Indexed OCR Text

Pages 141-160

كتاب القسمة
الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان أنواع القسمة، وفي بيان شرعية كل
نوع.
وفي بيان معنى القسمة لغةً وشرعاً.
وفي بيان شرائط [جواز](١) القسمة، وفي بيان صفات القسمة.
وفي بيان حكم القسمة.
وفي بيان ما يُوجب نقض القسمة بعد وجودها.
أما الأول: فالقسمة في الأملاك المشتركة نوعان.
أحدهما: قسمة الأعيان.
والثاني: قسمة المنافع، وقسمة كل واحد من النوعين مشروعة، أما قسمة الأعيان فقد
عرفت شرعيتها بالسنة والإجماع.
(١) القَسْمُ لُغَةً: بالفتح مصدر: قسم الشيء يَقْسمه قَسْماً، فانقسم أي: جزّأه وأفرزه، والقِسْم بالكسر: الخط
والنصيب من الخير. قاله الجوهري، فيقال: هذا قسمي، والجمع: أقسام مثل حمل وأحمال.
والقسمة اسم وهي مؤنثة.
انظر: كتاب العين ٨٦/٥، ٨٧، الصحاح ٢٠١٠/٥، المصباح المنير ٧٧٤/٢، ترتيب القاموس ٣/
٥٤٩.
اضطلاحاً:
عرفها الأَخْتَافُ بأنها: جَمْعُ نَصيبٍ شِائع له، في مكان مُعَيِّنٍ .
عرفها الشافعية بأنها: تمييز بَعضِ الأنْصَبَاءِ من بعض.
عرفها المالكية بأنها: تَصْبِيرُ مشاع من مَمْلُوكِ مالكين معيّناً، ولو باختصاص تصرف فيه بقرعة أو تراضٍ.
وعرفها الحنابلةُ بأنها: تَمْيِيزُ بعض الأنصباء من بعض، وإفرازها عنها.
انظر: حاشية ابن عابدين ٤٠١/٥، شرح منتهى الإرادات ٥٠٨/٣ مغني المحتاج ٤١٨/٤.
(٢) سقط من ط .
١٤١
٤
٠۴

١٤٢
كتاب القسمة
أما السنة فما روي أنَّ النبي ◌َّ قَسَمَ غَنَائِمَ خَيْبَرُ بَيْنَ الغَانِمِينَ، وأدنى درجاتٍ فعله
- عليه الصلاة والسلام - الشرعية .
وأما الإجماع فإن الناس استعملوا القسمة من لدن رسول الله وَله إلى يومنا هذا من غير
نكير، فكانت شرعيته متوارثة والمعقول يقتضيه توفيراً على كل واحد مصلحته بكمالها(١).
فصل في بيان معنى القسمة
وأما بيان معنى القسمة لغةً وشرعاً، أما في اللغة: فهي عبارة عن إفراز النصيب.
وفي الشريعة عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض ومبادله بعض ببعض، لأن ما من
(١) قال الماوردي: والأصل في الحكم بالقسمة قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أَوْلُو الْقُرْبى وَاليَتَامَى
وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨].
وقال رسول الله وَالر: ((إن الله تعالى لم يرض في قمسة الأموال بملك مقرب ولا بنبي مرسل حتى تولى
قسمتها بنفسه)).
وقسم رسول الله وَير غنيمة بدر بشعب من شعاب الصفراء وقسم غنائم خيبر على ثمانية عشر سهماً وقسم
غنائم حنين بأوطاس وقيل بالجعرانة.
واختصم إليه رجلان في مواريث تقادمت وتدارست فقال: اذهبا فاقتسماها واستهما وتحالا، وقد كان
للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قسام وكان قاسم علي رضي الله عنه عبد الله بن يحيى يعطيه رزقه من
بيت المال.
ولأن بالناس إلى قسمة المشترك حاجة فلم يجدوا بداً من قاسم ينصفهم في الحقوق وإذا كان كذلك فقد
قال الشافعي: القسام حكام، وإنَّما كانوا حكاماً لأمرين:
أحدهما: أنهم قد يوقعون القسمة جبراً كما يجبر الحكام في الأحكام.
والثاني: أنهم يستوفون الحقوق لأهلها كاستيفاء الحكام.
ولئن كانوا حكاماً لهذين الأمرين فإنهم يخالفون حكام الأحكام من وجهين:
أحدهما: أن حكم القسام مختص بالتحري في تمييز الحقوق وإقرارها وحكم الحكام مختص بالاجتهاد في
أحكام الدين وإلزامها.
والثاني: استعداء الخصوم يكون إلى الحكام دون القسام لأن للحكام ولاية يستحقون بها إجابة المستعدي
وليس للقسام ولاية ولا عدوى.
وإنما يقسمون بأمر الحكام لهم أو لتراضي الشركاء بهم فصاروا في القسمة أعوان الحكام فلزم الحاكم أن
يختار لنظره من القسام من تكاملت فيه شروط القسمة وهي ثلاثة:
أحدها: العدالة؛ لأنه حاكم مؤتمن فلا يجوز أن يكون عبداً ولا فاسقاً.
والثاني: قلة الطمع ونزاهة النفس حتى لا يرتشي فيما يلي ويجوز.
والثالث: علمه بالحساب والمساحة؛ لأنه مندوب لهما، وعامل بهما واعتبار هذين في القاسم كاعتبار
العلم في الحاكم فإذا عرف تكامل هذه الشروط الثلاثة فيه عُين على اختياره وندبه للقسمة في عمله.
ينظر: الحاوي ٢٤٥/١٦.

١٤٣
كتاب القسمة
جزأين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة إلا وأحدهما ملك أحد الشريكين والآخر ملك
صاحبه غير عين، فكان نصف العين مملوكاً لهذا، والنصف مملوكاً لذاك على الشيوع، فإذا
قسمت بينهما نصفين والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعه غير معينة، فتجتمع بالقسمة
في نصيبه دون نصيب صاحبه، فلا بد وأن يجتمع في نصيب كلٌ واحد منهما أجزاء بعضها
مملوكة له وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع، فلو لم تقع القسمة مبادلة في بعض أجزاء
المقسوم - لم يكن المقسوم كله ملكاً للمقسوم عليه، بل يكون بعضه ملك صاحبه، فكانت
القسمة منهما بالتراضي، أو بطلبهما/ من القاضي رضاً من كل واحد منهما بزوال ملكه عن
نصف نصيبه بعوضٍ، وهو نصف نصيب صاحبه وهو تفسير المبادلة، فكانت القسمة في حق
الأجزاء المملوكة له إفرازاً وتمييزاً أو تعييناً لها في الملك، وفي حق الأجزاء المملوكة لصاحبه
معاوضة وهي مبادلة بعض الأجزاء المجتمعة في نصيبه ببعض الأجزاء المجتمعة في نصيب
صاحبه، فكانت إفراز بعض الأنصباء ومعاوضة البعض ضرورة، وهذا هو حقيقة القسمة
المعقولة في الأملاك المشتركة، فكان معنى المعاوضة لازماً في كل قسمة شرعية، إلا أنه
أعطى لها حكم الإفراز في ذوات الأمثال في بعض الأحكام، لأن المأخوذ من العوض مثل
المتروك من المعوض، فجعل كأنه يأخذ عين حقه بمنزلة المقرض(١)؛ حتى كان لكل واحد
منهما أن يأخذ نصيبه من غير رضا صاحبه، فجعل إفرازاً حكماً، وهذا المعنى لا يوجد في غير
ذوات الأمثال.
١٢٣٩/٣
فإن قيل أليس إنه يجبر على القسمة والمعاوضات(٢) مما لا يجري فيها الجبر كالبيع
ونحوه.
فالجواب: أن المعاوضة قد يجري فيها الجبر، ألا ترى أن الغريم يجبر على قضاء
الدين، وقضاء الدين لا يتحقق إلا بطريق المعاوضة على ما بينا في ((كتاب الوكالة))، دل أن
الجبر لا ينفي المعاوضة، فجاز أن يجبر على القسمة وإن كانت معاوضة، مع ما أن الجبر لا
يجري في المعاوضات المطلقة كالبيع ونحوه، والقسمة ليست بمعاوضة مطلقة، بل هي إِفْرَازٌ
من وجه ومعاوضةٌ من وجهٍ، فجاز أن يجري فيها الجبر.
وعلى هذا الأصل تخرج قسمة المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة - أنها لا
تجوز مجازفة، كما لا يجوز بيعها مجازفة، لاعتبار معنى المبادلة، وذكر في الكتاب في كر
حنطة مشتركٍ بين رجلين، ثلاثون منه رديئة وعشرة منه جيدة قيمتها سواء، فأراد أن يقتسماه
فيأخذ أحدهما ثلاثين والآخر عشرة - أنه لا يجوز لتمكن الربا فيه، لتحقق معنى المعاوضة.
(١) في أ: المعوض.
(٢) في أ: والمعاوضة.

١٤٤
كتاب القسمة
ولو زاد صاحب الزيادة ثوباً أو شيئاً آخر، جاز لأن الزيادة صارت مقابلة بالثوب، فزال
معنى الربا.
وقال في زرع مشترك بين رجلين في أرض مملوكة لهما، فأرادا قسمة الزرع دون الأرض
وقد سنبل الزرع - أنه لا تجوز قسمته؛ لأن قسمته بطريق المجازفة، ولا تجوز المعاوضة
بطريق المجازفة في الأموال الربوية، وكذا لو أوصى بصوف على ظهر غنم لرجلين، أو أوصى
باللبن في الضرع لهما - لم تجز قسمته قبلَ الجزِّ والحلبِ، لأن الصوف واللبن من الأموال
الربوية، فلا يحتملان القسمة مجازفة، كما لا يحتملان البيع مجازفة، وكذا خيار العيب يدخل
في نوعي القسمة كما يدخل في البيع، وخيار الرؤية والشرط يدخل في أحد النوعين دون
الآخر، لا لانعدام معنى المبادلة بل لمعنى آخر نذكُرُهُ في موضعه.
ولو اشترى رجلاً من رجل كرَّ حنطة بمائة درهم فاقتسماه، فلكل واحد منهما أن يبيع
نصيبه مرابحةً على خمسين درهماً، ولو اشتريا داراً بمائة درهم فاقتسماها، ليس لواحد منهما
أن يبيع نصيبه مرابحة على خمسين، وإنما افترق النوعان في هذا الحكم، لا لاعتبار معنى
الإفراز في أحدهما والمبادلة في الآخر، بل لمعنى آخر، وهو أن المرابحة بيع بمثل المذكور
ثمناً في الأول مع زيادة شيء، وإنما يجوز البيع بمثل المذكور ثمناً في الأول مع زيادة شيء
فيما يحتمل الزيادة، وأما فيما لا يحتمل الزيادة فلا، كما إذا اشترى كر حنطة بكر حنطة لا
يبيعه مرابحة على الكر، كذا هنا، بل أولى لأن ذلك معاوضة مقصودة، والمعاوضة في القسمة
ليست بمقصودة، وإذا كان كذلك يسقط اعتبار هذا الثمن شرعاً في هذا الحكم؛ لأنه لا يحتمل
الزيادة، فكان له أن يبيعه مرابحة على أول ثمن يحتمل الزيادة وهو الخمسون، بخلاف قسمة
الدار، لأن هناك يمكن البيع بالثمن الأول، وهو ثمن القسمة وزيادة شيء بأن يبيع نصفه من
شريكه بالنصف الذي في يده وربح درهم مثلاً، كما إذا اشترى داراً بدارٍ، أو اشترى كر حنطة
٢٣٩/٣ب بثوب فأمكن بيعه مرابحة على الثمن الأول في الجملة، فلم يجز بيعه مرابحة على خمسين/ ،
إلا أنه إذا باعه مرابحةً أو باعه من بائعه بالنصف الذي في يده بربح ده یازده - لا يجوز لمعنى
عرف في ((كتاب البيوع))، والله تعالى أعلم.
فصل في شروط جواز القسمة
وأما شرائط جواز القسمة فأنواع: بعضها يرجع إلى القاسم، وبعضها يرجع [إلى](١)
المقسوم، وبعضها يرجع إلى المقسوم له.
(١) سقط في ط.

١٤٥
كتاب القسمة
أما الذي يرجع إلى القاسم فنوعان: نوعٌ هو شرط الجواز، ونوع هو شرط الاستحباب.
أما شرائط الجواز فأنواعٌ: منها العقل، فلا تجوز قسمة المجنون والصبي الذي لا يعقل،
لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات الشرعية، فأما البلوغ فليس بشرط لجواز القسمة حتى
تجوز قسمة الصبي الذي يعقل القسمة بإذن وليه.
وكذلك الإسلام والذكورة والحرية - ليست بشرط لجواز القسمة؛ فتجوز قسمة الذمي
والمرأة والمكاتب والمأذون، لأن هؤلاء من أهل البيع فكانوا من أهل القسمة، والله - سبحانه
وتعالى - أعلم.
ومنها: الملك والولاية، فلا تجوز القسمة بدونهما، أما الملك فالمعنى به أن يكون
القاسم مالكاً فيقسم الشركاء بالتراضي، وأما الولاية فنوعان: ولاية قضاء وولاية قرابة، إلا أن
شرط ولاية القضاء الطلب، فيقسم القاضي وأمينه على الصغير والكبير، والذكر والأنثى،
والمسلم والذمي، والحر والعبد، والمأذون والمكاتب - عند طلب الشركاء كلهم أو بعضهم،
على ما نذكره.
ولا يشترط ذلك في ولاية القرابة، فيقسم الأب ووصيه، والجد ووصيه، على الصغير
والمعتوه من غير طلب أحد.
والأصل فيه أن كل من له ولاية البيع فله ولاية القسمة، ومن لا فلا، ولهؤلاء ولاية البيع
فكانت لهم ولاية القسمة، وكذا القاضي له ولاية بيع مال الصغير والكبير في الجملة، فكان له
ولاية القسمة في الجملة.
وأما وصي الأم ووصي الأخ والعم، فيقسم المنقول دون العقار، لأن له ولاية بيع
المنقول دون العقار، وفي وصي المكاتب إذا مات عن وفاء أنه هل يقسم؟ فيه روايتان، وهذا
كله يقرر ما قلنا إن معنى المبادلة لازمٌ في القسمة، حيث جعل سبيله سبيل البيع في الولاية،
ولا يقسم وصي الميت على الموصى له لانعدام ولايته عليه.
وكذا لا يقسم الورثة عليه لانعدام ولايتهم عليه، لأن الموصى له كواحد من الورثة، ولا
يقسم بعض الورثة على بعض لانعدام الولاية، فلا يقسمون على الموصى له، ولو اقتسموا وهو
غائب نُقضت قسمتهم، لكن هذا إذا كانت القسمة بالتراضي، فإن كانت بقضاء القاضي تنفذ
ولا تنقض، لما نذكره في موضعه، إن شاء الله - تعالى -.
وأما شرائط الاستحباب فأنواع: منها أن يكون عدلاً، أميناً، عالماً بالقسمة؛ لأنه لو كان
غير عدلٍ، خائناً، أو جاهلاً بأمور القسمة، يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز.
بدائع الصنائع ج٩ - م١٠

١٤٦
كتاب القسمة
ومنها: أن يكون منصوب القاضي، لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب، ولأنه
أجمع لشرائط الأمانة، والأفضل أن يرزقه من بيت المال ليقسم للناس من غير أجر عليهم، لأن
ذلك أرفق بالمسلمين، فإن لم يمكنه أن يرزقه من بيت المال، يقسم لهم بأجر عليهم، ولكن
ينبغي للقاضي أن يقدر له أجرة معلومة كيلا يتحكّم على الناس.
ولو أراد الناس أن يستأجروا قساماً آخر غير الذي نصبه القاضي - لا يمنعهم القاضي عن
ذلك ولا يجبرهم أن يستأجروا قساماً، لأنه لو فعل ذلك لعله لا يرضى إلا بأجرة كثيرة فيتضرر
الناس، وكذا لا يترك القسامين يشتركون في القسم لما قلنا.
ومنها: المبالغة في تعديل الأنصباء والتسوية بين السهام بأقصى الإمكان، لئلا يدخل
قصور في سهم، وينبغي أن لا يدع حقًّا بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل
والشرب، إلا إذا لم يمكن، وينبغي أن لا يضم نصيب بعض الشركاء إلى بعض إلا إذا رضوا
بالضم، لأنه يحتاج إلى القسمة ثانياً، وينبغي أن لا يدخل في قسمة الدار ونحوها الدراهم إلا
إذا كان لا يمكن القسمة إلا كذلك، لأن محل القسمة الملك المشترك ولا شركة في الدراهم
فلا يدخلها في القسمة إلا عند الضرورة، والله - سبحانه وتعالى - الموفق.
ومنها: أن يُقْرِع بينهم بعد الفراغ من القسمة، ويشترط عليها قَبُول من خرج سهمُهُ أولاً
فله هذا السهم من هذا الجانب من الدار، ومن خرج سهمه بعده فله السهم الذي يليه هكذا،
ثم يقرع بينهم لا لأن القرعة يتعلق بها حكم، بل لتطييب النفوس ولورود السنة بها، ولأن ذلك
أنفى للتهمة فكان سنة والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإذا قسم بأجر(١) فأجرة القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة - رحمه الله -،
(١) وينبغي أن تكون أجور هؤلاء القسام من بيت المال؛ لأن علياً رزقهم منه، ولأنهم مندوبون للمصالح
العامة فاقتضى أن تكون أجورهم من أموال المصالح.
فإن كثرت القسمة واتصلت فرضت أرزاقهم مشاهرة في بيت المال من سهم المصالح وإن قلت أعطوا منه
أجرة كل قسمة.
فإن عدل المقسمون عنهم إلى قسمة من تراضوا به من غيرهم جاز، ولم يعترض عليهم، وجاز أن يكون
من ارتضوه عبداً، أو فاسقاً، وكانت أجرته في أموالهم ولم تكن في بيت المال.
وإذا أعوزت أجور القسام من بيت المال، إما لعدمه فيه، وإما لحاجة المقاتلة إليه كانت أجورهم على
المتقاسمين إن لم يجدوا متبرعاً .
ولا تمنع نيابتهم عن القضاة أن يعتاضوا على القسمة بخلاف القضاة الممنوعين من الاعتياض على
الأحكام من الخصوم الوقوع الفرق بينهما وجهين :
أحدهما: إن في القضاء حقاً لله تعالى يمنع به القاضي من الاعتياض، والقسمة من حقوق الآدميين
المحضة فجاز للقاسم الاعتياض عنها.
=

١٤٧
كتاب القسمة
وعندهما - رحمهما الله - على قدر الأنصباء(١) .
وجه قولهما إن أجرة القسمة من مؤنات الملك فيتقدر بقدره كالنفقة.
وجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - إن الأجرة بمقابلة العمل وعمله في حق الكل على
السواء، فكانت الأجرة عليهم على السواء، وهذا لأن عمله تمييز الأنصباء والتمييز عمل
واحد، لأن تمييز القليل من الكثير هو بعينه تمييز الكثير من القليل، والتفاوت في شيء واحد
والثاني: أن للقاسم عملاً يباشر بنفسه فصار كصناع الأعمال في جواز الاعتياض عنها وخالف القضاة
=
المقتصرين على الأوامر والنواهي التي لا يصح الاعتياض عنها.
وإنما يأخذ القاضي رزقه من بيت المال لانقطاعه إلى الحكم وليس بأخذه أجرة على الحكم كما نقوله في
أرزاق الأئمة والمؤذنين.
ينظر: الحاوي ٢٤٦/١٦.
(١) إذا استأجر المقتسمون القاسم بأجرة مسماة فلهم فيها حالتان:
إحداهما: أن يستأجره كل واحد منهم في حقه خاصة دون شركائه، فهذا جائز ويختص كل واحد منهم
في حقه بالتزام ما سمى، ولا فرق بين أن يتساووا فيه أو يتفاضلوا.
والحال الثانية: أن يجتمعوا على استئجاره بأجرة واحدة فهذا جائز وهو أولى، لتنتفي التهمة عنهم في
التفضيل والممايلة وتكون الأجرة مقسطة بينهم عند الشافعي على قدر الأنصباء والسهام ولا يقسط على
أعداد الرؤوس.
وقال أبو حنيفة: يقسط على أعداد رؤوسهم يستوي فيها من قل نصيبه وكثر.
وقال أبو يوسف ومحمد: القياس تقسيطها على الرؤوس والاستحسان تقسيطها على السهام.
واستدل من قسطها على العدد، بأن عمل القاسم في قليل السهم أكثر من عمله في كثيره؛ لأن الأرض إذا
كانت بينهما نصفين قسمها نصفين وإذا كان لأحدهما سدسها، وللآخر باقيها قسمها أسداساً فكان في حق
القليل أكثر عملاً فاقتضى إذا لم يزد أن لا ينقص.
وهذا فاسد من ثلاثة أوجه :
أحدها: أن مؤن المال المشترك يجب تقسيطها على قدر الملك دون الملاك كنفقات البهائم.
والثاني: أنه قد يقل سهم أحد الشريكين حتى يكون سهماً من مائة سهم؛ فلو التزم نصف الأجرة لجاز أن
تستوعب قيمة ملكه فتؤدي إجازة ملكه بالقسمة إلى إزالة ملكه بها وهذا مدفوع في المعقول.
والثالث: أنه لما كان ثمن الملك لو بيع مقسطاً بينهم على السهام، اقتضى أن تتقسط أجرة قسمه على
السهام.
واستدلالهم بأن عمل القاسم في قليل السهم أكثر، ففاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان أكثر لوجب أن يكون ما يلزمه أكثر.
والثاني: أنه خطأ؛ لأنه قد يكون لصاحب السدس سهم ولصاحب الباقي خمسة أسهم وعمله في الخمسة
أسهم أكثر من عمله في السهم الواحد؛ لأنه يحتاج أن يذرع الجميع فيعرف مساحته.
وقولهم إن كثرة العمل لقلة سهم الآخر خطأ بل هو لكثرة سهم شريكه فبطل الاستدلال.
ينظر: الحاوي ٢٤٨/١٦ - ٢٤٩.

١٤٨
كتاب القسمة
محال، وإذا لم يتفاوت العمل لا تتفاوت الأجرة، بخلاف النفقة لأنها بمقابلة الملك، والملك
يتفاوت، فهو الفرق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
فصل فيما يرجع إلى المقسوم له
وأما الذي يرجع إلى المقسوم له فأنواع: منها أن لا يلحقه ضررٌ في أحد نوعي القسمة
دون النوع الآخر.
وبيان ذلك أن القسمة نوعان: قسمة جبر، وهي التي يتولاها القاضي، وقسمة رضا وهي
التي يفعلها الشركاء بالتراضي، وكل واحد منهما على نوعين: قسمة تفريق وقسمة جمع.
أما قسمة التفريق فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الذي تصادفه القسمة لا يخلو من أحد
وجهين: إما أن يكون مما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين أصلاً، بل لهما فيه منفعة، وإما أن
يكون مما في تبعيضه مضرة، فإن كان مما لا مضرة في تبعيضه أصلاً بل فيه منفعة للشريكين
كالكيل والموزون والعددي المتقارب. فتجوز قسمة التفريق فيها قسمة جبر، كما تجوز فيها
قسمة الرضا لتحقق ما شرع له القسمة، وهو تكميل منافع الملك، وإن كان مما في تبعيضه
ضرر فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون فيه ضرر بكلٌ واحد منهما، وإما أن يكون فيه
ضرر بأحدهما، نفع في حق الآخر، فإن كان في تبعيضه ضرر بكل واحد منهما فلا تجوز
قسمة الجبر فيه، وذلك نحو اللؤلؤة الواحدة، والياقوتة، والزمردة، والثوب الواحد، والسرج،
والقوس، والمصحف الكريم، والقباء، والجبة، والخيمة، والحائط، والحمام، والبيت
الصغير، والحانوت الصغير، والرحى، والفرس، والجمل، والبقرة، والشاة، لأن القسمة في
هذه الأشياء قسمة إضرار بالشريكين جميعاً، والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار، وكذلك
النهر والقناة والعين والبئر لما قلنا، فإن كان مع ذلك أرض قسمت الأرض وتركت البئر والقناة
على الشركة، فأما إذا كانت أنهار الأرضين متفرقة أو عيوناً أو آباراً، قسمت الآبار والعيون لأنه
لا ضرر في القسمة، وكذا الباب والساجة(١) والخشبة إذا كان في قطعهما ضرر، فإن كانت
الخشبة كبيرة يمكن تعديل القسمة فيها من غير ضرر، جازت، وتجوز قسمة الرضا في هذه
الأشياء بأن يقتسماها بأنفسهما بتراضيهما، لأنهما يملكان الإضرار بأنفسهما مع ما أن ذلك لا
يخلو عن نوع نفع، وما لا تجري فيه القسمة لا يجبر واحدٌ منهما على بيع حصته (٢) من صاحبه
عند عامة العلماء.
(١) الساجة: ضرب من الملاحف. المعجم الوسيط (سوج).
(٢) في أ: نصيب.

١٤٩
كتاب القسمة
وقال مالك - رحمه الله -: إذا اختصما فيه باع القاضي وقسم الثمن بينهما.
والصحيح قول العامة لأن الجبر على إزالة الملك غير مشروع.
وعلى هذا طريق بين رجلين طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر، فإن كان يستقيم لكل
واحد منهما طريق نافذ بعد القسمة، يجبر على القسمة، لأن القسمة تقع تحصيلاً لما شرعت
له، وهو تكميل منافع الملك، فيجبر عليها، وإن كان لا يستقيم لا يجبر على القسمة، لأنها
قسمة إضرار بالشريكين، فلا يليها القاضي إلا إذا كان لكل واحد منهما في نصيبه من الدار
مفتح من وجه آخر، فيقسم أيضاً، لأن القسمة في هذه الصورة لا تقع إضراراً، ولو اقتسما
بأنفسهما جازت لتراضيهما بالضرر.
وكذلك المسيل المشترك إذا طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر، وإن كان بحال لو قسم
نصيب كل واحد منهما بعد القسمة قدر ما يسيل ماؤه، أو كان له موضع آخر يمكنه التسييل فيه
يقسم، وإن لم يمكن لم يقسم، لما ذكرنا في الطريق.
وعلى هذا إذا طلب أحدهما مفتح الدار من غير رفع الطريق وأبى الآخر إلا برفع الطريق
- أنه إن كان لكلِّ واحد منهما مفتح آخر يفتحه في نصيبه قسم بينهما بغير رفع الطريق، لأن ما
هو المطلوب من القسمة وهو تكميل منافع الملك في هذه القسمة أوفر، وإن لم يكن، رَفَعَ
بينهما طريقاً وقسم الباقي؛ لأنه إذا لم يكن بينهما مفتح كانت القسمة بغير طريق، تفويتاً
للمنفعة لا تكميلاً لها، فكانت إضراراً بهما، وهذا لا يجوز إلا إذا اقتسما بأنفسهما بغير طريق
فيجوز لما قلنا .
٠
ولو اختلفا في سعة الطريق وضيقه، جعل الطريق على قدر عرض باب الدار وطوله على
أدنى ما يكفيها؛ لأن الطريق وضع للاستطراق والباب هو الموضوع مدخلاً إلى أدنى ما يكفي
للاستطراق فيحكم فيه والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وعلى هذا إذا بنى رجلاً في أرض رجل بإذنه وطلب أحدهما قسمة البناء وأبى الآخر،
وصاحب الأرض غائب - لم تقسم، لأن الأرض المبنى عليها بينهما شائع بالإعارة أو
بالإجارة، فلو قسم البناء بينهما لكان لكل واحد منهما سبيل في بعض نصيب صاحبه، وفيه
ضرر فلا يجبر على القسمة، ولو اقتسما بالتراضي جازت، وكذا لو هدمها وكانت الآلة بينهما.
وعلى هذا زرع بين رجلين في أرض مملوكة لهما طلب أحدهما قسمة الزرع دون
الأرض، فإن كان الزرع قد بلغ وسنبل - لا يقسم، لما ذكرنا من قبل، ولو طلبا جميعاً لا يقسم
أيضاً، لأن المانع هو الربا، وحرمة الربا لا تحتمل الارتفاع بالرضا.
وإن كان الزرع بقلاً فطلب أحدُهما لا يقسم أيضاً، لأن الأرض مملوكة لهما على

١٥٠
كتاب القسمة
الشركة، فلو قسم لكان كل واحد منهما بسبيل من القطع، وفيه ضرر، ولا جبر على الضرر.
ولو اقتسما بأنفسهما وشرطا القطع، جازت لأنهما رضيا (١) بالضرر، ولو شرطا الترك لم
يجز، لأن رقبة الأرض مشتركة بينهما، فكان شرط الترك منهما في القسمة شرطاً لانتفاع كل
واحد منهما بملك شريكه، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع، فكان مفسداً للقسمة، لأن فيها معنى
البيع، وكذلك لو لم تكن الأرض مملوكة لهما وكانت في أيديهما بالإعارة أو بالإجارة، والزرع
بَقْلٌ - لا تقسم لما ذكرنا، ولو اقتسما بأنفسهما جازت بشرط القطع، ولا تجوز بشرط الترك
کالبيع على ما ذكرنا.
وكذلك طلع بين رجلين طلب أحدهما قسمة الطلع دون النخل والأرض، لم يقسم لما
ذكرنا في الزرع، ولو اقتسما بالتراضي فإن شرطا القطع جاز، وإن شرطا الترك لم يجز لما
ذكرنا في الزرع، ولو تركه بعد القسمة بإذن صاحبه فأدرك وقلع فالفضل له طيب، لأنه وإن
حصل في ملك مشترك لكنه حصل بإذن شريكه، فلا يكون خبيثاً، وإن لم يأذن له يَتَصَدَّق
بالفضل لتمكن الخبث فيه، فكان سبيله التصدق.
هذا إذا كان شيئاً في تبعيضه ضرر بكلٌ واحد من الشريكين، فأما إذا كان شيئاً في تبعيضه
ضرر بأحدهما دون الآخر، كالدار المشتركة بين رجلين ولأحدهما فيها شقصٌ قليلٌ، فإن طلب
صاحب الكثير القسمة قسم بالإجماع(٢)، لأن القسمة في حقه مفيدة لوقوعها، محصلة لما
شرعت له من تكميل منافع الملك، وفي حق صاحب القليل تقع منعاً له من الانتفاع بنصيبه، إذ
· لا يقدر صاحب القليل على الانتفاع بنصيبه إلا بالانتفاع بنصيب صاحب الكثير لقلة نصيبه،
فكانت القسمة في حقه منعاً له من الانتفاع بنصيب شريكه فجازت، وإن طلب صاحب القليل
القسمة فقد ذكر الحاكم الجليل في مختصره أنه يقسم، وذكر ((القدوري)) - رحمه الله - أنه لا
یقسم .
وجه ما ذكره الحاكم أنه لا ضرر في هذه القسمة في حق صاحب الكثير، بل له فيه
منفعة، فكان في الإباء متعنتاً، فلا يعتبر إباؤه، وصاحب القليل قد رضي بالضرر حيث طلب
القسمة، فيجبر على القسمة، كما إذا لم يكن في تبعيضه ضرر بأحدهما أصلاً، بخلاف الفصل
الأول، لأن هناك تقع القسمة إضراراً بكل واحد منهما ولم يوجد الرضا بالضرر، والقاضي لا
يملك الجبر على الإضرار، فهو الفرق.
وجه ما ذكره القدوري - رحمه الله - أن صاحب القليل مُتَعنّتْ في طلب القسمة، لكون
القسمة ضرراً محضاً في حقه فلا يعتبر طلبه، وقسمة الجبر لم تشرع بدون الطلب، ولو اقتسما
(١) في أ: تراضيا.
(٢) في ط: قسمتا جماعاً.

١٥١
كتاب القسمة
بأنفسهما جازت لما ذكرنا أن صاحب القليل قد رضي بالضرر بنفسه، ولا ضرر فيه لصاحب
الكثير أصلاً، فجازت قسمتها .
وعلى هذا دار بين شريكين قسمت بينهما فأصاب أحدهما موضعاً بغير طريق شرط له في
القسمة/ فإن كان له فيما أصابه مفتحٌ إلى الطريق جازت القسمة؛ لأنه لا مضرة له فيها، إذ ١٢٤١/٣
يمكنه (١) الانتفاع بنصيبه بفتح طريق آخر، وَإنْ لم يكن له فيما أصابه مفتح أصلاً(٢)، فإن ذكر
الحقوق في القسمة فله حق الاختيار في نصيب صاحبه، لأن الطريق من الحقوق، فصار
مذكوراً بذكر الحقوق، وإن لم يذكر لم تجز القسمة، لأنها قسمة إضرار في حق أحد
الشريكين.
وكذلك إذا قسمت بغير مسيل شرط لأحدهما، ووقع المسيلُ في نصيب الآخر، فهو
على التفصيل الذي ذكرنا في الطريق.
ولو اقتسما على أن لا طريق له ولا مسيل، جازت لأنه رضي بالضرر، والله - سبحانه
وتعالى - أعلم.
وعلى هذا الأصل تخرج قسمة الجمع أنه لا يجبر عليها في جنسين، لأنها في الأجناس
المختلفة تقع إضراراً في حق أحدهما، فلا يجبر عليها، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.
هذا الذي ذكرنا في قسمة التفريق، وأما قسمة الجمع فهي أن يجمع نصيب كل واحد من
الشريكين في عين على حدة، وأنها جائزة في جنس واحد، ولا تجوز في جنسين، لأنها عند
اتحاد الجنس تقع وسيلة إلى ما شرعت له وهو تكميل منافع الملك، وعند اختلاف الجنس تقع
تفويتاً للمنفعة لا تكميلاً لها .
إذا عرفت هذا فنقول: لا خلاف أن(٣) الأمثال المتساوية وهي المكيلات والموزونات
والعدديات المتقاربة من جنس واحد تقسم قسمة جمع، لأنه يمكن استيفاء ما شُرعت له القسمة
فيها من غير ضررٍ، لانعدام التفاوت، وكذلك تِبْرُ الذهب وتبر النحاس وتبر الحديد لما قلنا،
وكذلك الثياب إذا كانت من جنس(٤) واحد كالهروية، وكذلك الإبل والبقر والغنم، لأن
التفاوت عند اتحاد الجنس والمطلوب لا يتفاحش، بل يقل، والتفاوت القليل ملحق بالعدم أو
يجبر بالقيمة فيمكن تعديل القسمة فيه، وكذلك اللآلىء المنفردة، وكذا اليواقيت المنفردة لما
قلنا، وكذا لا خلاف في أنه لا يقسم في جنسين من المكيل والموزون والمذروع والعددي
(١) في أ: لا يمكنه.
(٢) في أ: مفتح آخر.
(٣) في ط: في.
(٤) في أ: صنف.

١٥٢
كتاب القسمة
قسمة جمع كالحنطة والشعير والقطن والحديد والجوز واللوز والثياب البردية [والهروية](١)
والمروية، وكذلك اللآلىء واليواقيت، وكذا الخيل والإبل والبقر والغنم؛ وكذا إذا كان من كل
جنس فرد، كبرذُونٍ، وجمل، وبقرة، وشاة، وثوب، وقباء، وجبة، وقميص، ووسادة،
وبساط، لأن هذه الأشياء لو قسمت على الجمع، كان لا يخلو من أحد وجهين: إما أن تقسم
باعتبار أعيانها، وإما أن تقسم باعتبار قيمتها بأن يضم إلى بعضها دراهم أو دنانير، لا سبيل إلى
الأول لأن فيه ضرراً بأحدهما لكثرة التفاوت عند اختلاف الجنس، والقاضي لا يملك الجبر
على الضرر، ولا سبيل إلى الثاني لأن ذلك قسمة في [غير](٢) محلها، لأن محلها الملك
المشترك ولم يوجد في الدراهم.
ولو اقتسما بأنفسهما أو تراضيا على ذلك جازت القسمة، حتى لو اقتسما ثوبين مختلفي
القيمة وزاد مع الأوكس دراهم مسماة، جاز، وكذا في سائر المواضع ويكون ذلك قسمة الرضا
لا قسمة القضاء، وكذا الأواني سواء [اختلفت أصولها أو اتحدت](٣) لأنها بالصناعة أخذت
حكم جنسين حتى جاز بيع الأواني الصغار واحداً باثنين.
وأما الرقيق فلا يقسم عند أبي حنيفة - رحمه الله - قسمة جمع.
وعندهما (٤) يقسم.
وجه قولهما إن الرقيق على اختلاف أوصافها وقيمتها جنس واحد، فاحتمل القسمة
كسائر الحيوانات من الإبل والبقر والغنم، وما فيها من التفاوت يمكن تعديله بالقيمة.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لم يوجد شرط جواز القسمة، وجواز التصرف بدون شرط
جوازه محال، وبيان ذلك على نحو ما ذكرنا، أنا لو قسمناها رقاباً باعتبار أعيانها فقد أضررنا
بأحدهما، لتفاحش التفاوت بين عبد وعبد في المعاني المطلوبة من هذا الجنس، فكانا في
حكم جنسين مختلفين، ومن شرط جواز هذه القسمة أن لا تتضمن ضرراً بالمقسوم عليه، ولو
قسمناها باعتبار القيمة لوقعت القسمة في غير محلها، لأن محلها الملك المشترك ولا شركة في
القيمة والمحلية من شرائط صحة التصرف، فصح ما ذكرنا ولو اقتسما بأنفسهما جاز لتراضيهما
بالضرر، وكذا لو كان مع الرقيق غيره قسم، كذا ذكره في ((كتاب القسمة))؛ لأنه إن كان لا
يحتمل القسمة مقصوداً فيجعل تبعاً لما يحتملها فيقسم بطريق التبعية، كالشرب والطريق أنه لا
يجوز بيعهما مقصوداً ثم يدخلان في البيع تبعاً للنهر والأرض؛ كذا هذا.
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: اختلف أصلها أو اتحد.
(٤) في أ: وعند أبي يوسف ومحمد.

١٥٣
كتاب القسمة
وذكر الجصاص إن المذكور في الأصل محمول على قسمة الرضا، وأما قسمة القضاء
فلا تجوز وإن كان مع غيره، لأن غير المقسوم ليس تبعاً للمقسوم بل هو أصل بنفسه، بخلاف
الشرب والطريق، وكذلك الدور عند أبي حنيفة لا تقسم قسمة جمع، حتى لو كان بين رجلين
داران تقسم كل واحدة على حدتها، سواء كانتا منفصلتين أو متلاصقتين، وعندهما ينظر
القاضي في ذلك إن كان الأعدل في الجمع جمع، وإن كان الأعدل في التفريق فرق.
وكذا لو كان بينهما أرضان أو كرمان فهو عى الاختلاف، وأما البيتان فيقسمان قسمة
جمع إجماعاً، متصلين كانا أو منفصلين، وكذا المنزلان المتصلان، وأما المنفصلان في دار
واحدة فعلى الخلاف.
وجه قولهما إن الدور كلها جنس واحد والتفاوت الذي بين الدارين يمكن تعديله بالقيمة
فيفوض إلى رأي القاضي: إن رأى الأعدل في التفريق فرق، وإن رأى الأعدل في الجمع
جمع .
ولأبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما ذكرنا في الرقيق إن القسمة فيها باعتبار أعيانها،
ويقع ضرر التفاوت متفاحشاً بين دارٍ ودار، لاختلاف الدور في أنفسها واختلافها باختلاف البناء
والبقاع، فكانا في حكم جنسين مختلفين والقسمة فيها باعتبار القيمة تقع تصرفاً في غير محله،
فلا يصح.
ولو اقتسما بأنفسهما أو بالقاضي بتراضيهما جاز لما مر، والله تعالى أعلم.
وأما دار وضيعة أو دار وحانوت، فلا تجمع بالإجماع، بل يقسم كل واحد على حدة،
لاختلاف الجنس، ومنها الطلب في أحد نوعي القسمة وهو قسمة الجبر، حتى إنه لو لم يوجد
الطلب من أحد من الشركاء أصلاً لم تجز القسمة، لأن القسمة من القاضي تصرف في ملك
الغير، والتصرف في ملك الغير من غير إذنه محظور في الأصل إلا أنه عند طلب البعض يرتفع
الحظر؛ لأنه إذا طلب علم أنه له في استيفاء هذه الشركة ضرراً؛ إذ لو كان الطلب لتكميل
المنفعة لطلب صاحبه وكان عليه أن يمتنع من الإضرار ديانة، فإذا أبى القسمة علم أنه لا يمتنع
فيدفع القاضي ضرره بالقسمة، فكانت القسمة في هذه الصورة من باب دفع الضرر والقاضي
نصب له.
ونظيره الشفعة فإنَّ الشفيع يتملك الدار على المشتري بالشفعة من غير رضا، دفعاً
لضرره، لأنه لما طلب الشفعة علم أنه يتضرر بجواره، فالشرع دفع ضرره عنه بإثبات حق
التمليك بالشفعة جبراً عليه؛ كذا هذا.
ومنها الرضا في أحد نوعي القسمة، وهو رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم إذا كانوا

١٥٤
كتاب القسمة
من أهل الرضا أو رضا مَنْ يقوم مقامهم إذا لم يكونوا من أهل الرضا، فإن لم يوجد لا يصح
حتى لو كان في الورثة صغير لا وصي له أو كبير غائب فاقتسموا، فالقسمة باطلة لما ذكرنا أن
القسمة فيها معنى البيع، وقسمة الرضا (١) أشبه بالبيع، ثم لا يملكون البيع إلا بالتراضي فكذا
القسمة، إلا إذا لم يكونوا من أهل الرضا، كالصبيان والمجانين فيقسم الولي أو الوصي إذا كان
في القسمة منفعة لهم، لأنهما يملكان البيع فيملكان القسمة.
وكذا إذا كان فيهم صغير وله ولي أو وصي يقتسمون برضا الولي أو الوصي، فإن لم
يكن نصب القاضي عن الصغير وصياً واقتسموا برضاه، فإن أبى ترافعوا إلى القاضي حتى يقسم
بینھم .
ومنها: حضرة الشركاء أو مَنْ يَقُومُ مقامهم في نوعي القسمة، حتى لو كان فيهم كبير
غائب لا تجوز القسمة(٢) أصلاً، ولا يقسم القاضي أيضاً إذا لم يكن عنه خصم حاضر، ولكنه
لو قسم لا تنقض قسمته لأنه صادف محل الاجتهاد فلا ينقض.
ومنها: البينة في قسمة القضاء في الإقرار بميراث الإقرار عند أبي حنيفة - رحمه الله -
وعندهما ليست بشرط ويقسم بإقرارهم فنقول:
جملة الكلام في بيان هذين الشرطين أن جماعة إذا جاؤوا إلى القاضي وهم عقلاء بالغون
أصحاء في أيديهم مالٌ، فأقروا أنه ملكهم وطلبوا القسمة من القاضي، فهذا لا يخلو في الأصل
من أحد وجهين، إما أن يقروا بالملك مطلقاً عن ذكر سبب، وإما أن يقروا بالملك بسبب ادعوا
انتقال الملك به من أحد، وكل وجه على وجهين، إما أن يكون المال الذي في أيديهم منقولاً
وإما أن يكون عقاراً، فإن أقروا بالملك مطلقاً عن سبب الانتقال قسم بإقرارهم ويذكر في
الإشهاد في ((كتاب الصك)) أني قسمت بإقرارهم ولم أقض فيه على أحد ولا يطلب منهم البينة
على أصل الملك، منقولاً كان المال أو عقاراً، إذا لم يكن فيهم كبير غائب، لأنه وجد دليل
الملك وهو اليد، والإقرار من غير منازع ولا دعوى انتقال الملك من أحد إليه، فإن كان فيهم
كبير غائب لم يقسم لما ذكرنا أن حضرة الشركاء أو من يقوم مقامهم شرط ولم يوجد، لأن
الخصوم في هذا الموضع لا يصلحون خصماً عن الغائب.
وإن أقروا بالملك بسبب الميراث بأن قالوا هو بيننا ميراث عن فلان، فإن كان المال
منقولاً قسم بينهم بإقرارهم بالإجماع ولا تطلب منهم البينة، وإن كان فيهم كبير غائب بعد أن
كان الحاضران اثنين كبيرين، أو أحدهما صغير قد نصب عنه وصي، وإن كان المال عقاراً فلا
يقسم عند أبي حنيفة - رحمه الله - حتى يقيموا البينة على موت فلان وعلى عدد الورثة، وعند
(١) في أ: التراضي.
(٢) في أ: قسمتهم.

١٥٥
كتاب القسمة
أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يقسم بينهم بإقرارهم، ويشهد على ذلك في الصكّ.
وجه قولهما: إن محل قسمة الملك المشترك وقد وجد لوجود دليل الملك، وهو اليد،
والإقرار بالإرث(١) من غير منازع، فصادفت القسمة محلها فيقسم ويكتب أنه قسم بإقرارهم
كما في المنقول، ولأن البينة إنما تقام على منكر، والكل مقرون، فعلى من تقام البينة؟ .
وجه قول أبي حنيفة إن هذه قسمة صادفت حق الميت بالإبطال، فلا تصح إلا ببينة،
كدعوى الاستحقاق على الميت.
وبيان ذلك أن الدار قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، بدليل أن الزوائد الحادثة
قبل القسمة تحدث على ملكه، حتى لو كانت التركة شجرة فأثمرت كان الثمر له حتى تقضي
منه ديونه، وتنفذ منه وصاياه، فكانت القسمة تصرفاً على ملكه بالإبطال، فلا يجوز إلا ببينة،
بخلاف المنقول، لأن القسمة ليس قطعاً لحق الميت، بل هي حفظ حق الميت، لأن المنقول
محتاج إلى الحفظ والقسمة نوع حفظ له، وأما العقار فمستغن عن الحفظ فبقيت قسمته قطعاً
لحقه، فلا يملك إلا ببينة.
وأما قولهما لا منكر ههنا، فعلى من تقام البينة؟ قلنا: تقام على بعض الورثة من
البعض، وإن كانوا مقرين، وذلك جائز كالأب أو الوصي إذا أقرا على الصغير لا يصح إقراره
إلا بالبينة، ولا منكر ههنا، كذا هذا.
هذا إذا أقروا بالملك بسبب الإرث، فإن أقروا به بسبب الشراء من فلان الغائب، فإن
كان المال منقولاً قسم بينهم بإقرارهم بلا خلافٍ، وإن كان عقاراً ذكر في ظاهر الرواية أنه
يقسم بإقرارهم، ولا تطلبُ منهم البينة على الشراء من فلان، وفرق بين الشراء وبين الميراث.
وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يقسم إلا بالبينة كالميراث وجه هذه الرواية
أنهم لما أقروا أنهم ملكوه بالشراء من فلان، فقد أقروا بالملك له، وادعوا الانتقال إليهم من
جهته، فإقرارهم مسلم ودعواهم ممنوعة ومحتاجة إلى الدليل؛ وهو البينة.
وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الشراء وبين الميراث أن امتناع القسمة في المواريث
بنفس الإقرار لما يتضمن من إبطال حق الميت، وذلك منعدم في باب البيع، إذ لا حق باق
للبائع في المبيع بعد البيع والتسليم، فصادفت محلها فصحت، هذا إذا لم يكن في الورثة كبير
غائب أو صغير حاضر، فإن كان فأقروا بالميراث، فلا يشكل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -
أنه لا يقسم بإقرارهم، لأنه لا يقسم بين الكبار الحضور فكيف يقسم ههنا؟ وأما عندهما فينظر
(١) في أ: بالوراثة.

١٥٦
كتاب القسمة
إن كانت الدار في يد الكبار الحضور يقسم بينهم لما بينا، ويضع حصة (١) الغائب على يد عدل
يحفظه، لأن بعض الورثة خصم من البعض، وينصب عن الصغير وصيًّا، وإن كانت الدار في
يد الغائب الكبير، أو في يد الحاضر الصغير، أو في أيديهما منها شيء - لا يقسم حتى تقوم
البينة على الميراث وعدد الورثة بالإجماع، لأنه إذا كان في يده من الدار شيء فالحاجة إلى
استحقاق ذلك من يده، فلا يصح إلا ببينة، هذا إذا لم تقم البينة على ميراث العقار، فأما إذا
قامت البينة عليه وطلبوا القسمة، فإنه ينظر: إن كان الحاضر اثنين فصاعداً والغائب واحداً أو
أكثر وفيهم صغير حاضر، فإنه يقسم ويعزل نصيب كل كبير وصغير فيوكل وكيلاً يحفظه،
بخلاف الملك المطلق إذا حضر شريكان وشريك غائب أنه لا يقسم.
ووجه الفرق ما ذكرنا أن قسمة العقار تصرف على الميت. وقضاء عليه بقطع حقه عن
التركة، وكل واحد من الورثة قائم مقام الميت فيما له وعليه، ولهذا يرد كل واحد منهم بالعيب
ويرد عليه، فإذا كان الحاضر اثنين فصاعداً أمكن أن يجعل أحدهما خصماً عن الميت في
القضاء عليه والآخر مقضيًّا له، فتصح القسمة، وإن كان الحاضر واحداً والباقون غيباً، لم يقسم
لأنه لا يمكن أن يجعل هو خصماً عن الميت حتى تسمع البينة عليه، لاستحالة كون الشخص
الواحد في زمان واحد بجهة واحدة مقضيًّا له وعليه.
وإن كان مع الحاضر وارث صغير، نصب القاضي عنه وصيًّا وقسم، لأن القسمة ههنا
ممكنة لوجود متقاسمين حاضرين، وإذا قسم [القاضي] (٢) المنقول بين الورثة بإقرارهم أو
العقار بالبينة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وفيهم كبير غائب، فعزل نصيبه ووضعه على يدي
عدل ثم حضر الغائب، فإن أقر كما أقروا أولئك فقد مضى الأمر، وإن أنكر ترد القسمة في
المنقول بالإجماع.
وكذلك في العقار عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة - عليه الرحمة - في العقار
لا ترد القسمة، لأن القسمة المبنية على البينة قد تقدمت(٣) على الغائب، فلا يعتبر إنكاره.
ولو كانت الدار ميراثاً وفيها وصية بالثلث وبعض الورثة غائب، فطلب الموصى له بالثلث
القسمة بعد ما أقام البينة على الميراث والثلث، قسم، لأن الموصى له بمنزلة واحدة من الورثة
فإذا كان معه وارث حاضر، فكأنه حضر اثنان من الورثة، ولو كان كذلك قسم، وإن كان
الباقون غيباً، كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) في أ: نصيب.
(٢) سقط من ط .
(٣) في أ: نفدت.

١٥٧
كتاب القسمة
ومنها: أن يكون المقسوم عليه مالكاً للمقسوم وقت القسمة، وهو أن يكون له فيه ملك،
فإن لم يكن لم تجز القسمة، لما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فصل فيما يرجع إلى المقسوم
وأما الذي يرجع إلى المقسوم فواحد، وهو أن يكون المقسوم مملوكاً للمقسوم له وقت
القسمة فإن لم يكن لا تجوز القسمة، لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء ومبادلة البعض، وكل
ذلك لا يصح إلا في المملوك، وعلى هذا إذا استحقت العين المقسومة تبطل القسمة في
الظاهر، وفي الحقيقة تبين أنها لم تصح، ولو استحق شيء منها تبطل في القدر المستحق، ثم
قد تستأنف القسمة وقد لا تستأنف، ويثبت الخيار وقد لا يثبت.
وبيان هذه الجملة أنه إذا ورد الاستحقاق على المقسوم لا يخلو الأمر فيه من أحد
وجهين: إما إن ورد على كله، وإما إن ورد على جزء (١)، فإن ورد على كل المقسوم تبطل
القسمة، وفي الحقيقة لم تصح من الأصل، لانعدام شرط الصحة وهو الملك المشترك
فتستأنف القسمة، وإن ورد على جزء من المقسوم لا يخلو من أحد وجهين أيضاً: إما إن ورد
على جزء شائع منه، وإما إن ورد على جزء معين من أحد النصيبين، فإن ورد على جزء شائع
لا يخلو من أحد وجهين أيضاً إما إن ورد على جزء شائع من النصيبين جميعاً، وإما إن ورد
على جزء شائع من أحد النصيبين دون الآخر، فإن ورد على جزء شائع من النصيبين جميعاً؛
كالدار/ المشتركة بين رجلين نصفين اقتسماها فأخذ أحدهما ثلثاً من مقدمها، وأخذ الآخر ثلثين ١٢٤٣/٣
من مؤخرها وقيمتهما سواء، بأن كانت قيمة كل واحد منهما ستمائة درهم مثلاً، فاستحق نصف
الدار فاستأنف القسمة بالإجماع، لأنه بالاستحقاق تبين أن نصف الدار شائعاً ملك المستحق،
فتبين أن القسمة لم تصح في النصف الشائع، وذلك غير معلوم فبطلت القسمة أصلاً، وإن
استحق نصف نصيب صاحب المقدم شائعاً تستأنف القسمة أيضاً عند أبي يوسف، لأنه ظهر أن
المستحق شريكهما في الدار، فظهر أن قسمتهما لم تصح دونه، فتستأنف القسمة كما إذا ورد
الاستحقاق على نصف الدار شائعاً، وعند أبي حنيفة ومحمد - عليهم الرحمة - له الخيار إن
شاء أمسك ما في بيده ورجع بباقي حصته، وهو مثل ما استحق في نصيب الآخر، وإن شاء
فسخ القسمة، لأن بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح في القدر المستحق لا فيما وراءه، لأن
المانع من الصحة انعدام الملك، وذلك في القدر المستحق لا فيما وراءه، وليس من ضرورة
انعدام الصحة في القدر المستحق انعدامها في الباقي، لأن معنى القسمة وهو الإفراز والمبادلة
لم ينعدم(٢) باستحقاق هذا القدر في الباقي، فلا تبطل القسمة في الباقي، بخلاف ما إذا استحق
(١) في أ: جزئه.
(٢) في أ: يتقدم.

١٥٨
كتاب القسمة
نصف الدار شائعاً، لأن هناك وإن ورد الاستحقاق على النصف فأوجب بطلان القسمة فيه
مقصوداً، لكن من ضرورته بطلان القسمة في الباقي لانعدام معنى القسمة في الباقي أصلاً،
وههنا لم ينعدم فلا تبطل، لكن يثبت الخيار إن شاء رجع بباقي حصته في نصيب شریکه،
وذلك مثل نصف المستحق، لأن القدر المستحق من النصيبين جميعاً، فيرجع عليه بذلك وهو
ربع نصيبه، إن شاء، وإن شاء فسخ القسمة لاختلاف معناها ولدخول عيب الشركة، إذ الشركة
في الأعيان المجتمعة عيب، والعيب يثبت الخيار.
وذكر الطحاوي - رحمه الله - الخلاف في المسألة بين أبي حنيفة وصاحبيه ولو كان
صاحب المقدم باع نصف ما في يده واستحق النصف الباقي، فإنه يرجع على صاحبه بربع ما
في يده عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يغرم نصف قيمة ما باع لشريكه، ويضمه إلى
ما في يد شريكه ويقتسمان نصفين.
وجه قول أبي يوسف ما بينا أن بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح أصلاً، وأن البيع
كان فاسداً فيضمن نصف قيمة ما باع شريكه(١)، ثم يقتسمان الباقي نصفين.
وجه قولهما ما ذكرنا في المسألة المقدمة إلا أن ههنا لا يثبت خيار الفسخ لمانع وهو
البيع، فيرجع على صاحبه بربع ما في يده، ولو استحق نصف معين من أحد النصيبين لا تبطل
القسمة بالإجماع، لما ذكرنا في المسائل المتقدمة، بل أولى لأن الاستحقاق ههنا ورد على
جزء معين، فلا يظهر أن المستحق كان شريكاً لهما، فلا تبطل القسمة، لكن يثبت الخيار،
والمستحق(٢) عليه إن شاء نقض القسمة لأن الاستحقاق أوجب انتقاض المعقود عليه،
والانتقاض في الأعيان المجتمعة عيب فيثبت الخيار، وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في
يده، لما بينا أن القدر المستحق من النصيبين جميعاً، ولو استحق كل ما في يده لرجع عليه
بالنصف، فإذا استحق النصف يرجع بالربع، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وعلى هذا مائة شاة بين رجلين اقتسماها، فأخذ أحدهما أربعين تساوي خمسمائة درهم،
وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة درهم، فاستحقت شاة من الأربعين تساوي عشرة دراهم،
لم تبطل القسمة بالإجماع، لأنه تبين أن القسمة صادفت المملوك فيما وراء القدر المستحق،
والمستحق معين، فلا تظهر الشركة هنا أصلاً، فلا تبطل القسمة، ولكن يرجع على شريكه
بحقه وهو خمسة دراهم، لأنَّ المستحق من النصيبين جميعاً [عشرة دراهم، والله - سبحانه
وتعالى - أعلم](٣).
(١) في أ: لشريكه.
(٣) سقط في أ.
(٢) في أ: للمستحق.

١٥٩
كتاب القسمة
كر حنطة بين رجلين نصفان عشرة منه طعام جيد وثلاثون رديء، فاقتسماه، فأخذ
أحدهما عشرة أقفزة جيدة وثوباً، وأخذ الآخر ثلاثين رديئاً، حق جازت القسمة فاستحق/ من ٢٤٣/٣ب
الثلاثين عشرة أقفزة - يرجع على صاحبه بنصف الثوب استحساناً، والقياس ما ذكره في
الزيادات(١) أنه يرجع عليه بثلث الثوب وثلث الطعام الجيد.
ووجهه أن الاستحقاق ورد على عشرة شائعة في الثلاثين، فكان المستحق في الحقيقة من
كل عشرة ثلثها، وذلك يوجب الرجوع بثلث الطعام الجيد .
وجه الاستحسان أن طريق جواز هذه القسمة أن تكون العشرة بمقابلة العشرة، والعشرون
بمقابلة الثوب، فإذا استحق منه عشرة وأنه بمقابلة نصف الثوب - فيرجع عليه بنصف الثوب.
وقوله: للمستحق عشرة شائعة في الثلاثين لا العشرة المعينة وهي التي من حصة الثوب،
فنعم، هذا هو الحقيقة، إلا أنا لو عملنا بهذه الحقيقة لاحتجنا إلى نقض القسمة وإعادتها(٢)،
ولو صرفنا الاستحقاق إلى عشرة هي من حصة الثوب لم تحتج إلى ذلك، وتصرف العاقل
تجب صيانته عن النقض والإبطال ما أمكن؛ وذلك فيما قلناه، وعلى هذا أرض بين رجلين
نصفين قسمت ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه فيه بناءً أو غرس غرساً، فنقض البناء
وقلع الغرس - لم يرجع المستحق عليه على صاحبه بشيء من قيمة البناء والغرس.
والأصل فيه أن كل قسمة وقعت بإجبار القاضي أو باختيار الشريكين على الوجه الذي
يجبرهما القاضي لو ترافعا إليه، ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه فيه بناءً أو غرس
غرساً، فنقض وقلع - لا يرجع بشيء من ذلك على صاحبه، لأن صاحبه مجبور على القسمة
من جهة القاضي، فيكون مضافاً إلى القاضي، أما إذا وقعت القسمة بإجبار القاضي فلا شك
فيه، وكذا إذا اقتسما بأنفسهما، لأن ذلك قسمة جبر من حيث المعنى لدخولها تحت جبر
القاضي عند المرافعة إليه، وإذا كان مجبوراً عليه فلم يوجد منه ضمان السلامة، فلا يؤاخذ
بضمان الاستحقاق؛ إذا هو ضمان السلامة.
ونظير هذا الشفيع إذا أخذ العقار من المشتري بالشفعة وبنى فيه أو غرس، ثم استحق
وقلع البناء، لا يرجع بقيمة البناء على المشتري، لأنه ما ملكه باختياره بل أخذ منه جبراً.
وكذلك قال محمد في الجارية المأسورة إذا اشتراها رجل من أهل الحرب ثم أخذها
المالك القديم فاستولدها، ثم استحقها رجلٌ - لا يرجع بقيمة الولد على الذي أخذها من يده،
لأنه لم يأخذها منه باختياره، بل كرهاً وجبراً، وكذلك الأب إذا وطىء جارية ابنه فأعلقها، ثم
(١) في أ: زيادات الزيادات.
(٢) في أ: وإدارتها.

١٦٠
كتاب القسمة
استحقها رجل، لا يرجع بقيمة الولد على الابن، لأنه تملكها من غير اختيار الابن.
وقال أبو يوسف: إذا غصب جاريةً فأبقِت من يده فأدى ضمانها ثم عادت الجارية
فاستولدها الغاصب ثم استحقت، له أن يرجع بقيمة الولد على المولى، لأنه كان مختاراً في
أخذ القيمة من الغاصب، فكان ضامناً السلامة، فيرجع عليه بحكم الضمان.
وعلى هذا داران أو أرضان بين رجلين اقتسما، فأخذا كل واحد منهما إحداهما وبنى
فيها، ثم استحقت، رجع بنصف قيمة البناء عند أبي حنيفة، لأن القاضي لا يجبر على قسمة
الجمع ففي الدور والعقارات عنده، فإذا اقتسما بأنفسهما كانت القسمة منهما مبادلة، فأشبهت
البيع، فكان كل واحد منهما ضامناً سلامة النصف لصاحبه، فإذا لم يسلم يرجع (١) عليه بحكم
الضمان كما في البيع، وأما عندهما فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم لا يرجع؛ لأن
القاضي يجبر على هذه القسمة عندهما، فأشبه استحقاق النصف من دار واحدة، وقال بعضهم
يرجع، وعليه اعتمد القدوري - عليه الرحمة - وهو الصحيح، لأن القاضي إنما يجبر على
قسمة الجمع ههنا عندهما إذا رأى الجمع أعدل، ولا يعرف ذلك من رأي القاضي إذا فعلا
بأنفسهما .
ولو كانتا جاريتين فأخذ كل واحد منهما جارية فاستولدها، ثم استحقت، رجع على
شريكه بالنصف عند أبي حنيفة، لأن القاضي لا يجبر على قسمة الرقيق عنده، فإذا اقتسما
١٢٤٤/٣ بتراضيهما أشبه البيع على ما ذكرنا، وأما/ عندهما فينبغي أن لا يرجع، كذا ذكره القدوري
- عليه الرحمة -.
وفرق بين الرقيق وبين الدور وبينهما فرق؛ لأن القاضي هناك لا يجبر على الجمع عيناً،
ولكنه يراعي الأعدل في ذلك من التفريق والجمع، وههنا يجبر على الجمع لتعذر التفريق، فلم
يوجد ضمان السلامة من صاحبه، فلا يرجع عليه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وعلى هذا الأصل إذا اقتسم قوم داراً وفيها كنيف شارع على الطريق أو ظله، فإن كان
على طريق العامة لا يحسب ذرع الكنيف والظل من ذرع الدار؛ لأن رقبة الأرض ليست
بمملوكة لأحد، بل هي حق العامة، وإن كان على طريق غير نافذ يحسب ذلك من ذرع الدار؛
لأن له في ذلك ملكاً فأشبه علو البيت، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
(١) في أ: رجع.
(٢) في ط: لأن له في السكة مسلكاً.