Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب الجنايات منها: وجوب الكفارة عند وجود شرائط الوجوب؛ وهي نوعان: بعضُها يرجع إلى القاتل، وبعضها إلى المقتول. أما الذي يرجع إلى القاتل: فالإسلام، والعقل، والبلوغ، فلا تجب الكفارة على الكافر والمجنون والصبي؛ لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات، والكفارة عبادة، والصبي والمجنون لا يخاطبا بالشرائع أصلاً. وأما الذي يرجع إلى المقتول، فهو أن يكون المقتول معصوماً، فلا تجب بقتل الحربي والباغي؛ لعدم العصمة. ١٢٧/٣ وأما كونه مسلماً فليس بشرطٍ، فيجب، سواء كان مسلماً أو ذميًّا أو مستأمناً، وسواء كان مسلماً أسلم في دار الإسلام أو في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقِبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ) إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ وَهُوْ مُؤْمِنْ فَتَحْرِيرُ رَقْبَةٍ / مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولأن القاتل قد سلم لَه الحياة في الدنيا؛ وهي من أعظم النعم، ورفعت عنه المؤاخذة في الآخرة، مع جواز المؤاخذة في الحكمة؛ لما في وسع الخاطىء في الجملة حفظ نفسه عن الوقوع في الخطأ، وهذا أيضاً نعمة، فكان وجوب الشكر لهذه النعمة موافقاً للعقل، فبين الله تعالى مقداره وجنسه بهذه الآية؛ ليقدر العبد على أداء ما وجب عليه من أصل الشكر بتقضية(١) العقل؛ ولأن فعل الخطأ جناية، والله تعالى المؤاخذة عليه بطريق العدل؛ لأنه مقدور الامتناع بالتكلف والجهد، وإذا كان جناية، فلا بد لها من التكفير والتوبة، فجعل التحرير من العبد بحق التوبة عن القتل الخطأ بمنزلة التوبة الحقيقية في غيره من الجنايات، إلاّ أنه جعل التحرير أو الصوم توبة له دون التوبة الحقيقية؛ لخفة الجناية بسبب الخطأ إذ الخطأ معفو في الجملة، وجائز العفو عن هذا النوع، فخفت توبته لخفة في الجناية، فكان التحرير في هذه الجناية بمنزلة التوبة في سائر الجنايات. ومنها: حرمان الميراث؛ لأنه وجد القتل مباشرة بغير حق، أما المباشرة فلا شك فيها، وأما الخطر والحرمة؛ فلأن فعل الخطأ جناية جائز المؤاخذة عليها عقلاً لما بينا، والدليل عليه قولُه عزَّ اسمه: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولو لم يكن جائز المؤاخذة؛ لكان معنى الدعاء: اللهم لا تجر علينا، وهذا محالٌ، وإنما رفع حكمها شرعاً ببركة دعاء النبي - عليه الصلاة والسلام -. (١) يتعصينه. ٣٠٢ کتاب الجنايات وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا أَسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))(١) مع بقاء وصف الفعل على حاله وهو كونه جناية. (١) أخرجه ابن ماجه (٦٥٩/١) كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي حديث (٢٠٤٥) والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٤٥/٤) والبيهقي (٣٥٦/٧ - ٣٥٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في طلاق المكره، كلهم من طريق محمد بن المصفى ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله وع الفجر قال: (إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه وعن الخطأ والنسيان)) ومن طريق محمد بن المصفى. أخرجه أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمي المعروف بأخي عاصم في ((فوائده)» والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) كما في ((المقاصد الحسنة)) (ص - ٢٢٩). قال الحافظ البوصيري ((في الزوائد)» (١٣٠/٢): هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع والظاهر أنه منقطع، قال المزي في ((الأطراف)) رواه بشر بن بكر التنيسي عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس. انتهى وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم. اهـ. وهذا كلام جيد من الحافظ البوصيري رحمه الله والطريق الذي أشار إليه الحافظ المزي. أخرجه ابن حبان (١٤٩٨ - موارد) والدارقطني (١٧٠/٤ - ١٧١) كتاب النذور رقم (٢٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٥/٣) كتاب الطلاق: باب طلاق المكره، والحاكم (١٩٨/٢) كتاب الطلاق والبيهقي (٣٥٦/٧) كتاب الخلع والطلاق: باب طلاق المكره، والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((التلخيص)) (٢٨٢/١) كلهم من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء بن رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال البيهقي: جوده بشر بن بكر. وقال الطبراني: لم يروه عن الأوزاعي مجوداً إلا بشر اهـ. ومن هذا الطريق صححه ابن حبان. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وللحديث طرق أخرى عن ابن عباس . الطريق الأول: أخرجه الطبراني في «الكبير ((١٣٣/١١ - ١٣٤) رقم (١١٢٧٤). من طريق مسلم بن خالد الزنجي حدثني سعيد هو العلاف عن ابن عباس قال قال رسول الله وَالية: ((إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). قال الحافظ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (ص - ٣٢٦): أخرجه الجوزجاني وسعيد العلاف هو سعيد بن أبي صالح قال أحمد؛ وهو مكي قيل له كيف حاله؟ قال: لا أدري وما علمت أحداً روى عنه غير مسلم بن خالد قال أحمد: وليس هذا مرفوعاً إنما هو عن ابن عباس قوله نقل ذلك عنه مهنا، ومسلم ابن خالد ضعفوه اهـ. الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٨٢/٥) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي حدثني أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله وَ لفي قال: ((عفي لي عن أمتي الخطأ والنسيان والاستكراه)) وعبد الرحیم بن زید. قال يحيى: ليس بشيء، وقال البخاري: تركوه، وقال السعدي، غير ثقة اسند ذلك عنهم ابن عدي في ((الكامل». وقال النسائي: متروك وضعفه أبو داود وأبو زرعة التهذيب (٢٧٣/٦) وزيد العمي قال الحافظ في ((التقريب)) (٢٧٤/١): ضعيف. = ٣٠٣ كتاب الجنايات وللحديث شواهد من حديث أبي بكرة وأبي الدرداء وأم الدرداء وثوبان وعقبة بن عامر وابن عمر وأبي ذر. = حديث أبي بكرة أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٩٠/١ - ٩١) وابن عدي في ((الكامل)) (٢/ ١٥٠) من طريق جعفر بن جسر بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله وَّه: ((رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه)). قال الحسن: قول باللسان فأما اليد فلا. ومن هذا الوجه أخرجه الحافظ في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٥٠٦/١) وقال: هذا حديث غريب أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) عن حذيفة بن الحسن عن أبي أمية محمد بن إبراهيم عن جعفر وعده في منكرات جعفر وقال: لم أر للمتقدمين فيه كلاماً ولعل ذلك من قبل أبيه فإني لم أر له رواية عن غيره. قلت: أي الحافظ أبوه ضعفه يحيى بن معين والبخاري وغيرهما اهـ. حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني كما في ((نصب الراية)) (٢/ ٦٥) من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَل9: ((إن الله تجاوز لأمتي عن النسيان وما أكرهوا عليه)). قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٢/١): وفي إسناده ضعف. حديث أم الدرداء: أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تخريج المختصر (٥٠٩/١) من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر ابن حوشب عن أم الدرداء عن النبي ◌َّر قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث عن الخطأ والنسيان والاستكراه)) قال أبو بكر الهذلي - فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل أما تقرأ بذلك قرآناً ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. قال الحافظ: وأبو بكر الهذلي ضعيف وفي الإسناد مع ذلك انقطاع أو إرسال بالنسبة لأم الدرداء لأنها إن كانت الكبرى فمنقطع وإن كانت الصغرى فمرسل وفي شهر مقال أيضاً اهـ. والحديث ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (١ / ٦٦٥) وعزاه لابن أبي حاتم. حديث ثوبان: أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٩٧/٢) رقم (١٤٣٠) من طريق يزيد بن ربيعة الرحبي ثنا أبو الأشعث عن ثوبان عن رسول الله وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه». قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٣/٦): رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو ضعيف. والحديث ضعف سنده الحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٢/١). حديث عقبة بن عامر: ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٥٣/٦) وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. حديث ابن عمر: أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٤٥/٤) وأبو نعيم في الحلية (٣٥٢/٦) والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٣) كلهم من طريق محمد بن المصفى عن الوليد ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك تفرد به ابن مصفى عن الوليد وضعفه العقيلي وأعله بابن مصفى ونقل تضعيفه عن الوليد وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٣/٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مصفى وثقه أبو حاتم وغيره وفيه كلام لا يضر وبقية رجاله رجال الصحيح. حديث أبي ذر. = ٣٠٤ كتاب الجنايات ومنها: وجوب الدية(١)، والكلام في الدية في مواضع: في بيان شرائط وجوب الدية. وفي بيان ما تجب منه الدية من الأجناس. وفي بيان مقدار الواجب من كلِّ جنس. وفي بيان صفته. وفي بيان من تجب عليه الدية. وفي بيان كيفية الوجوب. أما الشرائط، فبعضها شرط أصل الوجوب، وبعضها شرط كمال الواجب، أما شرط أصل الوجوب فنوعان : أخرجه ابن ماجه (٦٥٩/١) كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي حديث (٢٠٤٣) من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر مرفوعاً. قال البوصيري في ((الزوائد» (١٣٠/٢) هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي. قلت: وللحديث علتان أخرتان ضعف شهر بن حوشب والانقطاع بينه وبين أبي ذر. قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ١٩٧): شهر بن حوشب عن تميم الداري وأبي ذر وسلمان رضي الله عنهم وذلك مرسل اهـ. وحديث الباب: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). صححه الحاكم وابن حبان والضياء والذهبي والنووي في الأربعين (ص - ٨٥) فقال: إنه حسن. وحسنه الحافظ في تخريج المختصر: (٥١٠/١) وقال: وبمجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلاً. وتبعه تلميذه السخاوي في ((المقاصد)) (ص - ٢٣٠). ورمز له السيوطي بالصحة في ((الجامع الصغير)) (١٧٠٥). (١) الدِيَةُ: مصدر وَدَى القاتل المَقْتُولَ إذا أعطى وَليَّهُ المال الذي هو بَدَلُ النفس ثم قيل لذلك المال: الدِّيَة تسمية بالمصدر. ولذا جُمِعَتْ، وهي مثل ((عِدَة)) في حذف الفاء. قيل: والتاء في آخرها عوض عن الواو في أولها. انظر المغرب ٣٤٧/٢ وارجع إلى الصحاح ٢٥٢١/٦ ولسان العرب ٣٨٣/١٥ والقاموس المحيط ٤/ ٤٠١ وما بعدها والمصباح المنير ١٠١٣/٢. عرفها بعض الشافعية بأنها المّالُ الواجب بالجناية على الحر في النفس، أو فيما دونها. وعرفها بعض الأخنَافِ بأنها اسم لِضَمَانٍ يجب بمقابلة الآدمي، أو طرف منه. وقيل: الدِّيةَ اسْمٌ للمال الذي هو بَدَلُ النفس، والأزشُ اسم للواجب فيما دون النفس. وعرفها الإمام ابن عرفة من المالكية فقال: الدية مال يجب بقتل آدمي حُرِّ عن دمه، أو بجرحه، مقدر شرعاً لا باجتهاد. ينظر: درر الحكام ٢٧٠/١٠، ومغني المحتاج ٥٣/٤، والمغني ٣٦٧/٨، والكافي ١١٠٨/٢، والإشراق ٢/ ٢٠٠، تكملة فتح القدير ٢٧٠/١٠. ٣٠٥ كتاب الجنايات أحدهما: العصمة، وهو أن يكون المقتول معصوماً، فلا دية في قتل الحربي والباغي؛ لفقد العصمة . فأما الإسلام فليس من شرائط وجوب الدية، لا من جانب القاتل، ولا من جانب المقتول، فتجب الدية، سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو ذميًّا أو حربيًّا مستأمناً. وكذلك العقل والبلوغ؛ حتى تجب الدية في مال الصبي والمجنون، والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً خَطَأْ فَتَخْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] ولا خلاف في أنه إذا قتل ذَميًّا أو [حربيًّا] (١) مستأمناً تجب الدية؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. والثاني: التقوم؛ وهو أن يكون المقتول متقوماً، وعلى هذا يبني أن الحربي إذا أسلم في دار الحرب، فلم يهاجر إلينا، فقتله مسلم أو ذمي خطأ - أنه لا تجب الدية عند أصحابنا؛ خلافاً للشافعي؛ بناءً على أن التقوم بدار الإسلام عندنا وعنده بالإسلام، وقد ذكرنا تقرير هذا الأصل في ((كتاب السير))، ثم نتكلم في المسألة ابتداء. احتج الشافعي - رحمه الله - بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَىْ أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا مؤمنٌ قتل خطأ، فتجب الدية. ولنا: قوله - جلَّت عظمته وكبرياؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوٌّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنْ فَتَخْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه جعل التحرير جزاء القتل، والجزاء يقتضي الكفاية، فلو وجبت الدِّية معه لا تقع الكفاية بالتحرير؛ وهذا خلاف النص. والثاني: أنه سبحانه وتعالى - جعل التحرير كل الواجب بقتله؛ لأنه كل المذكور، فلو أوجبنا معه الدية، لصار بعض الواجب، وهذا تغيير حكم النص، وأما صدر الآية الكريمة فلا يتناول هذا المؤمن لوجهين : أحدهما: أنه سبحانه وتعالى ذكر المؤمن مطلقاً، فيتناول المؤمن من كل وجه، وهو المستأمن(٢) ديناً وداراً، وهذا مستأمن(٣) ديناً لا داراً؛ لأنه مكثر سواد الكفرة، وَمَنْ كثر سواد (١) سقط في: أ. (٣) في أ: مؤمن. (٢) في أ: المؤمن. بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٠ ٣٠٦ كتاب الجنايات قوم، فهو منهم؛ على لسانِ رسولِ الله وَل﴾(١). والثاني: أنه أفرد هذا المؤمن بالذكر والحكم، ولو تناوله صدر الآية الشريفة لعرف حكمه به، فكان الثاني تكراراً، ولو حمل على المؤمن المطلق لم يكن تكراراً، فكان الحمل عليه أولى، أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه؛ توفيقاً بين الدليلين؛ عملاً بهما جميعاً. ثم عصمة المقتول تعتبر وقت القتل أم وقت الموت أم في الوقتين جميعاً؟. على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - تعتبر وقت القتل لا غير. وعلى أصلهما تعتبر وقت القتل والموت جميعاً. وعلى قول زفر - رحمه الله - تعتبر وقت الموت لا غير. ٢٧/٣ب وعلى هذا تخرج مسائل الرمي إذا رمى مسلماً فارتد المرمي إليه، ثم وقع به/ السهم وهو مرتد فمات، فعلى الرامي الدية في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، إن كان خطأ تتحمله العاقلة، وإن كان عمداً يكون في ماله، وعندهما لا شيء عليه؛ وكذا عند زفر. وإن رمى مرتداً أو حربياً، فأسلم ثم وقع السهم به ومات، لا شيء عليه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر عليه الدية. وَجْه قوله إن الضمان إنما يجب بالقتل والفعلُ إنما يصير قتلاً بفوات الحياة، ولا عصمة للمقتول وقت فوات الحياة، فكان دمه هدراً؛ كما لو جرحه ثم ارتد فمات وهو مرتدٌ. (١) رواه أبو يعلى في مسنده كما في المطالب رقم (١٦٠٥) ونصب الراية (٣٤٦/٤). من طريق عمرو بن الحارث أن رجلاً دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة فلما جاء سمع لهواً فلم يدخل فقال: ما لك؟ قال سمعت رسول الله و9َّ يقول: ((من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريكاً لمن عمله». وعزاه أيضاً الزيلعي في نصب الراية إلى ابن المبارك في ((كتاب الزهد والرقائق)) وعلي بن معبد في ((كتاب الطاعة والمعصية)» . وللحديث شاهد. من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَالر: ((من تشبه بقوم فهو منهم)). أخرجه أبو داود ٤٤١/٢ كتاب اللباس/ باب في لبس الشهرة (٤٠٣١) ورواه أحمد ٥٠/٢، ٩٢. وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)» (٨٤٨). قال الهيثمي في المجمع ٢٧٠/٥. ((رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه ابن المسيني وأبو حاتم وغيرهما وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات)) اهـ. ٣٠٧ كتاب الجنايات لهما أن للقتل تعلقاً بالقاتل والمقتول؛ لأنه فعل القاتل وأثره يظهر في المقتول بفوات الحياة، فلا بد من اعتبار العصمة في الوقتين جميعاً. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الضمان إنما يجب على الإنسان بفعله، ولا فعل منه سوى الرمي السابق، فَكَان الرمي السابق عند وجود زهوق الروح قتلاً من حين وجوده، والمحل كان معصوماً في ذلك الوقت، فكان ينبغي أن يجب القصاص، إلا أنه سقط للشبهة، فتجب الدية؛ ولهذا لو كان مرتداً أو حربيًّا وقت الرمي، ثم أسلم فأصابه السهم وهو مسلم أنه لا شيء عليه عندهما، وهذه المسألة حجة قوية لأبي حنيفة - رضي الله عنه - عليهما في اعتبار وقت الرمي لا غير، والدليل عليه أن في باب الصيد يعتبر وقت الرمي في قولهم جميعا؛ حتى لو كان الرامي مسلماً وقت الرمي ثم ارتد فأصاب السهم الصيد وهو مرتد، يؤكلَ، وإن كان الباب باب الاحتياط؛ وبمثله لو كان مجوسيًّا وقت الرمي، ثم أسلم ثم وقع السهم بالصيد وهو مسلم، لا يؤكل. وكذلك حلال رمي صيداً ثم أحرم ثم أصابه، لا شيء عليه، وإن رمى وهو محرم، ثم حل فأصابه، فعليه الجزاء. فهذه المسائل حجح أبي حنيفة - رضي الله عنه - في اعتبار وقت الفعل، والأصل أن ما يرجع إلى الأهلية تعتبر فيه أهلية الفاعل وقت الفعل بلا خلاف، وما كان راجعاً إلى المحل فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، بخلاف ما إذا جرح مسلماً ثم ارتد المجروح، فمات وهو مرتداً به، يهدر دمه؛ لأن الجرح السابق انقلب قتلاً بالسراية، وقد تبدل المحل حكماً بالردة، فيوجب انقطاع السراية عن ابتداء الفعل؛ كتبدل المحل حقيقة، ولم يوجد هذا المعنى في مسألتنا. ولو رمى عبداً، فأعتقه مولاه، ثم وقع به السهم فمات، فلا دية عليه، وعليه قيمته لمولاه في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -. وقال محمد: على الرامي لمولى العبد فضل ما بين قيمته مرميًّا إلى غير مرميٍّ، لا شيء عليه غير ذلك. وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) رحمه الله قول أبي يوسف مع قول محمد أنه لما رمى إليه فقد صار ناقصاً بالرمي في ملك مولاه قبل وقوع السهم به؛ لأنه أشرف على الهلاك بتوجه السهم إليه، فوجب عليه ضمان النقصان، فصار كما لو جرحه ثم أعتقه مولاه، ولو كان كذلك لانقطعت السراية، ولا يضمن الدية ولا القيمة، وإنما يضمن النقصان؛ كذا هذا، وأبو حنيفة - رضي الله عنه - مر على أصله، وهو اعتبار وقت الفعل، لأنه صار قاتلاً بالرمي السابق، وهو کان ملك المولی حينئذٍ. ٣٠٨ كتاب الجنايات وأما بيان ما تجب فيه الدية، فقد اختلف أصحابنا فيه، قال أبو حنيفة - رحمه الله -: الذي تجب منه الدية وتقضى منه(١) ثلاثة أجناس: الإبل، والذهب، والفضة. وعندهما ستة أجناس: الإبل، والذهب. والفضة، والبقر، والغنم، والحلل. واحتجًا بقضية(٢) سيدنا عمر - رضي الله عنه - فإنه روي أنه قضى بالدية من هذه الأجناس بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم(٢) .. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإِلِ)) (٤) جعل عليه الصلاة والسلام الواجبَ من الإبل على الإشارة إليها، فظاهره يقتضي الوجوب منها على التعيين، إلاَّ أن الواجب(٥) من الصنفين الأخيرين ثبت بدليل آخر، فمن ادعى الوجوب من الأصناف الأخر فعليه الدليل. وأما قضية(٦) سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه - فقد قيل: إنه إنما قضى بذلك حين كانت الديات على العواقل، فلما نقلها إلى الديوان قضى بها من الأجناس الثلاثة، وذكر في ((كتاب المعاقل)) ما يَدُلُّ على أنه لا خلاف بينهم، فإنه قال: لو صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة أو مائتي حلة، لم يجز بالإجماع، ولو لم يكن ذلك من جنس الدية لجاز، والله أعلم بالصواب. وأما بيان مقدار الواجب من كلِّ جنس وبيان صفته؛ فقدر الواجب من كل جنس يختلف (١) في أ: به. (٢) في أ: بقصة. (٣) رواه أبو داود (١٨٤/٤) كتاب الديات، باب الدية كم هي الحديث (٤٥٤٢) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فإن: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ◌َّو ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصف من دية المسلمين قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر رحمه الله فقام خطيباً فقال ألا إن الإبل قد غلت قال: ((فقرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية)) اهـ. ونقل الزيلعي في نصب الراية (٣٦٢/٤) عن محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)) أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر الديات على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة مسنة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائة حلة انتهى وعزاه أيضاً إلى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)). (٤) تقدم. (٥) في أ: الوجوب. (٦) في أ: قصة. ٣٠٩ کتاب الجنايات بذكورة المقتول وأنوثته، فإن كان ذكراً فلا خلاف في أن الواجب بقتله من الإبل مائة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإْلِ)). ولا خلاف أيضاً في أن الواجب من الذهب ألف دينار؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام جَعَلَ ديةَ كُلٌّ ذِي عَهْدٍ في عَهْدِهِ ألف دينارٍ، والتقدير في حق الذمي يكون تقديراً في حق المسلم من طريق الأولى. وأما الواجب من الفضة؛ فقد اختلف فيه، قال أصحابنا/ رحمهم الله تعالى: عشرة آلاف درهم وزناً وزن سبعة. ١٢٨/٣ وقال مالك والشافعي - رحمهما الله - اثنا عشر ألفاً. والصحيحُ قولُنا؛ لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الديةُ عشرةُ آلافٍ درهم ((بمحضرٍ من الصحابة - رضي الله عنهم(١))) - ولم ينقل أنه أنكر عليه أحدٌ، فيكون إجماعاً، مع ما أن المقادير لا تعرف إلاَّ سماعاً، فالظاهر أنه سمع من رسول الله وَّر. وقدر الواجب من البقر عندهما مائتا بقرة؛ ومن الحلل مائتا حلة، ومن الغنم ألفا شاة. ثم دية الخطأ من الإبل أخماس بلا خلاف، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهذا قولُ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه، وقد رفعه إلى النبي وَ ل﴿ أنه قال: ((دِيَةُ الخَطَأِ أخْمَاسٌ: عِشْرُونَ بَنَاتُ مَخَاضَ، وَعَشْرُونَ بَثُو مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَتُو لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً وعِشْرُونَ جَذَعَةً)). وعندهما قدر كل بقرة خمسون درهماً، وقدر كل حلة خمسون درهماً، والحلة اسم لثوبين: إزار ورداء، وقيمة كل شاة خمسة دراهم. ودية شبه العمد أرباع عندهما: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو مذهب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. (١) تقدم أثر عمر انظر السابق. (٢) رواه الدارقطني في سننه (١٧٢/٣) والبيهقي في سننه (٧٥/٨) كتاب الديات، باب من قال هي أخماس وجعل أحد أخماسها بني المخاض دون بني اللبون. من طرق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود أنه قال: دية الخطأ أخماس خمس بنو مخاض وخمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمس حقاق وخمس جذاع. ورواه أيضاً الدارقطني والبيهقي من طريق علقمة عن عبد الله بن مسعود نحوه. ٣١٠ کتاب الجنايات وعند محمد أثلاث، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كله خلفة، وهو مذهبُ سيدنا عمر وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهما -. وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال في شبه العمد: أثلاث: ثلاثة وثلاثون حقة، وثلاثة وثلاثون جذعة، وأربعون وثلاثون خلفة، والصحابةُ - رضي الله عنهم - متى اختلفت في مسألة على قولين أو ثلاثة، يجب ترجيح قول البعض على البعض، والترجيح ههنا لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - لوجهين : أحدهما: أنه موافقٌ للحديث المشهور الذي تلقته العلماء(١) - رضي الله عنهم - بالقبول؛ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((فِي النَّفْسِ المُؤْمِنةِ مَائَةٌ مِنَ الإِبِلِ)). وفي إيجاب الحوامل إيجاب الزيادة على المائة؛ لأن الحمل أصل من وجه. والثاني: أن ما قاله أقرب إلى القياس؛ لأن الحمل معنى موهوم لا يوقف عليه حقيقة، فإن انتفاخ البطن قد يكون للحمل، وقد يكون للداء؛ ونحو ذلك، وإن كان أنثى فدية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت - رضوان الله تعالى عليهم - أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، [ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحدٌ، فيكون إجماعاً؛ ولأن المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل] فكذلك في دينها. وَهَلْ يختلف قدر الدية بالإسلام والكفر؟. قال أصحابنا - رحمهم الله - لا يختلف، وديةُ الذميِّ والحربي المستأمن كدية المسلمِ، وهو قول إبراهيم النخعي والشعبي - رحمهما الله - والزهري - رحمه الله. وقال الشافعي - رحمه الله - تختلفُ؛ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة، واحتجَّ بحديثٍ رواه عن رسول الله وَ هو أنه جعل دية هؤلاء على هذه المراتب، ولأن الأنوثة لما أثرت في نقصان البدل فالكفر أولَى، لأن نَقيصَة الكفر فوق كل نقيصةٍ . ولنا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فِذْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] اطلق سبحانه وتعالى القول بالدية فيّ جميع أنواع القتل من غير فضلٍ، فدل أن الواجب في الكل على قدر واحد، وروينا أنه - عليه الصلاة والسلام - جَعَل دية كلّ ذي عهد (١) وهو حديث عمرو بن حزم في الزكاة والديات وغيره وقد تقدم تخريجه والكلام عليه في كتاب الزكاة. ٣١١ کتاب الجنايات في عهده ألف دينار(١)، وروي أن عمرو بن أمية الضمري قَتَلَ مستأمنين، فقضى رسول الله ◌َُّ فيهما بدية حُرَّيْنِ مسلمين(٢)، وعن الزهري - رحمه الله - أنه قال: قضى سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر- رضي الله تعالى - عنهما في دية الذمي بمثل دية المسلم (٣)، ومثلُه لا يكذب. وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين(٤)، ولأن وجوب كمال الدية يعتمد كمال حال القتيل فيما يرجع إلى أحكام الدنيا، وهي الذكورة والحرية والعصمة، وقد وجد، ونقصان الكفر يؤثر في أحكام الدنيا. وأما بيان مَنْ تجب عليه الدية، فالديةُ تجب على القاتل، لأن سبب الوجوب هو القتل، وأنه وجد من القاتل، ثم الدية الواجبة على القاتل نوعان: نوعٌ يجب عليه في ماله، ونوعٌ يجب عليه كله، وتتحمل عنه العاقلة بعضَهُ بطريق التعاون إذا كان له عاقلة. وكلُّ ديةٍ وجبت بنفس القتل الخطأ أو شبه العمد تتحمله العاقلة، وما لا فلا، فلا تعقل الصلح؛ لأن بدل الصلح ما وجب بالقتل، بل يعقد الصلح. (١) رواه أبو داود في مراسيله (ص ٢١٥) رقم (٢٦٤) حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى - أبو محمد - حدثنا أبو معاوية. حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله وَالقر: ((دية كل ذي عهد في عهده ألف دینار) . (٢) روى البيهقي في الكبرى (٨/ ١٠٢) كتاب الديات، باب دية أهل الذمة. من حديث ابن عباس قال جعل رسول الله 38 دية العامر بين دية الحر المسلم وكان لهما عهد. وروي أيضاً من طريق أخرى عن ابن عباس قال: ودى رسول الله وَّو رجلين من المشركين وكانا منه في عهد دية الحرين المسلمين . (٣) أخرجه الدارقطني (١٢٩/٣ - ١٣٠) من طريق ابن شهاب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يجعلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا معاهدين دية الحر المسلم وكان عثمان ومعاوية لا يقيدان المشرك من المسلم . قال الزيلعي في نصب الراية (٣٦٨/٤): ((وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن علقمة ومجاهد وعطاء والشعبي والنخعي والزهري» اهـ. (٤) روى عبد الرزاق في المصنف (٩٦/١٠) رقم (١٨٤٩٢) عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رجلاً مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة عمداً فرفع إلى عثمان فلم يقتله به وغلَّظ عليه الدية مثل دية المسلم . قال الزهري: وقتل خالد بن المهاجر رجلاً من أهل الذمة في زمن معاوية فلم يقتله به وغلظ عليه الدية ألف دينار)) اهـ. وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيحين. ٣١٢ كتاب الجنايات ولا الإقرار، لأنها وجبت بالإقرار بالقتل لا بالقتل، وإقراره حجة في حقه لا في حق غيره، فلا يصدق في حق العاقلة، حتى لو صدقوا عقلوا. ولا العبد بأن قتل إنساناً خطأ؛ لأن الواجب بنفس القتل الدفع لا الفداء، والفداءُ يجب باختيار المولى لا بنفس القتل. ٢٨/٣ب ولا العمد بأن قتل الأب ابنه/ عمداً، لأنها وإن وجبت بالقتل فلم تجب بالقتل الخطأ أو شبه العمد، وهذا لأن التحمل من العاقلة في الخطأ وشبه العمد على طريقِ التخفيفِ على الخاطىء، والعامد لا يستحق التخفيف. وقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ تَعْقُلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ عَبْدَاً وَلاَ صُلْحاً وَلاَ أَعْتِرَاناً وَلاَ مَا دُونَ أَرْشِ المُوضِحَةِ))(١). وقيل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام ((وَلاَ عَبْداً)) أن المراد منه العبد المقتول، وهو الذي قتله مولاه، وهو مأذون مديون، أو المكاتب لا العبد القاتل لأنه لو كان كذلك لكان من حق الكلام أن يقول لا تعقل العاقلة عن عبد؛ لأن العرب تقول: عقلت عن فلان؛ إذا كان فلان قاتلاً، وعقلت فلاناً إذا كان فلان مقتولاً؛ كذا فرق الأصمعيُّ. ثم الوجوبُ على القاتل فيما تتحمله العاقلة قولُ عامة المشايخ. وقال بعضهم كلُّ الدية في هذا النوع تجب على الكل ابتداء القاتل والعاقلة جميعاً. والصحيح هو الأول؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَّةٍ وَدِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٣] ومعناه فليتحرر وليود، وهذا خطاب للقاتل لا للعاقلة، دَلَّ أن الوجوب على القاتل، ولما ذكرنا أن سبب الوجوب هو القتل، وأنه وجد من القاتل لا من العاقلة، فكان الوجوب عليه لا على العاقلة، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة عليه، ثم دخول القاتل مع العاقلة في التحمل مذهبُنا. (١) قال الزيلعي في نصب الراية (٣٧٩/٤) ((غريب مرفوعاً) وقال الحافظ في الدراية (٢٨٨/٢) («لم أجده)). وقال البيهقي في الكبرى (١٠٤/٨) كتاب الديات، باب من قال لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً: ((قال محمد بن الحسن حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك)) اهـ. وروي عن ابن عباس أنه قال لا تحمل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك قال وقال ذلك الليث إلا إن تشاء. ٣١٣ كتاب الجنايات وقال الشافعي - رحمه الله -: القاتل لا يدخل معهم، بل تتحمل العاقلة الكل دون القاتل. وقال أبو بكر الأصم: يتحمل القاتل دون العاقلة؛ لأنه لا يجوز أن يؤاخذ أحد بذنب غيره، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال جلَّتْ عظمته ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرٌ أَخْرَى﴾؛ ولهذا لم تتحملَ العاقلة ضمان الأموال، ولا ما دون نصف عشر الدية؛ كذا هذا. ولنا أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالغرة على عاقلة الضاربة(١)؛ وكذا قضى سيدنا عمر (١) أخرجه البخاري (١٢/ ٢٦٣) كتاب الديات: باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد حديث (٦٩١٠) ومسلم (١٣٠٩/٣ - ١٣١٠) كتاب القسامة: باب دية الجنين حديث (١٦٨١/٣٦) وأبو داود (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢) كتاب الديات: باب دية الجنين حديث (٤٥٧٦) والنسائي (٤٨/٨) كتاب القسامة باب دية جنين المرأة، والدارمي (١٩٧٠/٢) كتاب الديات: باب دية الخطأ على من هي، وأبو داود الطيالسي (٢٩٥/١ - منحة) رقم (١٤٩٨) وابن حبان (٥٩٨٨ - الإحسان) وابن أبي عاصم في (الديات)) (ص - ١١٨) والبيهقي (١٠٥/٨) كتاب الديات: باب العاقلة، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ◌َّ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها. وأخرجه مالك (٢/ ٨٥٥) كتاب العقول: باب عقل الجنين حديث (٥) عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - وحده - عن أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى فيه رسول الله ◌َّ بغرة عبد أو وليدة. ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٢٥٧/١٢) كتاب الديات: باب جنين المرأة حديث (٦٩٠٤) ومسلم (١٣٠٩) كتاب القسامة: باب دية الجنين حديث (١٦٨١/٣٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١١/٥ - بتحقيقنا). وقد توبع الزهري في هذه الرواية تابعه محمد بن عمرو بن أبي سلمة أخرجه الترمذي (٤/ ) كتاب الديات: باب ما جاء في دية الجنين حديث (١٤١٠) وابن ماجه (٨٨٢/٢) كتاب الديات: باب دية الجنين حديث (٢٦٣٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٥/٣) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه البخاري (٢٦٣/١٢) كتاب الديات: باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد حديث (٦٩٠٩) ومسلم (١٣٠٩/٣) كتاب القسامة: باب دية الجنين حديث (١٦٨١/٣٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١٠/٥ - بتحقيقنا) من طريق الليث عن الزهري عن سعيد بن المسيب - وحده - عن أبي هريرة أنه قضى رسول الله وَلّ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله وّلقول بأن ميراثها لبنيها وزوجها والعقل على عصبتها . ٣١٤ کتاب الجنايات - رضي الله عنه -: الدية على العاقلة بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - من غير نكيرٍ. وأما الآية الشريفة فتقولُ بموجبها، لكن لِمَ قلتم أن الحمل على العاقلة أخذ بغير ذنب؟ فإن حفظ القاتل واجب على عاقلته، فإذا لم يحفظوا فقد فرطوا، والتفريطُ منهم ذنب؛ ولأن القاتل إنما يقتل بظهر عشيرته، فكانوا كالمشاركينَ له في القتل، ولأن الدية مال كثير، فإلزام الكل القاتل إجحاف به، فيشاركه العاقلة في التحمل تخفيفاً، وهو مستحق التخفيف؛ لأنه خاطىء، وبهذا فارق ضمان المال، لأن ضمان المال لا يكثر عادة، فلا تقع الحاجة إلى التخفيف، وما دون نصف عشر الدية حكمه حكم ضمان الأموال. وأما الكلام مع الشافِعيَّ رحمه الله: فَوَجْهُ قوله أنه - عليه السلام - قضى بالدية على العاقلة، فلا يدخل فيه القاتل، وإنا نقول: نعم، لكن معلولاً بالنصرة والحفظ، وذلك على القاتل أوجب، فكان أولى بالتحمل. ثم الكلام في العاقلة في موضعين: أحدهما: في تفسير العاقلة من هم، والثاني: في بيان القدر الذي تتحمله العافلة من الدية. أما الأول: فالقاتلُ لا يخلو إما إن كان حُرَّ الأصلِ، وإما إن كان معتقاً، وَإما إن كان مولى الموالاة، فإن كان حُرَّ الأصل فعاقلته أهل ديوانه إن كان من أهل الديوان، وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين، تؤخذ [مما يخرج](١) من عطاياهم. وهذا عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله عاقلته قبيلته من النسب. والصحيحُ قولنا؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - علی ذلك، فإنه روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه قال: كانت الديات على القبائل، فلما وضع سيدنا عمر - رضي الله عنه - الدواوين جعلها على أهل الدواوين. فإن قيل قضى - عليه الصلاة والسلام - بالدية على العاقلة من النسب، إذ لم يكن هناك ديوان، فكيف يقبل قول سيدنا - عمر رضي الله عنه - على مخالفته فعل رسول الله وَلا؟ . فالجواب: لو كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - فعل ذلك وحده، لكان يجب حمل فعله على وجه لا يخالف فعل رسول الله وَّر، كيف وكان فعله بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ ولا يظن [من عموم](٢) الصحابة - رضي الله عنهم - مخالفة فعله - عليه الصلاة (١) سقط في ط. (٢) في أ: بعمومه. ٣١٥ کتاب الجنايات والسلام -، فَدَلَّ أنهم فهموا [أن فعله](١) كان معلولاً بالنصرة، وإذا صارت النصرة في زمانهم الديوان، نقلوا العقل إلى الديوان، فلا تتحقق المخالفة؛ وهذا لأن التحمل من العاقلة للتناصر، وقبل وضع الديوان كان التناصر بالقبيلة، وبعد الوضع صار التناصر بالديوان، فصار عاقلة الرجل أهل ديوانه . ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين والرقيق؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة؛ ولأن هذا الضمان صلة وتبرعٌ بالإعانة، والصبيان والمجانين والمماليك ليسوا من أهل التبرع. ١٢٩/٣ وإن لم يكن له ديوان فعاقلته قبيلته من/ النسب؛ لأن استنصاره بهم. وإن كان القاتل معتقاً أو مولى الموالاة، فعاقلته مولاه وقبيلة مولاه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ))(٢) ثم عاقلة المولى الأعلى قبيلته إذا لم يكن من أهل الديوان؛ فكذا عاقلة مولاه؛ ولأنَ استنصاره بمولاه وقبيلته، فكانوا عاقلته. هذا إذا كان للقاتل عاقلة، فأما إذا لم يكن له عاقلة؛ كاللقيط والحربي أو الذمي الذي أسلم، فعاقلته بيت المال في ظاهر الرواية. وروى محمد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه تجب الدية عليه من ماله لا على بيت المال، وجه هذه الرواية أن الأصل هو الوجوب في مال القاتل؛ لأن الجناية وجدت منه، وإنما الأخذ من العاقلة بطريق التحمل، فإذا لم يكن له عاقلة يرد الأمر فيه إلى حكم الأصل. وجه ظاهر الرواية: أن الوجوب على العاقلة لمكان التناصر، فإذا لم يكن له عاقلة كان استنصاره بعامة المسلمين، وبيت المال مالهم، فكان ذلك عاقلته؛ وأما بيان مقدار ما تتحمله العاقلة من الدية، فلا يؤخذ من كلِّ واحدٍ منهم إلاَّ ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم، ولا يزاد على ذلك؛ لأن الأخذ منهم على وجه الصلة والتبرع؛ تخفيفاً على القاتل، فلا يجوز التغليظ عليهم بالزيادة، ويجوز أن ينقص عن هذا القدر إذا كان في العاقلة كثرة(٣)، فإن قلت العاقلة حتى أصاب الرجل [منهم] (٤) أكثر من ذلك، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم من النسب، سواء كانوا من أهل الديوان أو لا، ولا يعسر عليهم، ويدخل القاتل مع العاقلة ويكون فيما يؤدي كأحدهم؛ لأن العاقلة تتحمل جناية وجدت منه وضماناً وجب عليه، فكان هو أولَى بالتحمل. وأما بيان كيفية وجوب الدية فنقولُ: لا خلاف في أن دية الخطأ تجب مؤجلة على العاقلة في ثلاث سنين؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - علی ذلك؛ فإنه روي أن سيدنا (١) في ط: أنه . (٢) تقدم. (٣) في أ: كثيرة. (٤) سقط في ط. ٣١٦ کتاب الجنايات عمر - رضي الله عنه - قضى بذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه خالفه أحدٌ، فيكون إجماعاً، وتؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان؛ لأن لهم في كل سنة عطية، فإن تعجل العطايا الثلاث في سنة واحدة، يؤخذ الكل في سنة واحدة، وَإن تأخرت بتأخر حق الأخذ، وإن لم يكن من أهل الديوان، تؤخذ منه ومن قبيلته من النسب في ثلاث سنین . ولا خلاف في أن الدية [الواجبة] بالإقرار بالقتل الخطأ تجب في ماله في ثلاث سنين؛ لأن الإقرار بالقتل إخبار عن وجود القتل، وأنه يوجب حقًّا مؤجلاً تتحمله العاقلة، إلا أنه لا يصدق على العاقلة، فيجب مؤجلاً في ماله، واختلف في شبه العمد، والعمد الذي دخلته شبهة، وهو الأب إذا قتل ابنه عمداً، قال أصحابنا - رحمهم الله - إنها تجب مؤجلة في ثلاث سنين، إلاَّ أن دية شبه العمد تتحمله العاقلة ودية العمد في مال الأب. وقال الشافعي - رحمه الله -: ديةُ الدم كدية العمد تجب حالاً . وَجْهُ قوله أن سبب الوجوب وجد حالاً، فتجب الدية حالاً، إذ الحكم يثبت على وفق السبب هو الأصل، إلا أن التأجيل في الخطأ ثبت معدولاً به عن الأصل، لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم، أو يثبت معلولاً بالتخفيف على القاتل، حتى تحمل عنه العاقلة والعامد يستحق للتغليظ، ولهذا وجب في ماله لا على العاقلة. ولنا أن وجوب الدية لم يعرف إلا بنصِّ الكتاب العزيز، وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقِبَةٍ مُؤْمِنَّةٍ وَدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَىْ أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] والنصُّ وإن ورد بلفظ الخطأ، لكن غيره ملحقٌ به، إلاَّ أنه مجمل في بيان القدر والوصف، فبين مَّل قدر الدية بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ))(١) وبيان الوصف وهو الأجل ثبت بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بقضية سيدنا عمر - رضي الله عنه - بمحضر منهم، فصار الأجل وصفاً لكلِّ دية وجبت بالنص. وقوله دية الخطأ وجبت بطريق التخفيف والعامد يستحق التغليظ، قلنا: وقد غلظنا عليه من وجهين : أحدهما: بإيجاب دية مغلظة. والثاني: بالإيجاب في ماله، والجاني لا يستحق التغليظ من جميع الوجوه؛ وكذلك كل (١) تقدم. ٣١٧ كتاب الجنايات جزء من الدية تتحمله العاقلة أو تجب في مال القاتل، فذلك الجزء تجب في ثلاث سنين؛ كالعشرة إذا قتلوا رجلاً خطأ أو شبه عمدٍ حتى وجبت عليهم دية واحدة، فعاقلة كل واحد منهم تتحمل عشرها في ثلاث سنين؛ وكذلك العشرة إذا قتلوا رجلاً [عمداً](١) وأحدهم أبوه حتى وجبت عليهم دية واحدة في مالهم، يجب على كل واحد منهم عشرها في ثلاث ستين؛ لأن الواجب على كل واحد منهم جزء من دية مؤجلة في ثلاث سنين، فكان تأجيل الدية تأجيلاً لكلِّ جزء من أجزائها، إذ الجزء لا يخالف الكل في وصفه، ولا خلاف في أن بدل الصلح عن دم العمد يجب في ماله حالاً؛ لأنه لم يجب بالقتل/، وإنما وجب بالعقد، فلا يتأجل إلا بالشرط كثمن المبيع ونحو ذلك؛ وكذلك العبد إذا قتل إنساناً خطأ، واختار المولى الفداء، يجب الفداء حالاً؛ لأن الفداء لم يجب بالقتل بدلاً من القتيل، وإنما وجب بدلاً عن دفع العبد، والعبد لو دفع يدفع حالاً فكذلك بدله، والله تعالى أعلم. ٢٩/٣ب هذا إذا كان القاتل حُرًّا والمقتول حُرًّا، فأما إذا كان القاتل حُرًّا والمقتول عبداً، فالعبد المقتول لا يخلو إما إن كان عبد أجنبيٍّ، وإما إن كان عبد القاتل. فإن كان عبد أجنبي فيتعلق بهذا القتل حكمان: أحدهما: وجوب القيمة؛ والكلام في القيمة في مواضع: في بيان مقدار الواجب منها، وفي بيان مَنْ تجب عليه، وفي بيان من يتحمله، وفي بيان كيفية الوجوب. أما الأول: فالعبد لا يخلو إما كان قليل القيمة، وإما إن كان كثير القيمة، فإن كان قليل القيمة؛ بأن كان قيمته أقل من عشرة آلاف درهم، يجب قيمته بالغةً ما بلغت؛ بالإجماع، وإن كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر، اختلف فيه، قال أبو حنيفة ومحمدٌ - رحمهما الله - يجب عشرة آلاف إلا عشرة. وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول: أنه يجب قيمته بالغة ما بلغت، وهو قول الشافعي - رحمه الله -، والمسألة مختلفةٌ بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مثل مذهبنا، وروي عن سيدنا عثمان وسيدنا علي - رضي الله عنهما - مثل مذهبه . والحاصلُ أن العبد آدمي ـ ومال لوجود معنى الآدمية والمالية فيه، وكل واحد منهما معتبرٌ مضمونٌ بالمثل، والقيمة حالة الانفراد، وبالقتل فوت المعنيين جميعاً، ولا وجه إلى إيجاب الضمان بمقابلة كل واحدة منهما على الانفراد، فلا بد من إيجابه بمقابلة أحدهما (١) سقط من ط. ٣١٨ کتاب الجنايات وإهدار الآخر، فيقع الكلام في الترجيح، فادعى الشافعي - رحمه الله - الترجيح من وجهين: أحدُهما: أن الواجب مال، ومقابلة المال بالمال أَوْلَى من مقابلة المال بالآدمي؛ لأن الأصل في ضمان العدوان الوارد على حق العبد أن يكون مقيداً بالمثل، ولا مماثلة بين المال والآدمي، فكان إيجابه بمقابلة المال موافقاً للأصل، فَكَانَ أَوْلَى. والثاني: أن الضمان وجب حقًّا للعبد، وحقوقُ العباد تجب بطريق الجبر، وفي إيجاب الضمان بمقابلة المالية جبر حق المفوت عليه من كل وجهٍ. ولنا: النص ودلالة الإجماع والمعقول، أما النص؛ فقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا مؤمنٌ قتل خطأ، فتجب الدية، والدية ضمان الدم، وضمان الدم لا يزاد على عشرة آلاف بالإجماع. وأما دلالة الإجماع، فهو أنا أجمعنا على أنه لو أقر على نفسه بالقصاص يصح، وإن كذبه المولى، لولا أن الترجيح لمعنى الآدمية لما صح؛ لأنه يكون إقراره إهداراً لمال المولى قصداً من غير رضاه، وأنه لا يملك ذلك. وأما المعقول فمن وجهين : أحدهما: أن الآدمية فيه أصل، والمالية عارض وتبع، والعارض لا يعارض الأصل، والتبع لا يعارض المتبوع، ودليل أصالة الآدمية من وجوه: أحدها: أنه كان خلق خلق آدميًّا، ثم ثبت فيه وصف المالية بعارض الرق. والثاني: أن قيام المالية فيه بالآدمية وجوداً وبقاء لا على القلب. والثالث: أن المال خلق وقاية للنفس، والنفسُ ما خلقت وقاية للمال، فكانت الآدمية فيه أصلاً وجوداً وبقاء وعرضاً. والثاني: أن حرمة الآدمي فوق حرمة المال؛ لأن [حرمة المال](١) لغيره وحرمة الآدمي لعينه، فكان اعتبار النفسية وإهدار المالية أولى من القلب، إلا أنه نقصت ديته عن دية الحر لكون الكفر منقصاً في الجملة وإظهاراً لشرف الحرية، وتقدير النقصان بالعشرة ثبت توقيفاً. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ينقص من دية الحر عشرة دراهم، فالظاهر أنه قال ذلك سماعاً من رسول الله - عليه السلام -، لأنه من باب المقادير، أو لأن هذا أدنى مال له في خطر الشرع كما في نصاب السرقة، والمهر في النكاح. (١) في أ: حرمته. ٣١٩ كتاب الجنايات قوله: ((المال ليس بمثل للآدمي)) قلنا: نعم، لكن لشرف الآدمي وجه المال لم يجعل مثلاً له عند إمكان إيجاب ما هو مثل له من كل وجهٍ وهو النفس. فأمَّا عند تعذر اعتباره من كل وجه، فاعتبار المثل من وجه أولى من الإهدار. وقوله: ((الجبر في المال أبلغ)) قلنا: بلى، لكن فيه إهدار الآدمي، ومقابلة الجابر بالآدمي الفائت أولى من المقابلة (١) بالمال الهالك، وإن كان الجبر ثمة أكثر، لكن فيه اعتبار جانب المولى، فيكون لغيره، وفيما قلنا الجبر أقل لكن فيه اعتبار جانب نفس الآدمي وهو العبد، وحرمة الآدمي لعينه، فكان ما قلناه أوْلَئ. ١٣٠/٣ ولو كان المقتول أمة، فإن كانت قليلة القيمة؛ بأن كانت قيمتها أقل من خمسة آلاف، فهي مضمونة بقدر قيمتها، بالغة ما بلغت، وإن كانت كثيرة القيمة؛ بأن كانت/ قيمتها خمسة آلاف أو أكثر، يجب خمسة آلاف إلا عشرة، عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعلى رواية أبي يوسف - رحمه الله - له، فهو قول الشافعي - رحمه الله - تبلغ بالغة ما بلغت، والكلام في الأمة كالكلام في العبد، وإنما ينقص منها عشرة كما نقصت من دية العبد. وَإن اختلفا في قدر البدل، لأن هذه دية البدل، لأن هذه دية كاملة في الأمة فينقص في العبد، بخلاف ما إذا قطع يد عبد تزيد نصف قيمته على خمسة آلاف؛ أنه تجب خمسة آلاف إلا خمسة؛ لأن الواجبَ هناك ليس بدية كاملة، بل هو بعض الدية؛ لأن اليد منه نصف، فيجب نصف ما يجب في الكل، والواجب في الأنثى ليس بعض دية الذكر، بل هو دية كاملة في نفسها، لكنها دية الأنثى. وأما بيان مَنْ يجب عليه ومن يتحملها، فإنها تجب على القاتل؛ لوجود سبب الوجوب منه، وهو القتل، وتتحملها العاقلة في قولهما. وَعَلَى رواية أبي يوسف، وهو قول الشافعي - رحمه الله - تجب في مال القاتل؛ وهذا بِنَاءً على الأصل الذي ذكرنا أنَّ عندهما ضمان العبد بمقابلة النفس، وضمان النفس تتحمله العاقلة وكدية الحر. وعند الشافعي بمقابلة المالية، وضمان المال لا تتحمله العاقلة، بل يكون في مال المتلف؛ كضمان سائر الأموال. وروي عن أبي يوسف في كثير القيمة أن يقدر عشرة آلاف تعقله العاقلة؛ لأنَّ ذلك القدر يجب بمقابلة النفسية، وما زَادَ عليها لا تعقله؛ لأنه يجب بمقابلة المالية. (١) في أ: مقابلته. ٣٢٠ کتاب الجنايات وَأمَّا كيفية وجوب القيمة على العاقلة عندنا، وقدر ما يتحمل كل واحد منهم، فما ذكرنا في دية الحر من غير تفاوت، والله تعالى أعلم. والثاني: وجوب الكفارة؛ لعموم قوله - تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من غير فصلٍ بين الحر والعبد، والله تعالى الموفق. ولو كان المقتول مدبر إنسان، أو أم ولده، أو مكاتبه، فحكمه حكم القن في جميع ما وَصَفْنا، وإن كان عبد القاتل فجناية المولى عليه هَدَرّ؛ وكذا لو كان مدبره أو أم ولده؛ لأن القيمة لو وجبت لوجبت له عليه، وهذا ممتنعٌ، وإن كان مكاتبه فجناية المولى عليه لازمة، وعلى المولى قيمته في ثلاث سنين؛ لأن المكاتب فيما يرجع إلى كسبه وأرش جنايته حُرٍّ، فكان كسبه وأرشه له، فالجناية عليه من المولى والأجنبي سواء، ولا تعقلها العاقلة، بل تكون على ماله؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام: ((لاَ تَعْقِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ عَبْدَا))(١) والمكاتب عندنا عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ؛ ولأن المكاتب على ملك مولاه، وإنما ضمن جنايته بعد الكتابة، والعقد ثابت بينهما، غير ثابت في حق العاقلة، ولهذا لا تعقل العاقلة الاعتراف؛ لأن إقرار المقر حجة في حقه لا في حق غيره، وكذلك جناية المولى على رقيق المكاتب وعلى ماله لازمة، لما ذكرنا أنه أحق بكسبه من المولى، والمولى كالأجنبي فيه؛ وَكَذَا إذا كان مأذوناً مديوناً فعلى المولى قيمته؛ لتعلق حق الغرماء برقبته. وبالقتل أبطل محل حقهم فتجب عليه قيمته، وتكون في ماله بالنصِّ، وتكون حالة؛ لأنه ضمان إتلاف المال. هذا إذا كان القاتلُ حُرًّا والمقتولُ عبداً. فأما إذا كان القاتل عبداً والمقتولُ حُرًّا فالحر المقتول لا يخلو من أن يكون أجنبيًّا أو يكون ولي العبد، فإن كان أجنبيًّا فالعبد القاتل لا يخلو من أن يكون قنًّا أو مدبراً أو أم ولدٍ أو مكاتباً، فإن كان قنًّا، يدفع إذا ظهرت جنايته، إلاَّ أن يختار المولى الفداء، فلا بد من بيان ما تظهر به هذه الجناية، وَبَيَان حكم هذه الجناية، وبيان صفة الحكم، وبيان ما يصير به المولى مختاراً للفداء، وشرط صحة الاختيار، وبيان صفة الفداء الواجب عند الاختيار. أما الأول: فهذه الجناية تظهر بالبينة وإقرار المولى وعلم القاضي، ولا تظهر بإقرار العبد، محجوراً كان أو مأذوناً؛ لأن العبد يملك بالإذن بالتجارة ما كان من مال التجارة، والإقرار بالجناية ليس من التجارة، وإذا لم يصح إقراره لا يؤخذ به، لا في الحال ولا بعد العتاق؛ لأن موجب إقراره لا يلزمه، وإنما يلزم مولاه، فكان هذا إقراراً على المولى، حتى لو صدقه المولى صَحْ إقراره. (١) تقدم.