Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب قطاع الطريق منها أن يكون عاقلاً. ومنها: أن يكون بالغاً، فإن كان صبيًّا أو مجنوناً، فلا حد عليهما؛ لأن الحد عقوبة، فيستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية، ولهذا لم يتعلق به القطع في السرقة؛ كذا هذا. ولو كان في القطاع صبي أو مجنون، فلا حد على أحد في قولهما. وقال أبو يوسف - رحمه الله - إن كان الصبي هو الذي يلي القطع فكذلك، وإن كان غيره حد حد العقلاء البالغين. وقد ذكرنا المسألة في كتاب السرقة. ومنها: الذكورة في ظاهر الرواية، حتى لو كانت في القطاع امرأة، فوليت القتال، وأخذ المال دون الرجال، لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة. وذكر الطحاوي - رحمه الله - وقال: النساء والرجال في قطع الطريق سواء، وعلى قياس قوله - تعالى - يقام الحد عليها وعلى الرجال. وجه ما ذكره الطحاوي: أن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى؛ كسائر الحدود، ولأن الحد إن كان هو القطع، فلا يشترط في وجوبه الذكورة والأنوثة، كسائر الحدود، فلا يشترط في وجوبه الذكورة، كحد السرقة، وإن كان هو القتل فكذلك، كحد الزنا، وهو الرجم إذا كانت محصنة . وجه الرواية المشهورة: إن ركن القطع؛ وهو الخروج على المارة على وجه المحاربة والمغالبة لا يتحقق من النساء عادة؛ لرقة قلوبهن، وضعف بنيتهن، فلا يكن من أهل الحراب؛ ولهذا لا يقتلن في دار الحرب؛ بخلاف السرقة؛ لأنها أخذ المال على وجه الاستخفاء ومُسَارقة الأعين، والأنوثة لا تمنع من ذلك وكذا أسباب سائر الحدود تتحقق من النساء؛ كما تتحقق من الرجال. وأما الرجال الذين معها: فلا يقام عليهم الحد في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - سواء باشروا معها أو لم يباشروا. فرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة حيث قال: إذا باشر الصبي لا يؤخذ على من لم يباشر من العقلاء البالغين، وإذا باشرت المرأة تحد كالرجال. ووجه الفرق له: أن امتناع الوجوب على المرأة ليس لعدم الأهلية؛ لأنها من أهل التكليف؛ ألا ترى أنه تتعلق سائر الحدود بفعلها، بل لعدم المحاربة منها، أو نقصانها عادة، وهذا لم يوجد في الرجال، فلا يمتنع وجوب الحد عليهم، وامتناع الوجوب على الصبي لعدم ٣٦٢ كتاب قطاع الطريق أهلية الوجوب لأنه ليس من أهل الإيجاب عليه، ولهذا لم يجب عليه سائر الحدود، فإذا انتفى الوجوب عليه؛ وهو أصل، امتنع التبع ضرورة. وجه قولهما: إن سبب الوجوب شيء واحد، وهو قطع الطريق، وقد حصل ممن يجب عليه وممن لا يجب عليه فلا يجب أصلاً، كما إذا كان فيهم صبي، أو مجنون، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الحرية: فليست بشرط لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، من غير فصل بين الحر والعبد، ولأن الركن وهو قطع الطريق يتحقق من العبد حسب تحققه من الحر، فيلزمه حكمه، كما يلزم الحر، وكذلك الإسلام، لما قلنا، والله تعالى أعلم. فصل في المقطوع عليه وأما الذي يرجع إلى المقطوع عليه خاصة فنوعان: أحدهما: أن يكون مسلماً أو ذميًّا، فإن كان حربيًّا مستأمناً لا حد على القاطع، لأن مال الحربي المستأمن ليس بمعصوم مطلق، بل في عصمته شبهة العدم، لأنه من أهل دار الحرب، وإنما العصمة بعارض الأمان مؤقتة إلى غاية العود إلى دار الحرب، فكان في عصمته شبهة الإباحة، فلا يتعلق الحد بالقطع عليه، كما لا يتعلق بسرقة ماله، بخلاف الذمي، لأن عقد الذمة أفاد له عصمة ما له على التأبيد، فتعلق الحد بأخذه، كما يتعلق بسرقته. والثاني: أن تكون يده صحيحة بأن كانت يد ملك، أو يد أمانة، أو يد ضمان، فإن لم ٣٠١ب تكن صحيحة كيد السارق، لا حد على القاطع، كما لا حد على السارق، على / ما مر في كتاب السرقة، والله تعالى أعلم. فصل في القاطع والمقطوع عليه وأما الذي يرجع إليهما جميعاً فواحد وهو ألا يكون في القطاع ذو رحم محرم من أحد من المقطوع عليهم، فإن كان لا يجب الحد؛ لأن بينهما تبسطاً في المالك والحرز، لوجود الإذن بالتناول عادة، فقد أخذ مالاً لم يحرزه عنه الحرز المبني في الحضر، ولا السلطان الجاري في السفر، فأورث ذلك شبهة في الأجانب، لاتحاد السبب وهو قطع الطريق، وكان الجصاص يقول: جواب الكتاب محمول على ما إذا كان المأخوذ مشتركاً بين المقطوع عليهم، وفي القطاع من هو ذو رحم محرم من أحدهم، فأما إذا كان لكل واحد منهم مال مفرز يجب الحد على الباقين، وجواب الكتاب مطلق عن هذا التفصيل، والله تعالى أعلم. ٣٦٣ كتاب قطاع الطريق فصل في المقطوع له وأما الذي يرجع إلى المَقْطُوع له: فما ذكر في كتاب السرقة؛ وهو أن يكون المأخوذ مالاً متقوماً معصوماً ليس فيه لأحد حق الأخذ ولا تأويل التناول، ولا تهمة التناول، مملوكاً لا ملك فيه للقاطع ولا تأويل الملك، ولا شبهة الملك محرزاً مطلقاً بالحافظ، ليس فيه شبهة العدم نصاباً كاملاً عشرة دراهم أو مقدراً بها، حتى لو كان المال المأخوذ لا يصيب كل واحد من القطاع عشرة لا حَدَّ عليهم، وقد ذكرنا دلائل هذه الشرائط والمسائل التي تخرج عليها في ((كتاب السرقة))، وشرط الحسن بن زياد في نصاب قطع الطريق؛ أن يكون عشرين درهماً فصاعداً. وقال عيسى بن أبان: إن قتلوا قتلوا، وإن كان ما أخذ كل واحد منهم أقل من عشرة. وجه قول الحسن: إن الشرع قدر نصاب السرقة بعشرة، والواجب فيها قطع طرف الواحد، وههنا يقطع طرفان؛ فيشترط نصابان، وذلك عشرون. وجه قول عيسى - رحمه الله - أنا أجمعنا على أنهم لو قتلوا، ولم يأخذوا المال أصلاً قتلوا، فإذا أخذوا شيئاً من المال وإن قل، أولى أن يقتلوا. ولنا الفرق بين النوعين: وهو أنهم لما قتلوا، ولم يأخذوا المال أصلاً، علم أن مقصودهم القتل لا المال، والقتل جناية متكاملة في نفسها، فيجازى بعقوبة متكاملة، وهي القتل، ولما أخذوا المال وقتلوا، دَلْ أن مقصودهم المال، وإنما قتلوا؛ ليتمكنوا من أخذ المال، وأخذ المال لا يتكامل جناية، إلا إذا كان المأخوذ نصاباً؛ كما في السرقة؛ والله تعالى أعلم. فصل في المقطوع فيه وأما الذي يرجع إلى المقطوع فيه؛ وهو المكان؛ فنوعان: أحدهما: أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب، لا يجب الحد؛ لأن المتولي لإقامة الحد هو الإمام، وليس له ولاية في دار الحرب؛ فلا يقدر على الإقامة، فالسبب حين وجوده لم ينعقد سبباً للوجوب؛ لعدم الولاية؛ فلا يستوفيه في دار الإسلام، ولهذا لا يستوفي سائر الحدود في دار الإسلام، إذا وجد أسبابها في دار الحرب؛ كذا هذا (١). (١) وجملته أن المحاربين الذين تثبُتَ هُم أخْكَامُ المُحارَبَةِ، تُعْتَبرُ لهم شروطٌ ثلاثة: ٣٦٤ كتاب قطاع الطريق والثاني: أن يكون في غير مصر، فإن كان في مصر لا يجب الحد، سواء كان القطع نهاراً أو ليلاً؛ وسواء كان بسلاح أو غيره، وهذا استحسان؛ وهو قولهما والقياس أن يجب، وهو قول أبي يوسف. وجه القياس: أن سبب الوجوب قد تحقق، وهو قطع الطريق، فيجب الحد؛ كما لو كان في غير مصر. وجه الاستحسان: أن القَطْعَ لا يحصل بدون الانقطاع، والطريق لا ينقطع في الأمصار، وفيما بين القرى؛ لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة، فلم يوجد السبب. وقيل: إنما أجاب أبو حنيفة - عليه الرحمة - على ما شاهده في زمانه؛ لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السِّلاَحَ؛ فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم في المصر، والآن ترك الناس هذه العادة، فتمكنهم المغالبة فيجري عليهم الحد. وعلى هذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - فيمن قطع الطريق بين الحيرة والكوفة، أنه لا يجري عليه الحد؛ لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع في زمانه، لاتصاله بالمصر، والآن صار ملتحقاً بالبرية؛ فلا يلحق الغوث؛ فيتحقق قطع الطريق. أحدُها: أن يكونَ ذلك في الصَّخراءِ، فإن كان ذلك منهم في القُرَى والأمْصارِ، فقد توقَّفَ أحمدُ، =. رَحِمه الله، فيهم، وظاهِرُ كلام الْخِرَقِيِّ أنَّهم غيرُ مُحارِبِينَ. وبه قال أبو حنيفةَ، والثورِيُّ، وإسحاقُّ؛ لأنَّ الواجِبُ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَريق، وقطْعُ الطريقِ إنما هو في الصَّحْراءِ، ولأنَّ من في المِصْرِ يَلْحَقُ به الغَوْثُ غالباً، فتذهبُ شَوَكَةُ المُعْتَدِينَ، ويكونون مُخْتِلسِينَ، والمُخْتَلِسُ ليس بقاطِع، ولا حَدَّ عليه. وقال كثيرٌ من أصحابنا: هو قاطِعٌ حيثُ كان. وبه قال الأوزاعيَّ، والليثُ، والشَّافِعِيُّ، وَأبو يوسفَ، وأبو ثَوْر؛ لتَناوُلِ الآيةِ بعُمومِها كُلَّ مُحارِبٍ، ولأنَّ ذلك إذا وُجِدَ في المِصْرِ كان أعظمَ خَوْفاً، وأكْثَر ضَرراً، فكان بذلك أَولَى. وذكر القاضي أنَّ هذا إن كانَ في المِصْرِ، مثلَ أنْ كَبِسُوا داراً، فكان أهلُ الدارِ بحيثُ لو صاحُوا أدْرَكَهم الغَوْثُ، فليسَ هؤلاءِ بقُطْاعٍ طَرِيقٍ؛ لأَنَّهم في مَوضعٍ يَلْحَقُهُمُ الغَوْثُ عادَةً، وإن حَصَرُوا قريةً أو بلداً ففتحُوه، وغَلَبُوا على أهلِه، أوَ مَحَلَّةٌ مُفرَدَةً، بحيثُ لا يَلْحَقهم الغوثُ عادةً، فهم مُحارِبون؛ لأنّهم لا يلْحَقُهم الغَوْثُ، فَأَشْبهَ قُطَّاعَ الطريق في الصَّخراءِ. الشَّرْط الثاني: أن يكونَ معهم سلاحٌ، فإن لم يكُنْ معهم سلاحٌ، فهم غير مُحارِبين؛ لأنَّهم لا يَمْنَعونَ من يَقْصدُهم. ولا نعلمُ في هذا خلافاً. فإن عَرَضُوا بالعِصِيِّ والحِجَارَةِ، فهم مُحارِبُون. وبه قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةً: ليسوا مُحارِبِينَ، لأَنَّه لا سِلاحَ معهم. ولَنا، أنَّ ذلك مِن جُمْلةِ السّلاحِ الذي يأتي على النّفسِ والطَّرَفَ، فأشْبَةَ الحديدَ. الشرط الثالث: أن يأْتُّوا مُجاهرَةً، ويأخذُوا المالَ قَهْراً، فأمَّا إن أخذُوه مُخْتَفِينَ، فهم سُرَّاقٌ، وإن اخْتَطِفُوه وهربُوا فهم مُنْتَهِبُونَ، لا قَطْعَ عليهم. وكذلك إن خرجَ الواحِدُ والاثنانِ على آخِرِ قَافلةٍ، فاستلَبُوا منها شيئاً، فليسُوا بمُحارِبِينَ؛ لأنهم لا يرجِعُون إلى مَنَعَةٍ وقوَّةٍ. وإن خرجُوا على عددٍ يَسِيرٍ فقهِرُوهُم، فهم قُطّاعُ طريق . ينظر: المغني ١٢ /٤٧٤ - ٤٧٥. ٣٦٥ كتاب قطاع الطريق والثالث: أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر، فإن كان أقل من ذلك، لم يكونوا قطاع الطريق. وهذا على قولهما، فأما على قول أبي يوسف، فليس بشرط، ويكونون قطاع الطريق. والوجه ما بينًا فيجب الحد. وروي عن أبي يوسف في قطاع الطريق في المصر: إن قاتلوا نهاراً بسلاح، يقام عليهم الحد، وإن خرجوا ينشب لهم، لم يقم عليهم؛ لأن السلاح لا يلبث، فلا يلحق الغوث، والخشب یلبث، فالغوث يلحق. وإن قاتلوا ليلاً بسلاح، أو بخشب يقام عليهم الحد، لأن الغوث قلما يلحق بالليل، فيستوي فيه السلاح وغيره؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو أشهر على رجل سلاحاً نهاراً أو ليلاً في غير مصر، أو في مصر فقتله المشهور عليه عمداً، فلا شيء عليه. وكذلك إن شهر عليه عصا ليلاً في غير مصر أو في مصر، وإن كان نهاراً في مصر فقتله المشهور عليه يقتل به، والأصل في / هذا أن من قصد قتل إنسان لا ينهدر ١٣٠٢/٢ دمه، ولكن ينظر إن كان المشهور عليه يمكنه دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل، وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح [له] القتل لأنه من ضرورات الدفع، فإن شهر عليه سيفه يباح له أن يقتله لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل. ألا ترى أنه لو استغاث الناس لقتله قبل أن يلحقه الغوث؛ إذ السلاح لا يلبث، فكان القتل من ضرورات الدفع؛ فيباح قتله، فإذا قتله فقد قتل شخصاً مباح الدم فلا شيء عليه. وكذا إذا شهر عليه العصا ليلاً؛ لأن الغوث لا يلحق بالليل عادة، سواء كان في المفازة أو في المصر. وإن أشهر عليه نهاراً في المصر لا يباح قتله؛ لأنه يمكنه دفع شره بالاستغاثة بالناس. وإن كان في المفازة يباح قتله؛ لأنه لا يمكنه الاستغاثة، فلا يندفع شره إلا بالقتل فيباح له القتل. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنه لو قصد قتله بما لو قتله به لوجب عليه القصاص، فقتله المقصود قتله لا يجب [عليه] القصاص؛ لأنه يباح قتله، إذ لو لم يبح لقتله القاصد، وإذا قتله يقتل به قصاصاً فكان فيه إتلاف نفسين. فإذا أبيح قتله كان فيه إتلاف أحدهما فكان أهون. ولو قصد قتله بما لو قتله به لكان لا يجب القصاص لا يباح للمقصود قتله أن يقتل القاصد، فإن قتله يجب عليه القصاص، لأنه ليس في ترك الإباحة ههنا إتلاف نفس فلا يباح، فإذا قتله فقد قتل شخصاً معصوم الدم على الأبد، فيجب القصاص؛ والله تعالى أعلم. ٣٦٦ كتاب قطاع الطريق فصل في بيان ما يظهر به القطع عند القاضي وأما بيان ما يظهر به القطع عند القاضي: فالذي يظهر به البينة أو الإقرار عقيب خصومة صحيحة، ولا يظهر بعلم القاضي، على ما ذكرنا في كتاب السرقة؛ والله تعالى أعلم. فصل في حكم قطع الطريق وأما حكم قطع الطريق: فله حكمان. أحدهما: يتعلق بالنفس . والآخر: يتعلق بالمال . أما الذي يتعلق بالنفس فهو وجوب الحد، والكلام في هذا الحكم في مواضع: في بيان أصل هذا الحكم. وفي بيان صفاته . وفي بيان محل إقامته. وفي بيان من يقيمه. وفي بيان ما يسقطه بعد الوجوب. وفي بيان حكم السقوط بعد الوجوب، أو عدم الثبوت لمانع. أما أصل الحكم الذي يتعلق بالنفس: فلن يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع قطع الطريق؛ لأنه يختلف باختلاف أنواعه؛ فنقول وبالله التوفيق: قطع الطريق أربعة أنواع: إما أن يكون بأخذ المال لا غير، وإما أن يكون بالقتل لا غير، وإما أن يكون بهما جميعاً، وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ ولا قتل، فمن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال وقتل. قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: الإمام بالخيار؛ إن شاء قطع يده ورجله، ثم قتله أو صلبه، وإن شاء لم يقطعه وقتله أو صلبه . وقيل: إن تفسير الجمع بين القطع والقتل عند أبي حنيفة رحمه الله هو أن يقطعه الإمام، ولا يحسم موضع القطع، بل يتركه حتى يموت. وعندهما (١) يقتل ولا يقطع ومن أخاف، ولم يأخذ مالاً ولا قتل نفساً، ينفى. (١) في أ: وقال أبو يوسف ومحمد. ٣٦٧ كتاب قطاع الطريق وقال مالك - رحمه الله - في قاطع الطريق: مخيَّر بين الأجزية المذكورة(١). والأصل فيه قوله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أُو يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِن الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] احتج مالك رحمه الله بظاهر الآية؛ وهو أن الله - تبارك وتعالى - ذكر الأجزية فيها بحرف (أو) وإنها للتخيير، كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد، فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف إِلا حيث قام الدليل بخلافها . ولنا: أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التخيير في مطلق المحارب؛ لأن الجزاء على قَدْرِ الجناية، يزداد بزيادة الجناية، وينتقص بنقصانها، هذا هو مقتضى العقل والسمع أيضاً؛ (١) ومذهب الحنابلة أن من قَتل مِنْهُمْ وَأَخَدَ المَالَ، قُتِلَ وإنْ عَفَا صَاحِبُ المَالِ، وصُلِبَ حتى يُشْتَهَرَ، ودُفِعَ إِلَى أهْلِهِ، ومَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، ولَمْ يَأْخُدِ المَالَ، قُتِلَ، ولَمْ يُصْلِبْ، وإِنْ أَخَذَ الْمَالَ ولمَ يقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فِي مَقَام وَاحِدٍ، ثُمَّ حُسِمَتَا وخُلِّيَ وبه قال قتادةُ، وأبو مِجْلٍَ، وحَمَّادٌ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وعن أحمدَ، أَنَّه إذا قَتَلَ وأخذَ المالَ، قُتِلَ وقُطِعَ، لأنَّ كُلَّ واحدَةٍ من الجِنايَتَيْنِ تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِداً، فإذا اجْتمَعا، وجَب حدُّهما معاً، كما لو زَنَا، وسرقَ. وذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّ الإِمامَ مُخَيَّرْ فيهم بين القتل والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْي، لأنَّ ((أو)) تقْتضِي النَّخْبِيرَ، كقوله تعالى: ﴿فَكَفَارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ من أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أُوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقْبَةٍ﴾. وهذا قولُ سعيدِ بن المُسَيَّب، وعَطاءٍ، ومُجاهدٍ، والحسنِ، والضخَّاكِ، والنَّخَعِيِّ، وأبي الزِّنادِ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: ما كان في القرآن ((أو)) فصاحِبُه بالخِيار. وقال أصحابُ الرَّأي: إن قَتَل قُتِلَ، وإن أخَذَ المالَّ قُطِعَ، وإن قَتل وأَخَذَ المالَ، فالإِمامُ مُخَيَّرٌ بينَ قَتْلِهِ وصَلِهِ، وبين قَتْلِهَ وقَطْعِه، وبين أن يجمعَ له ذلك كلَّه؛ لأنَّه قد وُجِدَ منه ما يُوجِبُ القتلَ والقَطْعَ، فكان للإِمامِ فِعْلُهما، كما لو قَتلَ وقَطَّعَ، في غيرٍ قَطْعِ طريقٍ. وقال مالِكٌ: إذا قَطَعَ الطَّرِيقِ، فرآه الإِمامُ جَلْداً ذاَ رَأْيَ، فَتَلَه، وإن كان جَلْداً لا رَأْيَ له، فَطَعَه، ولم يَغْتَبِرْ فِعْلَه. ولَنا، على أنَّه لاَ يُقْتَلُ إذا لم يَقْتُلْ، قولُ النَّبِيِّ وَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلاَّ يإحدَى ثَلاَثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، أوْ زِنًا بعدَ إخْصَانٍ، أوْ قتلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٌ)). فَأَمَّا ((أو)) فقد قال ابنُ عباسٍ مثلَ قَوْلِنا، فإمّا أن يكون تَوْقِيفاً، أو لغةً، وأيُّهما كان، فَهو حُجَّةٌ، يَدُلُّ عليه أنَّه بدأَ بالأغْلَظِ فالأغْلَظِ، وَعُرْفُ القرآنِ فيما أُرِيدُ به التَّخْييرُ البدايةُ بالأخفُ، ككفَّارَةِ اليمين، وما أُرِيدَ بِه التَّرْتيبُ بُدِىءَ فيه بالأغْلَظِ فالأغْلَظِ، ككفَّارَةِ الظُّهارِ والقَتْلِ، ويدلُّ عليه أيضاً، أنَّ العُقَوباتِ تخْتِلفُ باختلافِ الإجرام، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّاني والقاَذِفِ والسَّارِقِ، وقد سَوَّوْا بينهم هُهُنا مع اختلاف جِناياتِهم، وهذاَ يَرُدُّ على مالكٍ، فإنَّه إنَّما اعتَبَرَ الجَّدَ والرَّأْيَ وأمَّا قولُ أبي حنيفة، فلا يَصِحُ؛ لأنَّ القتلَ لو وَجَبَ لِحَقِّ الله تعالى، لم يُخَيِّرِ الإِمامُ فيه، كقطع السارِقِ، وكما لو انْفردَ بأخْدِ المالِ، ولأنَّ الحدودَ لله تعالى إذا كان فيها قتلٌ، سَقطَ ما دونَه، كما لو سَرَقَ وَزَنَا وهو مُخْصَنْ. وقد رُوِيَ عن ابن عباس، قال: وادَعَ رسول الله وَلّ أبا بزْزَةَ الأَسْلمِيَّ، فجاء ناسٌ يُريدونَ الإِسْلامَ، فقَطَع عليهم أصحابُه، فنَزلَ جبريلُ عليه السَّلامُ بالحدِّ فيهم، أنَّ مِن قَتَلَ وَأَخَذَ المالَ قُتِلَ وصُلِبَ، ومَن قَتَلَ ولم يأخذ المالَ، قُتِلَ، ومن أخذَ المالَ ولم يقتُلْ، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه من خلافِ. وقيل: إنَّه رواه أبو داود وهذا كالمُسْنَدِ، وهو نَصِّ. ينظر: المغني ١٢ / ٤٧٥ - ٤٧٧. ٣٦٨ كتاب قطاع الطريق قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤] فالتخيير في الجناية القاصرة بالجزاء [في الجزاء](١) الذي هو جزاء في الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بالجزاء الذي هو جَزَاءٌ في الجناية القاصرة خلاف المشروع. يحققه (٢) أن الأمة اجتمعت على أن القطاع أو أخذوا المال وقتلوا، لا يجازون بالنفي وحده، وإن كان ظاهر الآية يقتضي التخيير بين الأجزية الأربع، دل أنه لا يمكن العمل بظاهر التخيير على أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة؛ من حيث الصورة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحداً؛ كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد. أما إذا كان مختلفاً، فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ [الكهف: ٨٦] أن ذلك ليس للتخيير ١٣٠٣/٢ بين المذكورين، بل لبيان الحكم لكل في نفسه، لاختلاف سبب الوجوب وتأويله/ إما أن تعذب من ظلم، أو تتخذ الحسن فيمن آمن، وعمل صالحاً؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: ٨٧]، الآية ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمَلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءٌ الحُسُنَى ... ﴾ [الكهف: ٨٨] الآية . وقطع الطريق متنوع في نفسه، وإن كان متحداً من حيث الذات. قد يكون بأخذ المال وحده، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الأمرين وقد يكون بالتخويف لا غير، فكان سبب الوجوب مختلفاً فلا يحمل على التخبير بل على بيان الحكم لكل نوع، أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكرتم فلا يكون حجة مع الاحتمال، وإذا لم يمكن صرفت الآية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب. فأما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق، كأنه قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] إن أخذوا المال وقتلوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا؛ هكذا ذكر سيدنا جبريل - عليه الصلاة والسلام - لرسول الله وَ ﴾ لما قطع أبو بردة - رضي الله عنه - بأصحابه الطريق على أناس جاؤوا يريدون الإسلام أن من قتل قتل ومن أخذ المال، ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل وأخذ المال صلب، ومن جاء مسلماً هدم الإسلام ما كان قبله من الشرك(٣) وإلى هذا التأويل يذهب عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وإبراهيم النخعي، وإما أن (١) سقط في أ. (٢) في أ: يحقق ذلك. (٣) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس - رضي الله عنه - كما في ((الدر المنثور)) (٤٩٣/٢). ٣٦٩ كتاب قطاع الطريق التخيير بين الأجزية الثلاثة، لكن في محارب خاص وهو الذي أخذ المال، وقتل، فكان العمل بظاهر التخيير على هذا الوجه أقرب من ظاهر الآية؛ لأن الله - تبارك وتعالى - جمع بين القتل، وقطع الطريق في الذكر؛ بقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ [المائدة: ٣٣] فالمحاربة هي، القتل، والفساد في الأرض هو قطع الطريق؛ فأوجب - سبحانه وتعالى - أخذ الأجزية من الفعلين بما ذكر، وفيه عمل بحقيقة حرف التخيير، وعمل بحقيقة ما أضيف إليه الجزاء، وهو ما ذكر - سبحانه وتعالى - من المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، فكان أقرب إلى ظاهر الآية، إلى هذا التأويل يذهب الحسن وابن المسيب ومجاهد وغيرهم - رضي الله عنهم - ثم أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - أخذا بالتأويل الأول، وهو تأويل الترتيب في المحارب إذا أخذ المال. وقيل: إنه يقتل لا غير؛ لأن سيدنا جبريل - عليه السلام - ذكر لرسول الله وَّل على ما مر . وحد قطاع الطريق لم يعرف إلا بهذا النص؛ ولأن أخذ المال والقتل جناية واحدة، وهي جناية قطع الطريق، فلا يقابل إلا بعقوبة واحدة، والقتل والقطع عقوبتان على أنهما إن كانتا جنايتين يجب بكل واحدة منهما جزاء عند الانفراد، حقاً لله - تعالى - لكنهما إذا اجتمعا يدخل ما دون النفس في النفس، كالسارق إذا زنى، وهو محصن، وكمن زنا وهو غير محصن، ثم أحصن فزنى أنه يرجم لا غير كذا ههنا ولأنه لا فائدة في إقامة القطع، لأن ما هو المقصود من الحد وهو الزجر وما هو غير مقصود به وهو التكفير يحصل بالقتل وحده، فلا يفيد القطع فلا يشرع وأبو حنيفة - رحمه الله - أخذ بالتأويل الثاني وهو التخيير بين الأجزية الثلاثة في المحارب الذي جمع بين أخذ المال والقتل وهو أحق التأويلين للآية لما ذكرنا أن فيه عملاً بحقيقة حرف التخيير وبحقيقة ما أضيف إليه الجزاء وهو المحاربة والسعي في الأرض بالفساد فكان أقرب إلى ظاهر الآية، وإنما عرفنا حكم أخذ المال وحده، وحكم القتل وحده لا بهذه الآية الشريفة، ولكن بحديث سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أو غيره، أو بالاستدلال بحالة الاجتماع، وهو أنه لما وجب الجمع بين الموجبين عند وجود القطعين يجب القبول بإفراد كل واحد منهما عند الانفراد، ويمكن أن يقال: إنه يقول في تأويل الآية الكريمة بالترتيب فيوجب الصلب بظاهر الآية الشريفة. والقطع بالاستدلال بحالة الانفراد أنه يجب على كل واحد منهما، فعند الاجتماع يجب أن يجمع إلا أن في بعض المواضع قام دليل إسقاط الأخف، ولم يقم ههنا، بل قام دليل الوجوب؛ لأن مبنى هذا الباب على التغليظ . ألا ترى أنه يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، ولا يجمع بينهما في أخذ المال بدائع الصنائع ج٩ - م٢٤ ٣٧٠ كتاب قطاع الطريق في المصر، وكذلك(١) يصلب في القتل وحده ههنا، ولم يجب أن يصلب في غيره من القتل في المصر؛ فكذا جاز أن يجمع بين الموجبين عند مباشرة النوعين ههنا دون سائر المواضع، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما كيفية الصلب: فقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يصابَ حيًّا، ثم يطعن برمح، حتى يموت، وكذا ذكر الكرخي. وعن أبي عبيد أنه يقتل، ثم يصلب، وكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله - لأن الصلب حيًّا من باب المثلة، وقد نهى النبي - عليه الصلاة والسلام - عن المثلة. ١٣٠٣/٢ م والصحيح هو الأول؛ لأن/ الصلب في هذا الباب شرع لزيادة في العقوبة تغليظاً، والميت ليس من أهل العقوبة، ولأنه لو جاز أن يقال: يصلب بعد الموت، لجاز أن يقال: تقطع يده ورجله من خلاف بعد الموت، وذلك بعيد فكذا هذا، والمراد من المثلة في الحديث قطع بعض الجوارح؛ كذا قاله محمد رحمه الله. وقيل: إذا صلبه الإمام تركه ثلاثة أيام عبرة للخلق، ثم يخلي بينه وبين أهله؛ لأنه بعد الثلاث یتغیر؛ فیتضرر به الناس. وأما النفي في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فقد اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: المراد منه: وينفوا من الأرض بحذف الألف، ومعناه وينفوا من الأرض بالقتل والصلب؛ إذ هو النفي من وجه الأرض حقيقة. وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الذي أخذ المال. وقيل: إن الإمام يكون مخيراً بين الأجزية الثلاثة، والنفي من الأرض ليس غير واحد من هذه الثلاثة في التخيير؛ لأن بالقتل والصلب يحصل النفي فكذا لا يجوز أن يجعل النفي مشاركاً الأجزية الثلاثة في التخيير؛ لأنه لا يزاحم القتل؛ لأنه دونه بكثير. وقيل: نفيه أن يطرد؛ حتى يخرج من دار الإسلام، وهو قول الحسن. وعن إبراهيم النخعي - رحمه الله - في رواية أن نفيه طلبه؛ وبه قال الشافعي - رحمه الله - أنه يطلب في كل بلد. والقولان لا يَصِحَّانِ؛ لأنه إن طلب في البلد الذي قطع الطريق ونفى عنه، فقد ألقي ضرره إلى بلد آخر، وإن طلب من كل بلد من بلاد الإسلام، ونفى عنه يدخل دار الحرب، وفيه تعريض له على الكفر، وجعله حرباً لنا. وهذا لا يجوز. وعن إبراهيم النخعي - رحمه الله - في رواية أخرى؛ أنه يحبس؛ حتى يحدث توبة، وفيه (١) في أ: أخذ. ٣٧١ كتاب قطاع الطريق نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة، إلا عن الموضع الذي حبس فيه، ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفياً عن وَجْهِ الأرض وخروجاً عن الدنيا؛ كما أنشد لبعض المحبوسين [الطويل]: خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ أهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الأَحْيَاءِ فِيهَا وَلاَ المَوْتَى إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْماً لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا فصل في صفات هذا الحكم وأما صفات هذا الحكم: منها أنه ينفي وجوب ضمان المال والجراحات عمداً كانت الجراحة أو خطأ. أما المال: فلأنه لا يجمع بين الحد والضمان عندنا . وأما الجراحات إذا كانت خطأ، فلأنها توجب الضمان(١)، وإن كانت عمداً، فلأن الجناية فيما دون النفس يسلك بها مسلك الأموال، ولا يجب ضَمَانُ المال، فكذا ضمان الجراحات، وقد ذكرنا ما يتعلق من المسائل بهذا الأصل في كتاب السرقة . ومنها: أن يجري فيها التداخل، حتى لو قطع قطعات، فرفع في بعضها، فقطعت يده ورجله فيما رفع فيه، كان ذلك للقطعات كلها؛ كما في السرقة، إلا أن ثمة التداخل؛ لاحتمال عدم الفائدة مع بقاء محل القطع، وهو الرجل اليسرى، وههنا التداخل لعدم المحل، والكلام في الضمان فيما لم يخاصم فيه ما هو الكلام في السرقة؛ أنه إذا كان المال قائماً يرده، وإن كان هالكاً، فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في كتاب السرقة. ومنها: أنه لا يحتمل العفو والإسقاط والإبراء والصلح عنه، فكل ما وجب على قاطع الطريق من قَتْلٍ أو قطع أو صلب يستوفي منه؛ سواء عفا الأولياء وأرباب الأموال عن ذلك أو لم يعفوا، وسواء أبرؤوا منه أو صالحوا عليه، وليس للإمام أيضاً إذا ثبت ذلك عنده تركه وإسقاطه والعفو عنه. لأن الواجب حد، والحدود حقوق الله تبارك وتعالى، فلا يعمل فيها العبد، ولا صلحه ولا الإبراء عنها. فصل في محل إِقَامَةِ هَذَا الحُكْم وأما محل إقامة هذا الحكم: فنقول محل إقامة هذا الحكم يختلف باختلاف الحكم، فإن كان الحكم هو القتل بأن قتل أو أخذ المال وقتل، أو الحبس؛ بأن لم يأخذ المال ولم يقتل ولكنه خوف لا غير فمحل إقامته النفس، وإن كان الحكم هو القطع بأن أخذ المال لا غير (١) في أ: المال. ٣٧٢ كتاب قطاع الطريق فمحل إقامته اليد اليمين والرجل اليسرى، لقوله تبارك وتعالى ﴿أَوْ تقطع أَيْديهم وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ﴾ ويعتبر في ذلك سلامة اليد اليسرى والرجل اليمنى على ما ذكرنا في كتاب السرقة. وكذلك حكم فعل الحداد إذا قطع اليد اليسرى مكان اليمنى متعمداً، أو مخطئاً وحكم فعل الأجنبي إذا قطع اليد اليسرى خطأ أو عمداً ههنا، مثل الحكم في السرقة، وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب السرقة، وكذا محل القطع من اليد اليمنى هو المفصل، كما في السرقة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في بيان من يقيم هذا الحكم وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه الإمام الإقامة. ليس إلى الأولياء ولا إلى أرباب الأموال شيء بل يقيمه الإمام طالب الأولياء وأرباب الأموال بالإقامة، أو لم يطالبوا، وهذا عندنا، وعند الشافعى رحمه الله المولى يملك إقامة الحد على مملوكه من غير تولية الإمام، والكلام في هذا الفصل على الاستقصاء ذكرناه في كتاب الحدود. فصل في بيان ما يسقط هذا الحكم وأما بيان ما يسقط هذا الحكم بعد وجوبه: فالمسقط له بعد الوجوب أشياء ذكرناها في كتاب السرقة، منها تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق، أنه لم يقطع عليه الطريق . ومنها رجوع القاطع عن إقراره بقطع الطريق. ومنها: تكذيب المقطوع عليه البينة. ومنها: ملك القاطع المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده على التفصيل على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب السرقة . ومنها توبة القاطع (١) قبل أن يقدر عليه لقوله تعالى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا (١) قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً بين أهلِ العلم. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي، وأبو ثَوْرٍ. والأصلُ في هذا قولُ الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوْا مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوْا عَلَّيْهِمْ فَاعْلَمُوْا أَنَّ اللّهَ غَفْورٌ رَّحِيمٌ﴾. فعلى هذا يسْقُطُ عنهم تَحَتُمُ القَتْلِ والصَّلْبِ، والقَطْعِ وَالنّفْي، ويَبْقَى عليهم القِصَاصُ فِي النَّفْسِ والجِرَاحِ، وغَرامةُ المالِ والدِيَةُ لما لا قِصَاصَ فيه. فأمَّا إن تابَ بعدَ القُدْرةِ عليه، لم يَسْقُطُ عنه شَيءٌ من الحُدودِ، لقول الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوْا مِن قَبْلِ أن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فأوجب عليهم الحَدَّ، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قبلَ القُدْرةِ، فَمَنْ عَدَاهم يَبْقَى على قضيةِ العُموم، ولأنَّه إذا تابَ قبلَ القُدرةِ، فالظاهِرُ أنَّها تَوْبَةُ = ٣٧٣ كتاب قطاع الطريق عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] أي رجعوا عما فعلوا فندموا على ذلك وعزموا على ألا يفعلوا مثله في المستقبل؛ فدلت هذه الآية الشريفة على أن قاطع الطريق إذا تاب قبل أن يظفر به يسقط عنه الحد، وتوبته برد المال على صاحبه إن كان أخذ المال لا غير مع العزم على ألا يفعل مثله في المستقبل ويسقط عنه القطع أصلاً ويسقط عنه القتل حداً. وكذلك إن أخذ المال، وقتل؛ حتى لم يكن للإمام أن يقتله، ولكن يدفعه إلى أولیاء القتيل ليقتلوه قصاصاً إن كان القتل بسلاح على ما نذكره إن شاء الله - تعالى - وإن لم يأخذ المال ولم يقتل، فتوبته الندم على ما فعل، والعزم على ترك مثله في المستقبل؛ وهو أن يأتي الإمام عن طوع واختيار، ويظهر التوبة عنده، ويسقط عنه الحبس؛ لأن الحبس للتوبة وقد تاب؛ فلا معنى للحبس، وكذلك السرقة الصغرى إذا تاب السارق قبل أن يظفر به ورد المال إلى صاحبه يسقط عنه القطع بخلاف سائر الحدود أنها لا تسقط بالتوبة. والفرق؛ أن الخصومة شرط في السرقة الصغرى والكبرى؛ لأن محل الجناية خالص حق العباد، والخصومة تنتهي بالتوبة، والتوبة تمامها برد المال إلى صاحبه، فإذا وصل المال إلى صاحبه لم يبق له حق الخصومة مع السارق؛ بخلاف سائر الحدود فإن الخصومة فيها ليست بشرط، فعدمها لا يمنع من إقامة الحدود وفي حد القذف إن كانت شرطاً، لكنها لا تبطل بالتوبة؛ لأن بطلانها برد المال إلی صاحبه ولم یوجد. وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه كتب إليه عامله بـ ((البصرة)) أن حارثة بن زيد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً؛ فكتب إليه سيدنا علي - رضي الله عنه - أن حارثة قد تاب قبل أن تقدر عليه؛ فلا تتعرض له إلا بخير هذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه، فأما إذا تاب بعد ما قدر عليه بأن أخذ، ثم تاب لا يسقط عنه الحد؛ لأن التوبة عن السرقة إذا أخذ المال برد المال على صاحبه، وبعد الأخذ لا يكون رد المال، بل يكون استرداداً منه جبراً، فلا يسقط الحد، وإذا لم يأخذ المال، فهو بعد الأخذ متهم في إظهار التوبة، فلا تتحقق توبته والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في حكْم سُقُوطِ الحَدِّ بعد الُجُوبِ وأما حكم سقوط الحد بعد الوجوب، وحكم عدم الوجوب لمانع: فنقول ـ وبالله إخلاص، وبعدَها الظاهِرُ أنَّها تَقِيةٌ من إقامةِ الحدُ عليه، ولأنَّ في قَبُولِ تَوْبَته وإسقاط الحَدِّ عنه قبلَ = القُدْرةِ، تَرْغيباً في تَوْبَتِه، والرُّجوع عن مُحاربتِهِ وإِفْسادهِ، فناسَبَ ذلك الإِسْقاطُ عنه، وأمَّا بعدَها فلا حاجةً إلى تَرْغِيبِه؛ لأنَّه قد عَجَزَ عنَ الفسادِ والمُحاربَةِ. ينظر: المغني ٤٨٣/١٢ - ٤٨٤. ٣٧٤ كتاب قطاع الطريق التوفيق -: إذا سقط الحد بعد التوبة قبل أن يقدر عليهم، فإن كانوا أخذوا المال لا غير، ردوه على صاحبه إن كان قائماً، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً، فعليهم الضمان، وإن كانوا قتلوا لا غير يدفع من قتل منهم بسلاح إلى الأولياء ليقتلوه أو يعفو عنه. ومن قتل بعصا أو حجر، فعلى عاقلته الدية لورثة المقتول وإن كانوا أخذوا المال وقتلوا، فحكم أخذ المال والقتل عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد وقد ذكرناه، وإنما كان كذلك، لأن الحد إذا سقط بالتوبة قبل القدرة، صار حكم القتل وأخذ المال وهلاكه واستهلاكه ما هو حكمها في غير قطع الطريق ما قلنا، وإن كانوا أخذوا المال وجرحوا، أو أخذوا المال وقتلوا وجرحوا قوماً أو جرحوا قوماً ولم يكن منهم أخذ ولا قتل، فحكم القتل والمال ما ذكرنا والجراحات فيها القصاص فيما يقدر فيه على القصاص والأرش فيما لا يقدر عليه، لأن عند سقوط الحد صار كأن الجراحة حصلت من غير قطع الطريق ولو كان كذلك، كان حكمه ما ذكرنا؛ فكذا هذا. وكذلك إن قدر عليهم قبل التوبة، ولم يكن منهم قتل، ولا أخذ مال، وقد أخافوا قوماً بحراجات يجب القصاص فيما يستطاع فيه الاقتصاص. والدية فيما لا يستطاع، فيودعون السجن؛ لأن الحَبْسَ وَجَبَ عليهم تعزيراً لا حدًّا، والتعزير لا تدخل فيه الجراحة، بخلاف ما إذا قدر عليهم قبل التوبة، وقد قتلوا أو أخذوا المال أو جمعوا بينهما؛ لأن الواجب فيه الحد، فيدخل فيه الجراحة وكذلك إذا سقط الحد بالرجوع عن الإقرار، لأن الرجوع عن الإقرار يصح ١٣٠٤/٢ في حق سقوط الحد، ولا يصح في حق ضمان المال/ والقصاص، فبقي إقراره معتبراً في حقهما . وأما إذا كان السقوط بتكذيب الحجة من الإقرار أو البينة، لا شيء عليهم؛ لأن سبب الوجوب لم يثبت؛ لأن ثبوته بالحجة، وقد بطلت أصلاً ورأساً؛ بخلاف الرجوع عن الإقرار؛ لأن الأصل أن إقرار المقر حجة في حقه إلا أنه تعذر اعتباره بعد الرجوع في حق الحد درءاً للحد بالشبهة، فبقي معتبراً في حق ضمان المال والقصاص؛ فهو الفرق. وعلى هذا حكم عدم الوجوب لمانع؛ بأن فات شرط من شرائط وجوب الحد؛ نحو نقصان النصاب؛ بأن كان المأخوذ من المال لا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم؛ أنهم يردونه إن كان قائماً، ويضمنون إن كان هالكاً أو مستهلكاً، ومن قتل منهم فإن كان بسلاح، فعليه القصاص، وإن كان بعصاً أو حجر، فعلى عاقلته الدية. ومن جرح يقتص [منه] فيما يمكن القصاص، وفيما لا يمكن يجب الأرش؛ لما ذكرنا أن الحد إذا امتنع وجوبه، فقد حصل الأخذ والقتل والجراحة من غير قطاع الطريق، وحكمها في غير قطاع الطريق ما قلنا. وكذلك إذا كان في المحاربين صبي أو مجنون، حتى امتنع وجوب الحد يدفع كل بالغ ٣٧٥ كتاب قطاع الطريق عاقل قتل منهم بسلاح إلى الأولياء، فيقتلون أو يعفون، وإن كان الذي ولي القتل منهم صبي أو مجنون، فعلى عاقلته الدية وإن قتل بسلاح؛ لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل وجوب القصاص عليهما فكان عندهما خطأ. وإن كانا أخذا المال ضمناً؛ لأنهما من أهل وجوب ضمان المال. وكذلك إذا امتنع وجوب الحد على القطاع لمعنى من المعاني رجعوا في ذلك إلى حكم غير القطاع؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في الحكم الذي يتعلّق بالمال وأما الحكم الذي يتعلق بالمال: فهو وُجُوبُ الرد إِن كان قائماً بعينه، ولصاحبه أن يأخذه أينما وجده؛ سواء وجده في يد المحارب، أو في يد من ملكه المحارب ببيع أو هبة أو غير ذلك، ولو تغير المال إلى الزيادة أو النقصان، فقد ذكرنا حكمه في كتاب السرقة؛ والله تعالى أعلم تَمَّ الجزء الثاني ((كتاب قطاع الطريق)). يتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثالث ((كتاب الحدود)) بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه والله تعالى المستعان وعليه التكلان ووافق الفراغ من نسخه في يَوْمِ الخميس المبارك الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام من شهور سَنَّةً خمس وستين وسبعمائة على يد العبد الفقير المعترف بين خلقه بالعجز والتقصير إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح الدنوشري الشافعي الرفاعي غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين(١). (١) سقط في ط . كِتَابُ السِّيَّرِ وقد يسمى كتاب الجهاد(١)، والكلام في هذا الكتاب في مواضع: (١) الجهاد في اللّغة المبالغة واستفراغ الوسع في الشيء مشتق من الجهد يقال جهد الرجل في كذا: أي جدّ فيه وبالغ ويقال أجهد جهدك: أي أبلغ غايتك، ومنه قوله تعالى ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ وقوله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ أي بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها. وهذا من المعاني الحقيقية لمادة الجهاد، ومن المعاني المجازيّة قول العرب ((سقاه لبناً مجهوداً وهو الذي أخرج زبده أو أكثر ماؤه)) ويقال أجهد فيه الشيب إذا كثر. هذا معناه في اللغة، وهو كما نرى عام في ذاته وفي غايته . ينظر: لسان العرب: ٧١٠/١، المصباح المنير ١١٢، المعجم الوسيط ١٤٢/١. واصطلاحاً : عرفه الحنفية بأنه: بذل الوسيع والطاقة بالقتال في سبيل الله تعالى بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك. عرفه الشافعية بأنه: المتلقى تفسيره من سيرته وَله. عرفه المالكية بأنه: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له أو دخول أرضه له. عرفه الحنابلة بأنه: قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيره. نظر: بدائع الصنائع ٢٩٩/٩، حاشية أبو السعود ٤١٧/٢، مغني المحتاج ٢٠٨/٤، نهاية المحتاج ٨/ ٤٥، المحلى على المنهاج ٢١٣/٤، شرح الزرقاني ١٠٦/٢٣، كشف القناع عن متن الإقناع ٣٢/٣. والجهاد في سبيل الله من أفضل أعمال البر، وأشرفها عند الله، والدفاع عن الدِّين والعِرْضِ والنفس والمال، والذَّوْدِ عن الجماعة الإسلامية، وحماية الأوطان من الخراب والدمار من أسمى الخصال التي حث الله عليها، وَأَيُّ رجل أرفع قدراً، وأطيب ذكراً، وأعظم عند الله أجراً، وأعلى في النَّاس منزلةً، من رجل يجود بنفسه في سبيل الله، وفي سبيل الذُّوْدِ عن كلمة الله، وحرمات الله. دعا الله عبادَه إلى الجهاد في سبيله، وبين فضائله ومزاياه في آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال تعالى شأنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا هَلْ أَدُلَّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيْكُمْ مِن عَذَابٍ أَلِيْمِ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسَوْله وَتَجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَخْتِهَا الأَنْهَارُ ومَسَاكِنَ طَيِّبَةٍ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِك الفَوْزُ العَظِيْمُ﴾. وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِيِ القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَّ الله المُجَاهِدِينَ = ٣٧٦ ٣٧٧ كتاب السير بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وَكُلاَّ وَعَدَ الله الحُسْنَى وَ فَضَّلَ الله المُجَاهِدِيْنَ عَلَى القَاعِدِيْنَ أَجْراً = عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رحيماً﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً .. ﴾ . دَرَجَةٍ عِنْدَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ يُبَشْرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرَضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيْهَا نَعِيْمْ مُقِيْمٌ خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَداً إِنَّ الله عِنْدهُ أجْرٌ عَظِيْمْ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنةَ يُقَاتِلُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَيَقْتُلُوْنَ وَيُقْتَلُوْنَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَوْراهِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْأَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللّه فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِه وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيْمُ﴾ قال الحسن: مَرَ أعرابي على النبي ◌َّل وهو يقرأ هذه الآية فقال: كلام من هذا؟ قال كلام الله، فقال بيع والله مُرْبِحُ، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو واستشهد. وأنشد الأصمعيُّ لجَعْفَر الصَّادِقِ - رضي الله عنه -: [الطويل] وَلَيْسَ لَهَا فِي الخَلْقِ كُلُّهِمُ ثَمَنْ أُثَامِنُ بالنَّفْسِ النَّفِيْسَةِ رَبِّهَا بِشَيءٍ سِوَاهَ إِنَّ ذَلِكُمُ غَبَنْ بَها تُشْتَرَى الجَنَّاتُ إِنْ أَنَا بِعْتُهَا لَيْنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بَدُنْيَا أَصَبْتُهَا لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ وقال تعالى ﴿إِنَّ اللّه يُحِبُّ الَّذِيْنَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُتْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. وَمَنْ أحبَّه الله أَمَّنَهُ من عذابه وأكرمه بجواره في الجنة التي أُعَدَّهَا الله لأوليائه، وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَد والترمذي عن أبي هُرَيْرَةً - رضي الله عنه - أن النبي بَّهِ قال ((مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجنَّةُ»، وفي حديث متفق عليه عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: سَأَلْتُ رسول اللهِ وَالَ أَيّ العمل أحب إلى الله قال: ((الصَّلاَةٌ عَلَى وَقْتِهَا)) قلت ثم أي قال بِرُّ الوالِدَيْنِ))، قلت ثم أي قال: ((الجهَادُ فِي سَبِيْل الله)). وفي حديث متفق عليه، عن أنس قال: قال رسول الله نَّهِ ((لَغذْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيْل الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا)) وفي ((المُوطّأ))، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَّرَ: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيْلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ الدَّائِم الْدِي لاَ يَفْتُرُ مِنْ صَلاَةٍ وَلاَ صِيَّامٍ حَتَّى يَرْجِعَ)) وفيه أيضاً أن رسولَ الله وَ ﴿ قال: ((تَكَفِّلَ اللهَ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبَيْلِهِ لاَ يُخْرِجُه مِن بَيْتِهِ إلاّ الجِهَادُ فِي سَبيْله وتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةُ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْه مَعَ مَّا نَالَ مِنْه أجرٍ أَوْ غَنِيْمَةٍ)) . ولمّا كان الجهاد من أفضل الأعمال جازى الله الشهداء في سبيله لقاء ما بذلوا من حياتهم في طاعته، وهم لا يملكون أعز منها، بأن أحياهم حياة أفضل من حياتهم التي بذلوها ابتغاء مرضاته قال تعالى ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِيْنَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِيْنَ لَمْ يلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهُمْ وَلاَ هُمْ يَخْزَنُونَ﴾ وفي الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ﴿ قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدَدْتُ أَنْ أُقَاتِلَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَأَقْتَلُ، ثُم أَخْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمْ أَحْيَا فَأُقْتَلُ)) فكان أبو هريرة يقول: ثلاثاً أشهد بالله، أي أنه قالها ثلاث مرات. وفيه أيضاً عنه أن رسول الله وح له قال: (وَالَّذِي نَّفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيْلِ اللهَ وَاللهِ أَعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ فِي سَبِيْلِهِ إِلَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يُثْعَبُ دَماً، واللَّوْنُ لَوْنُ الِدَّم وَالرَّيْحُ رِيْحُ المِسْكِ)). والآيات والأحاديث الواردة في مشروعية الجهاد وبيان فضله ولفت الأنظار إليه والتَحبيب فيه، والحث عليه أكثر من أن تحصى فلنكتف بهذا القدر قياماً بواجب الموضوع. قد يقال: إن أخص أوصاف الرسول محمدٌ بَ لهو صفة الرحمة تحلى بها وامتن الله بها عليه، ولا شَكَّ أن في الجهاد سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وتيتيم الأطفال، وترميل النساء، وإتلاف الأموال، وضياع = ٣٧٨ کتاب السیر في بيان معنى السير والجهاد لغةً وشرعاً. وفي بيان كيفية الجهاد. وفي بيان من يفترض عليه الجهاد. وفي بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش، أو السرية إلى الجهاد. وفي بيان: ما يجب على الغزاة الافتتاح به حال شهود الوقعة. وفي بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل. وفي بيان من يجوز تركه ممن لا يحل قتله في دار الحرب ومن لا يجوز. وفي بيان ما يكره حمله إلى دار الحَزْبِ وما لا يكره. وفي بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال. العمران، وهدم المدنيات، وإهلاك الثروات، والنفائس العلمية، والمالية ونقص ما بناه الله، وبالجملة فهو = سبب الفساد ومجزرة العباد، فكيف تأتي به شريعة أرسل صاحبها رحمة للعاطين؟ فالجواب: أن قتال الناس بعضهم لبعض سنة بشرية، قضى بها الاجتماع والتنافس والطغيان، ومحبة الاستيلاء وإنفاذ الكلمة والسلطان. عرفته الإنسانية منذ رأى الإنسان أخاً له ينفس عليه ويكيد له، ويغيظه أن ينال ما لا ينال ﴿وَاثْل عَلَيْهِمْ نَأَ ابْنَي آدَمَ بِالحَقْ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل الله مِنَ المتَّقِيْنَ﴾. ولقد جاءت الشريعة الإسلامية - وهي حقيقة أرحم الشرائع - وتضمنت خير الناس وسعادتهم، وليس من الحكمة أن تترك الناس يقتل بعضهم بعضاً لأتفه الأسباب، ولا أن تعمل على اقتلاع شأن قارّ في الطباع، وإنما الحكمة فيما سلكته في هذا الشأن، وهو أنها أقرت أصل القتال تلبية لداعي الفطرة، ثم تناولته بالتهذيب، ووجهته الوجهة الصالحة للمجتمع الإنساني شأنها في كل ما شرعته من أحكام - شرعية في دائرة هي أضيق الدوائر، وجعلته لغاية هي أسمى الغايات، فحظرت قتال الشّره، والهوى واستعباد الأنفس وإذلالها، وجعلته لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه والدفاع عنه وقمع الكفر، والشرك وتمكين دين الله في أرضه، ولدفع الظلم والعدوان ولإخلاء العالم من الشر والفساد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ الله ذو فضل على العَالمِيْنَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَوْلا دَفَع الله الناسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ لَهُدمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعِ وَصَلوَاتٌ ومَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيْهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللّه مَنْ يَنْصُرُه إِنَّ اللّه لَقَوِيٌّ عَزِيْزٌ﴾. لهذا شرع الله الجهاد، فلم يكن القصد من مشروعية القتال سوى تمكين النَّاس من عبادة الله، واقتلاع عوامل الشر والفساد في الأرض أو تخفيفها، وهذه هي أسمى مقاصد الدين والشرائع السَّماوية، فإذا تعين القتال طريقاً لهذه الغاية؟ وَجَبَ في نظر العقل والحكمة اتخاذه طريقاً لها، ولهذا شرع الله القتال وإن تضمن سفك الدماء، وتيتيم الأطفال، فإن الشر القليل في سبيل الخير الكثير خيرٌ کثیر. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. ٣٧٩ کتاب السير وفي بيان حُكْمٍ الغنائم وما يتصل بها. وفي بيان حكم استيلاء الكفرة على أموال المسلمين. وفي بيان أحكام تختلف باختلاف الدارين. وفي بيان أحكام المرتدين. وفي بيان أحكام الغُزَاةِ . أما الأول: فالسير جمع سيرة، والسيرة في اللغة تستعمل في معنيين: أحدهما: الطريقة: يقال: هما على سيرة واحدة؛ أي: طريقة واحدة. والثاني: الهيأة: قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولى﴾ [طه: ٢١] أي: هيأتها، فاحتمل تسمية هذا الكتاب كتاب السير لما فيه من بيان طريق الغزاة وهيآتهم مما لهم وعليهم. وأما الجهاد في اللغة: فعبارة عن بذْلِ الجُهْد بالضم، وهو الوسع والطاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجَهْد بالفتح، وفي عُرْفِ الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله - عزَّ وجل - بالنفس والمال واللسان، أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك، والله تعالى أعلم. فصل في بيان كيفية فرض الجهاد وأما بيان(١) كيفية فرضية الجهاد، فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إما أن كان النفير (١) أخرجه الطبري في تفسيره)) (٥٦٢/٤)، حديث (١١٨/١٤) قال: حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: أن حارثة بن بدرٍ حاربَ في عهد علي بن أبي طالب، فأتى الحسن بن علي رضوان الله عليهما، فطلبَ إليه أن يستأمن له عليَ، فأبى. ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأمنه وضمّه إليه، وقال له: استأمِنْ لِي أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب. قال: فلما صلى عليَّ الغداة، أتاه سَعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: أن يقتَّلوا، أو يصلبوا، أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. قال ثم قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾. قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر! قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً، فهو آمن؟ قال: نعم! قال: فجاء به فبايعه، وقبل ذلك منه، وكتب له أماناً. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٩٤/٢)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن أبي حاتم عن الشعبي فذكره بنحوه. ٣٨٠ کتاب السير عامًّا وإما أن لم يكن، فإن لم يكن النفير عاماً فهو فرض كفاية. ومعناه: أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لقوله عز وجل: ﴿فَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ الله الحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] وعد الله عز وجل المجاهدين والقاعدين الحسنى. ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حراماً. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ منْ كُلِّ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ... ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية؛ ولأن ما فرض له الجهاد(١) وهو الدعوة إلى (١) أجمع العلماء على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاثة أحوال: الأول: أن يستنفر الإمامُ شخصاً أو جماعة للقتال، ففي هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب للجهاد - والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ الله أثاقَلْتِمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيْتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيْلٌ﴾. وجه الدلالة: أن الله تعالى أنكر تثاقلهم عن الجهاد، ولو لم يكن متعيناً لما أنكره عليهم ... وما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عبَّاس عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لاَ هِجْرَةً بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وإِذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) . وجه الدلالة: من الحديث أن النبي ◌َّل# يقول من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر، وهو معنى الوجوب العيني. الثاني: أن يدخل العدو بلاد المسلمين، أو يتغلب على قطر من أقطارهم، فيتعين القتال حينئذ، والدليل عليه الإجماع، لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها . الثالث: عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال، ويحرم الانصراف إلا إذا كان مُتَحَرِّفَاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدَبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدَ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهَ جَهَنَّمُ وبِثْسَ المَصِيْرُ﴾ . فقد نهى الله المؤمنين عن التَّوَلْي يوم الزحف، وتوعدهم عليه، والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب، واستفيدت العينية من أداة العموم في قوله عز وجل ﴿وَمَنْ يُوَلَّهِمْ﴾ . ثم اختلفوا في غير هذه الأحوال: فذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض كفاية، إِذا قام به من فيه الكفاية سقط الطلب عن الباقين. وقيل إنه فرض عين، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيَّب. وقيل إنه مندوب. واستدل الجمهور على أنه فرض كفاية بقوله تعالى ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدونَ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ غَيْرِ أَولي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُوْنَ فِي سَبِيْلِ الله بِأَمْوالِهِمُ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله المُجَاهِديْنَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وكُلاً وَعَدَ الله الحُسنَى وَفَصَّلَ الله المُجَاهِدِيْنَ عَلَى القَاعِدِيْنَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْه وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رخيماً﴾ . ووجه الدلالة: أن هذه الآيات أثبتت الفضل لكل من المجاهدين والقاعدين، ووعدت كلاًّ منهم الحسنى، =