Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ کتاب الغصب وأما بدل المنفعة(١) وهو الأجرة، بأن آجر الغاصب المغصوب، يملكه الغاصب عندنا ويتصدق به، خلافاً للشافعي - رحمه الله -؛ بناء على أن المنافع ليست بأموال متقومة بأنفسها عندنا حتى لا تضمن بالغصب. والإتلاف، وإنما يتقوَّم بالعقد، وأنه وجد من الغاصب، وعنده: هي أموال متقومة بأنفسها مضمونة بالغصب والإتلاف كالأعيان، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم والله أعلم. وإن كانت متَّصلة به، فإن كانت متولدة كالحسن والجمال والسِّمن والكبر ونحوها - أخذها المالك مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب، لأنها نماء ملكه وإن كانت غير متولدة منه كانت قيمة البناء أو الغراس أكثر من قيمته الأرض لا يؤمر الغاصب بالقلع، بل يتملك الأرض بقيمتها وإن = كانت قيمة البناء أو الغراس أقل من قيمة الأرض فإنه يؤمر بالقلع وقد عللوا ذلك بأن الضرر ((في خروج الغاصب عن بنائه أو غرسه بالقيمة أشد من خروج المالك عن أرضه بالقيمة، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف وقالوا إن هذا قريب من مسائل حفظت عن محمد منها: لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة، أو أدخل البقر رأسه في قدر ولم يمكن إخراجه إلا بكسر القدر أو سقط دينار في محبرة غيره ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها. فإن صاحب الأكثر يتملك الأقل بالضمان. وعندي أن هذا تعليل في مقابلة النص، لأن النص لم يفرق بين الحالتين، إذ نفى حق الغاصب في الأرض سواء كانت أكثر من قيمة البناء أو أقل، بخلاف غيرها من المسائل المذكورة إذ لا يشملها النص، ولو قلنا بذلك لفتحنا للغصاب [وهم أصحاب حول وطول ومال وجاه] باب العدوان فيعمدون إلى غيرهم من أصحاب الأرضين الذين لا يسمحون لهم بإعطاء أراضيهم فيشيدون عليها البنايات الشاهقة وبذلك يضيع على الناس حرية التصرف في أموالهم، مع أن الشارع قد حفظ لهم تلك الحرية. فإن كانت الأرض تنقص بالقلع ضمن الغاصب النقصان وقال الحنفية يضمن المالك للغاصب قيمة البناء أو الغراس مستحق القلع ويكونان له: وعللوا ذلك بأن فيه نظراً لهما ودفعاً للضرر عنهما. وعندي أن هذا محمول على سبيل التخيير لا على سبيل الإلزام، لأن المالك يتضرر بهذا الضمان إن أجبر عليه، إذ قد يكون له غرض آخر في أرضه غير البناء أو الغراس فلو أوجبنا عليه الضمان وقلع ذلك توصلاً إلى غرضه لازداد ضرراً، أما الغاصب فإنه يجب أن يتحمل ضمان النقصان لأنه معتد. وتجب أجرة الأرض إن مكثت في يد الغاصب مرة تجب لمثلها أجرة ولم يتعرض الحنفية لأجر المدة التي شغل الغاصب فيها الأرض كما تعرض لذلك غيرهم، لأنهم لا يقولون بضمان المنافع. وبناء على ما قدمنا من ترجيح القول بضمان المنافع فإننا نرى وجوب الأجرة على الغاصب في المدة التي شغل فيها الأرض هذا ويرى الفقهاء أن مصاريف القلع أو الهدم يتحملها الغاصب وحده. البناء أو الغراس في أرض الغير بمال مملوك لغير الغاصب والمالك ذهب الحنابلة إلى أن المالك مخير في هذه الحالة بين تملك البناء أو الغراس بالقيمة وبين قلعه مع ضمان النقصان للمالك والضامن للنقصان هو الغاصب وذهب الشافعية إلى أن لكل من مالك الأرض ومالك البناء التزام الغاصب بالقلع ويضمن لكل منهما ما أصابه من نقص. ينظر: الغصب لشيخنا عبد العال أحمد عطوة. (١) في أ: ملك. ٦٢ کتاب الغصب ينظر إن كانت الزّيادة عين مال متقوم قائم في المغصوب وهو تابع للمغصوب - فالمغصوب منه بالخيار على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإن كان(١) عين مال متقوم قائم، أخذها المغصوب منه ولا شيء للغاصب، وإن كانت عين مال متقوم ولكنه ليس يتبع (٢) للمغصوب، بل هي أصل بنفسها - تزول عن ملك المغْصُوب منه، وتصير ملكاً للغاصب للضمان. وبيان هذا في مسائل: إذا غصب من إنسان ثوباً فصبغه الغاصب بصبغ نفسه، فإن صَبَغه أحمر أو أصفر بالعضفُر والزَّعفران وغيرهما من الألوان سوى السواد - فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثَّوب من الغاصِب، وأعطاه ما زاد الصبغ فيه . أما ولاية أخذ الثوب؛ فلأن الثوب ملكه لبقاء اسمه ومعناه، وأما ضمان ما زاد الصبغ فيه، فلأن للغاصب عين مال متقوم قائم، فلا سبيل إلى إبطال ملكه عليه من غير ضمان، فكان الأخذ بضمان رعاية للجانبين، وإن شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب، لأنه لا سبيل إلى جبره على أخذ الثوب؛ إذ لا يمكنه أخذه إلا بضمان وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه، ولا سبيل إلى جبره على الضمان، لانعدام مباشرة سبب وجوب الضَّمان منه. وقيل: له خيار ثالث؛ وهو أن له ترك الثّوب على حاله، وكان الصبغ فيه للغاصب، فيباع الثوب ويقسم الثمن على قدر حقهما؛ كما إذا انصبغ لا بفعل أحد، لأن الثوب ملك المغصوب منه، والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر، فصارا شريكين في الثوب فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حقهما، وإنما كان الخيار للمغصوب منه لا للغاصب، وإن كان للغاصب فيه ملك أيضاً وهو الصبغ؛ لأن الثوب أصل والصَّبغ تابع له، فتخيير صاحب الأصل أولى من أن يخير صاحب التبع، وليس للغاصب أن يحبس الثوب بالعصفر، لأنه صاحب تبع وإن صبغه أسود اختلف فيه : قال أبو حنيفة - رحمه الله -: صاحب الثّوب بالخيار إن شاء تركه على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض، وإن شاء أخذ الثوب ولا شيء للغاصب، بل يضمنه (٣) النقصان. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: السَّواد وسائر الألوان سواء، وهذا بناء على أن السواد نُقْصَان عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، لأنه يحرق الثوب فينقصه، وعندهما: زيادة كسائر الألوان. وقيل: إنه لا خلاف بينهم في الحقيقة، وجواب أبي حنيفة - رحمه الله - في سواد ينقص، وجوابهما في سودا یزید. - (١) في ط: وإن لم تكن. (٣) في أ: ضمنه. (٢) في ط : بيع. ٦٣ كتاب الغصب وقيل: كان السواد يعد نقصاناً في زمنه، وزمنهما كان يعد زيادة، فكان اختلاف زمان. والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما العصفر(١) إذا نقص الثوب؛ بأن كانت قيمة الثَّوب ثلاثين، فعادت قيمته بالصبغ إلى عشرين، فإنه ينظر إلى قدر ما يزيد هذا الصبغ لو كان في ثوب يزيد هذا الصَّبغ قيمته ولا ينقص، فإن كان يزيده قدر خَمْسة دراهم، فَصَاحب الثوب بالخيار، إن شاء ترك الثوب على الغَاصِب وضمنه قيمة الثّوب أبيض ثلاثين درهماً، وإن شاء أخذ الثَوب وأخذ من الغَاصب خمسة دراهم؛ كذا قال محمد - رحمه الله -، لأن العُضْفَر نقص من هذا الثَّوب عشرة دراهم، إلا أن يقدر خمسة فيه صبغ، فانجبر نقصان الخمسة به أو صارت الخمستان قصاصاً، وبقي نقصان خمسة دراهم، فيرجع عليه بخَمْسة، وكذلك السواد على هذا، والله أعلم. ولو صبغ الثوب المغصوب بَعُصْفُرٍ / نفسه وباعه وغاب، ثم حضر صاحب الثَّوب ٢٨٤/٢ب - يقضي له بالثوب، ويستوثق منه بکفیل. أما القضاء بالثوب لصاحب الثوب، فلما ذكرنا أن الثَّوب أصل، والصبغ تابع له فكان صاحب الثوب صاحب أصل فكان اعتبار جانبه أولى. وأما الاستيثاق بكفيل، فلأن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم، ولو وقع الثوب المغصوب في صبغ إنسان فصبغ به، أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في صبغ غيره، فانصبغ به، فإن كان الصبغ عُضْفراً أو زعفراناً، فصاحب الثوب بالخيار، إن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصَّبغ فيه لما مر، وإن شاء امتنع؛ لما ذكرنا أنه لا سبيل إلى جبره على الضَّمان، لانعدام مُبَاشرة سبب وجوب الضَّمان منه، فيباع الثوب فيضرب كل واحد منهما بحقه، فيضرب صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض، لأن حقه في الثوب الأبيض، وصاحب الصَّبغ يضرب بقيمة الصَّبغ في الثوب وهو قيمة ما زاد الصَّبغ فيه، لأن حقه في الصبغ القائم في الثَّوب لا في الصبغ المنفصل، وإنما ثبت الخيار لصَاحب الثّوب لا للغاصب لما بينًا. وإن كان سواداً أخذه صاحب الثوب ولا شيء عليه من قيمة الصَّبغ، بل يضمنه النُّقْصان إن كان غاصباً، لأن النُّقصان حصل في ضمانه، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: حكمه حكم سائر الألوان على ما بينًا، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك السمن يخلط بالسويق المغصوب أو يخلط(٢) به، فالسويق بمنزلة الثوب، والسمن بمنزلة الصبغ، لأن السويق أصل والسمن كالتَّابع له. (١) العُضْفُرُ: نبات صيفي من المركبات الأنبوبية الزهر، يستعمل زهره تابلاً، ويستخرج منه صبغ أحمر يصبغ به الحرير ونحوه. المعجم الوسيط (عصفر). (٢) في أ: يختلط . ٦٤ كتاب الغصب ألا ترى أنه يقال: سويق ملتوت، ولا يقال: سمن ملتوت. وأما العسل إذا خلط بالسَّمن أو اختلط به فكلاهما أصل، وإذا خلط المِسْك بالدهن أو اختلط به؛ فإن كان يزيد الدهن ويصلحه، كان المسك بمنزلة الصبغ، وإن كان دهناً لا يصلح بالخلط، ولا تزيد قيمته كالأدهان المنتنة، فهو هالك ولا يعتد به، والله أعلم. ولو غصب من إنسانٍ ثوباً ومن إنسان صبغاً، فصبغه به - ضمن لصاحب الصبغ صبغاً مثل صبغه، لأنه أتلف عليه صبغه وهو من ذَوَات الأمثال، فيكون مضموناً بالمثل، فبعد ذلك حكمه، وحكم ما إذا صبغ الثّوب المغصوب بصبغ نفسه سواء؛ لأنه ملك الصبغ بالضمان وقد بينا ذلك. ولو غصب من إِنْسَان ثوباً ومن آخر صبغاً فصبغه به (١) ثم غاب ولم يعرف - فهذا وما [إذا انصبغ](٢) بغير فعل أحد سواء استحساناً، والقياس ألاَّ يكون لصاحب الصَّبغ على صاحب الثّوب سبیل. وجه القياس: ما ذكرنا أن الصبغ صار مضموناً عليه، لوجود الإتلاف منه، فملكه بالضّمان وزال عنه ملك صاحبه. وجه الاستحسان: أنه إذا غاب الغاصب على وجه لا يعرف، لا يمكن اعتبار فعله في إدارة الحكم عليه، فُيجعل كأنه حَصَل لا بصَبْغ أحد. ولو غصب ثوباً وعصفراً من رجلٍ واحد، فصبغه به - فالمغصوب منه يأخذ الثوب مصبوغاً ويبرىء الغَاصِب من الضَّمان فَي العُضفر والثوب استحساناً. والقياس أن يضمن الغَاصِب عصفراً مثله، ثم يصير كأنه صبغ ثَوْبه بعصفر نفسه، فيثبت الخِيَار لصاحب الثَّوب، لما ذكرنا أنه أتلف عليه عصفره وملكه بالضَّمان، فهذا رجل صبغ ثوباً بعصفر نفسه، فيثبت الخيار لصاحب الثوب. وجه الاستحسان: أن المغصوب منه واحد، فالغاصب خلط مال المغصوب منه بماله وخلط مال الإنسان بماله - لا يعد استهلاكاً له، بل يكون نقصاناً فإذا اختار أخذ الثّوب فقد أبرأه عن الثُّقصان. ولو كان العُصْفُرُ لرجلٍ والثوب لآخر، فرضيا أن يأخذاه كما يأخذ الواحد أن لو كانا له، فليس لهما ذلك؛ لأن المَالِكَ ههنا اخْتَلف فكان الخلط استهلاكاً، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) في ط: فيه. (٢) في أ: فانصبغ. ٦٥ كتاب الغصب ولو غصب إنسان عُصْفراً وصَبَغ به ثوب نفسه - ضمن عصفراً مثله، لأنه استَهْلَك عليه عصفره وله مثل، فيضمن مثله، وليس لصَاحِب العصفر أن يحبس الثوب، لأن الثوب أصل والعُضفر تبع له، والسواد في هذا بمنزلة العُضْفر في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضاً؛ لأن هذا ضمان الاستهلاك، والألوان كلها في حكم ضمان الاستهلاك سواء، والله أعلم. ولو غصب داراً فجصَّصها ثم ردها، قيل لصاحبها: اعطه ما زَادَ التَّجصيص فيها إلا أن يرضى صَاحِب الدار أن يأخذ الغَاصِب جصه؛ لأن للغَاصِب فيها عين مال متقوّم قائم وهو الجص، فلا يجوز إبْطَال حقه عليه من غير عِوَض، فيخير صاحب دار، لأنه صاحب أصل؛ فإن شاء أخذها وغرم للغاصب ما زاد التجصيص فيها، وإن شاء رضي بأن يأخذ جَصَّهُ. ولو غصب مصحفاً فنقطه، روي عن أبي يوسف - رحمه الله .: أن لصاحبه أخذه ولا شيء عليه. وقال محمد - رحمه الله -: صاحبه بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد النقط فيه، وإن شاء ضمنه قيمته غير منقُوط . ١٢٨٥/٢ وجه قوله: إن النقط زيادة/ في المصحف، فأشبه الصَّبغ في الثوب. وجه ما روي عن أبي يوسف: إن النقط أعيان لا قيمة لها، فلم يكن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم، بقي مجرد عمله وهو النّقط، ومجرد العمل لا يتقوم إلا بالعقد ولم يوجد، ولأن النقط فى المصحف مكروه. ألا ترى إلى ما روي عنه وَ﴿ أنه قال: ((جَرِّدُوا القُرْآنَ)) (١) وإذا كان التَّجريد مندوباً إليه، كان النقط مكروهاً، فلم يكن زيادة فكان لصَاحِب المصحف أخذه. (١) روى الطبراني في الكبير (٤١٢/٩) رقم (٩٧٥٣) من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: ((جردوا القرآن لا تلبسوا به ما ليس منه)). قال في المجمع (٧/ ١٦٠): ((ورجاله رجال الصحيح غير أبي الزعراء وقد وثقه ابن حبان وقال البخاري وغيره لا يتابع في حديثه)» ١ هـ. قال الزيلعي في نصب الراية (٢٦٩/٤): («رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه - في الصلاة - وفي فضائل القرآن)) حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: جردوا القرآن، انتهى حدثنا سهل بن يوسف عن حميد الطويل عن معاوية بن قرة عن أبي المغيرة عن ابن مسعود فذكره» ١ هـ. وعزاه أيضاً إلى عبد الرزاق في مصنفه في أواخر الصوم. بدائع الصنائع ج ١٠ - م٥ ٦٦ كتاب الغصب ولو غصب حيواناً فكبر في يده أو سمن، أو ازدادت قيمته بذلك - فلصاحبه أن يأخُذَه ولا شيء عليه للغاصب؛ لأنه ليس للغَاصِب فيه عين مال متقوّم قائم، وإنَّما الزيادة نماء ملك المالك؛ وكذلك لو غصب جريحاً أو مريضاً فداواه حتى برأ وصح لما قلنا، ولا يرجع الغَاصِب على المَالِك بما أنفق؛ لأنه أنفق على مال الغَيْر بغير إذنه فكان متبرعاً؛ وكذلك لو غصب أرضاً فيها زرع أو شجر، فسقاه الغَاصِب وأنفق عليه حتى انتَهى بلوغه وكذلك لو كان نخلاً أطلع فأبره ولقحه وقام عليه، فهو للمغصوب منه، ولا شيء للغَاصِب فيما أنفق لما قلنا. ولو كان حصد الزرع فاسْتَهْلَكه أوجدَّ من الثمر شيئاً أو جزَّ الصوف أو حلب - كان ضامناً؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه فيضمن . ولو غَصَب ثوباً فقتله أو غسله أو قصره - فلصاحبه أن يأخُذَه ولا شيء للغاصب، لأنه ليس للغَاصِب عين مال متقوم قَائِم فيه : أما القتل فإنه تغيير الثّوب من صفة إلى صفة. وأما الغسل فإنه إزالة الوسخ عن الثّوب وإعادة له في الحالة الأولى، والصَّابون أو الحُرُضُ فيه يتلف ولا يبقى وأما القصارة فإنها تَسْوية أجزاء الثَّوب، فلم يحصل في المغْصُوب زيادة عين مال متقوّم قائم فيه . ولو غَصَب من مسلم خمراً فخللها، فلصاحبها أن يأخذ الخَلَّ من غير شيء، لأن الخل ملكه؛ لأن الملك كان ثابتاً له في الخمر، وإذا صار خلاًّ حدث الخل على ملكه، وليس الْلُغَاصِب فيه عين مال متقوّم قائم، لأن الملح الملقى في الخمر يتلف فيها، فَصَارت كما لو تخللت بنفسها في يده، ولو كان كذلك لأَخَذَه من غير شيء، كذا هذا. وقيل: موضوع المسألة أنه خللها بالنَّقل من الظل إلى الشَّمس لا بشيء له قيمة، وهو الصّحيح. : وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة ودبغه - أنه إن دَبَغَه بشيء لا قيمة له كالماء والتّراب والشمس - كان لصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه للغاصب، لأن الجلد كان مِلْكه وبعدما صار مالاً بالدباغ بقي على حُكْم ملكه، وليس لصاحبه فيه عين مال متقوّم قائم، إنَّما فيه مجرد فعل الدباغ، ومجرَّد العمل لا يتقوَّم إلا بالعقد ولم يوجد. هذا إذا أخذه من مَنْزله فدبغه، فأما إذا كانت الميتة مُلْقَاة على الطريق، فأخذ جلدها فدبغه، فلا سبيل له على الجلد؛ لأن الإلْقَاء في الطريق إباحة للأخذ؛ كالإلقاء النَّوى وقشور الرمان على قَوَارع الطريق. ٦٧ کتاب الغصب ولو هلك الجلد المغْصوب بعدما دبغه بشيء لا قيمة له، لا ضمان عليه؛ لأن الضَّمان وجب عليه إما أن يجب بالغَصْب السَّابق، وإما أن يجب بالإتلاف، لا سبيل إلى الأَول؛ لأنه لا قيمة له وقت الغَصْب، ولا سبيل إلى الثَّاني، لأنه لم يوجد الإِثْلاَف من الغاصب، وإن استهلكه يضمن بالإجماع، لأنه كان ملكه قبل الدباغ، وبعد ما صار مالاً بالدباغ بقي على حكم مِلْكه لا حقَّ للغاصب فيه، وإتلاف مالٍ مملوك للغير بغير إذنه لا حقَّ له فيه يوجب الضَّمان. ولو دبغه بشيء متقوم كالقَرَظِ(١) والعَفْص(٢) ونحوهما، فلصاحبه أن يَأْخُذه ويغرم له ما زاد الدباغ فيه؛ لأنه ملك صاحبه، وللغاصب فيه عين ملك متقوم قائم، فلزم مراعاة الجانبين، وذلك فيما قلنا، وليس له أن يضْمَنه قيمة الجلد، لأنه لو ضمنه قيمته لضمنه يوم الغَصْب ولم يكن له قِيمَة يوم الغَصْب. ولو هَلَك في يده بعد ما دبغه، لا ضَمَان عليه لما بينا، ولو استهلكه فكذلك عند أبي حنيفة - رضي الله عنه .. وذكر في ظَاهِر الرواية: أن على قولهما يضْمَن قيمته مدبوغاً ويعطيه المالك ما زاد الدِّباغ فيه . وذكر الطحاوي - رحمه الله - في مختصره: أن عندهما يغرم قيمته أن لو كان الجلد ذكيًا غير مَنبُوغ. وجه قولهما: إنه أتلف مالاً متقوماً مملوكاً بغير إذن مالكه، فيوجب الضَّمان كما إذا دبغه بشيء لا قيمة له فاستهلكه، وإنما قُلْنَا ذلك. أما المالية والتقوُّم؛ فلأن الجلد بالدِّباغ صار مالاً متقوماً. وأما الملك فلأنه كان ثابتاً له قبل الدباغ وبعده، بقي على حكم ملكه؛ ولهذا وجب عليه الضمان فيما إذا دبغه بما لا قيمة له؛ كذا هذا. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن التقوُّم حدث بصنع الغَاصِب، فلا يجب الضمان عليه؛ لأن الأصل أن/ الحادث بفعل الإنْسَان يكون حقاً له، فلا يمكن إيجاب الضَّمان علیه، فالتحق هذا الوصف بالعَدَم، فكان هذا إثْلاَف مال لا قيمة له من حيث المعنى، فلا يجب (١) القرظ: شجر عظام لها سوق غلاظ أمثال شجر الجوز، ورقه أصغر من ورق التفاح، يدبغ به المعجم الوسيط (قرظ). (٢) العَفْصُ: ثمر شجرة البَلُّوط، وهو دواء قابض مجفف، وربما اتخذوا منه حبراً أو صبغاً المعجم الوسيط (عفص). ٢/ ٢٨٥ب ٦٨ کتاب الغصب الضَّمان، ولأن تقوم الجِلْد تابع لما زاد الدِّباغ فيه، لأنه حصل بالدِّباغ، وما زاد الدِّباغ مضْمُون فيه فكذا ما هو تابع له يكون ملحقاً به، والمضمون ببدلٍ لا يضمن بالقيمة عند الإتلاف؛ كالمبيع قبل القَبْض، بخلاف ما إذا دَبَغه بشيء لا قيمة له، لأن هناك ما زاد الدِّباغ فيه غير مضمون، فلم يوجد الأَصْل فلا يلحق به غيره. وإن كان الجلد ذكياً فدبغه، فإن دبغه بما لا قيمة له - فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه، لما ذكرنا أنه ملك صاحبه، وليس للغاصب فيه عين مالٍ متقوّم قائم، وليس له أن يضْمَن الغاصب شيئاً، لأن الجلد قائم لم ينتقص. ولو دبغه بما له قيمة، فصاحبه بالخِيّار إِن شاء ضمنه قيمته غير مذْبُوغ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدِّباغ فيه؛ لما ذكرنا في الثوب المغْصُوب إذا صبغه أصفر أو أحمر بصبغ نفسه. ولو أن الغاصب جَعَلَ هذا الجلد أديماً أو زقاً أو دفتراً أو جراباً أو فرواً - لم يكن للمغْصُوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه صار شيئاً آخر حيث تبدل الاسم والمعنى فكان استهلاكاً له معنى، ثم إِن كان الجلد ذكيًّا فله قيمته يوم الغَصْب، وإن كان ميتة فلا شيء. ولو غصب عصيراً لمسلم فصار خمراً في يده أو خلاّ - ضمن عصيراً مثله؛ لأنه هلك في يده بصيرورته خمراً أو خلاً، والعصير من ذوات الأمثال، فيكون مضموناً بالمثل، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب وأما حكم اختلاف الغَاصِب والمغصوب منه: إذا قال الغَاصِب: هلك المغصوب في يدي ولم يصدُقه المغصوب منه، ولا بينة للغَاصِب - فإن القَاضي يحبس الغَاصِب مدَّة، لو كان قائماً لأظهره في تلك المدة، ثم يقضي عليه بالضَّمان، لما قلنا فيما تقدم: أن الحكم الأصلي للغَضْب هو وجوب رد عين المغصوب، والقيمة خلف عنه. فما لم يثبت العجز عن الأصل لا يقضي بالقيمة التي هي خلف. ولو اختلفا في أصل الغصب، أو في جنس المغْصُوب ونوعه، أو قدره أو صفته أو قيمته وقت الغصب ـ فالقول في ذلك كله قول الغَاصِب، لأن المغْصوب منه يدعي عليه الضَّمان وهو ينكر، فكان القَوْل قوله؛ إذ القول في الشّرع قول المنكر. ولو أقر الغَاصِب بما يدعي المغْصُوب منه وادَّعى الرد عليه - لا يصدق إلا ببينة؛ لأن الإقرار بالغَصْب إقرار بوجود سبب وجود الضَّمان منه، فهو بقوله: رددت عليك يدعي انفساخ السبب، فلا يصدق من غير بينة . ٦٩ كتاب الغصب وكذلك لو ادَّعى الغاصب أن المغْصُوب منه هو الذي أحدث العَيْب في المغْصُوب - لا يصدق إلا ببينة، لأن الإقْرَار بوجود الغَصْب منه إقرار بوجود الغصب بجميع أجزائه في ضمانه، فهو يدعي إحداث العَيْب من المغصوب منه ويدعي خروج بعض أجزائه عن ضَمَانه، فلا يصدق إِلا ببينة . ولو أقام المَغْصُوب منه البينة أنه غصب الدَّابة ونفقت عنده، وأقام الغاصب البينة أنه ردها إليه وأنها نفقت عنده - فلا ضمان عليه، لأن من الجائز أن شهود المغْصُوب منه اعتمدوا في شَهَادتهم على استِصْحَاب الحال؛ لما أنهم علموا بالغَصْبِ وما علموا بالرد، فبنوا الأمر على ظاهر بقاء المغْصُوب في يد الغَاصِب إلى وَقْتِ الهَلاك، وشهود الغاصب اعتَمَدوا في شهادتهم بالرد حقيقة الأمر وهو الرد؛ لأنه أمر لم يكن، فكانت الشَّهادة القائمة على الرد أولى؛ كما في شهود الجزح مع شهود التزكية. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أن الغاصب ضَامِن، والله تعالى أعلم. ولو أقام المغْصُوب منه البينة أنه غصب منه هذا العَبْد ومات عنده، وأقام الغاصب البينة أن العَبْد مات في يد مَوْلاَه قبل الغَصْب - لم ينتفع بهذه الشَّهادة، لأن موته في يد مولاه قبل الغَصْب لا يتعلّق به حكم، فلم تقبل الشهادة عليه والتحقت بالعدم، فيجب العَمَل بشهادة شُهود المغْصُوب منه؛ ولأن من الجائز أن شهود الغَاصِب اعتمدوا استصْحَاب الحال؛ وهو حال اليد التي كانت عليه للمؤلى، لجواز أنهم علموها ثابتة ولم يعلموا بالغَصْب، وظنوا تلك اليد قائمة فاستَصْحَبوها، وشهود المغصوب منه اعتمدوا في شَهَادتهم تحقق الغَصْب، فكانت شَهَادتهم أولى بالقبول. ولو أقام المغْصُوب منه البينة أن الغَاصِب غصب هذا العَبْد يوم النحر بالكوفة، وأقام الغاصب البينة أنه كان يوم النّحر بمكة هو والعبد - فالضَّمان واجب على الغَاصِب؛ لأن بينة الغَاصِب لا يتعلّق بها حكم، فالتحقت بالعدم، فبقيت بينة المغْصُوب منه بلا معارض، فلزم العمل بها . وقال محمد - رحمه الله - في الإملاء: إذا أقام الغاصب البينة أنه مات في يد المغصوب منه، وأقام المغصوب منه البينة أنه مَاتَ في يد الغاصِب/ فالبينة بينة الغاصب؛ لما ذكرنا أن بينته قامت على إثْبَات أمر لم يكن وهو الرد، وبينة المغصوب منه قَامَتْ على إِبقاء ما كان على ما كان وهو الغَصْب، فكانت بينة الردِّ أولى والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو أقام المغْصُوب منه البينة أن الدابة نَفَقَت عند الغَاصِب من ركوبه، وأقام الغاصب البينة أنه ردَّها إليه - فالبينة بينة المغْصُوب منه وعلى الغاصب القيمة، لأن بينة الغاصب؛ لا ٢٨٦/٢ ٧٠ كتاب الغصب تدفع بينة المغْصُوب منه؛ لأنها قامت على ردِّ المغْصُوب، ومن الجائز أنه ردها ثم غَصَبها ثانياً وركبها فنفق في يده، فأمكن الجمع بين البينتين؛ وكذلك لو شهد شهود صاحِب الدابة أن الغاصب قتلها، وشهد شهود الغَاصِب أنه ردَّها إليه لما قلنا؛ كما إذا قال رجل لآخر: غصبنا منك ألفاً، ثم قال: كنا عشرة. قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يصدق وقال زفر - رحمه الله -: يصدق. وجه قوله(١): أن قوله: غصبنا منك. حقيقة للجَمْع، والعمل بحقيقة اللفط واجب، وفي الحمل على الواحد ترك للعَمَل بالحقيقة فيصدق(٢). وجه قول أبي يوسف: إن العمل بالحقيقة واجب ما أمْكَن، وههنا لا يمكن؛ لأن قوله: غصبنا إخبار عن وجود الغَصْب من جماعة مَجْهُولين، فلو عملنا بحقيقته لألغينا كلامه، ولا شك أن العمل بالمَجَاز أوْلَى من الإلغاء، والله أعلم. فصل في مسائل الإتلاف وأما مَسَائِل الإِثْلاَف فالكلام فيها: أَن الإتلاف لا يخلو إما أن ورد على بني آدم وإما أن ورد على غيرهم من البَهَائم والجمادات، فإن ورد على بني آدم، فحكمه في النفس وما دونها نَذْكُره في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى، وإِن ورد على غير بني آدم، فإنه يوجب الضَّمان إِذا استجمع شرائط الوُجُوب، فيقع الكلام فيه في ثلاثة مواضع: في بيان كونه سبباً لوجوب الضمان، وفي بيان شروط وجوب الضَّمان، وفي بيان ماهيّة الضَّمان الواجب. أما الأول: فلا شكَّ أن الإتلاف سبب لوجُوب الضَّمان عند استِجماع شرائط الوجوب، لأن إتلاف الشيء إخراجه من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة، وهذا اعتداء وإضرار، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمُ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ مَا اغْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَقَالَ - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ إِضْرَارَ فِي الإِسْلاَم)) وقد تعذر نفي الضرر من حيث الصورة، فيجب نفيه من حيث المعنى بالضَّمان، ليقوم الضمان مقام المتلف، فينتفي الضرر بالقدر الممكن، ولهذا وجب الضمان بالغَصْب فبالإِتلاف أولى؛ لأنه في كونه اعتداء وإضراراً فوق الغَصْب، فلما وجب بالغصب فلأن يجب بالإِثْلاَف أولى، سواء وقع إِلاّفاً له صورةً ومعنى بإخراجه عن كَوْنه صالحاً للانتفاع، أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقة، لأن كل ذلك اعتداء وإضرار، وسواء كان الإتلاف مباشرة بإيصال (١) في أ: قول زفر. (٢) في أ: فلا يصدق. ٧١ كتاب الغصب الآلة بمحل التلف أو تسبيباً بالفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة، لأن كلَّ واحد منهما يقع اعتداء وإضرار فيوجب الضمان. وبيان ذلك في مسائل : إذا قتل دابة إنسان، أو أحرق ثوبه، أو قطع شجرة إنسان، أو أراق عصيره أو هدم بناءه - ضمن، سواء كان المتلف في يد المَالِك أو في يد الغاصب، لتحقق الإِثْلاَف في الحالين، غير أن المغصوب إن كان منقولاً وهو في يد الغَاصِب يخير المالك، إن شاء ضمن الغاصب وإن شاء ضمن المتلف؛ لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما، فإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بما ضمن على المتلف، لأنه ملك المغصوب بالضمان، فتبين أن الإتلاف ورد على ملكه، وإن ضمن المتلف لا يرجع بالضَّمان على أحدٍ، وإن كان عقاراً ضمن المتلف، ولا يضمن الغَاصِب عندهما، وعند محمد - رحمه الله - الجواب فيه وفي المنقول سواء، بناء على أن العقار غير مضْمُون بالغصب عندهما، وعنده مضمون به، فكان له أن يضْمَن أيهما شاء كما في المنْقُول. وكذلك إذا نقص مال إنسان بما لا يجري فيه الرِّبا - ضمن النُّقصان، سواء كان في يد المَالِك أو في يد الغاصب، لأن النقص إِثْلاَف جزء منه وتضمينه ممكن، لأنه لا يؤدي إلى الرِّبا، فيضمن قدر النُّقصان بخلاف الأموال الربوية على ما مر، غير أن النقصان إن كان بفعل غير الغاصب، فالمغصوب منه بالخيار، إن شاء ضمن الغاصب ويرجع الغاصب على الذي نقص، وإن شاء ضمن الذي نقص وهو لا يرجع على أحدٍ لما قلنا. ولو غصبٍ عبداً قيمته ألف درهم، فازْدَاد في يد الغَاصِب، حتى صارت قيمته ألفين، فقتله إنسان خطأً - فالمالك بالخِيّار، إن شاء ضمن الغاصب قيمته وقت الغَصْب ألف درهم، وإن شاء ضمن القاتل قيمته وقت القتل ألفين، لأنه وجد سبباً وجوب الضمان الغصب والقتل، والزيادة/ الحادثة في يد الغاصب غير مضمونة بالغصب، وهي مضمونة بالقتل، لذلك ضمن الغاصب ألفاً والقاتل ألفين، فإن ضمن القاتل فإنه لا يرجع على أحد، وإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع على عاقلة القاتل بألفين، ويتصدَّق بالفضل على الألف. وأما الرجوع عليهم بألفين، فلأنه ملك المغْصُوب بالضَّمان، فتبين أن القتل ورد على عبد الغاصب، فيضمن قيمته . وأما التصدُّق بالفضل على الألف، فلتمكن الخبث فيه لاختلال الملك، وينبغي أن يكون هذا على أصل أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أظهر. فأما على أصل أبي يوسف رحمه الله: فالفضل طيب له، ولا يلزمه التصدُّق به، وإن قتله ٢٨٦/٢ب ٧٢ كتاب الغصب الغَاصِب بعد الزّيادة خطأ، فالمغصوب منه بالخِيَارِ، إن شاء ضمنه الغَاصِب قيمته يوم الغَصْب ألف درهم، وإن شاء ضمن عاقلته قيمته يوم القَتْل ألفي درهم، وهو الصحيح، بخلاف المغْصُوب إذا كان حيواناً سوى بني آدم فقتله الغاصب بعد الزيادة أنه لا يضمن قيمته إلا يوم الغَصْب ألف درهم عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وقد بينًا له الفرق بينهما فيما تقدم. ولو قتل العَبْد نفسه في يد الغاصب بعد حدوث الزِّيادة، ضَمَن الغاصب قيمته يوم الغَصْب ألفاً، لأن قتله نفسه يهدر، فيلحق بالعدم كأنه مات بنفسه، ولو كان كذلك يضمن قيمته يوم الغَصْب ألف درهم، كذا هذا. ولو كانت [الجارية وَلَدت ولداً، فقتلت ولدها ثم ماتت الجارية] (١) . فعلى الغاصب قيمتها يوم الغَصْب ألف درهم، وليس عليه ضمان الولد؛ لأن قتلها ولدها هدر، ولا حكم له، فالتحق بالعدم؛ كأنه مات حتف أنفه، فهلك أمَانة وبقيت الأم مضْمُونة بالغصب. ولو أودع رجلان رجلاً كل واحد منهما ألف درهم، فخلط المسْتَودع أحد الألفين بالأخر خلطاً لا يتميز - ضمن لكلِّ واحد منهما ألفاً، وملك المخلوط في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، لأن الخلط وقع إتلافاً معنى، وعندهما: هما بالخيار بين أن يأخُذا ذلك ويقتسماه بينهما، وبين أن يضْمَناه، والمسألة مرت في كتاب الوَدِيعة. ثم قال محمد - رحمه الله -: ولا يسع المودع أكل هذه الدَّراهم حتى يؤدي مثلها إلى أصحابها، وهذا صحيح لا خلاف فيه، لأن عندهما لم ينقطع حق المالك وعند أبي حنيفة رحمه الله: إن انقطع وثبت الملك للمستودع لکن فیه خبث، فیمنع من التصرُّف فيه حتى يرضى صاحبه . ولو أن رجلاً له كُرَّان اغتصب رجل أحدهما أو سرقه، ثم إن المالك أودع الغاصب أو السارق ذلك الآخر فخلطه بِكُر الغَصْب، ثم ضاع ذلك كله - ضمن كر الغصب ولم يضمن كر الوديعة بسبب الخلط؛ لأنه خلط ملكه بملكه، وذلك ليس باستهلاك، فلا يجب الضَّمان عليه بسبب الخلط، وبقي الكر المضْمُون وكر الأمانة في يده على حالهما، فصار كأنهما هَلَكا قبل الخَلْط . ولو خلط الغَاصِب دراهم الغَصْب بدراهم نفسه خلطاً لا يتميز - ضمن مثلها وملك المخلوط، لأنه أتلفها بالخَلْط، وإن مات كان ذلك لجميع الغُرمَاء، والمغصوب منه أسوة الغرماء؛ لأنه زال ملكه عنها وصار ملكاً للغَاصِب، ولو اختلطت دراهم الغَصْب بدراهم نفسه (١) بدل ما بين المعكوفين: الزيادة ولداً قتلت الجارية ولدها ثم ماتت. ٧٣ کتاب الغصب بغير صنعه، فلا يضمن وهو شَرِيك للمغْصُوب منه؛ لأن الاختلاط من غير صُنْعه هلاك وليس بإِهلاك(١)، فصار كما لو تلفت بنفسها، وصاراً شريكين لاختلاط الملكين على وجه لا يتميز، والله أعلم. ولو صب ماء في طَعَام في يد إنْسَان فأفسده، وزاد في كيله فلصاحب الطَّعام أن يضْمَنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء، وليس له أن يضمنه طعاماً مثله، ولا يجوز [له](٢) أن يضْمَنه مثل كيله قبل صبِّ الماء، وكذلك لو صبَّ ماء في دهن أو زيت؛ لأنه لا سبيل إلى أن يضمنه مثل الطَّعام المبلول والدّهن المصْبُوب فيه الماء؛ لأنه لا مثل له، ولا سبيل إلى أن يضمنه مثل كيل الطّعام قبل صَبِّ الماء فيه؛ لأنه لم يكن منه غَصْب متقدّم، حتى لو غصب ثم صب فعليه مثله، والله أعلم. ولو فتح باب قَفَص فطار الطير منه وضاع، لم يضمن في قولهما. وقال محمد - رحمه الله -: يضمن. وقال الشافعي - رحمه الله -: إن طار من فوره ذلك ضمن، وإن مكث ساعة ثم طار لا يضمن . وجه قول محمد: أن فتح باب القفص وقع إتلافاً للطير تسبيباً، لأن الطيران للطير طبع له، فالظَّاهر أنه يطير إذا وجد المخلّص، فكان الفتح إتلافاً له تسبيباً، فيوجب الضمان، كما إذا شق زق إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك، وهذا وجه قول الشّافعي - رحمه الله - أيضاً، إلا أنه يقول: إذا مكث ساعةً لم يكن الطيران بعد ذلك مضافاً إلى الفتح، بل إلى اختياره، فلا يجب الضَّمان. وجه قولهما: إن الفتح ليس بإتلافٍ مباشرة ولا تسبيباً؛ أما المباشرة فظاهرة الانتفاء، وأما التسبيب فلأن الطير مختار في الطّيران، لأنه حيٍّ وكل حي له اختيار، فكان الطَّيران مضافاً إلى اختياره، والفتح سبباً محضاً فلا حكم له، كما إذا حل القيد عن عبد إنسان حتى أَبِقَ أنه لا ضمان عليه لما قلنا كذا هذا. بخلاف شق الزق الذي فیه دهن مائع؛ لأن/ المائع سیَّال بطبعه، بحيث لا يوجد منه الاستمْسَاك عند عدم المانع إلا على نقص العادة، فكان الفتح تسبباً (٣) للتلف فيجب الضمان، وعلى هذا الخلاف إذا حل رباط الدَّابة أو فتح باب الإصْطَبل حتى خرجت الدابة وضَلَّت. (١) في أ: باستهلاك. (٣) في أ: تسبيباً. (٢) سقط في ط. ٢٨٧/٢ ٧٤ کتاب الغصب وقالوا: إذا حل رباط الزيت أنه إن كان ذائباً فسال منه ضمن، وإن كان السمن جامداً فذاب بالشمس وزال، لم يضمن، لما ذكرنا أن المانع يسيل بطبعه إذا وجد منفذاً، بحيث يستحيل استمساكه عادةً، فكان حل الرباط إتلافاً له تسبيباً، فيوجب الضَّمان بخلاف الجامد؛ لأن السيلان طبع المائع لا طبع الجامد، وهو وإن صار مائعاً لكن لا بصنعه بل بحرارة الشمس، فلم يكن التَّلف مضافاً إليه لا مباشرة ولا تسبيباً، فلا يضمن، والله أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيًّا صغيراً حرًّا من أهله، فعقره سبع أو نهشته حية، أو وقع في بئر أو من سطح فمات - أن على عاقلة الغَاصِب الدِّية، لوجود الإتلاف من الغَاصب تسبيباً، لأنه كان محفوظاً بيد وليه، إذ هو لا يقدر على حِفْظ نفسه بنفسه، فإذا فوت حفظ الأهل عنه ولم يخفَظه بنفسه حتى أصابته آفة - فقد ضيعه، فكان ذلك منه إتلافاً تسبيباً، والحر إن لم يكن مضموناً بالغَصْب يكون مضموناً بالإتلاف مباشرة كان أو تسبيباً، ولو قتله إنسان خطأ في يد الغَاصب، فلأوليائه أن يتبعوا أيهما شاءوا الغاصب أو القاتل. أما القاتل، فلوجود الإتلاف منه مباشرة، وأما الغاصب فلوجود الإتلاف منه تسبيباً لما ذكرنا، والتسبب(١) ينزل منزلة المُباشرة في وجوب الضمان، كحفر البئر على قارعة الطريق والشهادة على القتل، حتى لو رجع شهود القِصَاص ضمنوا، فإن اتبعوا القاتل بالمال لا يرجع على أحد، وإن اتبعوا الغاصب فالغاصب يرجع على القاتل، لأن الغصب بأداء الضمان قام مقام المستحق في حق ملك الضمان، وإن تعذر أن يقوم مقامه في حق ملك المضمون، كغاصب المدبر إذا قتل المدبر في يده واختار المالك تضمين الغاصب - يرجع بالضمان على القاتل، وإن لم يملك نفس المدبر بأداء الضمان، كذا هذا. وكذلك لو وقع عليه حائط إنسان، فالغاصب ضامن ويرجع على عاقلة صاحب الحائط إن كان تقدم إليه لما قلنا. ولو قتله إنسان في يد الغاصب عمداً، فأولياؤه بالخيار إن شاءوا قتلوا القاتل وبرىء الغاصب وإن شاءوا اتبعوا الغاصب بالدية على عاقلته، ويرجع عاقلة الغَاصِب في مال القاتل عمداً، ولا يكون لهم القِصَاص. أما ولاية القصاص من القاتل، فلوجود القتل العمد الخالي عن الموانع. وأما ولاية اتباع الغاصب بالدية، فلوجود الإتلاف منه تسبيباً على ما بينا، فإن قتلوا القاتل برىء الغاصب، لأنه لا يجمع بين القِصَاص والدِّية في نفس واحدة في قتل واحد، وإن اتبعوا الغاصب، فالدية على (١) في أ: والتسبيب. ٧٥ كتاب الغصب عاقلته، ترجع عاقلته على مال القاتل، ولا يكون لهم أن يقتصوا من القاتل، لأن القصاص لم يصر ملكاً لهم بأداء الضمان، إذ هو لا يحتمل التمليك، فلم يقم الغاصب مقام الولي في ملك القصاص، فسقط القصاص وينقلب مالاً، والمال [يحتمل التمليك](١) فجاز أن يقوم الغاصب مقام الولي في ملك المال(٢)، ولو قتل الصبي إنساناً في يد الغاصب فرده على الوليّ وضمن عاقلة الصَّبي - لم يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب بشيء لأنه لا سبيل إلى إيجاب ضمان الغصب، لأن الحر غير مضمون بالغصب، ولا سبيل إلى إيجاب ضمان الإتلاف؛ لأن الغاصب إنما يصير متلفاً إياه تسبيباً بجناية غيره عليه، لا بجنايته على غيره. ولو قتل الصَّبي نفسه، أو أتى على شيء من نفسه من اليد والرجل، وما أشبه ذلك، أو أركبه الغاصب دابةً فألقى نفسه منها - فالغاصب ضَامِن عنا أبي يوسف وعند محمد: لا یضمن . وجه قول محمد: إن فعله على نفسه هدر، فالتحق بالعدم، فصار كأنه مات حتف أنفه، أو سقطت يده بآفة سماوية، ولو كان كذلك لا ضمان عليه كذا هذا. والجامع أنه لو وجب الضمان لوجب بالغصب، والحر غير مضمون بالغصب ولهذا لو جنى على غيره لا يضمن الغَاصِب، كذا هذا. وجه قول أبي يوسف: إن الحر إِن لم يكن مضموناً بالغصب فهو مضمون بالإتلاف مباشرةً أو تسبيباً، وقد وجد التَّسبيب من الغَاصب، حيث ترك حفظه عن أسباب الهَلاك في الحالين جميعاً، فكان متلفاً إياه تسبيباً، فيجب الضمان عليه ولا يرجع الغاصب على عاقلة الصبي بما ضمن، لأن حكم فعله على نفسه لا يعتبر، فلا يمكن إيجابه على العاقلة. والله أعلم . ٢/ ٢٨٧ ب ولو غصب مدبراً فمات في يده ضمن الإجماع، ولو غصب أم ولد فماتت فى يده من غير آفة، لم يضمن عند أبي حنيفة، وقد ذكرنا المسألة في موضعها ولو / ماتت في يده بآفة على الوجه الذي بينا أنه يضمن في الصبي الحر، فإن الغاصب يغرم قيمتها حالة في ماله؛ لوجود الإتلاف منه تسبيباً، وأم الولد مضمونة بالإتلاف بلا خلاف، ولهذا وجب الضمان في الصَّبي الحر، ففي أم الولد أولى، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في شرائط وجوب الضمان وأما شرائط وجوب هذا الضمان: فمنها أن يكون المتلف مالاً، فلا يجب الضَّمان (١) في أ: محل للتمليك. (٢) في أ: القصاص. ٧٦ كتاب الغصب بإتلاف الميتة والدم وجلد الميتة وغير ذلك مما ليس بمَالٍ، وقد ذكرنا ذلك [كله](١) في كتاب البيوع. ومنها: أن يكون متقوماً، فلا يجب الضمان بإتلاف الخَمْر والخنزير على المُسْلِم، سواء كان المتلف مسلماً أو ذميًّا؛ لسقوط تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم. ولو أتلف مُسْلم أو ذمي على ذمي خمراً أو خنزيراً، يضمن عندنا، خلاف للشافعي رحمه الله، والدلائل مرَّت في مسائل الغصب. ولو أتلف ذميٍّ على ذمي خمراً أو خنزيراً، ثم أسلما أو أسلم أحدهما. أما في الخنزير: فلا يبرأ المتلف عن الضَّمان الذي لزمه، سواء أسلم الطالب أو المطلوب أو أسلما جميعاً، لأن الواجب بإتلاف الخنزير القيمة، وأنها دراهم أو دنانير، والإسلام لا يمنع من قَبْض الدراهم والدنانير. وأما في الخمر: فإن أسلما جميعاً، أو أسلم أحدهما وهو الطالب المتلف عليه - برئت ذمة المطلوب وهو المتلف، وسقطت عنه الخمر بالإجماع. ولو أسلم المطلوب أولاً ثم أسلم الطلب أو لم يسلم - ففي قول أبي يوسف، وهو روايته عن أبي حنيفة: يبرأ المطلوب من الخمر ولا يتحول إلى القيمة؛ كما لو أسلم الطالب. وعند محمد وزفر وعافية بن زيد القاضي وهو روايتهم عن أبي حنيفة: لا يبرأ المطلوب ويتحوَّل ما عليه من الخمر إلى القيمة؛ كما لو كان الإِثْلاَف بعد الإِسلام أنه يضمن قيمتها للذمِّي، فكذا إذا أتلف بعد الإِسْلام، وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع. ولو كسر على إنسان بربطاً أو طبلاً، يضْمَن قيمته خشباً منحُوتاً عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وذكر في ((المنتقى)) خشباً ألواحاً، وعندهما: لا يضمن. وجه قولهما: إن هذا آلة اللهو والفَسَاد، فلم يكن متقوماً كالخمر. ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أنه كما يصلح للهو والفساد يصلح للانتفاع به من وجه آخر، فكان مالاً متقوماً من ذلك الوجه، وكذلك لو أراق لإنسان مسكراً أو منصفاً، فهو على هذا الاختلاف، والمسألة قد ذكرناها في كتاب البيوع. ولو أحرق باباً منحوتاً عليه تماثيل منقوشة، ضمن قيمته غير منْقُوش بتماثيل، لأنه لا (١) سقط في ط. ٧٧ كتاب الغصب قيمة لنقش التماثيل، لأن نقشها محظور، وإن كان صاحبه قطع رؤوس التماثيل، ضمن قيمته منقوشاً؛ لأنه لا يكون تمثالاً بلا رأس. ألا ترى أنه ليس بمخظُور فكان النقش متقوماً(١). ولو أحرق بساطاً تَمَاثيل رجال، ضَمن قيمته مصوراً؛ لأن التمثال على البساط ليس بمَحْظُور، لأن البساط يوطأ فكان النقش متقوماً. ولو هدم بيتاً مصوراً (٢)، ضمن قيمة البيت، والصُّور غير مضمونة؛ لأن الصور على البيت لا قيمة لها لأنه محظور، فأما الصبغ فمتقوم. ولو قتل جارية مغنيَّة، ضمن قيمتها غير مغنية، لأن الغناء لا قيمة له، لأنه محظور، هذا إذا كان الغناء زيادة في الجارية، فأما إذا كان نقصاناً فيها، فإنه يضمن قَدْر قيمتها. وعلى هذا تخرج المباحات التي ليست بمملوكة لأحد، لأنها غير مضمونة بالإتلاف لعدم تقومها، إذ التقوم يبنى على العزة والحظر. ولا يتحقَّق ذلك إِلا بالإِخراز والاستيلاء. وأما المباح المملوك وهو مَالُ الحربي: فلا يجب الضَّمان بإِتلافه أيضاً وإن كان متقوماً؛ لفقد شرط آخر نذكره إن شاء الله تعالى. وإن شئت قلت: ومنها: أن يكون مملوكاً، فلا يجب الضَّمان بإتلاف المُباحات التي لا يملكها أحد، والتخريج على شرط التقوّم أصح، لأن كون الشيء مملوكاً في نفسه ليس بشَرْط لوجوب الضمان؛ فإن الموقوف مضْمُون بالإِثْلاَف وليس بمَمْلُوك أصلاً. أرض بين شريكين زرعها أحدهما، وتراضيا على أن يعطي الذي لم يزرع نصف البَذْر، ويكون الخارج بينهما - فهذا لا يخلو إما إن كان الزَّرع نبت وإما إن كان لم ينبت؛ فإن كان قد نبت جاز؛ لأن هذا بيع الحشيش بالحنطة وأنه جائز؛ وإن كان لم ينبت لم يجز؛ لأنه لا يدري ما بقي تحت الأرض مما تلف، مع أن ذلك ليس بمالٍ متقوَّم، فلا يجوز بيعه، فإن نبت الزرع وطلب الذي لم يزرع القسمة، قسم وأمر الذي زرع أن يقلع ما في نصيب الشَّريك؛ لأن نصيبه مشغول بملكه، فيجبر على تفريغه وتضْمِينهُ نُقْصان الزِّراعة والله أعلم. ومنها: أن يكون المتلف من أهل وُجُوب الضَّمان عليه، حتى لو أتلفت مال إنسان بهيمة لا ضَمَان على مالكها؛ لأن فعل العجْمَاء جبار، فكان هدراً، ولا إثْلاَف من مَالِكِها، فلا يجب الضَّمان علیه . (١) في ط: منقوشاً. (٢) في أ: متصوراً. ٧٨ كتاب الغصب ومنها: أن يكون في الوُجُوب فائدة، فلا ضَمَان على المسلم بإتلاف مال الحَزْبي ولا ١٢٨٨/٢ على الحربي بإتلاف/ مال المسلم في دار الحرب؛ وكذا لا ضمان على العَادِل إذا أتلف مال البَاغِي، ولا على الباغي إذا أتلف مال العَادِل، لأنه لا فائدة في الوُجُوب؛ لعدم إمكان الوُصُول إلى الضَّمان، لانعدام الولاية، فأما العصمة فليست بشرط لوجوب ضمان المال، إلا أن الصبي مأخوذ بضمان الإتلاف، وإن لم تثبت عصمة المتلف في حقه، وكذا يجب الضمان بتناول مال الغير حال المخمصة مع إباحة(١) التّناول؛ وكذا كسر آلات الملاهي مباحٌ، وهي مضمونة بالإتلاف عند أبي حنيفة - رحمه الله -، ولا يلزم إذا أتلف مال إنسان بإذنه أنه لا يجب الضمان؛ لأن عدم الوجوب ليس لعدم العصمة بل لعدم الفائدة، لأنه لو وجب الضَّمان عليه، لكان له أن يرجع عليه بما ضمن فلا يفيد، والله أعلم. وكذلك العلم بكون المتلف مال الغير ليس بشرط لوجوب الضمان، حتى لو أتلف مالاً على ظن أنه ملكه، ثم تبين أنه ملك غيره ضمن، لأن الإتلاف أمر حقيقي لا يتوقف وجوده على العلم كما في الغصب على ما مر، إلا أنه إذا علم بذلك يضمن ويأثم، وإذا لم يعلم يضمن ولا يأثم، لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعاً؛ لما ذكرنا في مسائل الغصب والله أعلم. وأما بيان ماهية الضَّمان الواجب بإتلاف ما سوى بني آدم، فالواجب به ما هو الواجب بالغَصْب، وهو ضَمَان المثل إن كان المتلف مثليًّا، وضمان القِيمَة إن كان مما لا مِثْل له لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل، فعند الإمكان يجب العمل بالمثل المُطلق وهو المثل صورة ومعنى، وعند التعذر يجب المثل معنى وهو القيمة كما في الغصب، والله أعلم بالصواب. (١) في أ: ملك غيره. كتاب الحجر(١) والحبس (١) تعريف الحجر: الحجر لغة المنع مطلقاً ولو عن الفعل، أو عما هو مطلوب يقال حجر عليه حجراً من باب قتل منعه من التصرف فهو محجور عليه ومنه سمي الحطيم حجراً بالكسر لأنه منع من الكعبة. وكذا العقل لمنعه من القبائح قال تعالى ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمْ لِذِيْ حِجْرٍ ﴾ أي عقل. الحجر شرعاً: اختلف في تعريف الحجر اختلافاً كبيراً نذكر طائفة منها مع ذكر ما ورد عليها من المناقشة حتى يمكن أن نستخلص من بينها تعريفاً خالياً من الإيراد بقدر الإمكان فنقول: تعريف العناية: عرفه صاحب العناية بقوله وفي عرفهم هو المنع عن التصرف في حق شخص مخصوص وهو الصغير والمجنون والرقيق. ما ورد عليه: نوقش هذا التعريف بأنه غير جامع لأفراد المعرف كما أنه غير مانع من دخول الغير فيه. بيان أنه ليس جامعاً: أن صاحبه قد حصر أسباب الحجر في أمور ثلاثة هي الصغر والجنون والرق لأن ذكر الأفراد في موضع البيان مفيد للحصر ولا يخلو الحال أما أن يكون قد أراد تعريف الحجر المتفق عليه بين الإمام وصاحبيه وإما أن يكون قد أراد تعريف الحجر بالمعنى الأعم الشامل للمتفق عليه والمختلف فيه بينهما. وعلى الاحتمالين يكون التعريف فاسداً لأنه إن أراد تعريف المتفق عليه فحسب فالفساد لعدم شموله للمعنى الماجن والمتطيب الجاهل والمكاري المفلس مع أنهم محجور عليهم إلا إذا قيل الحجر على هؤلاء ليس حجراً بالمعنى الشرعي الذي نحن بصدده وإنما المراد من الحجر عليهم منعهم منعاً حسياً من مباشرة ما فيه ضرر بالمسلمين وهذا لا دخل له في الحجر المراد هنا. وإن أراد تعريف الحجر بالمعنى الأعم الشامل للمتفق عليه والمختلف فيه فكان عليه أن يزيد ما يدخل به الحجر على السفيه والمدين والمغفل كأن يقول بسبب يوجبه حتى يكون شاملاً لجميع الأسباب. بيان أنه ليس مانعاً: إنه قد أطلق التصرف الممنوع حتى صار شاملاً لجميع التصرفات القولية والفعلية مع أن أغلب التصرفات الفعلية نافذ إذ لا يمنع منها إلا فعل يتعلق به حكم يندرى بالشبهة كالزنا والقتل فإن حكمهما وهو الحد، والقصاص يندرىء بالشبهات ومع هذا فليس الحجر فيها بالنسبة لكل شخص بل بالنسبة للصبي والمجنون فقط لأن من عداهما مؤاخذ بفعله مطلقاً. ومن هنا يتضح أن في التعريف قصوراً من حيث إطلاق المقيد. وتقيد المطلق. تعريف الكنز والكافي: وعرفه صاحبا الكنز والكافي بقولهما هو منع عن التصرف قولاً لا فعلاً بصغر ورق وجنون ١ هـ. ما ورد على تعريفهما: بالنظر في هذا التعريف يتضح أن صاحبه قد تنبه للنقد الثاني في التعريف السابق فتلافاه بأن قيد المتصرف بالقولي وأما النقد الأول فهو باق كما هو في سابقه ولذا قال ((صاحب البحر)): تعليقاً عليه في جزء ٥ ص ٧٨ ما نصه (فقوله في زيل التعريف بصغر تفسير زائد وتقيد فاسد فالتعريف فيه قصور من حيث تقيد المطلق وأصل التعريف لمطلق الحقيقة وهو لا يخلو إما أن أراد أن يعرف المنع المتفق عليه فعليه أن يسقط الزيادة أو يزيد ومجانة وجهل وإفلاس ليكون سبباً للمتفق عليه أو بقول بسبب يوجبه) ١ هـ. ٧٩ = ٨٠ .. كتاب الحجر والحبس وبعدئذ فسر بعض أجزاء التعريف في الصحيفة نفسها بقوله (لا فعلاً - أراد فعلاً لم يتعلق به حكم يندرئ = بالشبهات. أما إذا كان الفعل يتعلق به حكم يندرىء بالشبهات. فهو محجور عليه في حكم ذلك الذي يندرىء بالشبهات كالصبي والمجنون إذا زنا أو قتل فهو محجور عليه بالنسبة لحكم الزنا وهو الحد وبالنسبة لحكم القتل وهو القصاص كذا في الجوهرة - وقوله - قولاً - نكرة في سياق الإثبات وهي تختص عندنا قالوا المراد بالأقوال هنا ما تردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء ويوجب الحجر من الأصل بالإعدام في حكم قول تمحض ضرراً كالطلاق والعتاق في حق الصبي والمجنون دون العبد فإن طلاقه يقع ولم يوجب الحجر فيما تمحض نفعاً كقبول الهبة والهدية والصدقة قوله - لا فعلاً - نكرة في سياق النفي فيعم ما تقدم ذكره ا هـ ص ٧٨ جره). تعريف قاض زاده: عرفه بقوله هو منع عن التصرف في حق شخص مخصوص وهو الصغير، والرقيق، والمجنون كذا في النهاية والعناية . ما ورد على هذا التعريف: تعريف قاض زاده هو بعينه تعريف العناية السابق فما ورد عليه يرد على هذا: ثم بعد أن تعقب التعريف بما ذكر في تعريف العناية قال الأولى ما ذكره في معراج الدراية فإنه قال فيه ثم الحجر شرعاً منع مخصوص وهو المنع من التصرف قولاً بشخص معروف وهو المستحق للحجر بأي سبب كان ١ هـ. تعريف شارح الدر: وعرفه صاحب تنوير الأبصار بقوله الحجر شرعاً منع من نفاذ تصرف قولي لا فعلي وقال بعد ذلك لأن الفعل بعد وقوعه لا يمكن رده فلا يصور الحجر عنه. ما ورد على هذا التعريف: أنه بالنظر فيه يظهر أن صاحبه قد أسقط الزيادة التي زادها غيره في تعريفه: وهي بصغر ورق وجنون وإنما قال ذلك فراراً من النقد الوارد على من ذكرها. لكن يرد عليه أنه قيد المنح بنفاذ التصرف القولي ولا يخفى ما فيه من الخلل لأن التقيد يجعل الحجر قاصراً على الأقوال الدائرة بين النفع والضرر ومع ذلك فإن القول قد يلغو أصلاً كطلاق الصبي وقد يصح كطلاق العبد: وبعد أن اعترض ((ابن عابدين)) التعريف بما ذكر ملخصاً قال المناسب في تعريفه ما في الإيضاح وهو أنه عبارة عن منع مخصوص بشخص مخصوص عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه. نظرة فيما تقدم من التعاريف: يؤخذ مما تقدم في التعاريف السابقة أن أكثرها لم يخل من نقد أو تقصير. ومنشأ هذا أن الموضوع الذي نحن بصدد تعريفه وهو الحجر يصعب أن نعرفه بتعريف جامع مانع خال من الإيراد والمؤاخذة وبعيد عن الانتقاد لأن أفراده مختلفة الحقيقة متباينة الأحكام، وإذا أردنا الوقوف على حقيقته تماماً نذكر تعريفاً مجملاً ثم نتبعه يبان المراد منه بالنسبة لكل فرد ولو أردنا أن نسلك هذا الطريق نعرفه إما بتعريف معراج الدراية أو بالتعريف الذي ذكر في الإيضاح وارتضاه ابن عابدين وهو منع مخصوص بشخص مخصوص عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه وتعريف معراج الدراية هو منع مخصوص وهو المنع من التصرف قولاً بشخص معروف وهو المستحق للحجر بأي سبب كان. وعرفه الشافعية بأنه: المَنْعُ من التَّصَرُّفَاتِ المالية. وعرفه المالكية بأنه: صفة حكمية تُوجِبُ مَنْعَ موصوفها من نفوذ تصرُّفه، فيما زاد على قوته، كما توجب مَنْعَهُ من نفوذ تصرُّفه، في تبرعه بزائد على ثلث مَالِهِ. وعرفه الحنابلة بأنه: مَنْعُ الإنسان من التصرُّف في ماله. =