Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ کتاب الوصايا وعلى هذا إذا أوصى بغلة نخل أبر لرجل، ولآخر برقبته، ولم تدرك أو لم تحمل، فالنفقة في سقيها والقيام عليها على صاحب الرقبة، فإذا أثمرت فالنفقة على صاحب الغلة؛ لأنها إذا لم تدرك أو لم تحمل فصاحب الغلة لا ينتفع بها، فلا يكون عليه نفقتها، وكانت على صاحب الرقبة لإصلاح ملكه إلى أن تثمر، فإذا أثمرت فقد صارت منتفعاً بها في حق صاحب الغلة، فكانت عليه نفقتها، فإن حملت عاماً واحداً ثم حالت ولم تحمل شيئاً، فالقياس أن لا يكون عليه نفقتها في العام الذي حالت فيه؛ لأنه لا ينتفع بها فيه. وفي الاستحسان عليه نفقتها؛ لأن بانعدام حملها عاماً لا تعد منقطعة المنفعة؛ لأن من الأشجار ما لا يحمل كل عام، ولا يعد ذلك انقطاع للنفع، بل يعد نفعاً ونماءً، وكذا الأشجار لا تخرج إلا في بعض فصول السنة، ولا يعد ذلك انقطاع النفع، بل يعد نفعاً ونماء، حتى كانت نفقتها على الموصى له بالغلة؛ فكذا هذا. فَإِن لم ينفق الموصى له بالغلة وأنفق صاحب الرقبة عليها حتى حملت، فإنه يستوفي نفقته من ذلك الحمل، وما يبقى من الحمل فهو لصاحب الغلة؛ لأنه فعل ذلك مضطرًا لإصلاح ملك نفسه ودفع الفساد عن ماله، فلم يكن متبرعاً، فله أن يرجع فيما حملت؛ لأنه إنما حصل هذه الفائدة بسبب نفقته. ولو هلكت الغلة قبل أن تصل إلى صاحب الغلة، ليس له أن يرجع عليه بما أنفق؛ لأن هذا ليس بدين واجب عليه، وإنما هو شيءٌ يفتى به ولا يقضى، ولو جنى العبد جناية، فالفداء على صاحب الخدمة، لأن منفعة الرقبة له، فكان الفداء عليه؛ لقول النبي وَله: ((الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)) (١) وصار كعبد الرهن إذا جنى جناية أن الفداء على المرتهن؛ لأنه هو المنتفع به بحبسه في دينه، أو يقال: إن الفداء على صاحب الرقبة؛ لأن الجناية حصلت من الرقبة حقيقة، والرقبة له، ولكن يقال لصاحب الخدمة؛ إن حقك يفوت لو فدى صاحب الرقبة أو دفع، وَإِن أردت أن تحيي حقك، فَأْدِ . وهكذا يقال للمرتهن في العبد الرهن إذا جنى؛ لأن الرقبة للراهن، فإذا فدى صاحب الخدمة فقد طهره عن الجناية، فتكون الخدمة على حالها، وإن أبى أن يفدي، يقال لصاحب الرقبة: ادفعه أو أفده؛ لأن الرقبة له، وأي شيء اختاره بطل حق صاحب الخدمة، أما إذا دفع فلا شك فيه؛ لأنه بطل ملك الموصى له بالخدمة بالدفع، فلا يستحق الخدمة على ملك غيره، وكذلك إذا أفدى؛ لأنه يصير كالمشتري منهم الرقبة، فيتجدد الملك، ويبطل حكم الملك الأول فيه، فإن مات صاحب الخدمة وقد فدى قبل ذلك، بطلت وصيته؛ لما قلنا إن ملك (١) تقدم. ٥٨٢ کتاب الوصايا المنفعة بالوصية، بمنزلة ملك المستعير والعارية تبطل بموت المستعير؛ لأن المعير ملك المنفعة منه، لا من غيره؛ کذا ههنا. ويقال لصاحب الرقبة: أَدِّ إلى ورثته الفداء الذي فدى؛ لأنه تبين أن الفداء كان عليه لا على صاحب الخدمة؛ لأنه إنما التزم ذلك على ظن أن كل منفعة الرقبة مصروف إليه، ومتى ظهر أنه مصروف إلى غيره، ظهر أنه على غيره، فتبين أنه تحمل عن غيره وهو صاحب الرقبة إحياء لملكه وهو مضطر فيه فرجع عليه، وليس لصاحب الرقبة أن ينتفع به ما لم يدفع إليهم ما دفع صاحب الخدمة من الفداء، فإن أبى صاحب الرقبة دفع ذلك الفداء إلى ورثة صاحب الخدمة، بيع العبد فيه، وكان بمنزلة الدين في عنقه؛ لأن هذا الدين وجب بسبب كان في رقبته، فصار كسائر الديون. ولو لم يجن العبد ولكن قتله رجلٌ خطأ، فعلى عاقلة القاتل قيمته يشتري بها عبداً يخدم صاحب الخدمة؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل؛ كالعبد الرهن إذا قتل في يد المرتهن وغرم القاتل قيمته، يكون رهناً مكانه؛ بخلاف العبد المستأجر إذا قتل وغرم القاتل القيمة أنه لا يشتري بها عبداً آخر حتى يستعمله المستأجر؛ لأن القاتل يغرم القيمة دراهم أو دنانير، والدراهم والدنانير لا يجوز استئناف عقد الإجارة عليها، فلا يبقى عليها العقد فتبطل، ويجوز استئناف عقد الوصية على الدراهم والدنانير، فجاز أن تبقى عليها، فيشتري بها عبد آخر يقوم مقام الأول. وَإِن كان القتل عمداً فلا قصاص على القاتل، إلا أن يجتمع على ذلك صاحب الرقبة وصاحب الخدمة؛ لأن لصاحب الرقبة ملكاً، ولصاحب الخدمة حق يشبه الملك، فصار كعبد بين شريكين قتل عمداً؛ أنه لا ينفرد أحدهما باستيفاء القصاص، كذا هذا. وَإن اختلفا في ذلك؛ بأن طلب أحدهما القصاص ولم يطلب الآخر، سقط القصاص للشبهة، وصار مالاً، فصار بمعنى الخطأ، فيشتري به عبداً للخدمة؛ كما لو كان القتل خطأ. ولو فَقَاً رجل عينيه، أو قطع يديه، دفع إليه العبد وأخذ قيمته صحيحاً، فاشترى بها عبداً مكانه؛ لأن فقأ العينين وقطع اليدين بمنزلة استهلاكه، إلا أنه مما يصلح خراجاً بضمان، فيضمن قيمته ويأخذه خراجاً بضمانه، ثم يفعل بالقيمة ما وصفنا؛ وهو أن يشتري بها عبداً للخدمة . ولو فقأت عينه أو قطعت يده أو شج موضحة، فأدى القاتل أرش ذلك، فهذا على وجهين: إما إن كانت الجناية تنقص الخدمة، وإما إن كانت لا تنقص، فإن كانت تنقص، فإن اتفق الموصى له بالرقبة والموصى له بالخدمة على أن يشتريا بالأرش عبداً، بأن كان الأرش يبلغ قيمة عبد حتى يخدم الموصى له بالخدمة مع العبد الأول فَعَلاَ ذلك، وجاز. ٥٨٣ كتاب الوصايا وَإن اتفقا على أن يباع هذا العبد ويضم ثمنه إلى ذلك الأرش، فاشتريا بهما عبداً آخر، جاز أيضاً؛ لأن الجناية إذا كانت تنقص الخدمة كان لكل واحد منهما حق في ذلك الأرش، فكان لهما أن يتفقا على أحد هذين الشيئين. وَإِن اختلفا ولم يتفقا، فلا يباع العبد الموصى به؛ لأن لكل واحد منهما حق، فلا يباع إلا برضاهما، ويشتري بالأرش عبد لخدمتهما، حتى يقوم مقام الجزء الفائت، فإن لم يؤخذ بالأرش عبد، يوقف ذلك حتى يصطلحًا عليه، فإن اصطلحًا على أن يقتسماه نصفين، جاز؛ لأن الحق لهما، وإذا اقتسماه جاز ذلك. وإن لم يصطلحا لا يقضي القاضي بشيء، ولكن يوقف ذلك المال، وإن كانت الجناية لا تنقص الخدمة، فوصيته على حالها، والأرش لصاحب الرقبة، لأن الأرش بدل جزء من أجزاء الرقبة، فيكون لمالك الرقبة. ولو كان لرجل ثلاثة أعبد، فأوصى برقبة أحدهم لرجل، وأوصى بخدمة آخر لرجل آخر، ولا مال له غيرهم، وقيمة الذي أوصى بخدمته خمسمائة، وقيمة الذي أوصى برقبته ثلثمائة، وقيمة الباقي ألف درهم، فالثلث بينهما على ثلاثة أسهم، الذي أوصى برقبته ثلثمائة، وقيمة الباقي ألف درهم، فالثلث بينهما على ثلاثة أسهم، والأصل أن الوصية بالخدمة تعتبر من الثلث؛ كالوصية بالرقبة؛ لأن الوصية بالخدمة وصية بحبس الرقبة عن الوارث، فيعتبر من الثلث . وإذا عرف هذا فجميع مال الميت ألف وثمانمائة درهم، ثلثها ستمائة وجميع سهام الوصايا ثمانمائة، فإذا زادت سهام الوصايا على ثلث المال مائتين، وذلك بالنسبة إلى سهام الوصايا ربعها، فينقص من وصية كل واحد منها مثل ربعها، وينفذ في ثلاثة أرباعها، فيكون ثلاثة أرباع وصيتهما وثلث المال سواء، فأما قيمة العبد الموصى له برقبته، فثلثمائة، فينقص منه ربعها، وذلك خمسة وسبعون، وينفذ الوصية في ثلاثة أرباعها، وذلك مائتان وخمسة وعشرون، وقيمة العبد الموصى له بخدمته خمسمائة، فينقص منه ربعها؛ وذلك مائة وخمسة وعشرون، وتنفذ الوصية في ثلاثة أرباعها؛ وذلك ثلاثمائة وخمسة وسبعون، فيضم إلى وصية صاحب الرقبة؛ وذلك مائتان وخمس وعشرون، فيصير ستمائة؛ وذلك ثلث المال وخمسة وسبعون من العبد الموصي برقبته، ومائة وخمسة وعشرون من العبد الموصي بخدمته؛ يضم إلى العبد الباقي وقيمته ألف درهم، فصار ألفاً ومائتين، وذلك ثلثا المال، فاستقام على الثلث والثلثين. وإذا نفذت الوصية في ثلاثة أرباع العبد الموصي بخدمته، يخدم الموصى له ثلاثة أيام والورثة يوماً واحداً، فإن مات صاحب الخدمة استكمل صاحب الرقبة عبده كله؛ لأن وصية ٥٨٤ كتاب الوصايا صاحب الخدمة قد بطلت بموته، وبقيت وصية صاحب الرقبة، وهي تخرج من الثلث، فتكون له. وكذلك إن مات العبد الذي كان يخدمه، كان العبد الآخر كله لصاحب الرقبة؛ لأن التوزيع والتقسيم إنما كان بينهما لثبوت حقهما، فإذا ذهب أحدهما، صار كأنه أوصى له وحده، فيعتبر من الثلث، وهو يخرج من الثلث. ولو كانت قيمة العبيد سواء، كان لصاحب الخدمة نصف خدمة العبد، ولصاحب الرقبة نصف رقبة الآخر؛ لأن قيمة العبد خمسمائة، وقيمة العبدين اللذين أوصى بهما ألف درهم، قيمة كل واحد خمسمائة، فصار ثلث ماله خمسمائة، فيقسم الثلث بينهما، فصح من وصية كل واحد منهما نصفان، فيكون لصاحب الرقبة نصف الرقبة، وللموصى له بالخدمة نصف الخدمة، يخدمه يوماً، والورثة يوماً، وإنما يضرب لصاحب الخدمة كما يضرب لصاحب الرقبة؛ لما ذكرنا أنه أوصى بحبس الرقبة عن الوارث؛ فكأنه أوصى بالتمليك لانقطاع حق الورثة، فهي والوصية بالتمليك سواءً. وَلَوْ أَوْصَى بالعبيد كلهم لصاحب الرقبة وبخدمة أحدهم لصاحب الخدمة، لم يضرب صاحب الرقاب إلا بقيمة واحد منهم، ويضرب الآخر بخدمة الآخر فيكون كالباب الذي قبله، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لأن الموصى له بالرقاب في الحكم كأنه أوصى له برقبتين؛ لأن العبد الذي أوصى بخدمته لغيره، هو ممنوعٌ؛ لأنه مشغول بحق غيره، فما دام مشغولاً جعل کأنه لم یوص له به. ومن أصل أبي حنيفة أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث، فالموصى له بالعبدين ههنا لا يضرب إلا بالثلث، وهو عبد واحد، والموصى له بالخدمة يضرب أيضاً بعبد واحد، فيصير الثلث بينهما نصفين؛ لكل واحد منهما نصف الرقبة، فالذي أوصى له بالعبدين له نصف العبد في العبدين جميعاً؛ لأن حقه في العبدين فيكون له من كل عبد ربعه، والموصى له بالخدمة له نصف العبد الذي أوصى له بخدمته، يخدم الموصى له يوماً والورثة يوماً؛ كما في الفصل الأول. وأما على قولهما الموصى له بالرقاب، يضرب بالعبدين، والموصى له بخدمة العبد يضرب بعبد واحد، فيصير الثلث بينهما أثلاثاً، سهمان لصاحب الرقاب، وسهمٌ لصاحب الخدمة، فلما صار الثلث على ثلاثة صار الثلثان على ستة، والجميع تسعة كل عبد ثلاثة أسهم، فللموصى له بالرقاب سهمان في العبدين من كل رقبه سهم، وللموصى له بالخدمة سهم في العبد الذي أوصى له بخدمته، يخدم العبد الموصى به للموصى له بالخدمة يوماً، وللورثة يومين، فحصل للموصى لهما ثلاثة أسهم وللورثة ستة أسهم ٥٨٥ کتاب الوصايا ولو كانوا يخرجون من الثلث، كان لصاحب الرقبة ما أوصى له به، ولصاحب الخدمة ما أوصى له به؛ لأن كل واحد منهما يصل إلى تمام حقه، ولو لم يكن له مال غيرهم، فأوصى بثلث كل عبد منهم لفلان، وأوصى بخدمة أحدهم لفلان؛ فإنه يقسم الثلث بينهما على خمسة أسهم، لصاحب الخدمة ثلاثة أخماس الثلث في خدمة ذلك العبد، يخدمه ثلاثة أيام ويخدم الورثة يومين، فيكون للآخر خمس الثلث في العبدين الباقيين في كل واحد منهما خمس رقبته. وجه ذلك أن الموصى له بالرقاب لا حق له في العبد الذي أوصى بخدمته، ما دام الموصى له باقياً، فصار كأنه أوصى بخدمة أحدهم لرجل ويثلث العبدين الآخرين لرجل، فاجعل كل ثلث سهماً، فيضرب صاحب الرقبة بثلث كل عبد؛ وذلك سهمان، ويضرب صاحب الخدمة بالجميع؛ وذلك ثلاثة أسهم؛ فاجعل ثلث المال على خمسة فيقسم بينهما لصاحب الرقبة سهمان، في كل عبد من العبدين سهم، ولصاحب الخدمة ثلاثة أسهم في العبد الموصى له بخدمته، فيخدمه ثلاثة أيام وللورثة يومين، فجميع ما حصل للموصى لهما خمسة أسهم، سهمان للموصى له بالرقبة وثلاثة أسهم للموصى له بالخدمة، وجميع ما حصل للورثة عشرة أسهم، ثمانية أسهم في العبدين في كل عبد أربعة، وسهمان من العبد الموصى له بالخدمة، فاستقام على الثلث والثلثين. ولو كان أوصى بثلث ماله لصاحب الرقاب، وبخدمة أحدهم بعينه لصاحب الخدمة، ولا مال غيرهم له، قسم الثلث بينهما نصفين. ووجه ذلك أن العبد الموصي بخدمته اجتمع فيه وصيتان: وصية بجميعه ووصية بثلثه؛ لأنه أوصى له بثلث ماله، وخدمة العبد مال؛ ألا ترى أن من أوصى لآخر بخدمة عبده، اعتبر ذلك من الثلث، بخلاف ما ذكرنا في المسألة الأولى أنه إذا أوصى له بثلث الرقاب أن الموصى له بالرقاب لا حق له في العبد الذي أوصى بخدمته، ما دام الموصى له باقياً؛ لأنه أوصى له بالرقبة، والخدمة ليست من الرقبة في شيء، وههنا أوصى له بالمال والخدمة مال؛ فلذلك قلنا إنه إذا اجتمع في العبد الموصي بخدمته وصيتان، وصية بجميعه ووصية بثلثه، فالثلثان لصاحب الخدمة بلا منازعة، والثلث بينهما نصفان، فيجعل العبد على ستة أسهم، أربعة أسهم خلت عن دعوى صاحب الثلث، وسلمت لصاحب الخدمة بلا منازعة، وسهمان استوت منازعتهما فيهما، فينقسم بينهما لكل واحد منهما سهم، فصار لصاحب الخدمة خمسة أسهم، ولصاحب الثلث سهم، فإذا صار هذا العبد على ستة أسهم صار العبدان الآخران على اثني عشر، فثلثها أربعة ضمت إلى ستة فتصير عشرة، فهذه جملة وصاياهم، فاجعل هذا ثلث المال وثلثاه مثلاه عشرون، وجميع المال ثلاثون، فيتبين أن كل عبد صار عشرة، فالعبد الموصي بخدمته عشرة، يخدم الموصى له بخدمته خمسة أيام، وللورثة أربع أيام، ويخدم صاحب الثلث يوماً، ٥٨٦ کتاب الوصايا ولصاحب الثلث من العبدين الآخرين أربعة أسهم، فتصير الوصية عشرة، ستة في العبد الموصي بخدمته، وأربعة أسهم في العبدين الباقيين، وللورثة عشرون في كل عبد من الباقيين ثمانية أسهم وأربعة من الموصي بخدمته، فاستقام على الثلث والثلثين، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -. وأما على قولهما فإنهما يسلكان مسلك العول، فالعبد الذي أوصى بخدمته اجتمع فيه وصيتان: وصية بجميعه ووصية بثلثه، ومخرج الثلث ثلاثة، فصاحب الجميع يضرب بالجميع ثلاثة، وصاحب الثلث يضرب بالثلث سهم، وصار هذا العبد على أربعة، فلما صار هذا العبد على أربعة صار العبدان الآخران كل واحد منهما على ثلاثة؛ بغير عولٍ؛ لأنه لا حاجة إلى العول في ذلك، فالثلث بينهما سهمان ضمه إلى أربعة، فيصير ستة، فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه اثنا عشر، والجميع ثمانية عشر، فتبين أن العبد الموصي بخدمته صار على ستة، يخدم لصاحب الخدمة ثلاثة أيام، وللآخر يوماً، وللورثة يومين، وللموصى له بالثلث من العبدين الآخرين سهمان، فصارت الوصية ستة، أربعة أسهم في العبد الموصى له بخدمته، وسهمان في العبدين، وللورثة اثنا عشر سهماً، سهمان في العبد الموصى له بخدمته، وعشرة أسهم في العبدين، فاستقام على الثلث والثلثين. ولو أوصى بخدمة عبده لرجل، وبغلته لآخر، وهو يخرج من الثلث، فإنه يخدم صاحب الخدمة شهراً، وعليه طعامه، ولصاحب الغلة شهراً وعليه طعامه، وكسوته عليهما نصفان، وَإِنَّما كان كذلك؛ لأنه أوصى لكل واحد منهما بجميع الرقبة؛ لأن الوصية بالخدمة وصية بحبس الرقبة؛ لأنه لا يمكن الاستخدام إلا بعد حبسها، والوصية بالغلة أيضاً وصية بالرقبة؛ لأنه لا يمكن استغلاله إلا بعد حبس الرقبة، فقد أوصى لكل واحد منهما بجميع الرقبة، وحظهما سواء، فيخدم هذا شهراً ويستغله الآخر شهرا؛ لأن العبد مما لا يمكن قسمته بالأجزاء، فيقسم بالأيام، وطعامه في مدة الخدمة على صاحب الخدمة؛ لأنه هو الذي ينتفع به دون صاحب الغلة، والنفقة على من يحصل له المنفعة، وفي مدة الغلة على صاحب الغلة؛ لأن منفعته في تلك المدة تحصل له. وأما الكسوة فعليهما جميعاً؛ لأن الكسوة لا تتقدر بهذه المدة؛ لأنها تبقى أكثر من هذه المدة، ولا تتجدد الحاجة إليها بانقضاء هذا القدر من المدة كما تتجدد إلى الطعام في كل وقت، وهما فيه سواء، فكانت الكسوة عليهما لهذا المعنى، فإن جنى هذا العبد جناية قيل لهما افدياه، لأن منفعته لهما، فيخاطبان به كما يخاطب به المرتهن في العبد المرهون، فإن فدياه كانا على حالهما، وإن أبيا الفداء فقداه الورثة، بطلت وصيتهما؛ لأنهما لما أبيا الفداء، فقد رضيا بهلاك الرقبة، فبطل حقهما، والله تعالى أعلم. ٥٨٧ کتاب الوصايا ولو أوصى لرجل من غلة عبده كل شهر بدرهم، ولآخر بثلث ماله، ولا مال له غير العبد، فإن ثلث المال بينهما نصفان في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأنه أوصى للموصى له بالغلة بجميع الرقبة؛ إذ لا يمكن استيفاء ذلك من غلته في كل شهر إلا بحبس الرقبة، والمذهب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث، فالثلث يكون بينهما لكل واحد منهما السدس، ويخرج الحساب من ستة فالثلث، وذلك سهمان يكون بينهما، سهم لصاحب الثلث يعطى له من الرقبة، وسهم لصاحب الغلة يستغل وحسبت عليه غلته، وينفق عليه منها كل شهر درهماً، لأنه هكذا أوصى، وأربعة أسهم من الرقبة للورثة، فإذا مات الموصى له بالغلة، وقد بقي من الغلة شيءٌ، رد ذلك إلى صاحب الرقبة، وكذلك ما حبس له من ثمن الرقبة يرد على صاحب الرقبة؛ لأنه بطلت وصيته بموته، فيرجع ذلك إلى صاحب الرقبة، وعلى قولهما يقسم الثلث بينهما على أربعة: صاحب الغلة يضرب بالجميع ثلاثة، وصاحب الثلث يضرب بالثلث سهم. ولو أوصى لرجل بغلة داره، ولآخر بعيد، ولآخر بثوب، فهذه المسألة على وجهين: إما أن تخرج هذه الأشياء كلها من الثلث، أو لا تخرج من الثلث، فإن كانت تخرج من الثلث أخذ كل واحد منهم ما أوصى له به؛ لأنه أوصى بالجميع، والوصية بغلة الدار وصية بحبس رقبتها على ما بينا، وإن كانت لا تخرج من الثلث لكن الورثة أَجَازُوا فكذلك، وَإِن لم تجز الورثة ضرب كل واحد منهم بقدر حقه، إلاَّ أن تكون وصية أحدهم تزيد على الثلث، فلا يضرب بالزيادة على قول أبي حنيفة - رحمه الله -. وإذا مات صاحب الغلة بطلت وصيته، وقسم الثلث بين ما بقي منهم؛ لما ذكرنا. ولو أوصى بغلة داره لرجل، وبسكناها لآخر، وبرقبتها لآخر، وهي الثلث، فهدمها رجل بعد موت الموصي، غرم قيمة ما هدمه من بنائها، ثم تبنى مساكن كما كانت، فتؤاجر ويأخذ غلتها صاحب الغلة، ويسكنها الآخر؛ لأن الوصية بالغلة والسكنى لا تبطل بهدم الدار؛ لقيام القيمة مقام الدار؛ كما قلنا في العبد الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر إذا قتل؛ أن الوصية لا تبطل، ويشتري بقيمته عبداً آخر لخدمته. وكذا البستان إذا أوصى بغلته لرجل، وبرقبته لآخر، فقطع رجل نخلة أو شجرة، يغرم قيمتها فيشتري بها أشجاراً مثلها فتغرس، فإذا أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بغلة دارِهِ، وقيمة الدار ألف درهم، وله ألفا درهم سوى ذلك، فلصاحب الغلة نصف غلة الدار، ولصاحب الثلث نصف الثلث فيما بقي من المال والدار، خمس ذلك في الدار، وأربعة أخماسه في المال . ووجه ذلك أن يقول: إن الوصية بثلث المال وصية بثلث الغلة أيضاً، لأن الغلة مال ٥٨٨ کتاب الوصايا الميت يقضى منه ديونه، وإذا كان كذلك، فالدار تخرج من ثلث ماله؛ لأن قيمة الدار ألف درهم، وله ألفا درهم سوى ذلك، فقد اجتمع في الدار وصيتان، وصية بجميعها، ووصية بثلثها، فيجعل الدار على ثلاثة، ويقسم بينهما على طريق المنازعة، وصاحب الثلث لا يدعي أكثر من الثلث وهو سهم واحد، والثلثان سهمان، لصاحب الغلة وهو صاحب الجميع بلا منازعةٍ؛ لأن الوصية بالغلة وصية بجميع الدار؛ على ما ذكرنا أنه يحبس جميع الدار لأجله، واستوت منازعتهما في سهم واحد، وكان بينهما فانكسر على سهمين، فاضرب سهمين في ثلاثة، فيصير ستة، فصاحب الثلث لا يدعي أكثر من سهمين، وأربعة أسهم خلت عن دعواه، وسلمت لصاحب الجميع وهو صاحب الغلة، بلا منازعةٍ . واستوت منازعتهما في سهمين؛ فيقسم بينهما لكل واحد منهما سهم، وإذا صارت الدار وهي الثلث على ستة، والألفان اثنا عشر، فلصاحب الثلث من ذلك الثلث أربعة أسهم، فضمها إلى ستة، تصير سهام الوصايا عشرة، وجملة ذلك ثلاثون، فنقول: ثلث المال عشرة فنقسمها بينهم؛ لصاحب الغلة خمسة أسهم كلها في الدار، ولصاحب الثلث خمسة أسهم، أربعة أسهم في الألفين، وسهم في الدار؛ فهذا معنى قوله في الأصل: لصاحب الغلة نصف غلة الدار وذلك خمسة؛ لأنا جعلنا الدار على عشرة، ولصاحب الثلث نصف الثلث خمسة، أربعة أخماسه في المال، وخمس ذلك في الدار، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى. وعلى قولهما تقسم الدار على طريق العول، فصاحب الجميع يضرب بالجميع، وصاحب الثلث يضرب بالثلث، ومخرج الثلث ثلاثة، فصاحب الجميع يضرب بالجميع ثلاثة، وصاحب الثلث يضرب بسهم، فاجعل الدار على أربعة أسهم، وَإذا صارت الدار على أربعة أسهم مع العول، صار كل ألف من الألفين على ثلاثة من غير عول، فالألفان تصير ستة أسهم، فللموصى له بالثلث ثلث ذلك، وذلك سهمان، ضم ذلك إلى أربعة أسهم، فيصير ستة، فاجعل هذا ثلث المال والثلثان اثنا عشر، والجميع ثمانية عشر، فللموصى له بثلث المال ثلث الألفين؛ وذلك أربعة أسهم من اثني عشر، وذلك ثلثا الثلث؛ لأنا جعلنا الثلث على ستة أسهم، وأربعة أسهم من ستة ثلثاه، وهذا معنى قوله في الأصل وَإن شئت قلت ثلثا ذلك في ثلث المال، وقال أيضاً ثلاثة في الدار؛ لأنك جعلت الدار على ثلاثة قبل العول، وللموصى له بالثلث سهم من الدار، وذلك ثلث الدار؛ فإن مات صاحب الغلة فلصاحب الثلث ثلث الدار والمال؛ لأنه لما مات الموصى له بالغلة، بطلت وصيته، وصار كأنه لم يوص له بشيء، وإنما أوصى لصاحب الثلث بثلث المال والدار، فيكون له ذلك. وَإن استحقت الدار بطلت وصية صاحب الغلة، وأخذ صاحب الثلث ثلث المال؛ لأنه لا يملك استغلالها بعد استحقاقها. ٥٨٩ كتاب الوصايا ولو لم يستحق ولكنها انهدمت، قيل لصاحب الغلة: ابن نصيبك فيها، ويبني صاحب الثلث نصيبه والورثة نصيبهم؛ لأن ذلك مشترك بينهم، فيبني كل واحد نصيبه، وأيهم أبى أن يبني لم يجبر على ذلك؛ لأن الإنسان لا يجبر على إصلاح حقه، ولم يمنع الآخر أن يبني نصيبه من ذلك؛ ويؤاجره ويسكنه؛ لأن الذي امتنع من البناء رضي ببطلان حقه، فلا يوجب ذلك بطلان حق صاحبه، وليس هذا كالسفل إذا كان لرجل وعلوه لآخر فانهدما، وأبى صاحب السفل أن يبني سفله - أنه يقال لصاحب العلو: اين سفله من مالك، ثم ابن عليه العلو، فإذا أراد صاحب السفل أن ينتفع بالسفل فامنعه حتى يدفع إليك قيمة السفل؛ لأن هناك لا يمكن بناء العلو إلا بعد بناء السفل، فكان لصاحب العلو أن يبني سفله حتى يمكنه بناء العلو عليه، فأما ههنا فيمكن أن يقسم عرصة الدار، فيبني كل واحد منهم في نصيبه. ولو أوصى لرجل بسكنى داره أو بغلتها، فادعاها رجل وأقام البينة أنها له، فشهد الموصى له بالغلة أو السكنى؛ أنه أقر بها للميت - لم تجز شهادته؛ لأنه يجر بشهادته إلى نفسه مغنماً؛ لأنه لو قبلت شهادته لسلمت له الوصية، ولا شهادة لجار المغنم على لسان رسول وكذا إذا شهد للميت بمال أو بقتل خطأ لا تقبل شهادته؛ لأنه مهمًا كثر مال الميت كثرت وصيته، وكان بشهادته جار المغنم إلى نفسه، فلا تقبل. ولو أوصى لرجل بثلث غلة بستانه أبداً ولا مال له غيره، فقاسم الورثة البستان، فأغل أحد النصيبين ولم يغل الآخر، فإنهم يشتركون فيما خرج من الغلة؛ لأن قسمته وقعت باطلة؛ لأن الموصى له بالغلة لا يملك رقبة البستان، والقسمة فيما ليس بملك له باطلة، والثمرة غير موجودة، وَإنما حدثت بعد ذلك، وقسمة المعدوم باطلة، وللورثة أن يبيعوا ثلثي البستان، فيكون المشتري شريك صاحب الغلة، أراد به أنه يبيع ثلثي البستان مشاعاً؛ لأن الثلث مشغول بحق صاحب الغلة، والورثة ممنوعون عن ذلك الثلث ما دام الموصى له حَيًّا، فإذا كان هكذا، فلا يجوز البيع إلا في مقدار نصيبهم. وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه قال: لا يجوز بيع نصيبهم؛ لأن ذلك ضرر بالموصى له؛ لأن تنقص الغلة وتعيب. ولو أوصى بغلة بستانه الذي فيه لرجل، وأوصى له بغلته أيضاً أبداً، ثم مات الموصي ولا مال له غيره، والغلة القائمة للحال تساوي مائة درهم، والبستان يساوي ثلثمائة درهم، فللموصى له ثلث الغلة التي فيه، وثلث ما يخرج من الغلة فيما يستقبل أبداً؛ لأنه أوصى له هكذا، فإنه أوصى له بالغلة القائمة للحال، وبالغلة التي تحدث أبداً، فيعتبر في كل واحد منهما ثلثه، ولا يسلم إليه كل الغلة القائمة في الحال، وإن كان يخرج من ثلث المال؛ لأنه أوصى له ٥٩٠ کتاب الوصايا أيضاً بثلث ما يخرج من بستانه فيما يستقبل، وَإِذا ضمت تلك الوصية إلى هذه الوصية، زادت الوصية على الثلث. ولو أوصى بعشرين درهماً من غلته كل سنة لرجل، فأغل سنة قليلاً، وسنة كثيراً، فله ثلث الغلة، تحبس وينفق عليه كل سنة من ذلك عشرون درهماً؛ لأن الوصية بعشرين درهماً من غلته وصية بجميع الغلة؛ لجواز أن يطول عمره فيستوفي ذلك كله، فلذلك جاز في ثلثه وتحبس غلته حتى ينفق عليه كل سنة عشرون درهماً إلى أن يموت. ولو أوصى أن ينفق عليه أربعة كل شهر من عوض ماله، وعلى آخر خمسة كل شهر من غلة بستانه، ولا مال له غير البستان، فثلث غلة البستان بينهما نصفين، يباع سدس غلة البستان لكل واحد منهما، فيوقف ثمنه على يد الموصي أو على يد ثقة، إن لم يكن هناك وصي، وينفق على كل واحد منهما كما سمى؛ وكذلك الوصية بإنفاق درهم، ولا عبرة بالأقل والأكثر؛ لجواز أن يعيش صاحب الأقل أكثر مما يعيش صاحب الأكثر، فيباع سدس الغلة لكل واحد منهما، ويوقف ثمنه، وينفق على كل واحد منهما ما سمى له؛ لأنه أوصى لأحدهما أن ينفق عليه من عوض ماله، والبستان ماله، ولا يسلم المال إليهما، بل يوضع على يد الموصي، فإن لم يكن له وصي فالقاضي يضعه على يد ثقة عدل؛ لأنه أمر بالإنفاق عليهما، ولم يوص بدفع المال إليهما، فإن ماتا وقد بقي شيءٌ من المال، رد على ورثة الموصي؛ لأن الوصية قد بطلت بموته، فیعود إلى الورثة. وكذلك لو قال: ينفق على فلان أربعة، وعلى فلان وفلان خمسة، حبس السدس على المنفرد، والسدس الآخر على المجموعين في النفقة؛ لأنه أضاف الأربعة إلى شخص واحد، وأضاف الخمسة إلى شخصين؛ لأنه جمعهما في الوصية، فصار كأنه أوصى بأن ينفق على فلان أربعة وعلى فلان خمسة؛ لذلك يقسم الثلث بينهم: سدس يوقف للمنفرد، وسدس للمجموعين . ولو أوصى بغلة بستانه لرجل، وبنصف غلته لآخر؛ وهو ثلث ماله، قسم ثلث الغلة بينهما نصفين كل سنة؛ لأن الوصية بالزيادة على الثلث لا تجوز، فيصير كأنه أوصى لكل واحد منهما بالثلث، فيكون الثلث بينهما لاستوائهما، ولو كان البستان يخرج من ثلث ماله، فإنه يقسم غلة البستان بينهما على طريق المنازعة، على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن صاحب النصف لا يدعي إلا النصف؛ فالنصف خَلاَ عن دعواه، فسلم لصاحب الجميع بلا منازعةٍ، والنصف الآخر استوت منازعتهما فيه، فيقسم بينهما نصفين، فيحتاج إلى حساب، له نصف ولنصفه نصف، وذلك أربعة، فصاحب النصف لا يدعي أكثر من سهمين، فسهمان خليا عن دعواه، سلما لصاحب الجميع بلا منازعة، وسهمان آخران استوت منازعتهما فيهما، فيقسم ٥٩١ کتاب الوصايا بينهما لكل واحد منهما سهم، فصار لصاحب الجميع ثلاثة أسهم، ولصاحب النصف سهم. وعلى قولهما يقسم على طريق العول، فصاحب الجميع يضرب بالجميع، وصاحب النصف يضرب بالنصف، والحساب الذي له نصف سهمان، فصاحب الجميع يضرب بسهمين، وصاحب النصف يضرب بسهم واحد، فيقسم بينهما أثلاثاً. سهمان لصاحب الجميع، وسهم لصاحب النصف، ولو أوصى لرجل بغلة بستانه، وقيمته ألف درهم، ولآخر بقيمة عبده، وقيمته خمسمائة، وله سوى ذلك ثلثمائة، فالثلث بينهما على أحد عشر سهماً في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، لصاحب العبد خمسة أسهم في العبد، ولصاحب البستان ستة أسهم في غلته؛ لأن جميع ماله ألف درهم وثمانمائة درهم، والثلث من ذلك ستمائة، ووصية صاحب البستان ألف درهم، وذلك أكثر من الثلث. وَمِن مَذهب أبي حنيفة - رحمه الله - أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث، فاطرح ما زاد على ستمائة؛ لأن ذلك زيادة على الثلث، فصاحب البستان يضرب بستمائة وصاحب العبد يضرب بخمسمائة، فاجعل ثلث المال وهو ستمائة على أحد عشر سهماً؛ لصاحب البستان ستة أسهم، ولصاحب العبد خمسة أسهم، فما أصاب صاحب البستان كان في البستان في غلته، وما أصاب صاحب العبد كان في العبد، وهذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعلى قولهما صاحب البستان يضرب بجميع البستان؛ وهو ألف، وصاحب العبد بخمسمائة، فيقسم ثلث المال بينهما أثلاثاً على طريق العول. ولو أوصى لرجل بغلة أرضه، وليس فيها نخل ولا شجر، ولا مال له غيرها فإنها، تؤاجر، فتكون تلك الغلة له، ولو كان فيها شجر، أعطى ثلث ما يخرج منها؛ لأن اسم الغلة يقع على الثمرة وعلى الأجرة، فإن كان فيها ثمر انصرفت الوصية إلى ما يخرج منها؛ لأن الغلة في الحقيقة اسم لما يخرج إذا كان في الأرض أشجار، وَإن لم يكن فيها شجر، فالوصية بالغلة وصية بالدراهم والدنانير، وذلك هي الأجرة. فإن قيل: إذا لم يكن في الأرض شجر، فينبغي أن يزرعها فيستوفي زرعها. فالجواب: أنه لو زرع لحصل له ملك الخارج ببذره، والموصى به غلة أرضه لا غلة بذره . ولو أوصى لرجل بغله أرضه، ولآخر برقبتها، وهي تخرج من الثلث، فباعها صاحب الرقبة وسلم صاحب الغلة المبيع، جاز، وبطلت وصية صاحب الغلة، ولا حق له في الثمن، أما جواز الوصية بالغلة فلما ذكرنا فيما تقدم، وأما جواز بيع الرقبة من صاحبها إذا سلم صاحب الغلة المبيع؛ فلأن ملك الرقبة لصاحب الرقبة، وأنه يقتضي النفاذ إلا أن حق صاحب الغلة ٥٩٢ کتاب الوصايا متعلق به، فإذا أجاز فقد رضي بإبطال حقه، فزال المانع، فنفذ، وبطلت وصية صاحب الغلة؛ لأنه إنما أوصى له بالغلة في ملك الموصى له بالرقبة، وقد زال ملكه عن الرقبة، ولا حق له في الثمن، لأن الثمن بدل الرقبة، ولا ملك له في الرقبة. ولو أوصى له بغلة بستانه، فأغل البستان سنتين قبل موت الموصي، ثم مات الموصي، لم يكن للموصى له من تلك الغلة شيءٌ، إنما له الغلة التي فيه يوم يموت؛ لما ذكرنا أن الوصية إيجاب الملك عند الموت، فتكون له الثمرة التي فيه يوم الموت، وما يحدث بعد الموت لا ما كان قبل الموت، فإن اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته، جاز الشراء، وبطلت الوصية؛ لأنه ملك العين بالشراء، فاستغنى بملكها عن الوصية، كمن استعار شيئاً ثم اشتراه؛ أنه تبطل الإعارة؛ وكمن تزوج أمة إنسان ثم اشتراها؛ يبطل النكاح؛ لما قلنا؛ كذا هذا. وكذلك لو أعطوه شيئاً على أن يبرأ من الغلة، وكذلك سكنى الدار وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شيء، جاز، وتبطل الوصية؛ لأن له حَقًّا وقد أسقط حقه بعوض، فجاز؛ كالخلع والطلاق على مال، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الوصية بأمر متعلق بالمال، فالوصية بالعتق، والوصية بالإعتاق، والوصية بالإنفاق، والوصية بالقُربِ من الفرائض والواجبات والنوافل. أما الوصية بالعتق فحكمها ثبوت العتق بعد موت الموصي بلا فصل؛ كما إذا قال وهو مريضٌ أو صحيح أنت حر بعد موتي، أو قال: دبرتك، أو أنت مدبر، أو إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت حر، فمات من مرضه ذلك أو سفره ذلك - يعتق من غير الحاجة إلى إعتاق أحد؛ لأن معنى ذلك أنت حر بعد موتي، أو بعد موتي من هذا المرض أو في هذا السفر، ويعتبر في ذلك كله الثلث، فإن كان العبد يخرج كله من ثلث ماله، يعتق كله، وإن لم يخرج كله، يعتق منه بقدر ما يخرج من الثلث، وإن لم يكن له مال سواه يعتق ثلثه، ويسعى في الثلثين للورثة؛ لأن هذا كله وصية، فلا تنفذ فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة؛ على ما بينا فيما تقدم. وأما الوصية بالإعتاق فحكمها وجوب الإعتاق بعد موت الموصي، ولا يعتق من غير إعتاق من الوارث أو الوصي أو القاضي، والأصل فيه أن كل عتق تأخر عن موت الموصي ولو بساعة، لا يثبت، ولا يعتق من غير إعتاق؛ كما إذا قال: هو حر بعد موتي بساعة أو بأقل أو بأكثر؛ لأن غرض الموصي هو عتق العبد بعد الموت، والعتق لا بد له من الإعتاق، ولا يمكن جعل الموصي معتقاً بعد الموت، فكان أمراً بالإعتاق دلالةً، فيعتق الوارث أو الوصي أو القاضي. ٥٩٣ کتاب الوصايا وأما الوصية بإعتاق نسمة، وهي أن يوصي بأن يشتري رقبة فتعتق عنه، والنسمة اسم الرقبة تشتري للعتق، فحكمها حكم وجوب الشراء، والإعتاق يعتبر من الثلث، ولو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم، فلم يبلغ ثلث ماله مائة درهم، لم يعتق عنه عند أبي حنيفة، وعندهما يعتق عنه بالثلث، ولو أوصى بأن يحج بمائة، وثلث ماله لا يبلغ مائة؛ فإنه يحج عنه من حيث يبلغ بالإجماع. وجه قولهما إن تنفيذ الوصية واجبٌ ما أمكن، والتقدير بالمائة لا يقتضي التنفيذ؛ لأنه يحتمل أنه إنما قدر ظنًا منه أن ثلث ماله يبلغ ذلك، أو رجاء إجازة الورثة، فإذا لم يبلغ ذلك أو لم تجز الورثة، يجب تنفيذها فيما دون ذلك؛ كما في الوصية بالحج. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه أوصى بعتق عبد يشتري بمائة درهم، فلو نفذنا الوصية في عبد يشتري بخمسين، كان ذلك تنفيذ الوصية لغير من أوصى له، وهذا لأن الوصية للعبد في الحقيقة فهو الموصى له، وقد جعل الوصية بعبد موصوف؛ بأنه يشتري بمائة، والمشتري بدون المائة غير المشتري بمائة، فلا يمكن تنفيذ الوصية له، بخلاف الوصية بالحج، فإنها وصية بالوصول إلى البيت، وأنه يحصل بالحج عنه من حيث يبلغ الثلث. وعلى هذا إذا أوصى أن يعتق عنه نسمة بجميع ماله، فلم تجز ذلك الورثة، لم يشتر به شيء، والوصية باطلة في قول أبي حنيفة رحمه الله. وعندهما يشتري بالثلث، وهذا بناء على المسألة الأولى، وقد ذكرنا وجه القولين، والله الموفق . وأما الوصية بالإنفاق على فلان، وأوصى بالقرب، فحكمها وجوب فعل ما دخل تحت الوصية؛ لأنه هكذا أوصى، ويعتبر ذلك كله من الثلث، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في بيان ما تبطل به الوصية وأما بيان ما تبطل به الوصية، فالوصية تبطل بالنص على الإبطال، وبدلالة الإبطال، وبالضرورة . أما النص: فنحو أن يقول: أبطلت الوصية التي أوصيتها لفلان، أو فسختها، أو نقضتها، فتبطل إلاَّ التدبير خاصة، فإنه لا يبطل بالتنصيص على الإبطال، مطلقاً، كان التدبير أو مقيداً، إلا أن المقيد منه يبطل منه بدلالة الإبطال بالتمليك على ما ذكرنا، وكذا إذا قال: رجعت؛ لأن الرجوع عن الوصية إبطال لها في الحقيقة، وأما الدلالة والضرورة، فعلى نحو ما ذكرنا في الرجوع، وقد ذكرنا ما يكون رجوعاً عن الوصية وما لا يكون فيما تقدم. بدائع الصنائع ج١٠ - م٣٨ ٥٩٤ کتاب الوصايا وتبطل بجنون الموصي، جنوناً مطبقاً؛ لأن الوصية عقد جائز كالوكالة، فيكون لبقائه حكم الإنشاء كالوكالة، فتعتبر أهلية العقد إلى وقت الموت؛ كما نعتبر أهلية الأمر في باب الوكالة، والجنون المطبق هو أن يمتد شهراً عند أبي يوسف، وعند محمد سنة، وقد ذكرنا ذلك في ((كتاب الوكالة)). ولو أغمي عليه لا تبطل؛ لأن الإغماء لا يزيل العقل، ولهذا لم تبطل الوكالة بالإغماء. وتبطل بموت الموصى له قبل موت الموصي؛ لأن العقد وقع له لا لغيره، فلا يمكن إبقاؤه على غيره. وتبطل بهلاك الموصى به إذا كان عيناً مشاراً إليها لبطلان محل الوصية، أعني: محل حكمه، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه، كما لو أوصى بهذه الجارية أو بهذه الشاة، فهلكت الجارية والشاة. وَهَل تبطل الوصية باستثناء كل الموصى به في كلام متصلٍ. اختلف فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - لا تبطل، ويبطل الاستثناء، وللموصی له جمیع ما أوصى له به. وقال محمد - رحمه الله -: يصح الاستثناء وتبطل الوصية، ولا خلاف في أن استثناء الكل من الكل في باب الإقرار باطلٌ، ويلزم المقر جميع ما أقر به. وجه قوله إن الاستثناء ههنا رجوعْ عما أوصى به، والوصية محتملة للرجوع، فيحمل على الرجوع؛ وبهذا فارقت الإقرار؛ لأن الإقرار بالمال مما لا يحتمل الرجوع، فيبطل الاستثناء، ويبقى المقر به على حاله. ولهما أن هذا ليس باستثناء ولا رجوع، فيبطل الاستثناء رأساً وتبقى الوصية صحيحة، وبيان ذلك أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، واستخراج بعض الجملة الملفوظة، ولا يوجد ذلك في استثناء الكل من الكل، والرجوع فسخ الوصية وإبطالها، ولا يتصور ذلك في الكلام المتصل، ولهذا شرطنا لجواز النسخ في الأحكام الشرعية أن يكون النص الناسخ متراخياً عن المنسوخ، والله سبحانه وتعالى أعلم. كِتَابُ القَرْضِ الكلام فيه يَقَعُ في مواضع: في بيان ركن القرض. وفي بيان شرائط الركن. وفي بيان حكم القرض. أما ركنه: فهو الإيجاب والقبول، وَالإيجاب قول المقرض: أقرضتك هذا الشيء، أو خذ هذا الشيء قرضاً؛ ونحو ذلك. والقبول: هو أن يقول المستقرض: استقرضت، أو قبلت، أو رضيت؛ أو ما يجري هذا المجرى. وهذا قول محمد - رحمه الله وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. وروي عن أبي يوسف [رواية] (١) أخرى أن الركن فيه [هو] (٢) الإيجاب. وأما القبول فليس بركن؛ حتى لو حلف لا يقرض فلاناً فأقرضه ولم يقبل، لم يحنث عند محمد، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى يحنث. وجه هذه الرواية أن الإقراض إعارة لما نذكر، والقبول ليس بركن في الإعارة. وجه قول محمد أن الواجب في ذمة المستقرض مثل المستقرض، فلهذا اختص جوازه بما له مثل، فأشبه البيع، فكان القبول ركناً فيه؛ كما في البيع. وروي عن أبي يوسف فيمن حلف لا يستقرض من فلانٍ فاستقرض منه فلم يقرضه إنه يحنث؛ لأت شرط الحنث هو / الاستقراض؛ وهو طلب القرض؛ كالاستيام في البيع وهو ١٦٦/٣ب طلب البيع، فإذا استقرض فقد طلب القرض، فوجد شرط الحنث فيحنث، والله تعالى أعلم. (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٥٩٥ ٥٩٦ كتاب القرض فصل في الشروط وأما الشرائط فأنواعٌ: بعضُها يرجع إلى المقرض، وبعضها يرجع إلى المقرض، وبعضُها يرجع إلى نفس القرض. وأما الذي يرجع إلى المقرض: فهو أهليته للتبرع، فلا يملكه من لا يملك التبرع من الأب والوصي والصبي والعبد المأذون والمكاتب؛ لأن القرض للمال تبرعٌ؛ ألا ترى أنه لا يقابله عوض [للحال](١) فكان تبرعاً للحال، فلا يجوز إلا ممن يجوز منه التبرع، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع، فلا يملكون القرض. وأما الذي يرجع إلى المقرض: فمنها القبض؛ لأن القرض هو القطع في اللغة، سمي هذا العقد قرضاً لما فيه من قطع طائفة من ماله، وذلك بالتسليم إلى المستقرض، فكان مأخذ الاسم دليلاً على اعتبار هذا الشرط. ومنها: أن يكون مما له مِثْلٌ؛ كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فلا يجوز قرض ما لا مِثْلَ له؛ من: المزروعات، والمعدودات المتقاربة؛ لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين، ولا إلى إيجاب رد القيمة؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة؛ لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقومين، فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل، فيختص جوازه بما له مثلُ، ولا يجوز القرض في الخبر؛ لا وزناً ولا عدداً عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وقال محمدٌ: يجوز عدداً. وما قالاه هو القياس؛ لتفاوت فاحش بين خبز وخبز؛ لاختلاف العجن، والنضج، والخفة، والثقل، في الوزن، والصغر، والكبر في العدد؛ ولهذا لم يجز السلم فيه بالإجماع، فالقرض أولى؛ لأن السلم أوسع جوازاً من القرض، والقرض أضيق منه. ألا ترى أنه يجوز السلم في الثياب، ولا يجوز القرض فيها، فلما لم يجز السلم فيه؛ فلأن لا يجوز القرض أوْلَئ، إلا أن محمد - رحمه الله - استحسن في جوازه عدداً لعرف الناس وعادتهم في ذلك، وترك القياس لتعامل الناس فيه هكذا. روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه جَوَّزَ ذلك؛ فإنه روي أنه سئل عن أهل بيت يقرضون الرغيف فيأخذون أصغر أو أكبر، فقال: لا بأس به. ويجوز القرض في الفلوس؛ لأنها من العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، ولو استقرض. فلوساً فكسدت، فعليه مثلها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - علیه قیمتُها . وجه قولهما إن الواجب في باب القرض رد مثل المقبوض، وقد عجز عن ذلك؛ لأن المقبوض كان ثمناً، وقد بطلت الثمنية بالكساد، فعجز عن رد المثل، فيلزمه رد القيمة؛ كما لو استقرض رطباً فانقطع عن أيدي الناس؛ أنه يلزمه قيمته لما قلنا؛ كذا هذا. ٥٩٧ کتاب القرض ولأبي حنيفة أن رد المثل كان واجباً، والفائت بالكساد ليس إلا وصف الثمنية، وهذا وصف لا تعلق لجواز القرض به؛ ألا ترى أنه يجوز استقراضه بعد الكساد ابتداءً، وَإن خرج من كونه ثمناً، فلأن يجوز بقاء القرض فيه أَوْلَى؛ لأن البقاء أسهل، وكذلك الجواب في الدراهم التي يغلب عليها الغش؛ لأنها في حكم الفلوس. وروي عن أبي يوسف أنه أنكر(١) استقراض [الدراهم] (٢) المكحلة والمزيفة، وكره إنفاقها، وإن كانت تنفق بين الناس؛ لما في ذلك من ضرورات العامة؛ وَإذا نهى عنها وَكسدت، فهي بمنزلة الفلوس إذا كسدت. ولو كان له على رجل دراهم جياد، فأخذ منه مزيفة، أو مكحلة، أو زيوفاً، أو نبهرجة، أو ستوقة - جاز في الحكم؛ لأنه يجوز بدون حقه، فكان كالحط عن حقه، ألاَّ أنه يكره له أن يرضى به وأن ينفقه، وإن بين وقت الإنفاق لا يخلو (٣) عن ضرر العامة بالتلبيس والتدليس. قال أبو يوسف: كل شيء من ذلك لا يجوز بين الناس؛ فإنه ينبغي أن يقطع ويعاقب صاحبه إذا أنفقه وهو يعرفه، وهذا الذي ذكره احتساب حسن في الشريعة . ١١٦٧/٣ ولو استقرض دراهم تجارية فالتقيا في بلد لا يقدر فيه على التجارية، فإن كانت تنفق في ذلك البلد/ ، فصاحب الحق بالخيار: إن شاء انتظر مكان الأداء، وإن شاء أجله قدر المسافة، ذاهباً وجائياً، واستوثق منه بكفيل، وإن شاء أخذ القيمة؛ لأنها إذا كانت نافقة لم تتغير، بقيت في الذمة؛ كما كانت، وكان له الخيار، إن شاء لم يرض بالتأخير، وأخذ القيمة؛ لما في التأخير من تأخير حقه، وفيه ضررٌ به؛ كمن عليه الرطب إذا انقطع عن أيدي الناس؛ أنه يتخير صاحبه بين التربص والانتظار لوقت الإدراك، وبين أخذ القيمة؛ لما قالوا (٤) كذا هذا، وَإن كان لا ينفق في ذلك البلد، فعليه قيمتها، والله تعالى أعلم. وأما الذي يرجع إلى نفس القرض، فهو أن لا يكون فيه جر منفعة(٥)، فإن كان لم يجز، (١) في أ: كسره. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: لأنه يخلو. (٤) في أ: قلنا. (٥) قال الفقهاء: ((كل قرض جر نفعاً للمقرض فهو حرام)). يكادون يجمعون على هذه القضية، فلا يجوز أن يشرط رد أفضل مما أقرض ولا أكثر منه ولا نوعاً غيره، ولا أن يقضى في مكان كذا وهو ربا مفسوخ بلا خلاف في ذلك. ومثل له الشيرازي: بأن يقرضه ألفا على أن يبيعه دانٍ، أو على أن يرد عليه أجود منها أو أكثر منها. استدلوا على ذلك بالمنقول، والمعقول : - = ٥٩٨ كتاب القرض نحو ما إذا أقرضه دراهم غلة؛ على أن يرد عليه صحاحاً، أو أقرضه وشرط شرطاً له فيه منفعة؛ لما روي عن رسول الله - وَ ﴿ ـ أنه نَهَى عَنْ قَرْضِ جَرَّ نَفْعاً؛ ولأن الزيادة المشروطة تشبه الربا؛ لأنها فضلٌ لا يقابله عوضٌ، والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا وَاجِبٌ. هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة فيه، ولكن المستقرض أعطاه أجود مما أعطاه(١) فلا بأس بذلك؛ لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد، بل هذا من باب حسن القضاء، وإنه أمر مندوب إليه، قال النبي - عليه السلام -: (خِيَارُ النَّاسِ أَخْسَنُهُمْ قَضَاءً))(٢) وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام عِنْدَ قَضَاءِ دَيْنٍ لَزِمَهُ لِلوَازِنِ: المنقول: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن النبي (َ ﴿ نهى عن سلف وبيع)) والسلف هو = القرض في لغة أهل الحجاز. وروي عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -: ((أنهم نهوا عن قرض جر نفعاً)) وقوله وَ لاير: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرط ليس في كتاب الله، فليس له وإن اشترط مائة شرط: كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)) وهو في الصحيحين بألفاظ مختلفة، ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التي ذكرناها في القرض. وعن مالك عن ابن عمر ((أن رجلاً قال لابن عمر أسلفت رجلاً سلفا واشترطت أفضل مما أسلفته. فقال ابن عمر: ذلك الربا. والمعقول: أن القرض عقد إرفاق فاشتراط منفعة فيه للمقرض، أو أي شرط لا يقره الشرع إخراج له عن موضوعه؛ فعومل المخالف بنقيض قصده؛ فحرم عليه كل شيء اشترطه لنفسه. واستحق الذم عاجلاً، والعقاب آجلاً. فانتهضت الأدلة من سنة وإجماع، ومعقول على حرمة كل فائدة صغيرة، أو كبيرة جرها القرض. إذ الشريعة الإسلامية وعدت على القرض الثواب الأخروي: فمن تعجل هذا الشيء بشيء في الدنيا، عوقب بحرمانه منه. وإحلال عقاب الله تعالى به بدل ثوابه، حيث سار على غير السنن الإلهي. وأصم أذنيه عن وعد الله تعالى للمتعاونين، وسار وراء شيطانه الذي يعده الفقر. ويغلغل الحرص في قلبه، وينسج على مبادىء يهودية لا تقرها الأديان حتى شريعة موسى وعيسى عليهما السلام. ينظر: الربا لشيخنا سليمان محمد. والمحلى لابن حرام ٨/ ٧٧. (١) في ط: أجودهما. (٢) ورد من حديث العرباص بن سارية وأبي رافع رواه النسائي (٢٩١/٧) كتاب البيوع، باب استسلاف الحيوان واستقراضه. وابن ماجه (٧٦٧/٢) كتاب التجارات، باب السلم في الحيوان الحديث (٢٢٨٦) وأحمد (١٢٧/٤). كلهم من حديث معاوية بن صالح قال: سمعت سعيد بن هانىء قال سمعت عرباص بن سارية يقول: (بعت من رسول الله وَ ليق بكراً فأتيته أتقاضاه فقال: أجل لا أقضيها إلا نجيبة فقضاني فأحسن قضائي وجاءه أعرابي يتقاضاه سِنَّه فقال رسول الله وَّه: أعطوه سنّاً فأعطوه يومئذٍ جملاً فقال: هذا خير من سني فقال: خیرکم (خیر کم قضاء)) . وأما حديث أبي رافع: فرواه مسلم (٦/ ٤١) كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه الحديث (١٦٠٠). وأبو داود (٢٤٧/٣ - ٢٤٨) كتاب البيوع، باب في حسن القضاء الحديث (٣٣٤٦) والترمذي (٦٠٠/٣) = ٥٩٩ كتاب القرض (زِنْ وَأرْجِخْ))(١) وعلى هذا تخرج مسألة السفاتج التي يتعامل بها التجار أنها مكروهة؛ لأن التاجر ينتفع بها بإسقاط خطر الطريق، فتشبه قرضاً جَرَّ نفعاً. فإن قيل: أليس أنه روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يستقرض بالمدينة على أن يرد بالكوفة، وهذا انتفاع بالقرض بإسقاط خطر الطريق. فالجواب: أن ذلك محمول على أن السفتجة لم تكن مشروطة في القرض مطلقاً(٢)، ثم كتاب البيوع، باب ما جاء في استقراض البعير والنسائي (٧/ ٢٩١) كتاب البيوع، باب استسلاف الحيوان = الحديث (١٣١٨) استقراضه. وابن ماجه (٧٦٧/٢) كتاب التجارات، باب السلم في الحيوان الحديث (٢٢٨٥) وأحمد (٣٩٠/٦). وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٥٠) رقم (٢٣٣٢) كلهم من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي رافع ((أن رسول الله وَّل استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً فقال: ((أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء» . أخرجه أبو داود (٢٤٥/٣) كتاب البيوع، باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر الحديث (٣٣٣٦) والنسائي (٧/ ٢٨٤) كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن والترمذي (٥٨٩/٣) كتاب البيوع، باب ما جاء في الرجحان في الوزن الحديث (١٣٠٥). وابن ماجه (٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨) كتاب التجارات، باب الرجحان في الوزن الحديث (٢٢٢٠) وابن حبان في صحيحه (٥٤٧/١١) رقم (٥١٤٧) والدارمي (١٧٥/٢) والبخاري في التاريخ (١٤١/٢ - ١٤٢). وأحمد (٣٥٢/٤) وابن أبي شيبة (٥٨٦/٦). وعبد الرزاق (٦٨/٨) رقم (١٤٣٤١) وابن الجارود رقم (٥٥٩) والطيالسي رقم (١١٩٢). والطحاوي (٥٩/٤، ٦٠) والبيهقي (٣٢/٦، ٣٣) من طريق سفيان عن سماك بن حرب عن سويد بن قیس به . وخالف شعبة سفيان فرواه عن سماك عن أبي صفوان مالك بن عميرة أخرجه البخاري في التاريخ (٢/ ١٤٢) والنسائي (٢٨٤/٧) كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن. وأحمد (٣٥٢/٤) والحاكم (٣٠/٢ - ٣١) والدولابي في الكنى (٣٩/١، ٤٠). وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٤٤٤/٢): ((سألت أبا زرعة عن حديث رواه سفيان وشعبة عن سماك بن حرب فاختلفا فيه فقال الثوري)). عن سماك بن حرب عن سويد بن قيس)) ورواه شعبة عن سماك بن حرب عن أبي صفوان مالك بن عمير . . . فقلت لهما: أيهما أصح عندكما؟ فقالا: سفيان احفظ الرجلين، ثم قالا: ((وقيس بن الربيع على ضعفه قد تابع سفيان في هذا الحديث فقلت لهما: هل تابع شعبة أحد في هذا الحديث قال أبي: لا أعلمه. وقال أبو زرعة: تابعه عليه عمرو بن أبي المقدام مع ضعفه)) اهـ. (١) في أ: بل. (٢) سقط في أ. ٦٠٠ كتاب القرض تكون السفتجة؛ وذلك مما لا بأس به على ما بينا، والله تعالى أعلم. والأجل لا يلزم في القرض، سواء كان مشروطاً في العقد أو متأخراً عنه؛ بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين. أحدهما: أن القرض تبرعٌ. ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، وكذا لا يملكه من لا يملك التبرع، فلو لزم فيه الأجل لم يبق تبرعاً فيتغير المشروط؛ بخلاف الديون. والثاني: أن القرض يسلك به مسلك العارية، [والأجل لا يلزم في العواري، والدليل على أنه يسلك به مسلك العارية](١) ألا يخلو إما أن يسلك به مسلك المبادلة؛ وهي تمليك الشيء بمثله، أو يسلك به مسلك العارية، لا سبيل إلى الأول؛ لأنه تمليك العين بمثله نسيئة، وهذا لا يجوز، فتعين أن يكون عارية، فيجعل التقدير كأن المستقرض انتفع بالعين مدة ثم رد عين ما قبض، وإن كان يرد بدله في الحقيقة، وجعل رد بدل العين بمنزلة رد العين؛ بخلاف سائر الديون، وقد يلزم الأجل في القرض بحال؛ بأن يوصي بأن يقرض من ماله بعد موته فلاناً ألف درهم إلى سنة؛ فإنه ينفذ وصيته، ويقرض من ماله كما أمر، وليس لورثته أن يطالبوا قبل السنة، والله تعالى أعلم. فصل في حكم القرض وأما حكم القرض، فهو ثبوت الملك للمستقرض في المقرض للحال، وثبوت مثله في ذمة المستقرض للمقرض للحال، وهذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف في النوادر: لا يملك القرض بالقبض ما لم يستهلك؛ حتى لو أقرض كراً من طعام وقبضه المستقرض، ثم إنه اشترى الكر الذي عليه بمائة درهم، جاز البيع. وعلى رواية أبي يوسف: لا يجوز؛ لأن المقرض باع المستقرض الكر الذي عليه، وليس عليه الكر، فكان هذا بيع المعدوم، فلم يجز؛ كما لو باعه الكر الذي في هذا البيت، وليس في البيت كر. وجاز في ظاهر الرواية؛ لأنه باع ما في ذمته [منه](٢)، فصار كما إذا باعه الكر الذي في البيت، وفي البيت كر؛ وكذلك لو كان الكر المقرض قائماً في يد المستقرض، كان ١٦٧/٣ ب المستقرض بالخيار: إن شاء دفع إليه/ هذا الكر، وإن شاء دفع إليه كرًّا آخر. (١) في ط: فجعل. (٢) سقط في ط.