Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الرهن يرى الحنابلة والنخعي والشعبي أنه نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهناً في يد من الرهن في يده كالأصل = وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع مع الأصل سواء في ذلك المتصل كالسمن والتعلم والمنفصل كالكسب والأجرة والولد والثمرة واللبن والصوف والشعر. ومذهب الشافعية وأبي ثور وابن المنذر وابن حزم أن ما يحدث في يد المرتهن من عين الرهن من النماء المتميز كالشجر والثمر واللبن والصوف والشعر وكذا الكسب والأجرة لا يدخل في الرهن. وتفصيل المالكية أن ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته داخل في الرهن كالولد مع الدابة وفي معناه فسيل النخل وإن ما لم يكن على خلقته لا يدخل فيه سواء أكان متولداً عنه كثير النخل أم غير متولد ككراء الدابة وتفصيل أبي حنيفة والثوري أن نماء الرهن كالولد والثمر واللبن والصوف ملك للراهن ورهن مع الأصل وأما الكسب والغلة فليسا بداخلين في الرهن. وجنح ابن أبي ليلى إلى أن الغلة للمرتهن قضاء من حقه. أثبت الحنابلة مذهبهم بأن الرهن حكم يثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع كالملك بالبيع وغيره. وهو قياس مع الفارق إذ البيع ينقل الملك من البائع إلى المشتري فتكون المنافع والزيادة حادثة في ملكه بخلاف الرهن فإنه لا يفيد المرتهن إلا التوثق. وبأن النماء حادث من عين الرهن فيدخل فيه كالمتصل. ولا شك أن المتصل جزء من المرهون والمنفصل ليس كذلك فلا يتم. وبأن الرهن حق مستقر في الأم ثبت برضا المالك فيسري إلى الولد كالتدبير والاستيلاد وهو مردود بأن ثبوت الرهن في الأم برضا المالك لا يستلزم السريان إلى الولد. وقياسه في الرهن عليه في التدبير والاستيلاد واهٍ إذ الشارع راغب في العتق وفك الرقاب من أسر الذل والاستعباد بخلاف الرهن فإن فيه مراعاة لمصلحة المرتهن وحبساً للطليق وضرراً على الراهن على ما ذهبتم إليه وكثيراً ما يكون ثمن المرهون أزيد من الدين في الفائدة التي يجنيها المرتهن من ذلك؟ وبأنه نماء حادث من عبد الرهن فسرى إليه حكم الرهن كالولد. وبأنه عقد يستتبع النماء فاستبع الكسب كالشراء. هذا من الدليلان الأخيران أولهما على مالك وثانيهما على أبي حنيفة وسترى عند الاستدلال لمذهبيهما منزلتهما . احتج الشافعية ومن معهم بما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَلي قال: ((لا يغلق الرهن الرهن من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)) وجه الدلالة: أن النماء من الغنم فوجب أن يكون للراهن وتقدم الخبر يفيد اختصاصه، وإضافة المصدر إلى الضمير تدل على العموم فيصير المعنى للراهن كل غنمه دون غيره. نوقش بأن النماء والكسب للراهن لكن يتعلق به حق الرهن كالأصل فإنه للراهن والحق متعلق به والفرق بينه وبين سائر مال الراهن أنه تابع فثبت له حكم أصله وهذا هو معنى الحديث. والظاهر أن الزيادة محض حق للراهن ملكاً واستيلاء وانتفاعاً ولا أول على ذلك من الإضافة المفيدة للاستغراق. = ٢٠٢ كتاب الرهن وبما رواه أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهم ((الرهن مركوب ومحلوب)). قال الشافعي: يشبه قول أبي هريرة - والله أعلم - أن من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن درها وظهرها لأنه له رقبتها وهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن ولا يمنع الراهن برهنه إياها من الدر والظهر الذي ليس هو الرهن بالرهن الذي هو غير الدر والظهر. ويمكن أن يوجه بأنه لم يرد أنه مركوب ومحلوب للمرتهن فدل على أنه أراد به مركوب ومحلوب للراهن. اعترض بأنه يحتمل أنه مركوب ومحلوب للراهن بإذن المرتهن وللمرتهن بإذن الراهن. وهو احتمال مرجوح إذ كونه مملوكاً للراهن يقوى ركوبه وحلبه يدل على هذا ((وعلى الذي يركبه ويحلبه نفقته)) لأن الإنفاق أثر من آثار الملك ولازم من لوازمه التي لا تفارقه. وبأن الرهن وثيقة بالدين فلا يسري إلى الولد كالكفالة ((مبسوط)) وبأن النماء زائد على ما رضيه المرتهن رهناً فوجب أن يكون للراهن ((بداية)) وبأن الرهن ما تعقد عليه الصفقة لا ما لم تعقد عليه وكل ما ذكرنا ناشىء لم تعقد عليه الصفقة فكله غير الأصل وكله حادث في ملك صاحب الأصل فكله له. وبأن هذه زيادة تملك بملك الأصل فلا يثبت فيها حكم ((الرهن كالكسب والغلة)). وجه المالكية بأن الولد حكمه حكم أمه في الزكاة وليس كذلك الأصواف والألبان وثمر الأشجار لأنها ليست تبعاً للأمهات في الذكاة ولا هي في صورها ولا في معناها ولا تقوم معها فلها حكم نفسها لا حكم الأصل خلاف الولد والنتاج ((قرطبي)). وهو قياس مع الفارق إذ الذكاة تحل الأكل وذلك تخفيف من الشارع فقد يموت الجنين في بطن أمه فلا تدركه حياً لتذكيه بخلاف الرهن فإن المقصود من التوثق وبأن الولد حكمه حكم أمه في البيع: أي هو تابع لها وفرقت السنة بين الثمر والولد وذلك أن الثمر لا يتبع مع الأصل إلا بالشرط والولد يتبع بغير شرط (بداية)) وهو كسابقه إذ البيع ينقل الملك بخلاف الرهن. يرهن الحنفية والثوري بما أثر عن معاذ رضي الله عنه فيمن ارتهن نخيلاً فأثمرت ((أن الثمار رهن معها)). وهو معارض بما نقل عن معاذ نفسه من طريق طاوس أن في كتاب معاذ ((من ارتهن أرضاً فهو يحتسب ثمرها لصاحب الرهن)) ((محلى لابن حزم)) وبما أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما في الجارية المرهونة إذا ولدت فولدها رهن معها ((مبسوط)). ورد عليه أنه قول صحابي لا حجة فيه إذ هذا الحكم مما للرأي فيه مجال وهو وارد على أثر معاذ أيضاً واختلاف الرواية عنه يؤيد هذا فالظاهر أنهما قالا ذلك عن اجتهاد. وبأن حق المرتهن متأكد في العين فيسري إلى الولد كذلك الراهن وبيان ثبوت الحق في العين أن توصف العين به يقال مرهون محبوس بحق المرتهن كما يقال مملوك للراهن ولهذا يسري إلى بدل العين ودليل التأكد أن من هو عليه لا يملك إبطاله (وفقه الكلام) ما قررنا أن موجب عقد الرهن يد الاستيفاء، ويد الاستيفاء أنما تثبت في العين وهي معتبرة بحقيقة الاستيفاء وإذا كانت حقيقة الاستيفاء تظهر في موجبه من الزوائد التي تحدث بعده فكذلك يد الاستيفاء وهذا لأن المتولد من الأصل ثبت فيه ما كان في الأصل والأصل كان مملوكاً للراهن مشغولاً بحق المرتهن فيثبت ذلك الملك في الزيادة بخلاف الكسب والغلة إذ هما غير متولدين من الأصل وبخلاف ولد الجارية الجانية حيث لا يسري حكم الجناية إلى الولد ولا يتبع أمه فيه لأن الحق غير متأكد حتى ينفرد المالك بإبطاله بالفداء وبخلاف ولد المستأجرة والكفيلة والمغصوبة وولد الموصي بخدمتها لأن = ٢٠٣ كتاب الرهن على ضربين زيادة غير متولدة من الأصل، ولا في حكم المتولد منه كالكسب والهبة والصدقة، وزيادة متولدة من الأصل كالولد والثمر واللبن والصوف، أو في حكم المتولد من الأصل كالأرش والعقر، ولا خلاف في أن الزيادة الأولى أنها ليست بمرهونة بنفسها، ولا هي بدل المرهون، ولا جزء منه، ولا بدل جزء منه، فلا يثبت فيها حكم الرهن. واختلف في الزيادة الثانية، قال أصحابنا - رحمهم الله - أنها مرهونة. المستأجر حقه في المنفعة دون العين وفي الكفالة الحق يثبت في الذمة والولد لا يتولد من الذمة وفي = الغصب السبب إثبات اليد العادية بإزالة اليد المحقة وهو معدوم في الولد ولا يمكن إثباته فيه تبعاً لأنه فعل حسي والتبعية تجري في الأوصاف الشرعية وفي الجارية الموصي بخدمتها المستحق له الخدمة وهي منفعة والولد غير صالح لها قبل الانفصال فلا يكون تبعاً لها وبعده لا ينقلب موجباً أيضاً بعد أن انعقد غير موجب . اعترض هذا الدليل بأنه مرتكز على أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء وقد رددناه على أنا لو سلمنا ثبوته لكان الفارق موجوداً بين الاستيفاء الحقيقي وبين ملك اليد فلا يلزم من إلحاق الولد بأصله في الحقيقي إلحاقه به في يد الاستيفاء إذ الأول فيه ملك العين واليد معاً أما الثاني فالثابت به ملك السيد لا غير وأيضاً فلا ينهض هذا المعقول في مقابلة الحديثين السالفين في استدلال الشافعية ومن معهم والإجابة بأن الزيادة مملوكة للراهن وذلك لا ينفي حقاً للمرتهن فإنه كما أضاف الزيادة إليه أضاف الأصل إليه بقوله وَلجر: ((الرهن من راهنه)) مردودة بأن معناه الرهن من ضمان راهنه يقال هذا الشيء من فلان أي من ضمان وحمل حديث الرهن مركوب ومحلوب)) على أنه مركوب ومحلوب للراهن بإذن المرتهن بعيد والظاهر أن ركوبه وحلبه لراهنه الذي يملك رقبته ويتولى الإنفاق عليه. مما سلف يتبين أن قياس الحنابلة على المالكية والحنفية غير صحيحين إذ أدلة المذهبين لم تنهض لإثبات الأصل المقيس عليه. وجه ابن ليلى بأن عقد الإجارة لا يلاقي المحل الذي لاقاه عقد الرهن. فإنه بعقد الإجارة يثبت للمستأجر ملك المنفعة والثابت للمرتهن ملك اليد إلا أن رضا المرتهن في الإجارة شرط يتمكن به المالك من التسليم فإجارة المرتهن وإجارة الراهن برضا المرتهن سواء على معنى أن الأجر للراهن وأن عقد الرهن على حاله لأن موجب العقدين ما اجتمعا في محل واحد ثم المرتهن يأخذ الأجر قضاءً من لاحقه لأن ظفر بجنس حقه من مال المدیون. وللبحث فيه مجال: وهو أن الله تعالى شرع الرهن للتوثق واستيفاء الدين من المرهون عند التعذر من الراهن في الموعد المضروب وفي هذا سعة على الراهن ومصلحة للمرتهن وبما أن الراهن لا يلزم شيء قبل الوقت المعلوم فلا أدري بأي دليل تسلط المرتهن على استيفاء بعض حقه مقدماً قبل موعده وقد يكون هذا ضرراً على الراهن وموقعاً له في الحرج والعسر لانحصار مورده ولو مؤقتاً في الأجر الذي يتحصل من المرهون على أنه وله غنمه، ظاهر في أن للراهن ملكاً واستيلاء وانتفاعاً. مما سلف يتبين أن الرأي الذي لا تشوبه شائبة وهن هو رأي من قال إن النماء مطلقاً لا يدخل في الرهن ((والله أعلم بالصواب)) ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر مغني الحنابلة ٤٣٤/٤، ٤٣٥، والأم ١٧٢/٣، والمحلى ٩٩/٨، ١٠٠، والمبسوط ٧٥/٢١، والزيلعي ٦ / ٩٤. ٢٠٤ کتاب الرهن وقال الشافعي - رحمه الله -: ليست بمرهونة، بناءً على أن الحكم الأصلي للرهن عنده هو كون المرتهن أحق (١) ببيع المرهون. وأحق بثمنه من بين سائر الغرماء، فقبل البيع لا حق له في الرهن حتى يسري إلى الولد، فأشبه ولد الجارية إذا جنت ثم ولدت؛ أن حكم الجناية لا يثبت في ولدها؛ لما أن حكم جناية الأم هو وجوب الدفع إلى المجنى عليه، وأنه ليس بمعنى ثابت في الأم، فلم يسر إلى الولد؛ كذا هذا، والدليل على أن الزيادة ليست مرهونة أنها ليست بمضمونة، ولو كانت مرهونة لكانت مضمونة كالأصل، وعندنا حق الحبس حكم أصلي للرهن أيضاً، وهذا الحق ثابت في الأم، فيثبت في الولد تبعاً للأم، إلا أنها ليست بمضمونةٍ لثبوت حكم الرهن فيها تبعاً للأصل، فكانت مرهونة تبعاً لا أصلاً؛ كولد المبيع أنه مبيعً على أصل أصحابنا - رضي الله عنهم -، لكن تبعاً لا أصلاً، فلا يكون له حصة من الثمنٍ إلاَّ إذا صار مقصوداً بالقبض، فكذا المرهون تبعاً لا يكون له حصة من الضمان، إلاَّ إذا صار مقصوداً بالفكاك. وَإذا كانت الزيادة مرهونة عندنا، كانت محبوسة مع الأصل بكل الدين، وليس للراهن أن يفتك أحدهما إلا بقضاء الدين كله؛ لأن كل واحد منهما مرهونٌ، والمرهونُ محبوسٌ کله بكل جزء من أجزاء الدين؛ لما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. وينقسم الدينُ على الأصل، والزيادة على تقدير بقائها إلى وقت الفكاك على قدر قيمتهما، لكن تعتبر قيمة الأصل يوم(٢) العقد، وقيمة الزيادة يوم الفكاك، ونبين ذلك في موضعه. وَعَلَى هذا يخرج الزيادة على الرهن أنها لما كانت جائزة على أصل أصحابنا، كان للمرتهن أن يحبسهما جميعاً بالدين، ولا سبيل للراهن على أحدهما ما لم يقبض جميع الدين؛ لأن كُلّ واحد منهما مرهون، ويقسم الدين بينهما على قدر قيمتهما، إلا أنه تعتبر قيمة الرهن /٢٠٨ب الأصلي وقت العقد، وقيمة الزيادة وقت/ الزيادة، وأيهما هلك، يهلك بحصته من الدين؛ بخلاف زيادة الرهن، والفرقُ بين الزيادتين يأتي(٣) في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما الذي يتعلق بكيفية هذا الحكم فنوعان: الأول أن الثابت للمرتهن حق حبس الرهن بالدين الذي رهن به، وليس له أن يمسكه بدين وجب له على الراهن قبل الرهن أو بعده؛ لأنه مرهونٌ بهذا الدين، لا بدين آخر، فلا يملك حبسه بدين آخر؛ لأن ذلك دين لا رهن به. والثاني: أن المرهون محبوسٌ بجميع الدين الذي رهن به، سواء كانت قيمة الرهن أكثر (١) في ط: أخص. (٣) في أ: يذكر. (٢) في أ: وقت. ٢٠٥ کتاب الرهن من الدين أو أقل، حتى لو قضى الراهن بعض الدين، كان للمرتهن أن يحبس كل الدين حتى يستوفي ما بقي، قلَّ الباقي أو كثر؛ لأن الرهن في حق ملك الحبس مما لا يتجزأ، فما بقي شيء من الدين بقي (١) محبوساً به كالمبيع قبل القبض لما كان محبوساً بجميع الثمن، فما بقي شيء من الثمن بقي محبوساً به؛ كذا هذا. ولأن صفقة الرهن واحدة، فاسترداد شيء من المرهون بقضاء بعض الدين، يتضمن تفريق الصفقة من غير رضا المرتهن، وهذا لا يجوز، وسواء كان المرهون شيئاً واحداً أو أشياء، ليس للراهن أن يسترد شيئاً من ذلك بقضاء بعض الدين؛ لما قلنا، وسواء سمى لكل واحد منهما شيئاً من المال الذي رهن به أو لم يسم، في رواية الأصل. وذكر في الزيادات فيمن رهن مائة شاة بألف درهم؛ على أن كل شاة منها بعشرة دراهم، فأدى عشرة دراهم - كان له أن تقبض شاة. ذكر الحاكم الشهيد أن ما ذكر في الأصل قول أبي يوسف، وما ذكر في الزيادة قولُ محمد . وذكر الجصاص أن في المسألة روايتين عن محمد، وجه رواية الزيادات أنه لما سمى لكل واحد منهما ديناً متفرقاً أوجب ذلك تفريق الصفقة، فصار كأنه رهن(٢) كل واحدة منهما بعقد على حدة . وجه رواية الأصل أن الصفقة واحدة حقيقة؛ لأنها أضيفت إلى الكل إضافة واحدة، إلا أنه تفرقت التسمية، وتفريق التسمية لا يوجب تفريق الصفقة؛ كما في البيع إذا اشتملت الصفقة على أشياء كان للبائع حق حبس كلها إلى أن يستوفي جميع الثمن، وإن سمى لكل واحد منهما ثمناً على حدة؛ كذا هذا. وأما الحكم الثاني: هو اختصاص المرتهن ببيع المرهون له واختصاصه بثمنه، فنقول وبالله التوفيق : إذا بيع الرهن في حال حياة الراهن وعليه ديون أخر، فالمرتهن أحق بثمنه من بين سائر الغرماء؛ لأن بعقد الرهن ثبت له الاختصاص بالمرهون، فيثبت له الاختصاص ببدله وهو الثمن، ثم إن كان الدين حالاً والثمن من جنسه، فقد استوفاه إن كان في الثمن وفاء بالدين، وَإن كان فيه فضلٌ ردّه على الراهن، وإن كان أنقص من الدين يرجع المرتهن بفضل الدين على الراهن، وإن كان الدين مؤجلاً حبس الثمن إلى وقت حلول الأجل؛ لأنه بدل المرهون، فيكون مرهوناً، فإذا حل الأجل؛ فإن كان الثمن من جنس الدين صار مستوفياً دينه، وإن كان (١) في أ: يكون. (٢) في أ: جعل. ٢٠٦ کتاب الرهن من خلاف جنسه يحبسه إلى أن يستوفي دينه كله، وكذلك إذا بيع الرهن بعد وفاة الراهن، وعليه ديون، ولم يخلف مالاً آخر سوى الرهن، كان المرتهن أحق بثمنه من بين سائر الغرماء؛ لما ذكرنا، فإن فضل منه شيء يضم الفضل إلى مال الراهن، ويقسم بين الغرماء بالحصص؛ لأن قدر الفضل لم يتعلق به حق المرتهن، وَإن نقص عن الدين يرجع المرتهن بما يقي من دينه في مال الراهن، وكان بينه وبين الغرماء بالحصص؛ لأن قدر الفضل من الدين دين لا رهن به، فيستوي فيه الغرماء. وكذلك لو كان على الراهن دينٌ آخر، كان المرتهن فيه أسوة الغرماء، وليس له أن يستوفيه من ثمن الرهن؛ لأن ذلك الدين لا رهن به، فيتضارب فيه الغرماء كلهم. وَأَما الحكم الثالث وهو وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك، فيتعلق به معرفة وقت وجوب التسليم، فنقول: وقتُ وجوب التسليم ما بعد قضاء الدين، يقضي الدين أولاً ثم ١٢٠٩/٣ يسلم الرهن؛ لأن الرهن وثيقة، وفي تقديم تسليمه إبطال الوثيقة؛ ولأنه لو سلم الرهن/ أولاً فمن الجائز أن يموت الراهن قبل قضاء الدين، فيصير المرتهن كواحد من الغرماء فيبطل حقه، فلزم تقديم قضاء الدين، على تسليم الرهن؛ إلا أن المرتهن إذا طلب الدين يؤمر بإحضار الرهن أولاً، ويقال له: أحضر الرهن إذا كان قادراً على الإحضار من غير ضرر زائد، ثم يخاطب الراهن بقضاء الدين؛ لأنه لو خوطب بقضائه من غير إحضار الرهن، ومن الجائز أن الرهن قد هلك وصار المرتهن مستوفياً دينه من الرهن، فيؤدي إلى الاستيفاء مرتین . وكذلك المشتري يؤمر بتسليم الثمن أولاً إذا كان ديناً، ثم يؤمر البائع بتسليم المبيع لما ذكرنا في ((كتاب البيوع))، إلا أن البائع إذا طالبه بتسليم الثمن، يقال له: احضر المبيع؛ لجواز أن المبيع قد هلك، وسواء كان عين الرهن قائماً في يد المرتهن، أو كان في يده بدله بعد أن كان البدل من خلاف جنس الدين، نحو ما إذا كان المرتهن مسلطاً على بيع الرهن فباعه، بخلاف جنس الدين أو قتل الرهن خطأ، وقضى بالدية من خلاف جنس الدين، فطالبه المرتهن بدينه، كان للراهن أن لا يدفع حتى يحضره المرتهن؛ لأن البدل قائمٌ مقام المبدل، فكان المبدل قائم، ولو كان قائماً، كان له أن يمنع ما لم يحضره المرتهن؛ فكذلك إذا قام البدل مقامه . ولو كان الرهن على يدي عدلٍ، وجعلا للعدل أن يضعه عند من أحب، وقد وضعه عند رجل، فطلب المرتهن دينه، يجبر الراهن على قضاء الدين، ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن؛ لأن قضاء الدين واجب على الراهن على سبيل التضييق؛ إلا أنه رَخَّصَ له التأخير إلى غاية إحضار الدين عند القدرة على الإحضار، وهنا لا قدرة للمرتهن على إحضاره؛ لأن للعدل ٢٠٧ کتاب الرهن أن يمنعه عنه، ولو أخذ من يده جبراً كان غاصباً، وإلى هذا المعنى أشار محمد في الكتاب، فقال: كيف يؤمر بإحضار شيء لو أخذه كان غاصباً؟! وإذا سقط التكليف بالإحضار زالتٍ الرخصة، فيخاطب بقضاء الدين. وكذلك إذا وضعا الرهن على يد عدلٍ، فغاب العدل بالرهن، ولا يدري أين هو؛ لا يكلف المرتهن بإحضار الرهن، ويجبر الراهن على قضاء الدين؛ لما ذكرنا. ولو كان الرهن في يد المرتهن، فالتقيا في بلد آخر، فطالب المرتهن الراهن بقضاء دينه، فإن كان الدين مما له حمل ومؤنة، يجبر الراهن على قضاء الدين، ولا يجبر المرتهن على إحضار الرهن؛ لما ذكرنا أن قضاء الدين واجبٌ عليه على سبيل التضييق والتأخير إلى وقت الإحضار؛ للضرورة التي ذكرناها عند القدرة على الإحضار من غير ضرر زائد، والمرتهن هنا لا يقدر على الإحضار إلا بالمسافرة بالرهن، أو بنقله من مكانٍ العقد، وفيه ضررٌ بالمرتهن، فسقط التكليف بالإحضار. ولو ادعى الراهنُ هلاك الرهن، فقال المرتهن: لم يهلك، فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه؛ لأن الرهن كان قائماً والأصلُ في الثابت بقاؤه، فالمرتهن يستصحب حالة القيام، والراهن يدعي زوال تلك الحالة؛ والقولُ قولُ مَنْ يدعي الأصل؛ لأنَّ الظاهر شاهدٌ له، ولأن الراهن بدعوى الهلاك يدعي على المرتهن استيفاء الدين وهو منكرٌ، فكان القولُ قوله مع يمينه، ويحلف على البتات؛ لأنه يحلف على فعل نفسه وهو القبض السابق؛ لأن المرتهن لا يصير مستوفياً بالهلاك؛ لأنه لا صنع له فيه، بل بالقبض السابق، وذلك فعله؛ بخلاف ما إذا كان الرهن عند عدل فغاب بالرهن، فاختلف الراهن والمرتهن في هلاك الرهن؛ أن هناك يحلف المرتهن على العلم لا على البتات؛ لأن ذلك تحليف على فعل غيره، وهو قبض العدل، فتعذر التحليف على البتات، فيحلف على العالم؛ كما لو ادعى الراهن أنه أوفى الدين وكيل المرتهن، والمرتهن يُتْكِرُ - أنه يحلف على العلم؛ لما ذكرنا؛ كذا هذا. وإن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة، فالقياسُ أنه يجبر على قضاء الدين، وفي الاستحسان لا يجبر ما لم يحضر المرتهن الرهن؛ لأنه ليس في إحضاره ضررٌ زائدٌ؛ وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات. ولو اشترى شيئاً ولم يقبضه/ ولم يسلم الثمن حتى لقيه البائع في غير مصره الذي وقع ٢٠٩/٣ب البيع فيه، فطالبه بالثمن، وأبى المشتري حتى يحضر المبيع؛ لا يجبر المشتري على تسليم الثمن حتى يحضر البائع المبيع، سواء كان له حمل ومؤنة، أو لم يكن، فرق بين البيع والرهن. ٢٠٨ کتاب الرهن ووجه الفرق أن البيع معاوضةٌ مطلقةٌ، والمساواة في المعاوضات المطلقة مطلوبةٌ عادةً وشريعةً، ولا تتحقق المساواة من غير إحضار المبيع؛ بخلاف الرهن؛ لأنه ليس بمعاوضة مطلقة، وإن كان فيه معنى المعاوضة فلا يلزم اعتبار المساواة بين المرهون والمرهون به، وهو الدين في هذا الحكم. فصل فيما يتعلق بحال هلاك المرهون وأما الذي يتعلق بحال هلاك المرهون، فالمرهون إذا هلك لا يخلو إما أن يهلك بنفسه، وإما أن يهلك بالاستهلاك، فإن هلك بنفسه يهلك مضموناً بالدين عندنا، والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع : أحدها: في بيان أصل الضمان أنه ثابت أم لا، والثاني: في بيان شرائط الضمان، والثالث: في بيان قدر الضمان وكيفيته. أما الأول: فقد اختلف فيه؛ قال أصحابنا - رضي الله عنهم (١) - أن المرهون يهلك مضموناً بالدین. وقال الشافعي - رحمه الله - يهلك أمانة(٢). (١) في أ: رحمهم الله . (٢) اتفق الفقهاء على أن المرتهن يضمن المرهون إذا تلف بجنايته، أو تفريطه في حفظه واختلفوا فيما إذا تلف من غير تعد أو تفريط منه هل هو مضمون عليه أو لا؟ على أقوال نبسطها. ذهب الإمام علي - كرم الله وجهه - وعطاء والزهري والأوزاعي في رواية والشافعي وأحمد وداود وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه لا ضَمّان عليه، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدّين. وروي عن الإمام علي - كرم الله وجه - في رواية ثانية وابن عمر وعبيد الله بن الحسن وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه أنهما يترادان الفضل . توضيح ذلك أن المرهون إذا كانت قيمته وقيمة الدين سواء، فقد سقط الدين عن الراهن، ولا ضمان عليه في المرهون؛ وإن كانت أكثر سقط مقدار الدين من قيمة المرهون، وكلف المرتهن أن يؤدي إلى الراهن مقدار ما كانت قيمته تزيده على قيمة الدّين وإن كانت أقلّ سقط من الدّين مقدار المرهون وأردى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد على قيمة المرهون. وروي عن الإمام علي في رواية ثالثة وعمر بن عمر في رواية ثانيةً وابن مسعود - رضي الله عنهم - وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي حنيفة وأصحابه وسفيان أنه إن كانت قيمة المرهون أكثر من الدّين أو مثلها سقط الدين كله ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة المرهون على مقدار الدين، وإن كانت قيمته أقلّ من الدين سقطت قيمته منه وأدى الراهن إلى المرتهن ما بقي من دينه. = ٢٠٩ کتاب الرهن .. واختار الحسن البصري وإبراهيم النخعي في رواية ثانية عنه وشريح والشعبي والزهري. وقتادة في رواية = ثانية عنهما أنه مضمون بما فيه سواء أكانت قيمته مساوية للدّين أم أقلّ أم أكثر على معنى أنه إذا تلف سقط الدين، ولا يغرم أحدهما للآخر شيئاً ورأى الإمام مالك والأوزاعي في رواية ثانية عنه وعثمان البني أن المرهون إن كان بيد المرتهن، وكان مما يخفى كالثياب ونحوها، فمضمون على المرتهن إلا أن تشهد بينته أنه تلف بغير سبب منه، وإن كان مما يظهر كالعقار والحيوان، فلا ضَمَان فيه على المرتهن ودينه باقٍ بکماله حتى يُؤدي إلیه. هذه خمسة مذاهب تفصيلاً تؤول إلى ثلاثة؛ لأن ثلاثة منها متفقة على الضمان وواحداً يرى أنه أمانة في يد المرتهن وواحداً يفصل. احتج الأولون بما روي عن سعيد بن المسيّب أن رسول اللهِ وَ لَ﴿ قال: ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غَنَمُهُ وعَلَيْهِ غُزْمُهُ)) رواه الأثرم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذؤيب ولفظه «الرَّهْنُ مَنْ رَاهَنَهُ الَّذِي رَهَنَهُ» وباقيه سواء ورواه الشافعي أيضاً موصولاً عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّي مثله أو مثل معناه من حديث ابن أبي أنيسة . وجه الدلالة: أنه لا يَغْلِقِ الرَّهْنَ، معناه لا يسقط الحق تبلغه يؤيد هذا رواية «الرَّهْنُ مَنْ رَاهَنَهُ» أي من ضمانه . قال الشافعي هذا أبلغ كلام للعرب يقولون: هذا الشيء من فلان يريدون من ضمانه، وأكد هذا وعليه غرمه، عطبه ونقصه، فلا يجوز فيه إلا أن يكون ضمانه من مالكه لا من المرتهن ألا ترى أن رجلاً لو ارتهن من رجل خاتماً بدرهم يساوي درهماً، فهلك الخاتم. فمن قال: يذهب درهم المرتهن بالخاتم كان قد زعم أن غرمه على المرتهن؛ لأن درهمه ذهب به وكان الراهن بريئاً من غرمه؛ لأنه قد أخذ ثمنه من المرتهن، ثم لم يغرم شيئاً، وهو خلاف ما روي عنه وَّل. اعترض الحنفية بأنه لا حجة فيه؛ لأن أحداً من أهل اللغة لم يفهم من هذا اللفظ ففي الضمان عن المرتهن ذكر الكرخي: أن أهل العلم من السلف - رحمهم الله - كطاوس وإبراهيم وغيرهما اتفقوا على أن المراد: لا يحبس حبساً كليّاً لا يمكن فكاكه بأن يصير مملوكاً للمرتهن واستدلوا عليه بقول الشاعر: [البسيط] وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لاَ فَكْاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ عَلَقَا يعني: احتبس قلب المحب عند الحبيب على وجه لا يمكن فكاكه، وليس فيه ضمان، ولا هلاك، والدليل عليه ما روي عن الزهري قال: ((كانوا في الجاهليَّة يَرْتَهِنُونَ ويشتَرِطُون على الرَّاهن إن لم يقض الدِّين إلى وقت كذا، فالرهن مملوك للمرتهن، فأبطل رسول الله وَ﴿ ذلك بقوله: ((لاَ يَغْلِقِ الرَّهْزُ))، وسئل سعيد بن المسيب عن معنى هذا اللفظ، فقيل: أهو قول الرجل إن لم يأت بالدين إلى وقت كذا، فالرهن بيع لي في الدين، فقال: نعم، وقوله وَّ: ((وَالرَّهْنُ مَنْ رَاهَنَهُ)) يؤكد هذا المعنى أي: هو على ملك راهنه الذي رهنه لا يزول ملكه بهذا الشرط، وقوله نَِّ((لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) معناه: أنه مردود عليه في حال بقائه، لا يتملك غيره عليه أو أن يباع بالدّين، فيزيد الثمن على الدين، فالزيادة له وإن نقص فالنقصان عليه، وبه نقول والصاحب في رواية ((لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) يحتمل أن يكون هو المُزْتَهِن مجازاً، كما يقال للمضارب: صاحب المال. ويمكن الجواب بنظرة في الأقوال المتقدمة في هذا المبحث، وذلك أننا نرى علياً - رضي الله عنه - وكرم = بدائع الصنائع ج٨ - ١٤٣ ٢١٠ كتاب الرهن الله وجهه - وعطاء والزهري والأوزاعي فهموا ما فهمه الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور، وقالوا بقولهم فلم = تصح دعوى أن أحداً من أهل اللغة لم يفهمه ولا حجة في البيت؛ لأن غلق الرهن له ثلاثة معان. الأول: استحقاق المرتهن المرهون في مقابلة دينه إذا لم يوفه في الوقت المضروب. الثاني: سقوط الحقّ بتلفه رواه عبد الرزاق عن معمر. الثالث: انغلاقه حتى يتعذر على الزّاهن فَكُهُ. فالمعنى على الأول: لا يستحقه المرتهن بدينه، وإذا قضاه من غيره انفكّ. وعلى الثاني: لا يسقط بتلفه شيء من الدّين. وعلى الثالث: أنه لا ينغلق حتى لا يكون للراهن فكّه عن الرهن، بل له فكّه بأن يقضي الحق أي: لا يستغلق، فلا يفك ولا يطلق بعد ذلك من الزّهن من غلق الباب وانغلق واستغلق إذا عسر فتحه والغلق ضد الفك، قاله الأزهري. فالمعنى الذي ذهب إليه أصحاب القول الأول عربي واضح، وهو أحد معان ثلاثة للفظ بقرينة عجز الحديث، وما في البيت أحدها بقرينة أيضاً، وليس في البيت دليل على اتحاد المعنى وانحصاره فيما ذكروا، والسبب المذكور لا يخصصه بالمعنى الذي قرروه إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ وقع الفعل بعد النفي يجعله عامًا لأفراد مفاهيمه؛ لأنه في معنى النكرة، ولا مانع من استعمال المشترك في كل معانيه، ولا يقال: إن هذا لا يلزم الحنفية؛ لأن المختار عندهم أن المشترك في النفي يعم حقيقة لغة، وعليه فرع في وصايا الهداية، وفي المبسوط: حلف لا أكلم مولاك وله أعلون وأسفلون أيهم كلم حَنّثَ ولا دلالة على تعيين المعنى الذي ذهبوا إليه فيما روي عن سعيد من تفسيره المذكور إذ هو عن اجتهاد ورواية «الرَّهْنُ مَنْ رَاهَنَّهُ» ظاهرة في أنه من ضمان راهنه، كما يقال: هذا الشيء من فلان أي: ضمانه كما قال الشافعي وهو حجة في اللغة فحمله على أنه باقٍ على ملكه خلاف الظاهر لا سيما مع عجز الحديث على أننا لو سلمنا ما قالوا، فلا يضرنا، وعجزه هو الدليل، وحملهم («لَهُ غُنْمُهُ وَّعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) على أنه مردود عليه حال بقائه أو أنه أن بيع الخ لا دليل عليه إذ الظاهر أن الزّاهن مختص بكل غنمه فيباح له استرداده؛ للانتفاع به قبل الوفاء وإعادته للمرتهن وقت الراحة، ومختص بكل غرمه إذ كل منهما مصدر مضاف لمعرفة، فيعم فقصر الأول على الرد عند التأدية واستحقاق الزيادة في الثمن، والثاني على نقص ثمنه عن الدين، أو الإنفاق دون الهلاك قصر بلا دليل، فيكون مردوداً والحقيقة أظهر، فلا يحمل الصاحب على المرتهن إلاّ بدليل، ولا دليل فينصرف للرّاهن إذ هو المتبادر فسلم الحديث للمستدلين. وبأن المرهون وثيقة بدين ليس بعوض منه، فلم يسقط الدّين بهلاكه كالضامن، فلو أن رجلاً كان له على رجل ألف درهم، فكفل له بها جماعة عند وجوبها أو بعده كان الحق، على الذي عليه، وكان الحملاء ضامنين له كلهم، فإن لم يؤد الذي عليه الحقّ كان للدائن أن يأخذ الحملاء، كما شرط عليهم، ولا يبرأ المدين حتى يستوفي آخر حقه. فلو مات الضامنون، أو غابوا لم يسقط حقّه ورجع على المدين، فكذلك الزّهن لا ينقص هلاكه، ولا نقصانه حقّ المرتهن . هذا الدليل فيه قياس هلاك المرهون على موت الضامن، ولكنهم ذكروه في كتبهم مقيساً على هلاك الصَّكُ وموت الشهود، وجعلوه قياساً مع الفارق، وإذاً فلا يتلاقى النقاش والدليل الصحيح فسلم أيضاً. وبأن بعض المرهون أمانة، فكذلك كله کالوديعة. وتكلموا فيه بأن منشأه استبعاد أن يكون القبض واحداً والمقبوض متجزئاً بعضه أمانة وبعضه مضمون مع = ٢١١ كتاب الرهن أنه لا بعد فيه، وله نظير من الشارع وهي مسألة الكيس في حقيقة الاستيفاء، كمن عليه عشرة دراهم مثلاً = لواحد فأعطاه كيساً فيه خمسة عشر درهماً؛ للاستيفاء منها ورد ما بقي، فضاع الكيس بما فيه فإن قدر الدين وهو العشرة مضمون على القابض، وما بقي هو والكيس أمانة في يده مع أن القبض واحد، وقد تجزأ المقبوض إلى أمانة ومضمون. ومنع أن قدر الدين مضمون في مسألة الكيس، بل هو أمانة إلى أن يستوفي الدين وما دام قد ضاع قبل استيفاء الدين، فلا ضمان والدين باق بحاله، فلا تجزؤ(٤) وبأن العلماء اتفقوا على أن المرهون مملوك للراهن وأنه إن أراد إخراجه من يد المرتهن لم يكن له ذلك بما شرط وأنه مأخوذ بنفقته ما كان حيًّا. وهو مقَرُّهُ في يد المرتهن، ومأخوذ بكفنه: إن مات؛ لأنه ملكه وإذا كان المرهون في السنة وإجماع الأمة ملكاً للراهن دفعه للمرتهن باختياره، وليس له أخذه، بل يتحتم عليه إبقاؤه في يديه بالشرط. فأي وجه؛ لضمان المرتهن والحاكم يحكم له بحبسه للحقّ الذي شرط له مالكه فيه وعلى مالكه نفقة؟! وإنما يضمن من تعدى، فأخذ ما ليس له أو منع شيئاً في يديه من مالكه بغير حقٌ مثل أن يبتاع الرجل السّلعة من الرجل فيدفع إليه ثمنها، ويمنعه البائع السلعة، فهذا يشبه الغصب والمرتهن ليس في شيء من هذه المعاني لا هو مالك للمرهون فأوجب فيه بيعاً فمنع المشتري من ملكه إيَّاه، وعليه تسليمه إليه وإنَّما ملك المرهون للراهن، فلا هو متعد بأخذه منه، ولا بمنعه إيّاه فلا موضع للضمان عليه في شيء من حالاته، وإنما هو رجل اشترط لنفسه على الراهن في المرهون شرطاً حلالاً لازماً استوثق فيه من حقّه طلب المنفعة لنفسه والاحتياط على غريمه لا مخاطراً بالارتهان؛ لأنه لو كان المرهون إذا هلك هلك حقّه كان ارتهانه مخاطرة إن سلم فحقّه فيه وإن تلف تلف حقّه، ولو كان هكذا كان شرًّا للمرتهن في بعض حالاته؛ لأن حقّه إذا كان في ذمة الراهن، وفي جميع ماله لازماً أبداً كان خيراً له من أن يكون في شيء من ماله بقدر حقّه فإن هلك ذلك الشيء بعينه هلك من ضمان المرتهن، وسقط دينه وبرئت ذمة الراهن. ولم نر ذمة رجل تبرأ إلا بأن يؤدي إلى غريمه ماله عليه أو عوضاً يتراضيان عليه، فيملك الغريم العوض ويبرأ به مدينه، وينقطع مالكه عنه أو يتطوع صاحب الحقّ بأن يبرىء منه صاحبه، والمرتهن والراهن لَنا في واحد من معاني البراءة. ورد عليه أن الاستيفاء من الماليَّة دون العين، فتكون المالية هي المضمونة والعين أمانة والنفقة في الحياة والكفن في الموت للعين، وهي باقية على ملكه ولا مانع من أن تكون العين أمانة والمالية مضمونة. وقوله: إن في الارتهان مخاطرة مردود بأن ثبوت يد الاستيفاء على المرهون يحقق معنى الصيانة، وكون الراهن عند هلاك الرهن تفرغ ذمته من الدَّين بذلك أمر عارض لا يخرج به الرَّهن عن أن يكون وثيقة؛ لحفظ حق المرتهن، إذ العبرة في العقود بالموضوعات الأصلية، لا لما قد يطرأ عليها، وله نظير من الشرع، وهو الحوالة، فإنها توجب الدين في ذمة المحال عليه، لصيانة حقّ الدَّائن وإن كان من ضرورته فراغ ذِمّة المحيل، وبه لا ينعدم معنى الوثيقة، وكذا العارية، فإن المقصود منها منفعة المستعير، وإن كان من ضرورة حصول تلك المنفعة له أن تكون نفقة العين المستعارة عليه، فلا يخرج العقد بذلك عن أن يكون محض منفعة له إذ العبرة في العقود الشرعيّة بمعانيها التي شرعت لها. والجواب أنه مبني على أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء، ولم يتم وبأنه لو كان قبض المرهون قبض ضمان؛ لناب القبض فيه عن قبض الشراء إذا اشتراه المُزْتهِن، كالغاصب؛ لما كان قبضه قبض ضمان لم يحتج إلى قبض جديد إذا اشترى الغاصب المغصوب إذ ينوب قبض الغصب عن قبض الشراء، = ٢١٢ کتاب الرهن وليس الأمر كذلك عندكم إذ اشترى المرتهن المرهون، بل لا بد من تجديد قبض للبيع حتى تترتب عليه آثاره. ورد أن المُرْتَهِنَ لا يصير قابضاً بنفس الشراء؛ لأن الشراء لاقى العين، وهي أمانة وقبض الأمانة دون قبض الشراء. ويدفع بأن هذه التفرقة لا دليل عليها إلا أن الاستيفاء من الماليّة، وذلك فرع ثبوت يد الاستيفاء، وقد نَفَيْنَاهُ. وبأنه لو كان قبضه قبض ضمانه على المرتهن؛ لضمنه بالهلاك في الرهن الفاسد إذ الفاسد في حكم الضمان معتبر بالصحيح، وأنتم لا تقولون بذلك إذ المُشاع عندكم إذا رهن وقبض على شيوعه لا يكون مضموناً على المرتهن. أجابوا: بأن المقبوض بحكم الرهن الفاسد مضمون عندنا، فإن المسلم إذا ارتهن من ذمي خمراً أو عصيراً، فتخمر في يده كان مضموناً عليه إذا هلك، وهو رهن فاسد: بخلاف الباطل كالرهن بأجرة النائحة والمغنية إذ لا عقد هناك فاسد ولا جائز؛ لانعدام الدين أصلاً. ومنه المشاع الذي ذكرتموه على رأي وأما على الرأي الثاني عندنا؛ وهو أن رهنه فاسد إذ هو مال متقوم، ولكن منع من الصحة، فقد شرط من شروطها، فيكون مضموناً. وهو جواب على الاصطلاح الذي يفرق بين الباطل والفاسد، ولا يعترف به المستدل. وأما الجواب على الرأي الثاني فهو صحيح، فلا يلزم هذا الدليل الحنفية وبأنه لو كان قبضه قبض ضمان؛ لما رجع المرتهن على الراهن عند الاستحقاق والحكم عندكم إذا استحق المرهون، وهو تحت سيطرة المرتهن وضمن قيمته بعد الهلاك رجع المرتهن على الراهن بالضَّمان والدَّين. أجابوا: بأنه إنَّما يرجع بالضمان عند الاستحقاق؛ للغرر، فالراهن هو المنتفع بقبض المرهون من حَيْثُ إنه يصير موفياً ذمَّته عند الهلاك في يد المُرْتَهِنٍ، فيصير المرتهن مغروراً من جهته من هذا الوجه. وهو مبني على أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء، ولا يخفى رده وبأنه لو كان قبضه قبض استيفاء؛ لحقه وكان المرهون جارية ملكها وحل له وطؤها، ولم يكن له ردّها على الراهن اختياراً أو إلزاماً، ولو أعطاه حقّه إلا أن يتراضيا بأنه يتبايعا فيها بيعاً جديداً، ولم يكن مع هذا أن يكون حقّ المرتهن إلى سنة مثلاً، بل يأخذه اليوم بلا رضا من الراهن، وهذه اللوازم باطلة . وبأن رسول الله وَل# لما لم يخصّ رهناً دون رهن علمنا أن ما ظهر هلاكه وخفي سواء، إذ اسم الرهن شامل لهما وظاهر فيهما، فيبقى هكذا حتى يدل دليل على أنه خاصٍّ ليس بعامٌ وباطن ليس بظاهر، ولم يعلم دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح خالٍ من الطّعن يوجب المصير إلى التفصيل، ولو جاز بغير دليل جاز لقائل أن يعكس هذه الدعوى قائلاً: الرّهن الذي يذهب به إذا هلك حقّ المرتهن الظاهر الهلاك؛ لأن ما ظهر هلاكه، فليس في موضع أمانة، فهو كالرضا منهما، بأنه بما فيه أو مضمونه بقيمته وأما ما خفي هلاكه: فرضاً صاحبه بدفعه إلى المرتهن، وهو يعلم أن هلاكه خاف رضاً منه بأمانته فيه، فيكون أميناً، فإن هلك لم يهلك من مال المرتهن شيء، فليس الأول بأولى من هذا، فلا يصحّ في هذا قول أبداً على هذا الوجه، إذا جاز أن يكون خاصًّا بلا دلالة. وإذاً تبين أن الأدلة نهضت على أن المرهون أمانة في يد المُزْتَهِنِ. = ٢١٣ کتاب الرهن استند الحنفية إلى ما روي عن عطاء: أن رجلاً رهن فرساً عند رجل بحقّ فنفق الفرس عند المرتهن، = فاختصم عند رسول الله ◌َّ﴿ فقال للمرتهن: ((ذَهَبَ حَقُّكَ)). وجه الدلالة: أنه لا يجوز أن يقال: ذهب حقُّكَ في الحبس إذ هذا مما لا يشكل ولا أن يكون المراد من الحقّ المطالبة برهن آخر؛ لأن ذلك لم يكن حقًّا ثابتاً للمرتهن على الراهن يجب تنفيذه، فلم يبق إلا أن المراد ذهب حقّك من الدين؛ ولأنه ذكر الحق منكراً في أول الحديث، ثم أعيد معرفاً، فيكون المراد بالمعرف ما هو المراد بالمنكر. قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. اعترض هذا الدليل بما في سنده من الطّعون، وبما في دلالته. أخرجه أبو داود في ((مراسيله)) عن ابن المبارك عن مصعب بن ثابت قال: سَمِعْتُ عطاء يحدث ((أن رَجُلاً رَهَنَ فَرَساً فَتَفَقَ فِي يَدِهِ، فقال رسول الله وَّر: ((ذَهَبَ حَقْكَ))) انتهى. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه في أثناء البيوع (حدثنا عبد الله بن المبارك) قال عبد الحق في ((أحكامه))؛ هو مرسل وضعيف، قال ابن القطّان في كتابه: ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ضعيف كثير الغلط، وإن كان صدوقاً انتهى. قال الدارقطني يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذاباً. من هذا نرى: أنه نازل إلى درجة من الضّعف تجعله غير منظور إليه في باب الاستدلال على أن قول عطاء يخالفه مع أنه مروي عنه، وهذا يرجح لدى العقل أنه غير ثابت عنه أو غير صالح في نظره ومع هذا يُحْتَمِلُ أنه ◌ََّ أراد (ذَهَبَ حَقُّكَ مِنَ الْوَثِيقَةِ) بدليل أنه لم يسأل عن قدر الدين، وقيمة الفرس، فلم يتعين ما عيَّنوه، بل هذا الاحتمال هو الراجح، فلم ينهض. وإلى ما روي عن النبي ◌َّ: ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ ذَهَبَتِ الرَّهَانُ مَا فِيهَا))، وفي رواية: ((إِذَا عَمِيَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فیهِ». إذ الذهاب هو الهلاك، فيكون المعنى هلاك الرَّهان يكون بما رهنت فيها من الدّيون وعلى الرواية الثانية إذا اشتبهت قيمة الرَّهن بعد هلاكه، بأن قال: كل من الرّاهن والمرتهن لا أدري كم كانت قيمته؟ فإن هلاكه یکون بما رهن فيه من الدین. وتعقب هذا الدليل بما في سنده ثم دلالته. قال عليه الصلاة والسلام: ((إذَا عَمِي الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ)) قلت: روي مسنداً ومرسلاً فالمسند رواه الدارقطني في سننه في البيوع (حدثنا محمد بن مخلد. ثنا أحمد بن غالب. ثنا عبد الكريم بن روح عن هشام بن زياد عن حميد عن أنس عن النبي ◌َّر قال: ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ)) انتهى. قال الدارقطني: هذا لا يثبت عن حميد ومن بينه وبين مشايخنا كلهم ضعفاء، ثم أخرجه عن إسماعيل بن أمية. ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس مرفوعاً نحوه قال: وهذا باطل عن حماد، وقتادة وإسماعيل، هذا يضع الحديث، قال ابن الجوزي في ((التحقيق)): الأول فيه أحمد بن محمد بن غالب، وهو غلام خليل كان كذاباً يضع الحديث، وعبد الكريم بن روح ضعفه الدار قطني، وقال أبو حاتم الرازي مجهول وهشام بن زياد. قال يحيى: ليس بشيء، وقال النَّسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمعضلات. وفي الثاني إسماعيل بن أمية، قال الدارقطني: يضع الحديث وفي التَّعليق على ((نصب الراية)) روي هذا الحديث من ثلاثة طرق عند الدارقطني الأول والثاني، كما في التخريج : = ٢١٤ کتاب الرهن والثالث. ثنا عبد الباقي بن قانع. نا عبد الوارث بن إبراهيم، نا إسماعيل بن أبي أمية. نا سعيد بن = راشد. نا حميد الطويل عن أنس فقول ابن الجوزي. وفي الثَّاني: سعيد بن راشد على ما قال: بل هو في الحديث الثالث)». وسعيد بن راشد، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. انتهى. عبارة التَّعليق معترضة بين كلام ابن الجوزي. وأما المرسل فرواه أبو داود في مراسيله عن علي بن سهل الرملي، ثنا الوليد ثنا الأوزاعي عن عطاء، عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ)) انتهى. قال ابن القطان: مرسل صحیح انتھی. وأخرجه أيضاً عن طاوس مرفوعاً نحوه سواء، وأخرج أيضاً عن أبي الزناد قال: إن أناساً يوهمون في قوله عليه الصلاة والسلام ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ))، وإنَّمَا قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء إذا هلك وعميت قيمته. يقال حينئذٍ للذي رهنه: زعمت أن قيمته مائة دينار أسلمته بعشرين ديناراً ورضيت بالرهن. ويقال للآخر زعمت أن ثمنه عشرة دنانير فقد رضيت به عوضاً عن عشرين ديناراً، وأخرج الطحاوي في شرح ((الآثار)) في باب ((الرهن)) يهلك في يد المرتهن بسند صحيح عن أبي الزناد. قال: أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم أهل فقه، وصلاح، وفضل، فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة أنهم قالوا: ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إِذَا كَانَ هَلَكَ وَعَمِيَتْ قِيْمَتُهُ))، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله وَّرَ ــ قالوا: ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ))، وهو حديث واحد روي بعدة روايات. هذه خلاصة ما قاله العلماء في سند هذا الحديث. تبين أن المسند مطعون في رواية بالكذب والضعف والوضع وأن المرسل وإن كان رجاله ثقات إلا أنه ليس في قوة حديث «لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مَنْ رَاهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ))؛ لأنه وصل من طرق تكاد تكون صحيحة؛ فلا يعارضه فتسقط دلالته. على أنه لو كان في قوته؛ لاحتمل أن المرهون محبوس بما فيه أو مضمون بما فيه عند تعدي المرتهن أو تفريطه جمعاً بينه وبين حديث «لاَ يَغْلِقُ))، فلا ينهض على ما قالوا. وإلى الإجماع: روي عن علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه أنه قال: ((يترادان الْفَضْل في الرّهن))، وفيه دليل على أن المقبوض بحكم الرهن مضمون، وتقدم توضيحه بالمثال، وروي عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: ((إنَّهُ مَضْمُونٌ بالأقل من قيمته، ومن الدّين. فإذا كانت القيمة أكثر، فالمرتهن في الفضل أمينٌ، وهكذا روى محمد بن الحنفية عن علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه: ((أنَّ المُرْتَهِنَ في الْفَضْلِ أمِينٌ)) وروي عن الحسن البصري وشريح ومن معهما ((أنَّهُ مَضْمُونٌ بِمَا فِيهِ قَلْتْ قيمة أو كثرت؛ فإنه ورد عن شريح ((الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ وَإِن كَان خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ بِمائةٍ دِزهم». هذا بيان الاختلاف الذي كان بين المتقدمين في الرّهن، وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في أصل الضمان ومجمعة عليه إلى أن أحدث الشافعي قولاً رابعاً: أنه أمانة، ولا يسقط شي من الدّين بهلاكه، وهو مخالف للإجماع فیرد. ٢١٥ کتاب الرهن نظرة منصفة ترينا مكانة هذا الإجماع. = إذا بحثنا علمنا أنه لم يجىء فيه كلمة إلا عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم - من الصحابة . فأما عمر: فلم يصح عنه ذلك؛ لأنه من رواية عبيد بن عمير وعبيد لم يولد إلا بعد موت عمر أو أدركه صغيراً لم يسمع منه شيئاً قال البيهقي: ليس بمشهور عن عمر وأما ابن عمر: فلم يصح عنه؛ لأنه من رواية إبراهيم بن عمير عنه، وهو مجهول وقد روي عنه: ((يَتَرادَّانِ الْفَضْلِ))، وهو خلاف قول الحنفية. وأما علي: فمختلف عنه في ذلك وأصح الروايات عنه إسقاط التّضمين فيما أصابته جائحة، قال ابن حزم: روينا من طريق الحجّاجِ بْنِ مِنْهال. نا هَمَّام بن يحيى أنا قتادة عن خلاس أن علي بن أبي طالب قال في (الرهن)): ((يترادان الْفَضْلِ فَإنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ بَرِىءَ))، فصح أنه لم يتراد الفضل إلاّ فيما تلف بجناية المُرْتَهِنِ لا فيما أصابته جائحة، بل رأى البراءة له فيما أصابته جائحة. وأما عن ابن مسعود فهو غريب. وصح عن عطاء أنه قال: الرَّهْنُ وثيقة إن هلك، فليس عليه غرم بأخذ الدين الّذي له كله. وصح عن الزهري أنه قال في الرهن يهلك أنه لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرّهن له غنمه وعليه غرمه . فأين إجماع المتقدمين؟ ومن هنا يتبين أن دعوى أحداث الشافعي أن المرهون أمانة في يد المرتهن لا ظل لها من الحقيقة . الثابت لِلْمُرْتَهِنِ يد الاستيفاء، والحبس الدائم؛ لأن لفظه ينبىء عنه والأحكام الشرعية تثبت على وفق معانيها اللغوية؛ ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء، وهو أن يكون موصلاً إليه ويثبت ذلك بملك اليد والحبس ليقع الأمن من الجحود مخافة جحود المرتهن المرهون؛ وليكون عاجزاً عن الانتفاع به فيسارع إلى قضاء الدين؛ ولضجره فإذا ثبت هذا المعنى ثبت الاستيفاء من وجه، وقد تقرر بالهلاك، فلو استوفى الدين بعده أدى إلى الرّبا إذ يكون استيفاء ثانياً، ولا يلزم ذلك حال قيام الرهن؛ لأن استيفاء الأول ينتقض بالرَّدٌ على الراهن، فلا يتكرر، ولا يقال: إنما صار مستوفياً بملك اليد لا بملك الرقبة، وقد بقي حقّه من ملك الرّقبة فكان له أن يستوفي؛ ليأخذ حقّه كاملاً، أو صار مستوفياً بالمالية دون العين، فيكون له الاستيفاء ثانياً؛ ليأخذ حقَّه كاملاً في العين، لأنا نقول: لا وجه إلى استيفاء الباقي، وهو ملك الرقبة بدون ملك اليد، أو ملك العين بدون ملك المالية إذ لا يتصور ذلك، فيسقط؛ للضرورة، كما إذا استوفى زيوفاً مكان الجياد. فإن حقّه في الجودة يبطل؛ لعدم تصور استيفاء الجودة وحدها بدون العين، فإذا لم يملك العين بقي ملك الراهن فيها، فتكون أمانة في يد المرتهن؛ ولهذا كانت نفقة المرهون حيًّا، وكفنه ميتاً على الراهن؛ لأنهما مؤونة ملکه. ورد عليه أن ثبوت يد الاستيفاء والحبس الدائم لَيْسَا بموجبي عقد الرهن، ولو سلم ذلك لزم محظور آخر خلاف محظور الرّبا، وهو أنه إذا لم يستوفه ثانياً أصلاً أدى إليه ضياع بعض حقٌّهِ، وهو: استيفاء الرّقبة والتأدي إليه ضياع حقٌّ المسلم محظور شرعاً أيضاً، فما الوجه في ترجيح اختيار هذا المحظور على اختيار المحظور الآخر، أي: محظور الرّبا لا شَكّ أنه ترجيح بلا مرجح وهو باطل. = وإلى أن المرهون قبض؛ للاستيفاء فيضمنه من قبضه لذلك، وكذا نائبه كحقيقة الاستيفاء. ٢١٦ کتاب الرهن تعقب بأن المستوفى صار ملكاً للمستوفي، وله نماؤه وغنمه فكان عليه ضَمَانْهُ وغرمه بخلاف الرهن. = وإلى أنه محبوس بدين، فكان مضموناً كالمبيع إذا حبس: لاستيفاء ثمنه. واعترض بمنع أن المبيع قبل القبض مضمون. استدل الإمام مالك ومن معه بالاستحسان، ومعناه أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه، وقد اختلفوا في معنى الاستحسان الذي يذهب إليه الإمام مالك فيضعفه قوم، وقالوا: إنه قول بغير دليل ومعنى الاستحسان عند مالك: أنه جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان كذلك، فليس هو قولاً بغير دليل. فكأنه جمع بين الأدلة المثبتة للضمان وبين الأدلة المثبتة؛ لأمانة المُرْتَهِن بأن هذه فيما يخفى وذه فيما يظهر. ونوقش بأن أدلة الضّمان لم تصحّ، فلا حاجة إلى الجمع، وعلى فرض صحتها فالجمع بأن أدلة الضّمان محمولة على حالة التعدي والتفريط أولى. قال الشافعي بعد أن ذكر صوراً بين فيها تناقض القائلين بالضمان، وبأن الزيادة أمانة: أخبرني من أثق به عن بعض من نسب إلى العلم منهم أنه يقول: لو رهن الجارية بألف، ثم أدى الألف إلى المرتهن، وقبضها منه ثم دعاه بالجارية، فهلكت قبل أن يدفعها إليه هلكت من مال الرّاهن، وكانت الألف مسلمة للمرتهن؛ لأنها حقّه، فإن كان هذا فقد صاروا إلى قولنا: وتركوا جميع قولهم. ورد على القائلين بأن الزّهن بما فيه حين قال قائل منهم: ألا ترى أنه لما دفع الرّهن يعني: بشيء بعينه، ففي هذا دلالة على أنه قد رضي الزّاهن والمرتهن بأن يكون الحقّ في الرهن. قال الشافعي: ليس في ذلك دلالة على ما قلت قال: وكيف؟ قال الشافعي إنما الرِّضا بأن يتبايعاه، فيكون ملكاً لِلْمُرْتَهِن، فيكون حينئذٍ رضا منهما به، ولا يعود إلى ملك الزّاهن إلا بتجديد بيع منه، وهذا في قولنا وقولكم: ملك للراهن فأي رضا منهما، وهو ملك للراهن، بأن يخرج من ملك الراهن إلى ملك المرتهن؟ فإن قلت: إنما يكون الرضا إذا هلك، فإنما ينبغي أن يكون الرضا عند العقدة والدفع، فالعقدة والدفع كانا والمرهون ملك للراهن، ولا يتحوَّل حكمه عما دفع به؛ لأن الحكم عندنا وعندك في كل أمر فيه عقدة، إنما هو على العقدة. ولعلي أكون بعد ما قدمت منصفاً إذا رجحت رأي القائلين أنه أمانة عند المُرْتَهِنِ، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدين. والله أعلم بالصواب. الوضعيون يرون أنه أمانة إذا لم يعتد الدائن المرتهن أو يقصر في حفظه إلا إذا شرط المرتهن أنه ضمان له إذا تلف بسبب قهري، أو تأخر عن رد الشيء بعد إنذاره. (١) وعندي أنه إذا تأخر عن تسليمه بعد المطالبة أو الإنذار يكون معتديًّا فيضمن. أما ضمان المرتهن له بالشرط إذا هلك بسبب قهري، فليس بمشروع في نظري إذ المرتهن أمين، كما أوضحنا ذلك بالأدلة، فلا محل للضمان مطلقاً، وبما أن شرط المرتهن ضمان المرهون مخالف للأدلة التي ذكرناها فهو باطل. ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى. وينظر: مغني الحنابلة ٤٤٢/٤، والمحلى ٩٦/٥، وفتح العزيز ١٣٨/١٠، وبداية المجتهد ٢٣٩/٢، والمبسوط ٦٤/٢١، والأم ١٤٧/٣، والنظم المستعذب ٣٠٩/١، والخرشي ٢٥٦/٥، ومنتقى الباجي ٢٤٤/٥، والزيلعي ٦٥/٦، ونيل الأوطار ٢٠٠/٥، ومغني المحتاج شرح المنهاج ١٣١/٢. = ٢١٧ كتاب الرهن احتجَّ بما روي عن رسولِ الله - وَ لَ - أنه قال: ((لاَ يُغلقُ الرَّهْنُ، لا يُغلقُ الرَّهْنُ لا يغلقُ الرَّهْنُ، هُوَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ))، فقد جعل النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - غرمَ الرهن على الراهن، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة؛ لأن عليه قضاء دين المرتهن، فأما إذا هلك مضموناً، كان غرمه على المرتهن حيث سقط حقه لا على الراهن، وهذا خلاف النص؛ ولأن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين، ولو سقط الدين بهلاك المرهون لكان توهينًا لا توثيقًا؛ لأنه يَقَعُ تعريض الحق للتلف على تقدير هلاك الرهن، فكان تؤهيناً للحق لا توثيقاً له. ولنا: ما روي عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام - أَنَّهُ قال: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ (١) وفي رواية: (١) روي مسنداً ومرسلاً. فالمسند أخرجه الدارقطني (٣٢/٣) كتاب البيوع، حديث (١٢٣) قال: حدثنا محمد بن مخلد، نا أحمد بن محمد بن غالب، قال: نا عبد الكريم بن روح عن هشام بن زياد عن حميد عن أنس عن النبي - ◌َ﴾ فذكره. قال الدارقطني: لا يثبت هذا عن حميد، وكل من بينه وبين شيخنا ضعفاء. قال العظيم آبادي: قال ابن الجوزي في التحقيق: الأول: أحمد بن محمد بن غالب وهو غلام خليل كان كذاباً يضع الحديث. وعبد الكريم بن روح: ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: مجهول. وهشام بن زياد: قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان ينفرد عن الثقات بالمعضلات. والحديث أخرجه الدارقطني أيضاً (٣٢/٣) (١٢٤)، قال: ثنا عبد الباقي بن قانع نا عبد الرزاق بن إبراهيم نا إسماعيل بن أبي أمية نا سعيد بن راشد نا حميد الطويل عن أنس قال: قال رسول الله وَلهر ... فذكره. قال: وحدثنا إسماعيل بن أبي أمية، نا حماد بن سلمة، عن قتادة عن أنس ... فذكره. قال الدارقطني إسماعيل هذا يضع الحديث، وهذا باطل عن قتادة وعن حماد بن سلمة. والله أعلم. قال العظيم أبادي في ((التعليق المغني)) وسعيد بن راشد، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وأخرجه الدارقطني أيضاً (٣٤/٣) (١٣٧) في البيوع، قال نا محمد بن مخلد نا أحمد بن عبد الله بن زياد الحداد، نا أبو الصلت إسماعيل بن أبي أمية الزارع نا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس ... فذكره. قال الدارقطني: وهذا لا يصح. وأما المرسل: أخرجه أبو داود في مراسيله (١٩٠). عن علي بن سهل الرملي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي عن عطاء عن النبي - وَطّ قال: ((الرهن بما فيه)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٢/٤): قال ابن القطان: مرسل صحيح، انتهى. وأخرجه أيضاً عن طاوس مرفوعاً، نحوه سواء، وأخرج أيضاً عن أبي الزناد، قال: إنا ناساً يوهمون في قوله عليه السلام: ((الرهن بما فيه))، وإنما قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء، إذا هلك وعميت قيمته، يقال حينئذٍ للذي رهنه: زعمت أن قيمته مائة دينار، أسلمته بعشرين ديناراً، ورضيت بالرهن، ويقال للآخر: زعمت أن = ٢١٨ کتاب الرهن [ذهب](١) «الرِّهَانُ بِمَا فِيهَا))، وهذا نصِّ في الباب ولا يحتمل التأويل. وَرُوِيَ أَنَّ رجلاً رَهَنَ بِدَيْنٍ عِنْدَ رَجُلٍ فَرَسًا بِحَقٌّ لَهُ عَلَيْهِ، فَنفَقَ الفَرَسُ عِنْدَهُ، فَطَالَبَهُ المُرْتَهنُ بَحَقُّهِ، فَأَخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَّال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((ذَهَبَ حَقُّكَ))(٢) ولأن المرتهن جعل مستوفيًا للدين عند هلاك الرهن، فلا يملك الاستيفاء ثانياً؛ كما إذا استوفى بالفكاك، وتقرير معنى الاستيفاء في الرهن ذكرناه في مسائل الخلاف. وأما الحديثُ فيحتمل أن يكون معنى قولِهِ عليه الصلاة والسلام -: ((لا يغلقُ الرَّهْنُ))، أي: لا يهلك، إذ الغلق يستعمل في الهلاك؛ كذا قال بعض أهل اللغة؛ وعلى هذا كان الحديث حجة عليه؛ لأنه يذهب بالدين فلا يكون هالكاً معنى. وقيل: معناه، أي: لا يستحقه المرتهن، ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين، وهذا كان حكماً جاهلياً، فجاء الإسلام فأبطله . وقوله - عليه الصلاة والسلام - ((عليْهِ غُرْمُهُ))، أي: نفقته وكنفه، ونحن به نقولُ [وقوله: ](٣) إنه وثيقة، قلنا: معنى التوثيق في الرهن هو التوصلُ إليه في أقرب الأوقات؛ لأنه كان للمرتهن ولاية مطالبة الراهن بقضاء الدين من مطلق ماله، وبعد الرهن حدثتْ له ولاية المطالبة بالقضاء من ماله المعين، وهو الرهن بواسطة البيع، فازداد طريق الوصول إلى حقه، فحصل معنى التوثيق. ثمنه عشرة دنانير، فقد رضيت به عوضاً من عشرين ديناراً. وأخرج الطحاوي بسند صحيح عن أبي الزناد، = قال: أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم: منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد، وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم، أهل فقه، وصلاح، وفضل، فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة، أنهم قالوا: الرهن بما فيه، إذا كان هلك، وعميت قيمته، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله ◌َّر، قالوا: الرهن بما فيه، انتهى. وروي مرسلاً أيضاً عن طاوس في مراسيل أبي داود برقم (١٨٩) وعن أبي الزناد (١٩١). (١) سقط من ط. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ١٨٣) رقم (٢٨٢٧) وأبو داود في المراسيل (ص - ١٧٢) رقم (١٨٨) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/٤) كتاب الرهن: باب الرهن يهلك في يد المرتهن، والبيهقي، (٤١/٦) كتاب الرهن: باب الرهن مضمون، من طريق عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث أن رجلاً ارتهن فرساً من رجل فنفق في يده فقال ◌َله للمرتهن ذهب حقك)). قال ابن حزم في ((المحلى)) (٩٩/٨): هذا مرسل ومصعب بن ثابت غير قوي. وقال البيهقي: هو مرسل وفيه من الوهن ما فيه. (٣) سقط من ط. ٢١٩ کتاب الرهن فصل شروط كون الرهن مضموناً عند الهلاك وأما شرائط كونه مضموناً عند الهلاك، فأنواعٌ، منها: قيام الدين؛ حتى لو سقط الدين من غير عوض ثم هلك الرهن في يد المرتهن هلك أمانة . وعلى هذا يخرج ما إذا أبرأ المرتهن الراهن عن الدين، ثم هلك الرهن في يد المرتهن؛ أنه يهلك بغير شيء، ولا ضمان على المرتهن فيه إذا لم يوجد منه منع الرهن من الراهن عند طلبه، استحساناً، والقياسُ أن يضمن، وهو قول زفر. ولو استوفى دينه ثم هلك الرهن في يده يهلك بالدين، وعليه بدل ما استوفى، وزفر سوى بين الإبراء والاستيفاء، ونحن نفرق بينهما. وجه القياس أن قبض الرهن قبض استيفاء، ويتقرر ذلك الاستيفاء عند الهلاك، فيصير كأنه استوفى الدين ثم أبرأه، ثم هلك الرهن، ولو كان ذلك. يضمن، كذا هذا؛ ولأن/ ١٢١٠/٣ المرهون لما صار مضموناً بالقبض يبقى الضمان ما بقي القبض، وقد بقي لانعدام ما ینقضه . وجه الاستحسان أن كون المرهون مضموناً بالدين يستدعي قيام الدين؛ لأن الضمان هو ضمان الدين، وقد سقط بالإبراء، فاستحال أن يبقى مضموناً به، وقد خرج الجواب عن قوله إن الاستيفاء يتقرر عند الهلاك؛ لأنا نقول نعم إذا كان الدين قائماً، فإذا سقط بالإبراء، لا يتصور الاستيفاء، وهذا بخلاف ما إذا استوفى الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن؛ لأن قبض الرهن قائمٌ، والضمان متعلقٌ به، فيبقى ما بقي القبض ما لم يوجد المسقط، والاستيفاء لا يسقط الضمان بل يقرره؛ لأن المستوفي يصير مضموناً على المرتهن؛ بخلاف الإبراء؛ لأنه مسقطً؛ لأن الإبراء إسقاط، فلا يبقى الضمان، فهو الفرق؛ هذا إذا لم/ يوجد من المرتهن منع الرهن من الراهن بعد طلبه، فإن وجد هلك الرهن في يده، ضمن كل قيمته؛ لأنه صار غاصباً بالمنع، والمغصوب مضمونٌ بكل القيمة؛ وعلى هذا يخرج ما إذا أخذت المرأة بصداقها رهناً، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، ثم هلك الرهن في يدها - أنه لا ضمان عليها في نصف الصداق الذي سقط بالطلاق؛ لأنّها لم تَصرْ مستوفيةً لذلك النصف عند هلاك الرهن؛ لسقوطه بالطلاق، فلم يبق القبض مضموناً. وكذلك لو أخذت بالصداق رهناً، ثم ارتدت قبل الدخول بها حتى سقط الصداق، ثم هلك الرهن في يدها، لا ضمان عليها؛ لأن الصداق لما سقط بالردة لم يبق القبض مضموناً، ٢٢٠ كتاب الرهن فصار كما لو أبرأته عن الصداق، ثم هلك الرهن في يدها، ولو لم يكن المهر (١) مسمى حتى وجب مهر المثل، فأخذت بمهر المثل رهناً ثم طلقها قبل الدخول بها، حتى وجبت عليه المتعة؛ لم يكن [لها أن تحبس](٢) الرهن بالمتعة، ولو هلك في يدها ولم يوجد منها منع؛ يهلك بغيرِ شيءٍ، والمتعة باقيةٌ على الزوج؛ وهذا قول أبي يوسف. وقال محمدٌ: لها حق الحبس بالمتعة، ولقب المسألة أن الرهن بمهر المثل هل يكون رهناً بالمتعة؟ عن أبي يوسف لا يكون، وعند محمد يكون، ولم يذكر قول أبي حنيفة في الأصل، وذكر الكرخي - رحمه الله - قولَهُ مع قول أبي يوسف. وجه قول محمد إن الرهن بالشيء رهنٌّ ببدله في الشرع؛ لأن بدل الشيء يقوم مقامه كأنه هو؛ لهذا كان الرهن بالمغصوب رهناً بقيمته عند هلاكه، والرهنُ بالمسلم فيه رهناً برأس مال السلم (٣) عند الإقالة، والمتعة بدلٌ عن نصف مهر المثل (٤) لأنه يجب بالسبب الذي يجب به مهر المثل، وهو النكاح عند عدمه، وهذا حد البدل في أصول الشرع(٥). ولأبي يوسف أن المتعةً وجبت أصلاً بنفسها، لا بدلاً عن مهر المثل والسبب انعقد لوجوبها ابتداءً؛ كما أن العقد لوجوب مهر المثل بالطلاق زَالَ في حق أحد الحكمين، وبقي في حق الحكم الآخر، إلاَّ أنه لا يعمل فيه إلا بعد الطلاق، فكان الطلاق شرط عمل السبب، وهذا لا يدلُّ على كونها بدلاً؛ كما في سائر الأسباب المعلقة بالشروطِ، ولو أسلم في طعام وأخذ به رهنًا، ثم تفاسخا العقد، كان له أن يحبس الرهن برأس المالٍ؛ لأن رأسَ المال بدلٌ عن المسلم فيه، فإن هَلَكَ الرهن في يده يهلك بالطعام؛ لأن القبض حين وجوده وقع مضموناً بالطعام وبالإقالة لم يسقط الضمان أصلاً، لأن بَدَلهُ قائمٌ من قدر(٦) رأس المال، فيبقى القبض مضموناً على ما كان؛ بخلاف ما إذا أبرأه عن الدين، ثم هلك الرهن في يد المرتهن؛ أنه يهلك بغير شيء؛ لأن الضمان هناك سقط أصلاً ورأساً، فخرج القبض من أن يكون مضموناً . ولو اشترى عبداً وتقابضًا، ثم تفاسخا، كان للمشتري أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن؛ لأن المشتري بعد التفاسخ ينزل منزلة البائع، وللبائع حق حبس المبيع حتى يستوفي الثمن، فكذا المشتري، وكذلك لو أن البائع سلَّم المبيع وأخذ بالثمن رهناً من المشتري، ثم تقَايَلاً، كان للبائع أن يحبس الرهن حتى يقبض المبيع كما في السلم [فإن هلك الرهن في يده (١) في أ: الرهن. (٢) في ط: له أن یحبس. (٣) في ط: المال. (٤) في ط: المهر. (٥) في ط: أصل الشيوع. (٦) في ط: وهو.