Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
کتاب الوصايا
وإنه إضرار بهم، فوجب اعتبارها في حق الضرب، وإنه يمكن؛ إذ لا ضرر فيه على الورثة؛
ولهذا اعتبرت التسمية في حق الضرب. فيما ذكرنا من المسائل.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الوصية بالزيادة على الثلث عند رد الورثة وصية باطلة من
كل وجه بيقين، والضرب بالوصية الباطلة من كل وجه بيقين باطل، وإنما قلنا إن الوصية
بالزيادة وصية باطلة؛ لأنها في قدر الزيادة صادفت حق الورثة، إلا أنها وقفت على الإجازة
والرد، فإذا ردوا تبين أنها وقعت باطلة.
وقوله ((من كل وجه)) يعني به استحقاقاً وتسمية، وهي تسمية النصف، فالكل فلم تقع
الوصية صحيحة في مخرجها.
وقولنا ((بيقين)) لأنها لا يحتمل النفاذ لحال؛ ألا يرى أنه لو ظهر للميت مال آخر لنفذت
هذه الوصية، وهي الوصية بالزيادة على الثلث؛ بخلاف المواضع الخمس، فإن هناك ما وقعت
باطلة بيقين، بل تحتمل التنفيذ في الجملة؛ بأن يظهر مال آخر للميت يخرج هذا القدر من
الثلث، فبين أن الوصية ما وقعت بالزيادة على الثلث، فلم تقع باطلة بيقين وههنا بخلافه؛ لأنه
وَإن ظهر له مال آخر يدخل ذلك المال في الوصية، ولا يخرج من الثلث، وهذا القدر يشكل
بالوصية بيقين، فإن زادت قيمته على الثلث؛ بأن أوصى بثلث عبد لرجل، وبثلثيه لآخر، ولا
مال له سواه، فردت الورثة - إن صاحب الثلثين لا يضرب بالثلث الزائد عندنا، وإن لم تكن
الوصية باطلة بيقين؛ لجواز أن يظهر له مال آخر، فتنفذ تلك الوصية، فينتفي أن يضرب
الموصى له بالثلثين بالثلث الزائد، ومع هذا لا يضرب عندنا، فأشكل القدر، وبخلاف الوصية
بالأقل من الثلث؛ لأن الوصية هناك وقعت صحيحة في مخرجها من حيث التسمية؛ لأن
التسمية وقعت بالربع والسدس. وكل ذلك مخارج الوصية بالتسمية صادفت محل الوصية،
وَإنما يظهر الفرق عند اجتماع الوصيتين، فإذا ردت الورثة، فالرد ورد عليهما جميعاً، فيقسم
بینهما على قدر نصيبهما .
ولو أوصى لرجل بجميع ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله، فأجازت الورثة الوصيتين
جميعاً، فقد روى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: الموصى له
بالجميع يأخذ الثلثين خاصة، ويكون الباقي بين صاحب الجميع وبين صاحب الثلث.
وقال حسن بن زياد: ليس هذا قول أبي حنيفة أن للموصى له ربع المال وللموصى له
بالجميع ثلاثة أرباعه .
وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه ليس في هذه المسألة نص رواية عن أبي حنيفة - رحمه
الله، وإنما اختلفوا في قياس قوله، والصحيحُ أن قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيها ما
بدائع الصنائع ج ١٠ - م٣٦

٥٦٢
کتاب الوصايا
روى عنه أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - لأنه قسمة على اعتبار المنازعة، وما ذكر حسن
- رحمه الله تعالى - اعتبار العول والمضاربة والقسمة على اعتبار العول والمضاربة من
أصولهما، لا من أصله، فإن من أصله اعتبار المنازعة في القسمة.
ووجهه ههنا أن ما زاد على الثلث يعطى كله للموصى له بجميع المال؛ لأنه لا ينازعه فيه
أحدٌ، وأما قدر الثلث فينازعه فيه الموصى له بالثلث، فاستوت منازعتهما فيه؛ إذ لا ترجيح
لأحدهما على الآخر، فيقسم بينهما نصفين، فيكون أصل مسألة الحساب من ثلاثة لحاجتنا إلى
الثلث، الثلثان للموصى له بالجميع بلا منازعة، والثلث بينهما نصفان، إلا أنه ينكسر الحساب
فيضرب اثنين في ثلاثة، فيصير ستة، فيسلم ثلثاها للموصى له بالجميع بلا منازعة، وثلثها وهو
سهمان ينازعه فيه الموصى له بالثلث، فيقسم بينهما فحصل للموصى له بالجميع خمسة،
وللموصى له بالثلث سهم.
وأما القسمة على طريق العول والمضاربة عندهما ههنا إن كل واحد منهما يضرب بجميع
وصيته، فالموصى له بالثلث يضرب بالثلث وهو سهم والموصى له بالجميع، يضرب بكل
المال، وهو ثلاثة أسهم، فيجعل المال على أربعة أسهم، لصاحب الثلث سهم ولصاحب
الجميع ثلاثة، هذا إذا أجازت الورثة، فإن ردت الورثة جازت الوصية من الثلث، ثم الثلث
يكون بينهما نصفين في قول أبي حنيفة - رحمه الله - لأن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب
إلا بالثلث؛ إذ لم تجز الورثة عنده، وعندهما يضرب كل واحد منهما بجميع وصيته أرباعاً على
ما بينا، والله تعالى الموفق.
هذا إذا اجتمعت الوصايا فيما سوى العين، فإن اجتمعت الوصايا في العين، فإن
اجتمعت في عين مشار إليها بأن أوصى بعين واحدة لاثنين أو أكثر، أو أوصى لكل واحد
بجميع العين، فقد قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - تقسم العين بين أصحاب الوصايا على
عددهم، فيضرب كل واحد منهم بالقدر الذي حصل له بالقسمة، ولا يضرب بجميع تلك
العين.
وَإن وقعت القسمة بجميع العين، وذلك نحو أن يقول: أوصيتُ بعبدي هذا لفلان، ثم
قال وقد أوصيت بعبدي هذا لفلان آخر، والعبد يخرج من ثلث ماله، فإن العبد يقسم بينهما
نصفين - على عددهما، وهما اثنان، فيضرب كل واحد منهما بنصف العبد، ولا يضرب بأكثر
من ذلك؛ وكذلك إن أوصى به لثلاثة أو الأربعة.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يضرب كل واحد منهما بجميع وصيته، ويتفق
الجواب في تقديم ما يستحق كل واحد منهما من العبد في هذه الصورة، لكن بناء على أصلين
مختلفين، وإنما يظهر ثمرة اختلاف الأصلين فيما إذا انضمت إلى الوصية لهما وصية لثالث؛

٥٦٣
کتاب الوصايا
بأن كان له عبد وألفا درهم سوى ذلك، فأوصى بالعبد لإنسان، ثم أوصى به لآخر، وأوصى
لرجل آخر بألف درهم، فعند أبي حنيفة - رحمه الله - يضرب كل واحد من الموصى له بالعبد
بنصف العبد، وهذا بنصفه، وهذا بنصفه، ويضرب الموصى له بألف درهم بألف، فيقتسمون
بالثلث أرباعاً، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يضرب كل واحد من الموصى لهما
بالعبد بجميع العبد والموصى له بألف، يضرب بألف فيقتسمون الثلث أثلاثاً؛ بناءً على الأصل
الذي ذكرنا فيما تقدم أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب بأكثر من الثلث عنده، وعندهما
يضرب بجميع وصيته، فهما يقولان لأن التسمية وقعت لجميع العين إلا أنها لا تظهر في حق
الاستحقاق، فتظهر في حق الضرب؛ كما في أصحاب الديون وأصحاب العول، وأبو حنيفة
- رحمه الله - يقول إن الموصي قد أبطل وصية كل واحد منهما في نصف العين، فله ولاية
الإبطال؛ ألا يرى أن له أن يرجع فيبطل استحقاق كل واحد منهما نصف العين، فالضرب
بالجميع يكون ضرباً بوصية باطلة، فكان باطلاً، بخلاف الغرماء، فإنه ليس لمن عليه الدين
ولاية إبطال حقهم، فيضرب كل واحد منهم بكل حقه، وبخلاف أصحاب العول؛ لأنه لم
يؤخذ من جهة الميت يبطل شهادتهم، فيضربون بجميع ما ثبت حقهم فيه .
ولو كان له عبد آخر قيمته ألف درهم، وألف درهم، فأوصى بعبد لرجل وأوصى لرجل
آخر بثلث ماله، فالثلث وهو قدر ألف درهم يكون بينهما نصفين؛ خمسمائة للموصى له بجميع
العبد، وخمسمائة للموصى له بالثلث، غير أن ما أصابه الموصى له بالجميع، يكون في العبد،
وذلك خمسة أسداس العبد، وما أصاب الموصى له بالثلث يكون بعضه في العبد وهو سدس
ما بقي من العبد وهو عشر العبد، والبعض في الدراهم وهو خمس الألفين، فيضرب الموصى
له بجميع العبد بخمسة أسداسه والموصى له بالثلث، يضرب بسدس العبد وبخمس الألفين
على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى؛ لأنه اجتمع في العبد وصيتان: وصية بجميعه، ووصية
بثلثه؛ لأن الوصية بثلث المال تناولت العبد لكونه مالاً، فاجتمعت في العبد وصيتان، فسلم
للموصى له بجميع العبد ثلثاه بلا منازعةٍ، والثلث ينازعه فيه الموصى له بالثلث، فيكون على
الحساب من ثلاثة لحاجتنا إلى الثلث، وأقل حساب يخرج منه الثلث ثلاثة، قسمان خليا عن
منازعة الموصى له بالثلث، فسلم ذلك للموصى له بالجميع بلا منازعة، بقي سهم استوت
منازعتهما فيه، فيكون بينهما فينكسر، فنضرب اثنين في ثلاثة، فيكون ستة، فثلثا الستة وهو
أربعة سلم للموصى له بالجميع؛ لأنه لا ينازعه فيه أحد، وثلثها وهو سهمان ينازعه فيه
الموصى له بالثلث، واستوت منازعتهما فيه، فيقسم بينهما لكل واحد منهما سهم، وَإذا صار
العبد قيمته ألف على ستة، يصير كل ألف من الدراهم على ستة، فصار الألفان على اثني عشر
للموصى له بالثلث منهما أربعة أسهم، فصار له خمسة أسهم أربعة أسهم من الدراهم، وسهم
من العبد وللموصى له بالجميع خمسة أسهم، كلها في العبد؛ لأنه لا وصية له في الدراهم،

٥٦٤
کتاب الوصايا
فصارت وصيتهما جميعاً عشرة أسهم، فاجعل ثلث المال على عشرة أسهم، فالثلثان عشرون
سهماً، فالكل ثلاثون سهماً والعبد ثلث المال؛ لأن قيمته ألف درهم، فصار العبد على عشرة
أسهم والألفان على عشرين سهماً، فادفع وصيتهما من العبد فوصية الموصى له بالجميع
خمسة، وهو نصف العبد ووصية الموصى له بالثلث سهم، وذلك خمس ما بقي من العبد،
وادفع وصية الموصى له بالثلث من الدراهم وذلك عشرون سهماً، أربعة أسهم وهو خمس
الألفين على ما ذكره في الأصل، فبقي من العبد أربعة أسهم لا وصية فيها، فيدفع إلى الورثة
فيكمل لهم الثلثان؛ لأن الموصى له بالثلث قد أخذ من الألفين أربعمائة وذلك أربعة أسهم،
وحصل للموصى له بالعبد خمسة أسهم من العبد، وذلك نصفه، وحصل للموصى له بالثلث
أربعمائة من الدراهم وذلك خمسها؛ لأنا جعلنا الألفين على عشرين سهماً، وأربعة من عشرين
خمسها، وحصل له من العبد سهم، وذلك خمس العبد، وحصل للورثة عشرون سهماً وهي
الثلثان ستة عشر سبعاً، وذلك أربعة أخماسها، وأربعة أسهم من العبد وذلك خمساه.
هذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وأما على قولهما فيقسم على طريق العول
والمضاربة، فصاحب العبد يضرب بجميع ثلثه، وصاحب الثلث يضرب بالثلث سهم، فيحتاج
إلى حساب له ثلث وأقله ثلاثة، فصاحب العبد يضرب بالجميع؛ وذلك ثلاثة، وصاحب الثلث
يضرب بالثلث، وذلك سهم، فصار العبد على أربعة أسهم، وَإذا صار العبد على أربعة أسهم
مع العول، صار كل ألف على ثلاثة بغير عول؛ لأنه لا حاجة إلى العول في الألف، فصارت
الألفان على ستة أسهم، فللموصى له بالثلث ثلثها، وذلك سهمان، فتبين أن وصيتهما ستة
أسهم، وصية صاحب العبد ثلاثة كلها في العبد ووصية صاحب الثلث ثلاثة أسهم، سهمان في
الدراهم وسهم في العبد، فاجعل ذلك ثلث المال، واجعل العبد ثلث المال، واجعل العبد
على ستة أسهم، وادفع إليهما وصيتهما من العبد لصاحب العبد ثلاثة أسهم ولصاحب الثلث
سهم، بقي سهمان فاضلان لا وصية فيهما، فادفع ذلك إلى الورثة حتى يكمل لهم الثلثان؛ لأن
صاحب الثلث قد أخذ سهمين من الدراهم، وانتقص نصيب الورثة من الدراهم، فيدفع سهمين
من العبد إليهم حتى يكمل لهم الثلثان، وقد جعل ثلث المال وهو العبد على ستة أسهم،
فالثلثان يكونان اثني عشر، فادفع وصية صاحب الثلث من ذلك سهمين، ثم ضم السهمين من
العبد الذي لا وصية فيهما إلى عشرة أسهم حتى يكمل لهم الثلثان، فحصل للورثة عشرة أسهم
من الدراهم، وسهمان من العبد وللموصى له بالعبد ثلاثة أسهم، وذلك نصف العبد كله في
العبد وللموصى له بالثلث سهم في العبد، وذلك سدس العبد وسدس الألفين وهما سهمان من
اثني عشر، والله تعالى أعلم.
ولو كان له عبدان قيمتهما واحدة لا مال له غيرهما، فأوصى لرجل بأحدهما بعينه،
ولآخر بثلث ماله، فإن الثلث يقسم بينهما على سبعة أسهم، وهذه المسألة مبنية على مسألتين:

٥٦٥
کتاب الوصايا
إحداهما: أن الثلث يقسم بينهما على طريقة المنازعة في قول أبي حنيفة -: رحمه الله
تعالى - وعندهما على طريق العول.
والثانية: إن المذهب عند أبي حنيفة: أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا
بالثلث إلا في مواضع الاستثناء؛ على ما بينا.
إذا عرفت هذا فنقول: القسمة في هذه المسألة على طريق المنازعة عند أبي حنيفة
- رحمه الله - لأنه اجتمع في العبد وصيتان: وصية بجميعه، ووصية بثلثه، والثلثان يسلمان
لصاحب الجميع بلا منازعة؛ لأنه لا ينازعه فيه صاحب الثلث، وذلك سهمان من ثلاثة،
والثلث هو سهم استوت منازعتهما فيه، فيقسم بينهما لكل واحد منهما نصف سهم فانكسر،
فنضرب اثنين في ثلاثة، فيصير ستة، قلنا الستة تسلم لصاحب الجميع بلا منازعةٍ، وهو أربعة،
والثلث وهو سهمان استوت منازعتهما فيه، فيقسم بينهما لكل واحد منهما سهم، فصار
لصاحب الجميع خمسة أسهم، ولصاحب الثلث سهم، فلمَّا صار هذا العبد على ستة أسهم
صار العبد الآخر على ستة: للموصى له بالثلث منهما سهمان، فصار وصية صاحب الثلث
ثلاثة أسهم؛ سهمان في العبد الذي لا وصية فيه، وسهم في العبد الذي فيه وصية، ووصية
صاحب العبد خمسة أسهم، وذلك أكثر من ثلث المال؛ لأن جميع المال اثنا عشر فثلثها
أربعة، والمذهب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب
له إلا بالثلث، فنطرح من وصيته سهماً، فتصير وصيته أربعة أسهم، ووصية الآخر ثلاثة أسهم،
وذلك سبعة أسهم، فاجعل هذا ثلث المال وثلثاه مثلاه، وذلك أربعة عشر، وجميع المال أحد
وعشرون وماله عبدان، فتبين أن كل عبد على عشرة ونصف؛ لأن كل عبد مقدار نصف المال،
فيدفع من العبد الموصى به وصيتهما فيه، ويدفع إليهما بوصية صاحب الجميع أربعة أسهم في
العبد فيدفع ذلك إليه، ووصية صاحب العبد سهم واحد في العبد فيدفع ذلك إليه، فبقي من
العبد خمسة أسهم ونصف، فادفع ذلك إلى الورثة فيقسم بينهم على فرائض الله تعالى، ويؤخذ
من العبد الذي لا وصية فيه سهمان، ويدفع إلى الموصى له بالثلث، فيبقى من هذا العبد ثمانية
ونصف يدفع إلى الورثة، فيقسم بينهم على فرائض الله تعالى، فصارت كلها سبعة أسهم وهي
ثلث المال، فحصل للموصى له بالعبد منهما خمسة أسهم وللموصى له بالثلث سهمان،
وحصل للورثة من العبد الموصى به خمسة ونصف ومن العبد الذي لا وصية فيه ثمانية
ونصف، فذلك أربعة عشر وهي ثلثا المال، فاستقام الحساب على الثلث والثلثين.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد فيقسم على طريق العول فنقول: اجتمع في العبد
وصيتان: وصية بجميعه ووصية بثلثه، ومخرج الثلث ثلاثة: فصاحب الجميع يضرب بالجميع،
وذلك ثلاثة أسهم، وصاحب الثلث يضرب بثلثه وهو سهم، فصار العبد على أربعة أسهم،

٥٦٦
کتاب الوصايا
وهو معنى العول، فلما صار هذا العبد على أربعة بالعول، يجعل العبد الآخر على ثلاثة بغير
عول؛ لأنه لا حاجة إلى العول في ذلك العبد، فسهم من ذلك العبد للموصى له بالثلث،
فصارت وصية صاحب الثلث سهمين: سهم من العبد الذي فيه الوصية، وسهم من العبد الذي
لا وصية فيه، ووصية صاحب العبد ثلاثة أسهم، فذلك خمسة أسهم، فاجعل هذا ثلث المال
وثلثاه مثلاً، وذلك عشرة، والجميع خمسة عشر وماله عبدان، فيصير كل عبد على سبعة
ونصف، فيدفع وصية صاحب العبد من العبد إليه وذلك ثلاثة، ووصية صاحب الثلث إليه،
وذلك سهم يبقى من هذا العبد ثلاثة ونصف، فيدفع ذلك إلى الورثة، ويدفع من العبد الآخر
سهم إلى الموصى له بالثلث، يبقى ستة أسهم ونصف من العبد الذي فيه الوصية، وستة أسهم
ونصف من العبد الآخر، فاستقامت القسمة على الثلث والثلثين، والله تعالى أعلم.
فصل في صفة العقد
وأما صفة هذا العقد فله صفتان: إحداهما قبل الوجود، والأخرى بعد الوجود، أما التي
هي قبل الوجود فهي أن الوصية بالفرائض والواجبات واجبة وبما وراءها جائزة، ومندوب إليها
ومستحبة في بعض الأحوال، وعند بعض الناس الكل واجب، وقد بينا ذلك كله في صدر
الكتاب.
وأما التي هي بعد الوجود، فهي أن هذا عقد غير لازم في حق الموصي؛ حتى يملك
الرجوع عندنا ما دام حيًّا؛ لأن الموجود قبل موته مجرد إيجاب، وأنه محتمل الرجوع في عقد
المعاوضة، فهي بالتبرع أولى؛ كما في الهبة والصدقة إلا التدبير المطلق خاصة، فإنه لازم لا
يحتمل الرجوع أصلاً، وإن كان وصية؛ لأنه إيجاب يضاف إلى الموت، ولهذا يعتبر من
الثلث؛ لأنه سبب لثبوت العتق، والعتق لازم وكذا سببه؛ لأنه سبب حكم لازم؛ وكذا التدبير
المقيد لا يحتمل الرجوع نصًّا، ولكنه يحتمله دلالة بالتمليك من غيره؛ لأن العتق فيه تعلق
بموت موصوف بصفة، وقد لا توجد تلك الصفة، فلم يستحكم السبب، ثم الرجوع قد يكون
نصًا وقد يكون دلالة، وقد يكون ضرورة.
أما النص فهو أن يقول الموصي: رجعت، أما الدلالة؛ فقد تكون فعلاً وقد تكون قولاً،
وهو أن يفعل في الموصى به فعلاً يستدل به على الرجوع، أو يتكلم بكلام يستدل به على
الرجوع.
وبيان هذه الجملة إذا فعل في الموصى به فعلاً لو فعله في المغصوب لانقطع به ملك
المالك كان رجوعاً؛ كما إذا أوصى بثوب ثم قطعه وخاطه قميصاً أو قباء، أو بقطن ثم غزله،
أو لم يغزله ثم نسجه، أو بحديدة ثم صنع منها إناءً أو سيفاً أو سكيناً، أو بفضة ثم صاغ منها

٥٦٧
کتاب الوصايا
حلياً ونحو ذلك؛ لأن هذه الأفعال لما أوجبت بطلان حكم ثابت في المحل وهو الملك؛ فلأن
توجب بطلان مجرد كلام من غير حكم أصلاً أولَى.
ثم وجه الدلالة منها على التفصيل إن كان واحد منها تبديل العين وتصبيرها شيئاً آخر
معنى واسماً، فكان استهلاكاً لها من حيث المعنى، فكان دليل الرجوع، فصار كالمشتري
بشرط الخيار إذا فعل في المبيع فعلاً يدل على إبطال الخيار يبطل خياره.
والأصل في اعتبار الدلالة إشارة النبي - نَّه - بقوله للمخيرة ((إِنْ وَطََكِ زَوْجُكِ فَلاَ خِيَارَ
لَكِ))، ولو أوصى بقميص ثم نقضه، فجعله قباء، فهو رجوع؛ لأن الخياطة في ثوب غير
منقوض دليل الرجوع، فمع النقض أولى، وإن نقضه ولم يخطه لم يذكر في الكتاب، واختلف
المشايخ فيه، والأشهر أنه ليس برجوع؛ لأن العين بعد النقض قائمة تصلح لما كانت تصلح له
قبل النقض، ولو باع الموصى به أو أعتقه أو أخرجه عن ملكه بوجه من الوجوه كان رجوعاً؛
لأن هذه التصرفات وقعت صحيحة لمصادفتها ملك نفسه، فأوجبت زوال الملك، فلو بقيت
الوصية مع وجودها لتعينت في غیر ملکه، ولا سبيل إليه.
ولو باع الموصى به ثم اشتراه أو وهبه وسلم ورجع في الهبة، لا تعود الوصية؛ لأنها قد
بطلت بالبيع، والهبة مع التسليم لزوال الملك، والعائد ملك جديد غير موصى به، فلا تصير
موصى به؛ لأن بوصية جديدة، ولو أوصى بعبد فغصبه رجل ثم رده بعينه، فالوصية على
حالها؛ لأن الغصب ليس فعل الموصي، والموصى به على حاله، فبقيت الوصية، إلا إذا
استهلكه الغاصب أو هلك في يده، فتبطل الوصية لبطلان محل الوصية.
وكذا لو أوصى بعبد ثم دبره أو كاتبه أو باع نفسه منه، كان رجوعاً؛ لأن التدبير إعتاق
من وجه أو مباشرة سبب لازم لا يحتمل الفسخ والنقض، وكل ذلك دليل الرجوع، والمكاتبة
معاوضة، إلا أن العوض متأخر إلى وقت أداء البدل، فكان دليل الرجوع كالبيع، وبيع نفس
العبد منه إعتاق، فكان رجوعاً.
ولو أوصى بعبدٍ لإنسان، ثم أوصى أن يباع من إنسان آخر، لم يكن رجوعاً، وكانت
الوصية لهما جميعاً؛ لأنه لا تنافي بين الوصيتين؛ لأن كل واحدة منهما تمليك إلا أن إحداهما
تمليك بغير بدل، والأخرى تمليك ببدل، فيكون العبد بينهما نصفه للموصى له به، ونصفه يباع
للموصی له بالبيع.
ولو أوصى أن يعتق عبده ثم أوصى بعد ذلك أن يباع من فلان، أو أوصى أولاً بالبيع ثم
أوصى بالإعتاق، كان رجوعاً؛ لما بين الوصيتين من التنافي؛ إذ لا يمكن الجمع بين الإعتاق
والبيع، فكان الإقدام على الثانية دليل الرجوع عن الأولى، وهذا هو الأصل في جنس هذه

٥٦٨
كتاب الوصايا
المسائل أنه إذا أوصى بوصيتين متنافيتين كانت الثانية مبطلة للأولى، وهو معنى الرجوع، وإن
كانتا غير متنافيتين نفذتا جميعاً.
ولو أوصى بشاة ثم ذبحها كان رجوعاً؛ لأن الملك في باب الوصية يثبت عند الموت،
والشاة المذبوحة لا تبقى إلى وقت الموت عادةً، بل تفسد، فكان الذبح دليل الرجوع.
ولو أوصى بثوب ثم غسله، أو بدار ثم خصصها أو هدمها، لم يكن شيء من ذلك
رجوعاً، لأن الغسل إزالة الدرن، والوصية لم تتعلق به، فلم يكن الغسل تصرفاً في الموصى
به، وتجصيص الدار ليس تصرفاً في الدار، بل في البناء؛ لأن الدار اسم للعرضة، والبناء
بمنزلة الصفة، فيكون تبعاً للدار، والتصرف في التبع لا يدل على الرجوع عن الأصل، ونقض
البناء تصرف في البناء، والبناء صفة وإنها تابعةٌ .
ولو أوصى لرجل أن يشتري له عبداً بعينه، ثم رجع العبد إلى الموصي بهبة أو صدقة أو
وصية أو ميراث، فالوصية لا تبطل، ويجب تنفيذها؛ لأن الوصية ما وقعت بثمن العبد، بل
بعين العبد وهو مقصود الموصي، وإنما ذكر الشراء للتوسل به إلى ملكه، وقد ملكه، فتنفذ فيه
الوصية .
ولو أوصى بشيء لإنسان ثم أوصى به لآخر، فجملة الكلام فيه أنه إذا أعاد عند الوصية
الثانية الوصية الأولى والموصى له الثاني محل قابل للوصية، كان رجوعاً وكان إشراكاً في
الوصية .
وبيان هذه الجملة إذا قال: أوصيت بثلث مالي لفلان، ثم قال: أوصيت بثلث مالي
لفلان آخر ممن تجوز له الوصية، فالثلث بينهما نصفان، وكذا لو قال: أوصيت بهذا العبد
لفلان، وهو يخرج من الثلث، ثم قال: أوصيت به لفلان آخر ممن تجوز له الوصية، كان
العبد بينهما نصفين.
ولو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان أو بعبدي هذا لفلان، ثم قال الذي أوصيت به
لفلان، أو العبد الذي أوصيت به لفلان، فهو لفلان، كان رجوعاً عن الأولى، وإمضاء للثانية،
وَإنما كان كذلك؛ لأن الأصل في الوصية بشيء لإنسان ثم الوصية به لآخر هو الإشراك؛ لأن
فيه عملاً بالوصيتين بقدر الإمكان.
والأصل في تصرف العاقل صيانته عن الإبطال ما أمكن، وفي الحمل على الرجوع إبطال
إحدى الوصيتين من كل وجه، وفي الحمل على الإشراك عمل بكل واحد منهما من وجه،
فيحمل عليه ما أمكن وعند الإعادة، وكون الثاني محلاً للوصية لا يمكن الحمل على الإشراك؛
لأنه لما أعاد علم أنه أراد نقل تلك الوصية من الأول إلى الثاني، ولا ينتقل إلا بالرجوع، فكان
ذلك منه رجوعاً.

٠٠٠
٥٦٩
کتاب الوصايا
هذا إذا قال: الوصية التي أوصيت بها لفلان فهي لفلان، وكذا إذا قال: الوصية التي
أوصيت بها لفلان قد أوصيتها لفلان، أو فقد أوصيتها لفلان، فأما إذا قال: وقد أوصيت بها
لفلان، فهذا يكون إشراكاً؛ لأن الواو للشركة وللاجتماع.
ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي باطلة، فهذا رجوع؛ لأنه نص على إبطال
الوصية الأولى، وهو من أهل الإبطال، والمحل قابل للبطلان، فتبطل، وهو معنى الرجوع.
ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي حرام، أو هي ربا، لا يكون رجوعاً؛ لأن
الحرمة لا تنافي الوصية، فلم يكن دليل الرجوع، ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي
لفلان وارثي، كان هذا رجوعاً عن وصيته لفلان، ووصيته للوارث، فيقف على إجازة الورثة؛
لأنه نقل الوصية الأولى بعينها إلى من يصح العقل إليه؛ لأن الوصية للوارث صحيحة، بدليل
أنها تقف على إجازة بقية الورثة، والباطل لا يحتمل التوقف، وإذا انتقلت إليه لم يبق للأول
ضرورة، وهذا معنى الرجوع، ثم إن أجازت بقية الورثة الوصية لهذا الوارث، نفذت، وصار
الموصى به للموصى له، وإن ردوا بطلت، ولم يكن للموصى له الأول لصحة الرجوع لانتقال
الوصية منه، وصار ميراثاً لورثة الموصي؛ كما لو رجع صريحاً.
ولو قال الوصيةُ التي أوصيت بها لفلان فهي لعمرو ابن فلان، وعمرو حَيٍّ يوم قال
الموصي هذه المقالة، كان رجوعاً عن وصيته؛ لأن الوصية لعمرو وقعت صحيحة؛ لأنه كان
حَيًّا وقت كلام الوصية، فيصح النقل إليه، فصح الرجوع. ولو كان عمرو ميتاً يوم كلام
الوصية، لم تصح الوصية؛ لأن الميت ليس بمحل للوصية، فلم يصح إيجاب الوصية له، فلم
يثبت ما في ضمنه، وهو الرجوع.
ولو كان عمرو حَيًّا يوم الوصية حتى صحت، ثم مات عمرو قبل موت الموصي، بطلت
الوصية؛ لأن نفاذها عند موت الموصي وتعذر تنفيذها عند موته؛ لكون الموصى له ميتاً، فكان
الحال كله للورثة .
ولو قال: الثلث الذي أوصت به لفلان، فهو لعقب عمرو، فإذا عمرو حي ولكنه مات
قبل موت الموصي، فالثلث لعقبه، وكان رجوعاً عن وصية فلان؛ لأن قوله لعقب عمرو وقع
صحيحاً إذا كان لعمرو عقب يوم موت الموصي؛ لأن عقب الرجل من يعقبه بعد موته، وهو
ولده، فلما مات عمرو قبل موت الموصي، فقد صار ولده عقباً له يوم نفاذ الإيجاب، وهو يوم
موت الموصي، فصحت الوصية، كما لو أوصى بثلث ماله لولد فلان ولا ولد له يومئذٍ، ثم
ولد له ولد، ثم مات الموصي - أن الثلث يكون له؛ كذا ههنا، ثم إذا صح إيجاب الثلث له،
بطل حق الأول؛ لما قلنا.

٥٧٠
کتاب الوصايا
فإن مات عقب عمرو بعد موت عمرو قبل موت الموصي، رجع الثلث إلى الورثة؛ لأن
الإيجاب لهم قد صح؛ لكونهم عقباً لعمرو، فثبت الرجوع عن الأول، ثم استحقاقهم بموتهم
قبل موت الموصي، فلا يبطل الرجوع.
ولو مات الموصي في حياة عمرو، فالثلث للموصي له؛ لأن الموصي قد مات ولم يثبت
للموصى لهم اسم العقب بعد، فبطل الإيجاب لهم أصلاً، فبطل ما كان ثبت في ضمنه، وهو
الرجوع عن الوصية الأولى.
ولو أوصى ثم جحد الوصية، ذكر في الأصل أنه يكون رجوعاً، ولم يذكر خلافاً.
قال المعلى عن أبي يوسف في نوادره: قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - في رجل
أوصى بوصية ثم عرضت عليه من الغد، فقال: لا أعرف هذه الوصية، قال: هذا رجوع منه؛
وكذلك لو قال: لم أوص بهذه الوصية، قال: وسألت محمداً عن ذلك فقال: لا يكون الجحد
رجوعاً.
وذكر في ((الجامع)) إذا أوصى بثلث ماله لرجل، ثم قال بعد ذلك: اشهدوا أني لم أوص
لفلانٍ بقليل ولا كثير، لم يكن هذا رجوعاً منه عن وصية فلان، ولم يذكر خلافاً، فيجوز أن
يكون ما ذكر في الأصل قول أبي يوسف، وما ذكر في الجامع قول محمد، ويجوز أن يكون
في المسألة روايتان .
وجه ما ذكر في ((الجامع)) أن الرجوع عن الوصية يستدعي سابقية وجود الوصية،
والجحود إنكار وجودها أصلاً، فلا يتحقق فيه معنى الرجوع، فلا يمكن أن يجعل رجوعاً،
ولهذا لم يكن جحود النكاح طلاقاً، ولأن إنكار الوصية بعد وجودها يكون كذباً محضاً، فكان
باطلاً لا يتعلق به حكم؛ كالإقرار الكذب حتى لو أقر بجارية لإنسان كاذباً والمقر له يعلم
ذلك، لا يثبت الملك حتى لا يحل وطؤها، وكذا سائر الأقارير الكاذبة؛ أنها باطلة في
الحقيقة؛ كذا الإنكار الكاذب.
وجه ما ذكر في الأصل أن معنى الرجوع عن الوصية هو فسخها وَإبطالها، وفسخ العقد
كلام يدل على عدم الرضا بالعقد السابق. وبثبوت حكمه والجحود في معناه؛ لأن الجاحد
لتصرف من التصرفات غير راض به، وبثبوت حكمه، فيتحقق فيه معنى الفسخ، فحصل معنى
الرجوع.
وروى ابن رستم عن محمد - رحمه الله تعالى - لو أن رجلاً أوصى بوصايا إلى رجل،
فقيل له إنك ستبرأ، فأخر الوصية، فقال: أخرتها، فهذا ليس برجوع.
ولو قيل له: اتركها، فقال: قد تركتها، فهذا رجوعٌ؛ لأن الرجوع عن الوصية هو إبطال

٥٧١
کتاب الوصايا
الوصية، والتأخير لا ينبىء عن الإبطال، والترك ينبىء عنه؛ ألا يرى أنه لو قال: أخرت الدين
كان تأجيلاً له لا إبطالاً، ولو قال: تركته كان إبراء.
روى بشر عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله لرجل مسمى،
وأخبر الموصى أن ثلث ماله ألف، أو قال هو هذا، فإذا ثلث ماله أكثر من ألف؛ فإن أبا حنيفة
- رحمه الله - قال: إن له الثلث من جميع ماله، والتسمية التي سمى باطلة، لا ينقض الوصية
خطؤه في ماله، إنما غلط في الحساب، ولا يكون رجوعاً في الوصية.
وهذا قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لأنه لما أوصى بثلث ماله فقد أتى بوصية
صحيحة؛ لأن صحة الوصية لا تقف على بيان مقدار الموصى به، فوقعت الوصية صحيحة
بدونه، ثم بين المقدار وغلط فيه، والغلط في قدر الموصى به لا يقدح في أصل الوصية،
فبقيت الوصية متعلقة بثلث جميع المال؛ ولأنه يحتمل أن يكون هذا رجوعاً عن الزيادة على
القدر المذكور، ويحتمل أن يكون غلطاً، فوقع الشك في بطلان الوصية، فلا تبطل مع الشك
على الأصل المعهود: أن الثابت بيقين لا يزول بالشك.
ولو قال: أوصيت بغنمي كلها وهي مائة شاة، فإذا هي أكثر من مائة، وهي تخرج من
الثلث، فالوصية جائزة في جميعها؛ لما ذكرنا أنه أوصى بجميع غنمه، ثم غلط في العدد،
قال: ولو قال: أوصيت له بغنمي، وهي هذه، وله غنم غيرها، تخرج من الثلث، فإن هذا في
القياس مثل ذلك، ولكني أدع القياس في هذا وأجعل له الغنم التي تسمى من الثلث؛ لأنه جمع
بين التسمية والإشارة، وكل واحد منهما للتعيين، غير أن هذه الإشارة أقوى؛ لأنها تحصر
العين، وتقطع الشركة، فتعلقت الوصية بالمشار إليه، فلا يستحق الموصى له غيره، بخلاف ما
إذا قال: أوصيت له بثلث مالي))، وهو هذا، وله مال آخر غيره - أنه يستحق ثلث جميع المال؛
لأن الإشارة هناك لم تصح؛ لأنه قال: ((ثلث مالي))، والثلث اسم للشائع، والمعين غير
الشائع، فلغت الإشارة، فتعلقت الوصية بالمسمى وهو ثلث المال، وههنا صحت وصية
الإشارة وهي أقوى من التسمية، فتعلقت الوصية بالمشار إليه.
ولو قال: قد أوصيت لفلان برقيقي، وهم ثلاثة، فإذا هم خمسة، جعلت الخمسة كلهم
في الثلث، لأنه أوصى برقيقه كلهم، لكنه غلط في عددهم، والغلط في العدد لا يمنع
استحقاق الكل بالوصية العامة.
ولو أوصى بثلث ماله لبني عمرو بن حماد، وهم سبعة، فإذا بنوه خمسة، كان الثلث
كله لهم؛ لأنه جعل الثلث لبني عمرو بن حماد، ثم وصف بنيه وهم خمسة بأنهم سبعة غلطاً،
فيلغو الغلط، ويلحق بالعدم؛ كأنه لم يتكلم به؛ لأنه لما قال ((وهم سبعة)) ولم يكونوا إلاَّ
خمسة، فقد أوصى لخمسة موجودين ولمعدومين، ومتى جمع بين موجود ومعدوم، وأوصى

٥٧٢
کتاب الوصايا
لهما يلغو ذكر المعدوم، وتكون الوصية للموجود؛ كما لو قال: أوصيت بثلث مالي لعمرو
وخالد ابني فلان، فإذا أحدهما ميت أن الثلث كله للحي منهما؛ كذا هذا؛ وكذلك لو قال:
لبني فلان وهم خمسة، فإذا هم ثلاثة، أو قال: وهم سبعة، فإذا هم ثلاثة أو اثنان؛ لما قلنا.
ولو قال: أوصيت بثلث مالي لبني فلان وله ثلاث بنين أو ابنان، كان جميع الثلث لهم؛
لأن الثلاث يقال لهم بنون، والاثنان في هذا الباب ملحقٌّ بالجميع؛ لأن الوصية أخت
الميراث، وهناك ألحق الاثنتان بالثلاث في حق استحقاق الثلثين؛ كذا هذا.
ولو كان لفلان ابن واحد استحق نصف الثلث؛ لأنه جعل الثلث للبنين والواحد لا ينطلق
عليه اسم البنين لغةً، ولا له حكم الجماعة في باب الوصية والميراث، فلا يستحق الكل، وإنما
صرف إليه نصف الثلث؛ لأن أقل من يستحق كمال الثلث في هذا الباب اثنان، ولو كان معه
آخر لصرف إليهما كمال الثلث، فإذا كان وحده يصرف إليه نصف الثلث.
ولو قال قد أوصيت بثلث مالي لابني فلان عمرو وحماد، فإذا ليس له إلا عمرو، كان
جميع الثلث له؛ لأنه جعل عمراً وحماداً بدلين عن قوله ((ابني فلان))؛ كما يقال: جاءني أخوك
عمرو، والبدل عند أهل النحو هو الإعراض عن قوله الأول والأخذ بالثاني، فكان المعتبر هو
الثاني، والأول يلغو؛ كما إذا قلت جاءني أخوك زيد، يصير كأنك قلت: جاءني زيد،
واعتمدت عليه وأعرضت عن قولك ((أخوك))، إلى هذا ذهب الأئمة من النحويين، وهذا قول
سيبويه، وإذا كان كذلك صار الموصى معتمداً على قوله ((عمرو وحماد))، معرضاً عن قوله
((ابني فلان))، فصار كأنه قال: أوصيت بثلث مالي لعمرو وحماد، وحماد ليس بموجود، ولو
كان كذلك لصرف كل الثلث إلى عمرو؛ وكذا ههنا.
وَالإشكال على هذا أن قوله ((عمرو وحماد)) كما يصلح أن يكون بدلاً عن قوله ((ابني
فلان))، يصلح أن يكون عطف بيان، والمعتبر في عطف البيان المذكور أولاً، والثاني يذكر
لإزالة الجهالة عن الأول؛ كما في قول القائل: ((جاءني أخوك زيد إذا كان في إخوته كثرة، كان
زيد مذكوراً بطريق عطف البيان، لإزالة الجهالة المتمكنة في قوله ((أخوك))، لكثرة الأخوة
بمنزلة النعت، وإذا كان المعتبر هو المذكور أولاً وهو قوله ((ابني فلان))، فإذا لم يكن لفلان إلا
ابن واحد وهو عمرو، فينبغي أن لا يكون له إلا نصف الثلث.
والجواب: نعم، هذا الكلام يصلح لهما جميعاً، لكن الحمل على ما قلنا أوْلَى؛ لأن فيه
تصحيح جميع تصرفه، وهو تمليكه جميع الثلث، وأنه أوصى بتمليك جميع الثلث، وفي
الحمل على عطف البيان إثبات تمليك النصف، فكان ما قلناه أولى، على أن من شرط عطف
البيان أن يكون الثاني معلوماً؛ كما في قول القائل جاءني أخوك زيد، كان زيد معلوماً، فزال به
وصف الجهالة المعترضة في قوله ((أخوك)) بسبب كثرة الأخوة، وفي مسألتنا الثاني غير معلوم؛

٥٧٣
کتاب الوصايا
لأن اسم حماد ليس له مسمى موجود له، ليكون معلوماً؛ فيحصل به إزالة الجهالة، فتعذر
حمله على عطف البيان، فيجعل بدلاً للضرورة.
ولو قال: أوصيت لبني فلان وهم خمسة، ولفلان ابن فلان بثلث مالي، فإذا بنو فلان
ثلاثة، فإن لبني فلان ثلاثة أرباع الثلث، ولفلان ابن فلان ربع الثلث؛ لما ذكرنا أن قوله وهم
خمسة لغوّ إذا كانوا ثلاثة، فبقي قوله أوصيت بثلث مالي لبني فلان ولفلان ابن فلان، فيكون
الثلث بينهم أرباعاً، لحصول الوصية لأربعة، فيكون بينهم أرباعاً؛ لاستواء كل سهم فيها.
ولو قال: قد أوصيت لبني فلان وهم ثلاثة بثلث مالي، فإذا بنو فلان خمسة، فالثلث
لثلاثة منهم؛ لأن قوله ((لبني فلان)) اسم عام، وقوله ((وهم ثلاثة تخصيصٌ، أي أوصيت لثلاثة
من بني فلان، فصح الإيصاء لثلاثة منهم غير معينين، وهذه الجهالة لا تمنع صحة الوصية؛
لأنها محصورة مستدركة، ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة الوصية؛ لأن تنفيذها ممكن؛ كما
لو أوصى لأولاد فلان، وكما لو أوصی بثلث ماله وهو مجهول لا يدري كم يكون عند موت
الموصي، بخلاف ما إذا أوصى لواحد من عرض الناس؛ حيث لم يصح؛ لأن تلك الجهالة
غير مستدركة، وكذا لو أوصى لقبيلة لا يحصون؛ لأنه لا يمكن حصرها، والخيار في تعيين
الثلاثة من بنيه إلى ورثة الموصي؛ لأنهم قائمون مقامه، والبيان كان إليه؛ لأنه هو المبهم، فلما
مات عجز عن البيان بنفسه، فقام من يخلفه مقامه؛ بخلاف ما إذا أوصى لمواليه؛ حيث لم
تصح، ولم تقم الورثة مقامه، لأن هناك تخلف المقصود من الوصية، ولا يقف على مقصود
الموصي أنه أراد به زيادة في الإنعام أو الشكر أو مجازاة أحد من الورثة، فلا يمكنهم التعيين،
وههنا الأمر بخلافه.
واستشهد محمد - رحمه الله - لصحة هذه الوصية فقال: ألا يرى أن رجلاً لو قال:
أوصيت بثلث مالي لبني فلان، وهم ثلاثة: فلان وفلان وفلان، فإذا بنو فلان غير الذين
سماهم - أن الوصية جائزة لمن سمى؛ لأنه خص البعض؛ فكذا ههنا.
أوضح محمد - رحمه الله تعالى - جواز تخصيص ثلاثة مجهولين بعلمه؛ لجواز
تخصيص ثلاثة معينين، وأنه إيضاح صحيح، ولو قال: قد أوصيت بثلث مالي لبني فلان، وهم
ثلاثة، ولفلان ابن فلان، فإذا بنو فلان خمسة، فلفلان ابن فلان ربع الثلث؛ لأن قوله وهم
ثلاثة صحيحٌ، لما ذكرنا أنه تخصيص العام، فصار موصياً بثلث ماله لثلاثة من بني فلان،
ولفلان ابن فلان، فكان فلان رابعهم، فكان له ربع الثلث وثلاثة أرباعه لثلاثة من بني فلان.
ولو أوصى لرجل بمائة ولرجل آخر بمائة، ثم قال لآخر: قد أشركتك معهما، فله ثلث
كل مائة؛ لأن الشركة تقتضي التساوي، وقد أضافها إليهما، فيقتضي أن يستوي كل واحد
منهما، ولا تتحقق المساواة إلا بأن يأخذ من كل واحد منهما ثلث ما في يده؛ فيكون لكل

٥٧٤
کتاب الوصايا
واحد ثلثا المائة، فتحصل المساواة، وإن أوصى لرجل بأربعمائة ولآخر بمائتين، ثم قال
لآخر: قد أشركتك معهما، فله نصف ما أوصى لكل واحد منهما، لأن تحقيق المشاركة بينهم
على سبيل الجملة غير ممكن في هذه الصورة؛ لاختلاف الأنصباء، فيتحقق التساوي على
سبيل الانفراد؛ تحقيقاً لمقتضى الشركة بقدر الإمكان.
وكذا لو أوصى لاثنين لكل واحد جارية، ثم أشرك فيهما ثالثاً، كان له نصف كل واحدة
منهما؛ لما ذكرنا أن إثبات الاستواء على سبيل الاجتماع غير ممكن، ولو قال: سدس مالي
لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في مجلس آخر ثلث مالي لفلان، فأجازت الورثة، فله
ثلث المال؛ لأن الموصي أثبت الثلث، فثبت وهو يتضمن السدس، فثبت المتضمن به بثبوت
المتضمن، فيصير كأنه أعاد الأول زيادة.
ولو قال: سدس مالي لفلان وصية سدس مالي لفلان، فإنما هو سدس واحد؛ لأن
الأصل أن المعرفة إذا كررت كان المراد بالثاني هو الأول والسدس ههنا ذكر معرفة لإضافته إلى
المال المعروف؛ بالإضافة إلى ضمير المتكلم، والله أعلم.
وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بخاتم لفلان وبفصه لفلان آخر، وجملةُ الكلام فيه أن
الأمر لا يخلو إما إن كانت الوصيتان في كلام واحد متصل، وَإما إن كانتا في كلام منفصل،
فإن كانَتًا في كلام منفصل، فالحلقة للموصى له بالخاتم، والفص للموصى له بالفص بلا
خلافٍ، وَإِن كَانَتَا في كلام منفصلٍ؛ فكذلك في قول أبي يوسف.
وقيل: إنه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أيضاً.
وقال محمد - رحمه الله تعالى - الحلقة للموصى له بالخاتم، والفص بينهما .
وجه قوله: إن الوصية بالخاتم تتناول الحلقة والفص، وبالوصية لآخر بالفص، لم يتبين
أن الفص لم يدخل، وإذا كان كذلك بقي الفص داخلاً في الوصية بالخاتم، وإذا أوصى بالفص
لآخر، فقد اجتمع في الفص وصيتان، فيشتركان فيه، ويسلم الحلقة للأول.
ولأبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن اسم الخاتم يتناول الفص الذي فيه، إما بطريق
التضمن؛ لأنه جزء من أجزاء الخاتم بمنزلة اسم الإنسان أنه يتناول جميع أجزائه بطريق
التضمن، وإما بطريق التبعية؛ لكن عند الإطلاق، فإذا أفرد البعض بالوصية لآخر تبين أنه لم
يتناوله؛ حيث جعله منصوصاً عليه أو مقصوداً بالوصية، فبطلت التبعية؛ لأن الثابت نَصًّا فوق
الثابت ضمناً وتبعاً، والأصل في الوصايا أن يقدم الأقوى فالأقوى، وصار هذا كما إذا أوصى
بعبده لإنسان وبخدمته لآخر، أن الرقبة تكون للموصى له الأول، والخدمة للموصى له الثاني؛
لما قلنا؛ كذا هذا.

٥٧٥
کتاب الوصايا
وبهذا تبين أن هذا ليس نظير اللفظ العام إذا ورد عليه التخصيص؛ لأن اللفظ العام يَتناول
كل فرد من أفراد العموم بحروفه، فيصير كل فرد من أفراده منصوصاً عليه، وههنا كل جزء من
أجزاء الخاتم لا يصير منصوصاً عليه بذكر الخاتم.
ألا يرى أن كل جزء من أجزاء الخاتم لا يسمى خاتماً؛ كما لا يسمى كل جزء من أجزاء
الإنسان إنساناً، فلم يكن هذا نظيراً للفظ العام، فلا يستقيم قياسه عليه، مع ما أن المذهب
الصحيح في العام أنه يحتمل التخصيص بدليل متصل ومنفصل، والبيان المتأخر لا يكون نسخاً
لا محالة، بل قد يكون نسخاً وقد يكون تخصيصاً على ما عرف في أصول الفقه، على أن
الوصية بالخاتم وإن تناولت الحلقة والفص، لكنه لما أوصى بالفص لآخر، فقد رجع عن
وصيته بالفص للأول، والوصية عقد غير لازم ما دام الموصى حيًّا فتحتمل الرجوع.
ألا يرى أنه يحتمل الرجوع عن كل ما أوصى به، ففي البعض أولى، فيجعل رجوعاً في
الوصية بالفص للموصى له بالخاتم، وعلى هذا إذا أوصى بهذ الأمة لفلان وبما في بطنها
لآخر، أو أوصى بهذه الدار لفلان وببنائها لآخر، أو أوصى بهذه القوصرة لفلان وبالثمر الذي
فيها لآخر، إنه إن كان موصولاً كان لكل واحد منهما ما أوصى له به بالإجماع، وَإن كان
مفصولاً فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
ولو أوصى بهذا العبد لفلان وبخدمته لفلان آخر، أو أوصى بهذه الدار لفلان وبسكناها
لآخر، أو بهذه الشجرة لفلان وثمرتها لآخر، أو بهذه الشاة لفلان وبصوفها لآخر، فلكل واحد
منهما ما سمي له بلا خلافٍ، سواء كان موصولاً أو مفصولاً؛ لأن اسم العبد لا يتناول
الخدمة، واسم الدار لا يتناول السكنى، واسم الشجرة لا يتناول الثمرة، لا بطريق العموم ولا
بطريق التضمن؛ لأن هذه الأشياء ليست من أجزاء العين، إلا أن الحكم متى ثبت في العين
ثبت فيها بطريق التبعية، لكن إذا لم يفرد التبع بالوصية فإذا أفردت صارت مقصودة بالوصية،
فلم تبق تابعة، فيكون لكل واحد منهما ما أوصى له به، أو تجعل الوصية الثابتة رجوعاً عن
الوصية بالخدمة، والسكنى والثمرة والوصية تقبل الرجوع.
وهذه المسائل حجة أبي يوسف في المسألة الأولى.
ولو ابتدأ بالتبع في هذه المسائل ثم بالأصل؛ بأن أوصى بخدمة العبد لفلان ثم بالعبد
لآخر، أو أوصى بسكنى هذه الدار الإنسان ثم بالدار لآخر، أو بالثمرة لإنسان ثم بالشجرة
لآخر، فإذا ذكر موصولاً فلكل واحد منهما ما أوصى له به، وإن ذكر مفصولاً فالأصل
للموصى له بالأصل والتبع بينهما نصفان؛ لأن الوصية الثابتة تناولت الأصل والتبع جميعاً، فقد
اجتمع في التبع وصيتان، فيشتركان فيه، ويسلم الأصل لصاحب الأصل، وهذا حجة محمد
- رحمه الله في المسألة المتقدمة .

٥٧٦
کتاب الوصايا
ولو أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بخدمته لآخر، ثم أوصى له بالعبد بعد ما أوصى له
بالخدمة، أو أوصى بخاتمه لإنسان ثم أوصى بفصه لآخر ثم أوصى له بالخاتم بعد ما أوصى له
بالفص، أو أوصى بجاريته لإنسان ثم أوصى بولدها لآخر، ثم أوصى له بالجارية بعد ما أوصى
له بولدها، فالأصل والتبع بينهما نصفان: نصف العبد لهذا ونصفه للآخر، ولهذا نصف خدمته
وللآخر نصف خدمته، وكذا في الجارية مع ولدها والخاتم مع الفص؛ لأن الوصية لأحدهما
بالأصل وصية بالتبع، ويبطل حكم الوصية بالتبع بانفراده، وصار كأنه أوصى لكل واحد
بالأصل والتبع نصًّا، ولو كان كذلك لاشتركا في الأصل والتبع؛ كذا هذا.
فَإن كان أوصى للثاني بنصف العبد يقسم العبد بينهما أثلاثاً، وكان للثاني نصف الخدمة؛
لأنه لما أوصى له بنصف العبد، بطلت وصيته في خدمة ذلك النصف؛ لدخولها تحت الوصية
بنصف العبد، وبقيت وصيته بالخدمة في النصف الآخر.
وَذَكر ابن سماعة أن أبا يوسف رجع عن هذا، وقال: إذا أوصى بالعبد لرجل وأوصى
بخدمته لآخر، ثم أوصى برقبة العبد أيضاً لصاحب الخدمة؛ فإن العبد بينهما والخدمة كلها
للموصى له بالخدمة؛ لإفراده بالوصية بالخدمة، فوقع صحيحاً، فلا تبطل بالوصية بالرقبة،
فصار الموصى له الثاني موصى له بالرقبة والخدمة على الانفراد، فيستحق نصف الرقبة
لمساواته صاحبه في الوصية بها، وينفرد بالوصية بالخدمة.
وقال: لو أوصى لرجل بأمة تخرج من الثلث، وأوصى لآخر بما في بطنها، وأوصى بها
أيضاً للذي أوصى له بما في البطن، فالأمة بينهما نصفان، والولد كله للذي أوصى له به
خاصة، لا يشركه فيه صاحبه؛ لما ذكرنا أنهما تَسَاوَيا في استحقاق الرقبة وانفرد صاحب الولد
بالوصية به خاصّة .
ولو أوصى بالدار لرجل وأوصى ببيت فيها بعينه لآخر، فإن البيت بينهما بالحصص،
وكذا لو أوصى بألف درهم بعينها لرجل، وأوصى بمائة منها لآخر - كان تسعمائة لصاحب
الألف، والمائة بينهما نصفان؛ لأن اسم الدار يتناول البيوت التي فيها بطريق الأصالة لا بطريق
التبعية؛ وكذا اسم الألف يتناول كل مائة منها بطريق الأصالة، وكان كل واحد منهما أصلاً في
كونه موصى به، فيكون بينهما، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كيفية القسمة، فعند
أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - على طريق المنازعة، وعند أبي يوسف على طريق المضاربة،
فيقسم على أحد عشر: لصاحب المائة جزء من أحد عشر في المائة، ولصاحب الألف عشرة
أجزاء في جميع الألف؛ وكذلك الدار والبيت.
ولو أوصى ببيت بعينه لرجل وساحته لآخر، كان البناء بينهما بالحصص؛ لأن البيت لا
يسمى بيتاً بدون البناء، فكانت وصية الأول متناولة للبناء بطريق الأصالة، فيشارك الموصى له

٥٧٧
کتاب الوصايا
بالساحة، بخلاف الوصية بدار لإنسان وببنائها لآخر - أنهما لا يشتركان في البناء، بل تكون
العرضة للموصى له بالدار، والبناء لآخر، لأن اسم الدار لا يتناول البناء بطريق الأصالة، بل
بطريق التبعية؛ إذ الدار اسم للعرضة في اللغة، والبناء فيها تبعّ؛ بدليل أنها تسمى داراً بعد زوال
البناء، فكان دخول البناء في الوصية بالدار من طريق التبعية، فكانت العرصة للأول، والبناء
للثاني، والله تعالى أعلم.
وأما الرجوع الثابت من طريق الضرورة، فنوعان: أحدهما أن يتصل بالعين الموصى به
زيادة لا يمكن تسليم العين بدونها؛ كما إذا أوصى بسويق ثم لته بالسمن؛ لأن الموصى به
اتصل بما ليس بموصى به، بحيث لا يمكن تسليمه بدونه لتعذر التمييز بينهما، فثبت الرجوع
ضرورة.
وكذا إذا أوصى بدار ثم بنى فيها، أو أوصى بقطن ثم حشاه جبة فيه، أو أوصى ببطانة ثم
بطن بها، أو بظهارة ثم ظهر بها؛ لأنه لا يمكن تسليم الموصى به إلا بتسليم ما اتصل به، ولا
يمكن تسليمه إلا بالنقض، ولا سبيل إلى التكليف بالنقض؛ لأنه تصرف في ملك نفسه، فجعل
رجوعاً من طريق الضرورة، ويمكن إثبات الرجوع في هذه المسائل من طريق الدلالة أيضاً؛
لأن اتصال الموصى به بغيره حصل بصنع الموصي، فكان تعدد التسليم مضافاً إلى فعله، وكان
رجوعاً منه دلالة، والثاني أن يتغير الموصى به بحيث يزول معناه واسمه، سواء كان التغيير إلى
الزيادة أو إلى النقصان؛ كما إذا أوصى لإنسان بثمر هذا النخل، ثم لم يمت الموصي حتى
صار بسراً، أو أوصى له بهذا البسر، ثم صار رطباً، أو أوصى بهذا العنب فصار زبيباً، أو بهذا
السنبل فصار حنطةً، أو بهذا القصيل فصار شعيراً، أو بالحنطة المبذورة في الأرض فنبتت
وصارت بقلاً، أو بالبيضة فصارت فرخاً؛ أو نحو ذلك، ثم مات الموصي - بطلت الوصية فيما
أوصى به، فيثبت الرجوع ضرورة.
هذا إذا تغير الموصى به قبل موت الموصي؛ لأنه صار شيئاً آخر لزوال معناه واسمه،
فتعذر تنفيذ الوصية فيما أوصى به، وأما إذا تغير بعد موته فحكمه يذكر في بيان ما تبطل به، إن
شاء الله تعالى.
ولو أوصى برطب هذا النخل، فصار بسراً، فالقياس أن تبطل الوصية لتغير الموصى به،
وهو الرطب من الرطوبة إلى اليبوسة وزوال اسمه، وفي الاستحسان لا تبطل؛ لأن معنى الذات
لم يتغير من كل وجه، بل بقي من وجه؛ ألا يرى أن غاصباً لو غصب رطب إنسان، فصار تمراً
في يده - لا ينقطع حق المالك، بل يكون له الخيار: إن شاء أخذه تمراً، وَإن شاء ضمنه رطباً
مثل رطبه .
بدائع الصنائع ج ١٠ - م٣٧

٥٧٨
کتاب الوصايا
فصل في بيان حكم الوصية
وأما بيان حكم الوصية، فالوصية في الأصل نوعان: وصية بالمال، ووصيه بفعل متعلق
بالمال لا يتحقق بدون المال.
أما الوصية بالمال فحكمها ثبوت الملك في المال الموصى به للموصى له، والمال قد
يكون عيناً، وقد يكون منفعة، ويتعلق بالملك في كل واحد منهما أحكام، أما ملك العين:
فحكم مطلق ملكه وحكم سائر الأعيان المملوكة بالأسباب الموضوعة لها سواء؛ كالبيع والهبة
والصدقة ونحوها، فيملك الموصى له التصرف فيها بالانتفاع بعينها والتمليك من غيره، بيعاً
وهبة ووصيةً؛ لأنه ملك بسبب مطلق، فيظهر في الأحكام كلها، ويظهر في الزوائد المتصلة أو
المنفصلة الحادثة بعد موت الموصي، سواء حدثت بعد قبول الموصى له أو قبل قبوله؛ بأن
حدثت ثم قبل الوصية.
أما بعد القبول فظاهر؛ لأنها حدثت بعد ملك الأصل، وملك الأصل موجب ملك
الزيادة .
وأما قبل القبول؛ فلأن الملك بعد القبول ثبت من وقت الموت؛ لأن الكلام السابق صار
سبباً لثبوت الملك في الأصل وقت الموت؛ لكونه مضافاً إلى وقت الموت فصار سبباً عند
الموت، فإذا قبل ثبت الملك فيه من ذلك الوقت؛ لوجود السبب في ذلك الوقت؛ كالجارية
المبيعة بشرط الخيار للمشتري، إذا ولدت في مدة الخيار ثم أجاز المشتري البيع - أنه يملك
الولد لما قلنا، كذا هذا؛ وكانت الزوائد موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث؛ لأن الملك
فيها بواسطة ملك الأصل مضاف إلى كلام سابق؛ كأنها كانت موجودة في ذلك الوقت، وهل
يكون موصى بها بعد القبول قبل القسمة، لم يذكر في الأصل.
واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يكون حتى لا يعتبر فيها الثلث، ويكون في
جميع المال؛ كما لو حدثت بعد القسمة؛ لأنها حدثت بعد ملك الأصل.
وقال عامتهم: يكون؛ لأن ملك الأصل وإن ثبت لكنه لم يتأكد؛ بدليل أنه لو هلك ثلث
التركة قبل القسمة، وصارت الجارية بحيث لا تخرج من ثلث المال، كانت له الجارية بقدر
ثلث الباقي، ويستوي فيما ذكرنا من الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل، أو في معنى
المتولدة؛ كالولد والأرش والعقر وما لم يكن متولداً من الأصل رأساً؛ كالكسب والغلة، فرقاً
بين الوصية وبين البيع؛ حيث ألحق الكسب والغلة بالمتولد في الوصية، ولم يلحقهما في
البيع، والفرق أن الكسب والغلة بدل المنفعة، والمنفعةُ تملك بالوصية مقصوداً؛ كذا بدلها
بخلاف البيع، ثم إذا صارت الزوائد موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث، فإن كانت

٥٧٩
کتاب الوصايا
الجارية مع الزيادة يخرجان من الثلث يعطيان للموصى له، وإن كان لا يخرجان جميعاً من
الثلث، فعند أبي حنيفة - رحمه الله - يعطى للموصى له الجارية أولاً من الثلث، فإن فضل من
الثلث شيء يعطى من الزيادة بقدر ما فضل، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، يعطى
الثلث منهما جميعاً بقدر الحصص.
وجه قولهما: إن الزيادة إن صارت موصى بها، صارت كالموجودة عند العقد، فيعطى
الثلث منهما جميعاً، أكثر ما في الباب أن فيه تغيير حكم العقد في الأصل بسبب الزيادة، لكن
هذا جائز، كما في الزيادة المتصلة.
ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن القول بانقسام الثلث على الأصل والزيادة إضرار
بالموصى له من غير ضرورة؛ وهذا لا يجوز.
بيان ذلك أن حكم الوصية في الأصل قبل حدوث الزيادة كان سلامة كل الجارية
للموصى له، وبعد الانقسام لا تسلم الجارية له، بل تصير مشتركة، والشركة في الأعيان عيب
خصوصاً في الجواري، فيتضرر به الموصى له، ولا ضرورة إلى إلحاق هذا الضرر لإمكان
تنفيذ الوصية في الأصل بدون الزيادة؛ بخلاف الزيادة المتصلة؛ فإن هناك ضرورة لتعذر تنفيذ
الوصية في الأصل بدون الزيادة؛ لعدم إمكان التمييز، فمست الضرورة إلى التنفيذ فيهما من
الثلث.
وأما الزوائد الحادثة قبل موت الموصي، فلا يملكها الموصى له؛ لأنها حدثت قبل ملك
الأصل، وقبل انعقاد سبب الملك؛ لأن الكلام السابق إنما يصير سبباً عند الموت، فإذا مات
الموصي ملكها الورثة، والله تعالى أعلم.
وأما ملك المنفعة بالوصية المضافة إليها مقصوداً، فيتعلق بها أحكام مختلفة، فنذكرها،
فنقول وبالله التوفيق.
إن الملك في المنفعة ثبت موقتاً لا مطلقاً، فإن كانت الوصية مؤقتة إلى مدة، تنتهي
بانتهاء المدة، ويعود ملك المنفعة إلى الموصى له بالرقبة إن كان قد أوصى بالرقبة إلى إنسان،
وَإن لم يكن يعود إلى ورثة الموصي، وإن كانت مطلقة تثبت إلى وقت موت الموصى له
بالمنفعة، ثم ينتقل إلى الموصى له بالرقبة إن كان هناك موصى له بالرقبة، وإن لم يكن ينتقل
إلى ورثة الموصي، وليس للموصى له بالخدمة والسكنى أن يؤاجر العبد أو الدار من غيره
عندنا، وعند الشافعي له ذلك.
وَجْهُ قوله إن الموصى له بالمنفعة قد ملك المنفعة؛ كالمستأجر له أن يؤاجر من غيره؛
كذا هذا، ولهذا يملك الإعارة؛ كذا الإجارة.

٥٨٠
کتاب الوصايا
ولنا أن الثابت للموصى له بالسكنى والخدمة ملك المنفعة بغير عوض، فلا يحتمل
التمليك بعوض، كالملك الثابت للمستعير بالإعارة حتى لا يملك الإجارة، كذا هذا، أو يخدم
العبد بنفسه .
ولو أوصى بغلة الدار والعبد، فأراد أن يسكن بنفسه أو يستخدم العبد بنفسه، هل له
ذلك؟ لم يذكر في الأصل، واختلف المشايخ فيه، قال أبو بكر الإسكاف له ذلك، وقال أبو
بكر الأعمش: ليس له ذلك، وهو الصحيحُ؛ لأنه أوصى له بالغلة لا بالسكنى والخدمة، وليس
له أن يخرج العبد من الكوفة إلا أن يكون أهل الموصى له في غير الكوفة، فله أن يخرجه إلى
أهله؛ ليخدمه هناك إذا كان يخرج من الثلث؛ لأن الوصية بالخدمة تقع على الخدمة المعهودة
المتعارفة، وهي الخدمة عند أهله، فكان ذلك مأذوناً فيه دلالة؛ لأن لصاحب الرقبة حق الحفظ
والصيانة، وإنما يمكنه إذا كانت الخدمة بحضرته.
هذا إذا كان العبد يخرج من الثلث، فإن كان لا يخرج من الثلث، فليس له أن يخرجه
إلى مصر آخر؛ لأنه إذا لم يكن له مال آخر سواه، يخدم الموصى له يوماً والورثة يومين،
فيكون كالعبد المشترك، فلا يملك إخراجه؛ لما في الإخراج من إبطال حق الورثة، وما وهب
للعبد أو تصدق به عليه أو اكتسبه، فهو لصاحب الرقبة؛ لأن ذلك مال العبد، والعبد في
الحقيقة لصاحب الرقبة، فكان كسبه له، قال رسول الله وَلّ: ((مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ
لِبَائِهِ إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ))(١).
ولو كان مكان العبد أمة فولدت ولداً، فهو لصاحب الرقبة؛ لأنه متولد من الرقبة،
والرقبة له؛ ولأنه أوصى له بخدمة شخص واحد، فلا يستحق خدمة شخصين، ونفقة العبد
وكسوته على صاحب الخدمة إن كان العبد كبيراً؛ لأن منفعته له، فكانت النفقة والكسوة عليه؛
إذ الخراج بالضمان، ولهذا كانت نفقة العبد المستعار على المستعير؛ كذا هذا؛ بخلاف العبد
الرهن إن نفقته على الراهن، لا على المرتهن؛ لأن منفعته للراهن؛ ألا يرى أنه لو هلك يسقط
عنه من الدين بقدره؛ وكذا له أن يفتكه في أيّ وقتٍ شاء، فينتفع به.
وَإن كان العبد صغيراً يخرج من الثلث فنفقته على صاحب الرقبة إلى أن يدرك الخدمة،
ويصير من أهلها؛ لأنه لا منفعة لصاحب الخدمة للحال، ومنفعة النماء والزيادة لصاحب
الرقبة، فكانت النفقة عليه حتى يبلغ الخدمة، فإذا بلغ فنفقته على صاحب الخدمة؛ لأن المنفعة
تحصل له .
(١) تقدم.