Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب المأذون
والنَّفع، فلا بد لها من كمال العقل وعقل الصبي ناقص، فلا يكفي لأهلية التجارة؛ ولهذا لم
يعتبر عقله في الهبة والصّدقة والطلاق والعتاق. كذا ههنا.
ولنا: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَبْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أمر سبحانه وتعالى الأولياء بابتلاء
اليَتَامى، والابتلاء هو الإظهار، فابتلاء اليتيم إظهار عقله بدفع شيء من أمواله إليه، لينظر
المولى أنه هل يقدر على حفظ أمواله عند النوائب، ولا يظهر ذلك إلا بالتجارة، فكان الأمر
بالابتلاء إذناً بالتجارة، ولأن الصبي إذا كان يعقل التجارة يعقل النافع من الضَّار فيختار المنفعة
على المضرّة ظاهراً، فكان أهلاً للتجارة كالبالغ، بخلاف الهبة، والصَّدقة والطلاق ونحوها؛
لأنها من التصرُّفات الضارة المحضة؛ لكونها إزالة ملك لا إلى عوض، فلم يجعل الصَّبي أهلاً
لها؛ نظراً دفعاً للضرر عنه.
ومنها العلم بالإذن بالتِّجارة في أحد نوعي الإذن بلا خلاف.
وبيان ذلك: أن الإذن بالإضافة إلى النَّاس ضربان: إذن إسرار وإذن إعلان/ وهو ٢٤٩/٣ب
المسمَّى بالخاص والعام في الكتاب؛ فالخاص أن يقول: أذنت لعبدي في التِّجارة لا على وجه
ينادي أهل السُّوق فيقول: بايعوا عَبْدي فلاناً؛ فإني قد أذنت له في التّجارة، ولا خِلاَف في أن
العلم بالإذن شرط لصحّة الإذن في هذا النوع؛ لأن الإذن هو الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانْ
مِنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلام، والفعل لا يعرف إعلاماً إلا بعد تعلقه بالمعلم؛ ولأن
إذن العبد يعتبر بإذن الشَّرع، ثم حكم الإذن من الشرع لا يثبت في حق المأذون إلا بعد علمه
به، فعلى ذلك إذن العبد؛ ولهذا كان العلم بالوكالة شرطاً لصحتها على ما ذكرنا في كتاب
الوكالةِ، كذا هذا؛ حتى لم يصحّ تصرف الوكيل قبل العلم بالوكالة وأما في الإذن العام فقد
ذكرنا (١) في كتاب المأذون: أنه يصير مأذوناً وإن لم يعلم به العبد.
وذكر في ((الزيادات)) فيمن قال لأهل السوق: بايعوا ابني فلاناً فبايعوه، والصبي لا يعلم
بالإذن - أنه لا يصير مأذوناً ما لم يعلم بإذن الأب، منهم من أثبت اختلاف الروايتين في جواز
الإذن القائم(٢) من غير عِلْم العبد، ومنهم من لم يثبت الاخْتِلاَف، وفرق بين العبد والصَّبي؛
فجعل العلم شرطاً في الصبي دون العَبْد.
ووجه الفَرْق: أن انحجار العبد لحق مولاه، فإذا أذن [أهل السوق](٣) بمبايعته فقد أسقطَ
حق نفسه، فانفكَّ الحجر فصار مأذوناً بخلاف الصبي؛ لأن انحجاره عن التصرُّف لحق نفسه لا
لحق أبيه .
(١) في أ: ذكر.
(٣) في ط: فإذا أذن انفك.
(٢) في أ: العام.

١٤٢
کتاب المأذون
ألا ترى أن العهدة تلزمه دون أبيه، فشرط عليه بالإذن الذي هو إزالة الحجر ليكون لزوم
العُهدة في التِجارة مضافاً إليه، ويحتمل أن يفرق بينهما من وجه آخر؛ وهو أن الإذن على سبيل
الاستفاضة(١) سبب لحصول العلم لهما جميعاً، إلا أن السبب لا يقام مقام المسبب إلا
لضَرُورة، والضرورة في حق العبد دون الصَّبي؛ لأنَّ الناس يحتاجون إلى مبايعة العبد المأذون؛
لأن الإذن للعبد بالتّجارة من عادات التجارة، وإذا وجد الإذن على الاستفاضة وأنه سبب
لحصول العلم غالباً - فالناس يعاملونه بناءً على هذه الدلالة، ثم يظهر أنه ليس بمأذون لانعدام
العلم حقيقة، فتتعلّق ديونهم بذمَّة المفلس، وتتأخر إلى ما بعد العتق، فيؤدي إلى الضرر بهم،
بخلاف الصبيان؛ لأن إذن الصبي بالتجارة ليس من عادة التجار، والناس أيضاً لا يعاملون
الصبيان عادة، ولو توقف الإذن على حقيقة العلم لا يلحقهم الضَّرر إلا على سبيل النُّدرة،
والنَّادر مُلحق بالعدم والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في بيان ما يظهر به الإذن
وأما بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة فنقول: ما يظهر به الإذن بالتجارة نوعان: أحدهما
من جِهَة المولى، والثاني من جهة العبد.
أما الذي من جهة المولى فهو تشهيره بالإذن(٢) وإشاعته؛ بأن ينادي في أهل السُّوق: إني
قد أذنت لِعبدي فلاناً بالتجارة فبايعوه، وهو المسمى بالإذن العام.
وأما الذي من جهة العبد: فهو إخباره عن كَوْنه مأذوناً بالتّجارة بأن لم يكن الإذن من
المولى عاماً، أو قدم مصراً لم يشتهر فه إذن المولى، فقال: إن مولاي أذن لي [في
التجارة](٣) والإذن بالتجارة يظهر بكل واحدٍ من النوعين.
أما الأول: فلا شكَّ فيه لحصول العلم للسامعين بحس السَّمع من الإذن ولغير السامعين
بالنَّقل بطريق التواتر.
وأما الثَّاني: فلأن خبر الوَاحِد مقبول في المعاملات ولا يَشْترط فيه العدد ولا العدالة.
ألا ترى أنه لو جاء عبداً أو أمة إلى إنسان، فقال: هذه هدية بعثني بها مولاي إليك جاز
له القبول، كذا هذا؛ وهذا لأن هَذِه المعاملات في العادات يَتَعاطاها العبيد والخدم، والفِسْق
فيهم غالب فلو لم يقبل خبرهم فيها لوقع الناس في الحرج، وإذا قبل خبره ظهر الإذن، فيسع
(١) في ط: الاستفادة.
(٣) في أ: بالتجارة.
(٢) في ط: الأذن.

١٤٣
کتاب المأذون
الناس أن يعاملوه، غير أنهم إن بنوا معاملاتهم على الإذن العام، فَعَامَلوه فلحقه دين - يباع فيه
كسبه ورقبته بدين التِجارة، وإن عاملوه بناءً على إخباره. فلحقه دين - يباع [فيه](١) كسبه
بالدّين، ولا تُبَاعِ رقبته ما لم يحضر المولى، فيقر بإذنه [بالتجارة] (٢). والله تعالى أعلم
بالصواب.
فصل في بيان ما يملكه المأذون من التصرف
١٢٥٠/٣
وأما بيان ما يملكه المأذون من التصرُّف وما لا يملكه، فنقول وبالله تعالى التَّوفيق: كل
ما كان من باب التِّجارة أو / توابعها أو ضروراتها. يمْلِكه المأذون وما لا فلا؛ لأن كل ذلك
داخل في الإذن بالتّجارة، فيملك الشِّراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض؛ لأن كل ذلك من
التجارة ومن عادة التجار، وكذلك يملك البيع والشراء بغبن يسير بالإجماع؛ لأنه من التِجارة
ولا يمكن التحرز عنه حتى ملكه الأب والوصي، وكذا بالغبن الفَاحِش(٣) عند أبي حنيفة
- رضي الله عنه -.
وعندهما: لا يملك (٤)
وجه قولهما: أن البيع بغَّبْن فاحِش في معنى التبرّع.
ألا ترى أنه لو فعله المريض يعتبر من الثلث كما في سائر التبرُّعات، والمأذون لا يملك
التبرُّع.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله -: أن هذا بيع وشراء على الإطلاق؛ لوقوع اسم الشراء
والبيع عليه مطلقاً، فكان تجارة مُطْلَقة فدخلت تحت الإذن بالتجارة ثم فرق أبو حنيفة - رحمه
الله - بين المَأْذون وبين الوكيل؛ حيث سوَى بين البيع والشراء في المأذون، وفرق بينهما في
الوكيل؛ حيث قال: إن المأذون يملك البيع والشراء بالغبن الفاحش، والوكيل لا يملك الشراء
بالغبن الفاحش بالإجماع.
ووجه الفرق له: أن امتناع جواز الشِّراء بالغين الفَاحِش في باب الوكالة؛ لمكان التهمة
لجواز أنه اشْتَرى لنفسه، فلما ظهر الغَبْن أظهر الشراء لموكله - فلم يجز للتهمة حتى أن الوَكِيل
لو كان وكل بشراء شيء بعينه ينفذ على الموكل؛ لانعدام التهمة لأنه لا يملك الشراء لنفسه،
(١) سقط في ط.
(٢) سقط من ط.
(٣) وهذا شامل ما إذا نهاه عن البيع بالغبن الفاحش.
(٤) وعلى هذا الخلاف بيع الصبي والمعتوه المأذون لهما. ينظر رد المختار (٣٣/١ م)

١٤٤
کتاب المأذون
ومعنى التهمة لا يتقدر في المأذون لأنه لا يملك الشراء لنفسه فاستوى فيه البيع والشراء، وهل
يملك المأذون أن يبيع شيئاً من مولاه؟ فإن لم يكن عليه دين لا يتضرّر البيع من المولى؛
لاستحالة بيع مال الإنسان منه، وإن كان عليه دين فإن باعه بِمْثل قيمته أو أكثر - جاز، وإن
باعه بأقل من قيمته، لم يجز عند أبي حنيفة أصلاً، وعندهما: لا يجوز بقدر المحاباة، وكذلك
لو بَاعَ المولى شيئاً منه؛ فإن لم يكن عليه دَيْن، لم يكن بيعاً لما قلنا، وإن كان عليه فإن باعه
بمثل قيمته أو بأقلّ من قيمته - جاز؛ وإن باعه بأكثر من قيمته، لم يجز [البيع](١) عند أبي
حنيفة، وعندهما: يجوز وتَبْطُل الزيادة.
وعلى هذا إذا اشترى - المولى داراً بجنب دار العبد إن لم يكن على العبد دين - فالشفعة
له؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين، فالدار الذي في يد العَبْد خالص ملك المولى، فلو أخذها
بالشفعة لأخذها هو، فكيف يأخذ ملك نفسه بالشُّفعة من نفسه؟ وإن كان على العبد دَيْن فله أن
يأخذها بالشُّفعة .
ولو اشترى العبد داراً بجنب دار المولى؛ فإن لم يكن على العبد ديْنٌ فلا حاجة للمولى
إلى الأخذ بالشفعة؛ لأنها خالص ملكه؛ وإن كان عليه دين، فله أن يأخذها بالشفعة، وكذلك
الصبيُّ المأذون في الشِّراء والبيع بالنقد والنَّسيئة والعروض والغبن اليسير، والبيع بالغبن الفَاحِش
بمنزلة العَبْد المأذون على الاتفاق والاختلاف، وهذا إذا باع من أجنبي أو اشترى منه؛ فإن باع
من أبيه شيئاً أو اشترى منه، فإن باع بمثل القِيمَة أو أكثر واشترى بمثل القيمة أو أقل جاز ولو
كان فيه غَيْن، وإن كان مما يتغابن النَّاس فيه جاز؛ لأن الاحتراز عنه غير مُمْكِن، وإن كان مما
لا يتغابن النَّاس فيه لم يُجز؛ لأنه يتصرّف بولاية مستفادة من قبل أبيه كأنه نائبه في التصرُّف،
فصار كما لو اشْتَرى الأب شيئاً من مال ابنه بنفسه لنفسه، أو اشترى شيئاً من ماله بنفسه لابنه
الصغير - كان الجواب فيه هكذا كذا هذا.
ولو باع من وصیّه أو اشتری منه؛ فإن لم یکن فیھما نفع ظاهر له، لا يجوز بالإجماع،
وإن كان فيهما نفع ظاهر؛ فإن كان بأكثر من قيمته بما لا يتغابن الناس في مثله، فكذلك عند
محمد - رحمه الله - وعندهما: يجوز وللمأذون أن يسلم فيما يجوز فيه السّلم ويقبل السلم
فيه؛ لأن السلم من قبل المسلم إليه بيع الدين بالعين، ومن قبل رب السلم شراء الدين بالعين،
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) يصلح علة للجميع حتى للغبن الفاحش، فإنه من صنيعهم استجلاباً للقلوب، ويبيع بغين فاحش في صفقة
ويربح في أخرى كما في التبيين، وفيه: لو مرض العبد المأذون له وحابى فيه يعتبر من جميع المال إذا لم
يكن عليه دين، وإن كان فمن جميع ما بقي بعد الدين، لأن الاقتصار في الحرّ على الثلث لحق الورثة ولا
وارث للعبد والمولى رضي بسقوط حقه بالإذن، بخلاف الغرماء، وإن كان الدين محيطاً يقال للمشتري : =

١٤٥
كتاب المأذون
وكل ذلك تجارة، وله أن يوكل غيره بالبيع والشراء؛ لأن ذلك من عادات التُّجار(١) أو التاجر
لا يُمْكِنُه أن يتولى ذلك كله بِنَفسه، فكان توكيله فيه من أعمال التِجارة؛ وكذا له أن يتوكّل عن
غيره بالبيع بالإجماع(٢)، وتكون العهدة/ عليه.
٣/ ٢٥٠ب
ولو توكل عن غيره بالشّراء ينظر: إن وكله أن يشتري أشياء بالنقد جاز استحساناً، دفع
إليه الثمن أو لم يدفع، وتكون العهدة عليه، والقياس إلاَّ لا تجوز هذه الوَكَالة.
ووجهه: أنها لو جازت لَّلَزِمَه العهدة وهي تَسْليم الثمن، فيصير في معنى الكَفِیل بالثمن،
ولا تَجُوز كفالته فلا تجوز وكالته.
وجه الاستحسان: أن التوكيل بالشّراء بالنقد في معنى التَّوكيل بالبيع، ألا ترى أنه لا
يجب عليه تَسْليم المبيع، فكان هذا في معنى البَيْع لا في معنى الكفالة، ولو توكَّل عن غيره
بِشِرَاء شيء نسيئة فاشْتَرى، لم يجز حتى كان الشّراء للعبد دون الآخر؛ لأن الثمن إذا كان نسيئةً
لا يملك(٣) حَبْس المشتري لاستيفائه، بل يلزمه التسليم إلى الموكل، فكانت وكالته في هذه
الصُّورة التزام الثمن، فكانت كفالة معنى فلا يملكها المَأْذُون، وله أن يستأجر إنساناً يعمل معه
أو مكاناً يحفظ فيه أمواله أو دواباً يحمل عليها أمتعته؛ لأن اسْتِثْجار هذه الأشياء من توابع
التجارة، وكذا له أن يؤاجر الدَّواب والرَّقيق ونفسه لما قلنا؛ ولأن الإجارة من التجارة حتى كان
الإذن بالإِجَارَة إذناً بالتِّجارة، وله أن يرهن ويرتهن ويعين ويودع ويقبل الوديعة؛ لأن ذلك كله
من عادات التُّجار ويحتاج إليه التاجر أيضاً، وله أن يدفع المال مُضَاربة ويأخذ من غير مُضَاربة
لما قلنا؛ ولأنَّ الأخذ والدفع من باب الإجارة والاسِتَثْجار، والمأذون يملك ذلك كله.
وله أن يشارك غيره شركة عنان؛ لأنها من صنيع التجار ويحتاج إليه التاجر، وليس له أن
يشارك شركة مفاوضة؛ لأن المفاوضة تتضمن الكَفَالة له، ولا يملك الكفالة فلا يملك
المفاوضة، فإذا فاوض تنقلب شركة عنان؛ لأن هذا حكم فساد المفاوضة.
ولو اشترك عَبْدَان مأذونان شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة - جاز ما اشتريا
بالنَّقْد، وما اشتريا بالنسيئة فهو له خاصّة؛ لأن الشركة تضمن الوكالة، وقد ذكرنا أنه يجوز أن
يتوكّل المَأْذُون من غيره بالشِّراء نقداً، ولا يجوز أن يتوكّل لغيره بالشّراء نسيئةً، ويملك الإقرار
أدّ جميع المحاباة وإلا فرة المبيع كما في الحر، وهذا لو المولى صحيحاً، وإلا فلا تصح محاباة العبد إلا
=
من ثلث مال المولى، لأن المولى باستدامة الإذن بعد ما مرض أقامه مقام نفسه فصار تصرفه كتصرفه،
والفاحش من المحاباة وغير الفاحش فيه سواء، فلا ينفذ الكل إلا من الثلث اهـ. ينظر رد المختار (٩/
٢٣٤).
(١) في ط: بالإجمال.
(٢) في أ: يمكن.
بدائع الصنائع ج ١٠ - م١٠

١٤٦
كتاب المأذون
بالدين؛ لأن هذا من ضرورات التجارة؛ إذ لو لم يملك لامْتَنع النَّاس عن مبايعته خوفاً من
تواء(١) أموالهم بالإنكار عند تعذُّر إقامة البينة، فكان إقراره بالدَّين من ضرورات التجارة، فيصح
ويملك الإقرار بالعين؛ لأن العادة قد جرت بِشِراء كثير من الأشياء بظروفها، فلو علم الناس أنه
لا يصح إقراره بالعين، لامتنعوا عن تسليم الأعيان إليه، فلا يلتئم أمر التجارة ولا يملك الإقرار
بالجناية؛ لأن الإقرار بالجناية ليس من ضرورات التِجارة فلا يتناوله الإذن بالتِّجارة فلا يصح منه
ولا يطالب بها بعد العتاق أيضاً؛ لأن موجب الجناية يلزم المولى دون العبد، فكان ذلك شهادة
على المولى لا إقرار على نفسه، فلم يصحّ أصلاً إلا إذا صدقه المولى، فيجوز عليه ولا يجوز
على الغُرَماء.
وهل يصحُّ إقراره بافتضاض أمة بأصبعه غصباً؟.
قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: لا يصح.
وقال أبو يوسف - رحمه الله - يصح سواء كان عليه دين أو لا، ويضرب مولى الأمة مع
الغرماء في ثمن العبد وهذا الخلاف مبني على أن هذا الإقرار بالجناية [أم](٢) بالمال؟
فعندهما: هذا إقرار بالجناية فلا يصح من غير تصديق المولى، وعنده: هذا إقرار بالمال فيصح
من غير تصديقه، وعلى هذا إذا أقر بمَهْر وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة، فإن لم
يصدقه المولى لم يصحّ إقراره حتى لا يؤاخذ به للحال؛ لأن المهر يجب بالنكاح، وأنه ليس
بتجارة ولا هو في معنى التجارة، فيستوي فيه إقرار المأذون والمحجور، وإن صدقه المولى
جاز ذلك عليه ولم يجز على الغرماء، لأن تصديقه يعتبر في حق نفسه لا في إبطال حق الغير،
فيباع في دين الغرماء، فإن فضل شيء منه يصرف إلى دين المرأة وإلا فيتأخر ما بعد العِثْق،
١٢٥١/٣ ويملك الإقرار بالحدود والقصاص؛ لأن المحجور يملك فالمأذون أولى، وإذا أقر به فلا/
يشترط حضرة المولى للاستِيفَاء بلا خلاف، وهل يشترط حُضُور المولى عند قيام البيّنة عليها؟
فيه خلاف نذكره في مَوْضِعه، وهل يملك تأخير دَيْن له وَجَب على إنسان؟ فإن وجب له وحده
يملك بالإجماع؛ لأن التأخير يحتاج إليه، وكذا هو من عادة التجارة، وإن وجب له ولرجل
آخر دين على إنسان، فأخر المأذون نصيب نفسه - فالتأخير باطِلٌ عند أبي حنيفة - رحمه الله -،
وعندهما: جائز.
وجه قولهما: أن التأخير منه تصرُّف في ملك نفسه، فيصح كما لو كان كل الدين له
تأخره.
(١) أي: ذهابها وهلاكها.
(٢) سقط في أ.

١٤٧
كتاب المأذون
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أن التأخير لو صحَّ لا يخلو إما أن يصحَّ في نصيب
شريكه، وإما أن يصحَّ في نصيب نفسه، لا سبيل إلى الأول لانعدام الملك والولاية، وتصرُّف
الإنسان لا يصح في(١) غير ملك ولا ولاية، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه قسمة الدين قبل
القبض.
ألا ترى أن شريكه لو قبض شيئاً من نصيبه قبل حُلُول الأجل يختصُّ بالمقْبُوض ولا
يشار كه فیه .
ومعنى القسمة هو الاختصاص بالمقْسُوم وقد وجد، فثبت أن هذا قِسْمَة الدين قبل
القبض، وأنها غير جائزة؛ لأن الدّين اسم لفعل واجب وهو فعل تسليم المال، والمال
حكمي(٢) في الذمة وكل ذلك عدم حقيقة، إلا أنه أعطى له حكم الوُجُود لحاجة الناس؛ لأن
كل أحد لا يَمْلِك ما يدفع به حاجته من الأعْيَان القائمة، فيحتاج إلى الاستقراض والشّراء بثمن
دين، فأعطى له حكم الوجود لهذه الحاجة، ولا حاجة إلى قسمته فبقي في حق القِسْمَة على
أصل العَدَم، والعدم لا يحتمل القسمة.
وإذا لم يصحّ التأخير عند أبي حنيفة - رحمه الله -: فلو أخذ شریکه من الدین، كان
المأخوذ بينهما على الشّركة كما قبل التأخير، وعندهما: كان المأخوذ له خاصة ولا يَشارِكه
حتى يحل الأجل، لأنه بالتأخير أسقط حقَّ نفسه في المطالبة (٣) فإذا حَلَّ الأجل فهو بالخيار إن
شاء شاركه في المقبوض، وإن شاء أخذ حقه من الغَرِيم؛ لأن الدين حل (٤) بحلول الأجل.
ولو كان الدين في الأضل منهما جميعاً مؤجَّلاً، فأخذ أحدهما شيئاً قبل حل الأجل
شاركه فيه صاحبه؛ لأنه لما أخذ شيئاً قبل حل الأجل، فقد سقط الأجل عن قَدْر المقبوض
وصَار حالاً، فَصَار المقبوض من النصیبین جميعا فيشاركه فيه صاحبه كما في الدین الحال،
ولو كان الدين كله بينهما مؤجَّلاً إلى سنة، فأخره العَبْد سنة أخرى - لم يجز التّأخير عند أبي
حنيفة، وعندهما يجوز؛ حتى لو أخذ شَرِيكه من الغريم شيئاً في السنة الأولى، شاركه فيه
عنده، وعندهما: لا يشاركه حتى يحل دينه، فإذا حلّ فله الخيار على ما ذكرنا، والله سبحانه
وتعالى أعلم. ولا يملك الإبراء عن الدين بالإجماع؛ لأنه ليس من التِجارة بل هو تبرّع، فلا
يملكه المأذون.
وهل يملك الحطّ؟ فإن كان الحطّ من غير عيب لا يمْلِكه أيضاً لما قلنا. وإن كان الحطّ
من عَيْب؛ بأن باع شيئاً ثم حطّ من ثمنه ينظر إن حط بالمعروف بأن حط مثل ما يحطه التجار
(١) في أ: من.
(٢) في أ: أو لمال حكمي.
(٣) في ط: والمطالبة.
(٤) في أ: يحل.

١٤٨
كتاب المأذون
عادة - جاز؛ لأن مثل هذا الحط من تَوَابع التجارة؛ وإن لم يكن بالمعروف بأن كان فاحشاً،
جاز عند أبي حنيفة وعندهما: لا يجوز وقد ذكرنا أصْل المسألة فيما قبل.
وهل يملك الصُّلْح بأن وجب له على إنسان دين فَصَالحَه على بَعْض حقه؟ فإن كان له
عَلَيه بينة لا يملكه(١)؛ لأنه حط بعض الدين، والحط من غير عيب ليس من التِجارة، بل هو
تبرع، فلا يملكه المأذون؛ وإن لم يكن له عليه بينة جاز؛ لأنه إذا لم يكن له عليه بينة فلا حقّ
له إلا الخصومة والحلف، والمال خير من ذلك، فكان في هذا الصُّلح منفعة فيصحّ.
وكذا الصُّلح على بَعْض الحقّ عند تعذر استيفاء كله من عادات التُّجار، فكان داخلاً
تحت الإذن بالتّجارة، ويملك الإذن بالتجارة بأن يشتري عبداً فيأذن له بالتّجارة، لأن الإذن
بالتجارة من عادات التجار، بخلاف الكتابة أنه لا يملكها المأذون؛ لأن الكتابة لَيْسَت من
التِجارة بل هي إعتاق معلق بشرط أداء بدل الكِتَابة، فلا يملكها ويملك الاستقراض؛ لأنه
٢٥١/٣ب تجارة/ حقيقة وفيه منفعة، وهو من عادات التُّجار.
وليس للمأذون أن يقرض؛ لأن القرض تبرع للحال؛ ولهذا لم يلزم فيه الأجل ولا يكفل
بمال ولا بنفس؛ لأن الكفالة تبرع إلا إذا أذن له المولى بالكفالة ولم يكن عليه دين، بخلاف
المكاتب أنه لا تجوز كفالته أصلاً، على ما مر في كتاب الكفالة، ولا يهب درهماً تاماً (٢) لا
بغير عوض ولا بعوض (٣)، وكذا لا يتصدَّق بدرهم ولا يكسو ثوباً؛ لأنه تبرع، [ويجوز
تبرُّعه](٤) بالطعام اليسير إذا وَهَبَ أو أطعم استحساناً، والقياس ألاَّ يجوز؛ لأنه تبرع وإن قل،
إلا أنا استحسنا الجواز؛ لما روي أنَّ رسول الله بَّرِ (كَانَ مُجِيبُ دَعْوَةَ المَمْلُوكِ))؛ ولأن هذا
(١) في أ: يملك.
(٢) وله أن يهب ويتصدق بما دون الدرهم كما في التاتر خانية.
(٣) لأنه تبرع ابتداء، أو ابتداء وانتهاء يعني لو بلا عوض ولا يبرىء، لأنه كالهبة.
(٤) في أ: وتجوز هديته.
(٥) أخرج الترمذي (٣٢٨/٣) كتاب الجنائز، باب آخر الحديث (١٠١٧) ورواه أيضاً في الشمائل (٣٣٣).
وابن ماجه (٢/ ٧٧٠) كتاب التجارات، باب ما للعبد أن يعطي ويتصدق الحديث (٢٢٩٦) مختصراً.
وأبو الشيخ ص (٦١ - ٦٢) من طريق جرير عن مسلم البراد عن أنس بن مالك قال:
(كان رسول الله - ◌َل ـ يعود المرضى ويشهد الجنائز ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد وكان يوم بني
قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف من ليف)).
ورواه أبو يعلى في مسنده (٢٣٨/٧) رقم (٤٢٤٣) ومن طريقه رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َخر
وآدابه)) ص ٦٤. وأبو نعيم في حلية الأولياء (١٣١/٨).
ورواه أيضاً الطيالسي في مسنده (١١٩/٢) رقم (٢٤٢٥) والبغوي في شرح السنة (٢٤١/١٣) رقم
(٣٦٧٣) من طريق شعبة عن مسلم البراد عن أنس رضي الله عنه.
=

١٤٩
کتاب المأذون
من ضَرُورَات التجارة عادة، فكان الإذن فيه ثابتاً بطريق الدلالة فيملكه؛ ولهذا ملكت المرأة
التصدُّق بشيء يسير كالرغيف ونحوه من مال زوجها؛ لكونها مأذونة في ذلك دلالة، كذا هذا.
ولا يتزوج من غير إذن مولاه؛ لأن التزوج ليس من باب التّجارة وفيه ضرر بالمولى(١)،
ولا يتسرى جارية من إكسابه(٢)؛ لأنه لا ملك للعبد حقيقة، وحل الوطء بدون أحد الملكين
منفي شرعاً، وسواء أذن له المولى بالتسرِّي أو لم يأذن له؛ لما ذكرنا أن العبد لا يملك شيئاً
لأنه مَمْلُوك؛ فيستحيل أن يكون مالكاً، وبالإذن لا يخرج عن كونه مملوكاً، فلا تندفع
الاستحالة ولا يزوج عبده بالإجماع؛ لأن التزويج ليس من التِجارة وفيه أيضاً ضرر بالمولى.
وهل له أن يزوج أمته؟
قال أبو حنيفة ومحمد: لا يزوج.
وقال أبو يوسف: يزوج(٣).
وجه قوله(٤): أن هذا تصرّف نافع في حق المولى؛ لأنه مقابلة ما ليس بمَالٍ فكان أنفع
من البيع؛ لأنه يملك البيع فالنكاح أولى.
وجه قولهما: أن الداخل تحت الإذن هو التّجارة، وإنكاح الأمة وإن كان نافعاً في حق
المولى فليس بتِجَارة؛ إذ التجارة مُبَادلة مال بمالٍ ولم توجد، فلا يملكه.
ولا يعتق وإن كان على مال؛ لأنه ليس بتجارة بل هو تبرع للحال.
ألا ترى أنه يعتق بنفس القَبُول فأشبه القرض، ولا يملك القَرْض فلا يملك الإعتاق على
مال .
ورواه أيضاً البيهقي في دلائل النبوة (١/ ٣٣٠) وابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) رقم (١١٣) من
=
طريق مسلم الأغور عن أنس.
قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس ومسلم الأعور يضعف وهو مسلم بن
كيسان تكلم فيه وقد روى عنه شعبة وسفيان الملائي.
(١) بوجوب المهر والنفقة في رقبته.
(٢) لأنه مبني على ملك الرقبة والعبد لا يملك وإن ملك.
(٣) لما فيه من تحصيل المهر وسقوط النفقة فأشبه إجارتها، ولهذا جاز للمكاتب ووصي الأب والأب. ولهما
أن الإذن تناول التجارة والتزويج ليس منها، بخلاف المكاتب لأنه يملك الاكتساب وذلك لا يختص
بالتجارة، وكذا الأب والجد والوصي، ولأن تصرفهم مقيد بالأنظر للصغير وتزويج الأمة من الأنظر،
وعلى هذا الصرف الصبي والمعتوه المأذون لهما والمضارب والشريك عناناً ومفاوضة، وجعل صاحب
الهداية الأب والوصي على هذا الخلاف وهو سهو ينظر رد المختار (٢٣٩/٩).
(٤) في أ: قول أبو يوسف.

١٥٠
كتاب المأذون
وإن أعتق على مال فإن لم يكن عليه دين، وقف على إجازة المولى بالإجماع، فإن أجاز
جاز، لأنه إذا لم يكن عليه دين يملك المَوْلى إنشاء العتق فيه، فيملك الإجازة بالطريق الأولى،
وولاية قبض العوض للمولى لا للعبد لما نذكر. وإن لحقه دين بعد ذلك لم يكن للغُرَمَاء حق
في هذا المال؛ لأنه كسب الحر، وإن كان عليه دين لم يجز الإعتاق، وإن أجاز المولى عند
أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: يجوز ويضمن المولى قيمة العبد للغرماء، ولا سَبيلَ
للغرماء على العِوَض، بخلاف ما إذا كان مَكَان الإعتاق كتابة؛ أن عندهما يتعلق حق الغُرَمَاء
بالبَدَل وههنا لا يتعلق؛ لأن هذا كَسْب الحر وذاك كسب الرقيق، وحق الغَرِيم يتعلق بكسب
الرقيق ولا يتعلّق بكسب الحر، ولا يكاتب سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن الكتابة ليست
بتجارة فلا يَمْلِكها المأذون؛ ولأنها إعتاق معلق بالشّرط وهو لا يَمْلِك الإعتاق، فإن كاتب فإن
لم يكن عليه دَيْن وقف على إجازة المولى؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فكسبه خَالِص ملك
المولى لا حق لأحد فيه، فيملك الإجازة.
ألا ترى أنه يملك(١) الإنشاء فالإِجَازَةَ أولى، فإن أجاز نفذ وصار مكاتباً للمولى، وولاية
قَبْض بدل الكتابة للمَولى لا للعبد؛ لأن الإجازة اللَّحقة بمنزلة الوكالة السَّابقة، فكان العبد
بمنزلة وكيل المولى في الكتابة، [وحقوق الكتابة](٢) ترجع [إلى المولى](٣) لا إلى الوكيل،
لذلك لم يَمْلِك المأذون قَبْض بدل الكتابة وملكه المولى (٤).
ولو لحق العبد بعد ذَلِك دين، فليس للغُرمَاء فيما على المكاتب حق؛ لأنه لما صَارَ
مكاتب للمولى فقد صار كسباً منتزعاً (٥) من يد المأذون؛ فلا يكون للغرماء عليه سَبِيل، وإن
كان المكاتب قد أدَّى جميع بدل الكِتَابة إلى المأذون قبل إجازة المولى لم يعتق؛ لأن الكتابة لم
تنفذ لإنعدام شَرْط النفاذ وهو الإجازة؛ وإن كان عليه دين محيط برقبته وبما في يده، لا تصحُ
إجازة المولى عند أبي حنيفة - رحمه الله - حتى لا يعتق إذا أدى البدل؛ لأن كسب العبد
١٢٥٢/٣ المأذون الذي عليه دين محيطٌ لا يكون/ ملكاً للمولى عنده، ولهذا لا يملك إنشاء الكتابة فلا
يملك الإجازة .
وعندهما: تصح إجازته كما يصح إنشاء الكتابة منه، ويعتق إذا أدى ويضمن المولى قيمته
للغرماء، لتعلق حقهم به فصار متلفاً عليهم حقهم، وما قبض المأذون من بَدَل الكِتَابة قبل
الإجازة يستوفى منه الدَّين عندهما لتعلُّق حق الغرماء به قبل الإجازة، بخلاف الإعتاق على
مال، وقد ذكرنا وجه الفَرْق لهما، فكانت الإجازة في معنى إنشاء الكتابة.
(١) في أ: لا يملك.
(٢) في أ: والحقوق بالكتابة.
(٣) في أ: للموكل.
(٤) في أ: للمولى.

١٥١
كتاب المأذون
ولو أَنْشأَ ضمن القيمة عندهما كذا هذا؛ وإن لم يكن الدين محيطاً برقبته وبما في يده،
جَازَت إجازته بالإجماع، ويضمن قيمته للغرماء لإتلاف حقهم، والله الموفق للصواب.
فصل في بیان ما يملكه المولى
وأما بيان ما يملكه المولى من التصرُّف في المأذون وكَسْبه وما لا يملك، وبيان حكم
تصرفه فنقول وبالله التوفيق:
إن المولى يَمْلِك إعتاق عبده المأذون، سواء لم يَكُن عليه دَيْن أو كان عليه دين؛ لأن
صحة الإعتاق تقف على ملك الرَّقبة وقد وجد، إلا أنه إذا لم يكن على العَبْد دَيْن لا شيء على
المولى، وإن كان عليه دين فالغرماء بالخيار إن شاؤوا اتبعوا المولى بالأقل من قيمته ومن
الدين؛ لأنه تصرّف في ملك نفسه وأتلف حق الغير؛ لتعلق [حق](١) الغرماء بالرَّقبة فيراعى
جانب الحَقِيقة بتنفيذ الإعتاق، ويراعى جانب الحق بإيجاب الضمان مراعاة للجانبين عملاً
بالدليلين، فينظر إن كانت قيمة العبد مثل الدِّين غرم ذلك، وإن كانت أكثر منه غرم قيمة
الدين، وإن كانت أقل منه غرم ذلك القَدْر؛ لأنه ما أتلف عليهم بالإعتاق إلا القَدْر المتعلق
برقبة العَبْد، فيؤاخذ المولى بذلك ويتبع الغُرَماء العبد بالباقي، وإن شاؤوا أتبعوا العبد بكل
الدين فيستسعوه فيه، لأن كل الدَّين كان واجبًا عليه لمباشرة سبب الوجوب منه حقيقة وهو
المعاملة؛ إلا أن رقبته تعينت لاستِيفَاء قدر ما يحتمله من الدَّين منها بتعيين المولى أو شرعاً،
على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فبقيت الزيادة على ذَلِك في ذِمَّة العبد وقد عتق
فيطالب به، وأيهما اخْتَاروا إتباعه لا يبرأ الآخر [بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب أنه إذا
اختار المالك تضمين أحدهما يبرأ الآخر](٢) لأن اختيار التَّضمين في باب الغَصْب يتضمن
[تمليك](٣) المغصوب، والتمليك بعوض لا يحتمل الرُّجوع عنه.
فأما اختيار إتباع أحدهما ههنا لا يوجب مِلْك الدين منه، ولو لم يكن على العَبْد دين
ولكنه قتل عبداً آخر خطأ، وعلم المولى به فأعتقه وهو عالم به - يصير مختاراً للفداء يغرم
المولى تَمَام قيمة العَبْد المقتول إن كان قليل القيمة؛ وإن كان كثير القيمة بأن كانت قيمته عشرة
آلاف أو أكثر، غرم عشرة آلاف إلا عشرة فرق بين الجناية والدين فإنه إذا أعتقه وعليه دين وهو
عَالم به لا يلزمه تمام الدين، بل الأقلّ من قيمته ومن الدّين، علم بالدين أو لم يعلم، وههنا
يلزمَهَ تَمَام القيمة إذا كان عَالِماً بالجِنَاية.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
;۔

١٥٢
كتاب المأذون
ووجه الفرق: أن موجب جِنَاية العبد على المَوْلى وهو الدفع، لكن جعل له سبيل
الخُرُوج عنه بالفِدَاء بجميع الأزش، فإذا أعتقه مع العلم بالجناية فقد صار مختاراً للفداء، فيلزمه
الفداء بجميع قيمة العبد المَقْتُول، إلا أن تكون عشرة آلاف أو أكثر فينقص منه عشرة؛ إذ لا
مزيد لديه العبد على هذا القدر. فأما موجب مُعَامَلة العبد وهو الدَّين، فعلى العبد حقاً للغرماء
إلا أن القيمة التي في مالية الرقبة فإنها تعلّق بها، وبالإعتاق ما أبطل عليهم إلا ذلك القدر من
حَقُّهم فيضمنه، والزيادة بَقِيَت في ذمة العبد فيطالب به بعد العتق.
وكذلك إن كان قتل حرًّا خطأ، فأعتقه المولى وهو عالم به - غرم المولى دية الحر؛ لأن
الإعتاق مع العلم بالجناية دليلُ اختيار الفداء، ودية الحر مقدرة بعشرة آلاف درهم ليغرمها
المولى.
هذا إذا أعتقه المولى وهو عالم بالجِنَاية، فأما إذا لم يكن عالماً بالجناية يغرم قيمة عبده
لأولياء الجناية؛ لأنه إذا لم يكن عالماً بالجناية وقت الإعتاق لم يكن إعتاقه دليل اختيار الفداء؛
لأن هذا النوع من الاختيار لا يتحقق بدون العلم ويلزمه قيمة عبده؛ لأن الواجب الأصلي على
٢٥٢/٣ب المولى هو دَفْع العبد بالجناية/. ألا ترى أنه لو هلك العَبْد قبل اختيار الفِدَاء، لا شي على
المولى، وإنما ينتقل من العين إلى الفداء باختيار الفداء؛ فإذا لم يكن الإعتاق [قبل العلم دليل
الاختيار](١) بقي الدفع واجباً، وتعذر عليه دفع عينه فيلزمه دفع ماليته؛ إذ هو دفع العين من
حيث الصورة .
ولو كان على العبد المأذون دَيْن محيط برقبته، وجنى جنايات تحيط بقيمته فأعتقه المولى
وهو لا يعلم بالجِنَاية - فإنه يغرم لأصْحَاب الدَّين قيمته كاملة، ويغرم لأصحاب الجناية قيمة
أخرى، إلا أن تكون قيمته عَشْرة آلاف أو أكثر، فينقص منها عشرة؛ لأن حقَّ أصحاب الدَّين
قد تعلق بمالية العين، وحق أصحاب الجناية قد تَعَلَّقَ بالعين، والمولى بالإعتاق أبطل الحقَّين
جميعاً فيضمنها .
ولو قتله أجنبي يضمن قيمة واحدة؛ لأن الضَّمان الواجب بالقَتْل ضمان إتلاف النفس،
والنفس واحدة فلا يتعدَّد ضمانها، فأما الضمان الواجب بالإعتاق فضمان إبطال الحق، فيتعدَّد
ضمانه فهو الحق، والله تعالى الموفق.
فإن قيل: لم لا يشارك أضْحَاب الدين أضْحَاب الجناية؟.
فالجَوَاب: لاختلاف محل الحقَّين، فالدفع يتعلق بالعَيْنِ والدَّين يتعلق بمالية العَيْن،
وهما محلان مختلفان فتعذَّرت المشَارَكة. والله تعالى أعلم.
(١) في أ: قبل الاختيار دليل العلم.

١٥٣
کتاب المأذون
وكذلك يملك إعتاق المدبر وأم الولد المأذونين في التّجارة لما قلنا؛ ولو أعتقهما
وعليهما دين، فلا ضمان على المولى من الدَّين ولا من قيمة المدبر وأم الولد [لأن](١) دين
التّجارة لم يتعلَّق برقبتهما فخروجهما (٢) عن احتمال الاسْتِيفَاء منهما بالتدبير والاستيلاء، فلم
يوجد منه إتلاف حق الغُرَمَاء فلا يَضْمَن.
وهل يملك إعتاق كسَبْ عبده المأذون؟ لا خلاف في أنه إذا لم يكن على المأذون دينٌ
أصلاً يملك وينفذ إعتاقه ولا شيء عليه؛ لأن الإعتاق صادف محلاً هو خالص مِلْكِه لا حقَّ
لأحد فيه، فينفذ ولا يضمن شيئاً؛ فإن كان عليه دين كثير يحيط برقبته وكسبه، لا يملك ولا
ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، إلا أن يسْقط حق الغرماء بأن يقْضِي المولى
دينهم، أو تبرئه الغُرَمَاء من الدين، أو يشتريه المولى من الغرماء، وعند أبي يوسف ومحمد
- رحمهما الله -: يملك وينفذ إعتاقه ويضمن قيمته إن كان موسراً، وإن كان معسراً سعى العبد
فيه ويرجع على المالك. والمسألة تعرف بأن المولى [هل](٣) يملك كَسْب عبده المأذون
المديون ديناً مستغرقاً لرقبته وكسبه عنده: لا يملك، وعندهما: يملك.
وجه قولهما: أن رقبة المأذون وإن تعلق بها حق الغرماء فهي ملك المولى. ألا ترى أنه
ملك إعتاقه، وملك الرقبة علة ملك الكَسْب، فيملك الكَسْبَ كما يملك الرَّقبة.
وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن شَرْط ثُبُوت الملك للمولى في كَسْب العبد
فراغه عن حاجة العبد ولم يوجد، فلا يَثْبُت الملك له فيه، كما لا يثبت للوارث في التركة
المستغرقة بالدين.
والدَّليل على أن الفراغ شرط أن الملك للمولى في كسب العَبْد ثبت معدولاً به عن
الأصل: أنه لم يحصل بكسبه حقيقة، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلاَّ مَا
سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا ليس من سَعْيه حقيقةً، فلا يكون له بظَاهِر النص، إلا أن الكسب الفارغ
عن حاجة العَبْد خص عن عموم النَّص وجعل ملكاً للمولى، فبقي الكسب المشغول بحاجته
على ظاهر النَّصِّ.
هذا إذا كان الدين محيطاً بالرقبة والكَسْب؛ فإن لم يكن محيطاً بهما فلا شك أنه لا يمنع
الملك عندهما؛ لأن المحيط عندهما لا يمنع، فغير المحيط أولى.
وأما أبو حنيفة - رضي الله عنه - فقد كان يقُول أولاً: يمنع حتى لا يصح إعتاقه شيئاً من
کسْبه، ثم رجع وقال: لا يمنع.
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: لخروجهما.
(٣) سقط في ط.

١٥٤
كتاب المأذون
وجه قوله الأول: ما ذكرنا أن الفراغ شَرط ثبوت الملك له، فالشُّغل وإن قل يكون
مانعاً .
وجه قوله الآخر: أن المانع من مِلْك المولى كون الكَسْب مشغولاً لحاجة العبد، وبعضه
مشغول وبعضه فارغ، فإما أن يعتبر جانب الشُّغل في المنع من ثُبُوت الملك له في كله وإما أن
يعتبر جانب الفَرَاغ في إيجاب الملك له في كله، واعتبار جانب الفَرَاغ أولى؛ لأنا إذا اعتبرنا
جانب الفراغ فقد راعَيْنا حق المِلْك بإثبات الملك له، وحق الغرماء بإثبات الحق لهم، فإذا
١٢٥٣/٣ اعتبرنا جانب الشغل فقد راعينا جانب الغُرماء وأبطلنا حق المالك أصلاً، فقضينا/ حق المالك
بتنفيذ إعتاقه وقضينا حق الغرماء بالضمان؛ صيانةً للحقين عن الإبطال عملاً بالدَّليلين بقدر
الإمكان؛ ولهذا ثبت الملك للوارث في كل التركة إذا لم يكن الدين محيطاً بها. كذا هذا.
ولو أعتقه ثم قضى المولى دَيْن الغرماء من خالِص ملكه، أو أبرأه الغرماء - نفذ إعتاقه
عند عامة أضْحَابنا رحمهم الله تعالى.
وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: لا ينفذ.
وجه قول الحسن: أن الإعتاق صادف كَسْباً مشغولاً بحاجة العبد؛ لأن الملك ثبت
مَقْصُوراً على حال القضاء والإبراء فيمنع النفاذ، كما إذا أعتق عبده مكاتبه، ثم عجز المكاتب
- أنه لا ينفذ إعتاقه، كذا هذا.
ولنا: أن النفاذ كان موقوفًا على سُقُوط حق الغُرُماء، وقد سقط حقهم بالقَضَاء والإبراء،
فظهر النّفاذ من حين وجوده من كل وَجْه، بخلاف ما إذا أعتق عبدًا من إكساب مكاتبه؛ لأن
المكاتب أحق بإكسابه من المولى؛ لأنه فيما يرجع إلى إكْسَابه كالحر، وبالعجز لا يتبين أنه لم
يكن أحق بكسبه، فلم ينفذ إعتاق المولى. وعلى هذا الخلاف لو أعتق الوَارِث عبدًا من التركة
المستغرقة بالدَّين، ثم قضى الوارث الدين من مَالٍ نفسه، أو أبرأ الغرماء الميِّت من الدين - أنه
ينفذ إعتاقه خلافًا للحسن.
ولو وطىء المولى جارية العبد المأذون وعليه دين محيط، فجاءت بولد فادعاه - ثبت
نَسَبه منه، وصارت الجارية أم ولد له، وغرم قيمة الجارية للغُرَمَاء ولا يغرم لهم شيئاً من عقرها
قليلاً ولا كثيراً، أما صحة الدعوة؛ فلأن ملك المولى إن لم يظهر في الكَسْب في الحال(١) عند
أبي حنيفة - رضي الله عنه - فله فیه حق الملك، فصحّت دعوته.
وأما لزوم قيمة الجارية للغرماء؛ فلأنه بالدعوة أبطل حقهم، وأما عدم وجوب العقر؛
(١) في أ: للحال.

١٥٥
کتاب المأذون
فلأن المانع من ظهور ملكه في الكَسْب حق الغرماء، وقد سقط حقهم بالضَّمان، فيظهر الملك
له فيه من حين اكتسبه العبد فتبين أنه وطىء ملك نفسه، فلا يلزمه العقر.
ولو أعتق المولى جَارِية العبد المأذون وعليه دين محيطٌ، ثم وطئها فجاءت بولد، فادعاه
المولى - صحَّت دعوته والولد حُرِّ ويضمن قيمة الجَارِية للغرماء لما قلنا؛ لأن الإعتاق السابق
منه لم يحكم بنفاذه للحال، فكان حق الملك ثابتًا له، إلا أن الجارية ههنا تصير حرة بالإعتاق
السابق وعلى المولى العقر للجَارِية.
أما صيرورتها حرة بالإعتاق السابق، فلأن الإعتاق السابق كان نفاذه موقوفًا على سُقُوط
حق الغرماء. وقد سقط بدعوة المولى، فنفذ فصارت حرة بذلك الإعتاق، وأما لزوم العقر
للجارية، فلأن الوطء صادف الحرّة من وجه. والله أعلم بالصواب ويملك المولى بيع العبد
المأذون إذا لم يكن عليه دين؛ لأنه خالص ملكه، وإن كان عليه دَيْن لا يملك بيعه إلا بإِذْن
الغُرَمَاء، أو بإذن القاضي بالبيع للغرماء، أو بقضاء الدين؛ ولو أذن له بعض الغرماء بالبَيْع، لا
يملك بيعه إلا بإجازة الباقين؛ لما نَذْكُره في بيان حكم تعلُّقِ الدين، ويملك أخذ كسب العبد
من يده إذا لم يكن عليه دَيْن، لأنه فارغ عن حَاجَّته لأنه(١) خالص ملكه.
ولو لحقه دين بعد ذلك، فالمأخوذ سالم للمولى؛ لأن شرط خلوص المِلْك له فيه كونه
فارغًا عند الأخذ، وقد وجد.
ولو كان الكَسْب في يد العبد ولا دين عليه، فلم يأخذ المولى حتى لحقه دَيْن، ثم أراد
أن يأخذه ــ لا يملك أخذه؛ لأنه لم يوجد الفَرَاغ عند الأخذ فلم يوجد الشرط، وإن كان عليه
دينٍ وفي يده كسَب، لا يملك أخذه؛ لأنه مشغول بحاجته لتعلّق حق الغرماء به، ولو أَخَذه
المولى فللغرماء أن يأخذوه منه إن كان قائمًا، وقيمته إن كان مالكًا؛ لتعلُق حقهم بالمأخُوذ
فعليه رد عينه أو بدله؛ ولو لحقه دَيْن آخر بعد ما أخذه المولى، اشترك الغرماء الأولون
والآخرون في المأخوذ وأخذوا عينه أو قيمته؛ لأن زمان الإذن مع تعدُّده حقيقة في حكم زمانٍ
واحد كزمان المرض، فكان زمان تعلُّق الديون كلها واحدًا، لذلك اشتركوا فيه. ولو كان
المولى يأخذ الغلة من العبد في كل شَهْرٍ، فلحقه دين محيط برقبته وکسبه، فهل يجوز له قبض
الغلة مع قيام الدين؟ ينظر إن كان يؤخذ غلة(٢) مثله جاز له ذلك استحساناً، والقياس ألاَّ
يجوز؛ لأن حقهم يتعلق بالغلة، إلا أنا استحسنا الجواز نظرا للغُرَماء؛ لأن الغلة لا تحصل إلا
بالتجارة، فلو منع المولى عن أخذ غلة المثل لحجره عن التجارة فلا يتمكّن من الكَسْب
فيتضرر به الغرماء، فكان إطلاق هذا القَدْر وسيلة/ إلى غرضهم، فكان تحصيلاً للغلة من حيث ٢٥٣/٣ب
(١) في أ: فكان.
(٢) في ط: عليه.

١٥٦
كتاب المأذون
المعنى وليس له أن يأخذ أكثر من غله المثل، ولو أخذ رد الفضل على الغرماء؛ لأن امتناع
ظهور حقّهم في غلة المثل للضرورة، ولا ضرورة في الزيادة، فيظهر حقهم فيها مع ما أن في
إطلاق ذلك إضراراً بالغرماء؛ لأن المولى يوظف عليه غلة تستغرق كَسْب الشهر فيضرر به
الغرماء.
وعلى هذا إذا كان على العبد دَيْن وفي يده مال، فاختلف العبد والمولى - فالقول قول
العبد، ويقضي منه الدَّين؛ لأن الكَسْب في يده، والمأذون في إكسابه التي في يده كالحر، ولو
كان المالُ في يَدِهما فهو بينهما؛ لاستوائهما في اليد؛ وإن كان ثمة ثالث، فهو بينهم أثلاثاً لما
قلنا .
ولو لم يكن عليه دَيْن، فاختلف العبد والمولى وأجنبي - فهو بين المولى والأجنبي؛ لأنه
إذا لم يكن عليه دين فلا عِبْرة ليده، فكانت يده ملحقة بالعَدَم، فبقيت يد المولى والأجنبي
فكان الكَسْب بينهما نصفين، وهذا إذا لم يكن العبد في منزل المَوْلى، فإن كان في منزل
المولى وفي يده ثَوْب فاختلفا؛ فإن كان الثّوب من تجارة العبد فهو له؛ لأنهما استويا في ظاهر
اليد وترجح يد العَبْد بالتجارة، وإن لم يكن من تجارته فهو للمولى؛ لأن الظَّاهر شاهد
للمولى .
ولو كان العَبْد راكباً على دابة أو لابساً ثوباً فهو للعبد، سواء كان من تجارته أو لم يكن؛
لأنه تَرجّح يده بالتصرُّف، فكانت أولى من يد المولى؛ ولو تَنَازع المأذون وأجنبي فيما في يده
من المال، فالقَوْل قول العبد؛ لما ذكرنا أنه فيما يرجع إلى اليد(١) كالحر.
ولو أجر الحر أو المأذُون نفسه من خياط يخيط معه، أو من تاجر يعمل معه، وفي يد
الأجير ثوب، واخْتَلَفا فقال المستأجر: هو لي، وقال الأجير: هو لي؛ فإن كان الأجير في
حانوت التَّاجر والخياط، فهو للتاجر والخياط؛ وإن لم يكن في منزله وكان في السكة، فهو
للأجير؛ لأن الأجير إذا كان في دار الخياط ودار الخياط في يد الخياط، كان الأجير مع ما في
يده في يد الخَيَّط ضرورة، وإذا كان في السَّكة لم يكن هو في يده، فكذا ما في يده، كما لو
كان مكان الأجير أجنبي ولو آجر المولى عبده المخجُور من رَجُلٍ ومعه ثوب، فادعاه المولى
والمستأجر فهو للمستأجر، سواء كان العَبْد في مَنْزل المستأجر أوّ لم يكن، بخلاف الأجير إذا
لم يكن في منزل المسْتَأجرَ أنه يكون للأجير دون المستأجر.
ووجه الفرق: بأن يد العبد يد نِيَابة عن المولى، وقد صار مع ما في يده بالإجارة في يد
المستأجر، فكان القول قول صاحب اليد، فأما يد الأجير فيد أصالة؛ إذ هو في حق اليد
كالحرّ، فلا يَصِير بِنفس الإجارة في يد المسْتَأجر.
(١) في ط: السيد.

١٥٧
کتاب المأذون
ولو كان المخجُور في منزل المولى فهو للمولى؛ لأنه إذا كان في مَنْزل المولى كان في
يده؛ لكون منزله في يده فَتَزُول يد المستأجر، والله أعلم بالصواب.
فصل في بيان حكم الغرور في العبد المأذون
وأما بيان حكم الغرور(١) في العبد المأذون فنقول وبالله التوفيق:
إذا جاء رجل بعبد إلى السوق، وقال: هذا عبدي أذنت له بالتِجارة فبايعوه، فبايعه أهل
السوق، فلحقه دين ثم استحقَّ، أو تبين أنه كان حرّاً أو مدبراً أو أم ولد - فهذا لا يخلو من
أحد وجهين: إما إن كان الرجل حرّاً وإما إن كان عبداً؛ فإن كان حرّاً، فعليه الأقل من قيمة
العبد ومن الدين، أما وجوب أصل الضمان عليه؛ فلأنه غرهم بقوله: هذا عبدي فبايعوه،
حيث أضاف العبد إلى نفسه وأمرهم (٢) بمبايعته، فيلزمه ضمان الغرور؛ وهذا لأن أمره إياهم
بالمبايعة إخبار منه عن كونه مأذوناً في التجارة، وإضافة العبد إلى نفسه إخبار عن كونه ملكاً
له، والإذن بالتجارة مع عبد الإذن يوجب تعلّق الدين برقبته، فكان الإذن مع الإضافة دليلاً على
الكفالة بما يتعلق برقبته التي هي مملوكة له، فيؤخذ بضَمَان الكفالة، إذ ضمان الغرور في
الحَقِيقة ضمان الكَفَالة، والله أعلم بالصواب.
وأما وجوب الأقل من قيمة العَبْد ومن الدين؛ فلأن الدَّاخل تحت الكفالة هذا القَدْر،
وللغُرماء أن يرجعوا على الذي ولّى مبايعتهم إن كان حراً؛ لأنه الذي بَاشَر سبب الوُجُوب
حقيقة، وإن كان مستحقاً أو مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد - يرجع عليهم بعد العِنَاق؛ لأن رقابهم
لا تحتمل الاستيفاء قبل العتاق، وسواء قال: أذنت له بالتّجارة أو لم يقل؛ لأن/ الأمر بالمبايعة
يغني عن التَّصريح بالإذن، وسواء أمر بتجارة عامة أو خاصة؛ لأن التَّخصيص لغو عندنا،
بخلاف ما إذا قال: ما بايعت فلاناً من البز فهو على - أنه لا يصير كفيلاً بغيره؛ لأن هناك
التخصيص صحيح، لوقوع التصرف في كفالة مقصودة، والكفالة المقصودة محتملة
للتَّخصيص، فأما ههنا فالكفالة له ما ثبتت مقْصُودة، وإنما ثبتت مقتضى الأمر بالمبايعة والأمر
لا يحتمل التَّخصيص فكذا الكفالة، هذا إذا أضاف العبد إلى نفسه وأمرهم بمبايعته؛ فأما إذا
وجد أحدهما دون الآخر لا ضمان عليه؛ لأن معنى الكفالة لا يُثْبتُ بأحدهما دون الآخر، فلا
بد من وجودهما .
١٢٥٤/٣
ولو كان هذا العَبْد الذي أضافه إلى نفسه وأمر النَّاس بمُبَايَعته ملكاً للآمر، فدبره المولى
ثم لحقه دين بعد التَّدبير - لم يضمن المولى شيئاً؛ لأنه لم يغرهم حيث لم يظهر الأمر بخلافه،
(١) الغرور: الخداع والإطماع بالباطل.
(٢) في أ: وغرهم.

١٥٨
كتاب المأذون
فلا يلزمه ضمان الغرور، وكذا لم يتلف عليهم حقهم بالتدبير؛ لانعدام الدَّين عنده، وكذا لو
أعْتَقه المولى ثم بايعوه لما قلنا.
هذا إذا كان الأمر حرّاً؛ فأما إذا كان عبداً فإن كان محجوراً، فلا ضمان عليه حتى يعتق؛
لأن هذا ضمان كَفَالة، وكفالة العَبْد المخجُور لا تنفذ للحال.
وإن كان مأذوناً أو مكاتباً وكان المأذون حرّاً لا ضمان على الآمر في شيء، وكذا لو كان
الآمر صبياً مأذوناً؛ لأن المأذون والمكاتب لا تنفذ كفالتهما للحال، ولكنها تنعقد فيؤاخَذْن به
بعد العتق، والصبي لا تَنْعَقِد كَفَّالته فلا يؤاخذ بالضمان [أصلاً](١) والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
فصل في حكم الدين الذي يلحق المأذون
وأما بيان حكم الدَّين الذي يلحق المأذون فنقول وبالله التوفيق: حُكمه تعلقه بمحل
يستوفي منه إذا ظهر، فلا بد من بيان سبب تعلّق الدين، وبيان سبب ظهور الدين، وبيان حكم
التعلق .
أما بيان سبب تعلق الدين فلتعلق الدين أسْباب: منها التّجارة من البيع والشراء والإجارة
والاستئجار والاستدانة.
ومنها ما هو في معنى التِجارة كالغَصْب وجحود الأمانات من الودائع ونحوها؛ لأن
الغَصْب وجحود الأمانة سبب لوُجُوب الملك في المغصوب والمجحود، فكان في معنى
التجارة، وكذا الاستهلاك مأذوناً كان أو محجوراً؛ بأن عقر دابة أو خرق ثوباً خرقاً فاحشاً؛ لأنه
سبب لثبوت الملك في العين قبل الهَلاك، فكان في معنى التجارة، وكذلك عقر الجارية
المستحقَّة؛ بأن اشترى جارية فوطئها ثم استحقت؛ لأن الواجب وإن كان قيمة منافع البضع
- لكن منافع البَضْع لا تتقوم إلا بالعَقْد، فتلحق بالواجب بالعقد، فكان في حكم ضمان
التِّجارة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ومنها النكاح بإذن المولى؛ لأنه لم يشرع بدُون
المهر.
فصل في بيان سبب ظهور الدين
وأما بيان سبب ظُهور الدَّين فسبب ظُهُوره شيئان:
(١) سقط في ط.

١٥٩
کتاب المأذون
أحدهما: إقراره بالدين وبكل ما هو سبب لتعلق الدَّين بمحل يستوفي منه وهو ما ذَكَرْنا؛
لأن إظْهَار ذلك بالإقرار من ضَرْورات التِجارة على ما بينا، فيملكه المأذون.
والثاني: قيام البينة على ذلك عند الإنكار؛ لأن البينة حجة مظهرة للحق، ولا ينتظر
حُضُور المولى بل يقضي عليه، ولو كان محجوراً فَقَامت البينة عليه بالغضب - لم يقْض عليه
حتى يحضر المولى.
ووجه الفرق: أن الشَّهادة في المأذون قَامَت عليه لا على المولى؛ لأن يد التصرُّف له لا
للمولى فيملك الخصومة، فكانت الشَّهادة قائمة عليه لا على المولى، فلا معنى لَشْرط حضور
المولى بخلاف المحجور؛ لأنه لا يد له فلا يملك الخصومة، فكانت الشَّهادة قائمة على
المولى، فشرط حضوره لئلاً يكون قَضَاء على الغَائب.
ولو ادَّعى على العبد المحجور ودِيعةً مستهلكة، أو بضاعة، أو شيئاً كان أصله أمانة - لا
يقضي بها للحال عند أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة -، وعند أبي يوسف - رحمه الله -:
يقضي بها للحال؛ بناء على أن العبد لا يؤاخذ بضَمَان وديعة مستهلكة للحال عندهما، وإنما
يؤاخذ به بعد العِتاق فيتوقف القَضَاء بالضَّمان إليه، وعنده: يؤخذ به للحال فلا يتوقّف، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
وكذلك لو أقَامَت البينة على إقرار المأذون بذلك قضى عليه، ولا يشترط حضور
المولى؛ ولو قامت البينة على إقرار المخجُور بالغصب، لم يقض عليه وإن كان المولى
حاضراً؛ لأن المخجُور لو أقر بذلك لما نفذ على مولاه للحَال. كذا إذا قامت البينة على إقراره
بخلاف المأذون.
ولو قامت البينة على العَبْد المأذون أو المخجُور على سبب قِصَاص أو حد؛ من القتل
والقذف والزنا والشّرب ــ لم/ يقض بها حتى يحضر المولى عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي ٣/ ٢٥٤ب
يوسف: يقضي بها وإن كان غائباً، وأجمعوا على أنه لو أقر بالحدود والقِصَاص فإنها تُقَام من
غير حضرة المولى.
وجه قول أبي يوسف: أن العبد أجنبي عن المولى فيما يرجع إلى الحُدُود والقصاص.
ألا ترى أنه يصح إقراره بهما من غير تَصْديق المولى، ولا يصح إقرار المولى من غير
تصديقه، فكانت هذه شهادة قائمة عليه لا على المَوْلى، فلا يشترط حضوره، ولهذا لم يشترط
حضرة المَوْلى في الإقرار.
وجه قولهما: أن العبد بجميع أجزائه مال المولى، وإقامة الحدود والقصاص إتلاف ماله
عليه، فَيُصَان حقه عن الإتلاف ما أمكن، وفي شرط الحضور صيانة حقه عن الإتلاف بقَدْر

١٦٠
كتاب المأذون
الإمكان، لأنه لو كان حاضراً عسى يدَّعي شبهة مانعة من الإقامة حق المسلم تجب صيانته عن
البُطْلاَن ما أمكن، ومثل هذه الشبهة مما لا يتعذر في الإقرار بعد صحته لذلك افترقا.
وكذلك إذا قامت البينة على عبد أنه سَرَق عشرة دراهم، وهو يجحد ذلك أنه لو كان
المولى حاضراً تقطع ولا يَضْمَنَ السَّرقة، مأذوناً كان أو محجوراً بلا خلاف؛ لأن القطع مع
الضَّمان لا يجتمعان، وإن كان غائباً فإذا كان العَبْد مأذوناً يضمن السرقة ولا يقطع؛ لأن غيبة
المولى لا تمنع القَضَاء بالضَّمان في حق المأذون، ومتى وجب الضمان امتنع القَطْع لأنهما لا
يجتمعان، وعلى قياس أبي يوسف هذا والفصل الأول سواء؛ يقطع ولا يضمن السرقة؛ ولأن
حضرة المولى عنده ليس بشَرْط للقضاء بالقَطْع، والقطع يمنع الضمان، وإن كان محجوراً لا
تسمع البينة على السَّرقة، فلا يقضي عليه بقَطْع ولا ضمان عندهما.
أما القطع فلأن حَضْرة المولى شرط ولم يوجد، وأما الضمان فلأن غيبة المولى تمنع
القَضَاء بالضَّمان في حق المحجور، وعنده: يقطع ولا يضمن لما قلنا.
ولو قامت البينة على سَرِقة ما دون النِّصاب، فإن كان مأذوناً قبلت ولزمه الضمان دون
القَطْع، سواء حضر المولى أو غاب؛ لأن سرقة ما دون النصاب لا توجب القَطْع، فبقي دعوى
السَّرقة ودعوى الضمان على المأذون، وحضرة المولى ليست بشَرْط للقضاء بالضَّمان على
المأذون، وإن كان محجوراً لا تسمع بينته أصلاً، أما على القطع فظاهر؛ وأما على المال فلأن
حُضُور المولى شرط القَضَاء على المخجُور بالمال.
ولو قامت البينة على إقرار المَأْذون أو المحجور بسبب القِصَاص أو الحدِّ - لزمه القود
وحد حد القذف حضر المولى أو غاب، ولا يلزمه ما سواهما من الحدود وإن كان المولى
حاضراً؛ لأن القِصَاص حق العبد، وكذا حد القذف فيه حق العبد، وسائر الحدود حقوق الله
سبحانه وتعالى خالصاً، فالبينة وإن أظهرت الإقرار فالإنكار منه رجوع عن الإقرار، والرُّجوع
عن الإقرار يصح في حقوق الله تبارك وتعالى لا في حقوق العباد، فيجب القِصَاص وحَدّ
القذف، ويسقط ما سواهما، غير أنه إذا قامت البينة على إقراره بالسَّرقة يلزمه الضمان إن كان
مأذوناً، سواء بلغ نصاباً أو لم يبلغ، حضر المولى أو غاب؛ لأن سقوط القطع للرُّجوع
والرُّجوع في حق المال لم يصح فيجب الضَّمان، سواء كان المولى حاضراً أو غائباً؛ لأن
القضاء بالمَالِ على المأذون لا يقف على حُضُور المولى. ولو كان محجوراً لا قطع عليه ولا
ضَمان؛ أما القطع فلمكان الرجوع، وأما الضمان فلأن إقرار المحجور بالمال غير نَافِذ في
الحال، فلا تصحُ إقامة البينة عليه .
ولو قامت البينة على الصَّبي المأذون أو المعتوه المأذون على قَتْل أو سبب حد - قبلت
على القتل وتَجِب الدِّية على العاقلة، ولا تقبل على الحد؛ لتصوُّر سبب وجوب الدية منه وهو
Bada'i' al-Sana'i' fi Tartib al-Shara'i' — pages 141-160 | ScribeTools Library