Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب السرقة بركن، ألا ترى أنه لو أدخل يده في الصندوق أو في الجوالق وأخرج المتاع يقطع، وإن لم يوجد الدخول. ولهما ما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كان اللصُّ ظريفاً، لم يقطع قيل: وكيف يكون ظريفاً؟ قال: يدخل يده إلى الدار ويمكنه دخولها، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرٌ فيكون إجماعاً، ولأن هتك الحرز على سبيل الكمال شرط، لأن به تتكامل الجناية ولا يتكامل الهتك فيما يتصور فيه الدخول إلا بالدخول، ولم يوجد، بخلاف الأخذ من الصندوق والجوالق، لأن هتكهما بالدخول متعذرٌ، فكان الأخذ بإدخال اليد فيها هتكاً متكاملاً فيقطع . ولو أخرج السارق المتاع من بعض بيوت الدار إلى الساحة لا يقطع ما لم يخرج من الدار، لأن الدار مع اختلاف بيوتها حرز واحد، ألا ترى أنه إذا قيل لصاحب الدار: احفظ هذه الوديعة في هذا البيت، فحفظ في بيت آخر فضاعت لم يضمن، وكذا إذا أذن لإنسان في دخول الدار، فدخلها فسرق من البيت، لا يقطع، وإن لم يأذن له بدخول البيت، دَلَّ أن الدار مع اختلاف بيوتها حرز واحد، فلم يكن الإخراج إلى صحن الدار إخراجاً من الحرز، بل هو نقل من بعض الحرز إلى البعض بمنزلة النقل من زاوية إلى زاوية أخرى. هذا إذا كانت الدار مع بيوتها لرجل واحد، فأما إذا كَانَ كل منزل فيها لرجل، فأخرج المتاع من البيت إلى الساحة يقطع، لأن كل بيت حرز على حدة، فكان الإخراج منه إخراجاً من الحرز. وكذلك إذا كان في الدار حجر ومقاصير، فسرق من مقصورة منها وخرج به إلى صحن الدار، قطع، لأن كل مقصورة منها حرز على حدة، فكان الإخراج منها إخراجاً من الحرز بمنزلة الدار المختلفة في محلة واحدة. ولو نقب رجلان ودخل أحدهما فاستخرج المتاع، فلما خرج به إلى السكة حملاه جميعاً ينظر: إن عرف الداخل منهما بعينه قطع، لأنه هو السارق لوجود الأخذ والإخراج منه، ويعزر الخارج لأنه أعانه على المعصية، وهذه معصية ليس فيها حَدٌّ مقدر فيعزر. وإن لم يعرف الداخل منهما لم يقطع واحدٌ منهما، لأن من عليه القطع مجهول وأحقيته من جهة النظر ظاهرة. فإن الأموال غير المحرزة شبيهة بالأموال الضائعة فالاعتداء عليها ناقص فلا يتناسب مع القطع . إما الأموال المحرازة فالاعتداء عليها كامل بمسارقة عين المالك وهتك الحرز وإخراجها منه. فالتناسب ظاهر بينهما . ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. ٢٨٢ كتاب السرقة ويعزران، أما الخارج فلما ذكرنا، وأما الداخل فلارتكابه جناية لم يستوف فيها الحد لعذر، فتعين التعزير. ولو نقب بيت رجل ودخل عليه مكابرةً ليلاً حتى سرق منه متاعه، يقطع، لأنه إن لم يوجد الأخذ على سبيل الاستخفاء من المالك، فقد وجد من الناس، لأن الغوث لا يلحق بالليل، لكونه وقت نوم وغفلة، فتحققت السرقة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. وأما التسبب فهو أن يدخل جماعة من اللصوص منزل رجل ويأخذوا متاعاً ويحملوه على ظهر واحد ويخرجوه من المنزل، فالقياس أن لا يقطع إلا الحاصل خاصة، وهو قول زفر، وفي الاستحسان يقطعون جميعاً. وجه القياس أن ركن السرقة لا يتم إلا بالإخراج من الحرز، وذلك وجد منه مباشرة، فأمَّا غيره فمعين له، والحد يجب على المباشر لا على المعين، كحد الزنا والشرب. وجه الاستحسان: أن الاخراج حصل من الكل معنى، لأن الحامل لا يقدر على الاخراج إلا بإعانة الباقين وترصدهم للدفع، فكان الإخراج من الكل من حيث المعنى، ولهذا ألحق المعين بالمباشر في قطع الطريق وفي الغنيمة، كذا هذا. ولأن الحامل عامل لهم، فكأنهم حملوا المتاع على حمار وساقوه حتى أخرجوه من الحرز، ولأن السارق لا يسرق وحده عادةً، بل مع أصحابه، ومن عادة السراق أنهم كلهم لا يشتغلون بالجمع والإخراج، بل يرصد البعض، فلو جعل ذلك مانعاً من وجوب القطع لانسد باب القطع وانفتح باب السرقة، وهذا لا يجوز، ولهذا ألحقت الإعانة بالمباشرة في باب قطع الطريق، كذا هذا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في شروط الركن وأما الشرائط فأنواعٌ: بعضها يرجع إلى السارق، وبعضُها يرجع إلى المسروق، وبعضها يرجع إلى المسروق منه، وبعضها يرجع إلى المسروق فيه، وهو المكان. أما ما يرجع إلى السارق، فأهلية وجوب القطع، وهي العقل والبلوغ(١)، فلا يقطع ٢٨٩/٣أ الصبي والمجنون، لما روي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ/ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعن المجنون حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَنِقظ)» (٢) أخبر - عليه الصلاة والسلام - (١) أي من شروط وجوب القطع أن يكون السارق مكلفاً. (٢) تقدم. ٢٨٣ كتاب السرقة أن القلم مرفوعٌ عنهما، وفي إيجاب القطع إجراء القلم عليهما، وهذا خلاف النص، ولأن القطع عقوبة فيستدعي جناية، وفعلهما لا يوصف بالجنايات، ولهذا لم يجب عليهما سائر الحدود، كذا هذا، ويضمنان السرقة لأن الجناية ليست بشرط لوجوب ضمان المال. وإن كان السارق يجن مَدَّةً (١) ويفيق أخرى، فإنْ سَرَقَ في حال جنونه، لم يقطع، وَإِن سرق في حال الإفاقة يقطع . ولو سرق جماعة فيهم صبي أو مجنون، يُدرأ عنهم القطع في قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إن كان الصبي والمجنون هو الذي تولى إخراج المتاع، درىء عنهم جميعاً، وإن كان وليه غيرهما، قطعوا جميعاً إلا الصبي والمجنون. وجه قوله إن الإخراج من الحرز مع الأصل في السرقة والإعانة كالتابع، فإذا وليه الصبي أو المجنون فقد أتى بالأصل، فإذا لم يجب القطع بالأصل كيف يجب بالتابع، فإذا وليه بالغّ عاقلٌ، فقد حصل الأصل منه، فسقوطه عن التبع لا يوجب سقوطه عن الأصل. وجه قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - أن السرقة واحدة وقد حصلت ممن يجب عليه القطع وممن لا يجب عليه القطع، فلا يجب القطع على أحد، كالعامد مع الخاطىء إذا اشتركا في القطع أو في القتل. وقوله: الإخراج أصل في السرقة، مُسَلَّمٌ، لكنه حصل من الكل معنى لاتحاد الكل في معنى التعاون على ما بينا فيما تقدم، فكان إخراج غير الصبي والمجنون كإخراج الصبي والمجنون ضرورة الاتحاد. وعلى هذا الخلاف إذا كان فيهم ذو رحم محرم من المسروق منه أنه لا قطع على أحد عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يدرأ عن ذي الرحم المحرم ويجب على الأجنبي، ولا خلاف في أنه إذا كان فيهم شريك المسروق منه أنه لا قطع على أحد، فأما الذكورة فليست بشرط لثبوت الأهلية، فتقطع الأنثى، لقوله - تعالى عَزَّ شأنه -: ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَكذلك الحرية، فيقطع العبد، والأمة، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، لعموم الآية الشريفة، ويستوي الآبق وغيره لما قلنا(٢). (١) في ط: مدة. (٢) من شروط وجوب القطع أن يكون السارق حراً فلا يقطع الرقيق ذكراً كان أو أنثى. وإلى ذلك ذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - في رواية عنه. = ٢٨٤ كتاب السرقة وذكر في ((الموطأ)) أَنَّ عَبْداً لعبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - سرق وهو آبقٌ، فبعث به عبد الله إلى سعيد بن العاص - رضي الله عنه - ليقطع يده، فأبى سعيد أن يقطع يده، وقال: لا تُقْطَعُ يَدُ الآبق إذا سَرَقَ، فقال عبدُ الله في أيٍّ (١) كتاب الله تعالى عز شأنه وجدتَ هذا؟ أن العبد الآبق إذا سرق لا تقطع يَدُهُ؟ فأمر به عبد الله - رضي الله عنه - فقطعت يده (٢)، م(٣) لیس ولأن الذكورة والحرية ليست من شرائط سائر الحدود، فكذا هذا الحد، وكذا الإسلام " بشرطِ، فيقطع المسلم والكافر، لعموم آية السرقة . فصل فيما يرجع إلى المسروق وأما ما يرجع إلى المسروق فأنواعٌ : منها أن يكون مالاً مطلقاً لا قصور في ماليته ولا شبهة، وهو أن يكون مما يتموله الناسُ ويعدونه مالاً، لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه حقير، وقد روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لم تَكُنِ اليدُ تقطع على عهد رسولِ الله وَّل وخالفه جمهور الفقهاء وأهل الفتوى فقالوا بوجوب قطع السارق مطلقاً حراً كان أو رقيقاً. = استدل ابن عباس - رضي الله عنهما - بقياس القطع في السرقة على الرجم في الزنا بجامع أن كلاً منهما حد لا يمكن تنصيفه. فكما أنه لا يجب رجم الرقيق إذا زنا فكذلك لا يجب قطعه إذا سرق وأجيب عنه يمنع أن العلة هي عدم إمكان التنصيف لجواز أن تكون ذلك مع وجود ما يقوم مقام الرجم. في دفع مفسدة الزنا، وهو الجلد. فإن الزنا له حدان الجلد، والرجم وقد نص الله تعالى على حد الحر والرقيق في الجلد. وجعل حد الرقيق على النصف من حد الحر. بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ثم شرع الرجم خاصاً بالأحرار. بخلاف السرقة فإنه تعالى لم يجعل لها إلا حداً واحداً هو القطع. واستدل جمهور الفقهاء. بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهُمَا﴾ فإنه تعالى أوجب قطع السارق من غير تفريق بين حر ورقيق، ولم يثبت في السنة ما يخصص هذا العموم بل ثبت ما يؤيده من عمل بعض الصحابة. فقد روى الإمام أحمد عن القاسم بن محمد: أن عبداً أقر بالسرقة عند علي فقطعه . هذا والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لقوة مدركه. ولما فيه من كمال صيانة الأموال، وحفظها. فإن القطع لو لم يشرع عقوبة للأرقاء على اعتدائهم بالسرقة على أموال غيرهم لكانت الأموال في خطر يهددها باعتداء أولئك الأرقاء فلم تتم الحكمة المقصودة من شرع القطع حداً في السرقة. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. (١) في ط: أيما. (٢) رواه مالك في الموطأ (٨٣٣/٢) كتاب الحدود، باب ما جاء في قطع الآبق والسارق (٢٦). (٣) في أ: إسلام السارق. ٢٨٥ كتاب السرقة في الشيء التافه(١). وهذا منها بيانُ شرع متقرر، ولأن التفاهة تخل في الحرز، لأن التافه لا يحرز عادة أو لا يحرز إحراز الخطر (٢)، وَالحرز المطلق شرط على ما نذكر؛ وكذا تخل في الركن وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء، لأن أخذ التافه مما لا يستخفى منه فيتمكن الخلل، والشبهة في الركن والشبهة في باب الحدود ملحقة بالحقيقة. ويخرج على هذا مسائل: إذا سُرق صبيًّا حُرًّا لا يقطع، لأن الحر ليس بمالٍ، ولو سرق صبيًّا عبداً لا يتكلم ولا يعقل يقطع في قول أبي حنيفة، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - لا يقطع . ووجهه أن العبد ليس بمال محض، بل هو مال من وجه، آدمي من وجه فكان محل السرقة من وجه دون وجهٍ، فلا تثبت المحلية بالشك، فلا يقطع كالصبي العاقل. ولنا أنه مال من كلِّ وجه لوجود معنى المالية فيه على الكمال، ولا بد له على نفسه فيتحقق ركن السرقة كالبهيمة، وكونه آدميًّا لا ينفي كونه مالاً، فهو آدمي من كل وجهٍ ومال من كل وجه، لعدم التنافي، فيتعلق القطع بسرقته من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي، بخلاف العاقل، لأنه وإن كان مالاً من كل وجه لكنه في يد نفسِهِ، فلا يتصور ثبوت يد غيره عليه للتنافي، فلا يتحقق فيه ركن السرقة وهو الأخذ. ولو سرق ميتة (٣) أو جلدَ ميتةٍ، لم يقطع، لانعدام المال، ولا يقطع في التبن، والحشيش، والقصب، والحطب، لأن الناس لا يتمولون هذه الأشياء ولا يضنُّونَ بها، لعدم عزتها وقلة خطرها عندهم، بل يعدُّون الضنة بها من باب الخساسة، فكانت تافهةً، ولا قطع في التراب، والطين، والحصر، واللبن، والنورة، والآجر، والفخار، والزجاج؛ لتفاهتها. فَرْقٌ بين التراب وبين الخشب؛ حيث سوى/ في التراب بين المعمول منه وغير ٢٨٩/٣ب المعمول، وفرق في الخشب؛ لأن الصنعة في الخشب أخرجته عن حد التفاهة، والصنعة في التراب لم تخرجه عن كونه تافهاً، يعرف ذلك بالرجوع إلى عرف الناس وعاداتهم. ومن أصحابنا من فَصَّلَ في الجواب في الزجاج بين المعمول وغير المعمول كما في (١) تقدم. (٢) في ب: الحظير. ولو سرق ميتة. (٣) في أ: دماً. ٢٨٦ كتاب السرقة الخشب، ومنهم من سوَّى بينهما، وهو الصحيحُ، لأن الزجاجَ بالعمل لم يخرج عن حد التفاهة، لأنه يتسارع إليه الكسر، بخلاف الخشب، ولا يقطع في الخشب إلا إذا كان معمولاً، بأن صنع منه أبواباً أو آنية ونحو ذلك، ما خلا الساج والقنا والأبنوس والصندل، لأن غير المصنوع من الخشب لا يتمول عادةً، فكان تافهاً، وبالصنعة يخرج عن التفاهة فيتمول، وأما الساج والأبنوس والصندل، فأموالٌ لها عزة [وخطر عند الناس](١) فكانت أموالاً مطلقة. وأما العاج فقد ذكر محمدٌ أنه لا يقطع إلا في المعمول منه، وقيل هذا الجواب في العاج الذي هو من عظم الجمل، فلا يقطع إلا في المعمول منه، لأنه لا يتمول لتفاهته، ويقطع في المعمول لخروجه عن حد التفاهة بالصنعة، كالخشب المعمول. فَأَمَّا ما هو مِن عَظم الفيل فلا يقطع فيه أصلاً، سواء كان معمولاً أو غير معمولٍ، لأن الفقهاء اختلفوا في ماليتَه، حتى حرم بعضهم بيعه والانتفاع به فأوجب ذلك قصوراً في المالية (٢)، ولا قطع في قصب النشاب، فإن كان اتخذ منه نشاباً قطع لما قلنا في الخشب، ولا قطع في القرون، معمولة كانت أو غير معمولة. وقال أبو يوسف: إن كانت معمولة وهي تساوي عشرة دراهم قطع، قيل إن اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع، فموضوع المسألة على قول أبي حنيفة - رحمه الله - في قرون الميتة، لأنها ليست بمالٍ مطلقٍ لاختلاف الفقهاء في ماليتها، وجواب أبي يوسف - رحمه الله - في قرون المذكي فلم يوجب القطع في غير المعمول منها، لأنها من أجزاء الحيوان، وأوجب في المعمول كما في الخشب المعمول، وعن محمدٍ في جلود السباع المدبوغة أنه لا قَطْعَ فيها، فإن جعلت مصلاة أو بساطاً، قطع، لأن غير المعمول منها من أجزاء الصيد، ولا قطع في الصيد، فكذا في أجزائه وبالصنعة صارت شيئاً آخر، فأشبه الخشب المصنوع، وهذا يدل على أن محمداً لم يعتد بخلاف من يقول من الفقهاء أن جلود السباع لا تطهر بالذكاة ولا بالدباع . ولا قطع في البواري(٣)، لأنها تافهة لتفاهة أصلها، وهو القصب، ولا قطع في سرقة كلب ولا فهدٍ، ولا في سرقة الملاهي من الطبل والدف والمزمار ونحوها، لأن هذه الأشياء مما لا يتمول أو في ماليتها قصور ألا ترى أنه لا ضمان على كاسر الملاهي عند أبي يوسف ومحمد، ولا على قاتل الكلب والفهد عند بعض الفقهاء. (١) في أ: وخطر يخرج عن حد التفاهة. (٢) في أ: ماليته. (٣) البواري؛ واحدها الباريّة أو البارياء أو الباريّ وهي الحصير المنسوج ترتيب القاموس (بور). ٢٨٧ كتاب السرقة ولو سرق مصحفاً أو صحيفة فيها حديثٌ أو عربية أو شعر، فلا قطع، وقال أبو يوسف: يقطع إذا كان يساوي عشرة دراهم، لأن الناس يدخرونها ويعدونها من نفائس الأموال. ولنا أن المصحف الكريم يدخر لا للتمول، بل للقراءة والوقوف على ما يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به، وكذلك صحيفة الحديث وصحيفة العربية والشعر، يقصد بها معرفة الأمثال والحكم لا التمول. وأما دفاتر الحساب، ففيها القطع إذا بلغت قيمتها نصاباً، لأن ما فيها لا يصلح مقصوداً بالأخذ، فكان المقصود هو قدر البياض من الكاغد، وكذلك الدفاتر البيض إذا بلغت نصاباً لما قلنا . وعلى هذا يخرج ما قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أن كل ما يوجد جنسه تافهاً مباحاً في دار الإسلام فلا قطع فيه، لأن كل ما كان كذلك فلا عز له ولا خطر، فلا يتموله الناس، فكان تافهاً، والاعتماد على معنى التفاهة دون الإباحة، لما نذكر إن شاء الله تعالى. وعن أبي حنيفة أنه لا قطع في عفص(١) ولا إهليلج(٢) ولا أشنان ولا فحم، لأن هذه الأشياء مباحة الجنس في دار الإسلام وهي تافهة . وروي عن أبي يوسف أنه لا يقطع في العفص والاهليلج والأدوية اليابسة، ولا قطع في طير ولا صيد، وحشيًّا كان أو غيره، لأن الطير لا يتمول عادة، وقد روي عن سيدنا عثمان وسيدنا علي - رضي الله عنهما - أنهما قالا، لا قطع في الطير (٣)، ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك، فيكون إجماعاً، وكذلك ما علم من الجوارح فصار صيوداً فلا قطع على سراقه، لأنه وَإِن علم فلا يعد مالاً، وعلى هذا يخرج النباش أنه لا يقطع فيما أخذ من القبور في قولهما (٤). وقال أبو يوسف: يقطع. وجه قوله: إنه أخذ مالاً من حرز مثله، فيقطع كما لو أخذ من البيت، ولهما أن الكفن (١) عفص: الوعاء من جلد أو خرقة أو غير ذلك يكون فيه زاد الراعي. المعجم الوسيط (عفص). (٢) إهليلج: شجر ينبت في الهند وكابل والصين، ثمرة على هيئة حب الصنوبر الكبار المعجم الوسيط (إهلیلچ). (٣) روى البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٦٣) كتاب السرقة، باب القطع في كل ما له ثمن إذا سرق. أخبرنا أبو حازم الحافظ وأبو نصر بن قتادة قالا أنبأ أبو الفضل بن خميرويه أنبأ أحمد بن نجدة ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية ثنا رجل من ثقيف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لا قطع في طير. (٤) في أ: قول أبي حنيفة ومحمد. ٢٨٨ كتاب السرقة ليس بمال، لأنه لا يتمول بحال، لأن الطباع السليمة تنفر عنه أشد النفارة كان تافهاً، ولئن كان مالاً ففي ماليته قصورٌ، لأنه لا ينتفع به مثل ما ينتفع بلباس الحي، والقصور فوق الشبهة ثم ١٢٩٠/٢ الشبهة تنفي وجوب الحد، فالقصور أولى، روى الزهري / أنه قال أخذ نباش في زمن مروان بالمدينة، فأجْمَعَ أصحابُ رَسُولِ الله ◌َّهِ وهم متوافرون - أنه لا يقطع. وعلى هذا يخرج سرقة ما لا يحتمل الإدخار، ولا يبقى من سنة إلى سنة، بل يتسارع إليه الفساد(١) - أنه لا قطع فيه، لأن ما لا يحتمل الإدخار لا يعد مالاً، فلا قطع في سرقة الطعام (١) ومن شروط القطع في السرقة أن المسروق مما لا يتسارع إليه الفساد ذهب إلى اشتراط ذلك أبو حنيفة، ومحمد فلا قطع عندهما في الرطب والعنب، والفواكه الرطبة واللحم ونحوها. وذهب: الأئمة الثلاثة وأصحابهم، وأبو يوسف في رواية عنه إلى عدم اشتراطه. فيقطع السارق عندهم ولو كان المسروق مما يتسارع إليه الفساد. استدل الأئمة الثلاثة ومن وافقهم. أولاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيْهِمَا﴾ . فإن الله تعالى أمر بقطع يد السَّارق مطلقاً كان المسروق مما يتسارع إليه الفساد أولاً. ولم يوجد ما يصلح مخصصاً لهذا العموم. وثانياً: بقياس ما يتسارع إليه الفساد على ما لا يتسارع إليه الفساد وبجامع أن كلاً منها مال يتمول عادة، ويرغب فيه فكما أنه يجب قطع سارق ما لا يتسارع إليه الفساد فكذلك يجب قطع سارق ما يتسارع إليه الفساد. واستدل أبو حنيفة ومحمد: أولاً: بما رواه أبو داود عن رافع بن خديج عن النبي ◌َّر: أنه قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَ لاَ كَثَرَ)). ووجه الدلالة: أن الثمرة والكثر مما يتسارع إليه الفساد، وقد نفى النبي ◌َّر القطع عن سارقهما. ولا فرق بين الثمر، والكثر، وغيرها من كل ما يتسارع إليه الفساد وأجيب عنه: يمنع أن النبي ◌َّ نفى القطع عن سارق الثمر، والكثر لأنه يتسارع إليهما الفساد بل إنما نفاه لعدم الحرز. يدل لذلك أن قوله وَ له: ((لَ قَطْعَ فِي ثَمّرٍ وَلاَ كثَرَ)) كان جواباً لمن سأله عن الثمر المعلق: أيقطع سارقه أو لا؟ فقد روى أبو داود، وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن النبي ◌َِّ: سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعلَّق فقال: ((لاَ قَطَعْ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَر. وَمَنْ سَرَقَ مِنْهِ شَيْئاً بَعْدَ أَنْ يُؤْويه الجَرِيْنُ قَبَلَغَ ثَمَنَ المُجِنِّ فَفيه القَطْعُ)). فهذا نص صريح في أن نفي القطع عن سارق الثمر، والكثر إنما كان لعدم الحرز لا لكونهما يتسارع إليها الفساد. وثانياً: بقياس ما يتسارع إليه الفساد على ما لم يحرز بجامع أن كلاً منهما معرض للهلاك. فكما أنه لا قطع في غير المحرز فكذلك لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد. وأجيب عنه بالفارق: فإن غير المحرز مضيع، وما يتسارع إليه الفساد محفوظ لأن الفرض أنه محرز. هذا والراجح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، ومن وافقهم لقوة ما استدلوا به، ولأن القطع شرع لحفظ الأموال التي تشح بها النفوس، وتضن بها الطباع. ومما لا شك فيه أن الطعام ونحوه من الفواكه الرطبة التي لا تدخر مما تتعلق بها النفوس ... وتضن بها الطباع. فينبغي تعميم القطع فيها حتى يتحقق المقصود من شرعية القطع وهو المحافظة على جميع الأموال المحترمة. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. ٢٨٩ كتاب السرقة الرطب والبقول والفواكه الرطبة في قولهما(١)، وعند أبي يوسف يقطع. وجه قوله إنه مالٌ منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، فكان مالاً، فيقطع كما في سائر الأموال، ولهما أن هذه الأشياء مما لا يتمول عادة، وإن كانت صالحة للانتفاع بها في الحال، لأنها لا تحتمل الادخار والإمساك إلى زمان حدوث الحوائج في المستقبل، فقل خطرها عند الناس، فكانت تافهة، ولو سرق تمراً من نخلٍ أو شجرٍ آخر معلقاً فيه، فلا قطع عليه، وإِن كان عليه حائط استوثقوا منه وأحرزوه، أو هناك حائط لأن ما على رأس النخل لا يعد مالاً، ولأنه ما دام على رأس الشجر لا يستحكم جفافه، فيتسارع إليه الفساد. وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمرٍ ولاَ كَثَرٍ))(٢) قال محمد : (١) في أ: قول أبي حنيفة ومحمد. (٢) أخرجه النسائي (٨٦/٨ - ٨٧) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه والترمذي (٥٢/٤) كتاب الحدود: باب لا قطع في ثمر ولا كثر حديث (١٤٤٩) والشافعي في ((الأم)) (١٣٣/٦) والدارمي (١٧٤/٢) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه من الثمار، والحميدي (١٩٩/١) رقم (٤٠٧) والطيالسي (٣٠١/١ - منحة) رقم (١٥٣٥) وابن ماجه (٨٦٥/٢) كتاب الحدود: باب لا يقطع في ثمر ولا كثر حديث (٢٥٩٤) وابن حبان (١٥٠٥ - موارد) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٢/٣) كتاب الحدود: باب سرقة الثمر والكثر، والبيهقي (٢٦٣/٨) كتاب السرقة: باب القطع في كل ما له ثمن إذا مزق من حزر، كلهم من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج أن النبي ◌َّر قال: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)). قال الترمذي: هكذا روى بعضهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج نحو رواية الليث بن سعد وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج عن النبي ◌ّ ولم يذكروا فيه عن واسع بن حبان ا هـ والطريق الذي أشار إليه الترمذي. أخرجه مالك (٨٣٩/٢) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه حديث (٣٢) وأبو داود (٥٤٩/٤) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه حديث (٤٣٨٨) والنسائي (٨/ ٨٧) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه والدارمي (١٧٤/٢) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه من الثمار، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٢/٣) كتاب الحدود: باب سرقة الثمر والكثر، والطبراني في ((الكبير)) (٢٦٠/٤ - ٢٦٢) والبيهقي (٢٦٢/٨) كتاب السرقة: باب القطع في كل ما له ثمن، الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٩١/١٣) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٨٥/٥ - بتحقيقنا) من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج به وهذا الطريق فيه انقطاع بين محمد بن يحيى بن حبان ورافع بن خديج وقد اتفق أربعة من الثقات على وصله بذكر واسع بن حبان فيه وهم سفيان بن عيينة عند النسائي والشافعي والحميدي وابن حبان والطحاوي والبيهقي، والليث بن سعد عند الترمذي والنسائي، وزهير بن محمد عند الطيالسي، وسفيان الثوري عند النسائي، هؤلاء الأربعة اتفقوا على رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع وهؤلاء ثقات فيجب قبول زيادتهم في الإسناد أو المتن. بدائع الصنائع ج٩ - م١٩ = ٢٩٠ كتاب السرقة الثمر ما كان في الشجر، والكثر: الجمار، فإن كان قد جذ الثمر وجعله في جرين ثم سرق، فإن كان قد استحكم جفافه قطع، لأنه صار مالاً مطلقاً قابلاً للادخار، وإليه أشار رسول الله وَّر حيث قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ حتى يؤويه الجرين))، فإذا آواه فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، لأنه لا يؤويه الجرين ما لم يستحكم جفافه عادة، فإذا استحكم جفافه لا يتسارع [إليه] الفساد، فكان مالاً مطلقاً. وكذلك الحنطة إذا كانت في سنبلها فهي بمنزلة الثمر المعلق في الشجر، لأن الحنطة ما دامت في السنبل لا تعد مالاً ولا يستحكم جفافها أيضاً. وقد رواه أبو أسامة أيضاً عن يحيى بن سعيد بن محمد بن يحيى بن حبان عن رجل من قومه عن = رافع بن خديج . أخرجه الدارمي (١٧٤/٢) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه والنسائي (٨٨/٨) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه. وقد وقع في رواية للدارمي والنسائي أيضاً أن الرجل هو أبو ميمون أخرجه الدارمي (١٧٤/٢) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه، والنسائي (٨٨/٨) كتاب قطع السارق؛ باب ما لا قطع فيه من طريق عبد العزيز بن محمد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي ميمون عن رافع به. قال النسائي: هذا خطأ وأبو ميمون لا أعرفه. وللحدیث طریق آخر أخرجه النسائي (٨٦/٨ - ٨٧) والطبراني في «الكبير» (٢٤٧/٤) رقم (٤٢٧٧) من طريق الحسن بن صالح عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن رافع بن خديج. وأخرجه النسائي (٨٨/٨) من طريق بشر بن المفضل عن يحيى بن سعيد أن رجلاً من قومه حدثه عن عمة له عن رافع والروايتان ضعيفتان. وخلاصة القول إن أصح طرق الحديث طريق الليث وسفيان بن عيينة الذي روياه عن يحيى عن محمد عن عمه واسع بن حبان عن رافع. وقد صححه من طريق سفيان بن حبان في صحيحه وفي الباب عن أبي هريرة. أخرجه ابن ماجه (٨٦٥/٢) كتاب الحدود: باب لا يقطع في ثمر ولا كثر حديث (٢٥٩٤) حدثنا هشام بن عمار عن سعد بن سعيد المقبري عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله وَليته : ((لا قطع في ثمر ولا كثر)) قال البوصيري في ((الزوائد» (٣٢٠/٢): هذا إسناد ضعيف أخو سعد بن سعيد اسمه عبد الله ضعفه يحيى القطان وابن مهدي وأحمد وابن معين والفلاس والبخاري والنسائي وأبو داود وابن عدي وغيرهم اهـ. قلت: وسعد بن سعيد قال الحافظ في التقريب (٢٨٧/١): لين. تنبيه: وقع للحافظ ابن حجر رحمه الله وهم فاحش بخصوص حديث أبي هريرة فقال في الدراية (٢/ ١٠٩): وفي الباب عن أبي هريرة بإسناد صحيح، مع أنه ضعفه في ((التلخيص)) (٦٥/٤) فقال: وفيه سعد بن سعيد المقبري وهو ضعيف. وفاته هنا أيضاً إعلانه بضعف عبد الله مع أنه شديد الضعف عن أخيه سعد. ٢٩١ كتاب السرقة وأما الفاكهة اليابسة التي تبقى من سنة إلى سنة، فالصحيح من الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يقطع فيما يتمول الناس إياها، لقبولها الادخار، فانعدم معنى التفاهة المانعة من وجوب القطع، وروي عنه أنه سوى بين رطب الفاكهة ويابسها، وليست بصحيحةٍ. ولو سرق من الحائط نخلة بأصلها، لا يقطع، لأن أصل النخلة مما لا يتمول فكان تافهاً، وروينا عن النبي وَّرَ أنه قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ)) وقيل في تفسير الكثر أنه : النخل والصغار. ويقطع (١) في الحناء والوشمة، لأنه لا يتسارع إليه الفساد، فلم يختل معنى المالية. ولا قطع في اللحم الطري والصفيق، لأنه يتسارع إليه الفساد، وكذلك لا قطع في السمك، طريًّا كان أو مالحاً، لأن الناس لا يعدونه مالاً لتفاهته ولتسارع الفساد إلى الطري منه ولما أنه يوجد جنسه مباحاً في دار الإسلام. ولا قطع في اللبن لأنه يتسارع إليه الفساد، فكان تافهاً، ويقطع في الخل والدبس لعدم التفاهة، ألا ترى أنه لا يتسارع إليهما الفساد، ولا قطع في عصير العنب ونقيع الزبيب ونبيذ التمر، لأنه يتسارع إليه الفساد، فكان تافهاً كاللبن، ولا قطع في الطلاء وهو المثلث، لأنه مختلف في إباحته وفي كونه مالاً، فكان قاصراً في معنى المالية، وكذلك المطبوخ أدنى طبخة من نقيع الزبيب ونبيذ التمر، لاختلاف الفقهاء في إباحة شربه. وأما المطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب، فلا شك أنه لا قطع فيه، لأنه حرامٌ فلم يكن مالاً، ويقطع في الذهب والفضة لأنهما من أعز الأموال، ولا تفاهة فيهما بوجهٍ، وكذلك الجواهر واللآلىء لما قلنا. وبهذا تبين أن التعويل في هذا الباب في منع وجوب القطع على معنى التفاهة وعدم المالية، لا على إباحة الجنس، لأن ذلك موجود في الذهب والفضة، والجواهر واللآلىء وغيرها . ويُقْطَّعُ في الحبوب كلها وفي الأدهان والطيب كالعود والمسك وما أشبه ذلك؛ لانعدام معنى التفاهة، ويقطع في الكتَّانِ والصوفِ والخزِ ونحو ذلك، وَيُقْطَّعُ في جميع الأواني من الصفرِ والحديدِ والنحاسِ والرصاصٍ لما قلنا. وكذلك لو سَرَقَ النحاس نفسه أو الحديد نفسه أو الرصاص، لعزَّةِ هذه الأشياء وخطرها في أنفسها كالذهب والفضة . (١) من ط: ولا يقطع. ٢٩٢ كتاب السرقة ومنها: أن يكون متقوَّماً (١) مطلقاً، فلا يقطع في سرقة الخمر من مسلم، مسلماً كان السارقُ أو ذميًّا، لأنه لا قيمة للخمر في حق المسلم؛ وكذا الذمي إذا سرق من ذمي خمراً أو خنزيراً لا يقطع، لأنه وإن كان متقوماً عندهم، فليس بمتقوم عندنا، فلم يكن متقوماً على الإطلاق، ولا يقطع في المباح الذي ليس بمملوك وإن كان مالاً لانعدام تقومه، والله - تعالى - أعلم. ومنها: أن يكون مملوكاً في نفسه، فلا يقطع في سائر المباحات التي لا يملكها أحد، وإن كانت من نفائس الأموال من الذهب والفضة والجواهر المستخرجة من معادنها؛ لعدم المالك . وعلى هذا أيضاً يخرج النَّبَّاشُ(٢) على أصلٍ أبي حنيفة ومحمد أنه لا يقطع، لأن الكفن ٢٩٠/٢ ب ليس/ بمملوكٍ؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون على ملك الميت، وإما أن يكون على ملك الورثة، لا سبيل إلى الأول لأن الميت ليس من أهل الملك، ولا وجه للثاني لأن ملك الوارث مؤخر عن حاجة الميت إلى الكفن، كما هو مؤخر عن الدين والوصية، فلم يكن مملوكاً أصلاً. ومنها: ألا يكون للسارق فيه ملك ولا تأويل الملك أو شبهته(٣)؛ لأن المملوك أو ما فيه (١) من شروط القطع في السرقة أن يكون المال المسروق محتوماً. فلا قطع في غير المحترم شرعاً كمال الحربي من دار الحرب، وكالخمر والخنزير وآلات اللهو. وكل ما نهى الشارع عن الانتفاع به . لأن غير المحترم غير معصوم شرعاً. وغير المعصوم لا تتحقق الجناية المحضة بالاعتداء عليه فلا تناسبه العقوبة المحضة . (٢) النَّيَّاش: من يفتش القبور عن الموتى ليسرق أكفانهم وحليهم. المعجم الوسيط (نبش). (٣) من شروط القطع أن يكون السارق ممن لا شبهة له في مال المسروق منه إلى ذلك ذهب جماهير الفقهاء فلا يقطع الوالد مثلاً من سرقته مال ولده. وخالفهم الظاهرية، وأبو ثور، وابن المنذر فقالوا: يقطع السارق مطلقاً: كانت له شبهة في مال المسروق منه أولا . استدل جمهور الفقهاء: أولاً: بما رواه الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله ربَّ: ((ادرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِيْنَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجْ فَخَلَّوْا سَبِيْلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ إِنْ يُخْطِىء في الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِىءَ فِي الْعُقْوِبَةِ)). وثانياً: بما روي من مسند أبي حنيفة للمارقي من طريق مقسم عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ قَالَ: ((اذْرَؤُوا الْحُدُوْدَ بِالشُّبُهَاتِ)). وثالثاً: بما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ﴿: ((اذْفَعُوْا الحُدُوْدَ مَا وَجدْتُمْ لَهَا مَدْفَعاً)» فهذه الأحاديث صريحة في وجوب درء الحدود بالشبهات. والقطع حد فلا يجب مع وجودها. = واستدل الظاهرية ومن وافقهم: بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوّا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ٠٠ ٢٩٣ كتاب السرقة تأويل الملك أو الشبهة لا يحتاج فيه إلى مسارقة الأعين، فلا يتحقق ركن السرقة، وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء والاستسرار على الإطلاق، ولأن القطع عقوبة السرقة، قال الله في آية السرقة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله﴾ [المائدة: ٣٨] فيستدعي كون الفعل جناية محضة، وأخذ المملوك للسارق لا يقع جناية أصلاً، فالأخذ بتأويل الملك أو الشبهة لا يتمحض (١) جناية، فلا يوجب القطع . إذا عرف هذا فنقول: لا قطع على من سرق ما أعاره من إنسان أو آجره منه؛ لأن ملك الرقبة قائمٌ، وَلاَ عَلَى مَنْ سرق رهنه من بيت المرتهن؛ لأن ملك العين له وإنما الثابت للمرتهن حق الحبس لا غير. ولو كان الرهن في يد العدل فسرقه المرتهن أو الراهن، فلا قطع على واحد منهما، أما الراهن فلما ذكرنا أنه ملكه فلا يجب القطع بأخذه، وَإِن منع من الأخذ؛ كما لا يجب الحد عليه بوطئه الجارية المرهونة، وإن منع من الوطء. وأما المرتهن فلأن يَدَ العدلِ يده من وجه؛ لأن منفعة يده عائدة إليه، لأنه يمسكه لحقه فأشبه يد المودع، ولا على من سرق مالاً مشتركاً بينه وبين المسروق منه؛ لأن المسروق ملكهما على الشيوع، فكان بعض المأخوذ ملكه، فلا يجب القطع بأخذه، فلا يجب بأخذ الباقي، لأن السرقة سرقة واحدة، ولا على من سرق من بيت المال الخمس، لأن له فيه ملكاً وحقًّا. فإنه تعالى. أوجب القطع من غير تفريق بين من له شبهة في مال المسروق منه ومن لا شبهة له فيه. = وأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالأحاديث التي ذكرناها أدلة كجماهير الفقهاء. هذا، والحق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فإن القطع عقوبة شديدة فيجب ألا تقام حتى يكون السبب تاماً، والاعتداء ظاهراً. ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق ما ذكر فالقطع حينئذ لا يناسب الجريمة. فوجوبه ظلم حاشا أن يوجد في أحكام الشريعة الإسلامية ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظِلاَّمٌ لِلْعَبِيْدِ﴾. لذلك أوجبت الشريعة درء الحدود بالشبهات، ومنعت من إقامتها حتى تتحقق المناسبة بين الجرم والعقوبة غير أن جماهير الفقهاء اختلفوا فيما يعتبر شبهة دارئة للحد وما لا يعتبر كذلك تبعاً لختلافهم في اعتبار قوة الشبه. وعدم اعتبارها، وانبنى على ذلك اختلافهم في فروع كثيرة من هذا الباب فمثلاً: المالكية لا يوجبون القطع في سرقة الأصول من الفروع ويوجبونه في سرقة الفروع من الأصول نظر القوة الشبهة في الأولى دون الثانية . والأئمة الثلاثة لا يفرقون بينهما في عدم القطع: نظراً لتحقق الشبهة في كل منهما. وإن لم تكن قوية في البعض وأوسع المذاهب في هذا مذهب الحنفية. حتى إنهم لا يقطعون في سرقة ذوي الأرحام بعضهم من بعض مع أن الشبهة هنا ضعيفة. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. (١) في أ: يتحقق. ٢٩٤ كتاب السرقة ولو سرق من عبده المأذون، فإن لم يكن عليه دين فلا قطع، لأن كسبه خالص ملك المولى، وإن كان عليه دين يحيط به وبما في يده لا يقطع أيضاً. أما عَلَى أصلهما (١) فظاهر؛ لأن كسبه ملك المولى، وعلى أصل أبي حنيفة - رحمه الله - إن لم يكن ملكه فله فيه ضرب اختصاص يشبه الملك؛ ألا ترى أنه يملك استخلاصه لنفسه بقضاء دينه من مال آخر، فكان في معنى الملك؛ ولهذا لو كان الكسب جارية لم يجز له أن يتزوجها فيورث شبهة، أو نقول إذا لم يملكه المولى ولا المأذون يملكه أيضاً؛ لأنه عبد مملوك لا يَقْدِرُ على شيء، والغرماء لا يملكون أيضاً، فهذا مَالٌ مملوك لا مالك له معين، فلا يجب القطع بسرقته كمال بيت المال وكمال الغنيمة. ولو سرق من مكاتبه لم يقطع؛ لأن كسب مكاتبته ملكه من وجه أو فيه شبهة الملك له، أَلاَ ترى أنه لو كان جارية لا يحل له أن يتزوجها، والملك من وجه أو شبهة الملك يمنع وجوب القطع، مَعَ ما أن هذا ملك موقوف على المكاتب وعلى مولاه في الحقيقة؛ لأنه إن أدَّى تبين أنه كان ملك المولى فتبين أنه أخذ مال نفسه، وإن عجز فرد في الرق تبين أنه كان ملك المكاتب، فكان الملك موقوفاً للحال، فيوجب شبهة، فلا يجب القطع كأحدِ المتبايعين إذا سرق ما شرط فيه الخيار، ولا قَطْعَ على مَنْ سرق من ولده؛ لأن له في مال ولده تأويل الملك أو شبهة الملك؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ))(٢) فظاهر الإضافة إليه بلام التمليك يقتضي ثبوت الملك له من كل وجه، إلا أنه لم يثبت لدليل، ولا دليل في الملك من وجه فيثبت، أو يثبت لشبهة الملك، وكل ذلك يمنع وجوب القطع، لأنه يورث شبهة في وجوبه. وأما السرقة من سائر ذي الرحم المحرم، فلا توجب القطع أيضاً، لكن لفقد شرط آخر نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. ولو دخل لصّ دار رجلٍ فأخذ ثوباً فشقه في الدار نصفين، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم مشقوقاً يقطع في قولهما (٣). وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يقطع، ولو أخذ شاة فذبحها ثم أخرجها مذبوحةً، لا يقطع بالإجماع. (١) في أ: أصل أبي يوسف ومحمد. (٢) تقدم. (٣) في أ: قول أبي حنيفة ومحمد. ٢٩٥ كتاب السرقة وجه قوله إن السارقَ وجد منه سبب ثبوت الملك قبل الإخراج وهو الشق، لأن ذلك سبب لوجوب الضمان، ووجوب الضمان يوجب ملك المضمون من وقت وجود السبب على أصل أصحابنا، وذلك يمنع وجوب القطع، ولهذا لم يقطع إذا كان المسروقُ شاةً فذبحها ثم أخرجها، كذا هذا. ولهما أن السرقةَ تَمَّتْ في ملك المسروق منه فيوجب القطع، وَإنما قلنا ذلك لأن الثوب المشقوق لا يزول عن ملكه ما دام مختاراً للعين، وإنما يزول عند اختيار الضمان، فقبل الاختيارِ كان الثوبُ على ملكه، فصار سارقاً ثوبين قيمتهما عشرة دراهم، فيقطع، وهكذا نقول في الشاة أن السرقة تمت في ملك المسروق منه، إلا أنها تمت في اللحم، ولا قطع في اللحم . وقوله: وجب الضمان عليه بالشق، قلنا: قبل الاختيار ممنوعٌ، فإذا اختار تضمين السارق وسلم الثوب إليه لا يقطع، لأنه عند اختيار الضمان ملكه من حين وجود الشق، فتبين أنه/ أخرج ملك نفسه عن الحرز فلا قطع عليه. ١٢٩١/٢ وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - أنه قال موضوع المسألة أنه شق الثوب عرضاً، فأما لو شقه طولاً فلا قطع، لأنه بالشق طولاً خَرَقَهُ خرقاً متفاحشاً فيملكه بالضمان . وذكر ابن سماعة أن للسارقَ إذا خرج الثوب تخريقاً مستهلكاً وقيمته بعد تخريقه عشرة، أنه لا قطع عليه في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وهذا يؤيد قول الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله -؛ لأن التخريق إذا وقع استهلاكاً أوجب استقرار الضمان، وذلك يُوجب ملك المضمون، وإذا لم يَقَعْ استهلاكاً كان وجوب الضمان فيه موقوفاً على اختيارِ المالك، فلا يجب قبل الاختيارِ، فلا يملك المضمون، والله تعالى أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا سرق عشرة دراهم من تحريم له عليه عشرة، أنه لا يقطع، لأنه ملك المأخوذ بنفس الأخذ، فصار قصاصاً بحقه، فلم يَبْقَ في حق هذا المال سارقاً، فلا يقطع . ولو كان المسروق من خلاف جنس حقه يقطع؛ لأنه لا يملكه بنفس الأخذ بل بالاستبدال والبيع، فكان سَارِقاً مِلْكَ غَيرِهِ، فيقطع كالأجنبي، إلا إذا قال: أخذته لأجل حقي، على ما نذكر، وههنا جنس من المسائل يمكن تخريجها إلى أصلٍ آخر هو أولى بالتخريج عليه، وسنذكره إن شاء الله - تعالى - بَعْدُ. منها: أن يكون معصوماً، ليس للسارق فيه حق الأخذ ولا تأويل الأخذ ولا شبهة ٢٩٦ كتاب السرقة التناول؛ لأن القطع عقوبة محضة، فيستدعي جناية محضة، وأخذ غير المعصوم لا يكون جناية أصلاً، وما فيه تأويل التناول أو شبهة التناول لا يكون جنايةً محضةً، فلا تناسبه العقوبة المحضة، ولأن ما ليس بمعصوم يؤخذ مجاهرة لا مخافتة، فيتمكن الخلل في ركن السرقة. وَإذا عرف هذا فنقول: لا قطع في سائر المباحات التي لا يملكها أحد، ولا في المباح المملوك، وهو مال الحربي في دار الحرب. وأما مال الحربي المستأمن في دار الإسلام، فلا قطع فيه استحساناً (١)، والقياس أن يقطع . وجه القياس: أنه سرق مالاً معصوماً؛ لأن الحربي استفاد العصمة بالأمان بمنزلة الذميِّ؛ ولهذا كان مضموناً بالإتلاف كمالِ الذميِّ. وجه الاستحسان: أن هذا مال فيه شبهة الإباحة؛ لأن الحربي المستأمن من أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي بعض حوائجه ثم يعود عن قريبٍ، فكونه من أهل دار الحرب يُورث شبهة الإباحة في ماله؛ ولهذا أورث شبهة الإباحة في دمه حتى لا يقتل به المؤمن قصاصاً؛ ولأنه كان مباحاً، وإنما تثبت العصمة بعارض أمان هو على شرف الزوال، فعند الزوال يظهر أن العصمة لم تكن على الأصل المعهود؛ أن كلَّ عارضٍ على أصل إذا زال يلحق بالعدم من الأصل كأنه لم يكن، فيجعل كأن العصمة لم تكن ثابتةً؛ بخلاف الذمي لأنه من أهل دار الإسلام، وقد استفاد العصمة بأمان مؤيدٍ، فكان معصومَ الدم والمال، عصمة مطلقة ليس فيها شبهة الإباحة؛ وبخلاف ضمان المال؛ لأن الشبهة لا تمنع وجوب ضمان المال؛ لأنه حق العبد، وحقوقُ العباد لا تسقطُ بالشبهات، وكذا لا قطع على الحربيِّ المستأمن في سرقة مال المسلم أو الذمي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -؛ لأنه أخذه على اعتقاد الإباحة؛ ولذا لم يلتزم أحكام الإسلام. وعند أبي يوسف يقطع، والخلاف فيه كالخلاف في حد الزنا. (١) واختلفوا في الحربي المستأمن. فيرى المالكية، والحنابلة، وأبو يوسف وجوب قطعه. لأن أمانه دليل على التزامه الأحكام. فهو كالذمي. وهو قول في مذهب الشافعية. ويرى أبو حنيفة، ومحمد عدم قطعه لأن الأمان ليس دليلاً على التزام الأحكام فصار كالحربي غير المستأمن. وهو قول آخر في مذهب الشافعية. والذي أراه أن ما ذهب إليه المالكية، ومن وافقهم هو الراجح لأن السرقة من الفساد في الأرض فلا يفلت فاعلها من العقاب ولما في ذلك من المبالغة في حفظ الأموال فلا تمتد إليها يد مسلم ولا كافر ذمياً كان أو حربياً. ٢٩٧ كتاب السرقة ولا يقطع العادل في سرقة مال الباغي؛ لأن ماله ليس بمعصوم في حقه كنفسه، ولا الباغي في سرقة مال العادل؛ لأنه أخذه عن تأويل، وتأويله وإن كان فاسّداً لكن التأويل الفاسد عند انضمام المنعة إليه ملحق بالتأويل الصحيح في منع وجوب القطع، ولهذا ألحق به في حق منع وجوب القصاص والحد، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. وعلى هذا تخرج السرقة من الغريم، وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما إن كان سرق منه من جنس حقه، وإما إن كان سرق منه خلاف [جنس حقه] فإن سرق جنس حقه بأن سرق منه عشرة [دراهم] وله عليه عشرة، فإن كان دينه عليه حالاً لا يقطع؛ لأن الأخذ مباح له؛ لأنه ظفر بجنس حقه، ومن له الحق إذا ظفر بجنس حقه يباح له أخذه، وَإذا أخذه يصير مستوفياً حقه. وكذلك إذا سرق منه أكثر من مقدار حقه؛ لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع فيه، فكذا في الباقي، كما إذا سرق مالاً مشتركاً، وإن كان دينه مؤجلاً، فالقياس أن يقطع، وفي الاستحسان لا يقطع. وجه القياس أن الدين إذا كان مؤجلاً فليس له حق الأخذ قبل حلول الأجل؛ ألا ترى أن للغريم أن يسترده منه، فصار كما لو سرقه أجنبي. وجه الاستحسان: أن حق الأخذ إن لم يثبت قبل حِلِّ الأجل، فسبب ثبوت حق الأخذ قائم وهو الدين؛ لأن تأثير التأجيل في تأخير المطالبة لا في سقوط الدين، فقيام سبب ثبوته يورث الشبهة، وإن سرق خلاف جنس حقه، بأن كان عليه دراهم فسرق منه دنانير أو عروضاً قطع، هكذا أطلق الكرخي - رحمه الله -. وذكر في (كتاب/ السرقة)): أنه إذا سرق العروض ثم قال: أخذت لأجلٍ حقي، لا ٢٩١/٢بـ يقطع، فيحمل مطلق قول ((الكرخي)) على المطلق، وهو ما إذا سرق ولم يقل: أخذتُ لأجل حقى؛ لأنه إذا لم يقل، فقد أخذ مالاً ليس له حَقُّ أخذِهِ، ألا ترى أنه لا يصير قصاصاً إلا بالاستبدال والتراضي، ولم يتأول الأخذ أيضاً، فكان أخذه بغير حق ولا شبهة حق، وهذا يدل على أنه لا يعيد، بخلاف قول مَنْ يقول من الفقهاء أن لصاحب الحق إذا ظفر بخلاف جنس حقه أن يأخذه؛ لأنه قول لم يقل به أحد من السلف، فلا يعتبر خلافاً مؤذناً للشبهة. وإذا قال: أخذت لأجل حقي، فقد أخذه مُتَأَوِّلاً؛ لأنه اعتبر المعنى وهي المالية لا الصورة، والأموال كلَّها في معنى المالية متجانسة، فكان أَخذاً عن تأويلٍ، فلا يقطع، ولو أخذ صنفاً من الدراهم أَجْوَدَ من حقه، أو أرادا، لم يقطع، لأن المأخوذ من جنس حقه من حيث الأصل، وإنما خالفه من حيث الوصف. ألا يرى أنه لو رضي به يصير مستوفياً حقه، ولا ٢٩٨ كتاب السرقة يكون مستبدلاً حتى يجوز في الصرف والسلم، مع أن الاستبدال ببدل الصرف والسلم لا يجوز، وإذا كان المأخوذُ مِنْ جِئْسٍ حَقْهِ من حيث الأصل تثبت شبهة حق الأخذِ، فيلحق بالحقيقةِ في باب الحد؛ كما في الدين المُؤجَّلِ. ولو سرق حلياً من فضة وعليه دراهم أو حليًّا من ذهب وعليه دنانير، يقطع؛ لأن هذا لا يصير قصاصاً من حقه إلا بالمراضاة، ويكون ذلك بيعاً واستبدالاً فأشبه العروض، وإن كان السارق قد استهلك العروض أو الحلي ووجب عليه قيمته، وهو مثل الذي عليه من العين، فإن هذا يقطع أيضاً؛ لأن المقاصد إنما تقع بعد الاستهلاك، فلا يوجب سوى (١) القطع. ولو سَرَقَ مكاتَبٌ أو عبدٌ من غريم مولاه، يقطع؛ لأنه ليس له حق قبض دين المولى من غير أمره، فصار كالأجنبي؛ حتى لو كان المولى وَكْلَهُ بقبض الدين لا يقطع؛ لثبوت حق القبض له بالوكالة، فصار كصاحب الدينٍ. ولو سرق من غريم مكاتبه أو من غريم عَبْدِهِ المأذونِ، فإن لم يكن على العبد دينٌ لم يقطع؛ لأن ذلك ملك مولاه، فكان له حق أخذه، وإن كان عليه دين قُطع؛ لأنه ليس له حق القبض، فصار كالأجنبيِّ. ولو سرق من غريم أبيه أو ولده يقطع، لأنه لا حق له فيه ولا في قبضه، إلا إذا كان غريم ولده الصغير فلا يقطَع؛ لأن حَقَّ القبضٍ له كما في دين نفسه، والله - تعالى - أعلم. وعلى هذا أيضاً يخرج سرقة المصحف على أصل أبي حنيفة أنه لا قطع فيه؛ لأن له تأويل الأخذ، إذ الناس لا يضنون ببذل المصاحف الشريفة لقراءة القرآن العظيم عادةً، فَأَخَذَهُ الآخذُ متأولاً . وكذلك سرقة البربط(٢) والطبل المزمار وجميع آلات الملاهي؛ لأن آَخِذَهَا يتأول أنه يأخذها منع المالك عن المعصية ونهيه عن المنكر، وذلك مأمور به شرعاً؛ وكذلك سرقة شطرنج ذهب أو فضة لما قلنا؛ وكذلك سرقة صليب أو صنم من فضة من حرز، لأنه يتأول أنه أخذه للكسر. وأما الدراهم التي عليها التماثيل فيقطع فيها؛ لأنها لا تُعبد عادةً، فلا تأويل له في الأخذ للمنع من العبادة فيقطع؛ وعلى هذا يخرج ما إذا قطع سارق في مال ثم سرقه منه سارقٌ آخر أنه لا يقطع؛ لأن المسروق ليس بمعصوم في حق المسروق منه، ولا متقوم في حقه، لسقوط (١) في أ: سقوط. (٢) البربط: العود من آلات الموسيقى المعجم الوسيط (بربط). ٢٩٩ كتاب السرقة عصمتِهِ وتقومه في حقه بالقطع؛ ولأن كونَ يدِ المسروق منه يداً صحيحة شرط وجوب القطع، وَيَدُ السارق ليست يداً صحيحة؛ لما نذكره إن شاء الله تعالى. ولو سرق مالاً فقطع فيه فرده إلى المالك، ثم عاد فسرقه منه ثانياً، فجملةُ الكلام فيه أن المردود لا يخلو: إما أن كان على حاله لم يتغير، وإما أن أحدث المالك فيه ما يوجب تغيره، فإن كان على حاله لم يقطع استحساناً، والقياسُ أن يقطع، وهو رواية الحسن عن أبي يوسف، وبه أخذ الشافعي - رحمهم الله -. أما الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فمبنيٌّ على أن العصمة الثابتة للمسروق حَقًّا للعبد قد سقطت عند السرقة الأولى، لضرورة وجوب القطع على أصلنا وعلى أصله لم تسقط، بل بقيت على ما كانت، وسنذكر تقرير هذا الأصل في موضعه، إن شاء الله تعالى. وَأما الكلام مع أبي يوسف، وجه ما روي أن المحل وإن سقطت قيمته (١) الثابتة حَقًّا للمالكية(٢) في السرقة الأولى، فقد عادت بالرد إلى المالك؛ ألا ترى أنها عَادَتْ في حق الضمان حتى لو أتلفه السارق يضمن، فكذا في حق القطع. وَلَنَا أن العصمةَ وإن عادت بالرد لكن مع شبهة العدم؛ لأن السقوطَ لضرورة وجوب القطع، وأثر القطع قائمٌ بعد الرد، فيورث شبهة في العصمةَ، ولأنه سقط تقوم المسروق في حق السارق بالقطع في السرقة الأولى. ألا ترى أنه لو أتلفه لا يضمن، وأثر القطع بعد الرد قائم فيورث شبهة عَدَم التقوم في حقه، فيمنع وجوب القطع ولا يمنع وجوب/ الضمان؛ لأن الضمان لا يسقط بالشبهة؛ لما ١٢٩٢/٢ بینا . هَذَا إذا كان المردود على حاله لم يتغير، فأما إذا أحدث المالك فيه حدثاً يوجب تغيره عن حاله ثم سرقه السارق الأول، فالأصلُ فيه أنه لو فَعَل فيه ما لو فعله الغاصبُ في المغصوب لأوجب انقطاع حق المالك، يقطع، وإلا فلا؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد تبدلت العين وتصير في حكم عين أخرى، وإذا لم يفعل لم تتبدل. وَعَلى هذا يخرج ما إذا سرق غزلاً فقطع فيه ورد إلى المالك فنسجه ثوباً، فعاد فسرقه؛ أنه يقطع؛ لأن المسروقَ قد تبدَّل؛ ألا ترى أنه لو كان مغصوباً لا يقطع حق المالك، ولو سرق ثوب خَزِّ فَقُطِعَ فيه، ورد إلى المالك فنقضه، فسرق النقض - لم يقطع؛ لأن العين لم تتبدل. ألا ترى أنه لو فعله الغاصب لا ينقطع حق المالك، ولو نقضه المالك ثم غزله غزلاً ثم (١) في أ: عصمته. (٢) في أ: لمالكه. ٣٠٠ كتاب السرقة سرقه السارق لم يقطع؛ لأن هذا لو وجد من الغاصب لا ينقطع حق المغصوب منه، فيدل على تبدل العين . ولو سرق بقرة فقطع فيها وردها على المالك فولدت ولداً ثم سرق الولد، يقطع؛ لأن الولد عين أخرى لم يقطع فيها، فيقطع بسرقتها، وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ومنها: أن يكون محرزاً(١) مطلقاً خالياً عن شبهة العدم، مقصوداً بالحرز، والأصل في اعتبار شرط الحرز ما رُوِيَ في ((الموطأ)) عَنِ النبيِّ - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمره مُعَلَّق ولاَ فِي حَرِيسَةٍ جبلٍ فَإِذَا أَوَاهُ المَرَاحُ أَو الجَرِينُ فَالقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنَّ))(٢) وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ قَطْعَ في ثَمْرٍ وَلا ثمرٍ حَتَّى يُؤْوِيَّهُ الجَرِينُ، فَإِذَا أَوَاهُ الجَرِينُ فَفِيهِ القَطْعُ))(٣) علق - عليه الصلاة والسلام - القطعَ بإيواءِ المراح، والمراح حرز الإبل والبقر والغنم، والجرين حرز الثمر، فَدَلَّ أن الحرز شرط؛ ولأن ركن السرقة هو الأخذ على سبيل الاستخفاء، والأخذ من غير حرز لا يحتاج إلى الاستخفاء، فلا يتحقق ركنُ السرقة، ولأن القطع وجب لصيانة الأموال على أربابها، قطعاً لأطماع السراق عن أموال الناسٍ، والأطماعُ إِنَّما تميل (٤) إلى ما له خطر في القلوب، وغير المحرز لا خطرَ له في القلوب عادةً، فلا تميلُ الأطماع إليه، فلا حَاجَةَ إلى الصيانةِ بالقَطْعِ، وبهذا لم يقطع فيما دون النصاب وما ليس بمالٍ متقوَّمٍ محتمل الادخار. (١) تقدم الكلام على الحرز. (٢) أخرجه أبو داود (٥٥٠/٤) كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه حديث (٤٣٩٠) والنسائي (٨٦/٨) كتاب قطع السارق: باب الثمر يسرق وابن ماجه (٨٦٥/٢) كتاب الحدود: باب من سرق من الحرز حديث (٢٥٩٦) وأحمد (١٨٠/٢، ٢٠٣، ٢٠٧) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٨٢٧) والدارقطني (٢٣٦/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (١١٤). والحاكم (٣٨١/٤) كتاب الحدود باب حكم حرية الجبل، والبيهقي (٢٦٣/٨) كتاب السرقة باب القطع في كل ما له ثمن، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً من مزينة أتى النبي ◌َّهر فقال: يا رسول الله كيف ترى في حربية الجبل؟ قال: هي ومثلها والنكال ليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامه مثليه وجلدات نكال قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامه مثله وجلدات نکال. وقال الحاكم: هذه سنة تفرد بها عمرو بن شعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص وإذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة وهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. (٣) تقدم. (٤) في أ: تمتد.