Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الشهادة
اختلف، واختلاف البدل يوجب اختلاف العقد، فقد قامت البينة على عقد آخر غير ما ادعاه
المدعي، فلا تقبل إلا إذا وفق المدعي فقال اشتريت بالعبد، إلا أنه جحدني الشراء به فاشتريته
بعد ذلك بألف درهم، فَتُقْبَلُ لزوال المخالفة .
وهذا إذا كان دعوى التوفيق في مجلس آخر؛ بأن قام عن مجلس الحكم ثم جاء وادعى
التوفيق، فأما إذا لم يقم عن مجلس الحكم، فدعوى التوفيق غير مسموعة، ولو ادعى أنه له ثم
أقام البينة على أنه لفلان وكله بالخصومة فيه، تقبل بينته، وبمثله لو ادعى أنه لفلان وكلني
بالخصومة فيه، ثم أقام البينة على أنه له، لا تقبل.
ووجه الفرق أن قوله أولاً إنه لي، لا ينفي قوله إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه، لجواز
أن يكون له بحق الخصومة والمطالبة ولغيره بحق الملك، فكان التوفيق ممكناً فقبلت البينة
بخلاف الفصل الثاني، لأنَّ قَوْلَهُ هو لفلان وكلني بالخصومة فيه ينفي قوله بعد ذلك هو لي،
لأنه صرح بأن الملك فيه لفلان وأنه وكيل بالخصومة فيه بقوله إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه،
فكان قوله بعد ذلك ((هو لي)) إقراراً منه بالملك لنفسه، فكان مناقضاً، فلا تقبل.
ولو ادعى أنه لفلان وكلني(١) بالخصومة فيه، ثم أقام البينة على أنه لفلان آخر وكلني
بالخصومة فيه - لا تقبل، لأن قوله أولاً إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه كما ينفي قوله ((إنه
لي))، ينفي قوله «إنه لفلان آخر وكلني بالخصومة فيه))، فلا تقبل إلا إذا وفق فقال إن الموكل
الأول باع من الموكل الثاني، ثم وكلني الثاني بالخصومة فيقبل لزوال المناقضة.
ولو ادعى في ذي القعدة أنه اشترى منه هذه الدار في شهر رمضان بألف ونقده الثمن، ثم
أقام البينة على أنه تصدق بالدار على المدعي في شعبان، لا تقبل بينته، لأن دعوى التصدق في
شعبان تنافي الشراء في شهر رمضان لاستحالة شراء الإنسان ملك نفسه، والتوفيق غير ممكن
فلا تقبل.
وإن أقام البينة على التصدق في شوال، ووفق، فقال: جحدني الشراء ثم تصدق بها
علي، تقبل.
ولو ادعى داراً في يدي رجل أنها له، وأقام البينة على أنها كانت في يد المدعي
بالأمس، لا تقبل، وعن أبي يوسف أنها تقبل ويؤمر بالرد إليه، ولو أقام صاحب اليد البينة على
أنها كانت ملكاً للمدعي تقبل بالإجماع .
وجه قول(٢) أبي يوسف - رحمه الله - أن البينة لما قامت على أنها ما كانت في يده،
(١) في ب: وکله.
(٢) في ب: رواية.

٤٢
كتاب الشهادة
فالأصل في الثابت بقاؤه، ولهذا قبلت البينة على ملك كان، ولأن الثابت بالبينة كالثابت
بالمعاينة، ولو ثبت بالمعاينة أو بالإقرار أنه كان في يده بالأمس، يؤمر بالرد إليه؛ كذا هذا.
وجه ظاهر الرواية أن الشهادة قامت على يد كانت، فلا يثبت الكون للحال إلا بحكم
استصحاب الحال وأنه لا يصلح للإلزام، ولأن اليد قد تكون محقة وقد تكون مبطلة، وقد
تكون يد ملك وقد تكون يد أمانة، فكانت محتملة، والمحتمل لا يصلح حجة، بخلاف الملك
والمعاينة، وبخلاف الإقرار لأنه حجة بنفسه، والبينة ليست بحجة بنفسها، بل بقضاء القاضي،
ولا وجه للقضاء بالمحتمل.
ولو أقام البينة أنها كانت في يده بالأمس، فأخذها هذا منه أو غصبها أو أودعه أو أعاره،
تقبل ويقضي للخارج، لأنه علم بالبينة أنه تلقى اليد من جهة الخارج فيؤمر بالرد إليه.
وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى داراً في يد رجل أنه ورثها من أبيه، وأقام البيئة على أنها
كانت لأبيه، فنقول هذا لا يخلو من أربعة أوجه: إما إن شهدوا أن الدار كانت لأبيه، ولم
يقولوا مات وتركها ميراثاً له، وإما إن قالوا إنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثاً له، وإما إن
قالوا: إنها كانت في يد أبيه يوم الموت، وإما إن أثبتوا من أبيه فعلاً فيها عند مَوْتِهِ.
أما الوجه الأول فعلى قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لا تقبل الشهادة، وعلى
قول أبي يوسف تقبل.
وكذا لو شهدوا أنها كانت لأبيه مات قبلها(١)، لا تقبل، قالوا: يجب أن يكون هذا على
قولهما، أما على قول أبي يوسف على ما روي عنه في الأمالي ينبغي أن تقبل.
وجه قوله إن الملك متى ثبت لأبيه بشهادتهم، فالأصل فيما ثبت يبقى إلى أن يوجد
المزيل، فصار كما لو شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت أيضاً (٢).
وجه قولهما إن الشهادة خالفت الدعوى؛ لأن المدعي ادعى ملكاً كائناً، والشهادة وقعت
بملك كان لا بملك كائن، فكانت الشهادة مخالفة للدعوى، فلا يقبل.
قوله ما ثبت يبقى، قلنا: نعم، لكن لا حكماً لدليل الثبوت، لأن دليل الثبوت لا يتعرض
للبقاء، وإنما البقاء بحكم استصحاب الحال وأنه لا يصلح حجة للاستحقاق.
ولو شهدوا أنها كانت لجده، فعندهما(٣) لا يقضي بها ما لم يشهدوا بالميراث بأن
يقولوا: مات جده وتركها [ميراثاً](٤) لأبيه، ثم مات أبوه وتركها ميراثاً له، وعند أبي يوسف
(١) في ب: فيها .
(٢) في ب: نصاً.
(٣) في ب: عند أبي حنيفة ومحمد.
(٤) سقط من ط .

٤٣
كتاب الشهادة
ينظر: إن علم أن الجد مات قبل الأب يقضي بها له، وإن علم أن الأب مات قبل الجد أو لم
يعلم، لم يقض بها، ولو شهدوا أنها لأبيه لا يقضي بها له، منهم من قال هذا على الاتفاق،
ومنهم من قال: هو على الخلاف الذي ذكرنا، وهو الصحيح، فإنه روي عن أبي يوسف أنها
تقبل.
وأما الوجه الثاني: وهو ما إذا شهدوا أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثاً له، فلا شك أن
هذه الشهادة مقبولة، لأنهم شهدوا بالملك الموروث عند الموت والترك ميراثاً له، وهو تفسير
الملك الموروث.
وأما الوجه الثالث وهو ما إذا شهدوا أنها كانت في يده يوم الموت، فالشهادة مقبولة،
لأن مطلق اليد من الأصل يحمل على يد المالك، فكانت الشهادة بيد قائمة عند الموت شهادة
بملك قائم عند الموت، فإذا مات فقد ترك، فثبت الملك له في المتروك، إذ هو تفسير الملك
الموروث، ولأن يده إن كانت يد ملك كان الملك ثابتاً للمورث عند الموت، وإن كانت يد
أمانة انتقلت يد ملك إذا مات مجهلاً، لأن التجهيل عند الموت سبب لوجوب الضمان،
ووجوب الضمان سبب لثبوت الملك في المضمون عندنا .
وأما الوجه الرابع: وهو ما إذا [ثبت ليد المشهود] (١) من الأب فعلاً في العين عند
الموت، فهذا على وجهين: إما أن يكون ذلك فعلاً هو دليل اليد، وإما أن يكون فعلاً ليس هو
دليل اليد، والفعل الذي هو دليل اليد هو فعلٌ لا يتصور وجوده بدون النقل في النقليات،
كاللبس والحمل، أو فعل يوجد للنقل عادة كالركوب في الدواب، أو فعلاً يوجد في الغالب
من الملاك فيما لا يقبل النقل لا من غيرهم كالسكنى في الدور، والفعل الذي ليس بدليل اليد
هو فعل ثبت في النقليات من غير نقل، ولا يكون حصوله للنقل عادة، كالجلوس على
البساط، أو فعل ليس بفعل للملاك غالباً فيما لا يقبل، كالنوم والجلوس في الدار وأشباه ذلك،
فإن كان فعلاً هو دليل اليد تقبل الشهادة القائمة على ثبوته عند موت الأب، لأن الشهادة القائمة
على ما هو دليل اليد عند الموت قائمة على اليد عند الموت وإن كان فعلاً ليس بدليل اليد لا
تقبل الشهادة، لأنه لم يوجد دليل اليد التي هي دلالة الملك، وعلى هذا يخرج ما إذا أقام
المدعي البينة أن أباه مات في هذه الدار أنها لا تقبل، لأنه لم توجد الشهادة على اليد الدالة
على الملك، ولا على فعل دال على اليد، ولا على فعل هو فعل الملاك غالباً، لأن الدار قد
يموت فيها المالك وقد يموت فيها غير المالك من الزوار والضيف ونحوه.
ولو شهدوا أنه مات وهو لابسٌ هذا القميص، أو لابس هذا الخاتم، تُقبل، لأن لبس
(١) بدل ما بين المعكوفين في ب: أثبت الشهود.

٤٤
كتاب الشهادة
القميص والخاتم فعلٌ لا يتصور بدون النقل، فكان دليلاً على اليد عند الموت، أطلق محمد
- رحمه الله - في ((الجامع)) الجواب في الخاتم، ومنهم من حمل جواب الكتاب على ما إذا
كان الخاتم في خنصره أو بنصره يوم الموت، وزعم أنه إذا كان فيما سواهما من الأصابع لا
تقبل الشهادة، لأن استعمال الملاك فى الخاتم هذا عادة، فكانت الشهادة القائمة عليه قائمة
على اليد.
فأما جعله فيما سواهما من الأصابع من الملاك، فهو ليس بمعتاد، فلا يكون ذلك
استعمال الخاتم، فلا يكون دليل اليد، ولهذا قالوا لو جعل المودع الخاتم في خنصره أو بنصره
فضاع من يده، يضمن لما أنه استعمله، ولو جعله فيما سواهما من الأصابع فضاع، لا يضمن،
لما أن ذلك حفظ وليس باستعمال، والصحيح إطلاق جواب الكتاب، لأن فعله كيف ما كان لا
يتصور بدون النقل، فكان دليلاً على اليد.
ولو شهدوا أنه مات وهو جالس على هذا البساط أو على هذا الفراش أو نائم عليه، لا
تقبل، لأن هذه الأفعال تتصور من غير نقل، ولا تفعل للنقل عادة، فلم يكن دليل اليد.
فإن قيل أليس إنه لو تنازع اثنان في بساط أحدهما جالسٌ عليه والآخر متعلق به؛ أنه
يكون بينهما نصفين، وهذا دليل ثبوت يديهما عليه؟
قيل له إنَّما قضى به بينهما نصفين لدعواهما أنه في يديهما لا لثبوت اليد؛ لأن الجلوس
عليه والتعلق به كل واحد منهما يتحقق بدون النقل ولا يوجدان النقل غالباً على ما بينا، فلا
یکون دلیل الید.
ولو شهدوا أنه مات وهو راكب على هذه الدابة، تقبل ويقضي بالدابة للوارث، لأن
الركوب وإن كان يتهيأ بدون نقل الدابة إلا أنه لا يفعل عادة إلا للنقل، فكان دليل اليد.
ولو شهدوا أنه مات وهو ساكن هذه الدار، تقبل ويقضي للوارث، وَرُوِيَ عن أبي
يوسف أنه لا تُقبل ولا يقضي.
ووجهه أن فعل السكنى في الدار كما يوجد من الملاك يوجد من غيرهم، فلا يصلح
دليلاً على اليد، والصحيح جواب ظاهر الرواية، لأن السكنى فعل يوجد في الغالب من الملاك
لا من غيرهم، هذا هو المعتاد فيما بين الناس فيحمل المطلق عليه.
ولو شهدوا أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه، ولم يشهدوا أنه كان حاملاً له، لا
تقبل ولا يستحق المدعي بهذا شيئاً، لأنه يحتمل أنه وضعه بنفسه أو وضعه غيره، ويحتمل أنه
وقع عليه من غير صنع أحد بأن هبت ريحٌ به فألقته على رأسه، فوقع الشك في النقل منه، فلا
يثبت النقل منه بالشك، فلا تثبت اليد بالشك.

٤٥
كتاب الشهادة
ثم نقول: إذا شهد الشهود أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثاً للورثة، فلا يخلو إما أن
قالوا هذا وارثه لا وارث له غيره، وإما أن قالوا هو وارثه لا نعلم أن له وارثاً غيره، وإما أن
قالوا هو وارثه ولم يقولوا لا وارث له غيره، ولا قالوا: لا نعلم له وارثاً غيره.
فأما الوجه الأول وهو ما إذا قالوا: هو وارثه لا وارث له غيره، فإنه تقبل شهادتهم
استحساناً، والقياس أن لا تقبل لأنها كشهادة على ما لا علم للشاهد به، لاحتمال أن يكون له
وارث لا يعلمه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - للشاهد: ((إِذَا عَلِمْتَ مِثلَ الشَّمْسِ، فَاشْهَدْ
وإِلاَّ فَدَعْ)).
وجه الاستحسان أن قولهم: ((لا وارث له غيره)) معناه في متعارف الناس وعاداتهم: لا
نعلم له وارثاً غيره، أو لا وارث له غيره في علمنا، ولو نص على ذلك لقبلت شهادتهم، فكذا
هذا، والله - سبحانه - أعلم.
وأما الوجه الثاني: وهو ما إذا قالوا: ((هو وارثه لا نعلم له وارثاً غيره))، تقبل شهادتهم
عند عامة العلماء - رضي الله عنهم -، وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - لا تقبل حتى يقولوا لا
وارث له غيره، لأنهم لو لم يقولوا لا وارث له غيره احتمل أن يكون له وارث غيره لا
يعلمونه، والصحيح قول العامة؛ لأن الشاهد إنما تحل له الشهادة بما في علمه، ونفى وارث
آخر ليس في علمه فلا تحل له الشهادة به إلا على اعتبار ما في علمه على ما ذكرنا، ولو قالوا
لا نعلم له وارثاً غيره في هذا المصر أو في أرض كذا تقبل عند أبي حنيفة، وعندهما لا تقبل.
وجه قولهما إن قولهم ((لا نعلم له وارثاً غيره في هذا المصر)) لا ينفي وارثاً غيره، لجواز
أن يكون له وارث آخر في مصر آخر، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه لو كان له وارث آخر في
موضع آخر لعلموه، لأن وارث الإنسان لا يخفى على أهل بلده عادةً، فكان التخصيص
والتعميم فيه سواء، ثم إذا شهدوا أنه وارثه لا وارث له غيره، أو شهدوا أنه وارثه لا نعلم له
وارثاً غيره، أو لا نعلم له وارثاً غيره في هذا المصر على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -
فإنه يدفع كل التركة إليه، سواء كان الوارث ممن لا يحتمل الحجب كالابن والأب والأم
ونحوهم، أو يحتمله كالأخ والأخت والجد ونحوهم، لأنه تعین وارثاً له فيدفع إليه جميع
الميراث، إلا إذا كان زوجاً أو زوجة فلا يعطى إلا أكثر نصيبه، فلا يعطى الزوج إلا النصف،
ولا تعطى المرأة إلا الربع، لأنهما لا يستحقان من الميراث أكثر من ذلك، لأنه لا يرد عليهما،
وفي هذين الموضعين لا يؤخذ من الوارث كفيل بالإجماع.
وأما الوجه الثالث: وهو ما إذا شهدوا أنه وارثه ولم يقولوا ((لا وارث له غيره))، ولا قالوا
((لا نعلم له وارثاً غيره)) فإنه ينظر: إن كان ممن يحتمل الحجب لا يدفع إليه شيء، لجواز أن

٤٦
كتاب الشهادة
يكون ثمة حاجب، فإن كان لا يعطى، وإن لم يكن يعطى(١) بالشك، وإن كان ممن لا يحتمل
الحجب يدفع إليه جميع المال إلا الزوج والزوجة، فإنه لا يدفع إليهما إلا نصيبهما وهو أكثر
النصيبين عند محمدٍ - رحمه الله - للزوج النصف، وللمرأة الربع.
وعند أبي يوسف - رحمه الله - أقل النصيبين للزوج الربع والمرأة الثمن في ظاهر الرواية
عنه .
وجه قول محمد - رحمه الله - أن النقصان عن أكثر النصيبين باعتبار المزاحمة وفي وجود
المزاحم شك، فلا يثبت النقصان بالشك.
ولأبي يوسف - رحمه الله - أن الأقل ثابت بيقين، وفي الزيادة شك [فلا تثبت الزيادة
بالشك .
وروي عنه رواية أخرى أن للزوج الربع، وللمرأة ربع الثمن، لجواز أن يكون له أربع
نسوة فيكون لها ربع الثمن، لأنه ثابت بيقين وفي الزيادة شكٌ](٢).
وروى عنه أصحاب الإملاء وللزوج الخمس وللمرأة ربع التسع، أما الزوج فلأن من
الجائز أن يكون للمرأة أبوان وبنتان وزوج، أصل المسألة من اثني عشر للأبوين السدسان أربعة
وللبنتين الثلثان ثمانية وللزوج الربع ثلاثة، فعالت بثلاثة أسهم، فصارت الفريضة من خمسة
عشر وثلاثة من خمسة عشر خمسها، فذلك للزوج، وأما المرأة فلأن من الجائز أن يكون
للميت أبوان وبنتان وزوجة، أصل المسألة(٣) من أربعة وعشرين للأبوين السدسان ثمانية
وللبنتين الثلثان ستة عشر وللزوجة الثمن ثلاثة، فعالت بثلاثة أسهم، فصارت الفريضة سبعة
وعشرين وثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ثم من الجائز أن يكون معها ثلاثة أخرى فيكن أربع
زوجات، فيكون لها ربع التسع وثلاثة على أربعة لا تستقيم، فتضرب أربعة في تسعة ويكون
ستة وثلاثين سهماً تسعها أربعة، فلها من ذلك سهمٌ وهو ربع التسع وهو سهم من ستة وثلاثين
سهماً .
ثم في هذا الوجه الثالث إذا كان الوارث ممن لا يحتمل الحجب ودفع المال إليه، هل
يؤخذ منه كفيل؟ قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: لا يؤخذ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ
- رحمهما الله -: يؤخذ.
وجه قولهما: إن أخذ الكفيل لصيانة الحق والحاجة مست إلى الصيانة، لاحتمال ظهور
(١) في ب: يعطى فلا يعطى وهو غير ظاهر.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ط: المرأة.

٤٧
كتاب الشهادة
وارث آخر، فيؤخذ الكفيل نظراً للوارث [الغائب](١) كما في رد الآبق واللقطة إلى صاحبها.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن حق الحاضر للحال ثابت بيقين، وفي ثبوت الحق لوارث
آخر شكٌّ، لأنه قد يظهر وارث آخر وقد لا يظهر، فلا يجوز تعطيل الحق الثابت بيقين لحق
مشكوك فيه، مع ما أن المكفول له مجهول، والكفالة للمجهول غير صحيحة، وإنما أخذ
الكفيل بتسليم الآبق واللقطة فقد قيل إنه قولهما لما أن في المسألة روايتان: فأما عند أبي حنيفة
- رحمه الله - فلا يؤخذ الكفيل، على أنا سلمنا فتلك كفالة لمعلوم لا لمجهول، لأن الراد إنما
يأخذ الكفيل لنفسه كيلا يلزمه الضمان، فلم تكن كفالة لمجهول.
وذكر أبو حنيفة - رحمه الله - هذه المسألة في ((الجامع الصغير))، وقال: هذا شيء احتاط
به بعض القضاة، وهو ظلم، أرأيت لو لم يجد كفيلاً كنت أمنعه حقه، دلت تسميته أخذ الكفيل
((ظلماً)) على أن مذهبه أن ليس كل مجتهد مصيباً، إذ الصواب لا يحتمل أن يكون ظلماً، فدلت
المسألة على براءة ساحته عن لوث الاعتزال بحمد الله ومنّه.
وأما الذي يرجع إلى المشهود به: فمنها: أن تكون الشهادة بمعلوم، فإن كانت بمجهول
لم تقبل، لأن علم القاضي بالمشهود به شرط صحة قضائه، فما لم يعلم لا يمكنه القضاء به.
وعلى هذا يخرج ما إذا شهد رجلان عند القاضي أَنَّ فلاناً وارث هذا الميت لا وارث له
غيره، أنه لا تقبل شهادتهما، لأنهما شهدا بمجهول لجهالة الوارث أسباب الوارثة واختلاف
أحكامها، فلا بد أن يقولوا ابنه ووارثه لا يعلمون له وارثاً غيره، أو أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون
له وارثاً غيره، وقوله ((لا يعلمون له وارثاً غيره)) لئلا يتلوم القاضي، لا لأنه من الشهادة عند
محمد - رحمه الله - لجنس هذه المسائل باباً في الزيادات يعرف ثمَّةً، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن يكون المشهود به معلوماً للشاهد عند أداء الشهادة، حتى لو ظن لا تحل له
الشهادة، وإن رأى خطه وختمه وأخبره الناس بما يتذكر بنفسه، وهذا عند أبي حنيفة
- رضي الله عنه -، وعندهما إن رأى خطه وختمه له أن يشهد، نحو ما تقدم من الخلاف
والحجج من الجانبين .
وأما الذي يخص المكان فواحد، وهو مجلس القاضي، لأن الشهادة لا تصير حجة
ملزمة إلا بقضاء القاضي، فتختص بمجلس القضاء، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وأما الشرائط التي تخص بعض الشهادات دون البعض فأنواع أيضاً .
(١) سقط من ط .

٤٨
كتاب الشهادة
منها: الدعوى في الشهادة القائمة على حقوق العباد من المدعي بنفسه أو نائبه، لأن
الشهادة في هذا الباب شُرعت لتحقيق قول المدعي، ولا يتحقق قوله إلا بدعواه إما بنفسه وإما
بنائبه .
وأما حقوق الله - تبارك وتعالى - فلا يُشترط فيها الدعوى، كأسباب الحرمات من الطلاق
وغيره، وأسباب الحدود الخالصة حقاً لله تعالى، إلاَّ أنه شرطت الدعوى في باب السرقة، لأن
كون المسروق ملكاً لغير السارق شرط تحقق كون الفعل سرقة شرعاً، ولا يظهر ذلك إلا
بالدعوى، فشرطت الدعوى لهذا واختلف في عتق العبد أنه حق للعبد فتشترط فيه الدعوى، أو
حق الله - تعالى - فلا تشترط فيه الدعوى، مع الاتفاق على أن عتق الأمة حق الله - تعالى - لما
علم من الخلاف في ((كتاب العتاق))، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
ومنها: العدد في الشهادة بما يطَّلع عليه الرجال، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ
رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فِرَجُلٌ وَامْرَ أَتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] ولأن الواجب على
الشاهد إقامة الشهادة لله عزَّ وجلَّ. الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وأُقِيمُوا الشَّهادَةَ الله﴾ [الطلاق: ٢]
وقوله - تعالى -: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ الله﴾ [النساء: ١٣٥] ولا تقع الشهادة لله إلا وأن
تكون خالصة صافية عن جرِّ النفع، ومعلومٌ أن في الشهادة منفعة للشاهد من حيث التصديق،
لأن من صدق قوله يتلذذ به، فلو قبل قول الفرد لم تخل شهادته عن جَرِّ النفع إلى نفسه، فلا
يخلص لله عزَّ وجلَّ.
فشرط العدد في الشهادة ليكون كل واحد مضافاً إلى قول صاحبه، فتصفو الشهادة لله عزَّ
شأنه، ولأنه إذا كان فرداً يخاف عليه السهو والنسيان، لأن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة،
فشرط العدد في الشهادة ليذكر البعض البعض عند اعتراض السهو والغفلة، كما قال الله
- تعالى - في إقامة امرأتين مقام رجل في الشهادة: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا
الأخْرَىُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثم الشرط عدد المثنى في عموم الشهادات القائمة على ما يطلع عليه
الرجال، إلا في الشهادة بالزنا، فإنه يشترط فيها عدد الأربعة(١)، لقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ
(١) يشترط في الشهادة على الزنا أربعة رجال؛ لقوله تعالى: ﴿لَوَلاَ جَاؤُوا عَلَيه بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا
بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالذين يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاءَ فَاجْلِدُهُمْ ثَمَانِيَةٍ جَلْدَةٌ﴾ الآية.
ثبت بهذا النص اشتراط أربعة شهداء في الزنا، وبهذا قال جمهور العلماء.
وحكي عن عطاء، وحماد، أنهما قالا يجوز في المزني شهادةُ ثلاثة رجال وامرأتين، لأنهما يقومان مقام
رجل في الأموال، فكذا هنا.
=

٤٩
كتاب الشهادة
يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِالشِهَدَاءِ
فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّه هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] ولأن الشهادة في هذا الباب أحد نوعي الحجة،
فيعتبر بالنوع الآخر وهو الإقرار، ثم عدد الأقارير الأربعة شرط ظهور الزنا عندنا، فكذا عدد
الشهود الأربعة، بخلاف سائر الحدود، فإنه لا يشترط العدد في الإقرار لظهورها، فكذا في
الشهادة، ولأن عدد الأربعة في الزنا ثبت نصًّا بخلاف القياس، لأن خبر من ليس بمعصوم من
الكذب لا يخلو عن احتمال الكذب، وعدد الأربعة في احتمال الكذب مثل عدد المثنى، ما لم
يدخل في حد التواتر، لكنا عرفناه شرطاً بنص خاص معدولاً به عن القياس، فبقي سائر
الأبواب على أصل القياس.
وأما فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والعيوب الباطنة في النساء، فالعدد فيه ليس
بشرط عندنا، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة والثنتان أحوط، وعند مالك والشافعي
- رحمها الله - أن العدد فيه شرط، إلا أن عند مالك - رحمه الله - يكتفي فيه بامرأتين.
وعند الشافعي - رحمه الله - لا بد من الأربع.
وَجْهُ قَوْلِ مالك أن شهادةَ الرجال لما سقط اعتبارها في هذا الباب لمكان الضرورة وجب
الاكتفاء بعددهم من النساء.
ووجه قوله الشافعي - رحمه الله - أن الشرع أقام كُلَّ امرأتين في باب الشهادة مُقامَ رجلٍ
واحد، ثم لا يكتفي بأقل من رجلين، فلا يكتفي بأقل من أربع نسوة.
والحق أن هذا رأي في منتهى الضعف، لأن النص صريح في اشتراط الرجال، إذ إن العدد لا يؤنث إلا
=
مع المذكر، وأيضاً شهادة النساء فيها شبهة، فلا تقبل فيما يندرىء بالشبهات.
وللشهود في الزنا النظر للعورة، لأن الشهادة لا تتحقق إلا به. وقال الحطاب في كتابه «مواهب الجليل)):
وهذا كله إن عجز الشهود عن منع الفاعلين من إتمام ما قصداه، أو ابتدآه من الفعل، ولو قدروا على ذلك
بفعل أو قول فلم يفعلوا - بطلت شهادتهم، لعصيانهم بعدم تغيير هذا المنكر، إلا أن يكون فعلُهما بحيث
لا يمنعه التغيير لسرعتهما.
أما اللواط. فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد - في إحدى الروايتين عنه، وأبو يوسف، ومحمد إلى أنه
كالزنا، فيشترط فيه شهادة أربعة رجال؛ وذلك لأن في كل منهما سفحَ الماء في محلٌّ محرم مشتهى
وذهب أبو حنيفة، ومحمد بن حزم، إلى أنه يثبت بشهادة رجلين، ولا حد فيه. بل فيه التعزير، ذلك لأن
السفح بالزنا أشد ضرراً من السفح باللواط. وقد يحتج لاشتراط نصاب الزنا بقوله تعالى لقوم لوط:
﴿أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمُ تُبْصِرُونَ﴾. وقال تعالى في الزنا: ﴿والَّلاتِي تأتين الفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ﴾ .
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله .
بدائع الصنائع ج٩ - م٤

٥٠
كتاب الشهادة
ولنا: أن شرط العدد في الشهادة في الأصل ثبت تعبداً غير معقول المعنى، لأن خبر من
ليس بمعصوم عن الكذب لا يفيد العلم قطعاً ويقيناً، وإنما يفيده غالب الرأي وأكثر الظن،
وهذا ثبت بخبر الواحد العدل، ولهذا لم يشترط العدد في رواية الإخبار، إلا أنا عرفنا العدد
فيها شرطاً بالنص، والنص ورد بالعدد في شهادة النساء في حالة مخصوصة، وهي أن يكون
معهن رجلٌ، بقوله - تعالى عزَّ شأنه -: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فبقيت حالة الانفراد عن
الرجال على أصل القياس، وقد روي أن رسول الله وَّ ((قَبِلَ شَهَادَةَ القَابِلَةِ عَلَى الوِلاَدَةِ))(١).
ولو شهد رجلٌ واحد بالولادة يُقبل، لأنه لما قبل شهادة امرأة واحدة فشهادة رجل واحد
أولى، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
ومنها: اتفاق الشهادتين فيما يشترط فيه العدد، فإن اختلفا لم تقبل، لأن اختلافهما
يوجب اختلاف الدعوى والشهادة، ولأن عند اختلاف الشهادتين لم يوجد إلا أحد شطري
الشهادة ولا يكتفي به فيما يشترط فيه العدد، ثم نقول الاختلاف قد يكون في جنس المشهود به
وقد يكون في قدره، وقد يكون في الزمان وقد يكون في المكان، وغير ذلك.
أما اختلافهما في الجنس فقد يكون في العقد وقد يكون في المال، أما في العقد هو أن
يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو بالهبة أو غير ذلك، فلا تقبل لاختلاف العقدين صورة
ومعنى، فقد شهد كل واحد منهما بعقد غير ما شهد به الآخر، وليس على أحدهما شهادة
شاهدین .
(١) أخرجه الدارقطني (٢٣٣/٤) في كتاب ((الأقضية والأحكام))، باب: ((في المرأة تقتل إذا ارتدت))، حديث
(١٠١).
من طريق أبي عبد الرحمن المدائني عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أن رسول الله وَير أجاز شهادة
القابلة .
قال العظيم أبادي في ((التعليق المغني)) (٢٣٣/٤): قال في التنقيح: هو حديث باطل لا أصل له، انتهى،
وأبو عبد الرحمن المدائني رجل مجهول، وأسند البيهقي في المعرفة إلى الشافعي قال: جرت بيني وبين
محمد بن الحسن مناظرة عند هارون الرشيد، فقلت له: أي شيء أخذت في شهادة القابلة وحدها، قال:
بقول علي بن أبي طالب، فقلت له: إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي، والذي
روى عن ابن نجي جابر الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة، قال البيهقي: ورواه سويد بن عبد العزيز بن
غيلان بن جامع عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي، وسويد هذا ضعيف، وروى محمد بن عبد
الملك الواسطي عن أبي عبد الرحمن المدائني عن الأعمش عن أبي وائل، عن حذيفة أن النبي وَليّ أجاز
شهادة القابلة، وهذا لا يصح، قال الدارقطني فيما أخبرني أبو عبد الرحمن السلمي عنه، أبو عبد الرحمن
المدائني مجهول، وقال إسحاق بن راهويه: لو صح حديث علي في القابلة لقلنا به، ولكن في سنده
خلل، ذكره الزيلعي.

٥١
كتاب الشهادة
وأما في المال فهو أن يشهد أحدهما بمكيل والآخر بموزون، فلا تقبل لأنهما جنسان
مختلفان، وليس على أحدهما شهادة شاهدین.
وأما اختلاف الشهادة في قدر المشهود به فنحو ما إذا ادعى رجل على رجل ألفي درهم
وأقام شاهدين، شهد أحدهما بألفين والآخر بألف، لا تقبل عند أبي حنيفة - رحمه الله -
أصلاً، وعندهما تُقبل على الألف.
ولو كان المدعي يدعي ألفاً وخمسمائة، فشهد أحدهما بألف وخمسمائة، والآخر بألف،
تقبل على الألف بالإجماع.
وجه قولهما إن الشهادة لم تخالف الدعوى في قدر الألف، بل وافقتها بقدرها إلا أن
المدعي يدعي زيادة مال لا شهادة لهم عليه، فيثبت قدر ما وقع الاتفاق عليه، كما إذا ادعى
ألفاً وخمسمائة، فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف، تقبل على الألف لما قلنا، كذا هذا.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن شطر الشهادة خالف الدعوى؛ لأن المدعي يدعي ألفين
وأنه اسم وضع دلالة على عدد معلوم، والاسم الموضوع دلالة على عدد لا يقع على ما دون
ذلك العدد كسائر أسماء الأعداد، كالمترك لألف من الإبل والهنيدة لمائة منها ونحو ذلك، فلم
تكن الألف المفردة مدعي، فلم تكن الشهادة شهادة (١) على ما دخل تحت الدعوى، فانفردت
الشهادة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى، فلا تقبل، بخلاف ما إذا ادعى ألفاً وخمسمائة،
فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف، أنه يقبل على الألف، لأن الألف والخمسمائة اسم
لعددین .
ألا ترى أنه يعطف أحدهما على الآخر، فيقال: ألف وخمسمائة، فكان كل واحد منهما
بانفراده داخلاً تحت الدعوى، فالشهادة القائمة عليهما تكون قائمة على كل واحد منهما
مقصوداً، فإذا شهد أحدهما بألف فقد شهد بأحد العددين الداخلين تحت الدعوى، فكانت
الشهادة موافقة للدعوى في عدد الألف، فيقضي به للمدعي لقيام الحجة عليه، بخلاف الألف
والألفين، لأنه اسم لعدد واحد لا تصح على ما دونه بحال، فلم تكن الألف المفردة داخلة
تحت الدعوى، فكانت الشهادة القائمة عليها شهادة على ما لم يدخل تحت الدعوى، فلا
تقبل، فهو الفرق بينهما .
ولو ادعى ألفاً فشهد أحدهما بالألف والآخر بألفين، لا تقبل على الألف بالإجماع، لأن
المدعي كذب أحد شاهديه في بعض ما شهد به، فأوجب ذلك تهمة في الباقي، فلا تقبل إلا
(١) في ط: شاهدة.

٥٢
كتاب الشهادة
إذا وفق فقال: كان لي عليه ألفان إلا أنه كان قد قضاني ألفاً ولم يعلم به الشاهد، فيقبل.
وكذا لو ادعى ألفاً فشهد أحدهما بها والآخر بألف وخمسمائة، لا تقبل لما قلنا إلا إذا
وفق فقال: كان لي عليه ألف وخمسمائة، إلا أنه قضاني خمسمائة ولم يعلم بها الشاهد،
فتقبل، لأنه إذا وفق فقد زال الاختلاف المانع من القبول.
ولو ادعي على رجلٌ أنه باع عبده بألف درهم وهو ينكر، فشهد شاهد بألفين وآخر
بألف، أو ادعي أنه باعه بألف وخمسمائة فشهد أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف، لا
تقبل بالإجماع، لأن الشاهدين اختلفا في البدل، واختلاف البدلين يوجب اختلاف العقدين،
فصار كل واحد منهما شاهداً بعقد غير عقد صاحبه، وليس على أحدهما شهادة شاهدين، فلا
تقبل ولا يثبت العقد.
وكذا لو كان المشتري مدعياً والبائع مدَّعى عليه لما قلنا؛ فإن كان هذا في الإجارة ينظر
إن كانت الدعوى من المؤاجر في مدة الإجارة لا تقبل، لأن هذا يكون دعوى العقد وليس على
أحد العاقدين شهادة شاهدين، فلا تقبل كما في باب البيع.
وإن كانت الدعوى بعد انقضاء مدة الإجارة، فهذا دعوى المال لا دعوى العقد، فكان
حكمه حكم سائر الديون، وقد ذكرناه على الاتفاق والاختلاف.
هذا إذا كانت الدعوى من المؤاجر، فإن كانت من المستأجر لا تقبل، سواء كانت
الدعوى في المدة أو بعد انقضائها، لأن هذا دعوى العقد.
ولو كانت هذا في النكاح فإن كانت الدعوى من المرأة فهذا دعوى المال عند أبي حنيفة
- عليه الرحمة -، حتى إنها لو ادعت على رجل أنه تزوجها على ألف وخمسمائة، فشهد لها
شاهدان أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف، تقبل والنكاح جائز بألف درهم [عنده](١).
وعندهما لا تقبل ولا يجوز النكاح، لأن هذا دعوى العقد.
ولو كانت الدعوى من الرجال والمرأة تنكر لا تقبل بالإجماع، لأن هذا دعوى العقد،
ولو كانت الدعوى في الخلع أو في الطلاق على مال أو في العتاق أو في الصلح عن دم العمد
على مال، فإن كانت الدعوى من الزوج أو من المولى أو ولي القصاص، تقبل، لأن هذا
دعوى المال، وإن كانت الدعوى من المرأة أو العبد أو القاتل، لا تقبل، لأن هذا دعوى
العقد .
(١) سقط من ط .

٥٣
كتاب الشهادة
ولو كان هذا في الكتابة فإن كانت الدعوى من المكاتب لا تقبل، لأن هذا دعوى العقد،
فلا تقبل ولا تصح الكتابة، وإن كانت من المولى فلا تصح لأن للمكاتب أن يعجز نفسه متى
شاء .
وأما اختلاف الشهادة في الزمان والمكان، فإنه ينظر إن كان ذلك في الأقارير لا يمنع
القبول، وإن كان في الأفاعيل من: القتل، والقطع، والغصب، وإنشاء البيع، والطلاق،
والعتاق، والنكاح؛ ونحوها - يمنع القبول.
ووجه الفرق: أن الإقرار مما يحتمل التكرار، فيمكن التوفيق بين الشهادتين لسماعه عن
الإقرار في زمانين أو مكانين، فلا يتحقق الاختلاف بين الشهادتين، بخلاف القتل والقطع
وإنشاء البيع وغيره من العقود والفسوخ، لأن هذا لا يحتمل التكرار، فاختلاف الزمان والمكان
فيها يوجب اختلاف الشهادتين فيمنع القبول، وبالله التوفيق.
ولو ادعى رجلٌ على رجلٍ قرض ألف درهم، فشهد شاهدان أحدهما على القرض
والآخر على القرض والقضاء يقضي بشهادتهما على القرض ولا يقضي بالقضاء في ظاهر
الرواية .
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يقضي بشهادتهما بالقرض أيضاً، لأنهما وإن
اجتمعا على الشهادة بالقرض لكن الذي شهد بالقضاء فسخ شهادته بالقرض، فبقي على القرض
شاهد واحد، فلا يقضي بالشهادة، والصحيح جواب ظاهر الرواية، لأن الشهادتان اختلفتا في
القضاء لا في القرض، بل اتفقا على القرض فيقضي به.
وقوله: شاهد القضاء فسخ شهادته بالقرض، قلنا: ممنوعٌ، بل قرر شهادته على القرض،
لأن قضاء القرض بعد القرض يكون.
وأما الذي يرجع إلى المكان فواحد، وهو مجلس القضاء [لأن الشهادة لا تصير حجة
ملزمة لقضاء القاضي فتخص مجلس القضاء](١).
ومنها: الذكورة في الشهادة بالحدود والقصاص، فلا تقبل فيها شهادة النساء(٢)، لما
(١) سقط من ط .
(٢) يشترط شهادة رجلين في الحدود والقصاص. فلا تقبل فيها شهادة النساء وروي عن عطاء وحماد أنهما
قالا يقبل فيهما شهادة رجل وامرأتين قياساً على الشهادة في الأموال واستدل القائلون بعدم شهادة النساء
في الحدود والقصاص بما روى الزهري قال مضت السنة من لدن رسول الله وفض له. والخليفتين من بعده ألا
تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء. وبأن الحد مما يحتاط لدرئه وإسقاطه ولذا يندرىء بالشبهات.
وفي شهادة النساء شبهة. بدليل قوله تعالى ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ .
وقياس عطاء وحماد الحدود على الأموال في ثبوتها بشهادة رجل وامرأتين قياس مع الفارق فلا يصح.

٥٤
كتاب الشهادة
روي عن الزهري - رحمه الله - أنه قال: مضت السنة من لدن رسول الله وَلَه والخليفتين من
بعده رضوان الله - تعالى - عليهما أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص(١)، ولأن
الحدود والقصاص مبناهما على الدرء والإسقاط بالشبهات، وشهادة النساء لا تخلو عن شبهة،
لأنَّهن جبلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدين، فيورث ذلك شبهة، بخلاف سائر
الأحكام لأنها تجب مع الشبهة، ولأن جواز شهادة النساء على البدل من شهادة الرجال،
والأبدال في باب الحدود غير مقبولة كالكفالات والوكالات.
وأما الشهادة على الأموال فالذكورة ليست فيها بشرط، والأنوثة ليست بمانعة بالإجماع،
فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال، لقول الله - تبارك وتعالى - في باب المداينة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانٍ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:
٢٨٢] واختلف في اشتراطها في الشهادة بالحقوق التي ليست بمال كالنكاح والطلاق والنسب،
قال أصحابنا - رضي الله عنهم - ليست بشرط.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - شرط (٢)
.
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (٧٩/٤): رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا حفص عن حجاج عن
الزهري قال: مضت السنة من رسول الله ولو والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود
وأخرج عن الشعبي والنخعي والحسن والضحاك قالوا: لا تجوز شهادة النساء في الحدود وأخرج عبد
الرزاق في ((مصنفه)) أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة أن علي بن أبي طالب قال: ((لا تجوز
شهادة النساء في الحدود والدماء)» ١ هـ.
(٢) تجوز شهادة رجل وامرأتين في الأموال بلا خلاف. وإنما الخلاف في شهادتهما معه في النكاح والطلاق
والرجعة والوكالة والوصية وأشباه هذا.
فذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وإسحاق وإياس بن معاوية والشعبي وجابر بن زيد إلى قبول شهادة
امرأتين مع رجل فيما ذكر واحتجوا بأنها كالأموال في أنها لا تسقط بالشبهات. وبما أن المال يقبل فيه
شهادة رجل وامرأتين فلتقبل فيما يماثله.
وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أن شهادة امرأتين مع رجل لا تقبل إلا في الأموال خاصة. أما النكاح
والرجعة وما إليهما مما ليس بمال ولا القصد منه المال فلا تقبل فيه شهادة امرأتين مع رجل بل لا بد من
شهادة رجلين .
والحق الذي نراه. أن مذهب الحنفية ومن وافقهم هنا هو الصواب. إذ لا فارق بين هذه الأشياء وبين
الأموال. وكثيراً ما يشجر الخلاف بين الزوج وزوجه فيطلقها حيث لا رجلين. ففي مثل هذه الحالة نقول
إن الزوجة لا تستطيع أن تثبت طلاق زوجها بامرأتين مع رجل.؟ إن هذا لا نعقله ولا ندين الله به وقال
ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين بعد أن ناقش أدلة الطرفين. لكن قد استقرت الشريعة على أن شهادة
المرأة نصف شهادة الرجل. فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد. بل هذا أولى. فإن حضور النساء عند
الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون. وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت. فإذا =

٥٥
كتاب الشهادة
وجه قول الشافعي - رحمه الله - أن شهادة النساء حجة ضرورة، لأنها جعلت حجة في
باب الديانات عند عدم الرجال، ولا ضرورة في الحقوق التي ليست بمال، لاندفاع الحاجة فيها
بشهادة الرجال، ولهذا لم تجعل حجة في باب الحدود والقصاص، وكذا لم تجعل حجة
بانفرادهن فيما يطلع (١) عليه الرجال.
ولنا قولُه - تبارك وتعالى -: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا ... ) الآية، جعل الله - سبحانه وتعالى -
لرجل وامرأتين شهادة على الإطلاق، لأنه - سبحانه وتعالى - جعلهم من الشهداء، والشاهد
المطلق من له شهادة على الإطلاق، فاقتضى أن يكون لهم شهادة في سائر الأحكام إلا ما قيد
بدلیل .
وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز شهادة النساء مع الرجال في النكاح
والفرقة، (٢) ولم ينقل أنه أنكر عليه مُنْكِرٌ من الصحابة، فكان إجماعاً منهم على الجواز، ولأن
شهادة رجل وامرأتين في إظهار المشهود به مثل شهادة رجلين، لرجحان جانب الصدق فيها
على جانب الكذب بالعدالة، لا أنها لم تجعل حجة فيما يدرأ بالشبهات لنوع قصور وشبهة فيها
لما ذكرنا، وهذه الحقوق تثبت بدليلٍ فيه شبهة .
وأما قوله بأنها [ضرورة، فلا تسلم](٣)، فإنها مع القدرة على شهادة الرجال في باب
الأموال مقبولة، فدل أنها شهادة مطلقة لا ضرورة.
جوز الشارع استشهاد النساء في وثائق الديون التي تكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالباً في مجامع
=
الرجال. فلأنه يسوغ ذلك فيما تشهده النساء كثيراً كالوصية والرجعة أولى. ا هـ.
وروي عن أحمد في الوكالة إن كانت بمطالبة دين تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين. فأما غير ذلك فلا
ووجه ذلك إن الوكالة في اقتضاء الديون يقصد منها المال فتقبل فيها شهادة رجل وامرأتين كالحوالة.
وقال القاضي إن النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة وما عداها
يخرج على روايتين.
وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه خالعها على شيء من مالها فهذا من دعوى الطلاق ولا يثبت إلا
بشاهدين. وإذا ادعى الرجل على زوجته أنها خالعته على شيء من مالها فهذه دعوى بمال فتقبل فيها
شهادة امرأتين مع رجل روي هذا عن أحمد ومالك.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.
(١) في ط: لا يطلع.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٣١/٨) كتاب ((الشهادات)): باب: ((هل تجوز شهادة النساء مع الرجال في الحدود
وغيره)»، حديث (١٥٤١٦) من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح أن عمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - أجاز شهادة رجل واحد مع نساء في نكاح.
والحجاج هذا مدلس وقد عنعن فلا يصح حديثه.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في ب: ضرورية ممنوع.

٥٦
كتاب الشهادة
وبه تبين أن نقصان الأنوثة يصير مجبوراً بالعدد، فكانت شهادة مطلقة.
واختلف في اشتراطها في الشهادة على الإحصان، قال علماؤنا الثلاثة - رضي الله عنهم -
ليست بشرط، وقال زفر [شرط،](١) حتى يظهر الإحصان بشهادة رجل وامرأتين عندنا، وعنده
لا يظهر .
وجه قول زفر - رحمه الله - أن الذكورة شرط في علة العقوبات بالإجماع، حتى لا يظهر
بشهادة رجل وامرأتين، والإحصان من جملة أوصاف العلة، لأن علة وجوب الرجم ليس هو
الزنا المطلق، بل الزنا الموصوف بالتغليظ ولا يتغلظ إلا بالإحصان، فكان الإحصان من جملة
العلة، فلا يثبت شهادة النساء، ولهذا لو أقر بالإحصان جاز رجوعُه، كما أنه لو أقر بالزنا
رجع .
وكذا الشهادة القائمة على الإحصان من غير دعوى (٢) كالشهادة القائمة على الزنا، ولنا
قوله - عز وجل -: ﴿فاستشْهِدُوا .... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، ودلالتها على نحو ما تقدم مع
الشافعي - رحمه الله تعالى ..
وأما قوله: من جملة العلة الإحصان، قلنا: لا ممنوع، بل هو شرط العلة فيصير الزنا
عنده علة، والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط، لما عرف في «أصول الفقه)).
وأما الرجوع عنه بعد الإقرار، فلم نسلم أنه لا يصح الرجوع في قول أبي يوسف
- رحمه الله -، ولا يصح في قول زفر - رحمه الله -، وهذا حجةٌ على زفر، ولا رواية فيه عند
أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - فلنا أن نمنع، وعدم اشتراط الدعوى يَدُلُّ على أنه حق الله
- سبحانه وتعالى - لا على أنه تضاف إليه العقوبة.
ألا ترى أن الدعوى ليست بشرط في عتق الأمة إجماعاً، ولا في عتق العبد عند أبي
يوسف ومحمد، وإن كان لا يتقرر تعلق عقوبة به، ونحن نسلم أن الإحصان حق الله - تعالى -
في هذا الوقت، على ما عرف في الخلافيات.
ومنها: إسلام الشاهد إذا كان المشهود عليه مسلماً، حتى لا تقبل شهادة الكافر على
المسلم، لأن الشهادة فيها معنى الولاية وهو تنفيذ القول على الغير، ولا ولاية للكافر، فلا
شهادة له عليه(٣)، وتقبل شهادة المسلم على الكافر، لأنه من أهل أن يثبت له الولاية على
المسلم، فعلى الكافر أولى.
(١) سقط من ط .
(٢) في ب: تقبل من غير دعوى.
(٣) يشترط إسلام الشاهد إذا كان المشهود عليه مسلماً. فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. لأن الشهادة فيها
معنى الولاية ولا ولاية للكافر على المسلم.
=

٥٧
كتاب الشهادة
أما إذا كان المشهود عليه كافر. فإسلام الشاهد هل هو شرط لقبول الشهادة عليه أو لا؟ ذهب الشافعي
=
ومالك وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية عنه إلى أن شهادة الكفار بعضهم على بعض
غير مقبولة.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن شهادة بعضهم على بعض مقبولة لكنهم اختلفوا فمنهم من قال الكفر
كله ملة واحدة. فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي. وهذا قول حماد والثوري
والبتي وأبي حنيفة وأصحابه.
وعن قتادة والحكم وأبي عبيد وإسحاق. أن شهادة كل ملة بعضها على بعض مقبولة. ولا تقبل شهادة
يهودي على نصراني.
احتج المانعون. بأن في قبول شهادتهم إكراماً لهم ورفعاً لمنزلتهم وقدرهم ورذيلة الكفر تنفي ذلك.
ورد هذا بأنه ليس في قبول شهادتهم على بعض تكريم لهم ولا رفع لأقدارهم وإنما هو دفع شرهم عن
بعض وإيصال أهل الحقوق منهم بقول من يرضونه وهذا من تمام مصالحهم التي لها غنى لهم عنها.
واستدل القائلون بما يأتي:
١ - بقول الله تعالى ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ فأثبت لهم الولاية على بعضهم وهي أعلى رتبة
من الشهادة.
٢ - بما ثبت في الصحيح أن النبي ◌ٍّل رجم يهوديين زنيا بشهادة أربعة منهم ولعل الذي ذهب إلى أن
شهادة اليهودي على مثله جائزة لا على النصراني يستدل بقول الله تعالى ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء
إلى يوم القيامة﴾. ويرد هذا بأن العداوة الدينية غير مانعة من قبول الشهادة.
والذي يظهر لنا أن شهادة الكفار بعضهم على بعض جائزة سواء اتفقت الملة أو اختلفت. ولا أدري كيف
ردها هؤلاء الأئمة مع أنهم يتعاملون وقلما يحضرهم المسلم فهل مثل هؤلاء تضيع حقوقهم وتهدر
دماؤهم ما لم يحضرهم المسلم أو من هو من أهل ملتهم.؟
هذا وأما شهادة الكفار من أهل الكتاب في وصية المسلم في السفر إذا لم يكن غيرهم فجائزة عند أحمد
وابن المنذر وشريح والنخعي والأوزاعي وقضى بذلك ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية
كالفاسق. ولأن الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى.
واختلفوا في تأويل الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا
عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء. ومنه من قال المراد بقوله
تعالى من غيركم. أي من غير عشيرتكم ومنهم من قال الشهادة في الآية اليمين.
واستدل القائلون بالآية أو آخران من غيركم. وردوا على المانعين. فقالوا إنه ليس في أول الآية خطاب
لقبيلة دون قبيلة حتى يكون المراد من غيركم يعني غير قبيلتكم. وإنما الخطاب عام لجميع المؤمنين.
وغير المؤمنين هم الكفار. وكذلك ردوا على من قال إن المراد بالشهادة هو اليمين. قالوا إن الآية فيها
﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ واليمين لا تختص بالاثنين وأيضاً في الآية ولا نكتم شهادة الله. ولو كان المراد
اليمين لكان المعنى يحلفان بالله لا نكتم المين وهذا لا معنى له البتة. فإن اليمين لا تكتم فيكف يقال
احلف أنك لا تكتم حلفك .
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.

٥٨
كتاب الشهادة
وأما إذا كان المشهود عليه كافراً فإسلام الشاهد هل هو شرط لقبول شهادته عليه؟ فقد
اختلف فيه، قال أصحابنا - رضي الله عنهم - ليس بشرط حتى تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم
على بعض، سواء اتفقت مللهم أو اختلفت بعد أن كانوا عدولاً في دينهم.
وقال الشافعي - رحمه الله - شرط حتى لا تقبل شهادتهم أصلاً، واحتج بقوله - سبحانه
وتعالى -: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ علَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] نفى الله - سبحانه
وتعالى - أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وفي قبول شهادة بعضهم على بعض إثبات
السبيل للكافرين على المؤمنين، لأنه يجب على القاضي القضاء بشهادتهم وأنه منفي، ولأن
العدالة شرط قبول الشهادة، والفسق مانع، والكفر رأس الفسق، فكان أَوْلَى بالمنع من القبول.
ولنا قول النبي - عليه الصلاة والسلام - في ذلك الحديث: ((فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذُّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ
أَنَّ لَهُمْ مَا لِلمُسْلِمِينَ، وَعَلَیِهِمْ مَا عَلى المُسْلِمِينَ» (١)، وللمسلم على المسلم شهادة، فكذا
للذمي على الذمي، فظاهرُهُ يقتضي أن يكون للذمي على المسلم شهادة كالمسلم، إِلاَّ أن ذلك
صار مخصوصاً من عموم النص، ولأن الحاجة مست إلى صيانة حقوق أهل الذمة، ولا تحصل
الصيانة إلا وأن يكون لبعضهم على بعض شهادة، ولا شك أن الحاجة إلى صيانة حقوقهم
ماسة؛ لأنهم إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا.
والدليل على أن الصيانة لا تحصل إلا وأن يكون لبعضهم على بعض شهادة، لأن هذه
المعاملات تكثر فيما بينهم، والمسلمون لا يحضرون معاقدتهم ليتحملوا حوادثهم، فلو لم يكن
لبعضهم على بعض شهادة لضاعت حقوقهم عند الجحود والإنكار، فدعت الحاجة إلى الصيانة
بالشهادة .
وأما الآية الكريمة فوجوب القضاء لا يثبت بالشهادة، وإنما يثبت بالتقليد السابق،
والشهادة شرط الوجوب، والحكم لا يثبت بالشرط، فلا يكون في قبول شهادة بعضهم على
بعض إثبات السبيل للكافر على المؤمن، سواء اتفقت مللهم أو اختلفت، فتقبل شهادة
النصراني على اليهودي، واليهودي على المجوسي.
وقال ابن أبي ليلى: إن اختلفت لا تقبل، وهذا غير سديد، لأن الكفر وإن اختلفت
أنواعه صورة، فهو ملة واحدة حقيقة، فتقبل شهادة بعضهم على بعض كيف ما كان، بعد أن
يكون الشاهد من أهل دار الإسلام، حتى لا تقبل شهادة المستأمن على الذمي، لأنه ليس من
أهل دار الإسلام حقيقةً، وإن كان فيها صورة؛ لأنه ما دخل دارنا للسكنى فيها، بل ليقضي
(١) تقدم.

٥٩
كتاب الشهادة
حوائجه ثم يعود عن قريبٍ، فلم يكن من أهل دار الإسلام، والذمي من أهل دار الإسلام،
فاختلفت الداران فلم تقبل [شهادته على الذمي وتقبل] (١) شهادة الذمي عليه، بالنص الذي
روينا، وصار حكم المستأمن مع الذمي في الشهادة كحكم الذمي مع المسلم.
وشهادة المستأمن تقبل على المستأمن إن اتفقت دارهم ومللهم، وإن اختلفت لا تقبل.
ومنها عدم التقادم في الشهادة على الحدود كلها إلاَّ حدَّ القذف، حتى لا تقبل الشهادة
عليها إذا تقادم العهد إلا على حد القذف، بخلاف الإقرار لما عرف في ((كتاب الحدود))، والله
تعالى أعلم.
ومنها: قيام الرائحة في الشهادة على شرب الخمر إذا لم يَكُنْ سكران، ولم يحقق أنه من
مسيره لا يبقى الريح من المجيء به من مثلها عادةً عندهما(٢)، وعند محمد ليس بشرط، وهي
من مسائل الحدود، وتذكر هنالك؛ إن شاء الله تعالى.
ومنها: الأصالة في الشهادة [على الحدود والقصاص، حتى لا تقبل فيها الشهادة بطريق
النيابة، وهي الشهادة على الشهادة](٣) عندنا، كذا لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي، لأنه
في معنى الشهادة على الشهادة، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط حتى تقبل فيها الشهادة
على الشهادة(٤) .
(٢) في ب: عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
(١) سقط من ط .
(٣) سقط من ب.
(٤) الشهادة على الشهادة جائزة استحساناً لا قياساً وجه القياس أن الشهادة عبادة بدنية وجبت على الأصل
والنيابة في العبادة البدنية غير جائزة لأن فيها زيادة احتمال. فإن في شهادة الأصول تهمة الكذب. وفي
شهادة الفروع تلك التهمة. مع إمكان الاحتراز بجنس الشهود. بأن يزيدوا في عدد الأصول عند إشهادهم
حتى إذا تعذر إقامة بعضهم قام الباقون.
وجه الاستحسان. أن الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض فلو لم تجز لأدى إلى اتواء
الحقوق ولهذا جوزت وإن كثرت.
ما تجوز فيه الشهادة على الشهادة: قال الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، والنخعي، والشعبي.
الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة، فلا تقبل في الحدود، والقصاص؟ لأنها
تندرىء بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة من حيث البدلية أو من حيث إنَّ فيها زيادة احْتَمِالٍ.
وَذَهَبَ الإِمَامُ مَالِكُ إِلى جواز الشهادة على الشهادة في جميع الحقوق.
وفي التبصرة لابن فَرْحُون. قال ابْنُ عَبْدِ السَّلام، وقد اختلف العلماء في الحكم بالشهادة على الشهادة،
فمذهب مالك - رضي الله تعالى عنه - قبولها وإعمالها في سائر الحقوق مالاً كان أو عقوبة.
وعند الإمام الشافعي تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة كمال وطلاق، وفي عقوبة الآدمي على
المذهب كقصاص وحد قذف بخلاف عقوبة الله تعالى كحد الزنا والشرب، لأن حق الله تعالى مبني على
المساهلة بخلاف حق الآدمي.

٦٠
كتاب الشهادة
شروط جواز الشهادة على الشهادة: هي:
=
١ - أن تتعذر شهادة الأصل لموت أو غيبة أو مرض أو كون المرأة محذرة. وبهذا قال الأئمة الأربعة.
وعن أبي يوسف أنه إذا كان في مكان لو غد الأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله قبلت الشهادة على
الشهادة إحياء لحقوق الناس.
وفي الذخيرة أخذ كثير من المشايخ بهذه الرواية منهم الفقيه أبو الليث.
وعن محمد تجوز الشهادة كيفما كانت حتى روى أنه إذا كان الأصل في زاوية المسجد فشهد الفرع في
زاوية أخرى تقبل ولكنا نقول إن هذا تساهل غير مقبول ولا يتفق والحكمة التي من أجلها جازت الشهادة
على الشهادة.
وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا أن يموت شاهدا الأصل لأنهما إذا كانا حيين رجى حضورهما فكانا
کالحاضرين .
وهذا الرأي ليس بسديد إذ يلزم عليه ضياع الحقوق. ولا سيما إذا كان شاهدا الأصل في مكان بعيد.
٢ - أن يشهد كل من الأصلين على شهادته رجلين أو رجلاً وامرأتين. وإذا شهد رجلان على شهادة أحد
الأصلين جاز لهما أن يشهدا على شهادة الآخر. لأن الشاهد يجوز له أن يتحمل الشهادة على حوادث كثيرة.
وفي قول للشافعي يشترط لكل رجل أو امرأتان. لأن شهادتهما على واحد قائمة مقام شهادته فلا تقوم
مقام شهادة غيره.
ثم لا بد من الاستدعاء وهو أن يشهد شاهد الأصل شاهد الفرع فيقول اشهد على شهادتي. أني أشهد أن
لفلان على فلان كذا. أو أقر عندي بكذا. أما إذا سمع شاهداً يشهد غيره فلا يجوز له أن يشهد. وعند
مالك في هذه قولان. إما إذا سمع شاهداً يشهد عند الحاكم بحق أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب
نحو أن يقول أشهد أن لفلان على فلان ألفاً من ثمن مبيع فهل یشهد به.؟
ذكر القاضي أن له الشهادة به. وهو مذهب الشافعي: لأنه بالشهادة عند الحاكم ونسبة الحق إلى سببه
يزول الاحتمال. ويرتفع الإشكال. فتجوز له الشهادة على شهادته كما لو استرعاه.
وذهب أبو حنيفة وأبو عبيد إلى عدم الجواز لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى الإنابة فلا ينوب عنه إلا بإذنه.
٣ - أن يعينا شاهدي الأصل ويسمياهما.
وقال ابن جرير إذا قالا ذكرين حرين عدلين جاز. وإن لم يسميا. لأن الغرض معرفة الصفات دون العين
وليس هذا بصحيح لجواز أن يكونا عدلين عندهما مجروحين عند غيرهما. ولأن المشهود عليه ربما أمكنه
جرح الشهود فإذا لم يعرف أعيانهما تعذر عليه.
٤ - ألا يخرج الأصول عن أهلة الشهادة بفسق أو جنون أو عمى أو ردة أو غير ذلك. أما إذا ماتوا أو غابوا
فشهادة الفرع مقبولة .
٥ - ألا ينكر الأصل تحميل الشهادة للفرع. فإن أنكرها وقال أشهدت غيرهما فلا تقبل شهادة الفرع للتعارض.
٦ - ألا يحضر الأصل قبل الحكم فلو شهد شاهداً الفرع فلم يحكم بشهادتهما حتى حضر شاهدا الأصل
وقف الحكم على سماع شهادتهما لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فلم يجر العمل به كالمتيمم
يقدر على الماء قبل الصلاة.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.
=