Indexed OCR Text

Pages 321-340

فالحاصل أن الغناء المطرب ممنوع في مذهب أحمد ،
وماحكي عنه في الكراهة وعدمها إنما هو في القصائد الزهدية .
ومِمَّا ذكرنا تبينَّ أَن الأئمة الأربعة متفقون على تحريم
الغناء والمعازف ( والله أعلم ) .
أدلة القائلين بتحريم الأغاني والمعازف
استدل القائلون بالتحريم ( وهم الجمهور) بأحاديث كثيرة
وردت في ذم المعازف والأغاني .
ومن أشهر ما استدلوا به على تحريمها ما رواه البخاري في
صحيحه كما تقدم(١) من حديث أبي عامر أَو أَبي مالك الأشعري
ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف
إلخ الحديث .
قالوا : المعازف : هي آلات اللهو فيدخل فيها جميع آلات
الطرب كالعود والطنبور والمزمار . والعازف هو الضارب بها
يقال : عزف يعزف فهو عازف .
وقد أَجاب المجوزون للمعازف والأغاني : عن هذا الحديث
بأنه قد أَعله جماعة من الحفاظ من وجوه :
أحدها : الانقطاع ، وذلك أن البخاري إِنما أخرجه معلقا
(١) انظر صفحة ( ٢٩٢).
- ٣٢١ -

فقال في صحيحه: قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد
وساق الإسناد . فلم يصرح بالسماع من هشام .
وقد تقدم الجواب(١) عن هذا الحديث بأنه متصل غير
منقطع ، فقد وصله جماعة من الحفاط وتقدمت أيضاً رواياتهم.
(الوجه الثاني): قالوا: ما ذكره ابن الملقن وغيره حيث قال :
ليت ابن حزم أعل الحديث بصدقة ابن خالد فإن ابن الجنيد
روى عن يحيى بن معين أنه قال: ليس بشيء.
وروى ابن المديني عن أحمد أنه قال : ليس بمستقيم .
( الوجه الثالث): بأنه مضطرب سنداً ومتناً .
أَما السند فللتردد في اسم الصحابي ، فقيل أبو عامر وقيل
أبو مالك الأشعريان .
وأَما الاضطراب في المتن ، ففي لفظ يستحلون كما عند
البخاري ، وفي لفظ: ليشربن ناس من أمتي الخمر كما عند أحمد
وابن أبي شيبة قالوا : وكل ذلك موجب لضعف الحديث .
( الوجه الرابع ) : قالوا: إن لفظة ( المعازف ) التي هي
محل الاستدلال ليست عند أبي داود من طريقه المشار إليها
أَقول وبالله التوفيق : أما ما ذكره ابن الملقن وقلده الشوكاني
(١) انظر صفحة ٢٩٤ وما بعدها .
- ٣٢٢ -

في النيل(١) وإبطال دعوي الإجماع (٣) عن يحيى بن معين وأحمد
ابن حنبل في صدقة بن خالد، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر
رحمه الله - في الفتح(٣) حيث قال : وذهل شيخنا ابن الملقن
تبعا لغيره فقال : ليتَه أَعلِّ الحديثَ بصدقة بن خالد فإن ابن
الجنيد روي عن يحيى بن معين ليس بشيء ... إلخ .
ثم قال : وهذا الذي قاله الشيخ خطأ، وإنما قال يحيى
وأحمد في صدقة بن عبد الله بن السمين (٤) وهو أقدم من صدقة
ابن خالد ، وقد شاركه في كونه دمشقيا وفي الرواية عن بعض
شيوخه کزید بن واقد .
ثم ذكر الحافظ قول أحمد وابن معين في صدقة بن خالد
فقال : قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ثقة ثقة (٥) ليس به
بأس أثبت من الوليد بن مسلم .
(١) نيل الأوطار ٨/ ١١٥.
(٢) ص ١٢
(٣) فتح الباري ١٠ / ٥٤ .
(٤) صدقه بن عبد الله بن السمين قال فيه أحمد : ضعيف جداً وقال في موضع
آخر : ليس سوى شيئاً أحاديثه مناكير .
وقال البخاري وأبو زرعة والنسائي : ضعيف .
وقال مسلم : منكر الحديث .
وقال الدار قطني : متروك . أهـ
( انظر التهذيب ٤ / ٤١٦، والميزان ٢ / ٣١٠).
(٥) في الفتح ( الطبعة السلفية ) ثقة بن ثقة وهو خطأ مطبعي صوابه ما أثبتناه كما في
التهذيب ( ٤ / ٤١٤ ) .
- ٣٢٣ -

قال : وأما ابن معين فالمنقول عنه أنه قال: كان صدقة بن
خالد أحب إلى أبي مسهر من الوليد بن مسلم قال : وهو أحب
إليّ من يحيى بن حمزة ، ونقل معاوية بن صالح عن ابن
معين أن صدقة بن خالد ثقة أ هـ .
فالحاصل : أَن صدقة بن خالد ثقة إمام لم يتكلم عليه أجد
من أهل العلم ثم إنه لم ينفرد بهذا الحديث عن عبد الرحمن
ابن يزيد ، بل قد تابعه عليه بكر بن بشر التنيسي ، وروايته عند
أبي داود وأبي نعيم كما تقدم ، وهو ثقة من رجال الصحيح
أَما دعوى الاضطراب في السند : فيجاب عنه بأنه قد رواه
أحمد في مسنده (١) وابن أبي شيبة فيما ذكره الشوكاني في النيل
(٢)
كلاهما من حديث أبي مالك بغير شك ورواه أبو داود (٣) من
حديث أبي عامر وأبي مالك ، قال الشوكاني(9) وصاحب عون
المعبود(٥) : هي من رواية ابن داسه عن أبي داود وفي رواية
الرملي عنه بالشك ، ورواه ابن حبان(٦) أنه سمع أبا مالك
(١) المسند ٥ / ٣٤٢.
(٢) نيل الأوطار ٨ /١١٦
(٣) هكذا قال الشوكاني وفي النسخ المطبوعة الآن بالشك .
وقال صاحب عون المعبود ١١ / ٨٤ في هذا قلت : هكذا بالشك في نسخ
الكتاب وكذا في المنذري أه ولعل هذه على رواية الرملي ( والله أعلم ) .
(٤) انظر نيل الأوطار ١١٦/٨.
(٥) ١١ / ٨٣.
(٦) المصدر السابق .
- ٣٢٤ -

وأَبا عامر الأشعريين فتبين من هذا أنه من روايتهما جميعاً
وعلى تقدير أن الرواية بالشك هي الأصح ( فالشك في اسم
الصحابي لايضر ) كما قال الحافظ (١).
وأَما الاضطرابُ في المتن: فالجوابُ بأَن مثلَ هذا غَيْرُ
قادحٍ في الاستدلال ، لأن من شرط الاضطراب المُوجِبِ لضعف
الحديث أن يتعذرَ الجمعُ على قواعد (٢) المحدثين، والجمعُ هنا
مُمْكِنٌ وذلك لأنه يحتمل أن يكون الراوي قد ترك بعض ألفاظ
الحديث تارة ثم ذكرها مرة أُخرى (٣). ومثل هذا كثير
في الأحاديث .
أما قولهم : إن لفظه : ( المعارف ) ليست عند أبي داود
فالجواب : قد ذكرها غيره ، فقد أوردها البخاري والإسماعيلي
والزيادة من العدل مقبولة .
وقال المجوزون أيضاً (٤) إن هذا الحديث وإن صح سندا
فلا نسلِّم دلالته على التحريم وذلك أن لفظة ( المعازف )
مُختلفُ في مدلولها لأنه يحتمل أن تكون بآلة أو بغير آلة ،
وإِذا كان اللفظ محتملا لأن يكون بينهما لم ينتهض للاستدلال
به ، لأنه إما أن يكون مشتركا فالأرجح التوقف.
(١) انظر الفتح ١٠ / ٥٤ .
( ٢) انظر مقدمة الفتح ( هدي الساري ) ص ٣٤٩ .
(٣) انظر نيل الأوطار ٨ / ١١٦.
( ٤ ) انظر المصدر السابق .
- ٣٢٥ -

أو يكون حقيقة ومجازا ولا يتعين المعنى الحقيقي
وقد أجاب الشوكاني (١) - رحمه الله - عن هذا: بأَنّه يدل
استعمال ما صدق عليه الاسم ، والظاهر الحقيقة في الكل من
المعاني المنصوص عليها عند أهل اللغة وليس من قبيل المشترك
لأن اللفظ لم يوضع لكل واحدة على حدة بل وضع للجميع على
أن الراجح جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد
وقال المجوزون أيضاً : يحتمل أن تكون المعازف المنصوص
على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية
( ليشرين ناس من أُمتى الخمر تروح عليهم القيان وتغدو عليهم
المعازف ) .
والجواب: ( أَن الاقتران لايدل على أن المحرم هو الجمع
فقط وإِلاَّ لَزْمَ أَن الزنا المصرح به في الحديث لايحرم إلا عند
شرب الخمر واستعمال المعازف واللازم باطل ، فالمزوم مثله
.(٢)
باطل (٢).
وأيضاً يلزم في مثل قوله تعالى: ((إِنَّهُ كانَ لَايُؤْمِنُ بِاللهِ
الْعَظِيمِ وَلَيَخُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ))(٣) أَنه لايحرم عدم
الإيمان بالله إِلاَّ عند عدم الحضِّ على طعام المسكين .
.(١) انظر نيل الأوطار ٨ / ١١٦.
( ٢ ) انظر المصدر السابق :
(٣) سورة الحاقة آية ٣٣ - ٣٤.
- ٣٢٦ -

فإن قيل : تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإِلزام
قد عُلِمَ من دليل آخر ، فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم
أيضاً من دليل آخر . هذا ومن الأدلة التي استدل بها القائلون
على تحريم الأغاني ما رواه أحمد في المسند (١) والبخاري فى
التأريخ الكبير (٢) من حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لَيَشْرَبَنَّ ناس من أُمتي
الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤسهم بالمعازف والمغنيات
إلخ الحديث .
وقال الحافظ (٣) رواه أحمد بلفظ ((ليستحلن طائفة من
أمتي الخمر » وسنده جيد .
والأحاديث التي وردت في ذم الأغاني كثيرة ولا تخلوا
أسانيدها من ضعف كما سيأتي إلا أن بمجوعها ترتفع إلى درجة
الحسن لغيره .
وقد قال الشوكاني (٤) تنتهض بمجموعها ولاسيما وقد حسن
بعضها فأَقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره ولاسيما
أحاديث النهي عن بيع المغنيات فإنها ثابتة من طرق كثيرة، أَ هـ
(١) ٥ / ٣٤٢.
(٢) ١ / ٣٠٥ وانظر تخريجه صفحة (٣٠٠).
(٣) انظر الفتح ١٠ / ٥١ .
( ٤) انظر نيل الأوطار ٨ / ١١٦ - ١١٧.
- ٣٢٧ -

قلت : وتتقوى هذه الأحاديث أيضاً بالآثار التي وردت عن
عن الصحابة والتابعين في ذم الغناء كقول ابن مسعود ( الغناء
ينبت النفاق في القلب)(١) وستأتي هذه الآثار في الفصل الثامن
إن شاء الله .
ثم إنه لا تعارض بين هذه الأحاديث والأحاديث التي
تقدمت في إباحة الغناء وضرب الدف في النكاح والعيدين ، لأن
تلك إنما وردت في الأشعار والأناشيد الحماسية التي كانت
تقال في الحروب ( والله أعلم ) .
أدلة القائلين بإباحة الغناء
أشهر ما استدل به المجوزون على إباحة الغناء مطلقاً حديث
عائشة المتقدم (٢) في قصة الجاريتين . قالت : دخل عليَّ أُبوبكر
وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان . . إلخ الحديث .
وقد بينا(٣) أنه لاحجة لهم فيه على إباحة الغناء مطلقاً لأن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علل ذلك بأنّه يوم عيد .
وقد قال أبو الطيب الطبري (4): أن هذا الحديث حجتنا
لأَن أَبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي - صلى الله
(١) انظر صفحة ( ٣٠١).
( ٢) انظر صفحة ٢٧٦ .
(٣) انظر صفحة ٢٧٨ .
(٤) انظر تلبيس أبليس ص ٢٣٨ .
- ٣٢٨ -

عليه وسلم - على أبي بكر قوله، وإنما منعه من التغليظ في الإنكار
لحسن رفقته لاسيما في يوم العيد وقد كانت عائشة صغيرةً
في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إِلا ذم
الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع
من سماعه (١)، وقد أخذ العلم عنها . وقال شيخ الإسلام ابن
تيمية (٢) : وفي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة
النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الاجتماع عليه ولهذا سماه
الصديق -رضي الله عنه - مزمور الشيطان، والنبي - صلى الله عليه
وسلم - أقر الجواري عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد، والصغار
يرخص لهم اللعب في الأعياد . أَهـ
وقال ابن القيم رحمه الله (٣) : إن هذا الحديث من أكبر
الحِجَج عليهم فإن الصديق الأكبر -رضي الله عنه - سمّى ذلك
مزموراً من مزامير الشيطان وأقره على هذه التسمية ورخص
فيه لِجُويرِيَتَيْن غير مُكلفتين ولا مفسدةً في انشادِهِما ، ولا في
استماعهما ، أَفيدل هذا على إباحة الغناء المشتمل على مالا يخفى ؟!
أَهـ . ( ملخصا ) ..
وقال الحافظ ابن رجب : في رسالته (٤) : إنما كانت دفوفهم
(١) سيأتي ما روي عن القاسم في ذم الغناء في الفصل الثامن.
(٢) انظر مجموعة الرسائل المنيرة ١٧١ .
(٣) انظر مدارج السالكين ١ / ٤٩٣ .
(٤) نزهة السماع مخطوط الجامعة ق ٤ .
- ٣٢٩ -

نحو الغرابيل(١) وإنشادهم وَغِنَاهُمْ (٢) بأشعار الجاهلية في أيام
حروبهم وما أشبه ذلك فمن قاس ذلك السماع على سماع الغزل
مع الدفوف المصلصلة فقد أخطأُ غاية الخطأ وقاس مع ظهور
الفرق بين الفرع والأصل ، أهـ
واستدل ابن حزم على إباحة سماع الغناء بالعود وبيع
المغنية بما ذكره في المحلى عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن
جعفر - رضي الله عنهما - في قصة الجارية الأجنبية التي غَنَّت
بالعود أَو بالدفِ وأن ابن عمر - رضي الله عنه- سمع الغناءَ منها
بعود ثم سعَى في بَيْعِهَا وهذه نص القصة التي ذكرها في المحلى
(٣)
قال : ومن طريق حمادٍ بن زيدٍ أَخبرنا أيوب السختياني
وهشام بن حسان ، وسلمة بن كهيل دخل حديث بعضهم في
بعض كلهم عن محمد بن سيرين ، أن رجلا قدم المدينة بجوار
فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن
فَأَحْدَتْ (٤) قال : أَيوب بالدف وقال هشام بالعود حتى ظن
ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك ، فقال ابن عمر : حسبك سائر
اليوم من مزمور الشيطان - فساومه ، ثم جاءً الرجل إلى ابن عمر
ءَ
فقال : يا أبا عبد الرحمن إني غبنت بسبعمائة درهم ، فأتى
(١) قوله : الغرابيل - جمع غربال وهو الدف المصنوع من جلد.
(٢) هكذا في المخطوطة والصواب : غناءهم .
(٣) انظر المحلى ٩ / ٧٧ .
( ٤) أي غنت .
- ٣٣٠ -

ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال : إنه غبن بسبعمائة درهم
فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه .
فقال : بل نعطيها إياه .
ثم قال ابن حزم ((فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في
بيع المغنية وهذا أسانيد صحيحة لاتلك الملفقات الموضوعة أهـ .
أَقول وبالله التوفيق : الجواب على هذا من عدة وجوه :
أَحدها : أن هذه القصة التي ساقها ابن حزم منقطعة السند
فيما بينه وبين حماد بن زيد وأيضاً بين ابن سيرين
وبين قوله : ( أَن رجلا ) وفيها أيضاً رجل مبهم وهذا كله
يمنع صحة هذه القصة .
الثاني : أنه قد ثبت عن ابن عمر - رضي الله عنهما - كما
تقدم(١) في حديث نافع أنه قد سد أَذنيه ونآتى عن الطريق
لما سمع زمارة راع .
وهذا الحديث الثابت المشهور يناقض هذه القصة التي
استدل بها ابن حزم على إباحة الغناء .
الثالث : ما رواه البخاري في الأدب (٣) المفرد من حديث
عبد الله بن دينار قال : خرجت مع عبد الله بن عمرَ إلى السوق
(١) انظر صفحة ٢٠٥ - ٢٠٦ .
(٢) انظر الأدب المفرد ص ٢٧٤ ( باب اللهو والغناء ) .
- ٣٣١ -

فمر على جارية صغيرة تغني فقال : إن الشيطان لوترك أحدا لترك
هذه الجارية .
فإذا كان هذا قولُ ابن عمر - رضي الله عنهما - في جارية
صغيرة فكيف يُظَنّ به أنه استمع إلى غناءِ الجارية الكبيرة
ے
الأجنبية وضربها بالعود ثم سعيه في بيعها ؟ هذا باطل قطعاً
يتنافي كليةً مع سيرة ابن عمر المشهورة بالورع والصلاح
ثم إن قوله ( فهذا ابنُ عمر قد سمع الغناء ) لا يتفق أبداً
مع قول ابن عمر في نفس القصة قبل ذلك بسطرين ( حسبك
سائر اليوم من مزمور الشيطان ) وكذلك قوله : ( إن بنَ عِمرَ
سَعَى في بيع المغنية) قولة شنيعة (١) لاينبغي أن تنسب إلى
صحابي جليل كابن عمر رضي الله عنه . والله المستعان .
هذا وقد قال ابن حجر الهيتمي عقبَ ذِكِرِهِ لهذه القصة في
كف الرعاع (٢) ((زَعْمُ ابن حزم أَن عبد الله بن عمر وعبد الله بْنَ
جعفر سمعا الغناءَ من تهوره ومجازفته ومن ثمّ قال الأئمةُ في
الرد عليه لم يثبت ما زعمه عنهما ، وحاشا ابن عمر من ذلك
مع شدة ورعه وتحریه أ هـ
الرابع : إِننا نطالب من ادعى صحةً هذه القصةَ بإِبراز
أَسنادها لنعْلَمَ حال رجاله فلعل الآفة فيه ممن دون حماد بن
(١) انظر تعليق الأستاذ محمد خليل هراس في المحلى ٩ / ٧٧ .
(٢) كف الرعاع طبع الز واجر ١ / ١٤٠ .
- ٣٣٢ -

زيد (١) وعلى فرض أنها قصةٌ صحيحة فليس لابن حزم أن
يحتج بها لأنه قد تقرر في مذهبه كما في المحلى (٣) وذلك في أثناء
كلامه على تفسير ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما -
لقول الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ )
الآية بأنه الغناء، قال لاحجة لأحد دونَ رسول الله -صلى الله
عليه وسلم - وفي تقريره لهذا المذهب ثم احتجاجِهِ بهذا الأثرِ
المنقطعِ تناقضٌ كبيرٌ . ثم إن الأحاديث والآثار التي ذكرها
في ذم الغناء والمعازف وردها ليست كلَّها بملفقات أو موضوعة
كما زعم ، بل فيها الصحيحُ ، والحسنُ والضعيفُ .
وعلى تقدير أنها ضعيفةُ كلها تتقوى فترتفع إلى درجة
الحسن لغيره .
وقد قال الصنعاني في توضيح الأفكار (٣) : منها حسن ومنها
ھو
ما فيه لين وبمجموعها يَثْبُت الحكمُ .
واحتج ابن طاهر القيسراني على إباحة الغناء بحديث رواه
في ( صفوة التصوف ) فيما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في
أحاديث القصاص(٤) وأخرجه من طريقه السهروردي في ( عوارف
(١) انظر فصل الخطاب للتويجري ٢٣٠ .
(٢) المحلى ٩ / ٧٥ .
(٣) ١ / ١٤٥ .
(٤) ص ٧٦ وانظر الرسائل المنيرية ٢ / ١٦٩.
- ٣٣٣ -

المعارف(١) ) قال أخبرنا أبو زرعة طاهرُ عن والده أبي الفضل
محمد بن طاهر المقدسي ، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بنُ
عبد الملك المظفري بسرخس ، قال أخبرنا أبو علي الفضل بن
كليب ، قال أخبرنا أبو بكر عمار بنُ إسحاق ، قال : حدثنا
سعيد بن عامر ، عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب ، عن
أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم
فقال : هل فيكم مَنْ يُنْشِدنًا ؟ .
فقال : بدوي : نعم يارسولَ الله ، فقال : هات فأنشأ:
فلا طيبَ لها ولا راقي
قد لسعت حيةُ الهوی کبدي
فعنده رقيتي وترياقي
إِلا الحبيبَ الذي شَغِفْتُ به
قال: فتواجد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- وتواجد(٢) معه
أصحابه حتى سقط رداؤه عن منكبيه ( أو البردة عن كتفيه )
فَتَقاسمَها فقراء الصفة وجعلوها رقعاً في ثيابهم فقال معاوية :
ما احسنَ لَهْوُكم ؟: فقال مهلاً يامعاوية ليس بالكريم من المـ
يتواجد عند ذكر الحبيب )) أهـ .
(١) ص ١٢٠١.
(٣) الوُجدُ كما يُفهم ذلك من كلام الغزالي في الإحياء ٢ / ٢٨٩ حالةٌ نفسية
وانفعالاتٌ باطنيةٌ يثيرها السماع والغناء كالشوق والخوف والحزن والقلق
والسرور . والتواجد انفعالات نفسيةٌ متبادلةٌ متكلفةٌ بين جماعةٍ يسمعون
الغناء .
- ٣٣٤ -

قال ابن طاهر : وهذا الحديثُ نَصّ على مذهب الصوفية
كان معلوماً عندهم ، معمولا بينهم ، فانكارهم جهل بالمنقول
والتمادي على انكاره بعد هذا ليس له محصول أهـ .
أَقول وبالله التوفيق : إن هذا الحديثَ باطلٌ لم يصحْ
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إطلاقاً وإنما ذكرته هنا
لاكشفَ بطلانه وعلةُ الوضعِ ظاهرةٌ فيه ، فإن عمار بن إسحاق
المذكور فيه متهم بالوضع .
وقد أَشار الذهبي إلى ذلك فقال (١) : عمار بن إسحاق الضبي
كأنه واضع هذه الخرافة التي فيها ( قد لسعت حية الهوى كبدي )
وقال السهروردي (٢): ويخالج سري أنه غيرُ صحيح،
ولم أجد فيه ذوقَ اجتماعٍ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه ،
وما كانوا يعتمدونه على ما بلغنا في هذا الحديث ويأبى القلب
قبوله ( والله أعلم بذلك) أهـ .
وقال شيخالإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في أحاديث
القصاص (٣) هذا كَذِبٌ باتفاق أهل العلم بالحديث ، لأنه من
الأحاديث المكذوبة .
وقال محمد المنيحي الحنبلي في كتاب ( الرقص والسماع )
( ١) انظر الميزان ٢ / ١٦٤.
(٢) انظر عوارف المعارف ص ١٢١ .
( ٣) ص ٧٧ .
- ٣٣٥ -

المطبوع في الجزء الثالث من مجموعة الرسائل المنيرية (١)
٣
الحديث الذي ذكره محمد بن طاهر المقدسي في مسألة السماع
في ( صفوة التصوف ) ورواه من طريقه الشيخ أبو حفص
السهروردي (صاحب عوارف المعارف) هو حديث مكذوب موضوع
باتفاق أهل العلم .
وقد أورد هذا الحديث المكذوب كل من السخاوي في
المقاصد الحسنة (٢) وابن الديبع في التمييز الطيب (٣) من الخبيث
وعلى القاريء في الأسرار المرفوعة (٤) والسيوطي في الحاوي".
والدرر المنتثرة(٦) في الأحاديث المشتهرة وابن عراق في تنزيه
الشريعة (٧) والعجلوني في كشف الخفاء(٨) والشوكاني في الفوائد
المجموعة (٩) .
وأطال الهيتمي في رد هذا الحديث كما في كف الرعاع.
(١) ٣ / ١٦٩.
(٢) ص ٣٣٣ .
(٣) ص ١٢٤ ..
( ٤) ص ٢٧٩ .
( ٥) ١ / ٥٦٦.
(٦) ص ٢٨٢ .
(٧) ٢ / ٢٣٣.
(٨) ١٤١/٢.
(٩) ص ٢٥٤ .
(١٠) انظر كف الرعاع طبع الزواجر ١ / ٤٢ - ٤٣).
- ٣٣٦ -

واتهم فيه ابن طاهر (١) في تدليسه حيث أسقط واضعه من
السند وذكر بعض رواته الذين لامطعن فيهم ليؤُهِمَ الناسَ
أنه على شرط الصحيحين فيكون حجة على إباحة الرقص
والغناء أهـ.
(١) ابن طاهر هو الحافظ الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر ، المقدسي القيسراني
أثنى عليه شيخ الاسلام فقال : له فضيلة جيدة في معرفة الحديث ورجاله ،
وهو من حفاظ وقته . ( انظر الرسائل المنبرية ص ١٨٥ ).
وقال الذهبي في التذكرة ص ١٢٤٢: العالم المكثر الجوال أبو الفضل المقدسي
قال السمعاني : سألت أبا الحسن الكرخي الفقيه عن ابن طاهر فقال : ما كان
على وجه الأرض له نظير وكان داودى المذهب ...
وقد اتهم هذا الإمام بالإباحية مرة ، والميل إلى مذهب الصوفية مرة أخرى .
وممن تزعم الحملة عليه ابن ناصر كما في التذكرة وابن الجوزي كما في المنتظم
(٩ / ١٧٧ - ١٧٨) وتلبيس إبليس (٢٤٠ - ٢٤١).
قال ابن ناصر ( ابن طاهر لا يحتج به ، صنف في جواز النظر إلى المرد ، وكان
يذهب مذهب الإباحة ) وتعقبه الذهبي بقوله قلت معلوم جواز النظر إلى الملامح
عند الظاهرية ، وهو منهم ( انظر تذكرة الحفاظ ١٢٤٢ ).
وقال ابن الجوزي : صنف كتابا سماه ( صفوة التصوف ) يضحك من رآه
ويعجب من استشهاداته بالأحاديث التي لاتناسب ، فمن اثنى عليه فلحفظه .
في الحديث والأَّ فالجرحُ أولى به أ هـ ( بتصرف ) .
وانتقد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عن مالك من إباحة الغناء والضرب
بالعود .
فقال : ومن ذكر عن مالك أنه ضرب بالعود فقد افترى عليه ، وإنما نَبهْتُ
على هذا لأن فيما جمعه أبو عبد الرحمن السلمي ، ومحمد بن طاهر المقدسي
في ذلك حكايات وآثار ، يَظُنُّ من لاخبرة له بالعلم وأحوال السلف أنها
صدق أ هـ ( انظر الرسائل المنبرية ص ١٨٥ ).
توفي ابن طاهر في ربيع الأول من عام سبع وخمسمائة سنة ٥٠٧ رحمه الله .
- ٣٣٧ -

الحديث السابع والعشرون :
قال أحمد (١) : حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر
،
قال : أتيت فرقدا يوما فوجدته خاليا ، فقلت : يا ابنَ أمَ
فرقد لأسألنك اليوم عن هذا الحديث ، فقلت : أخبرني عن
قولك في الخسف والقذف ، أَشيء تقوله أَنت أَو تَأْثُرُهُ عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .
قال : بل آثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت : وَمَنْ حدثك ؟ قال : حدثني عاصم بن عمرو البجلي
عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: وحدثني قتادة عن
سعيد بن المسيب، وحدثني به إبراهيم النخعي أَن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : تبيتُ طائفةٌ من أُمَّي على أَكل
وشُرْب، وَلَهْو ، وَلَعِبٍ ، ثم يصبحون قردةً وخنازير فَيَبْعَثُ
على أحياءٍ من أحيائهم ريحٌ فَتَنْسُفُهم كما نسف من كان قبلهم
(٢)
باستحلالهم الخمور ، وضربهمِ بالدفوف واتخاذِهِم القينات
( ١ ) المسند ٥ / ٢٥٩ .
(٢) ورواه أيضاً الطيالسي في مسنده ٢ / ٥٧ مطولا.
وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ( ٥٤٤ / ق ٧٨ ) والطبراني في المعجم الصغير
١ / ٦٢ مختصراً، وأبو نعيم في الحلية ٣ / ١١٩ بسياق آخر من حديث
أبي هريرة .
وابن حزم في المحلى ٩ / ٧١ .
وقال الطبراني : لم يَرْوِهِ عن قتادة إلا فرقدْ، ولا عن فرقدْ إلا جعفر ولا عن
جعفر إلا أبو داود ، تفرد به علي بن يونس .
- ٣٣٨ -

.
-رجال السند :
أ - سيار بن حاتم العنزي ، أبو سلمة البصري: صدوق له أوهام ، من كبار التاسعة
مات سنة مائتين أو قبلها / ت س ق ( التقريب ١ / ٣٤٣) .
ب- جعفر بن سليمان الضبي أبو سليمان: صدوق زاهد ، من الثامنة / بخ م عم
( التقريب ١ / ١٣١ ).
جـ ــ فرقد بن يعقوب السبخي أبو يعقوب البصري : صدوق عابد ، لكن لين الحديث
كثير الخطأ ، من الخامسة / ت ق .
( التقريب ١ / ١٠٨ ) .
هـ - قتادة : تقدمت ترجمته في صفحة ١٦٩.
و - إبراهيم النخعي : تقدمت ترجمته في صفحة ١٧٨ .
ز - عاصم بن عمرو البجلي الكوفي صدوق: رمي بالتشيع ، من الثالثة / ت (التقريب
١ / ٣٨٥ ) .
حـ- أبو أمامة البلوي: صحابي معروف مختلف في اسمه له حديث/م عم ( التقريب
٢ / ٣٩٢ ) .
درجة الحديث بهذا السند :
ضعيف لأن مداره على فرقد السبخي إلا أن له شواهد من حديث أبي هريرة
وحديث سهل بن سعد .
أما حديثُ أبي هريرةَ فأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٥٤٤ / ق : ٧٥)
والحاكم في المستدرك ٤ / ٤٣٧ من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم- قال: والذي بعثني بالحق لاتنقضي هذه الدُنيا
حتى يقعَ الحسفُ والمسخُ والقذف قالوا ومتى ذلك يانبي الله بأبي أنت وأمي ؟
قال : إذا رأيت النساء قد ركبن السروجُ وكَثُرت القيناتُ .. الخ الحديث وفي
سنده سليمان بن أبي سليمان اليمامي. قال الذهبي في تلخيصه على المستدرك. ضعفوه .=
- ٣٣٩ -
- .

الحديث الثامن والعشرون :
قال أبو داود(١) : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا
حماد عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن
الوليد بن عبدة عن عبد الله بن عمرو أن النَّبِي -صلى الله عليه
= وقال في الميزان ٢ / ٢٠٢ قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري منكر
الحديث .
وقال آخرون : متروك ( أه ملخصاً ) .
وأما حديث سهل بن سعد : فأخرحه أيضاً ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ( ٥٤٤/ق
٧٨) والخطيب البغدادي في تأريخه ١٠ / ٢٧٣ من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد
الساعدي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يكون في أمتي خسفٌ
ومسخٌ وقذفٌ، قيل: يارسولَ اللّه ومتى يكونُ ذلك؟ قال إذا ظهرت المعازفُ
والقيناتُ والخمورُ .
وفي سنده : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . قال الحافظ في التقريب ١ / ٤٨٠ :
ضعيف من الثامنة .
وقد وردت أحاديث أخرى أيضاً في هذا المعنى أخرجها ابن أبي الدنيا في ذم
الملاهي ولاتخلوا أسانيدها من ضعف إلا أن بمجموعها ترتفع إلى درجة الحسن
لغيره . ( والله أعلم) .
وقال الحافظ ابن رجب في رسالته نزهة السماع ( مخطوط الجامعة ق ٤ ) لكن
تقوى بانضمام بعضها إلى بعض ويعضد بعضها بعضا أهـ .
وقال الحافظ بن القيم في إغاثة اللهفان ١ / ٢٨٤: قد تَظَاهَرت الأخبار
بُوقوع المسخِ في هذه الامة وهو مقيدٌ في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء وشاربي
الخمور وفي بَعْضِها مطلقٌ. أهـ
(١) سنن أبي داود: كتاب الأشربة ٢ / ٢٩٥
- ٣٤٠ -