Indexed OCR Text
Pages 541-552
٥٤١ كتاب السير وجه قول أبي يوسف: إن الملك لا يزول إلا بالقضاء، فكان المؤثر في الزوال هو القضاء. وعلى هذا الاختلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب؛ لأن المعنى لا يوجب الفصل. ولو ارتد الزوجان معاً، ثم جاءت بولد، ثم قتل الأب على ردته، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من حين الردة يرثه، لأنه علم أن العلوق حصل في حالة الإسلام قطعاً، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً من حين الزدة لم يرثه، لأنه يحتمل أنه علق في حالة الردة، فلا يرث مع الشك . ولو ارتد الزوج دون المرأة، أو كانت له أم ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر؛ لأن الأم مسلمة، فكان الولد على حكم الإسلام تبعاً لأمه فيرث أباه . ولو مات مسلم عن امرأته، وهي حامل، فارتدت، ولحقت بدار الحرب، فولدت هناك، ثم ظهرنا على الدار فإنه لا يسترق ويرث أباه؛ لأنه مسلم تبعاً لأبيه. ولو لم تكن ولدته حتى سبيت، ثم ولدته في دار الإسلام، فهو مسلم مرقوق: مسلم تبعاً لأبيه مرقوق/ تبعاً لأمه ولا يرث أباه لأن الرق من أسباب الحرمان. ب ولو تزوج المرتد مسلمة فولدت له غلاماً أو وطىء أمة مسلمة، فولدت له، فهو مسلم تبعاً للأم ويرث أباه لثبوت النسب. وإن كانت الأم كافرة لا يحكم بإسلامه لأنه لم يوجد إسلام أحد الأبوين والله سبحانه أعلم. وأما حكم الدين: فعند أبي يوسف ومحمد ديون المرتد في كسب الإسلام والردة جميعاً، لأن كل ذلك عندهما ميراث. وأما عند أبى حنيفة عليه الرحمة فقد ذكر أبو يوسف عنه أنه في كسب الردة إلا ألا يفي به، فيقضي الباقي من كسب الإسلام. وروى الحسن رحمه الله عنه أنه في كسب الإسلام إلا ألا يفي به فيقضي الباقي من كسب الردة . وقال الحسن رحمه الله: دين الإسلام في كسب الإسلام ودين الردة في كسب الردة؛ وهو قول زفر رحمه الله، والصحيح رواية الحسن لأن دين الإنسان يقضى من ماله لا من مال غيره . وكذا دين الميت يقضى من ماله، لا من مال وارثه؛ لأن قيام الدين يمنع زوال ملكه إلى وارثه بقدر الدين لكون الدين مقدماً على الإرث فكان قضاء دين كل ميت من ماله لا من مال وارثه وماله كسب الإسلام. ٥٤٢ كتاب السير فأما كسب الردة فمال جماعة المسلمين فلا يقضى منه الدين إلا لضرورة، فإذا لم يف به كسب الإسلام مست الضرورة فيقضي الباقي منه. والله أعلم. فصل في حكم ولد المرتد وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون مولوداً في الإسلام، أو في الردة، فإن كان مولوداً في الإسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام في دار الإسلام، لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم بإسلامه تبعاً لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية إلى الدار، إذ الدار وإن كانت لا تصلح لإثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للإبقاء، لأنه أسهل من الابتداء، فما دام في دار الإسلام يبقى على حكم الإسلام تبعاً للدار. ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب، فكبر الولد، وولد له ولد وكبر ثم ظهر علیھم . أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم وقد ذكرنا أن المرتد لا يسترق ويقتل والمرتدة تسترق، أ ولا تقتل وتجبر على الإسلام بالحبس وأما حكم الأولاد فولد الأب/ يجبر على الإسلام ولا يقتل لأنه كان مسلماً بإسلام أبويه تبعاً لهما فلما بلغ كافراً، فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل؛ لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية، لوجود الإيمان حكماً بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الإسلام لكن بالحبس لا بالسيف إثباتاً للحكم على قدر العلة، ولا يجبر ولد ولده على الإسلام، لأن ولد الولد لا يتبع الجد في الإسلام، إذ لو كان كذلك(١) لكان الكفار كلهم مرتدين، لكونهم من أولاد آدم ونوح - عليهما الصلاة والسلام - فينبغي أن تجري عليهم أحكام أهل الردة، وليس كذلك بالإجماع. وإن كان مولوداً في الردة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة حتى لو مات لا يصلى عليه؛ لأن المرتد لا يرث أحداً. ولو لحقا بهذا الولد بدار الحرب فبلغ، وولد له أولاد فبلغوا ثم ظهر على الدار، وسبوا جميعاً يجبر ولد الأب وولد ولده على الإسلام ولا يقتلون. ٠ كذا ذكر محمد في كتاب السير وذكر في الجامع الصغير أنه لا يجبر ولد ولده على الإسلام. وجه ما ذكر في السير أن ولد الأب تبع لأبويه، فكان محكوماً بردته تبعاً لأبويه، وولد الولد تبع له فكان محكوماً بردته تبعاً له، والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل لأن هذه (١) في ط: لذلك. ٥٤٣ کتاب السير ردة حكمية فيجبر على الإسلام بالحبس لا بالقتل. وجه المذكور في الجامع؛ أن هذا الولد إنما حكم (١) بردته تبعاً لأبيه، والتبع لا يستتبع غيره. وأما حكم الاسترقاق: فذكر في السير أنه يسترق الإناث والذكور الصغار من أولاده لأن أمهم مرتدة وهي تحتمل الاسترقاق، والولد كما تبع الأم في الرق يتبعها في احتمال الاسترقاق. وأما الكبار فلا يسترقون لانقطاع التبعية بالبلوغ، ويجبرون على الإسلام. وذكر في ((الجامع الصغير)) الولدان فيء. أما الأول فلأن أمه مرتدة، وأما الآخر فلأنه كافر أصلي؛ لأن تبعية الأبوين في الردة قد انقطعت بالبلوغ، وهو كافر فكان كافراً أصلياً فاحتمل الاسترقاق ولو ارتدت امرأة وهي حامل/ ولحقت بدار الحرب، ثم سبيت وهي حامل ب كان ولدها فيئاً؛ لأن السبي لحقه، وهو في حكم جزء الأم؛ فلا يبطل بالانفصال من الأم، والذمي الذي نقض العهد ولحق بدار الحرب بمنزلة المرتد في سائر الأحكام من الإرث، والحكم بعتق أمهات الأولاد والمدبرين، ونحو ذلك؛ لأن المعنى الذي يوجب لحاقه اللحاق بالموت في الأحكام التي ذكرنا لا يفصل، إلا أنهما يفترقان من وجهٍ، وهو أن الذمي يسترق والمرتد لا يسترق وجه الفرق أن شرع الاسترقاق للتوسل إلى الإسلام، واسترقاق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لما ذكرنا أنه رجع بعد ما ذاق طعم الإسلام، وعرف محاسنه فلا يرجى فلاحه؛ بخلاف الذمي. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل وأما بيان أحكام البغاة: فالكلام فيه في مواضع: في تفسير البغاة. (١) في ط: صار محكوماً. والأصل في هذا الباب قول الله سبحانه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتْلُوْا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا علىِ الأَخْرَىُ فَقَأْتِلُوْا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ الله﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ففيها خمسُ فوائد، أحدها، أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سماهم مؤمنين. الثانية، أنه أوجب قتالهم. الثالثة، أنه أسقط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله. الرابعة، أنه أسقط عنهم التَّبعة فيما أتلفوه في قتالهم. الخامسة، أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقاً عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((مَن أَعْطَى إِمَّاماً صَفْقَةً يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا استطاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُه، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ)). رواه مسلم. وروى عرفجة، قال: قال رسول الله وَّهُ: (سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ)). ورفع صوته: (أَلاَ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، كَائِناً مَنْ كَانَ)). فَكُلُّ مَنْ ثَبَتْتِ إِمامَتُه، وجَبتْ طَاعَتُه، وِحَرُمَ الخُرُوجُ عليه وقتاله، لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وروى عبادة بن = ٥٤٤ كتاب السير وفي بيان ما يلزم إمام أهل العدل عند خروجهم عليه. وفي بيان ما يصنع بهم، وبأموالهم عند الظفر بهم، والاستيلاء على أموالهم. وفي بيان من يجوز قتله منهم ومن لا يجوز. وفي بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين. وفي بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين . وفي بيان حكم قضاياهم. أما تفسير البغاة: فالبغاة هم الخوارج، وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر كبيرة كانت، أو صغيرة يخرجون على إمام أهل العدل ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل، ولهم منعة وقوة . وأما بيان ما يلزم إمام العدل عند خروجهم، فنقول وبالله التوفيق. إن علم الإمام أن الخوارج يشهرون السلاح، ويتأهبون للقتال؛ فينبغي له أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويحدثوا توبة، لأنه لو تركهم لسعوا في الأرض بالفساد، فيأخذهم على أيديهم، ولا يبدؤهم الإمام بالقتال؛ حتى يبدؤوه لأن قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون، فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم، وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال، فينبغي له أن يدعوهم إلى العدل والرجوع إلى رأي الجماعة، أولاً الرجاء الإجابة وقبول الدعوة كما في حق أهل الحرب. وكذا روي أن سيدنا علياً - رضي الله عنه - لما خرج عليه أهل حروراء ندب إليهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ليدعوهم إلى العدل فدعاهم وناظرهم فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم لقوله تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]. الصامت قال: بايعنا رسول الله وَّ﴿ على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا نُنازِعَ الأَمْرَ أَهْلَه. = ورُوِيَ عن النبي ◌ِّرِ أنه قال: ((مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَماعَةَ، فَماتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ)). رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس، كلها بمعنى واحد. واجتمعت الصحابة رضي الله عنهم، على قتال البغاة، فإن أبا بكر، رضي الله عنه، قاتل مانعي الزكاة، وعلي قاتل أهل الجمل وصفين وأصل النهروان. ينظر: المغني (٢٣٧/١٢ - ٢٣٨). ٥٤٥ كتاب السير وكذال قاتل سيدنا علي - رضي الله عنه - أهل حَرُوَرَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ(١) بِحَضْرَةِ الصحابةِ رضي الله عنهم تصديقاً لقوله - عليه الصلاة والسلام - لسيدنا علي: (إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ، كَمَا تُقَاتِلُ عَلَى التَّنْزِيلِ)) والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج. ودل الحديث على إمامة سيدنا علي - رضي الله عنه -، لأن النبي ◌َّر شبه قتال سيدنا علي رضي الله عنه على التأويل بقتاله على التنزيل، وكان رسول الله وَّر في قتاله بالتنزيل، فلزم أن يكون سيدنا علي محقًّا في قتاله بالتأويل، فلو لم يكن إمام حق لما كان محقًّا في قتاله إياهم؛ ولأنهم ساعون في الأرض بالفساد فيقتلون دفعاً للفساد على وجه الأرض. وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك؛ لأن الدعوة قد بلغتهم، لكونهم في دار الإسلام ومن المسلمين أيضاً. ويجب على كل من دعاه الإمام إلى قتالهم أن يجيبه إلى ذلك ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنا وقدرة، لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض، فكيف فيما هو طاعة؟ والله سبحانه وتعالى الموفق. وما روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إذا وقعت الفتنة بين المسلمين، فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته محمولٌ على وقت خاص، وهو أن لا يكون إمام يدعو إلى القتال. وأما إذا كان فدعاه يفترض عليه الإجابة لما ذكرنا . وأما بيان: ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم فنقول: الإمام إذا قاتل أهل البغي فهزمهم وولوا مدبرين، فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها، فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم(٢) ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة، فيمتنعوا بها، فيكروا على أهل العدل. وأما أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالاً لشأنهم وإن شاء حبسه لاندفاع شره بالأسر والحبس، وإن لم يكن لهم فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يقتل أسيرهم لوقوع الأمن عن شرهم عند انعدام الفئة . (١) بفتحتين، وسكون الواو، وراء أخرى، وألف ممدودة: قريةٌ بظاهر الكوفة. وقيل: موضع على ميلين منها. اجتمع فيها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله فنسبوا إليها. وقيل: هو كورة. وبالدهناء رملة وعثة يقالها رملة حروراء. ينظر مراصد. الاطلاع (٣٩٤/١) وأكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون؛ وهو ثلاث نهروانات: أعلى وأوسط وأسفل، وهو كورة واسعة أسفل من بغداد من شرقي تامرا منحدراً إلى واسط، فيها عدة بلاد متوسطة . ينظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٤٠٧. (٢) في ب: مدبرتهم. ٥٤٦ كتاب السير وأما أموالهم التي ظهر أهل العدل عليها، فلا بأس بأن يستعينوا بكراعهم وسلاحهم على قتالهم كسراً لشوكتهم، فإذا استغنوا عنها أمسكها الإمام لهم لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء؛ لكونهم مسلمين، ولكن يحبسها عنهم إلى أن يزول بغيهم فإذا زال ردها عليهم. وكذا ما سوى الكراع والسلاح من الأمتعة لا ينتفع به ولكن يمسك ويحبس عنهم إلى أن یزول بغیهم، فیدفع إليهم لما قلنا. ويقاتل أهل البغي بالمنجنيق والحرق والغرق، وغير ذلك مما يقاتل به أهل الحرب(١) لأن قتالهم لدفع شرهم وكسر شوكتهم؛ فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك وللإمام أن يوادعهم لينظروا في أمورهم، ولكن لا يجوز أن يأخذوا (٢) على ذلك مالاً لما ذكرنا من قبل. وأما بيان من يجوز قتله منهم، ومن لا يجوز، فكل من لا يجوز قتله من أهل الحرب من الصبيان والنسوان والأشياخ والعميان لا يجوز قتله من أهل البغي، لأن قتلهم لدفع شر قتالهم، فيختص بأهل القتال، وهؤلاء ليسوا من أهل القتال، فلا يقتلون، إلا إذا قاتلوا، فيباح قتلهم في حال القتال، وبعد الفراغ من القتال، إلا الصبيان والمجانين على ما ذكرنا في حكم أهل الحرب، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما العبد المأسور من أهل البغي فإن كان قاتل مع مولاه يجوز قتله، وإن كان يخدم مولاه لا يجوز قتله، ولكن يحبس حتى يزول بغيهم فيرد عليهم. وأما الكراع: فلا يمسك ولكنه يباع ويحبس ثمنه لمالكه، لأن ذلك أنفع له، ولا يجوز للعادل أن يبتدىء بقتل ذي رحم محرم منه من أهل البغي مباشرة وإذا أراد هو قتله له أن يدفعه، وإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له أن يتسبب ليقتله غيره بأن يعقر دابته ليترجل فيقتله غيره، بخلاف أهل الحرب فإنه يجوز قتل سائر ذوي الرحم المحرم منه مباشرة، وتسبباً ابتداء إلا الوالدين. ووجه الفرق أن الشرك في الأصل مبيح، لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ (١) ولا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه، كالنار، والمنجنيق، والتغريق، من غير ضرورة، لأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل، وما يعم إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل. فإن دعت إلى ذلك ضرورة، مثل أن يحتاط بهم البغاة، ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه، جاز ذلك. وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا تحصن الخوارج، فاحتاج الإمام إلى رميهم بالمنجنيق، فعل ذلك بهم ما كان لهم عسكر، وما لم ينهزموا وإن رماهم البغاة بالمنجنيق والنار، جاز رميهم بمثله. ينظر المغني (٢٤٧/١٢). (٢) في ب: يأخذ. ٥٤٧ کتاب السير حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلا أنه خص منه الأبوان بنص خاص حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً﴾ [لقمان: ١٥] فبقي غيرهما على عموم النص بخلاف أهل البغي، لأن الإسلام في الأصل عاصم، لقوله - عليه السلام -: ((فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)) والباغي مسلم، إلا أنه أبيح قتل غير ذي الرحم المحرم من أهل البغي، دفعاً لشرهم لا لشوكتهم، ودفع الشر يحصل بالدفع والتسبيب ليقتله غيره، فبقيت العصمة عما وراء ذلك بالدليل / العاصم. أ وأما بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين، فنقول: لا خلاف في أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم، أو جراحة، أو مال استهلكه أنه لا ضمان عليه. وأما الباغى، إذا أصاب شيئاً من أهل العدل - فقد اختلفوا فيه قال أصحابنا أن ذلك موضوع. وقال الشافعي رحمه الله أنه مضمون. وجه قوله إن الباغي جان فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها، لأن الجاني يستحق التغليظ دون التخفيف. ولنا ما روي عن الزهري أنه قال: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله مَ﴿ متوافرون، فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن، فهو موضوع، وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع ومثله لا يكذب فانعقد الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على ما قلنا وإنه حجة قاطعة. والمعنى في المسألة ما نبه عليه الصحابة رضي الله عنهم وهو أن لهم في الاستحلال تأويلاً في الجملة وإن كان فاسداً لكن لهم منعة. والتأويل الفاسد عند قيام المنعة يكفي،لرفع الضمان، كتأويل أهل الحرب؛ ولأن الولاية من الجانبين منقطعة لوجود المنعة فلم يكن الوجوب مفيداً لتعذر الاستيفاء، فلم يجب ولو فعلوا شيئاً من ذلك قبل الخروج وظهور المنعة أو بعد الانهزام، وتفرق الجمع، يؤخذون به، لأن المنعة إذا انعدمت الولاية، وبقي مجرد تأويل فاسد، فلا يعتبر في دفع الضمان. ولو قتل تاجر من أهل العدل تاجراً آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي، أو قتل الأسير من أهل العدل أسيراً آخر أو قطع، ثم ظهر عليه فلا قصاص عليه لأن الفعل لم يقع موجباً لتعذر الاستيفاء، وانعدام الولاية، كما لو قطع في دار الحرب، لأن عسكر أهل البغي في حق انقطاع الولاية، ودار الحرب سواء، والله عز وجل أعلم. ثم لا خلاف في أن العادل إذا قتل باغياً، لا يحرم الميراث؛ لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه. وأما الباغي إذا قتل العادل يحرم الميراث عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد: إن ٥٤٨ کتاب السير قال قتلته وكنت على حق وأنا الآن على حق لا يحرم الميراث، وإن قال قتلته، وأنا أعلم أني على باطل، يحرم. وجه قول أبي يوسف: إن تأويله فاسد إلا أنه ألحق بالصحيح عند وجود المنعة في حق الدفع لا في حق الاستحقاق، فلا يعتبر في حق استحقاق الميراث. وجه قولهما إنا نعتبر تأويله في حق الدفع والاستحقاق، لأن سبب استحقاق الميراث هو القرابة وأنها موجودة. إلا أن قتل نفس بغير حق سبب الحرمان، فإذا قتله على تأويل الاستحلال والمنعة موجودة اعتبرناه في حق الدفع؛ وهو دفع الحرمان فأشبه الضمان إلا أنه إذا قال قتلته وأنا أعلم أني على باطل يحرم الميراث لأن التأويل الفاسد إنما يلحق بالصحيح إذا كان مصراً عليه، فإذا لم يصر فلا تأويل له فلا يندفع عنه الضمان. والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين فنقول وبالله تعالى التوفيق. أما قتلى أهل العدل: فيصنع بهم ما يصنع بسائر الشهداء لا يغسلون، ويدفنون في ثيابهم ولا ينزع عنهم إلا ما لا يصلح كفناً، ويصلى عليهم، لأنهم شهداء لكونهم مقتولين ظلماً، وقد روي أن زيد بن صوحان(١) اليمني كان يوم الجمل تحت راية سيدنا علي - رضي الله عنهما . فأوصى في رمقه لا تنزعوا عني ثوباً ولا تغسلوا عني دماً وارمسوني في التراب رمساً فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة(٢). وأما قتلى أهل البغي: فلا يصلى عليهم؛ لأنه روي أن سيدنا علياً رضي الله عنه ما صلى على أهل حروراء، ولكنهم يغسلون، ويكفنون، ويدفنون، لأن ذلك من سنة موتى بني سيدنا آدم عليه السلام، ويكره أن تؤخذ رؤوسهم وتبعث إلى الآفاق. وكذلك رؤوس أهل الحرب؛ لأن ذلك من باب المثلة، وأنه منهي، لقوله وَلّر: ((لاَ تُمَثِّلُوا))(٣) فيكره إلا إذا كان في ذلك وهن لهم فلا بأس به لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جز رأس أبي جهل عليه (١) زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث روى عن عمر وعلي وغيرهما قال ابن سعد: كان قليل الحديث، قطعت يده يوم جلولاء وقتلى يوم الجمال. (٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧/٤) كتاب الجنائز، باب ما ورد في المقتول بسيف أهل البغي. ينظر الطبقات الكبرى (١٢٣/٦) وتعجيل المنفعة رقم (٣٥٢). ونقله البيهقي في المعرفة (١٨٤/٣) كتاب الجنائز، باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسل وروى أيضاً البيهقي في الكبرى (١٧/٤) كتاب الجنائز، باب ما ورد في المقتول بسيف أهل البغي. من طريق قيس بن أبي حازم قال: قال عمار ((ادفنوني في ثيابي فإن مخاصم)) . (٣) تقدم في الجهاد. ٥٤٩ کتاب السير اللعنة يوم بدر وجاء به إلى رسول الله وَله فقال رسول الله وَّرِ: ((إِنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمِّ، ولم ينكر عليه. ويكره بيع السلاح من أهل البغي، وفي عساكرهم، لأنه إعانة لهم على المعصية، ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح؛ كالحديد ونحوه؛ لأنه لا يصير سلاحاً إلا بالعمل(١). ونظيره أنه يكره بيع المزامير، ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزمار، وهو الخشب والقصب/؛ وكذا بيع الخمر باطل، ولا يبطل بيع ما يتخذ منه وهو العنب، كذا هذا والله ب سبحانه وتعالى أعلم. وأما بيان حكم قضاياهم، فنقول: الخوارج إذا ولوا قاضياً، فالأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن ولوا رجلاً من أهل البغي، وإما أن ولوا رجلاً من أهل العدل، فإن ولوا رجلاً من أهل البغي فقضى بقَضايا، ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل - لا ينفذها؛ لأنه لا يعلم كونها حقاً؛ لأنهم يستحلون دماءنا وأموالنا، فاحتمل إنه قضى بما هو باطلٌ على رأي الجماعة، فلا يجوز له تنفيذه مع الاحتمال. ولو كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بكتاب، فإن علم أنه قضى بشهادة أهل العدل أنفذه، لأنه تنفيذاً لحق ظاهراً، وإن كان لا يعلم لا ينفذه؛ لأنه لا يعلم كونه حقًّا، فلا يجوز تنفيذه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وإن ولوا رجلاً من أهل العَدْل فَقَضى فيما بينهم بقَضَايا، ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العذل نفذها؛ لأن التولية إياه قد صحَّت، ولأنه يقدر على تنفيذ القضايا بمنعتهم وقوتهم فصحت التولية، والظاهر أنه قَضَى على رأي أهل العدل فلا يملك إبطاله، كما إذا رفعت قضايا قاضي أهل العدل إلى بعض قضاة أهل العدل، وما أخذوا من البلاد التي ظهروا عليها من الخراج والزكاة التي ولاية أخذها للإمام لا يأخذه الإمام ثانياً؛ لأن حق الأخذ للإمام لمكان حمايته ولم توجد، إلا أنه يفتون بأن يُعِيدوا الزكاة استحساناً، لأن الظاهر أنهم لا يصرفونها إلى مصارفها، فأما الخراج فمصرفه المقاتلة، وهم يقاتلون أهل الحرب، والله تعالى أعلم. تم الجزء التاسع، ويليه الجزء العاشر وأوله: ((كتاب الغصب)» (١) في ب: بالصنعة. فهرس المحتويات فصل في محل المهايئات ٣ كتاب الشهادة ١٧٣ ٥ فصل في شرائط الركن ١٧٤ فصل في بيان ما يملك كل واحد من ٦٣ فصل فيما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة . التصرف بعدها ١٧٤ كتاب الحدود ١٧٦ فصل في سبب وجوبها ١٧٧ فصل في الإحصان ١٩٥ ٢١٣ فصل في حد الشرب والسكر فصل في شروط وجوبها ٢١٣ فصل في حد القذف ٢١٦ فصل في شروط وجوب ٢١٧ فصل فيما يرجع إلى المقذوف ٢١٧ فصل فيما يرجع إليهما جميعاً ٢٢١ فصل فيما يرجع إلى المقذوف به ٠ ٢٢١ فصل فيما يرجع إلى المقذوف فيه ٢٢٩ فصل فيما يرجع إلى نفس القذف ٢٢٩ فصل في بيان ما تظهر به الحدود عند القاضي ٢٢٩ فصل في من يملك الخصومة ومن لا ٢٤٦ يملكها . ٢٤٨ فصل في صفات الحدود فصل في مقدار الواجب منها ٢٥٠ ٢٥٠ فصل في شرائط جواز إقامتها ٢٦٥ فصل فيما يُسقط الحد بعد وجوبه .. فصل في حکم الحدود إذا اجتمعت ٢٦٨٠ ١٧١ فصل في قسمة المنافع فصل في صفة المهایئات ٦٤ فصل في حكم الشهادة ٦٥ كتاب الرجوع عن الشهادة كتاب آداب القاضي فصل في من يصلح للقضاء ٨٥ فصل في مَنْ يُفترض عليه قبول تقليد القضاء ٩٣ فصل في شرائط القضاء ٩٥ فصل في آداب القضاء ١١٧ فصل فيما ينفذ من القضايا وما ينقص .١٣٣ منها . فصل فيما يحله القضاء وما لا يحله .. .١٣٤ فصل في حكم خطأ القاضي .١٣٧ فصل في بيان ما يخرج به القاضي عن .١٣٨ القضاء ١٤١ كتاب القسمة فصل في بيان معنى القسمة ١٤٢ فصل في شروط جواز القسمة ١٤٤ .١٤٨ فصل فيما يرجع إلى المقسوم له ١٥٧ فصل فيما يرجع إلى المقسوم ١٦١ فصل في صفات القسمة فصل في حكم القسمة ١٦٦ فصل فيما يوجب نقض القسمة ١٦٨٠ فصل في حكم المحدود ٢٦٩ ٥٥١ ٨٢ ٥٥٢ فهرس المحتويات ٢٧٠ فصل في التعزير ٢٧٠ فصل في شروط وجوب التعزير ٢٧١ فصل في قدر التعزير ٢٧٣ فصل في صفة التعزير ٢٧٤٠ فصل في بيان ما يظهر به كِتَابُ السَّرِقَةِ ٢٧٥ ٢٧٥ فصل في ركن السرقة ٢٨٢ فصل في شروط الركن ٢٨٤ فصل فيما يرجع إلى المسروق فصل في المَسْرُوقِ مِنْهُ ٣٢٣ ٣٢٤ فصل في المكانِ المَسْرُوقِ فِیهِ ٣٢٥ فصل فيما تَظْهرُ به السَّرِقَةُ الحرب . ٣٣٤ فصل في حُكمِ السَّرِقَةِ ٣٦٠ فصل في بيان ما يكره حمله إلى دار ٤٠١ الحرب . ٣٦٠ فصل في بيان ركن قطع الطريق ٣٦٠ فصل في شروط حد قطع الطريق ٣٦٢ فصل في المقطوع عليه ٣٦٢ فصل في القاطع والمقطوع عليه ٣٦٣ فصل في المقطوع له ٣٦٣ فصل في المقطوع فيه فصل في بيان ما يظهر به القطع عند ٣٦٦ القاضي . ٣٦٦ فصل في حكم قطع الطريق ٣٧١ فصل في صفات هذا الحكم فصل في بيان من يقيم هذا الحكم .... ٣٧٢ فصل في بيان ما يسقط هذا الحكم .... ٣٧٢ فصل في حكْمٍ سُقُوطِ الحَدِّ بعد الوُجُوبِ ٣٧٣ فصل في الحكم الذي يتعلَّق بالمال ... ٣٧٥ ٣٧٦ كِتَابُ السِّيرِ ٣٧٩ فصل في بيان كيفية فرض الجهاد ٣٨٢ فصل من بیان من يفترض علیه فصل في بيان ما يندب إليه الإمام عند ٣٨٧ بعث الجیش فصل في بيان ما يجب على الغزاة ..... ٣٩٠ فصل في بیان من يحل قتله ومن لا يحل ٣٩٨٠ فصل في بيان من يسع تركه في دار ٤٠٠ فصل في بيان الأسباب المحرمة للقتال ٤٠٣ فصل في أحكام الغنائم وما يتصل بها .٤٥٨ فصل . ٥١٢ فصل في اختلاف الأحكام باختلاف . الدراین ٥١٨ فصل في الأحكام التي تختلف باختلاف ٥٢٠ الدارین ٥٢٥ فصل في أحكام المرتدين ٥٤٢ فصل في حكم ولد المرتد فصل ٣٧١ فصل في محل إِقَامَةِ هَذَا الحُكْمِ ٥٤٣ كِتَابُ قُطْاعِ الطَّرِيقِ