Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
کتاب الرهن
وَإذا صار قاضيًا دين المرتهن مما فدى، ينظر إلى ما فدى، وإلى قدر قيمة العبد، وإلى
الدين، فإن كان الفداء مثل الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر، سقط الدين كله، وإن كان
الفداء أقل من الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر، سقط من الدين بقدر الفداء، وحبس العبد
رهنًا بالباقي، وإن كان الفداء قدر الدين أو أكثر، وقيمةُ العبد أقل من الدين، يسقط من الدين
قدر قيمة العبد، ولا يسقط أكثر منها؛ لأنه لو هلك العبد لا يسقط من الدين أكثر من قيمته؛
فكذا عند الفداء.
وإن كان العبد بعضه مضمونًا والبعض أمانة بأن كانت قيمة العبد ألفين والدين ألفًا فالفداء
عليهما جميعًا لأن نصفه مضمون ونصفه أمانة، فكان فداء نصف المضمون منه على المرتهن،
وفداء نصف الأمانة على الراهن، فيخاطبان جميعًا بالدفع أو بالفداء، والمعنى من خطاب الدفع
في جانب المرتهن الرضا بالدفع، لا فعل الدفع؛ لأن فعل الدفع ليس إليه.
ثم إذا خوطب بذلك [لا يخلو] (١) إما إن اجتمعا على الدفع، وَإما إن اجتمعا على
الفداء، وأما إن اختلفا، فاختار أحدهما الدفع والآخر الفداء،، والحال لا يخلو إما أن يكونا
حاضرين، وإما إن كان أحدهما غائبًا، فإن كانا حاضرين واجتمعا على الدفع ودفعا، فقد سقط
دين المرتهن؛ لأن الدفع بمنزلة الهلاك، وإن اجتمعا على الفداء فدى كلَّ واحد منهما بنصف
الأرش، وإذا فديا طهرت رقبة العبد عن الجناية ويكون رهنًا كما كان، وكان كل واحد منهما
متبرعًا حتى لا يرجع على صاحبه بما فدى؛ لأن كل واحد منهما أدى ما عليه، فكان مؤديًا عن
نفسه لا عن صاحبه، وإن اختلفا فأراد أحدهما الفداء والآخر الدفع، فأيهما اختار الفداء
فاختياره أولى.
أما المرتهن؛ فلأنه بالفداء يستبقي حق نفسه، ولا يسقط حق الراهن، والراهن بالدفع
يسقط حق المرتهن، فكان اختيار المرتهن أَوْلَى.
وَأمَّا الراهن؛ فلأنه يستبقي ملك الرقبة بالفداء والمرتهن باختيار الدفع يريد إسقاط دينه
وإبطال ملك الراهن، فلم يكن له في اختيار الدفع نفعٌ، بل كان سَفَهَا محضًا وتعنتًا باردًا، فلا
يلتفت إليه، فكان للراهن أن يفدي، ثم أيهما اختار الفداء فدى العبد بجميع الأرش، ولا
يملك الآخر دفعه، ثم ينظر إن كان الذي اختار الدفع هو المرتهن فقدى بجميع الأرش، بقي
العبد رهنًا كما كان؛ لأنه طهرت رقبته عن الجناية بالفداء، فصار كأنه لم يجن، ويرجع
المرتهن على الراهن بدينه، وَهَلْ / يرجع عليه بحصةِ الأمانة؟ ذكر الكرخي فيه روايتين: في ١٢١٧/٣
رواية: لا يرجع بل يكون متبرعًا، وفي رواية: يَزْجع وذكر القاضي في ((شرحه مختصر
الطحاوي)) أنه لا يرجع إلا بدينه خاصَّة، ولم يذكر اختلاف الرواية.
(١) سقط في ط.
بدائع الصنائع ج٨ - م١٦

٢٤٢
کتاب الرهن
وجه الرواية الأولى أنه التزم الفداء باختياره، مع قدرته على أن لا يلتزم؛ لأنه لو لم يلتزم
لخوطب الراهن، فكان متبرعًا فيه، فلا يملك الرجوع.
وجه الرواية الأخرى أن المرتھن یحتاج إلى إصلاح قدر المضمون منه، ولا يمكنه ذلك
إلاَّ بإصلاح قدر الأمانة، فكان مضطرًا، فلم يكن متبرعًا، وإن كان الذي اختار الفداء هو
الراهن فقداه بجميع الأرش، لا يكون متبرعًا، بل يكون قاضيًا بنصف الفداء دين المرتهن، ثم
ينظر إن كان نصف الفداء مثل كل الدين، سقط الدين كله، وإن كان أقل منه سقط من الدين
بقدره ورجع بالفضل على الراهن، ويحبسه رهنًا به.
هذا إذا كانَا حاضرين، فأما إذا كان أحدهما حاضراً، فليس له ولاية الدفع أيهما كان،
سواء كان هو المرتهن أو الراهن.
أما المرتهن؛ فلا شك فيه؛ لأنه لا ملك له في العبد أصلاً والدفعُ تمليكٌ، فلا يتصور
بدون الملك.
وأما الراهن؛ فلأن الدفع إسقاط حق المرتهن، وله ولاية الفداء بجميع الأرش، فإن كان
الحاضر هو المرتهن فقداه بجميع الأرش، لا يكون متبرعًا في نصف الفداء عند أبي حنيفة،
وله أن يرجع على الراهن بدينه وبنصف الفداء، لكنه يحبس العبد رهنًا بالدين، وليس له أن
يحبسه رهنًا بنصف الفداء بعد قضاء الدين، وعند أبي يوسف ومحمدٍ: [إن] كان المرتهن
متبرعًا في نصف الفداء، فلا يرجع على الراهن إلا بدينه خَاصَّةً، كما لو فداه بحضرةِ الراهن،
فهما سَوَّيا بين الغيبة والحضرة، وجعلاه متبرعًا في الحالين جميعًا، وأبو حنيفة - رضي الله
عنه - فرق بين حال الحضرة والغيبة، فجعله متبرعًا في الحضرة لا في الغيبة .
وإن كان الحاضرُ هو الراهن، فقداه بجميع الأرش، لا يكون متبرعًا في نصف الفداء
بالإجماع، بل يكون قاضيًا بنصف الفداء دين المرتهن؛ كما لو فداه الراهن بحضرة المرتهن.
وجه قولهما إن المرتهن فدى ملك الغير بغير إذنه، فكان متبرعًا؛ كما لو فداه أجنبيٍّ؛ .
ولهذا كان متبرعًا في حالة الحضرة كما في الغيبة.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه في حال الحضرة التزم الفداء باختياره مع إمكان
خطاب الراهن، فكان متبرعًا، والخطابُ لا يمكن حَالَةَ للغيبةِ، وهو محتاج إلى إصلاح قدر
المضمون، ولا يمكنه ذلك إلاَّ بإصلاح قدر الأمانة، فكان مضطرًّا، فلم يكن متبرعًا.
هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن، فأما حكم جناية ولد الرهن؛ بأن قتل إنسانًا خطأً،
فحكمه أنه لا فداء على المرتهن، ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء.

٢٤٣
کتاب الرهن
أما عدم وجوب الفداء على المرتهن؛ فلأن خطابه بفداء الرهن مع أنه ليس ملكه لحصول
الجناية من الرهن في ضمانه، ولم يوجد في الولد؛ لأنه ليس بمضمون أنه لو هلك يهلك بغير
شيء.
وأما خطاب المولى بالدفع أو الفداء؛ فلأن الملك له؛ فإن دفعه خرج الولد عن الرهن
ولم يسقط شيء من الدين.
أما خروجه عن الرهن؛ فلزوال ملك الراهن عنه، فيخرج عن الرهن كما لو هلك.
وأما عدم سقوط شيءٍ من الدين فلأن الولد غير مضمون بالهلاك؛ بخلاف الأم، وَإِن
فدى فهو رهن مع أنه على حَالِهِ، فإن اختار الراهن الدفع، فقال له المرتهن: أنا أفدي، فله
ذلك؛ لأن الولد مرهونٌ، وإن لم يكن مضمونًا؛ ألا ترى أن الحكم الأصلي للرهن ثابتٌ فيه
وهو حق الحبس، فكان الفداء منه إصلاحًا للرهن، فكان له ذلك.
هذا إذا جنى الرهن على أجنبي، فأما إذا جنى على الراهن أو على المرتهن، أما جنايته
على نفس الراهن(١)، جناية موجبة للمال أو على ماله، فَهَدَرٌ؛ لأن العبد ملكه، والمولى لا
يجب له على عبده دين؛ بخلاف جناية العبد المغصوب على المغصوب منه، أو على ماله على
أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أنها معتبرةً؛ لأن المضمونات تملك عند أداء الضمان من وقت
الغصب، فتبين أن تلك الجناية لم تكن جناية العبد على مولاه.
وأما جنايتُهُ على نفس المرتهن فَهَدرٌ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد معتبرةٌ
يدفع أو يفدي إن رضي به المرتهن، ويبطل الدين، وإن قال المرتهن: لا أطلب الجناية لما في
الدفع أو الفداء من سقوط حقي، فله ذلك، وبطلت الجناية، والعبد، رهن على حاله؛ هكذا
أطلق الكرخي.
وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) وفصل فقال: إن كان العبد كله مضمونًا
بالدين فهو على الاختلاف، وإن كان بعضه مضمونًا وبعضه أمانة، فجنايته معتبرة بالاتفاق،
فيقال للراهن: إن شئت فادفع، وإن شئت فَاقْدِهِ، فإن دفعه وقبل المرتهن، بطل الدين كله،
وصار العبد كله للراهن، وإن اختار الفداء فنصف الفداء على الراهن، ونصفه على المرتهن،
فما كان حصة المرتهن يبطل، وما كان حصة الراهن يفدي، والعبد رهن على حاله، واختلافُهم
في جناية الرهن على المرتهن نظير اختلافهم في جنايته عند الغصب على الغاصب؛ أنها هدر
عند أبي حنيفة، وعندهما مُعْتَبِرَةٌ.
(١) في ط: المرتهن.

٢٤٤
کتاب الرهن
٢١٧/٣ب
وجه قولهما إن هذه/ جناية وردت على غير المالك، فكانت معتبرة كما إذا وردت على
أجنبي، وهذا لأن الأصل في الجنايات اعتبارها، وسقوط الاعتبار لمكان عدم الفائدة، وهنا في
اعتبار(١) هذه الجناية فائدة؛ لأن موجبها الدفع، وله فيه فائدة وهو الوصول إلى ملك العبد،
وإن كان فيه سقوط دينه.
ولأبي حنيفة أن هذه الجناية وَرَدَتْ على غير المالك، لكنها وجدت في ضمان المرتهن،
فورودها على غير المالك إن كان يقتضي أن تكون معتبرة، فوجودها في ضمان المرتهن يقتضي
أن لا تعتبر؛ لأنها توجب الفداء عليه، وذلك غير ممكنٍ لما فيه من إيجاب الضمان علیه له،
وأنه محال، فوقع الشك، والاحتمال في اعتبارها، فلا تعتبر.
هذا إذا جنى على نفس المرتهن، فأما إذا جنى على ماله، فإن كانت قيمته والدين سواء
وليس في قيمته فضلٌ، فجنايته هَدَرٌ بالإجماع؛ لأنه لا فائدة في اعتبار هذه الجناية، إذ ليس
حكمها وجوب الدفع إلى المرتهن ليملكه، بل تعلق الدين برقبته، فلو بيع وأخذ ثمنه لسقط
دينه، فلم يكن في اعتبار هذه الجناية فائدة، فلا تعتبر.
وإن كانت قيمته أكثر من الدين، فعن أبي حنيفة - رحمه الله - روايتان: في رواية تعتبر
الجناية في قدر الأمانة، وفي رواية لا يثبت حكم الجناية أصلاً، وجه الرواية الأولى أن المانع
من الاعتبار كون العبد في ضمان المرتهن، وقدر الأمانة وهو الفضل على الدين ليس في
ضمانه، فأمكن اعتبار الجناية في ذلك القدر فلزم اعتبارها.
وجه الرواية الأخرى أَنَّ ذلك القدر وإن لم يكن مضمونًا فهو في حكم المضمون؛ لثبوت
حكم الرهن فيه؛ وهو الحبس، فيمنع الاعتبار.
وأما جناية الرهن على ابن الراهن، أو على ابن المرتهن، فلا شك أنها معتبرة؛ لأن
المانع من الاعتبار في حق الراهن هو كون العبد مملوكًا له، وفي حق المرتهن كونه في
ضمانه، ولم يوجد شيء من ذلك هنا، فكانت جنايته عليه وعلى الأجنبي سَوَاءً .
هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن، فأما حكم جناية ولد الرهن بأن قتل إنسانًا خطأ
فحكمه ألا يجب شيئًا على المرتهن، ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء في ضمانه، وأما
وجوب الفداء على المرتهن فلأن خطابه بالفداء مع أنه ليس أنه ملكه؛ لحصول الجناية من
الرهن في ضمانه، ولم يوجد من الولد؛ لأنه ليس بمضمون
أَلاَ تَرَى لو هلك يهلك بغير شيء، وأما خطاب المولى بالدفع أو الفداء؛ فلأن الملك
(١) في أ: اختيار.

٢٤٥
كتاب الرهن
له، فإن دفعه خرج الولد عن الرهن، ولم يسقط شيء من الدَّين، أما خروجه عن الرهن فلزوال
ملك ملك الراهن عنه، فيخرج عن الرهن كما لو هلك، وأما عدم سقوط شيء من الدَّين غير
مضمون بالهلاك؛ بخلاف الأم ولو فدى فهو رهن مع الأم على حاله، فإن اختار الراهن الدفع
فقال له المرتهن: أنا أفدي، فله ذلك؛ لأن الولد مرهون، وإن لم يكن مضمونًا.
ألا ترى أن الحكم الأصلي للرهن ثابتٌ فيه، وهو حق الحبس، فكان الفداء منه إصلاحًا
للرهن، فكان له والله أعلم. (١)
هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن على بني آدم وأما حكم جنايته على سائر الأموال؛ بأن
استهلك ما لا تستغرق رقبته، فحكمها وحكم جناية غير الرهن سواء، وهو تعلق الدين برقبته
يباع فيه، إلا إذا قضى الراهن أو المرتهن دينه، فإذا قضاه أحدهما فالحُكْمُ فيه والحكم فيما ذكر
من الفداء من جنايته على بني آدم - سَواءٌ، وهو أنه إن قضى المرتهن الدين بقي دينه وبقي العبد
رهنًا على حاله؛ لأنه بالفداء استفرغ رقبة العبد عن الدين واستصفاها عنه، فيبقى العبد رهنًا
بدينه؛ كما كان لو فداه عن الجناية، وإن أبى المرتهن أن يقضي، وقضاه الراهن، بطل دين
المرتهن؛ لما ذكرنا في الفداء من الجناية، فإن امتنعا عن قضاء دينه، يباع العبد بالدين،
ويُقْضَى دَيْنُ الغريم من ثمنه؛ لأن دين العبد مقدم على حق المرتهن.
ألا ترى أنه مُقَدَّمٌ على حق المولى، فعلى حق المرتهن أَوْلَى؛ لأنه دونه، ثم إذا بيع
العبد وقضى دين الغريم من ثمنه، فثمنه لا يخلو إما إن يكون فيه وفاء بدين الغريم، وَإما إن لم
يكن فيه وَفَاءٌ به، فإن كان فيه وفاء بدينه، فدينه لا يخلو إما أن يكون مثل دين / المرتهن، وإما ١٢١٨/٣
أن يكون أكثر منه، وإما أن يكون أقل منه، فإن كان مثله أو أكثر منه سقط دین المرتهن کله؛
لأن العبد زال عن ملك الراهن بسبب وجد في ضمان المرتهن، فصار كأنه هلك، وما فضل
من ثمن العبد يكون للراهن؛ لأنه بدل ملكه لا حق لأحدٍ فيه، فيكون له خاصة، وإن كان أقل
منه سقط من دين المرتهن بقدره، وما فضل من ثمن العبد يكون رهنًا عند المرتهن بما بقي لأنه
لا دین فیه، فیبقی رهنا.
ثم إن کان الدین قد حلَّ أخذه بدینه إن کان من جنس حقه، وإن کان من خلاف جنس
حقه أمسكه إلى أن يستوفي حقه، وإن كان الدين لم يحل أمسكه بما بقي من دينه إلى أن
یحل.
هذا إذا كان العبد مضمونًا بالدين، فأما إذا كان نصفه مضمونًا ونصفه أمانةً، لا يصرف
(١) سقط في ط.

٢٤٦
کتاب الرهن
الفاضل كله إلى المرتهن، بل يصرف نصفه إلى المرتهن ونصفه إلى الراهن؛ لأن قدر الأمانة لا
دين فيه، فيصرف ذلك إلى الراهن؛ وكذلك إن كان قدر المضمون منه والأمانة على التفاضل
يصرف الفضل إليهما على قدر تفاوت المضمون. والأمانة في ذلك؛ لما قلنا.
وإن لم يكن في ثمن العبد وفاء بدين الغريم، أخذ الغريم ثمنه، وما بقي من دينه يتأخر
إلى ما بعد العتاق، ولا يرجع به على أحد، لأنه لم يوجد سبب وجوب الضمان من أحد؛ إنما
وجد منه، وحكمه تعلق الدين برقبته واستيفاء الدين منها، فإذا لم تف رقبته بالدين، يتأخر ما
بقي إلى ما بعد العتق، وإذا أعتق وأدى الباقي لا يرجع بما أدى على أحدٍ؛ لأنه وجب عليه
بفعله، فلا يرجع على غيره.
وكذلك حكم جناية ولد الرهن على سائر الأموال، وحكم جناية الأم سواء في أنه يتعلق
الدين برقبته؛ كما في الأم، إلا أن هنا لا يخاطب المرتهن بقضاء دين الغريم؛ لأن سبب
وجوب الدين لم يوجد في ضمان المرتهن، ولأن الولد ليس بمضمون بخلاف الأم، بل
يخاطب الراهن بين أن يبيع الولد بالدين وبين أن يستخلفه(١) بقضاء الدين، فإن قضى الدين
بقي الولد رهنًا كما كان، وإن بيع بالدين لا يسقط شيءٌ من دين المرتهن؛ لأنه ليس بمضمون
بخلاف الأم.
هذا الذي ذكرنا حكم جناية غير الرهن على الرهن، وحكم جناية الرهن على غير
الرهن، أما حكم جناية الرهن على الرهن، فنقول وبالله التوفيق:
جنايةُ الرهن على الرهن نوعان: جنايةٌ على الرهن نفسه، وجناية على جنسه؛ أما جنايته
على نفسه فهي والهلاك بآفة سماوية سَواءٌ، ثم ينظر إن كان العبد كله مضمونًا، سقط من الدين
بقدر النقصان، وإن كان بعضه مضمونًا وبعضه أمانةً سقط من الدين قدر ما انتقص من
المضمون، لا من الأمانة.
وأما جناية الرهن على نفسه فعلى ضربين أيضًا: جناية بني آدم على جنسه، وجناية
البهيمة على جنسها وعلى غير جنسها.
أما جناية بني آدم على جنسه؛ بأن كان الرهن عبدين فجنى أحدُهما على صاحبه (٢)،
فالعبدان لا يخلو إما إن كانا رهنًا في صفقة واحدة، وإما إن كَانَا رَهْنًا في صفقتين، فإن كانا
رهنًا في صفقة واحدة فجنى أحدُهما على صاحبه، فجنايتُهُ لا تخلو مِنْ أربعة أقسام.
جناية المشغول على المشغول، وجناية المشغول على الفارغ، وجنايةُ الفارغ على
الفارغ، وجنايةُ الفارغ على المشغول.
(١) في أ: يستخلصه.
(٢) في أ: الآخر.

٢٤٧
كتاب الرهن
والكلُّ هَدَرّ إلا واحدة وهي جناية الفارغ على المشغول فإنها معتبرةٌ، ويتحول ما في
المشغول من الدين إلى الفارغ، ويكون رهنًا مكانه.
أما جناية المشغول على المشغول؛ فلأنها لو اعتبرت إِمَّا أن تعتبر لحق المولى، أعني:
الراهن، وإما أن تعتبر لحق المرتهن، والاعتبار لحق الرهن لا سبيل إليه في الفصول كلها؛ لأن
كل واحد منهما ملكه، وجناية المملوك على المملوك ساقطةُ الاعتبار لحق المالك؛ لأن
اعتبارها في حقه لوجوب الدفع عليه، أو الفداء له، وإيجاب شيء على الإنسان لنفسه ممتنعٌ؛
ولهذا لا يجب للمولى على عبده دينٌ، ولا سبيل إلى اعتبار جناية المشغول على المشغول
لحق المرتهن؛ لأن الاعتبار لحقه يحول ما في المجني عليه من الدين إلى الجاني، والجاني
مشغولٌ بدين نفسه، والمشغول بنفسه لا يشتغل بغيره؛ وكذلك جناية المشغول على الفارغ؛
لما قلنا .
وأما جنايةُ الفارغ على الفارغ؛ / فلأنه لا دين للفارغ ليتحول إلى الجاني، فلا يفيد ٢١٨/٣ب
اعتبارها في حقه.
وأما جناية الفارغ على المشغول، فممكن الاعتبار لحقه(١) يتحول ما فيه من الدين إلى
الفارغ.
وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا كان الدين ألفين، والرهن عبدين يساوي كلُّ واحد
منهما ألفًا، فقتل أحدُهما صاحبه، أو جنى عليه جناية فيما دون النفس مما قل أرشها أو كثر،
فجنايته هَدَرٌ، ويسقط الدين الذي كان في المجني عليه بقدره، ولا يتحول قدر ما سقط إلى
الجاني؛ لأن كل واحد منهما مشغول كله بالدين، وجناية المشغول على المشغول هَدَرٌ، فجعل
كأن المجني عليه هلك بآفة سماوية.
ولو كان الدين ألفًا فقتل أحدهما صاحبه، فلا دفع ولا فداء، وكان القاتل رهنًا بسبعمائة
وخمسين؛ لأن في كل واحد منهما من الدين خمسمائة، فكان نصف كل واحد منهما فارغًا
ونصفه مشغولاً، فإذا قتل أحدهما صاحبه، فقد جنى كل واحد من نصفي القاتل على النصف
المشغول، والنصف الفارغ من المجني عليه، وجناية قدر المشغول على المشغول، وقدر
المشغول على الفارغ، وقدر الفارغ على الفارغ - هَدَرٌ لما بينا، فيسقط ما كان فيه شيء من
الدين، ولا يتحول إلى الجاني، وجناية قدر الفارغ على قدر المشغول معتبرةٌ، فيتحول قدر ما
كان فيه إلى الجاني، وذلك مائتان وخمسون، وقد كان في الجاني خمسماية فيبقى رهنًا
بسبعمائة وخمسين.
(١) في طـ: لحق.

٢٤٨
کتاب الرهن
ولو فَقَّأَ أحدهما عين صاحبه، تحول نصف ما كان من الدين في العين إلى الباقي،
فيصير الباقي رهنًا بستمائة وخمسة وعشرين، وبقي المفقوء عينه رهنًا بمائتين وخمسين؛ لأن
العبد الفاقىء جنى على نصف العبد الآخر؛ لأن العين من الآدمي نصفه، إلاَّ أَنَّ ذلك النصف
نصفه مشغول بالدين ونصفه فارٌ من الدين، والفاقىء جنى على النصف المشغول والفارغ
جميعًا، والفاقىء نصفه مشغول ونصفه فارغ، إلا أن جناية المشغول على قدر المشغول
والفارغ، وجناية الفارغ على قدر الفارغ والمشغول، فقدر جناية الفارغ، على قدر المشغول
معتبرةٌ، فيتحول قدر ما كان في المشغول من الدين إلى الفاقىء؛ وذلك مائة وخمسة
وعشرون، وقد كان في الفاقىء خمسمائة، فيصير الفاقىء رهنًا بستمائة وخمسة وعشرين،
ويبقى المفقوء عينه رهنًا بمائتين وخمسين؛ لانعدام ورود الجناية على ذلك النصف، والله عزَّ
وجلَّ - أعلم.
وإن كان العبدان رهنًا في صفقتين، فإنْ كان فيهما فضل على الدين؛ بأن كان الدين ألفًا
وقدر كلٌّ واحد منهما ألفًا، فقتل أحدهما الآخر، تعتبر الجناية رهنًا؛ بخلافِ الفصلِ الأولِ؛
لأن الصفقةَ إذا تفرقت صارت بمنزلةٍ ما لو رهن كل واحد منهما رجلاً على حدة، فجنى
أحدهما على الآخر، وهناك يثبت حكم الجناية؛ كذا ههنا؛ بخلاف ما إذا اتحدت الصفقة.
وإذا اعتبرت الجناية هنا يخير الراهن والمرتهن، فإن شاءًا جعلا القاتل مكان المقتول،
فيبطل ما كان في المقتول(١) من الدين، وإن شاءًا فَدَيَا القاتل بقيمة المقتول، ويكون رهنًا مكان
المقتول، والقاتل رهن على حاله.
وإنْ لم يكن فيهما فضلٌ على الدين؛ بأن كان الدين ألفين، وقيمةٌ كل واحد منهما ألفاً،
فقتل أحدهما الآخر، فإن دفعاه في الجنايةَ قَام المدفوع مقام المقتولِ، ويبطل الدين الذي كان
في القاتل، وإن قَالاً نفدي، فالفداء كلُّه على المرتهن؛ بخلاف الفصلِ الأولِ؛ لأن هناك كل
واحدٍ منهما ليس بمضمون كله، بل بعضه، وهنا كل واحد منهما مضمونٌ كلهُ، فإذا حل الدين
دفع الراهن ألفًا، وأخذ عبده، وكانت الألف الأخرى قصاصًا بهذه الألف إذا كان مثله.
ولو فَقَأَ أحدهما عين الآخر، قيل لهما: ادفعاه أوِ افدياه، فإن دفعاه بطل ما كان فيه من
الدين، وإن فدياه كان الفداء عليهما نصفين، وكان الفداء رهنًا مع المفقوء عينه؛ لأن الجناية
معتبرةٌ؛ لما ذكرنا، فصار كعبد الرهن إذا جنى على عبدٍ أجنبيٍّ.
فإن قال المرتهن: أنا لا أفدي، ولكني أدع الرهن على حاله، فله ذلك، وكان الفاقىء
(١) في طـ: القاتل.

٢٤٩
كتاب الرهن
رهنًا مكانه على حاله، وقد ذهب نصف ما كان في المفقوء من الدين؛ لأن اعتبار الجناية إنما
كان لحق المرتهن لا لحق الراهن، فإذا رضي المرتهن بهدر الجناية، صارَ هَدَرًا.
وَإِن/ قال الراهن: أنا أفدي، وقال المرتهن: لا أفدي، كان للراهن أن یفدیه، وهذا إذا
طلب المرتهن حكم الجناية؛ لأنه إذا طلب حكم الجناية، فحكمُها التخيير/ وإن أبى الراهن
الفداء، وقال المرتهن: أنا أفدي، والراهن حاضرٌ أو غائب، فهو على ما بينا في العبد الواحدِ.
١٢١٩/٣
وأما جناية البهيمة على جنسها فهي هدرٌ، لما روي عن النبي ◌ٍَّ؛ أنه قال: ((جُرْحُ العَجْمَاءِ
جُبَارٌ))(١) أي: هدر، والعجماءُ: البهيمةٌ، والجناية إذا هدرت سقط اعتبارها، وصار الهلاك بها،
والهلاك بآفة سماوية سواء؛ وكذلك جنايتها على خلاف جنسها هَدَرٌ؛ لعموم الحديث، وأما جناية
بني آدم عليها، فحكمها وحكم جنايته على سائر الأمراء سواء، وقد بينا ذلك.
فصل
في بيان ما يخرج به المرهون عن كونه مرهونًا
وأما بيان ما يخرج به المرهون عن كونه مرهونًا ويبطل به عقد الرهن، وما لا يخرج ولا
يبطل، فنقول وبالله التوفيق.
يخرج المرهون عن كونه مرهونًا ويبطل الرهن بالإقالة؛ لأنها فسخ العقد ونقضه،
والشيء لا يبقى مع ما ينقضه إلا أنه لا يبطله بنفس الإقالة من العاقدين، ما لم يرد المرتهن
الرهن على الراهن بعد الإقالة، حتى كان للمرتهن حبسه بعد الإقالة؛ لأن العقد لا ينعقد في
[حق](٢) الحکم بدون القبض، فلا یتم فسخه بدون فسخِهِ أيضًا، وفسخه بالرد.
وعلى هذا يخرج ما إذا رهن عبدًا يساوي الفًا بألف، فقبضه المرتهنُ ثم جاء الراهن
بجارية، وقال للمرتهن: خذها مكان الأولى، ورد العبد إليَّ، لا شك أن هذا جائزٌ؛ لأن هذا
إقالة العقد في الأول، وإنشاء العقد في الثاني، وهما يملكان ذلك، إلا أنه لا يخرج الأول عن
ضمان الرهن، إلا بالرد على الراهن، حتى لو هلك في يده قبل الرد يهلك بالدين؛ لما ذكرنا،
أن القبض في هذا الباب يجري مجرى الركن، حيث(٣) لا يثبت الضمان بدونه، فلا يتم الفسخ
بدون نقض القبض؛ وكذا لا يدخل الثاني في الضمان إلا برد الأول؛ حتى لو هلك الثاني في
يده قبل ردِّ الأول بهلك أمانةٌ؛ لأن الراهن لم يرض برهنهما(٤) على الجميع، وَإنما رضي برهن
(١) تقدم.
(٢) سقط في ط ..
(٣) في ط: حتى.
(٤) في ط: برهنيتهما.

٢٥٠
کتاب الرهن
أحدهما؛ حيث رهن الثاني وطلب رد الأول، والأول كان مضمونًا بالقبض، فما لم يخرج عن
كونه مضمونًا بنقض (١) القبض فيه لا يدخل الثاني في الضمان، ولو هلكا جميعًا في يد
المرتهن، فسقط الدين بهلاك العبد، وهلكت الجارية بغير شيء؛ لأنها أمانة، هلكت في يده،
فتهلك هلاك الأمانات.
ولو قبض الراهن العبد وسلم الجارية، خرج [العبد] (٢) عن الضمان؛ لأنه خرج عن كونه
مرهونًا، وصارت الجارية مضمونة، حتى لو هلكت تهلك بالدين؛ لأنه رَهَنَهَا بالدين الذي کان
العبد مرهوناً به، والعبد كان مضموناً بذلك الدين، فكذا الجارية؛ فإن كانت قيمة العبد
خمسمائة وهو رهن بألف، وقيمة الجارية ألف فهلكت، تهلك بالألف، لأنه رهن الجارية بعقد
على حدة، فكانت رهنًا ابتداءً، إلا أن شرط كونه مضمونًا رد الأول؛ لأنه لم يرض برهنهما
جميعًا، إلا أن يكون الثاني بدل الأول، بل هو مقصود بنفسه في كونه رهنًا، فكان المضمون
قدر قيمته لا قدر قيمة الأول.
ولو كان العبد يساوي ألفًا والجارية تساوي خمسمائة، فرد العبد على الراهن وقبض
الجارية، فهي رهن بالألف، ولكنها إن هلكت تهلك بخمسمائة؛ لما ذكرنا أن الثاني أصلٌ
بنفسه؛ لكونه مرهونًا بعقد على حدة، فيعتبر في الضمان قدر قيمته، ولا يخرج باستيفاء الدين
حتى لو هلك في يد المرتهن بعد ما استوفى دينه، فعليه رد ما استوفى، ويخرج بالإبراء عن
الدين عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - ويبطل الرهن؛ خلافًا لزفر، والمسألة قد مرت في
مواضع أخر من هذ الكتاب، ولا يخرج بالإعارة ويخرج بالإجارة؛ بأن أجره الراهن من أجنبي
بإذن المرتهن، أو المرتهن بإذن الراهن، أو استأجره المرتهن، ويبطل الرهن، وقد ذكرنا الفرق
بينهما فيما تقدم.
ويخرج بالكتابة والهبة والصدقة إذا فعل أحدهما بإذن صاحبه، ويخرج بالبيع؛ بأن باعه
الراهن أو المرتهن بإذن الراهن، أو باعه العدل؛ لأن ملك المرهون قد زال بالبيع، ولكن لا
يبطل الرهن؛ لأنه زال إلى خلف؛ وهو الثمن، فبقي العقد عليه.
وكذا في كل موضع خرج وأحدث(٣) بدلاً، ويخرج الإعتاق إذا/ كان المعتق موسرًا
بالاتفاق، وإن كان معسرًا فكذلك عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يخرج؛ بناءً على أن
الإعتاق نافذ عندنا، وعنده لا ينفذ.
٢١٩/٣ب
(١) في ط: ببعض.
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: واختلف.

٢٥١
کتاب الرهن
وجه قوله إن هذا إعتاق تضمن إبطال حق المرتهن، ولا شك أنه تضمن إبطال حقه؛ لأن
حقه متعلقٌ بالرهن ويبطل بالإعتاق، وعصمة حقه تمنع من الإبطال؛ ولهذا لا ينفذ البيع؛ كذا
الإعتاق؛ بخلاف ما إذا كان الراهن موسرًا؛ لأن هناك لم يوجد الإبطال؛ لأنه يمكنه الوصول
إلى دينه للحال من جهة الراهن.
ولنا: أن إعتاقه صادف موقوفًا هو مملوكه رقبة، فينفذ؛ كإعتاقه الآبق والمستأجر،
ودلالة الوصف ظاهرة؛ لأن المرهون مملوك للراهن عينًا، ورقبةً، إن لم يكن مملوكًا يدًا
وحبسًا، وملك الرقبة يكفي لنفاذ الإعتاق؛ كما في إعتاق العبد المستأجر والآبق.
وقوله: يبطل حق المرتهن، قلنا: نعم؛ لكن ضرورة بطلان ملك الراهن، وذا لا يمنع
النفاذ كما في موضع الإجماع، مع ما أن النابت للراهن حقيقة الملك، والنابت للمرتهن حق
الحبس، ولا شك أن اعتبار الحقيقة أولى؛ لأنها أقوى؛ بخلاف البيع؛ لأن نفاذه يعتمد قيام
ملك الرقبة واليد جميعًا؛ لأن القدرة على تسليم المبيع شرط نفاذه، ولم يوجد في المرهون؛
لأنه في يد المرتهن، فإذا نفذ إعتاقه خرج العبد عن أن يكون مرهونًا؛ لأنه صار حُرًّا من كل
وجهٍ، والحر من وجه - وهو المدبر - لا يصلح للرهن، فالحر من كل وجه أَوْلَى؛ ولهذا لم
يصلح رهنًا في حالة الابتداء، فكذا في حالة البقاء.
ثم ينظر إن كان الراهن موسرًا والدين حال؛ يجبر الراهن على قضائه؛ لأنه لا معنى
الإيجاب الضمان؛ وكذلك إن كان الدين مؤجلاً وقد حلَّ الأجل، وإن كان لم يحل غرم الراهن
قيمة العبد وأخذه المرتهن رهنًا (١) مكانه، ولا سعاية على العبد.
أما وجوب الضمان على الراهن؛ فلأنه أبطل على المرتهن حقه حَقًّا قويًا هو في معنى
الملك، أو هو ملكه من وجه؛ لصيرورته مستوفيًا دينه من ماليته من وجه، فجاز أن يكون
مضمونًا بالإتلاف، وأما كونه رهنًا؛ فلأنه بدل العبد، وفي الحقيقة بدل ماليته فيقوم مقامه، وإذا
حلَّ الأجلُ ينظر: إن كانت القيمة من جنس الدين يستوفي منها دينه، فإن كانت قيمته أكثر من
الدين رد الفضل على الراهن، وإن كانت قيمته أقل من الدين يرجع بفضل الدين على الراهن،
وإن كانت قيمته من خلاف جنس الدين حبسها بالدين حتى يستوفي دينه.
وَأمَّا عدم وجوب السعاية على العبد؛ فلأنه لم يوجد منه سبب(٢) وجوب الضمان وهو
الإتلاف؛ لأن الإتلاف وجد من الراهن لا من العبد، ومؤاخذةُ الإنسان بالضمان من غير
مباشرة سبب منه خلافُ الأصل؛ وكذلك لو كان الراهن موسرًا وقت الإعتاق ثم أعسر بعد
(١) في ط: رضا.
(٢) في ط: بسبب.

٢٥٢
كتاب الرهن
ذلك؛ لأن العبرة لوقت الإعتاق؛ لأنه وقت مباشرة سبب وجوب الضمان، وإن كان معسرًا
فللمرتهن أن يرجع بدينه على الراهن إن شاء، وَإن شاء استسعى العبد في الأقل من قيمته ومن
الدين، ويعتبر في العبد أيضًا أقل قيمته وقت الرهن ووقت الإعتاق، ويسعى في الأقل منهما
ومن الدين، حتى لو كان الدين ألفين وقيمة العبد وقت الرهن ألفًا، فازدادت قيمته في يد
المرتهن حتى صارت تساوي ألفين، ثم أعتقه الراهن وهو معسرٌ، سعى العبد في ألف قدر
قيمته وقت الرهن، ولو انتقصت قيمته حتى صَارَ يساوي خمسمائة، سعى في خمسمائة؛ قدر
قيمته وقت الإعتاق.
أما اختيار الرجوع على الراهن؛ فلأنه أبطل حقه بالإعتاق، وأما ولاية استسعاء العبد
فلأن بالرهن صارت مالية هذا العبد مملوكة للمرتهن من وجه؛ لأنه صار مستوفيًا لدينه من
-- ٠
ماليته، فإذا أعتقه الراهن فقد صارت هذه المالية محتبسةً عند العبد؛ فوصلت إلى البعد
بالإتلاف مالية مشغولة بحق المرتهن، فكان للمرتهن أن يستخرجَهَا منه، ولا يمكنه ذلك إلا
باستسعاء العبد فله أن يستسعيه؛ بخلاف حالة اليسار؛ لأن الدين في الحقيقة على الراهن،
١٢٢٠/٣ وإنما العبد جعل محلاً لاستيفاء الدين منه عند تعذر الاستيفاء/ من الراهن؛ على ما هو موضوع
الرهن في الشرع أن الراهن يؤمر بقضاء الدين، وعند التعذر يستوفي من الرهن كما قبل الإعتاق
والتعذر عند إعسار الراهن، لا عند يساره، فيسعى في حال الإعسار لا في حال اليسار،
وبخلاف العبد المشتري قبل القبض إذا أعتقه المشتري وهو مفلس [أنه](١) لا يكون للبائع ولاية
استسعاء العبد بقدر الثمن، وإن كان محبوسًا قبل التسليم بالثمن؛ كالمرهون محبوس بالدين؛
لأن العبد بنفس البيع خَرَج عن ملك البائع من كل وجهٍ، فلم يوجد احتباس مالية مملوكة للبائع
عند العبد، وإنما للبائع مجرد حق الحبس، فإذا خرج عن محلية الحبس بالإعتاق بَطَل حق
الحبس أصلاً، وبقي حقه في مطالبة المشتري بالثمن، فحسب، أما ههنا فبخلافه.
وأما السعايةُ في الأقل من قيمته ومن الدين، فلما ذكرنا أن الاستسعاء لمكان ضرورة
المالية المملوكة للمرتهن من وجهٍ محتبسة عند العبد(٢)، فتقدر السعاية بقدر الاحتباس، ثم إذا
سعى العبد يَرْجِعُ بما سعى على الراهن، لأنه قضى دين الراهن من خالص ملكِهِ على وجه
الاضطرار؛ لأن الشرع أوجب عليه السعاية، والقاضي ألزمه، ومن قضى دين غيره مضطرًا من
مال نفسه، لا يكون متبرعًا، ويرجع عليه؛ كالوارث إذا قضى دين الميت من مال نفسه؛ أنه
يرجع على التركة كذا هذا، فإن بقي بعد السعاية شيء من الدين، رجع المرتهن بذلك على
الراهن .
سـ
(١) سقط في ط.
-
(٢) في أ: العقد.

٢٥٣
كتاب الرهن
ولو نقض العبد في السعر قبل الإعتاق [ثم أعتقه] (١) بأن كان الدين ألفًا وقيمة العبد وقت
الرهن ألفًا، فنقص في السعر حتى عادت قيمته إلى خمسمائة، ثم أعتقه الراهن وهو معسرٌ،
سعى في قدر قيمته وقتّ الإعتاق؛ وهو خمسمائة، فللمرتهن أن يرجع على الراهن بخمسمائة
أخرى؛ لأنه لم يصل إليه من حقه ألاَّ قدر خمسمائة، فله أن يرجع عليه بالباقي، ولو لم ينقص
العبد في السعر ولكنه قتله عبد يساوي مائة درهم، فدفع مكانه، فأعتقه الراهن وهو معسرٌ،
يسعى فى قيمته مائة درهم، ويرجع بذلك على الراهن، ويرجع المرتهن على الراهن بتسعمائة
[درهم](٢)؛ لأنه لما دفع به فقد قام مقام الأول لحمًا ودمًا، فصار رهنًا بجميع المال، كان
الأول قائم وتراجع سعره إلى مائة، فأعتقه الراهن وهو معسرٌ، ولو كان كذلك لسعى في قيمته
وقت الإعتاق مائة درهم، ويرجع بذلك على الراهن؛ وكان للمرتهن أن يرجع ببقية دينه على
الراهن؛ كذا هذا.
ولو كان الرهن جارية تساوي ألفًا بألف، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، فأعتقها المولى وهو
معسرٌ، سَعَيَا في ألف؛ لأن الضمان فيهما ألف.
ولو لم تلد ولكن قتلها عبد قيمته ألفان، فدفع بها، ثم أعتقه المولى، سعى في ألف
درهم؛ لأنه كان مضمونًا بهذا القدر؛ لقيامه مقام - المقتولة لحمًا ودمًا، وهي كانت مضمونة
بهذا القدر؛ كذا هذا.
ولو قال المولى لعبده: رهنتكَ عند فلانٍ، وكذبه العبد، ثم أعتقه المولى وهو معسرٌ،
فالقولُ قولُ المولى، ولزمه السعاية عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم.
وقال زفر - رحمه الله: القولُ قول العبد ولا سعاية عليه.
وجه قوله إن المولى بهذا الإقرار يريد إلزام السعاية على العبد، وقوله في إلزام السعاية
عليه غَيْرُ مقبولٍ؛ كما لو أقر عليه بذلك بعد الإعتاق.
ولنا: أنه أقر بما يملك إنشاءه عليه للحال، لثبوت الولاية له عليه للحال، لوجود سبب
الولاية وهو الملك، فيصح، ولا يلتفت إلى تكذيب العبد بخلاف ما بعد الإعتاق؛ لأنه هناك
أقر بما لا يملك للحال إنشاءه، لزوال ملك الولاية بالإعتاق، هذا إذا أعتقه، فأما إذا دَبَّرَهُ
فيجوز تدبيره ويخرج عن كونه رهنًا أما جواز التدبير؛ فلأنه يقف على قيام ملك الرقبة؛ لجواز
الإعتاق، وملكُ الرقبة قائمٌ بعد الرهن.
وَإِما خروجه عن الرهن؛ فلأن المدبر لا يصلح رهنًا؛ لأن كون المرهون مالاً مطلقًا
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٢٥٤
کتاب الرهن
شرط جواز الرهن؛ على ما بينا فيما تقدم، وبالتدبير خَرَجَ من أن يكون مالاً مطلقًا، فيخرج عن
كونه رهنًا؛ ولهذا لم يصلح رهنًا ابتداءً؛ فكذا في حالة البقاء.
٢٢٠/٣پ
وهل يسعى للمرتهن؟ لا/ خلاف فى أن الراهن إذا كان معسرًا يسعى، وأما إذا كان
موسرًا؛ ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه يسعى، وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) أنه
لا يسعى، وسوى بين الرهن(١) وبين الإعتاق، وهو أن الدين إن كان حالاً أخذ المرتهن جميع
دينه من الراهن، وإن كان مؤجلاً أخذ قيمة العبد من الراهن، ويكون رهنًا مكانه؛ كما في
الإعتاق.
وَجْهُ ما ذكره الكرخي أن الدين على المولى، وكسب المدبر ملك المولى؛ لأنه بالتدبير
لم يخرج عن ملك المولى، فكانت سعاية مال المولى، فكان صرف السعاية إلى المرتهن قضاء
دين المولى من مال المولى، فيستوي فيه حال الإعسار واليسار؛ بخلاف كسب المعتق؛ لأنه
كسب الحر من كل وجهٍ، وكسب الحرِّ من كل وجهٍ ملكُهُ؛ فكانت السعاية ملكه، والأصل أن
لا يؤمر الإنسان بقضاءِ دين غيرِهِ من مال نفسه إلا عند العجز عن القضاء بنفسه، فيتقيد بحال
العجز، وهي حالة الإعسار.
وجه ما ذكره القاضي أن السعاية وإن كانت ملك المولى لكن لا صنع للعبد في [اكتساب
سبب] (٢) وجوبها؛ إذ لا صنع له في التدبير، بل هو فعل المولى، ومهما أمكن إيجاب
الضمان على مَنْ وجد منه مباشرة سبب(٣) وجوبه، كان أَوْلَّى من إيجابه على من لا صنع فيه
أصلاً ورأساً، فإذا كان المولى معسرًا، كان الإمكان ثابتًا، فلا معنى الإيجاب السعاية على
العبد، ثم إذا سعى في حالة الإعسار يسعى في جميع الدين، بالغًا ما بلغ؛ لأن السعايةً مال
المولى، فكان الاستسعاء من المرتهن استيفاء الدين من مال المولى، فكان له أن يستوفيه
بتمامه، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً؛ لما قلنا.
وقيل: إن کان الدین حالاً فكذلك، فأما إذا كان مؤجلاً فلا يسعى، إلا في قدر قیمته،
ويكون رهنًا مكانه؛ وهكذا ذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)).
وَوَجْهُ الفرقِ على هذا القول إن الدين إذا كان حَالاً كان واجبَ القضاءِ للحال على سبيل
التضييق، وهذا مال المولى، فيقضي منه دينه على الكمال، وإذا كان مؤجلاً لا يجب قضاؤه
للحال أصلاً(٤)، ولا يجب على سبيل التضييق، إلا أن الراهن بالتدبير فَوَّتَ حق المرتهن،
فتجب إعادة حقه إليه بعوض يقوم مقامه؛ جبرًا للفائت، فيتقدر الجائز بقدر الفائت، فيستسعيه
(١) في ط: المرتهن.
(٢) في ط: الكتابة بسبب.
(٣) في ط: بسبب.
(٤) في أ: أو.

٢٥٥
كتاب الرهن
بقدر قيمتِهِ، ويكون رهنًا مكانه، ولا يرجع المدبر بما يسعى على الراهن؛ بخلاف المعتق،
فوقع الفرق بين التدبير والإعتاق في موضعين:
أحدهما: أن المدبر يسعى في جميع الدين، بالغًا ما بلغ، ولا ينظر إلى القيمة، والمعتق
یسعی في الأقل من قیمته ومن الدین.
والثاني: أن المدبر لا يَرْجع بما يسعى على المولى، والمعتق يَرْجِعُ، والفرق بينهما
يرجع إلى حرف واحدٍ، وهو أن سعاية المدبر ملك مولاه؛ لكون المدبر ملكه؛ إذ الفائت
بالتدبير ليس إلا منفعة البيع، فكان الاستسعاء استيفاء الدين من مال المولى، فله أن يستوفيه
على التمام والكمال، ولا يرجع بما يسعى على المولى؛ لأنه قضى دين المولى من مال
المولى، فكيف يرجع عليه بخلاف المعتق؛ لأن سعاية ملكه على الخصوص؛ لأنه حُرِّ
خالص، إلا أنه لزمته السعاية لاستخراج ملك المرتهن من وجه المحتبس عنده، وهو مال،
فتتقدر السعاية بقدر الاحتباس، ويرجع بالسعاية على المولى إذا كان معسرًا؛ لأنه قضى دينًا
واجبًا عليه من مال نفسه [مضطرًّا، فيملك](١) الرجوع في الشرع؛ على ما بينا؛ بخلاف المدبر،
والله أعلم.
وعلى ما ذكره الكرخي - رحمه الله يقع الفرق بينهما في موضع ثالثٍ أيضًا؛ وهو أن
المدبر يسعى مع إيسار المولى، والمعتق لا يسعى مع إيساره وقد بينا وجه ذلك فيما تقدم.
هذا إذا أعتق أو دبر، فأما إذا استولد؛ بأن كان الرهن جارية فحبلت عند المرتهن،
فادعاه الراهن، فدعواه لا يخلو إما إن كانت قبل وضع الحمل، وَإما إن كانت بعده، فإن كانت
قبل وضع الحمل صَحَّتْ دعوتُهُ، ويثبت نسب الولد منه، وصارت الجارية أم ولد له،
وخرجت عن الرهن.
أما صحة الدعوة؛ فلأن الجارية ملكه من كل وجه، والملك من وجه يكفي لصحة
الدعوة، فالملك من كل وجه أَوْلَّى، وثبوت النسب حكم صحة الدعوة/، وصيرورة الجارية أم ١٢٢١/٣
ولد له حكم ثبوت النسب، وخروج الجارية عن الرهن حكم الاستيلاد، وهو صيرورتها أم ولد
له؛ لأن أم الولد لا تصلح للرهن.
ألا ترى أنها لا تصلح رهنًا ابتداءً؛ فكذا في حال البقاء، ولا سعاية على الولد؛ لأنه
صار حُرًّا قبل الولادة، فلم يدخل في الرهن، فلا يثبت حكم الرهن فيه.
وأما الجاريةُ فحكمُهَا حكم العبد المرهون إذا دبره الراهن، وقد بينا ذلك كله، وإن كانت
(١) في أ: على سبيل الاضطرار فهذا يطلق.

٢٥٦
كتاب الرهن
الجارية وضعت الحمل ثم ادعى الراهن الولد، صحت دعوته، وثبت النسب، وصار حُرًّا،
وصارت الجارية أم ولد له، وخرجت من الرهن لما ذكرنا في الفصل الأول، إلا أن هنا صار
الولد حُرًّا بعد ما دخل في الرهن، وصارت له حصةٌ من الرهن، فيقسم الدين عليهما على قدر
قيمتهما، إلا أن قيمة الجارية تعتبر يوم الرهن، وقيمة الولد تعتبر يوم الدعوة، فيكون حكم
الجارية في حصتها من الدين حكم المدبر في جميع الدين، وقد ذكرنا ذلك، وحكم الولد في
حصته من الدين حكم المعتق في جميع ما ذكرنا، وقد بينا ذلك، إلا أن هناك ينظر إلى ثلاثة
أشياء: إلى قيمة العبد وقت الرهن، وإلى قيمتِهِ وَقْتَ الإعتاق وإلى الدين، فيسعى في الأقل من
الأشياء الثلاثة، وهنا ينظر فقط إلى قيمة الولد وقت الدعوة، وإلى حصته من الدين، فيسعى في
أقلهما إذا كان الراهن معسرًا، ويرجع بما سعى عليه.
فصل في حكم اختلاف الراهن والمرتهن
وأما حكم اختلاف الراهن والمرتهن والعدل، فنقول وبالله التوفيق: إذا كان الدين ألف
درهم، فاختلف الراهن والمرتهن في قدر المرهون به، فقال الراهن: إنه رهن بخمسمائة، وقال،
المرتهن: بألفٍ، فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه؛ لأن المرتهن يدعي على الراهن زيادة ضمان،
وهو ينكر، فكان القول قوله، ولو أقاما البينة، فالبينةُ بينةُ المرتهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان.
ولو قال الراهن: رَهَنْتُهُ بجميع الدين الذي لك عليَّ، وهو ألف، والرهن يساوي ألفًا،
وقال المرتهن: ارتهنته بخمسمائة، والرهن قائمٌ، فقد روي عن أبي حنيفة أن القولَ قولُ
الراهن، ويتحالفان ويترادَّان؛ لأنهما اختلفا في قدر ما وقع عليه العقد؛ وهو المرهون به،
فأشبه اختلاف البائع والمشتري في مقدار الثمن، وهناك يتحالفان ويترادان؛ كذا هنا، فإن هلك
الرهن قبل أن يتحالفًا، كان كما قال المرتهن، لأن الراهن يدعي عليه زيادة ضمان، وهو ينكرُ،
وَإِن اتفقًا على أن الرهن كان بألفٍ، واختلفا في قيمة الجارية، فالقولُ قولُ المرتهن، لأن
الراهن يدعي عليه زيادة ضمان، وهو يُنْكِرُ؛ ولهذا كان القولُ قولَ الغاصب في مقدار الضمان؛
فكذا هذا.
ولو أقاما البينةَ، فالبينةُ بينةُ الراهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان؛ وكذلك لو كان الرهن
ثوبين هلك أحدهما، فاختلفا في قيمة الهالك؛ أن القول قولُ المرتهن في قيمة الهالك، والبينة
بينة الراهن في زيادة القيمة؛ لما قلنا؛ وكذلك لو اختلفا في قدر الرهن، فقال المرتهن: رهنتني
هذين الثوبين بألف درهم، وقال الراهن: رهنت أحدهما بعينه، يحلف كل واحد منهما على
دعوى صاحبه؛ لأنهما اختلفا في قدر المعقود عليه، وأنه يوجب التحالف كما في ((باب البيع)).
ولو أقاما البينَةَ، فالبينةُ بينةُ المرتهن؛ هكذا ذكر في الأصل؛ لأنها تثبت زيادة ضمان.

٢٥٧
كتاب الرهن
ولو قال الرهن للمرتهن: هَلَكَ الراهنُ في يدك، وقال المرتهن: قبضته من بعد الرهن.
فهلك في يَدِكَ، فالقولُ قولُ الراهن؛ لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان، والمرتهن يدعي
البراءة، والراهن يُنكر، فكان القولُ قولَهُ، ولو أقاما البينة، فالبينة [بينة الراهن](١) أيضًا لأنها
تثبت استيفاء الدين، وبينة المرتهن تنفي ذلك، فالمثبتة أَوْلَى.
ولو قال المرتهنُ: هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه، فالقول قوله؛ لأن الراهن يدعي
دخوله في الضمان، وهو ينكر، ولو أقاما البينةَ، فالبينةُ بينة الراهن؛ لأنها تثبت الضمان.
ولو كان الرهن عبدًا فاعورَّ، فاختلفا، فقال الراهن: كانت القيمة يوم الرهن ألفًا، فذهب
بالاعورار النصف، خمسمائة، وقال المرتهن: لا/ بل كانت قيمته يوم الرهن خمسمائة، وإنما ٢٢١/٣ب
ازداد بعد ذلك، فإنما ذهب من حقي الربع؛ مائتان وخمسون - فالقولُ قولُ الراهن؛ لأنه
يستدل بالحال على الماضي، فكان الظاهر شاهدًا له.
وإن أقاما البينةَ، فالبينةُ بينتهُ أيضًا؛ لأنها تثبت زيادة ضمان، فكانت أَوْلَى بالقبول.
ولو كان الدين مائة، والرهن في يد عدل، فباعه، فاختلفا، فقال الراهن: باعه بمائة.
وقال المرتهن: بخمسين ودفع إليَّ، وصدق العدل الراهن، فالقولُ قولُ المرتهن مع
يمينه؛ لأن المرهون خرج عن كونه مضمونًا بنفسه بخروجه عن كونه رهنًا بالمبيع، وتحول
الضمان إلى الثمن، فالراهن يدعي تحول زيادة ضمان، وهو ينكر، فكان القول قولَهُ؛ كما إذا
اختلفا في مقدار قيمة الرهن بعد هلاكِهِ.
ولو أقاما البينةَ، فالبينةُ بينةُ الراهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان، وبينةُ المرتهن تنفي تلك
الزيادة، فالمثبتةُ أَوْلَى؛ لأن اتفاقهما على الرهن اتفاقٌّ منهما على الدخول في الضمان،
فالمرتهن بدعوى البيع يدعي خروجه عن الضمان، وتحول الضمان إلى الثمن والراهن ينكر،
فكان القول قوله مع یمینه .
وكذلك قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا كان الرهن مثل الدين في القيمة، والمرتهن
مسلط على بيعه؛ بأن ادعى أنه باعه بمثل الثمن؛ وهو ألف فالقولُ قولهُ وَإن قال: بعتهُ
بتسعمائة، لم يُقبل قوله، فصار كأنه ضاع، ولا يرجع على الراهن بالنقصان إلى أن تجيء
بينتُهُ، أو يصدقه؛ لما ذكرنا أنه كان مضمونًا فلا يقبل قوله في انتقال الضمان، وكذلك العدلٌ
(١) في ط: بينته.
بدائع الصنائع ج٨ - م١٧

٢٥٨
کتاب الرهن
إذا قال: بعت بتسعماية، ولا يعلم إلا بقوله، لم يكن على العدل إلاَّ تسعماية، [ويكون الراهن
راهنّا](١) بما فيه، ولا يرجع المرتهن على الراهن بالمائة الفاضلة؛ لأنَّ قول العبد مقبول في
براءة نفسه، غير مقبول في إسقاط الضمان عن بعض ما تعلق به، ولا في الرجوع على الراهن.
وذكر في الأصل إذا كان المرتهن مسلطًا على البيع فأقام بينة أنه باعه بتسعمائة (٢) وأقام
الراهن بينة أنه مات في يد المرتهن، أُخذ ببينة المرتهن.
وقال أبو يوسف يؤخذ ببينة الراهن، وجه قوله إن بينة الراهن تثبت زيادة ضمان بنفيها
بينة المرتهن، فكانت المثبتة أَوْلَى.
وجه رواية الأصل أن بينة المرتهن تثبت أمرًا لم يكن، وهو تحول الضمان من العين إلى
الثمن، وبينة الراهن تقرر ضمانًا كان ثابتًا قَبْلَ الموت، فكانت المثبتة أَوْلَى، والله تعالى أعلم.
(١) في أ: ويصير الرهن ذاهباً.
(٢) في ط: بتسعة.

كِتَابُ المُزَارَعَةِ(١)
(١) من صور المزارعة: أن يدفع رب الأرض أرضه وبذره إلى من يعمل فيها بجزء معلوم النسبة مما تنبته على
أن يكون البقر والآلات من العامل، مثلها إلا أن البقر والآلات مشروطة فيها على رب الأرض وقد
اختلف الفقهاء في هاتين الصورتين.
فمنهما الإمام أبو حنيفة وزفر وجمهور الشافعية وابن حزم الظاهري وأجازهما أبو يوسف ومحمد
والحنابلة .
وأجازهما المالكية أيضاً لكن شرطوا في الأولى أن تتبادل نسبة النصيبين مع نسبة أجرتي الأرض والعمل:
كأن تساوي أجرة الأرض مائة والعمل مع البقر، والآلات خمسين فيدخلا على أن لرب الأرض الثلثين
وللعامل الثلث، أو تساوي أجرة الأرض مائة والعمل مع البقر والآلات مائة فيدخلا على أن لكل منهما
النصف، وشرطوا في الصورة الثانية شرطين.
أولهما: أن تتعادل فيه النصيبين مع النية بين أجرة الأرض والبقر والآلات وبين أجرة العمل.
وثانيهما: أن يعقداها بلفظ الشركة لا بلفظ الإجارة ولا بالإطلاق وإليك أدلة الفريقين.
أ - استدل المانعون على ما ذهبوا إليه بما يأتي.
ب - ما رواه ابن حزم من حديث ثابت بن الضحاك أن رسول الله و ◌َلل نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة،
وقال لا بأس بها فهذا الحديث صريح في النهي عن المزارعة، وفي القاموس المزارعة المعاملة على
الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من مالكها اهـ. ولا شك أن الصورتين اللتين ذكرناهما ينطبق
عليهما حد المزارعة المذكور فتكونان غير مشروعتين بهذا النص.
ونوقش بأنه محمول على المزارعة الفاسدة التي كانت يتعاملون بها من اشتراط ما على الماذيانات وإقبال
الجداول ونحو ذلك من المعاملات التي ثبت النهي عنها، أو محمول على اجتنابها ندباً واستحباباً، ولا
يقال إن الحمل على ما ذكر خلاف الأصل، لأنا نقول إنه لا بد منه للجميع بين الأدلة كما يأتي.
ما رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال نهى رسول الله وَّر عن عسب النحل
وعن قفيز الطحان.
فهذا الحديث دال على منع استئجار من يطحن الحب بجزء منه مطحوناً ولو معلوماً، لأنه إذا استحق
الطحان هذا الجزء مطحوناً كان مستحقاً لطحنه على صاحب الحب مع أن الأمر بطحن الحب يتضمن
استحقاق المالك لهذا الطحن على العامل، فيكون العقد متناقضاً لما فيه من استحقاق طحن قدر الأجرة
لكل واحد منهما على الآخر.
والمزارعة في معنى ذلك لأن قول صاحب الأرض للعامل ازرع هذا الحب بنصف ما يخرج منه يقتضي أن
نصف الخارج أجرة، فيستحق العامل على صاحب الأرض أن يزرعه ليسلمه إياه، مع أن اللفظ يتضمن
استحقاق رب الأرض على العامل أن يزرعه فيكون كل منهما مستحقاً على الآخر أن يزرع الجزء المجعول
أجرة وهذا تناقض وقد يناقش بأن النهي عن قفير الطحان ليس للتناقض، إذ لا تناقض فيه، فإن العقد =
٢٥٩

٢٦٠
كتاب المزارعة
مقتضاه أن الأجير لا يستحق القفيز إلا بعد الانتهاء من طحن جميع الحب، فالحب كله مملوك لصاحبه،
=
وطحن جميعه مستحق له على العامل، والذي يستحقه العامل إنما هو القفيز المطحون بعد طحنه إياه،
فليس هناك استحقاق عمل من كل منهما على الآخر فلا تناقض فالظاهر أن النهي عن قفيز الطحان إنما هو
للغرر.
وذلك إنما يكون في شيء من الحب مجهول المقدار، يقال للطحان اطحنه ولك قفيز منه، فإذا أخذ القفيز
لم يدر الباقي كم هو ولعله يكون مقداراً لا يستحق عليه القفيز، أو مقداراً يستحق عليه أكثر من القفيز،
فيقع الغبن على أحدهما، ويحدث حينئذٍ التنازع لا يقال إنهما قد تراضيا عند العقد والتراضي مانع من
التنازع لأنا نقول إن التراضي المبني على الجهالة ليس تراضياً حقيقة ولا يمنع التنازع عند انكشاف الحال.
والمزارعة بصورتيها السابقتين ليست من هذا القبيل أصلاً فإن الأجر فيها قد علمت نسبته، وقد حصل
التراضي من المتعاقدين بهذه النسبة وهو تراض حقيقي لأن النسبة لا تتغير بكثرة الحاصل ولا بقلته، فلا
غبن من أحدهما للآخر.
ولهذا لو اكترى الأرض بمقدار معلوم بالكيل أو الوزن مما يخرج منها كان فاسداً كقفيز الطحان المنهي عنه.
على أن حديث النهي عن قفيز الطحان إنما روي من طريق هشام أبي كليب. قال ابن القطان لا يعرف،
وكذا قال الذهبي، وزاد وحديثه منكراً اهـ.
واستدل المجوزون على ما ذهبوا إليه بما يأتي.
ما رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وَّ لم يحرم المزارعة ولكن أمر أن
يرفق بعضهم ببعضه فهذا ابن عباس حبر الأمة وعالمها يجزم بأن النبي ◌َّلو لم يحرم المزارعة، وهو لا
يجزم بذلك إلا بعد الاطلاع على مذاهبه # وأوامره المتعلقة بالمزارعة واستقر لها وقال لا أعلم أن النبي
حرم أو لم يبلغني أنه حرم ولم يجزم هذا الجزم الذي يدل على تيقنه ذلك.
ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه عن عمرو بن دينار قال قلت لطاوس لو تركت المخابرة،
فإنهم يزعمون أن النبي ◌َّه نهى عنها، فقال إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي ◌َّ لم ينه عنها
وقال لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً.
فقوله لل خير أفعل تفضيل يقتضي المشاركة والزيادة، فيكون أخذ الخراج المعلوم على الأرض مشاركاً
للمنحة في الخيرية، وإن زادت المنحة عنه فيها. وما فيه خير فهو جائز.
والمقصود بأخذ الخراج المعلوم المخابرة بدليل صدر الحديث، والمخابرة أن يزرع على النصف ونحوه
كما في القاموس فهي شاملة لما لو كان البذر من العامل أو من المالك كالصورتين اللتين معنا من تأمل في
أدلة هذين المذهبين ومناقشاتها لم يسعه إلا اختيار مذهب المجوزين، ومما يدل على قوة هذا المذهب،
أن العمل به شريعة متوارثة من لدن عهد النبي ◌َّر، قال البخاري في صحيحه ما نصه - باب المزارعة
بالشطر ونحوه، وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث
والربع، وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة بن الزبير
وآل أبي بكر وآل عمر، وآل علي وابن سيرين، وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك
عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن
جاؤوا بالبذر فلهم كذا، وقال الحسن لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فينفقان جميعاً فما خرج منها
فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري اهـ.
=