Indexed OCR Text

Pages 701-720

[البقرة: ١٣٢] يعني مخلصين لله بالقلب، واللسان،
خضوعاً له بالعبودية .
وقال جبريل للنبي ◌َّ: ((ما الإِسلام؟)) قال: ((شهادة
أن لا إله إلا الله)) ولا يمتنع جميع الأمة أن يقولوا للكافر إذا
أقر بلسانه، فقال: ((أشهد أن لا إله إلّ الله، وأن محمداً
رسول الله)): قد أسلم قبل أن يصلي، وقبل أن يصوم،
فكذلك كل من أسلم على يد النبي ◌َّ إنَّما كان
بدوإسلامه الشهادتين، ولا تدافع بين أهل اللغة في أن
يسموا كل من شهد بذلك مسلماً في وقته ذلك مِنْ قبل أن
يأتي وقت صلاة، ولا صوم، فلما أقرت المرجئة بأن
الإِقرارَ باللسان، هو إيمانٌ يكمل به تصديق [ق
١٧٣/ ب] القلب، ولا يتم إلّ به، ثم بيَّن الله تعالى لنا،
والرسول ◌َله: أنه أول الإِسلام، ثبت أن جميع الإِسلام
من الإِيمان، فإن يكن شيء من الإِسلام ليس من
الإِيمان، فالإِقرار الذي هو أول الإِسلام ليس من
الإِيمان، فبإيجابهم أن أولّ الإِسلام بجارحة اللسان هو
من الإِيمان بالله، يلزمهم أن يجعلوا كلما بقى من الإِسلام
من الإِيمان بعد ما سمى الله عز وجل، والرسول الإِقرارَ
باللسان إيماناً، ثم شهدت المرجئةُ أن الإِقرارَ الذي سماه
النبي ◌َّ إسلاماً هو إيمانٌ، فما بال سائر الإِسلام
- ٧٠١ -

لا يكون من الإِيمان، فهو في الأخبار من الإِيمان، وفي
اللغة، والمعقول كذلك، إذ هو خضوع بالإِخلاص، إلّ
أن له أصلاً وفرعاً، فأصله الإِقرار بالقلب عن المعرفة،
وهو الخضوع لله بالعبودية، والخضوعُ له بالربوبية،
وكذلك خضوعُ اللسانِ بالإِقرار بالإِلهية بالإِخلاص له من
القلب، واللسان، أنه واحد لا شريك له، ثم فروع هذين
الخضوع له بأداء الفرائض كلها، ألم تسمع قول النبي
وَالر: ((الإِسلام شهادة أن لا إله إلّ الله وأن محمداً رسول
الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة)) وما عدا من الفرائض،
فَلِمَ جَعَلَتِ المرجئةُ الشهادةَ إيماناً، ولم تجعل جميعَ [ق
مِنَ الإِسلام إيماناً؟! وكيف
صاجية
صلىالله
١٧٤ / أ] ما جعله النبي
جعلتْ بعضَ ما سماه النبي ◌َّ إسلاماً إيماناً، ولم تجعل
جميعه إيماناً وتبدأ بأصله، وتتبعه بفروعه، وتجعله كله
إيماناً؟!
قال أبو عبد الله: زعم بعضَ المرجئةِ أنا إذا قلنا: إنَّ
الإِيمانَ اسمُ لجميعِ الطاعاتِ، لَّزِمَنا أن نكفر العاصي
عند أولِ معصيةٍ يفعلها، لأنه إذا كان إنما يسمى إيماناً
لاجتماع معاني، فمتى ما نقص من تلك المعاني مثقالُ
خردلةٍ، زال عنه الاسم، وضربوا لذلك مثلاً، فقالوا:
ومثل ذلك مثل قول القائل: عشرة دراهم، فإذا نقص
- ٧٠٢ -

دانقٌ، لم تسم عشرة إلّ على النقصانِ، فإنْ نقص درهمٌ
لم تسم عشرة أبداً.
فقيل لهم: إنكم ضربتم المثلَ على غير أصلٍ ، وقد
غلطتم علينا، ولم تفهموا معنانا، وذلك أنا نقول: إنّ
الإِيمانَ أصلٌ، مَنْ نقص منه مثال ذرة، زال عنه اسم
الإِيمان، ومن لَمْ يَنْقَصْ منه لم يزل عنه اسم الإِيمان،
ولكنه يزداد بعده إيماناً إلى إيمانه، فإنْ نقصتِ الزيادةُ
التي بعد الأصل لم ينقص الأصل الذي هو إقرارٌ بأن الله
حقٌّ، وما قاله صدقٌ، لأن النقصَ مِنْ ذلكَ شكّ في الله،
أَحَقٌّ هو أم لا؟ وفي قوله: أَصِدْقُ هو أم كذب؟ ونقص من
فروعه، وذلك كنخلة قائمة ذات أغصان، وورق، [ق
١٧٤/ ب] فكلما قطع منها غصن لم يزل عنها اسم
الشجرة، وكانت دون ما كانت عليه مِنَ الکمالِ مِنْ غیر
أن ينقلب اسمها، إلّ أنها شجرة ناقصة من أغصانها،
وغيرها مِنَ النخل مِنْ أشكالها أكمل منها لتمامها بسعفها،
وقد قال الله عز وجل: ﴿مَثَّلُ كَلِمَةٍ طَيَِّةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّيَةٍ،
أَصْلُهَا ثَابتٌ وَفَرْعُهَا فِيْ الْسَّمَاءِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]
فجعلها مثلاً لكلمةِ الإِيمان، وجعل لها أصلاً، وفرعاً،
وثمراً تؤتيه، فسأل النبي ◌َّ أصحابه عن معنى هذا المثل
مِنَ الله عز وجل، فوقعوا في شجر البوادي، قال ابن عمر:
- ٧٠٣ -

فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، فقال رسول الله
وَقَر: «هي النخلة)).
٧٦٩- حدثنا يحيى، أنا إسماعيل بن جعفر، عن عبدالله بن
دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله وَله: إن من
الشجر شجرةً لا يَسقُطُ وَرَقُها، فإنها مثلٌ للمسلمِ ،
فحدثوني ما هي؟! فوقع الناسُ في شجر البوادي.
ءُ
قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت،
ثم قالوا: حدثنا، ما هي يا رسول الله؟! قال: هي
النخلة(١).
٧٧٠ - حدثنا أبو قدامة عبيدالله بن سعيد، ثنا يحيى بن
سعيد القطان، عن عبيدالله، أخبرني نافع، عن ابن عمر
قال: قال رسول الله وَلل: أخبروني عن شجرة هي مثل
المسلم تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها، لا يتحات [ق
١٧٥/ أ] ورقها؟ قال: فوقع في نفسي أنها النخلة،
فكرهتُ أن أتكلم، وثَمَّ أبوبكر، وعمر، فلما لم يتكلموا،
قال رسول الله وَله: هي النخلة، فلما رجعت مع أبي،
(١) أخرجه البخاري: العلم (١٤٥/١) عن قتيبة، ومسلم: صفات المنافقين
(٤ /٢١٦٤ - ٢١٦٥) عن يحيى بن أيوب، وقتيبة، وعلي بن حجر، والنسائي
في التفسير في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤٤٦/٥) عن علي بن حجر
ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر به .
- ٧٠٤ -

قلت: يا أبتاه! وقعت في نفسي أنها النخلة، قال: ما
منعك أن تقولها؟ لو كنتَ قُلْتّها كان أحب إليَّ مِنْ كذا
وكذا؟! قلتُ: منعني أن أتكلم، إني لَمْ أَرَكَ، وَلاَ أبابكر
تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتْكلَّم، ولم تُكَلِّما(١).
٧٧١- حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا حماد بن شعيب،
عن الأعمش، عن مجاهد(٢)، عن ابن عمر قال: أتى
النبي وَجّ بجمار، فقال: إن من الشجرة ما بركته كبركة
المسلم، قال: فأردتُ أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا
أنا عاشر عشرة، وكرهتُ أن أقولَ، فقال رسول الله وَفيه :
هي النخلة (٣).
٧٧٢- حدثنا إبراهيم بن الحسن العلاف، ثنا أبو عوانة، عن
(١) أخرجه البخاري في الأدب (٥٣٦/١٠) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد
القطان، عن عبيدالله بن عمر به.
(٢) ورد في الأصل (ابن مجاهد) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه البخاري: الأطعمة، باب أكل الجمار (٩ /٥٦٩) عن عمر بن حفص،
عن أبيه، عن الأعمش، عن مجاهد به .
كما أخرجه في العلم، باب الفهم في العلم (١٦٥/١) عن علي بن
عبدالله، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، وفي الأطعمة، باب بركة النخلة
(٥٧٢/٩) عن أبي نعيم، عن محمد بن طلحة، عن زبيد، ومسلم: صفات
المنافقين (٤ /٢١٦٥ - ٢١٦٦) عن ابن أبي شيبة، وابن أبي عمر كلاهما عن
سفيان، عن ابن أبي نجيح، وعن محمد بن عبدالله بن نمير، عن أبيه، عن
سیف بن سلیمان، ثلاثتهم عن مجاهد به.
- ٧٠٥ _

أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: كنتُ جالساً
عند النبي ◌ََّ، وهو يأكل جُمّار نخل فقال: إنَّ مِنَ الْشَّجَرِ
شجرةً كالرجل المؤمن، وأردتُ أن أقول: هي النخلة،
فنظرت في وجوه القوم، فإذا أنا أحدثهم، فقال ◌َّ: هي
النخلة (١).
٧٧٣- حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا حماد بن زيد، ثنا
أيوب، عن أبي الخليل، عن مجاهد، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله [ق ١٧٥ /ب] وَل* يوماً لأصحابه:
أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن؟! فجعل القوم
يذكرون شجراً من شجر البوادي، قال ابن عمر: وألقى
في نفسي، أو روعى أنها النخلة، فجعلتُ أريدُ أنْ أقولها
فأرى أسنان القوم، فأهاب أن أتكلم، فلما سكتوا، قال
رسول الله وَال: هي النخلة(٢).
قال أبو عبد الله: ثم فسّر النبي ◌َّهِ بِسُنته الإِيمانَ إذْ
فهم عن الله عز وجل مثله، فأخبر أن الإِيمان ذو شعبٍ،
أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، فجعل أصله الإِقرار
(١) أخرجه البخاري: البيوع، باب بيع الجمار وأكله (٤ /٥٠٤) عن أبي الوليد،
عن أبي عوانة به .
(٢) أخرجه مسلم: صفات المنافقين (٤ /٢١٦٥) عن محمد بن عبيد بن حساب
الغبري به .
- ٧٠٦ -

بالقلب واللسان، وجعل شعبه الإِيمان، ثم جعل في غير
حديثٍ الأعمالَ شعباً مِنَ الإِيمان، فاستعجم على
المرجيء الفُهْمُ، فضرب المثل بخلاف ما ضربه الله،
والرسول، وقال: ((مثل عشرة دراهم))، ليبطل سُنة الرسول
وَلة، ويجعل قوله هو الحق بخلاف الآثار، لأن الذي
سمى الإِيمان التصديق، هو الذي أخبر أن الإِيمانَ ذو
شعب، فمن لم يسم الأعمال شعباً كما جعله
الرسول ◌َّ*، وكما ضرب الله المثلَ به، فقد خالف سُنةً
وَالـ
الرسول وَّة، وليس له أن يفرق بين صفات النبي
للإِيمان، فيؤمن ببعضها، ويكفر ببعضها، لأنه وَ خلال حين
سأله [ق ١٧٦ /أ] جبريل: ((ما الإِيمان؟)) قال: ((أن تؤمن
بالله)) إلى آخر القول، ثم قال في حديث ابن عباس لوفد
عبدالقيس: ((آمركم بالإِيمان، ثم قال: أتدرون ما
الإِيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، فبدأ بأصله،
والشاهد بلا إله إلا الله، هو المصدق المقر بقلبه، یشهد
بها لله بقلبه، ولسانه، يبتديء بشهادة قلبه، والإِقرار به،
ثم يثني بالشهادة بلسانه، والإِقرار به كما قال من قال: لا
إله إلا الله، يرجع بها إلى القلب مخلصاً يعني مخلصاً
بالشهادة قلبه ليس كما شهدت المنافقون إذ ﴿قالوا :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُوْلُ الله﴾ [المنافقون: ١] قال الله: والله
- ٧٠٧ -

يشهد إنهم لكاذبون، فلم يكذب قلوبهم أنه حق في
عينه، ولكن كذبهم من قولهم، فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ
لَرَسُوْلَهُ﴾ [المنافقون: ١] أي كما قالوا، ثم قال: ﴿وَالله
يَشُهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِيْنَ لَكَاذِبُوْنَ﴾ [المنافقون: ١] فكذبهم
من قولهم، لا أنهم قالوا بألسنتهم باطلاً، ولا كذباً،
وكذلك حين أجاب النبي ◌َّه جبريل بقوله: الإِسلام
صَلى الله
شهادة أن لا إله إلا الله، لم يرد شهادة باللسان كشهادة
المنافقين، ولكن أراد شهادة بدؤها مِنَ القلب بالتصديق
بالله بأنه واحد .
ولیس هذا مما ینقص قوله: (تؤمن بالله)) لأنه بدأه بأول
الإِيمان، فقال: أن تؤمن بالله، ثم تقر بقلبك، ولسانك،
فتشهد له بذلك، فابتدأ الإِسلام [ق ١٧٦ /ب] بالشهادة،
والإِيمان بالتصديق، وهم مجامعونا أنهما جميعاً إيمانٌ،
لا يفرقون بينَ الشهادة التي جعل النبي ◌َّ أول الإِسلام،
وبين التصديق الذي سماه النبي وَلّ إسلاماً، فهم
يجعلونهما جميعاً إيماناً، فما بال ما بقي لما سماه النبي
وَ لّ إسلاماً، لا يكون إيماناً، كيف نقصوه؟ فأضافوا بعض
الإِسلام إلى الإِيمان، ونفوا باقيه عن الإِيمان، وقد سماه
النبي ◌ّ* إسلاماً كله، ثم أكد ذلك في قوله لوفد
عبدالقيس: ((أتدرون: ما الإِيمان بالله وحده))، ينبئهم
- ٧٠٨ -

للفهم عنه، ثم قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله))، وما ذكر
معها من الإِيمان، ثم فسّر ذلك في حديث أبي هريرة،
فقال: ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة)).
فالعجب لِمَنْ طلب الحديث منهم، أو سمع الآثارَ،
وإنْ لم يطلبها، كيف يسمع أن النبي ◌َّ وصف الإِيمان
بصفاتٍ، ثم يفرق بينها، فيؤمن ببعض صفاته، ويجحد
بعضاً، وليست التفرقةُ بالذي يزيل الاسم، لأنا قد وجدنا
الله، والرسول يفرقان الصفة في أشياء، ويوجبان على
المؤمنین أن یجمعوها لمن سمی بها باسم واحد.
﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا بالله،
مِنَ ذلك قول الله عز وجل:
وَرُسُلِه، أولئِكَ هُمُ الصِّدِّيْقُوْنَ﴾ [الحديد: ١٩] ولم يذكر
[ق ١٧٧ / أ] عملاً.
وقال: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ، وَالأُرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِيْنَ آمَنُوْا بِالله وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] ولم يذكر
عملًا.
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِيْنَ إذَا ذُكِرَ الله، وَجِلَتْ
قُلُوْبُهُم﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [الأنفال: ٢] فذكر
الوجل، وإقامَ الصلاةِ، والإِيمانَ لله، والإِنفاقَ لله،
والتوكل عليه، وأوجب لهم الجنة بذلك.
- ٧٠٩ -

وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَاتِهِمْ
خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ الْوَارِثُوْنَ الَّذِيْنَ يَرِثْوَّنَ
الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
فأوجب لهم الجنةَ بالأعمالِ التي ذكرها، ولم يذكر
في هذه الآية الوجلَ، والتوكلَ، ولم يذكر في الآية التي
في الأنفال كلَّ ما ذكر في هذه من الأعمال.
وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّه فَضْلاً كَبْراً﴾
[الأحزاب: ٤٧].
وقال في موضع آخر: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ
يَعْمَلُوْنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإِسراء: ٩] فَعَمّ الأعمال في هذه
الآية .
وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمْ﴾
[فاطر: ٣٦].
وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَصَدُّوْا عَنْ
سَبْلِ الله﴾ [محمد: ١].
وقال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِيْنَ الَّذِيْنَ لَا يُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ
[فصلت: ٦ - ٧].
وقال: ﴿الَّذِيْنَ هُمْ يُرَاوُنَ وَيَمْنَعُوْنَ الْمَاعُوْنَ
[الماعون: ٦ - ٧ ].
- ٧١٠ -

فقد علمنا أن الكافرين في النار، وإن لم يصدوا عن
سبيل الله .
وقال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِيْ سَقَرِ، قَالُوْا: لَمْ نَكُ مِنَ
المُصَلَّيْنَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِيْنَ﴾ [المدثر: ٤٢ -
٤٤] فالكافر في النار، ويزداد [ق ١٧٧ /ب] عذاباً بهذه
الأفعال، فهذه صفاتُ أهل النار، وأعمالهم، وتلك
صفات أهل الجنة، وإن اختلفتْ، فكذلك وصفَ النبي
وَر الإِيمانَ بصفاتٍ، فكلها صفات الإِيمان، وإنّ
٥
اختلفت.
فلو قال قائل: لا يدخل الجنةَ أحدٌ إلَّ مَنْ جَمَعَ هذه
الأعمالَ كلها، أو قال: ليست هذه بأعمال يستحق بها
الجنة، لأنه قد فرقها، فيرجع إلى الأصل، يشهد أنَّ مَنْ
صدق بالله، وبصفتها كلها، فهو في الجنة، فيشهد
بالأصل، ويدع الفروع، لكان رادّاً على الله، قائلاً بغير
الحق، إذا اقتصر على الأصل، وألقى الفروع.
فكذلك من شهد بأن الإِيمان هو الأصل الذي قال
النبيِ وََّ، وألقى سائرهُ، فلم يشهد أنه إيمانٌ، لأن النبي
وَر قد سمى الإِيمانَ بالأصلِ، وبالفروعِ ، وهو الإِقرارُ،
والأعمال، فسماه في حديث جبريل بالتصديق، وسمی
الشهادة، والقيام بما أسمى من الفرائض إسلاماً، وسمى
- ٧١١ -

فيما قال لوفد عبدالقيس الشهادة، وما سمى معها من
الفرائض إيماناً، ثم فسّر ذلك في حديث أبي هريرة،
فجعل أصل الإِيمان الشهادة، وسائر الأعمال شعباً، ثم
أخبر أن الإِيمان يكمل بعد أصله بالأعمال الصالحة،
فقال في حديث [ق ١٧٨ / أ] عائشة، وأبي هريرة: ((أكمل
المؤمنين أحسنهم خلقا في الإِيمان، كأحسنهم خلقا فإنه
مساوية في الكمال، فقد عاند سُنةَ رسولِ الله وَله، وقلَّبَ
ما شهد به بأحسن المؤمنين خلقا، فجعله لأسوأهم خلقا،
لو کان کما قال، لکان قول النبي پڼ هذا لا معنى له، وهو
أعلم بالله من ذلك، ثم حد الإِيمان في قلوب أهل النار
من المؤمنين، فأخبر عن الله عز وجل أنه يقول: ((أخرجوا
من في قلبه مثال دينار من إيمان، مثقال نصف دينار،
مثقال شعيرة، مثقال ذرة، مثقال خردلة)).
فمن زعم أن ما كان في قلوبهم من الإِيمان مستوياً
في الوزن، فقد عارض قول النبي وَيقوم بالرد، ومن قال:
الذي في قلبه مثقال ذرة ليس بمؤمن، ولا مسلم، فقد رد
على الله، وعلى رسوله، إذ يقول الرسول وَله: ((لا يدخل
الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة)) فقد حرَّم الله الجنة على
الكافرين، وقد جزأ النبي ◌َس * ما في قلوبهم من الإِيمان
بالقلة والكثرة، ثم أخبر أن أقلهم إيماناً، قد أدخل الجنة،
- ٧١٢ -

فثبت له بذلك اسم الإِيمان، فإذا كان أقلهم إيماناً
يستحق الاسم، والآخرون أكثر منه إيماناً، دلّ ذلك أن له
[ق ١٧٨/ب] أصلاً، وفرعاً يستحق اسمه من يأتي
بأصله، ويتأولون في الزيادة بعد أصله، فتركوا أن يضربوا
النخلة مثلاً للإيمان، مثلاً كما ضربه الله عز وجل،
ويجعل الإِيمان له شعباً كما جعله الرسول وَ له ، فيشهدوا
بالأصل، وبالفروع، ويشهدوا بالزيادة، إذا أتى
بالأعمال، كما أن النخلة فروعها، وشعبها أکمل لها،
وهي مزدادة بعد ما ثبت الأصل شعباً، وفرعاً، فقد كان
يحق عليهم أن ينزلوا المؤمن بهذه المنزلة فيشهدوا له
بالإِيمان، إذا أتى بالإِقرار بالقلب، واللسان، ويشهدوا له
بالزيادة، كلما ازداد عملاً مِنَ الأعمال التي سماها النبي
وَل﴿ شعباً للإيمان، وكان كلما ضيّع منها شعبةً، علموا أنه
من الكمال، أنقص من غيره ممن قام بها فلا يزيلوا عنه
اسم الإِيمان حتى يزول الأصل، وليست العشرة مثل
الإِيمان لأنه ليس لها أصل، إلّ كالفرع: العاشر درهم،
والأول درهم، فإنما مثل أصلها مثل الفضة، والفضة
كمثل التصديق، فلو كانت نقرة فيها عشرة، ثم نقصت
حبة، لسميت فضة، لأن الفضة جامع لاسمها، قلَّتْ أم
كَثُرَتْ، لأنها أصل قائم أبداً ما دام منها شيء، وليست
- ٧١٣ -

العشرة کذلك لیس [ق ١٧٩ /أ] أولها بأولی مِنْ أُن یکون
أصلاً لها مِنْ آخرها، لأنها أجزاء متفرقة، فكما بدىء
بالدرهم الأول بالعدد فيجعل الأول هو العاشر، فليس
بعضها بأحق بأن يكون أصلاً لبعض من الآخر، إنما
أصلها الفضة .
قال أبو عبدالله: والأخبار التي ذكرناها عن رسول
اللّهَ وَِّ دالةٌ على أن الإِيمانَ، والإِسلامَ لا يفترقان، لأنه
دلّ على الإِيمان بما دلّ على الإِسلام، قال في حديث
عمر لجبريل حين سأله عن الإِسلام: ((الإِسلام شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)) وما ذكر مع
الشهادتين من الفرائض .
وقال ابن عمر، وجرير بن عبدالله، عن النبي وَلِيّ:
((بُنِي الإِسلام على خمس(١))، ثم قال في حديث ابن
عباس لوفد عبدالقيس: ((أتدرون ما الإِيمان))، فذكر
الحديث(٢). وقال في حديث أبي هريرة عن النبي وَل:
((الإِيمان بضع وسبعون(٣)) فسمى الإِسلام بما سمى به
(١) انظر حديث ابن عمر برقم (٤١١ و ٤١٣، و٤١٤ و٤١٥ و٤١٦ و ٤١٧)
وحديث جرير برقم (٤١٩ و٤٢٠ و٤٢١ و ٤٢٢)
(٢) انظر حديث ابن عباس في وفد عبدالقيس برقم (٣٩٠ و ٣٩١)
(٣) انظر حديث أبي هريرة برقم (٤٢٣ و٤٢٤ و٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧ و٤٢٨)
- ٧١٤ -

الإِيمان، وسمى الإِيمان بما سمى به الإِسلام.
ومما يزيد ذلك بياناً قوله : ((لا يؤمِنْ مَنْ لا يأمن جاره
بوائقه (١))). وقال في حديث آخر: ((المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده (٢))) والبوائق لا تكون إلّ باللسان
واليد، فسمى الإِيمان بما سمى به الإِسلام لأن [ق
١٧٩/ب] مَنْ أمن جاره بوائقه، فقد سلم من لسانه
ویده، ومن لا يسلم جاره من لسانه ويده، لا يأمن بوائقه،
وقال: ((المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم، وأموالهم،
فمن سلم الناس من لسانه ويده أمنوه على أموالهم
وأنفسهم (٣))) فدل النبي وَّهُ بسُنته على أن الإِيمان
والإِسلام لا يفترقان، وأن المسلم هو المؤمن، فليس
لأحد أن يفرق بين اسمين دلّ النبي ◌َّ عليهما بمعنى
واحدٍ، يجعلهما معنيين مختلفين، ومن فرق بينهما، فقد
عارض سُنة النبي وَ ه بالرد، إلا أن أحدهما أصل للآخر،
لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أصل الإِيمان هو
التصديق، وعنه يكون الخضوع، فلا يكون مصدقاً إلّ
(١) تقدم الحديث برقم (٦٢٣ و ٦٢٤ و ٦٢٥ و٦٢٦ و ٦٢٧)
(٢) تقدم الحديث برقم (٦٣٧ و٦٣٨) من حديث أبي هريرة. وبرقم (٦٣٢ و ٦٣٣
و ٦٣٤) من حديث عبدالله بن عمرو.
(٣) تقدم الحديث برقم (٦٣٧) من حديث أبي هريرة، و (٦٤٠) من حديث ابن
فضالة بن عبيد، و (٦٤٢) من حديث أبي مالك الأشعري.
- ٧١٥ -

خاضعاً، ولا خاضعاً إلّ مصدقاً، وعنهما تكون الأعمال
التي وصف النبي وَّهُ الإِسلام، وتسمى مَنْ قام بها
بالإِيمان، والإِسلام.
٧٧٤- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن الصلت، عن
بشربن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن
ابن عباس في قوله: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتَاً﴾ [النحل: ١٢٠]
قال: كان على الإِسلام، وهو الإِيمان بالله، ولم يكن في
زمانه في قومه أحد على الإِسلام غيره، فلذلك قال الله عز
وجل: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتاً﴾ قال: كان مطيعاً(١).
[ق ١٨٠/ أ] · قال أبو عبدالله :
ومن أعظم حجج المرجئة التي يقولون بها عند
أنفسهم: اللغة، وذلك أنهم زعموا أن الإِيمان لا يعرف
في اللغة إلا بالتصديق، وزعم بعضهم أن التصديق لا
يكون إلّ بالقلب، وقال بعضهم: لا يكون إلّ بالقلب
واللسان، وقد وجدنا العرب في لغتها تُسمي كل عمل
حققت به عمل القلب، واللسان تصديقاً، فيقول القائل :
(١) في سنده بشر بن عمارة ضعيف، وفيه انقطاع بين الضحاك بن مزاحم وابن
عباس.
وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم (الدر المنثور ١٧٦/٥)
- ٧١٦ -

فلان يصدق فعله قوله، يعنون يحقق قوله بفعله، ويصدق
سريرته علانيته، وفلان يكذب فعله قوله وقال الشاعر:
صَدِّقِ الْقَولَ بِالفِعَالِ فإني
لستُ أرضى بوصفٍ قال، وقيل
ورس
وقال كثير - وهو يمدح عمر بن عبدالعزيز رحمه الله :
وُلِّيْتَ، فلم تشتم عليا ولم تُخِفْ
بريئاً فأمسى ساخطاً كلّ مجرم
و
وقلتَ فصدقتَ الذي قلت بالذي
فعلت فأمسى راضياً كل مسلم (١)
ويقول العرب إذا حمل الرجل على القوم في الحرب
فلم يرجع، قالوا: صدق الحملة أي حققها، أي
لم يقتصر دون أن يبلى، وإذا رجع قيل: كذب الحملة.
ويقال للمرجئة: أخبرونا عن الآمن من الله، حتى
(١) كثير هو ابن عبد الرحمن الخزاعي، وهو المعروف بكثير عزة، والبيتان في سيرة
عمر بن عبدالعزيز لابن الجوزي كما في مختصره (٢٥٠) في ضمن الأبيات
في مدحه رحمة الله عليه، وورد المصرع الثاني من البيت الأول فيه :
بريئاً ولم تتبع سجية مجرم،
وورد في المصرع الثاني من البيت الثاني، (فأضحى) بدل (فأمسى)
- ٧١٧ -

لا يخافه في حال مِنَ الأحوال، فلا يلزم قلبه الخوف،
أيكون مؤمناً من كان [ق ١٨٠ /ب] كذلك؟!
فإن قالوا: نعم! قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مؤمن بالله
أنه الجليل العظيم، فإن القدرة عليه نافذة، وأنه عظيم
الغضب شديد العقاب، ثم هو لا يخافه، ولا يهابه،
ولا يجله في حال من الأحوال، فهل فرق من فعل ذلك
بين مَنْ لا هيبة له، ولا إجلال، ولا قدرة له عليه
كالأصنام، إذ عرف أن الأصنام في أنفسها أصنام، وعرف
في نفسه، وأقر بلسانه أن الله هو الإِله، ثم لم يخفه، ولم
يجله، ولم يهبه، ولم يرجه في معنى من المعاني، هل
جعل بينه وبين الأصنام فرقاً في التصديق بها لأنه لا يعمل
أحدٌ إلّ لأحد أمرين: رغبة أو رهبة، فمن لم يخفه، ولم
يرجه، فقد أنزله منزلةً مَنْ لا يضر، ولا ينفع، وَمَنْ كان
ءُ
کذلك فلیس بأهل أن يتقی، فکیف یکون مؤمناً منْ سوى
بين الله تبارك وتعالى، وبين الأصنام التي لا تخاف، ولا
تهاب، ولا تجل، ولا ترهب، ولا ترجىء، لأنها لا تضر،
ولا تنفع؟!
فإن قالوا: لا يكون مؤمناً مَنْ كان هكذا، ولا يكون
مؤمناً حتى يكون لله خائفاً، ومجلاً، وهائباً.
قيل لهم: فإن زعمتم أنه لا يكون مَنْ كان كذلك
- ٧١٨ -

مؤمناً، وإنما يخرجه مِنَ الإِيمان الكفرُ، فقد أثبتم أن
الخوفَ إيمانٌ، والأمن كفرٌ.
فإن قالوا: إنَّ الخوف على وجهين: [ق ١٨١ / أ]
أحدهما إيمانٌ، وذلك خوفُ الإِقرار، وهو إقرارٌ في غيبه،
وذلك خوف يقين، ألا ترى إلى قول الله عز وجل:
﴿الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ أَنْ يُحْشَرُوْا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]
فإنما يعني أنهم مؤمنون، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ لَا يَرْجُوْنَ
لِقَاءَنا﴾ [يونس: ٧] يعني لا يؤمنون، والوجه الآخر من
الخوف هو المزعج عن المعاصي، وليس ذلك مِنْ
الإِيمان، ولکن الإِيمان سببٌ له.
قيل لهم: أما واحدةٌ فقد خرجتم مِنَ اللغة التي عليها
اعتمدتم، لأنكم لم تجدوا في اللغة أن الخوف إيمانٌ،
ولا أن الأمن كفر.
والثانية أنه إن كان معنى الخوف مِنَ الله إيماناً، فكل
خوفٍ مِنَ الله مزعجاً عن المعاصي إيمانٌ ، ومن لم يفعل
الخوف كله إيماناً، فجعل أوله إيماناً، وآخره لا إیمان،
فقد ناقض، لأنه جائزٌ أن يكون تصديقٌ إيماناً، وتصديقٌ
لا إيمان، فكما كان كل تصديق إيماناً، فكذلك كل خوف
إيمانٌ .
فإن قالوا: إنا لا نقول: إن الخوف جزءٌ مِنَ الإِيمان،
- ٧١٩ -

ولكنا نقول: لا يفارق الإِيمان.
قيل لهم: إن قولكم: لا يفارق الإِبمان، لا يخلو من
وجهين: أن تكونوا تعنون أنه لا يفارق الإِيمان لأنه من
الإِيمان، أو تكونوا تعنون الإِيمان لا يكون إيماناً إلّ به،
فكلا الوجهين يثبت أنه إيمانٌ لازماً، لا يكون الإِيمان إلا
به، فهو إيمانٌ، فإن كان جائزاً أن يكون الإِيمانُ،
ولا يكون، [ق ١٨١ / ب] فقد ثبتم أن المؤمنَ يستوي الله
عز وجل في قلبه، والأصنام التي لا تضر، ولا تنفع.
فإن قالوا: لا يجوز أن يستوي ذلك في قلبه .
قيل لهم: فقد ثبت بذلك أن الخوفَ، والإِجلالَ،
والهيبةَ لله إيمان، ولولا ذلك لم يكن بينه، وبين الأصنام
فرق.
قال أبو عبدالله: يقال لهم: أخبرونا عن قولكم: إنه
لا بد من الخوف، ولولا ذلك لزال عن إيمان، أخبرونا إذا
خطر بقلبه خواطر الشرك مِنَ العدو، أو حاج مخلوقاً من
الناس حتى كاد يزول عن إيمانه، بها ينفي؟ !.
فإن قالوا بالكراهة. قيل: وما الذي يبعثه على
الكراهة؟!
فإن قالوا: الخوف، قيل: خوف من ماذا؟!
- ٧٢٠ -