Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب الحدود وأما حَدُّ الجلدِ فأشد الحدود ضرباً حد الزنا، ثم حد الشرب، ثم حد القذف؛ لأن جناية الزنا أعظم من جناية الشرب والقذف، أما من جناية القذف فلا شك فيه، لأن القذف نسبة إلى الزنا، فكانت دون حقيقة الزنا، وأما من جناية الشرب فلأن قبح الزنا ثبت شرعاً وعقلاً، وحرمة نفس الشرب ثبتت شرعاً لا عقلاً، ولهذا كان الزنا حراماً في الأديان كلها بخلاف الشرب، وكذا الخمر يباح عند ضرورة المخمصة، والإكراه، ولا يباح الزنا عند الإكراه وغلبة الشبق(١)، وكذا وجوب الجلد في الزنا ثبت بنصِ الكتابِ العزيزِ المكنون، ولا نص في الشرب، وإنما استخرجه الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - بالاجتهاد والاستدلال بالقذف، فقالوا: إِذَا سَكَرَ هذَى وإِذا هذى افترىُ وحَدُّ المفتري ثمانون، وقال - سبحانه وتعالى، جَلَّ شأنه - في حد الزنا: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [النور: ٢]، قيل في التأويل، أي: بتخفيف الجلدات، وإنما كان ضرب القذف أخف الضربين لوجهين: أحدهما: أن وجوده ثبت بسبب متردد، لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقاً في قذفه ولا حد عليه . والثاني: أنه إنضاف إليه رد الشهادة على التأبيد، فجرى فيه نوع تخفيف ويضرب قائماً ولا يمد على العقابين ولا على الأرض كما يفعل في زماننا، لأنه بدعة، بل يضرب قائماً ولا يمد السوط بعد الضرب، بل يرفع لأن المد بعد الضرب بمنزلة ضربة أخرى، فيكون زيادة على الحد، ولا يمد الجلاد يده إلى ما فوق رأسه، لأنه يخاف فيه الهلاك أو تمزيق الجلد، ولا يضرب بسوط له ثمرة، لأن اتصال الثمرة بمنزلة ضربة أخرى، فيصير كل ضربة بضربتين، فيكون زيادة على القدر المشروع، وينبغي أن يكون الجلاد عاقلاً بصيراً بأمر الضرب، فيضرب ضربة بين ضربتين، ليس بالمبرح ولا بالذي لا يوجد فيه مس. ويجرد الرجل في حد الزنا ويضرب على إزار واحد، لأنه أشد الحدود ضرباً، ومعنى الشدة لا يحصل إلا بالتجريد. وفي حد الشرب يجرد أيضاً في الرواية المشهورة، وروي عن محمد - رحمه الله - أنه لا يجرد . وجه هذه الرواية أَنَّ ضرب الشرب أخف من ضرب الزنا، فلا بد من إظهار آية (٢) التخفيف، وذلك بترك التجريد. وجه الرواية المشهورة أنه قد جرى التخفيف فيه مرة في الضرب، فلو خفف فيه ثانياً (١) الشَّبَقُ: اشتداد الشهوة وهيجانها. (٢) في أ: أثر. ٢٦٢ كتاب الحدود بترك التجريد لا يحصل المقصود من الحد، وهو الزجر، ولا يجرد في حد القذف بلا خلافٍ، لأن وجوبه بسبب متردد محتمل، فيراعى فيه التخفيف بترك التجريد، كما روعي في أصل الضرب، بخلاف حد الشرب، لأن وجوب ثبت بسبب لا تردد فيه. وأما المرأة فلا ينزع عنها ثيابها إلا الحشو والفرو في الحدود كلها، لأنها عورة وتضرب قاعدة لأن ذلك أَسْتَرُ لها، ويفرق الضرب في الأعضاء كلها، لما ذكرنا لأن الجمع في عضو واحد يقع إهلاكاً للعضو أو تمزيقاً أو تخريقاً للجلد، وكل ذلك ليس بمشروع، فيفرق على الأعضاء كلها إلاَّ الوجه والمذاكير والرأس، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. ولا يقام شيء من ذلك(١) في المسجد، لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عَنْ ٣/ ١٥ ب رَسُولِ اللهِ وَّرَ قَالَ: ((لاَ تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ))(٢) وهذا نصِّ/ في الباب، ولأن تعظيم (١) في أ: الحدود. (٢) أخرجه الترمذي (١٩/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه هل يقاد منه أم لا حديث (١٤٠١) وابن ماجه (٨٨٨/٢) كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بولده حديث (٢٦٦١) والدارمي (١٩٠/٢) كتاب الديات: باب القود بين الوالد والولد والدارقطني (١٤٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٥) والبيهقي (٣٩/٨) كتاب الجنايات: باب الرجل يقتل ابنه، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص ٤٢٩ - ٤٣٠) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/٤) كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ◌َّير قال: ((لا تقام الحدود في المسجد ولا يقاد بالولد الوالد)». وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث إسماعيل بن مسلم وإسماعيل تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه ١ هـ. وقال أبو نعيم: غريب من حديث طاوس تفرد به إسماعيل عن عمرو أ هـ. قلت: لكنه لم یتفرد برفع هذا الحدیث فقد توبع علی رفعه. تابعه سعيد بن بشير. أخرجه الحاكم (٣٦٩/٤) من طريق أبي الجماهير محمد بن عثمان ثنا سعيد بن بشير ثنا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: لا يقاد ولد من والده ولا تقام الحدود في المساجد. وتابعه عبيد الله بن الحسن أخرجه الدارقطني (١٤٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٤) والبيهقي (٣٩/٨) كتاب الجنايات: باب الرجل يقتل ابنه، من طريق عقبة بن مكرم ثنا أبو حفص الثمار ثنا عبيد الله بن الحسن العنبري عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس به وتابعه قتادة أيضاً. أخرجه البزار كما في ((نصب الراية)» (٤/ ٣٤٠) عن قتادة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس به . ولأول الحديث شاهد من حديث جبير بن مطعم أخرجه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية (١ / ١٠٠) رقم (٣٦) وعزاه الحافظ هناك للحارث. = كتاب الحدود ٢٦٣ وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٨/٢) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه الواقدي وهو ضعيف = اهـ. والحديث في ((المعجم الكبير» (١٣٩/٢ - ١٤٠) رقم (١٥٩٠) وفي الباب عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وسراقة بن مالك. - حديث عمر بن الخطاب أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) حديث (٧٨٨) والدارقطني (١٤٠/٣ - ١٤١) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٦) والبيهقي (٣٨/٨) كتاب الجنايات: باب الرجل يقتل ابنه، كلهم من طريق محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: كانت لرجل من بني مدلج جارية فأصاب منها ابناً فكان يستخدمه فلما شب الغلام دعا بها يوماً فقال: اصنعي كذا وكذا فقال الغلام: لا تأتيك حتى متى تستأمر أمي؟ قال: فغضب أبوه فحذفه بسيفه فأصاب رجله أو غيرها فقطعها فنزف الغلام فمات فانطلق في رهط من قومه إلى عمر فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله ◌َو يقول: ((لا يقاد الأب بابنه لقتلتك هلم ديته قال فأتاه بعشرين أو بثلاثين ومائة بعير قال: فتخير منها مائة فدفعها إلى ورثته وترك أباه)). قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (١٦/٤): ((وصحح البيهقي سنده لأن رواته ثقات)) وله طريق آخر. أخرجه الترمذي (١٨/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه حديث (١٤٠٠) وابن ماجه (٨٨٨/٢) كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بالولد حديث (٢٦٦٢) وأحمد (٤٩/١) وابن أبي عاصم في ((الديات)) (ص - ٩٧) وعبد بن حميد في ((المنتخب في المسند)) (ص - ٤٤) رقم (٤١) والدار قطني (١٤٠/٣) كتاب الحدود والديات، كلهم من طريق الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله وَلو يقول: ((لا يقاد الوالد بالولد)) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤/ ٣٣٩): قال صاحب ((التنقيح)): قال يحيى بن معين في الحجاج صدوق، ليس بالقوي يدلس عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب وقال ابن المبارك: كان الحجاج يدلس فيحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العزرمي ١ هـ. لكن تابعه ابن لهيعة . أخرجه أحمد (٢٢/١) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئاً. انظر المراسيل لابن أبي حاتم (١١٤). - حديث عبد الله بن عمرو تقدم من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. - حديث سراقة بن مالك. أخرجه الترمذي (١٨/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه حديث (١٣٩٩) والدراقطني (١٤٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٣) من طريق إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك بن جشعم قال: حضرت رسول الله وّلو يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الابن من أبيه. = ٢٦٤ كتاب الحدود المسجد واجب وفي إقامة الحدود فيه ترك تعظيمه، يؤيده أن نُهينا عن سَلُ السيوف في المساجد، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((جَنّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وبِيَاعَاتِكُمْ وَأَشْرِيتَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، تَعْظِيماً لِلْمَسْجِدِ)(١) ومعلومٌ أن سلَّ السيفِ في ترك التعظيم دون الجلد والرجم، فلما كره ذلك فلأن يكره هذا أولى، لأن إقامة الحدود في المسجد لا تخلو عن تلويثه، فتجب صيانة المسجد عن ذلك، وينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس، لقوله - تبارك وتعالى عزَّ اسمُهُ -: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، والنص وإن وَرَدَ في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون وارداً في سائر الحدود دلالةً، لأن المقصود من الحدود كلها واحدٌ، وهو زجر العامة، وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة، لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، والغيب ينزجرون بإخبار الحضور، فيحصل الزجر للكل، وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له، لأنه لو جاوز لمنعه الناس عن المجاوزة، وفيه أيضاً دفع التهمة والميل، فلا يتهمه الناس أن بقيم الحد عليه بلا جرم سبق منه، والله - تعالى - الموفق. قال الترمذي: حديث فيه اضطراب وليس إسناده بصحيح والمثنى بن الصباح يضعف في الحديث. = وقال الدارقطني: والمثنى وابن عياش ضعيفان. وقال الترمذي: في ((العلل الكبير)) (ص - ٢٢٠): سألت محمداً - البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث إسماعيل بن عياش وحديثه عن أهل العراق وأهل الحجاز كأنه شبه لاشي ولا يعرف له أصل اهـ. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٤٠/٤): قال في ((التنقيح)): حديث سراقة فيه المثنى بن الصباح وفي لفظه اختلاف أ هـ. (١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٧/١) كتاب المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد رقم (٧٥٠). حديثنا أحمد بن يونس السلمي ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن نبهان عن عنبة بن يقطان عن أبي سعيد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع أن النبي ◌َّ قال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمعة)). قال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٥): ((هذا إسناد ضعيف أبو سعيد هو محمد بن سعيد الصواب قال أحمد عمداً كان يضع الحديث وقال البخاري تركوه وقال النسائي: كذاب قلت والحارث بن نبهان ضعيف)) ١ هـ ورواه الطبراني في الكبير (٨) ١٥٦) رقم (٨٦٠١) قال حدثنا عبدان بن أحمد ثنا أحمد بن مخلد بن راهويه ثنا أبو نعيم ثنا العلاء بن كثير عن مكحول عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة قالوا سمعنا رسول الله وَالر فذكره. ورواه أيضاً العقيلي في الضعفاء (٣٤٧/٣ - ٣٤٨) في ترجمة العلاء بن كثير. قال العجلوني في كشف الخفاء (٣٣٤/١): فيه العلاء بن كثير ضعيف ا هـ وعزاه العجلوني أيضاً في كشف الخفاء (٣٣٤/١) إلى ابن عدي عن أبي هريرة رفعه بلفظ ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)) قال: ((وفي سنده عبد الله بن محرر - بمهملات بوزن محمد - ضعيف)) / هـ. ٢٦٥ كتاب الحدود فصل فيما يُسقط الحد بعد وجوبه وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه، فالمسقط له أنواع : منها الرجوعُ عن الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر، لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في الرجوع وهو الإنكار، ويحتمل أن يكون كاذباً فيه، فإن كان صادقاً في الإنكار يكون كاذباً في الإقرار، وإن كان كاذباً في الإنكار يكون صادقاً في الإقرار، فيورث شبهة في ظهور الحد، والحدود لا تستوفى مع الشبهات. وَقَدْ روي أن ماعزاً لما أقر بين يدي رسول الله وَّو بالزنا لقنه الرجوع فقال - عليه الصلاة والسلام -: (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَهَا، لعلَّكَ مَسَسْتَهَا)) وقال - عليه الصلاة والسلام - لتلك المرأة: ((أَسَرَقْتِ؟ قُولي: لاَ، مَا إِخَالُكِ سَرَقْتٍ))(١) وكان ذلك منه - عليه الصلاة والسلام - تلقيناً للرجوع، فلو لم يكن محتملاً للسقوط بالرجوع ما كان للتلقين معنى، وهذا هو السنة للإمام إذا أقر إنسان عنده بشيء من أسباب الحدود الخالصة أن يلقنه الرجوع درءاً للحد، كما فعله - عليه الصلاة والسلام - في الزنا والسرقة، وسواء رَجَعَ قبل القضاءِ أو بعده، قبل الإمضاء أو بعد إمضاء بعض الجلدات أو بعض الرجم وهو حي بعد لما قلنا. ثم الرجوع عن الإقرار قد يكون نَصًّا وقد يكون دلالة، بأن أخذ الناس في رجمه فهرب ولم يرجع، أو أخذ الجلاد في الجلد فهرب ولم يرجع، حتى لا يتبع ولا يتعرض له، لأن الهربَ في هذه الحالة دلالة الرجوع. وروي أنه لما هَرَبَ مَاعِزْ، ذُكِرَ ذلك لرسول اللهِ وَِّ فقال: ((هَلاَّ خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ))(٢) وَلَّ أن الهربَ دليلُ الرجوع، وأن الرجوع مُسْقِطٌ للحد، وكما يَصِحُّ الرجوع عن الإقرار بالزنا يَصِحُ عن الإقرار بالإحصان، حتى لو ثبت على الإقرار بالزنا ورجع عن الإقرار بالإحصان يسقط عنه الرجم وَيُجْلَدُ، لأن الإحصان شَرْطُ صيرورة الزنا علَّة لوجوب الرجم، فيصح الرجوع عنه كما يصح عن الزنا، فيبطل الإحصان ويبقى الزنا، فيجب الجلد. وأما الرجوع عن الإقرار بالقذف فلا يسقط الحد، لأن هذا الحد حق العبد من وجه، وحق العبد بعد ما ثبت لا يحتمل السقوط بالرجوع القصاص وغيره، ومنها: تصديق المقذوف القاذف في القذف، لأنه لما صدقه فقد ظهر صدقه في القذف، ومن المحال أن يحد الصادق على الصدق، وَلأَنَّ حَدَّ القذف إنما وجب لدفع عَارِ الزنا وشينه عن المقذوف، ولمَّا صدقه في القذف فقد التزم العار بنفسه، فلا يندفع عنه بالحد، فيسقط ضرورة. (١) سيأتي في السرقة. (٢) تقدم حديث ماعز. ٢٦٦ كتاب الحدود ومنها: تكذيب المقذوف المقر في إقراره بالقذف، بأن يقول له: إنك لم تقذفني بالزنا، لأنه لما كذبه بالقذف فقد كذب نفسه في الدعوى، والدعوى شرط ظهور هذا الحد. ومنها تكذيب المقذوف حجته على القذف، وهي البينة، بأن يقولَ بعد القضاء بالحد قبل الإمضاء: شهودي شهدوا بزورٍ، لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في التكذيب، فثبت الشبهة، ولا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة . ومنها: تكذيب المزنى بها المقر بالزنا قبل إقامة الحد عليه، بأن قال رجلٌ: زنيت بفلانة، فكذبته وأنكرت الزنا، وقالت: لا أعرفك، يوسقط الحد عن الرجل وهذا قولهما(١). وقال محمدٌ: لا يسقط، كذا ذكر الكرخي - رحمه الله - الاختلاف، وذكر القاضى في شرحه قول أبي يوسف مع قول محمدٍ . وجه قوله(٢) إن زنا الرجل قد ظهر بإقراره، وامتناع الظهور في جانب المرأة لمعنى يخصها وهو إنكارها، فلا يمنع الظهور في جانب الرجل، ولهما أن الزنا لا يقوم إلا بالفاعل ١٦/٣أ والمحل، فإذا لم يظهر في جانبها امتنع الظهور في جانبه هذا إذا أنكرت/ ولم تدَّع على الرجل حد القذف، فإن ادعت على الرجل حد القذف يحد حد القذف، ويسقط حد الزنا، لأنه لا يجب عليه حدان، هذا إذا كذبته ولم تَدَّعِ النكاح . فأما إذا ادعت النكاح والمهر قبل إقامة الحد عليه، يسقط الحد عن الرجل بالإجماع، لأنه لم يجب عليها للشبهة، لاحتمال أن تكون صادقةً في دعوى النكاح، فتمكنت الشبهة في وجوب الحد عليها، وإذا لم يجب عليها الحد تعدى إلى جانب الرجل، فسقط عنه وعليه المهر، لأن الوطء لا يخلو عن عقوبة أو غرامة، وإن كان دعوى النكاح منها بعد إقامة الحد على الرجل لا مهر لها عليه، لأن الوجوب في الفصل الأول لضرورة إقامة الحد ولم توجد. وعلى هذا إذا أقرت المرأة بالزنا مع فلان فأنكر الرجلُ وكذبها، أو ادعى النكاح على الاتفاق والاختلاف، ولو أقر الرجل بالزنا بفلانة، فادعت المرأة الاستكراه، يُحَدُّ الرجل بالاتفاق، فرقٌ بين هذا وبين الأول. ووجه الفرق أن المرأة في الفصل الأول أنكرت وجود الزنا، فلم يثبت الزنا من جانبها، فتعدى إلى جانب الآخر، وهَهنا أقرت بالزنا لكنها ادعت الشبهة لمعنى يخصها، وهو كونها مكرهةً، فلا يتعدى إلى جانب الرجل، والدليل على التفرقة بينهما أنا لو تيقنا بالإكراه، يقام الحد على الرجل بالإجماع، ولو تيقنا بالنكاح في الفصل الأول لا يقام الحد على الرجل، والله - تعالى - أعلم. (١) في أ: قول أبي حنيفة وأبي يوسف. (٢) في أ: قول محمد. ٢٦٧ كتاب الحدود ومنها رجوع الشهود بعد القضاء قبل الإمضاء، لأن رجوعهم يحتمل الصدق والكذب فيورث شبهة، والحدود لا تستوفى مع الشبهات، وقد ذكرنا الأحكام المتعلقة برجوع الشهود في باب الحدود كلهم أو بعضهم، قبل القضاء أو بعده، قبل الإمضاء أو بعده (١) بما فيه من الاتفاق والاختلاف في ((كتاب الرجوع)) عن الشهادات. ومنها بطلان أهلية شهادتهم بعد القضاء قبل الإمضاء بالفسق والردة والجنون والعمى والخرس وحد القذف، لما ذكرنا فيما تقدم. ومنها: موتهم في حد الرجم خاصة في ظاهر الرواية، لما ذكرنا أن البداية بالشهود شرط جواز الإقامة، وقد فات بالموت، على وجه لا يتصور عوده، فسقط الحد ضرورةً. وأما اعتراض ملك النكاح أو ملك اليمين، فهل يسقط الحدُّ بأن زنا بامرأة ثم تزوجها، أو بجارية ثم اشتراها؟ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيه ثلاثُ روايات: رَوَى محمدٌ - رحمه الله عنه - أنه لا يسقط، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وروى أبو يوسف عنه أنه يسقط، وروى الحسن عنه أن اعتراض الشراء يسقط، واعتراض النكاح لا يسقط . وجه رواية الحسن أن البضع لا يصير مملوكاً للزوج بالنكاح، بدليل أنها إذا وطئت بشبهة كان العقرُ لها، والعقر بدل البضع، والبدل إنما يكون لمن كان له المبدل، فلم يحصل استيفاء منافع البضع من محل مملوك له فلا يورث شبهة ويضع الأمة يصير مملوكاً للمولى بالشراء، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان العقر للمولى، فحصل الاستيفاء من محل مملوك [له فيورث شبهة](٢) فصار كالسارق إذا ملك المسروق بعد القضاء قبل الإمضاء. وجه رواية أبي يوسف أن المرأة تصير مملوكةً للزوج بالنكاح في حق الاستمتاع، فحصل الاستيفاء من محل مملوك، فيصير شبهة كالسارق إذا ملك المسروق، وجه رواية محمد - رحمه الله - أن الوطء حصل زنا محضاً لمصادفته محلاً غير مملوك له، فحصل موجباً للحد والعارض وهو الملك لا يصلح مسقطاً لاقتصاره على حالة ثبوته، لأنه يثبت بالنكاح والشراء، وكل واحد منهما وجد للحال، فلا يستند الملك الثابت به إلى وقت وجود الوطء، فبقي الوطء خالياً عن الملك، فبقي زناً محضاً موجباً للحد، بخلاف السارق إذا ملك المسروق، لأن هناك وجد المسقط وهو بطلان ولاية الخصومة، لأن الخصومة هناك شرط، وقد خرج المسروق منه مِنْ أن يكون خصماً بملك المسروق، لذلك افترقا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ولو غَصَبَ جاريةً فزنا بها فماتت، روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - (١) في أ: بعد الإمضاء. (٢) في أ: فيصير شبهة . ٢٦٨ كتاب الحدود أن عليه الحد وقيمة الجارية، وروى الحسن عنهما أن عليه القيمة ولا حد عليه، وذكر الكرخي أن هذا أصح الروايتين. وجه رواية أبي يوسف أن الضمان لا يجب إلا بعد هلاك الجارية، وهي بعد الهلاك لا تحتمل الملك، فلا يملكها الغاصب بالضمان، فلا يمتنع وجوب الحد، وجه رواية الحسن أن الضمان لا يجب بعد الهلاك، وإنما يجب في آخر جزء من أجزاء الحياة، وهي محتملة للملك في ذلك الوقت، فيستند إلى وقت وجود السبب، ولأن حياة المحل تشترط لثبوت الملك فيه مقصوداً بمبادلة مقصودة، والملك ههنا يثبت ضرورة استحالة اجتماع البدل والمبدل في ملك ١٦/٣ ب رجل واحد في عقد المبادلة، فلا يشترط له حياة المحل، فيثبت الملك في الميت/ وأنه يمنع وجوب الحد. وَلَوْ غصب حُرَّةً فزنا بها فماتت، فعليه الحد والدية، لأن ملك الضمان في الحرة لا يوجب ملك المضمون، لأن المحل لا يحتمل التملك، فلا يمتنع وجوب الحد بخلاف الأمة، والله - عَزَّ وجَلَّ - أعلم. فصل في حكم الحدود إذا اجتمعت وأما حكم الحدود إذا اجتمعت، فالأصل في أسباب الحدود إذا اجتمعت أن يقدم حق العبد في الاستيفاء على حق الله - عَزَّ وجلَّ - لحاجة العبد إلى الانتفاع بحقه، وتعالى الله - تعالى - عن الحاجات. ثم ينظر إن لم يمكن استيفاء حقوق - الله تعالى - تسقط ضرورة، وإن أمكن استيفاؤها، فإن كان في إقامة شيء منها إسقاط البواقي يقام ذلك درءاً للبواقي، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ادْرَؤُوا الحُدُودَ ما اسْتَطَعْتُمْ))(١) وَإِنْ لم يكن في إِقامة شيء منها إسقاط البواقي يقام الكل جمعاً بين الحقين في الاستيفاء وإذا ثبت هذا فنقول: إذا اجتمع القذف والشرب والسكر والزنا من غير إحصان والسرقة بأن قذف إنساناً بالزنا، وشرب الخمر وسكر من غير الخمر من الأشربة المعهودة، وزنى وهو غير محصن، وسرق مال إنسان، ثم أتى به إلى الإمام بدأ الإمام بحد القذف فيضربه، لأنه حق الله - عَزَّ وجلَّ - من وجه، وما سواه حقوق العباد على الخلوص، فيقدم استيفاؤه، ثم يستوفي حقوق الله - تعالى - لأنه يمكن استيفاؤها، وليس في إقامة شيء منها إسقاط البواقي، فلا يسقط، ثم إذا ضرب حد القذف يحبس حتى يبرأ من الضرب، ثم الإمام بالخيار في البداية إن شاء بَدَأَ بحد الزنا، وإن شاء بحد السرقة، ويؤخر حد (١) تقدم. ٢٦٩ کتاب الحدود الشرب عنهما، لأنهما ثبتا بنص الكتاب العزيز، وحد الشرب لم يثبت بنص الكتاب الكريم، إنما ثبت بإجماع مبني على الاجتهاد أو على خبر الواحد، وَلاَ شَكَّ أن الثابت بنص الكتاب آكد ثبوتاً، ولا يجمع ذلك كله في وقت واحد، بَلْ يُقَامُ كل واحد منهما بعد ما برأ من الأول، لأن الجمع بين الكل في وقت واحد يفضي إلى الهلاك. ولو كان من جملة هذه الحدود حد الرجم، بأن زنى وهو محصنٌ، يبدأ بحد القذف ويضمن السرقة ويرجم، ويدرأ عنه ما سوى ذلك، لأن حد القذف حق العبد فيقدم في الاستيفاء، وفي إقامة حد الرجم إسقاط البواقي، فيقام درءاً للبواقي، لأن الحدود واجبة الدرء ما أمكن فيدرأ، إلا أنه يضمن السرقة، لأن المال لا يحتمل الدرء. وكذا لَو كَانَ مع هذه الحدود قصاص في النفس يبدأ بحد القذف، ويضمن السرقة ويقتل قصاصاً، ويدرأ ما سوى ذلك، وإنما بدىء بحد القذف دون القصاص الذي هو خالص حق العبد، لأن في البداية بالقصاص إسقاط حد القذف ولا سبيل إليه، لذلك يبدأ بحد القذف ويقتل قصاصاً، ويبطل ما سوى ذلك لتعذر الاستيفاء بعد القتل، إلا أنه يضمن السرقة لما قلنا. وَلَوْ كَانَ مع القصاص في النفس قصاص فيما دون النفس، يحد حد القذف يقتص فيما(١) دون النفس، ويقتص في النفس، ويلغي ما سوى ذلك، ذلك ولو لم يكن في الحدود حد القذف ويقتص فيما دون النفس ثم يقتص في النفس ويلغي ما سوى ذلك، ولو اجتمعت الحدود الخالصة والقتل، يقتص، ويلغي ما سوى ذلك، لأن تقديم القصاص على الحدود في الاستيفاء واجبٌ، ومتى قدم استيفاؤه تعذر استيفاء الحدود فتسقط ضرورة والله تعالى أعلم. فصل في حكم المحدود وأما حكم المحدود، فالحد إن كان رجماً فإذا قتل يدفع إلى أهله فيصنعون به ما يصنع بسائر الموتى، فيغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه ويدفنونه، بهذا أمر رسول الله وَ * لَمَّا رَجَمَ مَاعِزاً، فَقَالَ - عليه الصلاة والسلام - ((اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ))(٢). وإن كان جلداً، فحكم المحدود وغيره سواء في سائر الأحكام من الشهادة وغيرها، إلا المحدود في القذف خاصة في أداء الشهادة، فإنه تبطل شهادته على التأبيد، حتى لا تقبل وإن تاب إلا في الديانات عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تقبل شهادتة بعد التوبة، وقد ذكرنا المسألة وفروعها في ((كتاب الشهادات)) والله - سبحانه وتعالى - الموفق. (١) في أ: مما. (٢) تقدم حديث رجم ماعز. ٢٧٠ كتاب الحدود فصل في التعزير وأما التعزير فالكلامُ فيه في مواضع: في بيان سبب وجوب التعزير. وفي بيان شرط وجوبه. وفي بيان قدره. وفي بیان وصفه. وفي بیان ما یظهر به. أما سبب وجوبه(١)، فارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، سواء كانت الجناية على حق الله، كترك الصلاة والصوم ونحو ذلك، أو على حق العبد، بأن آذى مسلماً بغير حق بفعل أبو بقول يحتمل الصدق والكذب، بأن قال له: يا خبيث، يا فاسق، يا سارق، يا فاجر، یا کافر، یا آكل الربا، یا شارب الخمر، ونحو ذلك فإن قال له: یا کلب، یا خنزير، يا حمار، يا ثور، ونحو ذلك - لا يجب عليه التعزير، لأن في النوع الأول إنما وجب التعزير، لأنه ألحق ١١٧/٣ العار بالمقذوف، إذ الناس بين مصدق ومكذب، فعزر/ دفعاً للعار عنه، والقاذف في النوع الثاني ألحق العار بنفسه بقذفه غيره بما لا يتصور، فيرجع عار الكذب إليه لا إلى المقذوف. فصل في شروط وجوب التعزير وأما شرط وجوبه، فالعقلُ فقط، فيعزر كل عاقل ارتكب جناية ليس لها حد مقدَّرٌ، سواء كان حُرًّا أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافراً، بالغاً أو صبيًّا، بعد أن يكون عاقلاً، لأن هؤلاء من أهل العقوبة إلا الصبي العاقل، فإنه يعزر تأديباً لا عقوبة، لأنه من أهل التأديب. ألا ترى إلى ما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعاً، واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْراً)(٢) وذلك بطريق التأديب والتهذيب، لا بطريق العقوبة، لأنها تستدعي الجناية، وفعل الصبي لا يوصف بكونه جناية، بخلاف المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأنهما لَيْسَا من أهل العقوبة ولا من أهل التأديب. (١) التَّعْزِيرُ: هو العقوبَةُ المشْرُوعَةُ على جِنايةٍ لا حَدَّ فيها، كَوْءِ الشَّريكِ الجاريةَ المُشْتَرَكَةَ، أو أمَتَهُ المُزَوَّجَةَ، أو جَارِيَةَ ابنِه، أو وَطْءِ امرأتِه في دُبُرِها أو حَيْضِها، أو وَطْءِ أَجْنبِيَّةِ دُونَ الفَرْجِ، أو سَرِقَةٍ ما دونَ النّصَابِ، أو من غيرِ حِرْزٍ، أو النَّهْبِ، أو الغَصبِ، أو الاخْتِلاَسِ، أو الجنايةِ علىَ إنسانٍ بما لا يُوجِبُ قِصاصاً ولا دِيَّةٍ، أو شَتْمه بما ليس بقَذْفٍ. ونَحوُ ذلك يُسَمَّى تعزيراً؛ لأنَّه مَنَعَ من الجنايةِ. والأصلُ في التعزير المنع، ومنه التعزيز بمعنى النصرة، لأنه منع لعدوه من أذاه. ينظر: المغني (٥٢٣/١٢ - ٥٢٤). (٢) تقدم. ٢٧١ كتاب الحدود فصل في قدر التعزير وأما قدر التعزير، فإنه إن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد، كما إذا قال لغيره: یا فاسق، يا خبيث، يا سارق، ونحو ذلك، فالإمام فيه بالخيار إن شاء عزره بالضرب، وإن شاء بالحبس، وإن شاء بالكهر والاستخفاف بالكلام، وعلى هذا يحمل قول سيدنا عمر - رضي الله عنه - لعبادة بن الصامت: يا أحمق(١) إن ذلك كان على سبيل التعزير منه إياه لا على سبيل الشتم، إذ لا يظن ذلك من مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بأحد (٢) فضلاً عن الصحابي. ومن مشايخنا من رتَّبَ التعزير على مراتب الناس، فقال: التعازيرُ على أربعة مراتب: تعزير الأشراف، وهم الدهاقون(٣) والقواد، وتعزير أشراف الأشراف، وهم العلوية والفقهاء، وتعزير الأوساط وهم السوقة، وتعزير الأخساء وهم السفلة. فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد، وهو أن يبعث القاضي أمينه إليه فيقول له: بلغني أنك تفعل كذا وكذا، وتعزير الأشراف بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخطاب بالمواجهة، وتعزير الأوساط الإعلام والجر والحبس، وتعزير السفلة الإعلام والجر والضرب والحبس، لأن المقصود من التعزير هُوَ الزجر، وأحوال الناس في الانزجارِ على هذه المراتب، وإن وجب بجناية في جنسها الحد لكنه لم يجب لفقد شرطه، كما إذا قال لصبيٍّ أو مجنون: يا زاني، أو لذميةٍ أو أمِّ ولدٍ يا زانية، فالتعزيرُ فيه بالضرب، ويبلغ أقصى غاياته، وذلك تسعة وثلاثون في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة .. وعند أبي يوسف خمسة وسبعون. وفي رواية ((النوادر)) عنه تسعة وسبعون، وقول محمد - عليه الرحمة - مضطربٌ، ذكره الفقيه أبو الليث - رحمه الله. والحاصلُ أنه لا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - أنه لا يبلغ التعزير الحد، لما رُوِيَ عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ بَلَغَ حَدَّا فِي غَيْرِ حَدِّ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ))(٤) إلا (١) تقدم. (٢) في ط: لا بأحد. (٣) الدهاقون: واحدها: الدهاق، وهو رئيس القرية أو الإقليم، أو القوي على التصرف مع حدة، أو من له مال وعقار، أو التاجر ينظر المعجم الوسيط (دهق). (٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٢٧/٨) كتاب الأشربة، باب ما جاء في التعزير وأنه لا يبلغ به أربعين من طريق خالد بن الوليد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله 18ّ من ضرب وفي رواية ((من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين)) - والمحفوظ هذا الحديث مرسل - قال الزيلعي في نصب الراية (٣٥٤/٣). = 1 ٢٧٢ کتاب الحدود أن أبا يوسف - رحمه الله - صَرَفَ الحد المذكور في الحديث على الأحرار، وزعم أنه الحد الكامل لا حد المماليك، لأن ذلك بعض الحد وليس بحد كامل، ومطلٌ الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب، ولأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب وغيره مُلْحَقٌ بهم فيه . ثم قال في رواية: ينقص منها سوط، وهو الأقيس، لأن ترك التبليغ يحصل به، وفي رواية قال ينتقص منها خمسة. وروي ذلك أثراً عن سيدنا عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: يعزر خمسة وسبعين(١)، قال أبو يوسف - رحمه الله -: فقلدته في نقصان الخمسة واعتبرت عنه أدنى الحدود، وروي عنه أنه قال: أخذت كل نوع من بابه وأخذت التعزير في اللمس والقبلة من حد الزنا، والقذف بغير الزنا من حد القذف ليكون إلحاق كل نوع ببابه، وأبو حنيفة صرفه إلى حد المماليك وهو أربعون، لأنه ذكر حَدًّا منكراً، فيتناول حَدًّا ما وأربعون حد كامل في المماليك فينصرف إليه، ولأن في الحمل على هذا الحد أخذاً بالثقة والاحتياط، لأن اسم الحد يقع على النوعين، فلو حملناه على ما قاله أبو حنيفة يَقَعُ الأمن عن وعيد التبليغ، لأنه لا يبلغ. ولو حملناه على ما قاله أبو يوسف، لا يقع الأمن عنه، لاحتمال أنه أراد به حد المماليك، فيصير مبلغاً غير الحد الحد، فيلحقه الوعيد، فكان الاحتياط فيما قاله أبو حنيفة رحمه(٢) والله تعالى الموفق. قال في ((التنقيح)): ورواه ابن ناجية في ((فوائده)) حدثنا محمد بن حصين الأصبحي ثنا عمر بن علي = المقدمي ثنا مسعر عن خاله الوليد بن عبد الرحمن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَّر ((من بلغ حداً)) الحديث ورواه محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)) مرسلاً فقال: أخبرنا مسعر بن كدام أخبرني الوليد بن عثمان عن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله وَلجر: ((من بلغ حداً)) اهـ. (١) قال الزيلعي في نصب الراية (٣٥٥/٣). ((غريب: وذكره البغوي في ((شرح السنة)) عن ابن أبي ليلى)) اهـ. (٢) قال ابن قدامة واختلف عن أحمد في قَدْرِهِ، فرُوِيّ عنه أنَّه لا يُزَادُ على عشرٍ جَلَداتٍ، نَصَّ أحمدُ على هذا في مَواضِعَ. وبه قال إسحاقُ؛ لِمَا رَوَى أبو بُرْدَةً قال: سمعتُ رسول اللّهِ وَّه يقول: ((لاَ يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أسْوَاطٍ، إِلاَّ في حَدِّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى)). مُتَّفَقْ عليه. والرِّوايةُ الثانيةُ: ((لا يبلُغُ أدنى حد مشروع. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به الحَدَّ». وهو الذي ذكرَ الْخِرَقِيُّ، فَيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، لَا يَبْلُغُ به أربعين سَوْطاً؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقَذْفِ، وهذا قولُ أبي حنيفةً. وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون، لم يبلُغْ به عشرين سوطاً في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ الحُرِّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِي. فلا يُزَادُ العبدُ على تسعةَ عشرَ سوطاً، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين سَوْطاً. وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ: أذْنَى الحدودِ ثمانون، فلا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسبعين. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِيِّ، أنَّه لا يبلُغُ بكلُ جنايةٍ حَدًّا مشروعاً في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدْ غيرِ جِئْسِها. ورُوِيَ = ٢٧٣ كتاب الحدود فصل في صفة التعزير وأما صفته فَلَهُ صفاتٌ: منها أنه أشد الضرب، واختلف المشايخ في المراد بالشدة المذكورة . قال بعضهم: أريد بها الشدة من حيث الجمع، وهي أن يجمع الضربات فيه على عضو واحدٍ ولا يفرق، بخلاف الحدود. وَقَالَ بعضهم: المراد منها الشدة في نفس الضرب، وهو الإيلام، ثم إنما كان أشد الضرب لوجهين : عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا. فعلى هذا، ما كان سببُه الوَطْءُ، جازَ أن يُجْلَّدَ مائةً إلاَّ سَوْطاً؛ لِيَنْقُصَ عن = حَدِّ الزِّنَا، وما كان سببُه غيرَ الوَطْءِ، لم يَبْلُغْ به أذنَى الحدودِ؛ لِمَا رُوِيَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، في الذي وَطِىءَ جاريةَ امرأتِهِ بإذْنِها، أنَّه يُجْلَدُ مائةً. وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقُّ الْمُخْصَنِ، وحَدُّهُ إنَّما هو الرَّجْمُ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عمرَ، في أُمَةٍ بينَ رَجُلَّيْنٍ، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَّدُ الحَدَّ إلاَّ سَوْطاً واحداً. رواه الأثرمُ. واحتجّ به أحمدُ. قال القاضي: هذا عندي مِن نَصُ أحمدَ لا يقْتَضِي اختلافاً في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزَادُ على عَشْرٍ جَلَداتٍ، اتُّباعاً للأثرِ، إلاَّ في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديث النُّعْمَانِ، وفي الجاريةِ المشتركَةِ؛ لحديثِ عمِرَ، وما عدَاهما يَبْقَى على العموم؛ لحديثِ أبي برْدَة. وهذا قولُ حَسَنٌ. وإِذا ثَبتَ تقديرُ أكْثَرِهِ، فليسَ أقلُّه مُقَدَّراً؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ، لَكان حَدًّا، ولأنَّ النَّبِيَّ وََّ قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدِّرْ أقلّه، فيُرْجَعُ فيه إلى اجتهادِ الإمام فيما يَراهُ، وما يقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ. وقال مالِكٌ: يجوزُ أن يُزَادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإمامُ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ مَعْنَ بنَ زائدَة، عَمِلَ خاتَّماً على نَفشِ خاتَم بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخذَ منه مالاً، فبلغ عمرَ، رَضِيَ الله عنه، فضربَه مَائَةً، وَحَبَسَةُ، وكُلِّمَ فيه، فضربَه مائةً أُخْرَى، فَكُلُّم فيه من بَعْدُ، فضربَه مائةً ونَفاهُ. وروى أحمدُ، بإسنادِهِ، أنَّ عَليًّا أَتِيّ بالنَّجَاشِيِّ قد شَرِبَ خمراً في رَمضانَ، فجلدَه ثمانين الحَدَّ، وعشرين سَوْطاً لِفِطْرِهِ في رمضانَ. ورُوِي أنَّ أبا الأسودِ اسْتخلفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فَأَتِيَ بسارقٍ قد كان جمعَ المتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْودِ: أعْجَلْتُمُوه المِسْكينَ. فضربَه خمسةً وعشرين سَوْطاً، وخَلَّى سبيلَه ولَنا، حديثُ أبي بُرْدَةَ، وروى الشَّالَنْجِيُّ بإسْنادِه عن النَّبِيِّ ◌ِِّ، أَنَّه قال: ((مَنْ بَلَغَ حدًّا في غيرِ حَدٌ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ)). ولأنَّ العقوبةَ على قدرِ الإِجْرام والمَعْصِيَةِ، والمعاصِي المنصوصُ على حُدودِها أعظمُ من غيرِها، فلا يجوز أن يَبْلُغَ في أهونِ الأمَزِينِ عُقوبةَ أعْظَمِهما. وما قالوه يُؤَدِّي إلى أنَّ من قَبَّلَ امرأةً حَراماً، يُضْربُ أكثرَ من حَدِّ الزّنَا، وهذا غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الزِّنَا مع عِظَمِه وفُخْشِهِ، لا يجوزُ أن يُزاد على حَدِّه، فما دونَه أوْلَى. فأمَّا حديثُ مَعْنٍ، فَيَحْتَمِلُ أنَّه كانتْ له ذُنوبٌ كثيرةٌ، فَأَدِّبَ على جميعِها، أو تكرَّرَ منه الأَخْذُ، أو كَانَ ذَنْبُه مُشْتَمِلاً على جناياتٍ أَحَدُها تَزْوِيرُه، والثاني أخْذُه لمالٍ بيتِ المالِ بغيرِ حَقِّه، والثالثُ فَتْحُه بابَ هذه الحيلَةِ لغيرِهِ، وغيرُ هذا. وأمَّا حديثُ النَّجاشِيِّ، فإنَّ عليًّا ضرابَهُ الحَدَّ لَشُرْبِهِ، ثم عَزَّرَه عشرين الفِطرِه، فلم يبلُغْ بتَغْزِيرِه حَدًّا. وقد ذهبَ أحمدُ إلى هذا، ورأى أنَّ من شَرِبَ الخمرَ في رمضانَ يُحَدُّ، ثم يعزَّرُ لجنايته مِن وَجْهَين. والذي يدُلُّ على صِحَّةٍ ما ذكرناه، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضيّ الله عنه، كتبَ إلى أبي موسى، أنْ لا يَبْلُغ بنكالٍ أكثرَ من عشرين سَوْطاً . ينظر: المغني (١٢ /٥٢٤ - ٥٢٦). بدائع الصنائع ج٩ - م١٨ ٢٧٤ كتاب الحدود أحدهما: أنه شرع للزجر المحض ليس فيه معنى تكفير الذنب، بخلاف الحدود، فإن معنى الزجر فيها يَشُوبُهُ معنى التكفير للذنب، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((الحُدُودُ كَفَارَاتٌ لِأَهْلِهَا))(١) فإذا تمحض التعزير للزجر، فلا شك أن الأشد أزجر، فكان في تحصيل ما شرع له أبلغُ . والثاني: أنه قد نقص عن عدد الضربات فيه، فلو لم يشدد في الضرب لا يحصل المقصود منه وهو الزجر . ١ ومنها: أنه يحتمل العفو والصلح والإبراء، لأنه حق العبد خالصاً/ ، فتجري فيه هذه الأحكام كما تجري في سائر الحقوق للعباد من القصاص وغيره، بخلاف الحدود. ١٧/٣ب ومنها: أنه يورث كالقصاص وغيره لما قلنا. ومنها: أنه لا يتداخل، لأن حقوق العبدِ لا تحتمل التداخل، بخلاف الحدود ويؤخذ فيه الكفيل، إلا أنه لا يحبس لتعديل الشهود، أما التكفيل فلأن التكفيل للتوثيق، والتعزير حق العبد فكان التوثيق ملائماً له، بخلاف الحدود على أصل أبي حنيفة - رحمه الله. وأما عدم الحبس فلأن الحبس يَضْلُحُ تعزيراً في نفسه، فلا يكون مشروعاً قبل تعديل الشهود، بخلاف الحدود أنه يحبس فيها [لتعديل الشهود](٢)، لأن الحبس لا يصلح حدًّا، والله تعالى أعلم. فصل في بيان ما يظهر به وأما بيان ما يظهر به فنقولُ: إنه يظهر به سائر حقوق العباد من الإقرار، والبينة، والنكول، وعلم القاضي، ويقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي، كما في سائر حقوق العباد. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -: لا يقبل فيه شهادة النساء، والصحيحُ هو الأول لأنه حق العبد على الخلوص، فيظهر بما يظهر به حقوق العباد ولا يعمل فيه الرجوع، كما لا يعمل في القصاص وغيره، بخلاف الحدود الخالصة لله - تعالى، والله تعالى عَزَّ شأتُهُ . أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) تقدم. كِتَابُ السَّرِقَةِ(١) يحتاج لمعرفة مسائل السرقة إلى معرفة: ركن السرقة، وإلى معرفة شرائط الركن، وإلى معرفة ما يظهر به السرقة عند القاضي، وإلى معرفة حكم السرقة . فصل في ركن السرقة أما ركن السرقة، فهو الأخذ على سبيل الاستخفاء، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿إِلاَّ مِن اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨]، سمى - سبحانه وتعالى - أَخْذَ المسموع على وجه الاستخفاء استراقاً، ولهذا يسمى الأخذ على سبيل المجاهرة مغالبة، أو نهبة، أو خلسة، أو غصباً، أو انتهاباً، واختلاساً، لا سرقة. وروي عن سيدنا عليٍّ - رضي الله عنه - أن سُئل عن المختلس والمنتهب فقال: تلك الدعابة لا شيء فيها . وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لا قَطْعَ عَلى نَّاشٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ خَائِنُ))(٢) ثم الأخذ على وجه الاستخفاء نوعان: مباشرة وتسبب. (١) وهي بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء، مع فتح السين، وكسرها؛ يقال: سرق بفتح الراء، يسرق بكسرها سرقاً، وسرقة، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه مسروق منه، فهي لغةً: أخذ الشيء من الغير خفية، أي شيء كان. واضطلاحاً: عرفها الشافعية: بأنها أخذ المال خفية؛ ظلماً، من غير حرز مثله بشروط. وعرفها المالكية: بأنها أخذ مكلّف حرًّا لا يعقل لصغره، أو مالاً محترماً لغيره نصاباً، أخرجه من حرزه، بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه وعرفها الحنفية: بأنها أخذ مكلف عاقل بالغ خفية قدر عشرة دراهم وعرفها الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله. ينظر: الصحاح ١٤٩٦/٤، المغرب ٣٩٣/١، المصباح ٤١٩/١ تهذيب الأسماء للنووي ١٤٨/٢، درر الحكام ٧٧/٢، ابن عابدين ٨٢/٤، مغني المحتاج ١٥٨/٤، المغني لابن قدامة ١٠٤/٩، كشاف القناع ١٢٩/٦، الخرشي على المختصر ٩١/٨. (٢) أخرجه أحمد (٣٨٠/٣) وأبو داود (٥٥١/٤ - ٥٥٢) كتاب الحدود: باب القطع في الخلسة حديث = ٢٧٥ ٢٧٦ كتاب السرقة (٤٣٩١) والترمذي (٥٢/٤) كتاب الحدود؛ باب الخائن والمختلس والمنتهب حديث (١٤٤٨) والنسائي = (٨٨/٨ - ٨٩) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه وابن ماجه (٨٦٤/٢) كتاب الحدود: باب المنتهب والخائن والسارق حديث (٢٥٩١) والدارمي (١٧٥/٢) كتاب الحدود: باب ما لا يقطع من السراق، وعبد الرزاق (٢١٠/١٠) رقم (١٨٨٦٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٧١/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٣١٠) وابن حبان (١٥٠٢ - موارد) والبيهقي (٢٧٩/٨) كتاب السرقة: باب لا قطع على المختلس والمنتهب والخائن والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٥٣/١١) كلهم عن أبي الزبير عن جابر قال: رسول الله وقالله: ((ليس على المختلس ولا على المنتهب ولا على الخائن قطع)). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان . وقال الزيلعي في ((نصب الراية)» (٣٦٤/٣): وسكت عنه عبد الحق في ((أحكامه)) وابن القطان بعده فهو صحيح عندهما أ هـ. وقد ضعف هذا الحديث جماعة بحجة أن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير. فقال أبو داود: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات وقد رواهما المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي گلتر. وقال النسائي: وقد روي هذا الحديث عن ابن جريج عيسى بن يونس والفضل بن موسى وابن وهب ومحمد بن ربيعة ومخلد بن يزيد وسلمة بن سعيد فلم يقل فيه منهم حدثني أبو الزبير ولا أراه سمعه من أبي الزبير وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١/ ٤٥٠): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ◌َّ ((ليس على مختلس ولا خائن ولا منتهب قطع)). فقالا: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: سمعه من ياسين أنا حدثت به ابن جريج عن أبي الزبير فقلت لهما؛ ما حال ياسين؟ فقالا: ليس بقوي. ا هـ. ((الرد على المضعفين لهذا الحديث)). مما سبق يتبين أن المضعفين لهذا الحديث أعلوه بعدم سماع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير وزاد بعضهم أنه سمعه من ياسين الزيات عن أبي الزبير عن جابر. قلت: صرح ابن جريج بسماع هذا الحديث من أبي الزبير في ثلاث روايات الأولى أخرجها الدارمي (٢/ ١٧٥) كتاب الحدود: باب ما لا يقطع من السراق، عن أبي عاصم عن ابن جريج قال: أنا أبو الزبير قال جابر .... فذكر الحديث. الرواية الثانية أخرجها الخطيب (٢٥٦/١) من طريق مكي بن إبراهيم قال: أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر أن النبي وَلو قال: ((لا يقطع الخائن ولا المختلس ولا المنتهب)) وقال الخطيب: لا أعلم روي هذا الحديث عن ابن جريج مجوداً هكذا غير مكي بن إبراهيم. وفي تصريح ابن جريج بسماعه من أبي الزبير ما يهدم تعليل هذا الحديث على أنه قد توبع ابن جريج على هذا الحديث أيضاً تابعه سفيان الثوري. أخرجه النسائي (٨٨/٨) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه وابن حبان (١٥٠٣ - موارد) والخطيب = ٢٧٧ كتاب السرقة ٠٠٠٠ في («تاريخ بغداد)» (١٣٥/٩) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر وهذا الطريق صححه = ابن حبان. لكن قال النسائي: لم يسمعه سفيان من أبي الزبير ثم أخرجه (٨٨/٨) من طريق أبي داود الحفري عن سفيان عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وتابعه أيضاً المغيرة بن مسلم. أخرجه النسائي (٨٩/٨) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣/ ١٧١) والبيهقي: (٢٧٩/٨) كتاب السرقة: باب لا قطع على المختلس والمنتهب والخائن كلهم من طريق شبابة بن سوار ثنا المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر به قال الزيلعي في ((نصب الراية» (٣٦٤/٣): والمغيرة بن مسلم صدوق قاله ابن معين وغيره ا هـ. وتابعه أيضاً أشعث بن سوار لكن موقوفاً. أخرجه النسائي (٨٩/٨) كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه من طريق أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: ليس على خائن قطع قال النسائي: أشعث بن سوار ضعيف. ومما سبق ومن تصريح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير ومتابعة الثوري والمغيرة لابن جريج أن الحديث صحيح قطعاً وقد توبع أبو الزبير أيضاً تابعه عمرو بن دينار عن جابر أخرجه ابن حبان (١٥٠٢ - موارد). والحديث ذكره الحافظ في الفتح (١٢/ ٩١ - ٩٢) وقال: هو حديث قوي أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه وصرح ابن جريج في رواية للنسائي بقوله: أخبرني أبو الزبير، ووهم بعضهم هذه الرواية فقد صرح أبو داود بأن ابن جريج لم يسمعه. من أبي الزبير قال: وبلغني عن أحمد إنما سمع ابن جريج من ياسين الزيات، ونقل ابن عدي في ((الكامل)) عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبي الزبير، وقال النسائي: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبي الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرني، ولا أحسبه سمعه قلت - أي ابن حجر - لكن وجد له متابع عن أبي الزبير أخرجه النسائي أيضاً من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير لكن أبو الزبير مدلس أيضاً وقد عنعنه عن جابر لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير فقوى الحديث وقد أجمعوا على العمل به إلا من شذا هـ. وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وأنس بن مالك. ۔ حدیث عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن ماجه (٨٦٤/٢) كتاب الحدود: باب الخائن والمنتهب والسارق حديث (٢٥٩٢) من طريق الفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَّل( يقول: ((ليس على المختلس قطع)). قال الحافظ البوصيري في ((الزوائد)» (٣١٩/٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. - حديث أنس بن مالك أخرجه الطبراني في الأوسط كما في ((نصب الراية)) (٣٦٥/٣) حدثنا أحمد بن القاسم بن المساور ثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم قال: أملى عليَّ عبد الله بن وهب من حفظه عن يونس عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ◌ّ قال: ((ليس على منتهب ولا مختلس ولا خائن قطع)». قال الطبراني: لم يروه عن الزهري إلا يونس ولا عن يونس إلا ابن وهب تفرد به أبو معمر. ٢٧٨ كتاب السرقة أما المباشرة: فهو أن يتولى السارق أخذ المتاع وإخراجه من الحرز بنفسِهِ، حتى لو دخل الحرز وأخذ متاعاً فحمله أو لم يحمله، حتى ظهر عليه وهو في الحرز قبل أن يخرجه، فلا قطع عليه، لأن الأخذ إثبات اليد، ولا يتم ذلك إلا بالإِخراج من الحرز ولم يوجد. وإن رمى به خارج الحرز ثم ظهر عليه قبل أن يخرج هو من الحرز، فلا قطع عليه، لأن يده ليست بثابتة عليه عند الخروج من الحرز، فإن لم يظهر عليه حتى خرج وأخذ ما كان رمى به خارج الحرز، يُقْطعُ، وروي عن زفر - رحمه الله - أنه لا يقطع. وجه قوله إن الأخذ من الحرز لا يتم إلا بالإخراج منه، والرمي ليس بإخراج، والأخذ من الخارج ليس أخذاً من الحرز، فلا يكون سرقةٍ. ولنا: أَن المال في حكم يده ما لم تثبت عليه يد غيره، فقد وجد منه الأخذ والإخراج من الحرز. ولو رمى به إلى صاحب له خارج الحرز فأخذه المرمى إليه فلا قطع على واحدٍ منهما، أما الخارج فلأنه لم يوجد منه الأخذ من الحرز، وأما الداخل فلأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز، لثبوت يد الخارج عليه، ولو ناول صاحباً له مناولة من وراء الجدار ولم يخرج هو، فلا قطع على واحد منهما عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما (١) يقطع الداخل، ولا يقطع الخارج إِذا كان الخارج لم يدخل يده إلى الحرز. وجه قولهما: إن الداخل لما ناوَلَ صاحبه فقد أقام يد صاحبه مقام يده، فكأنه خرج والمال في يده. وجه قوله على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة أنه لا سبيل إلى إيجاب القطع على الخارج، لانعدام فعل السرقة منه، وهو الأخذ من الحرز، ولا سبيل إلى إيجابه على الداخل لانعدام ثبوت يده عليه حالة الخروج من الحرز، لثبوت يد صاحبه، بخلاف ما إذا رمى به إلى السكة ثم خرج وأخذه، لأنه لما لم تثبت عليه يد غيره، فهو في حكم يده، فكأنه خرج به حقيقة، وإن كان الخارج أدخل يده في الحرز فأخذه من يد الداخل، فلا قطع على واحد منهما في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف أقطعهما جميعاً. أما عدم وجوب القطع على الداخل على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - فلعدم الإخراج ٢٨٨ب من الحرز، يحققه أنه لو أخرج يده وناول صاحباً له لم يقطع، فعند عدم الإخراج/ أولى، والوجوب عليه على أصل أبي يوسف - رحمه الله - لما ذكرنا في المسألة المتقدمة . (١) في أ: عند أبي يوسف ومحمد. ٢٧٩ كتاب السرقة وأما الكلام في الخارج فمبني على مسألة أخرى، وهي أن السارق إذا نقب منزلاً وأدخل يده فيه وأخرج المتاع ولم يدخل فيه، هل يقطع؟ ذكر في الأصل وفي ((الجامع الصغير)) أنه لا يقطع ولم يحك خلافاً. وقال أبو يوسف في الإملاء أقطع، ولا أبالي دَخَلَ الحرز أو لم يدخل وعلى هذا الخلاف إذا نقب ودخل وجمع المتاع عند النقب. ثم خرج وأدخل يده فرفع. وجه قوله إن الركن في السرقة هو الأخذ من الحرز(١)، فأما الدخول في الحرز فليس (١) وأخذ السرقة حرام ويدل لذلك الكتاب، والسنة والإجماعِ. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّاِقْ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبًا نَكَالاً مِنَ الله والله عَزِيز حکِیم﴾ . فإن الله تعالى قد رتب وجوب قطع الأيدي على السرقة عقوبة للسارق. وهذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا على فعل محرم شرعاً لما فيها من شديد الإيذاء. لا سيما وأنها على جهة النكال من الله العزيز الحكيم. وأما السنة : فأولاً: ما رواه الحاكم من حديث حجة الوداع. أن رسول الله وَلّر. قال: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ مِنْ مَالٍ أَخِيْهِ إِلَّ مَا أَغْطَاهُ عَنْ طِيْبٍ نَفْسٍ)) . فإن نفى الحل يقتضي الحرمة. فأخذ مال الغير حرام. إلا إذا طابت به نفسه، والسرقة أخذ مال الغير من غير طيب من نفسه، فتكون محرمة. وثانياً: ما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: قال: رسول الله وٍَّ: «لَعَنَ الله السَّارِقُ يَسْرِقُ الْبَيضَةَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ ويَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُه)). فإن اللعن على الفعل دليل حرمته. خصوصاً إذا صاحب اللعن ترتب العقوبة على الفعل كما هنا. وأما الإجماع: فقد اتفقت كلمة المجتهدين من السلف، والخلف على حرمتها. والمقصود من شروع الحد فيها هي المحافظة على مال الغير واحترامه واستتباب الأمن، والحث على العمل الذي لا تصلح المدينة بدونه. فإنه مما لا شك فيه أن ذوي الجد، والعمل إذا ما رأوا أن أموالهم التي يحصلونها بكسبهم محفوظة لا تمتد إليها أيدي المغتالين ذوي الأطماع الخبيثة، والأغراض الدنيئة، وأنهم وحدهم هم الذين ينتفعون بها ثابروا على العمل. وبذلوا جهدهم في استثمارها. وأن المغتالين إذا علموا أنهم إن اعتدوا على أموال غيرهم كانوا مؤاخذين باعتدائهم معاقبين بجرمهم كفوا أيديهم عنها، وسلكوا لتحصيل رزقهم طريقاً مشروعاً يأمنون معه سوء العاقبة وبذلك تغنى يد البطالة، وينتظم الناس في سلك العمل الذي هو أساس المدينة، وعليه ينبني العمران، وبه تتحقق السعادة بين الأفراد والجماعات. والحرز في اللغة: الموضع الحصين. ومنه الدعاء: ((الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا فِي حِرْزِ حَارِزٍ)) . وفي اصطلاح الفقهاء: هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عادة، بحيث لا يعد صاحبه مضيعاً له بوضعه فيه، كالدور، والحوانيت، والخيم. وهو يختلف باختلاف الأزمان والبلدان. ويتفاوت بتفاوت الأموال، = ٢٨٠ كتاب السرقة وقوة السلطان وضعفه، وعدله وجوره، ولهذا ترك الشارع بيانه، ولم ينص على تحديده كما لم ينص على = بيان القبض، والفرقة في البيع وأشباه ذلك مما يختلف باختلاف العرف، ولو كان له حد معين لما ترك الشارع بيانه هذا، وقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن أخذ المسروق من حرزه شرط في وجوب القطع. فلا يقطع السارق إلا إذا أخذ المسروق من حرزه. وذهب أهل الظاهر، والخوارج، وجماعة من أهل الحديث إلى عدم اشتراطه، فيجب عندهم قطع السارق مطلقاً. أخذ المسروق من حرزه أو لا . استدل الجمهور بالمنقول والمعقول. أما المنقول: فما رواه مالك في الموطأ)) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن حسن المكي أن رسول الله وَليّة. قال: ((لاَ قَطْعَ فِي ثُمَرٍ مُعَلَّقَ وَلاَ فِي حَريسة الجَبَلَ فَإِذا آواهُ .... )). المزاح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَنّ. ووجه الدلالة: أن النبي ◌َّلّر قد أثبت القطع في الثمر إذا سرق من جرينه، وفي الحريسة إذا أخذت من مُراحها ونفاه في سرقتهما قبل ذلك. فعلم أن المراح حرز للحريسة والجرين حرز للتمر وأن أخذهما من غير حرزهما لا قطع فيه وذلك يقضي باعتبار الأخذ من الحرز شرطاً لوجوب القطع فيهما. وحيث لا فرق بين مال، ومال كان الأخذ من الحرز شرطاً لوجوب القطع في سرقة كل مال. وأما المعقول: فإن الله تعالى قد جعل الأموال مهيأة للانتفاع بها. فكانت موضع أطماع الناس، وموطن رغباتهم واقتضت حكمته جل شأنه اختصاص الناس بالملك لأنه ترك الأشياء مباحة للكل يجعل النفوس في جشع دائم، وحرص شديد لما جبلت عليه من الأثرة وحب الذات فيكون ذلك مثار الفتن، وسبب النزاع المستمر. وإذا كانت رغبة النفوس في المال توبة وشغفها به أمر مطبوعة عليه ووجد الاختصاص في الملكية كان لا بد من شيء يحفظ المال على من اختص به. لذلك وجد النهي، والزجر عن أخذ مال الغير بدون رضاه ليرتدع بذلك أصحاب المروءة، والديانة كما وجه الأمر للمالك بحفظ ماله حتى لا يكون طعمة لذوي الأطماع الخبيئة، والنفوس الدنيئة. الذين لا تؤثر فيهم الموعظة، ولا تفيدهم النصيحة حتى يروا العذاب رأى العين. فإذا قام المالك بما طلب منه، ولم يفرط في صون المال من ناحيته. ثم اقتحم الغير عليه مأمنه، وهتك ما به الصون. كان من الحكمة أن يعاقب بالقطع لارتكابه تلك الجريمة بعد توجيه النهي إليه وزجره بالعقاب الأخروي. وإذا لم يقم المالك بما طلب منه، وقصر في الصون انتفى القطع لعدم تمام الجريمة بتفريطه. واستدل الظاهرية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . فإن الله تعالى قد رتب وجوب القطع على السرقة فكانت هي العلة فمتى تحققت السرقة وجب القطع مطلقاً. أخذ المسروق من حرزه أولاً . وأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالسنة التي دلت على اعتبار الأخذ من الحرز شرطاً في وجوب القطع . هذا والحق ما ذهب إليه الجمهور من القول بأن الأخذ من الحرز شرط في وجوب القطع لقوة دليله، وضعف دليل مخالفة: حتى قال ابن المنذر. إن اعتبار أخذ المسروق من حرزه شرطاً لوجوب القطع يكاد يكون أمر الجمع عليه. =