لا باسم
(١) ورد بعده في الأصل (على ذلك) وهو مقحم هنا.
- ٩٩٤ -

الكفار، فقال تعالى: (قُلْ: يَاأَيُّهاَ النَّاسُ إِيْ رَسُوْلُ الله
إِلَيْكُمْ جَمِيْعاً) إلى قوله تعالى: (فَآمِنُوْا بِالله وَرَسُوْلِه)
[الأعراف]: ١٥٨ ]
وقال عز وجل لأهل الكتاب منهم: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ
عِلَى شَىْءٍ، حَتى تُقِيْمُوْا التَّوْرَةَ، والإِنْجِيْلَ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
مِنْ رِّيَكُمْ) [المائدة: ٦٨]
وفى التوراة الأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام،
وسائر الفرائض، وتحريم المحارم.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللـه وقُوْلُوْ قَوْلاً
سَدِيْداً) [الأحزاب: ٧٠]
و (يَا أَيُّهَاَ الَّذِيْنَ آمَنُوا اتقُوْا اللـه، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ) [الحشر: ١٨]
فلم يكن إيجابه التقوى على المؤمنين بمسقط ذلك عن
الكفار، بل(١) قد أوجب ذلك عليهم باسم الناس.
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَأَحِدَةٍ) [النساء: ١]
وقال تعالى: (وَاَتْقُوْنِ يَا أَوُلِىْ الأَلَبْاَب) [البقرة: ١٩٧]
والتقوى منتظم لأداء الفرائض، واجتناب المحارم كلها.
(١) ورد في الأصل (بلى).
- ٩٩٥ -

وقال عز وجل: (يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوْا الله وَأَطِيْعُوْا
الرَّسُوْل) [النساء: ٥٩]
فلم يكن افتراضه طاعته على الذين آمنوا بمسقط طاعته
عن الكفار.
فكذلك ليس فى افتراضه الصلاة، والصيام على
المؤمنين دليل على إسقاطها عن الكفار.
قال أبو عبد الله: فإذا ترك الرجل صلاة متعمدا حتى
يذهب وقتها فعليه قضاؤها، لانعلم فى ذلك اختلافا، إلا
مايروى عن الحسن، فمن أكفره بتركها، استتابه، وجعل
توبته، وقضاءه إياها رجوعاً منه إلى الإِسلام، ومن لم يكفر
تاركها، ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها.
١٠٦٨ - كان إسحاق يكفره بترك الصلاة على ماحكينا عنه،
ويرى عليه [ق ٢٦٢/ب] القضاء، إذا تاب.
وقال: أخبرنى عبدالعزيز يعنى ابن أبى رزمة، عن ابن
المبارك أنه شهده(١)، وسأله رجل عن رجل ترك صلاة أيام،
وقال: فما صنع، قال: ندم على ماكان منه، فقال ابن
المبارك: ليقضى ما ترك من الصلاة، ثم أقبل عليّ، فقال:
يا أبا محمد! هذا لا يستقيم على الحديث.
(١) ورد على هامشه: ص: استشهده.
- ٩٩٦ -

قال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن
لا يقضى، وربما بنى على الأصل، ثم يوجد فى ذلك
الشيء نفسه خلاف البناء، فمن ههنا خاف ابن المبارك أن
يقيس أمر تارك الصلاة فى الإِعادة على ماجاء أنه كفر،
فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام
الكفار رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد،
فأخذ بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا،
وکان یکفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها، وإن كان مقرا
بها .
قال: أخبرنى بذلك سفيان بن عبد الملك، والقاسم بن
محمد عن ابن المبارك .
١٠٦٩ - قال: وهكذا ذكر أيضا على بن الحسن عن ابن
المبارك: إذا قال: لا أصلى العصر يومي هذا، فهو أكفر
من الحمار(١).
١٠٧٠ - حدثنا أبو عبدالله: قال إسحاق: ولقد تأول قوم هذا
القول من عبدالله على غير جهته .
قالوا : هذا رد.
فقلنا لهم: فالراد للفرائض كلها يكفر؟!
(١) ورد على هامشه: هذه العبارة لا تدل على حقيقة الكفر، لكنها تفيد كفران
النعمة . ...
- ٩٩٧ -

قالوا: نعم.
قلنا: فرجل قال: لا أزكى مالي يومي هذا، وقد جاء
عليه الزكاة، أتراه جاحدا حلال الدم؟
فقال: لا، فهذا نقض لدعواه فى الصلاة .
١٠٧١ - قال إسحاق: وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا
تاب من تركها، والاحتياط فى ذلك.
فأما من مال إلى ما قال الحسن إذا ترك صلاة متعمداً لا
يقضيها فهو كما قال ابن المبارك: الإِعادة لا تستقيم على
الحديث، ثم ترك القياس فى ذلك، فاحتاط فى القضاء،
وقال فيه كما قال فى النكاح بغير ولي : إنه فاسد، يفرق
بینھما .
١٠٧٢ - قال سفيان: فقيل لابن المبارك: أيتوارثان إن مات، أو
إن طلقها يقع طلاقه عليها؟ فقال: أما فى القياس فلا
طلاق، ولا ميراث، ولكن أجبن.
١٠٧٣ - قال إسحاق: وهكذا جلّ مذهبه فى الأحكام:
الاحتياط إذا انقطع الأصل.
١٠٧٤ - قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد
الرجل عن الإِسلام ثم أسلم أعاد كل صلاة [ق ٢٦٣/أ]
تركها فى ردته، وكل زكاة وجبت عليه فيها، ولا أجعله
- ٩٩٨ -

كالمشرك الذى لاقضاء عليه، إذا أسلم لأن المشرك لم
يكن عليه فى شركه عند نفسه، وأهل دينه صلاة، ولا شيء
من فرائض الله تعالى، وقد أسلم أصحاب محمد وَّ ل مع
النبى وَّر، فلم يحكم النبى وَلل بقضاء ماقد مضى من
الصلاة، ثم إجماع الأمة عليه، وإنما اختلف أهل العلم
فیمن کان مسلمًا ثم ارتد.
١٠٧٥ - قال إسحاق: وحجة من رأى المرتد قضاء فرائض الله
تعالى لأن ارتداده معصية، ومن كان فى معصية، لم يجعل
من الرخصة شيء.
قال الله تعالى: (حُرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْنَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ
الْخِنْزِيْرِ حتى بلغ (إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩]
حدثنا أبو عبد الله: قال:
١٠٧٦ - حدثنا إسحاق قال: أخبرنا جرير، عن ليث، عن
مجاهد قال: من کان فى معصية الله تعالى، فليس له من
الرخصة شيء، قال الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ، وَلَ
عَادٍ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة].
قال مجاهد: لا يحل له أن يترخص في شيء مما حرم
الله تعالى عليه إن كان مفارقا لجماعة المسلمين، أو قاطع
طريق، أو خارجاً فى معصية الله تعالى إذا اضطر إليه(١).
(١) قال السيوطي: وأخرج سفيان بن عيينة، وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن=
- ٩٩٩ -

حدثنا أبو عبد الله قال :
١٠٧٧ - وحدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عمرو بن محمد قال:
حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: (غَيْرَ بَاغِ ، وَلاَ
عَادٍ) [البقرة: ١٧٣] قال: الباغى على الناس، العادى
علیهم بسیفه .
١٠٧٨ - قال أبو عبد الله: فأما المروى عن الحسن فإن
إسحاق، حدثنا، قال: حدثنا النضر، عن الأشعت، عن
الحسن قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمداً، فإنه
لا یقضیھا .
قال أبو عبد الله: وقوله الحسن هذا يحتمل معنيين:
أحدهما أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمداً، فذلك لم ير
عليه القضاء، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ماترك من الفرائض
فى كفره، والمعنى الثانى أنه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنه
ذهب إلى أن الله عز وجل إنما افترض عليه أن يأتى
بالصلاة فى وقت معلوم، فإذا تركها [ق ٢٦٣/ب] حتى
= منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو
الشيخ، والبيهقي في المعرفة، وفي السُنن عن مجاهد في قوله: (غير باغ، ولا
عاد) قال: غير باغ على المسلمين، ولا متعد عليهم، من خرج يقطع الرحم،
أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقاً للجماعة، والأئمة، أو خرج
في معصية الله، فاضطر إلى الميتة، لم تحل له .
(الدر المنثور ١ /٤٠٨)
- ١٠٠٠ -