Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الإقرار
نصف المهر، فصار نصف المهر ديناً لي عليها، فأنا أضرب مع غُرَمَائها؛ لأن إقرارها بالاستيفاء
إنما يصح في حقٌ براءة الزَّوج عن المهر لا في حقٌّ إثبات الشركة في مالها مع غرمائها؛ لأن
ديونهم دُيون الصِّحة، وإقرارها للزوج في حالة المرض فلا يصحُ في حقهم.
ولو كان الزَّوج دخل بها فأقرَّت باستيفاء المهر، ثم طلقها طلاقاً بائناً أو رجعيًّا، ثم ماتت
بعد انقضاء العدة - فكذلك الجواب؛ لأن الزوج عند الموت ليس بوارثٍ، ولو ماتت قبل
انْقِضَاء العدة لا يصحُ إقرارها.
أما في الطلاق الرَّجعي، فلأن الزوجية باقية والوراثة قائمة، وأما في البائن فلأن العدَّة
باقية وكانت ممنوعة من هذا الإقرار؛ لقيام النكاح في حالة العدة فكان النكاح قائماً من وجه،
فلا يزول المَنْع ما دام المَانِع قائماً من وجه؛ ولهذا لا تقبل شهادة المعتدَّة لزوجها، وإن كان
الطلاقُ بائناً وإذا لم يصح إقْرَارها وعليها دُيُون الصِّحة - فيستوفي أصحاب ديون الصِّحة
ديونهم، فإن فضل من مالها شيء ينظر إلى المهر وإلى ميراثه منها، فيسلم له الأقل منهما،
ومشايخنا يقولون: إن هذا الجواب عل قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وأما على قولهما، يجب أن يكون إقرارها باسْتِيفَاء المهر من الزَّوج صحيحاً في حقِّ التَّقديم
على الوَرَثة في جميع ما أقرت، وأصل المسألة في كتاب الطَّلاق في المَرِيض يطلق امرأته
بسؤالها، ثم يقر لها بمال ــ أنه يصح إقراره عندهما؛ لأنها أجنبية لا ميراث لها منه، وأبو حنيفة
- رضي الله عنه - يقول: لها الأقل من نصيبها من المِيَراث ومما أقر لها به، فهما يعتبران ظاهر
كونها أجنبية، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول: يحتمل أنهما تواضعا على ذلك ليقرّ لها بأكثر من
نصيبها، فكان متهماً فيما زاد على مِيرَاثها في حق سَائر الورثة، فلم يصح فهذا كذلك، والعبد
المأذون في حَالةِ المَرضِ في الإقرار باستيفاء دين الصِّحة والمرض كالحر؛ لأنه يملك الإقرار
باستيفاء الدَّين وقبضه كالحر، فكل ما صحَّ من الحر يصح منه، وما لا فلا، والله تعالى أعلم.
فصل في إقرار المريض بالإبراء
وأما إقرار المريض بالإبراء؛ بأن أقرَّ المريض أنه كان أبرأ فلاناً من الدين الذي عليه في
صحَّته - لا يجوز؛ لأنه لا يمْلكِ إنشاء الإبراء للحال، فلا يملك الإقرار به، بخلاف الإقرار
باستيفاء الدين؛ لأنه إقرار بقبض الدَّين، وأنه يملك إنشاء القبض فيملك الإخبار عنه بالإقرار،
والله تعالى أعلم.
فصل في الإقرار بالنسب
وأما الإقرار بالنَّسب فهو الإقرار بالوارث وهو نوعان: أحدهما إقْرار الرَّجل بوارث،

٢٢٢
کتاب الإقرار
والثاني: إقرار الوارث بوارثه، ويتعلق بكل واحدٍ منهما حكمان: حكم النسب، وحكم
الميراث. أما الإقرار بوارث فلصحّته في حق ثبات النَّسب شَرَائط: منها أن يكون المقر به
محتمل الثبوت؛ لأن الإقرار إخبار عن كائن، فإذا استحال كونه فالإخبار عن كائن [ولا
كائن](١) يكون كذباً محضاً.
وبيانه: أن من أقرَّ بغلام أنه ابنه، ومثله لا يلد مثله - لا يصحُّ إقراره؛ لأنه يستحيل أن
یکون ابناً له، فكان كذباً في إقراره بیقین.
ومنها ألاَّ يكون المقرّ بنسبه معروف النّسب من غيره؛ فإن كان لم يصح؛ لأنه إذا ثبت
نسبه من غيره لا يحتمل ثبوته له بعده.
ومنها تصديق المقرّ بنسبه إذا كان في يَدِ نفسه؛ لأن إقراره يتضمن إبطال يده، فلا تبطل
إلا برضاه، ولا يشترط صحَّةَ المقر لصحة إقراره بالنّسب حتى يصح من الصَّحيح والمريض
جميعاً؛ لأن المرض ليس بمَانِع لعينه، بل لتعلق حق الغير أو التهمة فكل ذلك منْعَدم، أما
التعلُّق فظاهر العدم؛ لأنه لا يعرف التعلّق في مجهول النَّسَب، وكذلك معنى التهمة؛ لأن
الإرث ليس من لَوَازم النسب؛ فإن لحرمان الإرث أسباباً لا تقدح في النَّسب، من القتل والرق
واختلاف الدين والدار، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها أن يكون فيه حمل النَّسب على الغير، سواء كذبه المقر بنسبه أو صَدَّقه؛ لأن إقرار
الإنسان حجّة على نَفْسه لا على غيره، لأنه على غيره شهادة أو دغوى، والدعوى المفردة
لَيْسَت بحجّة، وشهادة الفرد فيما يطلع عليه الرِّجال - وهو من باب حقوق العباد - غير مقبولة،
والإقرار الذي فِيهِ حمل نسب الغَيْر على غيره إقرار على غيره لا على نَفْسِه، فكان دَعْوَى أو
شهادة، وكل ذلك لا يقبل إلا بحجة.
وعلى هذا يجوز إقرار الرَّجل بخمسة نفر: الوالدين والولد والزوجة والمولى، ويجوز
إقرار المرأة بأربعة نفر: الوالدين والزوج والمولى، ولا يجوز بالولد؛ لأنه ليس في الإقرار
بهؤلاء [إقرار بالولاء ولا] (٢) حمل نَسَب الغير على غيره.
أما الإقرار بالولاء فظاهر؛ لأنه ليس فيه حَمْل نسب إلى أحد، وكذلك الإقرار بالزوجية
ليس فيه حمل نَسَب الغير على غيره، لكن لا بد من التَّصديق لما ذكرنا، ثم إن وجد التَّصديق
في حال حياة المقر، جاز بلا خلاف، وإن وجد بعد وَفَاته؛ فإن كان الإقرار من الزَّوج يصحُّ
تصديق المرأة؛ سواء صدقته في حال حياته أو بعد وفاته بالإجماع؛ بأن أقرَّ الرَّجل بالزوجية
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
١

٢٢٣
كتاب الإقرار
فمات ثم صدّقته المرأة؛ لأن النّكاح يبقى بعد المَوْت من وجهٍ لبقاء بعض أحكامه في العدة،
فكان محتملاً للتَّصْدِيقِ.
وإن كان الإقرار بالزَّوجية من المرأة فصدقها الزَّوج بعد موتها - لا يصحُّ عند أبي حنيفة،
وعند أبي يوسف ومحمد: يصحُ.
وجه قولهما: ما ذكرنا أن النِّكاح يبقى بعد المَوْت من وجهٍ، فيجوز التَّصديق كما إذا أقر
الزَّوج بالزوجية، وصدَّقته المرأة بعد موته.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أن النّكاح للحال عدم حَقِيقة، فلا يكون محلاً
للتَّصديق، إلا أنه أعطى له حكم البَقَاء؛ لاستيفاء أحكام كانت ثابتة قبل الموت، والميراث
حكم لا يثْبُت إلا بعد الموت، فكان زائلاً في حقِّ هذا الحكم فلا يحتمل التَّصديق، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الإقرار بالولد فلأنه ليس فيه حمل نَسَب غيره على غيره، بل على نفسه، فيكون
إقراراً على نفسه لا على غيره فيقبل، لكن لا بد من التَّصديق إذا كان في يد نفسه لما قلنا،
وسواء وجده في حال حَيَاته أو بعد وفاته؛ لأن النسب لا يبطل بالمَوْت، فيجوز التَّصديق في
الحالين جميعاً.
وكذلك الإقرار بالوالدين ليس فيه حَمْل نسب غيره على غيره؛ فيكون إقراراً على نفسه
لا على غيره فيقبل، وكذلك إقرار المرأة بهؤلاء لما ذكرنا إلا الولد؛ لأن فيه حمل نسب غيره
على غيره، وهو نَسَب الولد على الزَّوج فلا يقبل، إلا إذا صدقها الزوج، أو تَشْهَد امرأة على
الوِلاَدَة بخلاف الرَّجل؛ لأن فيه حمل نسب الولد على نفسه، ولا يجوز الإقرار بغير هؤلاء من
العَمِّ والأخ؛ لأنه فيه حمل نسب غيره على غيره وهو الأب والجد.
وكذلك الإقرار بوارث في حقِّ حكم الميراث، يشترط له ما يشْتَرط للإقرار به في حق
ثبات النَّسَب، وهو ما ذكرنا إلا شرط حمل النَّسب على الغير، فإن الإقرار بنسب يحمله المقر
على غيره لا يصح في حقٌ ثَبَات النَّسب أصلاً، ويصح في حق الميراث لكن بشرط ألاَّ يكون
له وارث أصلاً ويكون ميراثه له؛ لأن تصرف العاقل واجب التَّصحيح ما أمكن، فإن لم يمكن
[تصحيحه](١) في حق ثَبَات النسب لفقد شرط الصِّحة - أمكن في حق الميراث، وإن كان ثمة
وارث، قريباً كان أو بعيداً - لا يصحّ إقراره أصلاً ولا شيء له في الميراث بأن أقر بأخ وله عمة
أو خالة، فميراثه لعمته أو لخالته، ولا شيء للمقر له؛ لأنهما وارثان بيّقِين، فكان حقهما ثابتاً
بيقين، فلا يجوز إبطاله بالصَّرف إلى غيرهما.
(١) سقط في ط.

٢٢٤ ٠
كتاب الإقرار
وكذلك إذا أقر بأخ أو ابن ابن، وله مولى الموالاة، ثم مات - فالميراث للمولى ولا
شيء للمقرّ له؛ لأن الَوَلاَء من أسْبَاب الإرث، ولا يكون إقراره بذلك رجوعاً عن عقد
الموالاة؛ لانعدام الرُّجوع حقيقة فبقي العقد، وأنه يمنع صحَّة الإقرار بالمذكور، وكذلك لو
كان مولى الموالاة هو مَوْلى العتاقة من طريق الأولى؛ لأنه عصبته.
ولو لم يكن له وَارِث، ولكنه أوصى بجميع ماله لرجل - فالثلث للموصى له والباقي
للأخ المقرّ به؛ لأنه وَارِث في زعمه وظنه، ولو كان مع الموصى له بالمَالِ مولى الموالاة أيضاً
- فللموصى له الثّلث والباقي للمولى ولا شيء للمقر له؛ لأن الموالاة لا تمنع صحَّة الوصية،
لكنها تمنع صحَّة الإقرار بالمذْكُور لما بينا. وكذلك لو كان مكان مولى الموالاة مولى العتاقة؛
لأن مولى العتاقة آخر العَصَبات مقدم على ذَوِي الأرحام، ومولى الموالاة آخر الوَرَثَة مؤخّر عن
ذوي الأرحام، فأضعف الولاءين لما منع صحَّة الإقرار بالمذكور فأقْوَاهما أولى.
ولو أقرَّ بأخ في مرض الموت(١) وصدقه المقرّ له، ثم أنكر المريض بعد ذلك وقال:
ليس بيني وبينك قَرَابة - بطل إقراره في حقُّ الميراث أيضاً، حتى أنه لو أوصى بعد الإنكار
بماله الإنسان، ثم مات ولا وارث له - فالمال كله للموصى له بجميع المال؛ لأن الإنكار منه
رُجُوع والرُّجوع عن مثل هذا الإقرار صحيح؛ لأنه يشبه الوصيّة وإن لم يكن وصيّة في
الحَقِيقة، والرجوع عن الوصيَّة صحيح؛ ولو أنكر وليس هناك موصى له بالمالِ أصلاً، فالمال
لبيت المال؛ لبطلان الإقرار أصلاً بالرُّجوع، والله تعالى أعلم.
وأما الإقرار بوارث فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في حق ثَبَات النَّسب والثَّاني في حق
الميراث، أما الأول فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان الوارث واحداً، وإما إن كان
أكثر من واحدٍ؛ بأن مات رجل وترك ابناً فأقر بأخ هل يثبت نسبه من الميت؟ اختلف فيه:
قال أبو حنيفة ومحمد: لا يثبت النَّسب بإقرار وارث واحد، وقال أبو يوسف: يثبت وبه
أخذ الكَرْخي - رحمه الله -، وإن كان أكثر من واحدٍ بأن كانا رجلين أو رجلاً وامرأتين فصاعداً
- يثبت النَّسب بإقرارهم بالإجماع.
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله -: أن إقرار [الوارث](٢) الواحد مقبول في حقٌّ
الميراث، فيكون مقبولاً في حقِّ النَّسب كإقرار الجماعة.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أنَّ الإقرار بالأخوة إقرار على غيره؛
لما فيه من حمل نَسَب غيره على غيره فكان شهادة، وشهادة الفرد غير مقبولة، بخلاف ما إذا
كانا اثنين فصاعداً؛ لأن شهادة رجلين أو رجل وامرأتين في النسب مقْبُولة.
(١) في ب: موته.
(٢) سقط في ط.

٢٢٥
كتاب الإقرار
وأما في حَقِّ الميراث فإقرار الوَارِث الواحد بوارث، يصح ويصدق في حق الميراث؛
بأن أقرَّ الابن المغْرُوف بأخ، وحكمه أن يشاركه فيما في يده من الميراث؛ لأنَّ الإقرارَ بالأخوة
إقرار بشيئين: النَّسب واستحقاق المال، والإقرار بالنَّسب إقرار على غيره، وذلك غير مقبول؛
لأنه دعوى في الحَقِيقة أو شهادة، والإقرار باستحقاق المال إقرار على نفسه، وأنه مقبول،
ومثل هذا جائز أن يكون الإقرار الوَاحِد مقبولاً بجهة غير مقبول بجهة أخرى، كمن اشترى عبداً
ثم أقرَّ إن البائع كان أعْتَقه قبل البيع - يقبل إقراره في حق العِثْق، ولا يقبل في حق ولاية
الرجوع بالثمن على البائع، فعلى ذلك ههنا جاز أن يقبلَ الإقرار بِوَارِث في حق الميراث، ولا
يقبل في حقِّ ثَّبَاتِ النَّسَب.
ولو أقر الابن المعروف بأختِ، أخذت ثلث ما في يده؛ لأن إقراره قد صحَّ في حق
الميراث، ولها مع الأخ ثلث الميراث.
ولو أقر بامرأة أنها زوجة أبيه، فلها ثمن ما في يده، ولو أقر بجدة هي ام الميت، فلها
سدس ما في يده، والأصل أن المقر فيما في يده يعامل معاملة ما لو ثبت النَّسب، ولو أقر ابن
الميت بابن ابن الميت وصدقه، ولكن أنكر أن يكون المقر ابنه - فالقول قول المقر، والمال
بينهما نصفان استحساناً، والقياس أن يكون القَوْل قول المقر له، والمال كله له ما لم تقم البينة
على النّسب .
وجه القياس: أنهما تَصَادقا على إثْبَات وراثَة المقر له، واختلفا في وراثة المقر، فيثبت
المنَّفق عليه، ويقف المخْتَلف فيه على قيام الدَّليل.
وجه الاستحسان: أن المقر له إنما استفاد الميراث من جِهَة المقرّ، فلو بطل إقراره
لبطلت وراثته، وفي بطلان وراثته بُطْلاَن وراثة المقر له، وكذلك لو أقر بابنة للميت وصدقته،
لكنها أنكرت أن يكون المقر ابنه - فالقَوْل قَوْل المقر استحساناً لما قلنا.
ولو أقرت امرأة بأخ للزوج الميت، وصدقها الأخ ولكنه أنكر أن تكون هي امرأة الميت
- فالقول قول المقر له عند أبي حنيفة ومحمد وزفر - رحمهم الله تعالى - وهو القياس، وعلى
المرأة إثبات الزوجية بالبينة، وعند أبي يوسف - رحمه الله -: القول قول المرأة والمَال بينهما
على قدر مَوَاریثهما .
ولو أقرَّ زوج المرأة الميتة بأخ لها وصدقه الأخُ، لكنه أنكر أن يكون هو زوجها - فهو
على الاختلاف.
وجه قول أبي يوسف: قياس هذه المسألة على المسألة الأولى بالمعنى الجَامِع الذي
ذكرناه في المسألة الأولى، ولأبي حنيفة - رحمه الله -: الفرق بين المسألتين.
ووجهه: أن النكاح ينقطع بالموت، والإقرار بسبب منقطع لا يسمع إلا ببينة بخلاف
بدائع الصنائع ج ١٠ - ١٥٥

٢٢٦
كتاب الإقرار
النسب، ولو ترك ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث، فإن صدقه الأخ المعروف في ذلك شاركهما في
المِيرَاث، كما إذا أقرا جميعاً لما بينا، وإن كذبه فيه فإنه يقسم المَالَ بين الأخوين المعروفين
أولاً نصفين، فيدفع النّصف إلى الأخ المنكر، وأما النصف الآخر فيقسم بين الأخ المقر وبين
المقر له نِصْفَين عند عامة العلماء، وعند ابن أبي ليلى: أثلاثاً، ثلثاه للمقر وثلثه للمقر له.
وجه قول ابن أبي ليلى: أن مِنْ زَغْم المقر أن المال بين الإخوة الثلاثة أثلاث، وأن ثلث
المقر له نصفه في يده ونصفه في يد أخيه المنكر على الشُّيوع، إلا أن إقراره على أخيه لا ينفذ
فيما في يد أخيه، فينفذ فيما في يده فيعطيه ثلث ذلك. ولنا (١): أن من زعم المقر أن حق
المقر بنَسَبه في الميراث [مثل] (٢) حقه، وأن المنكر فيما يأخذ من الزيادة وهو النّصف التامّ
ظالم، فيجعل ما في يَدِه بمنزلة الهالك، فيكون النّصف الباقي بينهما بالسَّوية لكل واحد منهما
رُبْع المال.
ولو أقرَّ أحدهما بأخْت، فإن صدقه الآخر - فالأمر ظاهر، وإن كذبه فيقسم المال أولاً
نصفين بين الأخوين، النصف للأخ المنكر، ثم يقسم النصف الباقي بين الأخ المقر وأخته،
للذكر مثل حظ الأنثيين.
ولو أقر أحدهما لامرأة أنها زوجة أبينا؛ فإن صدقه الآخر فالأمر واضح، للمرأة الثمن
والباقي بينهما لكل واحدٍ منهما سبعة، لا يستقيم عليها فنصحّح المَسْألة فتضرب سَهْمين في
ثمانية فتصير سِتّةً عشر لها ثمنها، والباقي بينهما لكل واحدٍ منهما سبعة، وإن كذبه فلها تسع ما
في يده عند عامة العلماء - رضي الله عنهم -، وعند ابن أبي ليلى - رحمه الله -: لها ثمن ما في
يده .
وجه قوله في أن زعم المقر أن للمَرْأة ثَمَن ما في يدي الأخوين، إلا أن إقراره صحّ فيما
في يد نفسه ولم يصحّ في حق صَاحِبه، وإذا صحَّ في حق نفسه يعطيها ثَمَن ما في يده.
وجه قول العامة: أن في زعم المقر أن ثمن الشّركة لها، وسبعة أثمانها لهما بينهما على
السوية، أصل المسألة وقسمتها ما ذكرنا، إلا أن الأخ المنكر فيما يأخذ من الزّيادة ظالم،
فيجعل ما في يده كالهالك، ويقسم النّصف الذي في يَدِ المقر بينه وبينها على قَدْر حقهما
ويجعل ما يحصل للمقر، وذلك سَبْعة على تسعة أسهم، سَهْمان من ذلك لها وسبعة أسهم له؛
وإذا جعل هذا النّصف على تِسْعَة، صار كل المال على ثمانية عشر؛ تسعة منها للأخ المنكر،
وسهمان للمرأة، وسبعة أسهم للأخ المقر، هذا إذا أقر الوارث بوارث واحدٍ، فأما إذا أقر
(١) في ب: كما.
(٢) سقط في ط.

٢٢٧
کتاب الإقرار
بوارث بعد وَارِث؛ بأن أقر بوارث ثم أقر بوارِث آخر - فالأصل في هذا الإقرار أنه إن صدق
المقر بوراثة الأول في إقراره بالوراثة للثاني - فالمال بينهم على فرائض الله تعالى، وإن كذبه
فيه، فإن كان المقرّ دَفَع نَصِيب الأول إليه بقضاء القاضي، لا يضْمَن، ويجعل ذلك كالهالك،
ويقسمان على ما في يد المقرّ على قدر حقهما، وإن كان الدفع بغير قَضَاء القاضي يضْمَن،
ويجعل المدفوع كالقائم في يَدِه، فيعطى الثاني حقه من كل المالِ بيان هذه الجملة فيمن هَلَكَ
وترك ابْناً، فأقر بأخ له من أبيه وأمه - فإنه يدفع إليه نِصْفَ الميراث، لما ذكرنا أن إقراره
بالأخوة صحيحٌ في حق الميراث، فإن أقر بأخ آخر فهذا على وجهين: إما إن أقر به بعد ما دَفَع
إلى الأول، وإما إن أقر [به] (١) قبل أن يدفع إلى الأول نصيبه؛ فإن أقر به بعد مَا دَفَع إلى الأول
نَصِيبه، فإن كان الدفع بقضاء القَاضِي فللثاني رُبْع المال ويَبْقَى في يد المقر الربع؛ لأن الرُّبع
في القَضَاء في حكم الهالك؛ لكونه مجبوراً في الدَّفع، فيكون الباقي بينهما نصفان؛ لأن في
زعم المقر أن الثّاني يساويه في استحقاق الميراث، فيكون لكل واحدٍ منهما نصف النّصف وهو
ربع الكُلِّ.
وكذلك إذا كان لم يَذْفع إلى الأول شيئاً؛ لأن نصف المال صار مستحق الصَّرف إليه،
والمستحق كالمصروف.
وإن كان دفع إليه بغير قَضَاء القاضي أعطى الثَّاني ثلث جميع المَالِ: لما ذكرنا أن الدَّفع
بغير قضاء مضمون عليه، والمضْمُون كالقائم فيدفع ثلث جميع المَالِ إليه ويبقى في يده
السدس(٢)، فإن دفع ثُلُث المال إلى الثَّاني بغير (٣) قَضَاء القَاضِي ثم أقر بأخ ثالث وكذَّبه الثالث
في الإقرار بالأولين - أخذ الثالث من الابن المغْرُوف ربع جميع المال؛ لأن كل المال قائم
معنّى؛ لأن الدفع بغير القضاء مضْمُون على الدَّافع فيأخذَ السُّدس الذي في يد المقرّ ونصف
سدس آخر؛ لأن الدَّفع إلى الأولين من غير قَضَاء القَاضِي لم يصحَّ في حق الثَّالث، فيضْمن له
قدر نصف سدس، فیدفعه مع السدس الذي في يده إليه.
وعلى هذا إذا ترك ابنين فأقرّ أحدهما بأخ ثم أقر بأخ آخر؛ فإن صدقه الابن المعروف
اشْتَرَكُوا في المِيرَاث وإن كذبه؛ فإن صدقه المقر بورائته الأول، فنصف المَالِ بينهم أثلاث؛
لأن إقراره بالوراثة في حقِّه، وفي حق المقر بورائته، الأول صحيحٌ لكنه لم يصحّ في حق الابن
المعروف، وكان النِّصف للابن المعروف، والنصف الباقي بينهم أثلاثاً، وإن كذبه فإن كان
المقر دفع نصف مَا فِي يده وهو رُبْع جميع المال إليه بقَضَاء القَاضِي - كان الباقي بينه وبين
(١) سقط في ط.
(٢) في ط: الثلث.
(٣) في ط: بعد.

٢٢٨
کتاب الإقرار
الثاني نِصْفَيْن؛ لأن الدفع بقَضَاء القاضي في حكم الهَالِك، فكان الباقي بينهما نِصْفَين لكل
واحدٍ ثمن المال وإن كان دفع إليه بغير قَضَاء القَاضِي، فإن كان المقر يعطي الثاني مما في يده
وهو رُبْع المال سدس جميع المال؛ لأن الدفع بغير قَضَاء مضْمُون على الدَّافع، فيكون ذلك
الرُّبع كالقائم.
ولو أقر أحدهما بأخت ودفع إليها نصيبها، ثم أقر بأخت أخرى وكذبه الأخ؛ فإن صدقته
الأخت الأولى، فنصف المال للأخ المنكر، والنصف بين الأخ المقر وبين الأختين للذكر مثل
حظ الأنثيين؛ وإن كذبته فإن كان دفع إليها نصيبها وهو ثلث النّصف، وذلك سدس الكل
بقَضَاء، فالباقي بين المقر وبين الأخت الأخرى للذكر مثل حظ الانثيين، لما مر أن المدفوع
بقضاء(١) في حكم الهَالِك، فلا يَكون مضْمُوناً على الدَّافع.
وإن كان الدَّفع بغير قضاء، فإن المقر يعطي للأخت الأخرى مما في يده نِصْف ربع
جميع المال؛ لأن الدَّفع بغير القَضَاء إتلاف، فصار كأنه قائم في يده وقد أقر بأختين، ولو كان
كذلك يكون لَهُمَا ربع جميع المَالِ لكل واحدةٍ الثمن، كذلك ههنا يعطي الأُخت الأخرى مما
في يَدِه نصف رُبع جميع المال، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو أقر أحدهما بامرأة لأبيه، ثم أقر بأخرى؛ فإن أقر بهما معاً - فذلك التسعان لهما
جميعاً، وهذا ظاهر، لأن فرض الزَّوجات لا يختلف بالقلّة والكثرة، وإن أقر بالأولى ودفع إليها
ثم بالأخرى؛ فإن صدقته الأولى فكذلك الجواب، وإن كذبته فالنصف للأخ المنكر وتسعان
للأولى، فبقي هناك الابن المغْرُوف والمرأة الأخرى فينظر إن كان دفع التّسعين إلى الأولى
بالقَضاء - يجعل ذلك كالهالك، ويجعل كأن لم يكن له مَال سوى الباقي وهو سبعة أسهم،
فيكون ذلك بين الابن المقرّ وبين المرأة الأخرى على ثَمَانِية أسهم، ثمن من ذلك للمرأة وسبعة
للابن المقر، وإن كان دفع إليها بغير قَضَاء يعطي من التسعة(٢) التّي هي عنده سهماً للمرأة
الأخرى، وهو سبع نصف جميع المال؛ لأن المدفوع كالقَائِم عنده. ولو كان نِصْف المال عنده
قائماً يعطي الأخرى التسع وذلك سهم؛ لأن المقر به ثمن المَال للمرأتين جميعاً، والثمن هو
تسعان، تسع للأولى وتسع للأخرى، إلا أن الأولى ظلمت حيث أخذت زيادة سَهْم، وذلك
الظُّلم حصل على الأخ المقرّ؛ لأنه هو الذي دَفَع بغير قَضَاء القاضي، فيدفع التسع الثاني إلى
الأخرى وهو سبع نصف المال، والباقي للابن وهو ستّة أسهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو مات رَجُل وترك ابناً معروفاً وألف درهم في يده، فادَّعى رجل على الميت ألْفَ
(١) في ط: بغير قضاء.
(٢) في ب: السبعية .

٢٢٩
كتاب الإقرار
درهم، فصدقه الابن، أو نكل عن اليَمِين فدفع إلى الغريم ذَلِك، ثم ادَّعى رجل آخر على
الميت ألْفَ درهم فصدَّقه الابن أو نكل عن اليمين؛ فإن كان دفع إلى الأول بَقَضَاء لم يضْمَن
للثاني شيئاً؛ لأنه في الدفع مجْبُور، فكان في حكم الهَالِك، وإن كان بغير قَضَاء يضمن للثَاني
نصف المال؛ لأنه مختار في الدَّفع، فكان إتلافاً فيضْمن، كما إذا أقرَّ لهما ثم دفع إلى
أحدهما .
ولو مات وترك ألف درهم، فأقرَّ بأخ ثم رجع وقال: لست بأخ لي وإنما أخي هذا
الرجل الآخر، وصدّقه الآخر بذلك وكذبه في الإقرار الأول، فإن كان دفع النّصف إلى الأول
بقَضَاء يشاركه الثّاني فيما في يده؛ فيقتسمان نِصْفَين لما بيّنا أن الدفع بَقَضاء في حكم الهالك،
وإن كان بغير قضاءٍ يدفع جميع ما في يده وهو نِصْفُ المال إلى الآخر لما بينا.
ولو مات وترك ابناً وألف درهم، فادَّعى رجل على الميت ألف درهم، فصدّقه الوارث
ودفع إليه بَقَضاء أو بغير قضاء، وادَّعى رجل آخر على الميِّت ديناً ألف درهم، وكذبه الوَارِث
وصدقه الغَرِيم الأول، وأنكر للغَريم الثاني دين الغريم الأول - لم يلتفت إلى إنكاره ويقْتّسمان
الألف بينهما نِصْفَين؛ لأن استحقاق الغريم الثاني إنما يثْبُت بإقرار الغريم الأول وهو يصدقه،
وهو ما أقر له إلا بالنصف؛ وكذلك لو أقر الغَرِيم الثاني لغريم ثالث؛ فإن الغريم الثالث يأخُذ
نصف ما في يده لم قلنا.
ولو مَاتَ وترك ألفاً في يد رجل، فقال الرَّجُل، أنا أخوه لأبيه وأمه، وأنت أخوه لأبيه
وأمه، وأنكر المقرَّ به أن يكون المقر أخاً له - فالقول قول المقر استحساناً على ما بينا.
ولو قال المقر للمقر به: أنا وأنت أخَواه لأبيه وأمه، ولي عليه ألف درهم دين، وأنكر
المقر به الدَّين فالمال بينهما نِصفان؛ لأن دعوى الدّين دعوى أمر عارض مانع من الإرث، فلا
يثبت إلا بحجة.
ولو مات وترك ابناً وألف درهم، فاذَّعى رجل على الميت ألْفَ درهم فصدقه الوارث
بذلك، ودفع إليه، ثم ادَّعى رجل آخر أن الميت أوْصَى له بثلث ماله، أو ادَّعى أنه ابن الميت
وصدقهما بذلك الابْنُ المعروف وكذباه فيما أقر - فإن كان دَفعَ بغير قَضَاء، فلا ضمان على
الدَّافع؛ لأن الإرث والوصية مؤخّران عن الدين، فإقراره لم يصحَّ في حق ثبات النَّسب، وإنما
يصحُ في حق المِيراث ولم يوحد الميراث.
ولو أقر لهما أول مرة ودفَع إليهما، ثم أقر للغَريم - كان للغريم أن يضْمَنه ما دفع إلى
الأولين؛ لأن الدَّين مقدم فإذا دفع بغير قَضَاء فقد أتْلَف على الغَرِيم حقه، وإن كان الدَّفع
بقضاء لا ضَمَان عليه لما بينا، ولو ثَبَت الوصيّة أو الميراث بالبينة بقَضَاء أو بغير قَضَاء، ثم أقر

٢٣٠
کتاب الإقرار
الغَرِيم بدينه - فلا ضمان عليه للغَرِيم فيما دفعه إلى الوَارِث والموصى له؛ لأنه لما قامت البينة
على المِيرَاث أو الوصية فقد ظهر أنه وارث مَعْرُوف أو موصى له، فالإقرار بالدين لا يوجِبُ
بُطْلاَن حقهما، ولو لم يكن دفع إليه لا يجوز له أن يدفع إلى الغَرِيم، ويجبره القَاضِي على
الدفع إلى الوَارِث والموصى له لما قلنا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في بيان ما يبطل به الإقرار
وأما بيان ما يَبْطُل به الإقرار بعد وُجوده فنقول وبالله التوفيق:
الإقرار بعد وُجُوده يبطل بشيئين: أحدهما تكْذِيب المقر له في أحَدٍ نوعي الإقرار، وهو
الإقرار بحُقُوق العباد؛ لأن إقرار المقرّ دليل لُزُوم المقر به، وتكذيب المقر له دليل عدم
اللُّزوم، واللّزوم لم يَعْرف ثُبُوته، فلا يثْبُت مع الشَّك، والثاني: رجوع المقرّ عن إقراره فيما
يحتمل الرُّجوع في أحَدِ نوعي الإقرار [وهو الإقرار](١) بحقوق الله تبارك وتعالى. خالصاً كحد
الزنا؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في الإنكار، فيكون كاذباً في الإقرار ضرورة، فيورث شبهة
في وجوب الحدِّ، وسواء رجع قبل القَضَاء أو بعده، قبل تمام الجلد أو الرَّحم قبل الموت لما
قلنا؛ وروي أن ماعزاً لما رَجَم بعض الحِجَارة هَرَب من أرض قليلة الحجارة إلى أرض كثيرة
الحِجَارة، فلما بلغ ذلك إلى رسُول اللهِ وَّر قال - عليه الصلاة والسلام: ((هَلاَّ خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ))(٢)
ولهذا يستحبُّ للإمام تلقين المقر الرجوع بقوله: لعَلَكْ لمستها أو قبلتها، كما لقن - عليه
السلام - ماعزاً وكما لقن السَّارق والسارقة بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ما إِخَالُهُ سَرَقَ أوْ
أسرقت قولي لا))(٣) لَوْ لَمْ يكن محتملاً للرجوع لم يكن للتلقين معنى وفائدة، فكان التلقين منه
عليه أفْضَل التحية والتَّسليم احتيالاً للدَّرء؛ لأنه أمرنا به بقوله عليه أفضل التحية: اذرَؤوا
الحدود بالشبهات(٤) وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((آذرَؤوا الحُدُودَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ))(٥) وكذلك
(١) سقط في ط.
(٢) تقدم في حديث رجم ماعز.
(٣) أبو داود [٥٣٩/٢] كتاب الحدود؛ باب: في التلقين. في الحد رقم: (٤٣٨٠)، النسائي [٦٧/٨] كتاب:
قطع السارق؛ باب: التلقين السارق رقم (٤٨٧٧)، وابن ماجة [٨٦٦/٢] كتاب الحدود باب: تلقين
السارق رقم: (٢٥٩٧) وأحمد في («المسند» [٢٩٣/٥]، والدارمي [١٧٣/٢] كتاب: الحدود، باب:
المعترف بالسرقة. والبيهقي [٢٧٦/٨] كتاب السرقة، باب: ما جاء في الإقرار بالسرقة والرجوع عنه.
وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) [٧٦/٤] كتاب: الشهادات.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.

٢٣١
کتاب الإقرار
الرُّجوع عن الإقرار بالسَّرقة والشرب؛ لأن الحدَّ الواجب بهما حق الله - سبحانه وتعالى
خالصاً، فيصحُّ الرجوع عن الإقرار بهما، إلا أن في السرقة يصحُّ الرجوع في حق القَطْع لا في
حق المال، لأن القَطْع حق الله تعالى عز شأنه على الخُلُوص، فيصحُّ الرجوع عنه، فأما المال
فحق العَبْد، فلا يصحُّ الرجوع فيه، وأما حد القذف فلا يصحُّ الرُّجوع عن الإقرار فيه، لأن
للعَبْد فيه حقاً فيكون متهماً في الرُّجوع، فلا يصحُّ كالرجوع عن سائرِ الحقوق المتمحضَة
للعباد. وكذلك الرُّجوع عن الإقرار بالقِصَاص؛ لأن القِصَاص خالص حق العباد، فلا يحتمل
الرُّجوع، والله تعالى أعلم بالصواب.

كتاب الجنايات(١)
الجِنَاية في الأصل نوعان: جناية على البَهَائم والجمادات، وجِنَاية على الآدمي. أما
الجناية على البَهَائم والجمادات فنوعان أيضاً: غصب وإتلاف، وقد ذكرنا كل واحدٍ منهما في
كتاب الغَصْب، وهذا الكتاب وضع لبيان حكم الجِنَاية على الآدمي خاصّة، فنقول وبالله تعالى
التوفيق :
الجناية على الآدميّ في الأصل أنواع ثلاثة: جناية على النّفس مطلقاً، وجناية على ما
دون النفس مطلقاً، وجناية على النفس(٢) من وجْه دون وجه.
أما الجناية على النَّفس مطلقاً فهي قتل المؤْلُود، والكلام في القَتْل في مواضع: في بيان
أنواع القتل، وفي بيان صفة كل نوع، وفي بيان حكم كل نوع منه.
أما الأول: فالقتل(٣) أربعة أنواع: قَتْل هو عمد مخض ليس فيه شبهة العَدَم. وقتل عمد
(١) الجناية لغة: يقال: جَنَّى على قومه جِنَايةً: أَذْنَبَ ذَنْباً يُؤَاخَذُ به، وقد استعملها الفقهاء في الجرح والقطع.
وهي عندهم يراد بها القصاص في النفوس والأطراف.
انظر: المصباح المنير ١ /١٥٤، مختار الصحاح ١١٤
اصطلاحاً :
عرفها الحنفية بأنها: اسم لفعل محرم حلّ بالنفس، أو الأطراف.
عرفها الشافعية بأنها: كل فعل مُزْهق للروح، أو مُبِين للعضو.
عرفها المالكية بأنها: إتلاف مكلّف غير حربي نفس إنسان معصوم، أو عضوه، أو معنى قائماً به، أو جنبه
عمداً أو خطأ بتحقيق، أو تهمة ...
وقيل: هي فعل الجاني الموجب للقصاص.
عرفها الحنابلة بأنها: كل فعل عدوان على الأبدان، بما يوجب قصاصاً أو نحوه.
انظر: رد المختار ٣٣٩/٥، مغني المحتاج ٢/٤، شرح الخرشي ٣/٨، المبدع ٢٤٠/٨ كشاف القناع
٥٠٣/٥ مجمع الأنهر ٦١٤/٢ مواهب الجليل ٢٧٦/٦ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٤٢/٤.
(٢) في ط: على ما هو نفس.
(٣) في معجم مقاييس اللغة: ((القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة)).
- والقتل مصدر، يقال قتله بقتله قتلاً. وقتله إذا أماته بضرب أو حجر أو سم أو علة، أو غير ذلك.
٢٣٢
=

٢٣٣
كتاب الجنايات
فيه شبهة العدم وهو المسمَّى بشبه العمد، وقتل هو خطأ محض لَيْس فيه شبهة العدم، وقتل هو
في معنى القَتْل الخطأ.
أما الذي هو عَمْد(١) محض فهو أن يقصد القَتْل بحديد له حداً وطعن كالسيف والسكين
والرّمح والإشفى (٢) والإبرة وما أشبه ذلك، أو ما يعمل عَمَل هذه الأشياء في الجرح والطعّن
كالنار والزجاج وليطة (٣) القصب والمروة والرمح الذي لا سنان له ونحو ذلك؛ وكذلك الآلة
المتخذة من النحاس؛ وكذلك القَتْل بحديد لا حد له كالعمود وصَنْجة الميزان وظهر الفَأْس
والمرو ونحو ذلك(٤) عمد في ظاهر الرِّواية - وروى الطّحاوي عن أبي حنيفة - رضي الله
- ورجل قتيل : - مقتول، والجمع قتلاء، وقتلى، وقتالی.
=
- القتل في الاصطلاح:
هو فعل من العباد تزول به الحياة.
وزوال الحياة بدون فعل من العباد يسمى موتاً، ولا يسمى قتلاً.
(١) لغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة ٥٦/٥: القاف والتاء واللام أَضْلٌ صحيح يدل على إذلال
وإماتة، والقتل مصدر، يقال: قتله يقتله قتلاً. وقتله إذا أماته، بضرب أو حَجَرٍ أو سُمّ أو علة.
ورجل قتيل: مقتول، والجمع قتلاء وقتلى وقتالى.
العَمْدُ في اللغة: القصد؛ يقال: عدت إلى الشيء قصدته، وتعمدته: قصدت إليه أيضاً، والعمد ضِدُّ
الخطأ .
عرفه الشَّافعية: بأنه ما حَصَلَ بِقَصْدِ الفعل العدوان، وعين الشخص بما يقتل غالباً وعرفه الإمام أبو حَنِيفَة
- بأنه ما تعمد فيه ضرب المقتول بسلاح، أو ما أجرى مجرى السلاح.
وعرفه الصَّاحبان. بأنه ما تعمّد فيه ضرب المقتول بما لا تطيق النَّفْس احتماله وعرفه الإمام ابن عرفة
فقال: العمد ما قصد به إتلاف النفس بآلة تقتل غالباً، ولو بمثقل، أو بإصابة المَفْتَلِ كعصر الأنثيين،
وشدة الضَّغْطِ والخنق. وزاد ابن القصار أو يطبق عليه بيتاً، أو يمنعه الغذاء حتى يموت جوعاً.
وعرفه الحنابلة فقالوا: العَمْدُ أن يقتل قصداً بما يغلب على الظَّن موته به، عالماً بكونه آدميًا معصوماً.
ينظر: مغني المحتاج ٣/٤، شرح الدر المختار على ابن عابدين ٣٥١/٥، شرح حدود ابن عرفة ص
٤٧٣، كشاف القناع ٣٣٣/٣.
(٢) الإشفى: مخرز الإسكاف. المعجم الوسيط (إشفى).
(٣) الليطة: القصب اللاصق. ينظر مجمع الأنهر (٦٢٥/٢).
(٤) وقال في شرح الطحاوي: ((العمد ما تعمد قتله بالحديد كالسكين والسيف أو ما كان كالحديد سواء كان له
حدة يبضع بضعاً أو ليس له حدة، ولكن يرض رضا كالعمود وسنجات الميزان أو غيرها أو طعن بالرمح
أو الإبرة أو الأشفى بعد أن يقع عليه اسم الحديد .. إلى أن قال: ((وكذلك ما كان من جنس الحديد مثل
الصفر والرصاص والفضة والذهب والنحاس والانك سواء قتله بضعاً أو رضا، وما كان من غير جنس
الحديد أن عمل عمل الحديد فهو عمد ... وكذلك ما كان له حد يعمل عمل السيف كالزجاج وليطة
القصب وحجر له حد مما يبضع بضعاً أو يطعن كخشب له حد يجرح فهذا يعمل عمل الحديد فهو عمد.

٢٣٤
كتاب الجنايات
عنهم -: أنه ليس بعَمْد، فعلى ظاهر الرواية العبرة للحَدِيد نفسه، سواء جرح أو لا، وعلى
رواية الطّحاوي العبرة للجَزْح نفسه حديداً كان أو غيره، وكذلك إذا كان في معنى الحديد،
كالصفر والنحاس والآنك والرّصاص والذهب والفضة - فحكمه حُكْم الحديد(١).
وأما شبه العَمْد(٢) فثلاثة أنواع، بعضها متّفق على كونه شبه عمد، وبعضها مختلف فيه:
أما المتفق عليه فهو أن يقصد القَتْل بعصا صغيرة أو بحجر صغير أو لطمة ونحو ذلك،
ممَّا لا يكون الغَالِب فيه الهَلاَك كالسَّوطِ ونحوه، إذا ضرب ضربةً أو ضربتينٍ ولم يوالٍ في
الضَّرباتِ .
وأما المختلف فيه فهو أن يضرْبَ بالسَّوطِ الصغيرِ، ويوالي في الضرَّبات إلى أن يموت،
وهذا شبه عمد بلا خلافٍ بين أصحابنا - رحمهم الله تعالى - ، وعند الشَّافعيِّ - رحمه الله -:
هو عمد، وإن قصد قتله بما يغلب فيه الهَلاك مما ليس بجارح ولا طاعن؛ كمدقة القصارينَ
والحجر الكبير والعصا الكبيرة ونحوها - فهو شبه عمد عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -،
وعندهما والشافعِيُّ: هو عمد ولا يكون فيما دون النّفس شبه عمد، فما كان شبه عمد في
النّفسِ فهو عمد فيما دون النّفس؛ لأنَّ ما دون النَّفس لا يقصد إتلافه بآلةٍ دون آلة عادة،
فاستوت الآلات كلها في الدّلالةِ على القَصْدِ، فكان الفعل عمداً محضاً، فينظر إن أمكن إيجاب
القصاص يجب القِصَاص، وإن لم يمكن يجب الأرش.
وأما القتل الخَطَأ فالخطأ(٣) قد يكون في نَفْس الفعل وقد يكون في ظن الفاعل: أما
(١) والقتل العمد عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، هو تعمد ضرب المقتول بما يقتل غالباً.
(٢) عرفه الشَّافعية: بأنه قَصْدُ الفعل العدوان والشخص بما لا يقتل غالباً، سواء قتل كثيراً أو نادراً، متى كان
من الممكن إحالة الهلاك عليه عادة، إما إذا كان بنحو ضربة فلم تَهْدُرُ.
وعرفه الحنفية على طريقة الإمام، بأنه ما صدر بتعمَّد الضرب بما ليس بسلاح، ولا أجرى مجرى
السلاح، والمراد بما يجري مجرى السلاح النار، وكل ما يقتل بحدّه كالمحدّد من الخشب والسَرْوَةِ
ونحوهما.
ويعرف عند المالكية على القول بثبوته عندهم: بأنه ما يحصل بما لا يقتل غالباً على سبيل الغَضَبِ، أو
بفعل مشروع، فیسرف فيه.
وعرفه الحَنَابِلَةُ فقالوا: شبه العَمْدِ أن يتعمد الجاني ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالباً بقصد العدوان،
أو بقصد التأديب، فيسرف فيه، أو يفعل به فعلاً، الأغلب أنه لا يقتله.
وعرفه الصَّاحبان. بأنه ما حصل بتعمّد الضرب بما لا يحصل الهلاك به غالباً كالعصا الصغيرة.
ينظر: نهاية المحتاج ٢٣٨/٧، الهداية على التكلمة ٢٤٥/٨، الباجي على الموطأ ٧/ ١٠٠، المغني ٩/
٣٣٧، العناية على الهداية ٨/ ٢٥٠.
(٣) الخَطَأُ في اللُّغة ضد الصَّواب، ويقال: أخطأ إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، ويقال: أخطأه الحق، إذا
بعد عنه، وأخطأه السَّهْمُ تَجَاوزه، ولم يصبه، ويطلق الخطأ على الفعل الذي يصدر من الإنسان بغير
قَصْدٍ .
=

٢٣٥
كتاب الجنايات
الأول فنحو أن يقصد صيداً فيصيب آدمياً، وأن يقصد رجلاً فيصيب غيره؛ فإن قصد عضواً من
رجل فأصاب عضواً آخر منه - فهذا عَمْد وليس بخَطَأ. وأما الثاني فنحو أن يرمي إلى إنسان
على ظن أنه حربي أو مرتدّ، فإذا هو مسلم. وأما الذي هو في معنى الخَطّأ فنذكر حكمه
وصِفَته بعد هذا إن شاء الله تعالى، فهذه صفات هذه الأنواع.
٦١٨/٣
وأما بيان أحكامها فوقوع القَتْل بإحدى هذه الصِّفات لا يخلو إما إن علم وإما إن لم
يعلم؛ بأن وجد قتيل لا يعلم قاتله؛ فإن علم ذلك: أمَّا القتل العمد المخض فیتعلق/ به
أحكام، منها وجوب القِصَاص، والكلام في القصاص في مواضع:
في بيان شرائط وجُوب القِصَاص(١).
وقد اختلف الفقهاء في تحديده: فعرفه الشافعية: بأنه ما صدر من الإنسان بفعل لم يقصد أصلاً، أو قصد
=
دون قصد الشخص المقتول.
وعرَّفه الحنفية: بأنه ما يصدر من الإنسان بعدوان.
قصد عند مباشرة أمر مقصود، بسبب ترك التثبت والاحتياط، وهو على نوعين: خطأ في الفعل، وخطأ
في القصد.
وعرف الإمام ابن عرفة القَتْل الخَطَأ فقال: هو ما مسببه غير مقصود لفاعله باعتبار صنفه غير منهي عنه.
ويعرفه أكثر الحَنَابلة بمثل تعريف الشافعية، إلاَّ أنهم يجعلون منه عمد الصبي والمجنون، كما أنّ بعض
الحنابلة يقولون بوجود قِسْم رابع يسمونه ما أجرى مجرى الخطأ، ويجعلونه شاملاً لصور كثيرة منها القتل
من غير المكلف، وما لا قَصد فيه أصلاً، والقتل بالتسبب إن لم يكن عمداً، ولا شبه عَمْدٍ، ومن هؤلاء
أبو الخطاب الحَثْبليّ، وصاحب ((متن المقنع)).
وقد قال في ((الشرح الكبير)): وهذه الصور عند الأكثرين من قسم الخطأ أعْطَوه حكمه، وعلى ذلك درج
الخرقي في ((مختصره)) حيث قال: القتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه عمد وخطأ .
ينظر: مغني المحتاج ٤/٤، العناية على التكملة ٢٥٢/٨، بشرح حدود ابن عرفة ص ٤٧٧، المغني:
٣٣٩/٩، الشرح الكبير ٣٢٠/٩.
(١) القِصَاص: أن يُفْعل بالفاعل مثل ما فعل. كذا في المغرب.
وفي الصحاح: القصاص: القَوَدُ، وَقَدْ أَقَصِّ الأمير فلاناً من فلان إذا اقْتَص له منه فجرحه مثل جَرْحه أو
قتله.
انظر الصحاح ١٠٥٢/٣، والقاموس المحيط ٣٢٤/٢، وما بعدها، والمصباح المنير ٧٧٨/٢ وما بعدها،
والمغرب ٢/ ١٨٢.
اضطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عنها وأخذ كل
يدافع عن فكرته، ويحاجج عن رأيه، حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالفسق في تقرير هذه العقوبة،
وقالوا: إنها غير صالحة لهذا الزمن، وقد نسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يصلح البشر على مر الزمن
مهما بلغوا في الرقي، وتقدموا في الحضارة.
كانت هذه العقوبة موجودة قبل الإسلام، ولكن للاعتداء فيها يده المتنمرة، وللإسراف فيها ضرره البالغ،
فحد الإسلام من غلوائها، وقصر من عدوانها، ومنع الإسراف فيها. فقال تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد =

٢٣٦
کتاب الجنايات
وفي بيان كيفية وجُوبه،
وفي بيان من يستحق القِصَاص،
وفي بيان من يلي استيفاء القِصَاص،
وشرط جواز استيفائه، وفي بيان ما يستوفي به القِصَاص وكيفية الاستيفاء.
وفي بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه.
أما الأول: فلوجوب القِصَاص شرائط بعضها يرجع إلى القَاتِل، وبعضها يرجع إلى
المقتول، وبعضها يرجع إلى نفس القتل، وبعضها يرجع إلى ولي القتيل.
أما الذّي يرجع إلى القاتل فخمسة:
أحدها أن يكون عاقلاً.
والثاني أن يكون بالغاً، فإن كان مجنوناً أو صبياً لا يجب؛ لأنَّ القَصَاصَ عُقُوبة، وهما
جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ فلم يبح دَمَ من لم يشترك في القتل قال تعالى:
=
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.
وقال عز من قائل: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ... الآية) ولكنه
أفسح المجال للفصل بين الناس، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيراً في العفو عن الجاني فقال:
(فمن تصدّق به فهو كفّارة له)).
على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث، وعركوا الأمور، ودرسوا طبائع النفوس البشرية، ونزعاتها
وغرائزها، قد هداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة، لإنتاج الغاية المقصودة، وهي إقرار
الأمن وطمأننة النفوس، ودرء العدوان والبغي، وإنقاذ كثيرين من الهلاك؛ قال تعالى: ﴿ولكم في
القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.
ولقد فهم أولو الألباب هذه الحكم البالغة، وقدروها حق قدرها، وها نحن أولاً نرى اليوم أن الأمم التي
ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها لما رأته في ذلك من المصلحة.
وأمكننا الآن أن نقول إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع.
أما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن
بالسن والجروح قصاص﴾ فهو في غاية الحكمة والعدالة؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لاعتدى القوى على
الضعيف، وشوه خلقته، وفعل به ما أمكنته الفرصة لا يخشى من وراء ذلك ضرراً يناله، أو شراً يصيبه،
ولو اقتصر الأمر على الديات كما هو الحال في القوانين الوثيقة لكان سهلاً على الباغي يسيراً على
الجاني، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله في سبيل تعجيز عدوه، وتشويهه ما دامت القوة في يده،
ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك، انكمش وارتدع وسلموا
جميعاً من الشر.

٢٣٧
کتاب الجنايات
ليسا من أهل العقوبة: لأنها لا تجب إلا بالجِنَاية وفعلهما لا يوصف بالجِنَاية؛ ولهذا لم تجب
عليهما الحُدُودِ(١).
وأما ذكورة القَاتِل وحريته وإِسْلاَمه فليس من شَرَائط الوجوب. والثالث أن يكون متعمداً
في القتل قاصداً إياه، فإِن كان مخطئاً فلا قصاص عليه؛ لقول النبي: ((العَمْدُ قَوَدٌ)) أي القتل
العمد يوجِبُ القود، شرط العمد لوجوب القود؛ ولأن القصاص عقوبة متناهِيَة فيستدعي جناية
مَتَنَاهية، والجناية لا تتناهى إلا بالعمد.
والرّابع أن يكون القتل منه عمداً محضاً ليس فيه شبهة العدم؛ لأنه - عليه الصلاة
والسلام - شرط العَمْد مطلقاً بقول النبي: ((العمد قود))، والعمد المطلق هو العَمْد من كل
وجهٍ، ولا كمال مع شُبْهَة العدم؛ ولأن الشبهة في هذا البَاب مُلْحقة بالحقيقة.
وعلى هذا يخرج القَتْلُ بضربةٍ أو ضربتينٍ على قصد القتل - أنه لا يوجب القود؛ لأن
الضَّربة أو الضَّربتينِ مما لا يقصد به القَتْل عادة، بل التّأديب والتهذيب، فتمكنت في القَصْد
شبهة العدم، وعلى هذا يخرج قول أضحَابنا - رضي الله عنهم - في الموالاة في الضَّربات أنها
لا تُوجب القِصَاص، خلافاً للشافِعِيِّ.
وجه قوله: أن الموالاة في الضَّربات دليل قصد القتل؛ لأنها لا يقصد بها التَّأديب عادة،
وأصل القصد موجودٌ، فيتمحض القتل عمداً فيوجب القصاص. ولنا: أن شبهة عدم القَصْد
ثابتة؛ لأنه يحتمل حصول القَتْل بالضرب والضربتين على سبيل الاستقلال من غير الحاجة إلى
الضربات الأخر، والقتل بضربة أو ضَرْبتين لا يكون عمداً، فتبين بذلك أنه لا يوجب
القِصَاص، وإذا جاء الاحتمال جاءت الشبهة وزيادة، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في القتل
بالمثقل أنه لا يوجب القود، خلافاً لهما والشافعي - رحمهم الله - .
وجه قولهم: أن الضرب بالمثقل مهلك عادة.
ألا ترى أنه لا يستعمل إلا في القتل، فكان استعماله دليل القَصْد إلى القتل؛ كاستعمال
السيف، وقد انضم إليه أصل القَصْد، فكان القتل الحاصل به عمداً محضاً.
(١) قال محمد بن الحسن في ((الأصل)). إذا جنى الصبي على رجل في النفس أو فيما دونها فلا قود عليه لأن
عمد الصبي خطأ وكذلك المعتوه، وكذلك المجنون إذا أصاب في حال جنونه. وإذا أصاب في حال
إفاقته فهو والصحيح سواء، وعمد الصبي والمجنون في حال جنونه والمعتوه خطأ تعقله العاقلة)).
وقال في الشرح الكبير:
«وأما الصبي والمجنون فلا يقتص منهما لأن عمدهما وخطأهما سواء على أنه لا عمد للجنون ولذا لو كان
يفيق أحياناً وجنى حال إفاقته اقتضى منه حال إفاقته)).

٢٣٨
کتاب الجنايات
ولأبي حنيفة - رحمه الله - طريقان مختلفان على حسب اخْتِلاف الروايتين عنه:
أحدهما: أن القتل بآلة غير معدّة للقتل دليل عدم القصد؛ لأن تَخْصِيل كل فعل بالآلة
المعدة له، فحصوله بغير ما أعدّ له دليلُ عدم القصد، والمثقل وما يجري مجراه ليس بمعدّ
للقتل عادة، فكان القَتْل به دلالة عدم القَصْد، فيتمكن في العمدية شبهة العَدْم، بخلاف القتل
بحديد لا حدّ له؛ لأن الحديد آلة معدّة للقتل؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ
شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] والقتل بالعمود معتاد، فكان القَتْل به دليلَ القصد فيتمحض عمداً، وهذا
على قياس ظاهر الرواية .
والثاني وهو قياس رواية الطحاوي - رحمه الله -: هو اعتبار الجرح؛ أنه يمكن القصور
في هذا القَتْل؛ لوجود فساد الباطن دون الظاهر، وهو نَقْض التركيب، وفي الاستيفاء إفْسَاد
الباطن والظَّاهر جميعاً، فلا تتحقّق المماثلة.
وعلى هذا الخِلاَف إذا خنق رجلاً فقتله أو غرقه بالمَاءِ أو ألقاه من جبل أو سطح
فمات - أنه لا قِصَاص فيه عند أبي حنيفة .
وعندهما: يجب؛ ولو طين على أحد بيتنا حتى مات جوعاً أو عطشاً، لا يضمن شيئاً
عند أبى حنيفة، وعندهما: يضمن الدية.
وجه قولهما: أن الطين الذي عليه تسبيب لإهلاكه(١)؛ لأنه لا بقاء للآدمي إلا بالأكل
(١) ورد من حديث ابن عباس ومن حديث عمرو بن حزم.
أما حديث ابن عباس.
رواه الدارقطني في سننه (٩٤/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره من حديث عمرو بن دينار عن ابن
عباس قال: قال رسول الله وَله: ((العمد قود إليه والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر أو
عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل)).
وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٣٢٧/٤) إلى ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في ((مسنديهما)) كلاهما من
طريق إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله المالية: ((العمد
قود إلا أن يعفو ولي المقتول)».
ورواه أبو داود (١٨٣/٤) كتاب الديات، باب من قتل في عمياء بين قوم الحديث (٤٥٤٠) ورواه أيضاً
في (١٩٦/٤) كتاب السنة، باب فيمن قتل في عمياً بين قوم الحديث (٤٥٩١) والنسائي (٤٠٣٩/٨)
كتاب القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط وابن ماجه (٢/ ٨٨٠) كتاب الديات، باب من حال بين ولي
المقتول وبين القود أو الدية الحديث (٢٦٣٥).
كلهم من طريق سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلخير
((من قتل في عميا أو رقيا تكون بينهم بحجر أو سوط أو بعصا فعقله عقل خطأ ومن قتل عمداً فقود يده
فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)).
=

٢٣٩
كتاب الجنايات
والشرب، فالمنع عند استيلاء الجُوعِ والعَطَش عليه يكون إهلاكاً له، فأشبه حفر البئر على
فَارِعة الطَّريق .
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن الهلاك حَصَل بالجوع والعطش لا بالتَّطْيين، ولا صنع
لأحد في الجوع والعطش، بخلاف الحفر فإنه سبب للوُقُوع، والحفر حصل من الحافر فكان
قتلاً تسبيباً، ولو أطعم غيره سماً فمات؛ فإن كان تناول بنفسه، فلا ضمان على الذي أطعمه؛
لأنه أكله باختياره، لكنه يعزّر ويضرب ويؤدب؛ لأنه ارتكب جِنَاية ليس لها حدّ مقدّر وهي
الغرور، فإِن أوجره السم فعليه الدية عندنا.
وعند الشافعِيِّ - رحمه الله -: عليه القصاص(١).
وأما حديث ابن حزم قال الزيلعي في نصب الراية (٣٢٨/٤): ((رواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث
=
إسماعيل بن عياش عن عمران بن أبي الفضل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن
أبيه عن جده عن النبي ◌ّلو قال: العمد قود والخطأ دية ((وإن كان المراد بجده محمد بن عمرو فهو مرسل
قال ابن سعد في الطبقات في ترجمة عثمان بن عفان: محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد رسول
الله ◌َليفي سنة عشر من الهجرة وقال لأبيه عمرو: سمه محمداً اهـ
في أ: لهلاکه.
(١) ذهب الحنفية كما حكى المصنف رحمه الله إلى أن القتل لا تعتبر عمداً إلا إذا ارتكب بآلة قاتلة ويشترط
الإمام أبو حنيفة أن تكون الآلة محددة فإن لم يكن القتل بذلك لا يعتبر عمداً عنده ولم يستثن من غير
المحدد إلا النار فاعتبر القتل بها عمداً والظاهرية يعتبرون القتل عمداً متى كان نتيجة اعتداء بما يحتمل
الموت منه أما الاعتداء بما لا يموت من مثله أحد عادة فلس عندهم من العمد ولا من الخطأ وإنما هو
هدر ولا شيء فيه إلا الأدب، وقد وافقهم الشافعية في اعتبار الموت بما لا يموت من مثله أحد هدراً،
لأنه لا يمكن إحالة الهلاك عليه عادة.
وقد ذهب المالكية في الرواية المشهورة عندهم إلى أن القتل يعتبر عمداً متى كان الفعل قاتلاً سواء كان
الاعتداء على سبيل العداوة أو اللعب أما إذا كان الفعل لا يقتل غالباً فيعتبر القتل خطأ إن كان الاعتداء
على سبيل اللعب أو التأديب ويعتبر عمداً إن كان على سبيل العداوة أو الغضب.
وأما على الرواية التي تثبت شبه العمد فيكون الاعتداء بما لا يقتل غالباً شبه عمد كما ذهب إلى ذلك
الجمهور. وقد ثبت شبه العمد بالسنة وبالمعقول وهو أن الاعتداء على الإنسان بما لا يقتل غالباً دليل على
عدم قصد القتل.
وذهب الشافعية والحنابلة، إلى أن أي وسيلة تقتل غالباً تجعل القتل عمداً ولا فرق عندهم بين الجارح
والمثقل ولا بين المسبب والمباشرة. وهم يكتفون في كون القتل عمداً بأن يفعل المعتدي بالمقتول فعلا
الغالب منه التلف.
والذي يؤيده الدليل هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والمالكية في إحدى الروايتين عندهم من أنه لا
فرق فيما يزهق الروح بين المثقل والمحدد ولا بين أن يكون الفعل القاتل تسبباً أو مباشرة ما دام يغلب
على الظن حصول الموت به فالذي يضرب الشخص بمحدد أو بمثقل أو يدفعه لأسد أو يقذفه من شاهق =

٢٤٠
كتاب الجنايات
ولو غرق إنساناً فمات، أو صاح على وجهه فمات - فلا قود عليه عندنا وعليه الدية،
وعنده: عليه القود.
والخامس أن يكون القَاتِل مختاراً اختيار الإيثار عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -.
١٨/٣ ب
وعند زفر / والشافعي - رحمهما الله -: هذا ليس بشرط. وعلى هذا يخرج المكره على
القَتْل؛ أنه لا قِصَاص عليه عندنا خلافاً لهما (١)، والمسألة مرّت في كتاب الإكراه.
أو يقدم إليه سما فيأكله غير عالم به فيموت من ذلك يعتبر قاتلاً عمداً ويجب القصاص منه حتى يرتدع
=
الناس عن القتل بهذه الوسائل التي تدل دلالة واضحة عند استخدامها في الاعتداء على توفر نية القتل،
فمتى كان الفعل الذي حصل به القتل مما يغلب على الظن حصول الموت به يعتبر القتل عمداً إذ لا شبهة
عند ذلك في قصد القتل به. القتل العمد لمحمد مبروك يوسف.
(١) اختلف الفقهاء فيما إذا أكره إنسان آخر على قتل شخص فقتله - فذهب المالكية وأحمد وأهل الظاهر
والشافعي في الصحيح من مذهبه إلى أن القصاص يجب على المكره والمكره. وذهب أبو حنيفة ومحمد
إلى أنه يجب القصاص على المكرِه وحده وهو قول للشافعي.
وذهب أبو يوسف إلى أنه لا يقتص من واحد منهما. وذهب زفر إلى أنه لا يقتص إلا من المكره (الفاعل)
استدل الأولون - في الوجوب على المكرِه بأنه قد تسبب في قتل غيره بما يفضي إلى القتل غالباً، وعلى
المكره بأنه قتل غيره عمداً عدواناً إبقاء على نفسه فكان كمن قتل شخصاً ليأكله. بل هذا أولى لأن
المضطر قاطع بهلاك نفسه، بخلاف المكرَه، وقد قال المازري من المالكية من أكره رجلاً على قتل آخر
ظلماً قتل المباشرة إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلماً، ويقتل المكره أيضاً لأن القاتل كآلة
له .
واستدل أبو حنيفة ومحمد - أولاً - بقوله وَلير: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فقد
أفاد الحديث أن الله تعالى قد رفع عن المستكره حكم ما أكره عليه وهو الإثم والعقوبة، ومنها القصاص.
وثانياً - بأن الموجود من المكره صورة القتل وهو كالآلة، والآلة لا يتوجه إليها خطاب، والمعتدي في
الحقيقة هو المكره (الحامل).
واستدل أبو يوسف - بأن المكره ليس بمعتد حقيقة وإنما هو متسبب في القتل والمعتدي حقيقة هو المكره
(الفاعل) ولما لم يجب عليه القصاص للحديث السابق فالقول بعدم وجوبه على الحامل أولى.
واستدل زفر - بأن الاعتداء قد وجد من المكره (الفاعل) حقيقة وحسا وإنكار المحسوس مكابرة، فوجب
اعتبار القتل منه دون المكره، لأن الأصل اعتبار الحقيقة ولا يعدل عنها إلا بدليل.
ناقش الجمهور أدلة أبي حنيفة بأن موجب المستكره عليه وحكمه إنما يكون معفوا عنه إذا سلب المكره
الاختيار، وكذلك إذا كان الإكراه تاماً، وكون المكره كالآلة للمكره غير صحيح، فإن في مقدوره عدم
الامتثال، ولكنه امتثل دفعاً للأذى عن نفسه فكان معتدياً ظالماً فوجب القصاص عليه، ويجاب عن هذا
بأن الفعل (المكره) وإن لم تنعدم ارادته تماماً الا أن الإكراه المعتبر يفسد اختياره لأنه إنما يكون بالتخويف
بنحو اتلاف النفس أو العضو فالتأثير الذي وقع على حرية اتياره ينافي مسؤوليته ويعتبر شبهة كافية لدرء
القصاص عنه فيجب أن ينقل حكم الفعل إلى الحامل فيما يصلح أن يكون المكره آلة للحامل فيه كأتلاف
النفس والمال، وقد عهد في الشرع تأثير الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات لكون المكره يشبه من لا =