Indexed OCR Text
Pages 181-200
:
١٨١
کتاب الرهن
الضرر والضرار ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ))، وليس هذا بمتعين للحصول على الدين، ولماذا نؤلمه قبل أن يحل
=
الموعد المضروب له، وقد يكون بعيداً، ولم نعهد الشريعة إلا داعية إلى الصالح العام، وناهية عن كل
شر؟ فالتوفيق بين المصلحتين أولى.
وبأن المقصود من الرهن الاستيثاق بالدين؛ يستوفي من ثمنه عند تعذّره من الراهن، وهذا لا ينافي الانتفاع
به ولا إعارته ولا إجارته. فجاز اجتماعهما ورد عليه أن يفوت دوام القبض.
وبأن تعطيل منفعته إضاعة للمال، وقد نهى النبي - ◌َّالله ـ عن إضاعته وبأن الرهن كالبيع، فإن المشتري
يمنع من الانتفاع به، إذا كان الثمن حالاً حتّى يُؤديه ولا يمتنع إذا كان مؤجلاً، فالراهن كذلك.
ورد أن هذا الدليل عليكم لا لكم، وسيقرر في أدلتهم الآتية وستجيب عنه يتضح أن هذه الأدلة سلمت
ونهضت علی دعوی الجمهور.
احتج الحنفية بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وجه الدلالة أنه يقتضي أن يكون مقبوضاً ما دام مرهوناً، وهو مرهون من حين يقبضه المرتهن، إلى أن
يؤدي الراهن الدِّين، فينبغي أن يبقى مقبوضاً له وانتفاع الراهن بعدم هذا الوصف فيمنع منه.
وقد بينت فيما سلف ضعف اشتراط استمرار القبض للزوم الرهن.
وبأن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء على معنى اختصاص المرتهن بالمرهون حبساً إلى أن يقضي
الدين، والراهن لا يتمكن من الانتفاع به ما لم يحوله من يد المرتهن إلى يده، وفيه تفويت موجب العقد
ألا ترى أن الدين إذا كان حالاً كان الراهن ممنوعاً من الانتفاع به؛ لكونه مرهوناً عند المرتهن فكذلك إذا
كان مؤجلاً. ومنع أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء، كما سَلّفَ في شرط دوام القبض، وإنّما
مقتضاه تعلق الحقّ بالمرهون على وجه تحصل به الوثيقة وذلك غير مناف؛ للانتفاع به، ولو سلمنا أن
موجبه ثبوت يد الاستيفاء، فلا يمنع أن يكون المستأجر نائباً عن المرتهن في إمساكه ومستوفياً منفعته
لنفسه .
وبأن الرهن كالبيع، فمتى ثبت للبائع حقّ حبس المبيع كان المشتري ممنوعاً من الانتفاع به؛ فكذلك
الراهن يمنع من الانتفاع بالمرهون؛ لأن حق الحبس ثابت للمرتهن، إلا أن حقَّ الحبس في البيع إنَّما
يثبت إذا كان الثمن حالاً فهنا أيضاً متى ثبت حقّ الحبس بعقد الرهن ينبغي أن يمنع الراهن عن الانتفاع،
وحق الحبس ثابت، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلاً، حتى أنه في غير أوان الانتفاع، وفيما لا ينتفع به
مع بقاء عينه المرتهن أحق بإمساكه.
وبهذا يتبين أن انتفاع الراهن تصرف مبطل لحق المرتَهِن فيمنع منه.
وهذا هو الإبراء الأخير على دليل الجمهور.
وهو مبني على اشتراط استمرار القبض، وهو مرجوح.
وبأن الانتفاع ممنوع، كالوطء لما فيه من توهم العلوق به، وبما أن الحكم قد بني على الموهوم، فيبنى
منع انتفاع الراهن بالمرهون على توهم هلاك الدابة بالركوب كذلك. (١)
وهو قياس مع الفارق إذ في وطئها مانع؛ لأن الوطء مظنَّة العلوق، فتصبح أم ولد، فتبطل الوثيقة، وليس
كل انتفاع مبطلاً للتوثق؛ بل في الغالب لا إبطال، فلا يفيد هذا القياس منع الراهن من الانتفاع مطلقاً،
وليس الحكم مبنياً على التوهم، كما قالوا بل على المظنة على أن هذه الأدلة كلها منقوضة بالعارية
والْغَصْب والسَّرقة والإجابة بأن القبض في هذه الأشياء غير مستحق، وأن للمرتهن استرداده في أي وقت =
3
١٨٢
كتاب الرهن
٢٠٤/٣ب الحبس ثابتٌ للمرتهن على سبيل الدوام(١)، وهذا يمنع الاسترداد/ والانتفاع، وليس له أن يبيعه
من غير المرتهن بغير إذنه لما فيه من إبطال حقه من غير رضاه، ولو باعه توقف نفاذ البيع على
إجازة المرتهن، إن أجاز جاز؛ لأن عدم النفاذ لمكان حقه، فإذا رضي ببطلان حقه، زال المانع
فنفذ، وكان الثمن رهناً، سواء شرط المرتهن عند الإجازة كونه رهناً، أو لا في جواب ظاهر
الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه لا يكون رهناً إلا بالشرط؛ لأن الثمن ليس بمرهون حقيقة،
بل المرهون هو المبيع، وقد زال حقه عنه بالبيع، إلا أنه إذا شرط عند الإجازة أن يكون
مرهوناً، فلم يرض بزوال حقه عنه إلا ببدلٍ، وَإذا لم يوجد الشرط زالَ حقُّه أصلاً.
وجه ظاهر الرواية أن الثمن بدل المرهون، فيقوم مقامه، وبه تبين أنه ما زال حقه بالبيع؛
لأنه زال إلى خلف، والزائل إلى خلف قائم معنى، فيقام الخلف مقام الأصل، وسواء قبض
الثمن من المشترى أو لم يقبضه؛ لأنه يقوم مقام ما كان مقبوضاً، وَإن رده بطل لما قلنا؛ وليس
له أن يهبه من غيره أو يتصدق به على غيره بغير إذنه؛ لما ذكرنا، ولو فعل توقف على إجازة
المرتهن؛ إن رده بطل، وله أن يعيده رهناً، وإن أجازه جازت الإجازة؛ لما قلنا، وبطل عقد
الرهن؛ لأنه زال عن ملكه لا إلى خلف؛ بخلاف البيع، وليس له أن يؤاجره من أجنبيٍّ بغير
إذن المرتهن؛ لأن قيام ملك الحبس له يمنع الإجازة؛ ولأن الإجازة؛ بعقد الانتفاع؛ وهو لا
يملك الانتفاع به بنفسه، فكيف يملكه غيره، ولو فعل وقف على إجازته، فإن رَدَّهُ بطل، وَإِن
أجازت الإجازة لما قلنا، وبطل عقد الرهن، لأنَّ الإجازة إذا جازت وإنها عقد لازم، لا يبقى
الرهن ضرورة، والأجرة للراهن، لأنها بدلُ منفعة مملوكةٍ له، وولاية قبض الأجرة له أيضاً؛
لأنه هو العاقد، ولا تكون الأجرة رهناً؛ لأن الأجرة بدل المنفعة، والمنفعةُ ليست بمرهونة،
فلا يكون بدلها مرهوناً.
فأما الثمن في باب البيع، فبدل المبيع، وأنه مرهونٌ فجاز أن يكون بدله مرهوناً؛ وكذلك
لو آجره من المرتهن، صحت الإجارة، وبطل الرهن إذا جدد المرتهن القبض للإجارة.
أما صحة الإجارة وبطلان الرهن؛ فلما ذكرنا، وأما الحاجة إلى تجديد القبض، فلأن
قبض الرهن دون قبض الإجارة، فلا ينوب عنه.
شاء، فيكون هناك فارق بينها وبين الإجارة والسكنى الخ متكلفة. وقد أسلفنا أن الجمهور يرون أن
=
الضرورة تقدر بقدرها، ويلزم رده إلى المرتهن في وقت الفراغ فلا فارق.
والآن يجدر بي أن أجهر بأن الحق مع الجمهور.
ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر الشرح الكبير لابن قدامة ٣٩٧/٤ والمبسوط ١٠٦/٢١،
ومغني الحنابلة ٤٣٦/٤؛ والخرشي ٢٤٥/٥، والمحلى ٨٩/٨، ونيل الأوطار ١٩٨/٥، ١٩٩، والأم
١٣٧/٣، ١٤٥.
(١) في أ: اللزوم.
١
١٨٣
کتاب الرهن
ولو هلك في يده قبل انقضاء مدة الإجارة أو بعد انقضائها، يهلك أمانة إن لم يوجد
[منه](١) منع من الراهن، وإن منعه الراهن ثم هلك بعد انقضاء مدة الإجارة، ضمن كل قيمته؛
لأنه صار غاضباً بالمنع، وليس له أن يعيره من أجنبيٍّ بغيرِ إذن المرتهن؛ لما ذكرنا، فلو أعار
وسلم، فللمرتهن أن يبطل الإعارة ويعيده رهناً وإن أجاز جاز ولا يبطل الرهن ولكن يبطل
ضمانه، وكذا إذا أعاره بإذن المرتهن؛ بخلاف ما إذا آجره فأجاز المرتهن، أو آجره بإذنه - أنه
يبطل الرهن؛ لأن الإجارة عقدٌ لازمٌ؛ ألا ترى أن أحد العاقدين لا ينفردٌ بالفسخ من غير عذر،
فكان من ضرورة جوازها بطلان الرهن، فأما الإعارة (٢) فليست بلازمةٍ؛ لأن للمعير ولاية
الاسترداد في أيٍّ وقتٍ شاء، فجوازها لا يوجب بطلان عقد الرهن، إلا أنه يبطل ضمان
الرهن؛ لما نذكر في موضعه؛ إن شاء الله تعالى.
وكذا ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون(٣)، حتى لو كان الرهن عبداً ليس له أن
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: الإجارة.
(٣) الرهن ليس عقد تمليك عين، ولا منفعة عند أحد من العلماء، وإنَّما المستحق به الحبس الدَّائم تحت يد
المُرتهن إلى أن يستوفي دينه عند الحنفية أو تعلق الدين بالعين المرهونة؛ استيفاء منها بالبيع وصيرورة
المرتهن أولى بالمرهون، بحيث يقدم على سائر الغرماء عند الشافعية، وقد وقع إجماعهم على أن عين
الرهن، ومنافعه ملك للرّاهن، وأن المرتهن لا يملك الانتفاع بشيء من الرَّهن فيما إذا لم يأذن له الراهن،
ولم يكن المرهون مركوباً أو محلوباً، أو صالحاً للخدمة.
أما إذا كان مركوباً أو محلوباً أو صالحاً للخدمة، ولم يأذن له الرَّاهن في الانتفاع، فمحل خلاف بينهم
وهاك بيانه.
أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية مرجوحة في المحلوب والمركوب يرون: أنه لا يحل له
الانتفاع أصلاً.
وأحمد في الرواية الراجحة وإسحاق يجنحان إلى أن للمرتهن أن ينفق على المرهون ويركب أو يحلب
بقدر نفقة متحرياً للعدل في ذلك سواء أنفق مع تعذر النفقة من الرّاهن لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع
القدرة على أخذ النفقة من الرّاهن واستئذانه.
وأبو ثور والليث والأوزاعي وأحمد في رواية مرجوحة في الاستخدام يذهبون إلى أن للمرتهن الرُّكوب أو
الحلب أو الاستخدام بقدر النفقة عند امتناع الزّاهن من الإنفاق.
وابن حزم يرى أن له الرّكوب أو الحلب عند امتناع الراهن من الإنفاق، وليس هذا مقيّداً عنده بقدر النفقة.
احتج الجمهور بقوله وَله: ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنِ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُزَمَهُ))، وفي رواية :
((الرَّهْنْ مِنْ رَاهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعليْهِ غُرْمُهُ)) وفي رواية: ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)).
وجه الدلالة: أن الشارع جعل الغنم الذي هو السلامة والزيادة للراهن والمنافع منه، فهو يملك المرتهن
شيئاً منها إلا بإذنه.
نوقش بأنه قد اختلف في وصله وإرساله ورفعه ووقفه، وذلك يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح
البخاري وغيره الذي استدل به الحنابلة.
=
١٨٤
کتاب الرهن
وقد ذكرت ما قاله المحدثون في هذا الحديث في الفصل الأول وأجبت بأن الوصل زيادة من الثقة،
=
فتكون مقبولة. رواه الشافعي والدارقطني مرفوعاً، وقال: هذا إسناد حسن متصل، وعلى أنه مرسل فهو
مرسل سعيد بن المسيب الذي اتفق الفقهاء على قبول مراسيله، ولا يقدح ما نقل عن ابن شهاب، من أن
(لهُ غَتَمُهُ وَعَلَيْهِ غُرَمُهُ)) من قول سعيد إذ معمر أثبت الناس في ابن شهاب، فقد ذكره عنه مرفوعاً - فسلم
للجمهور.
وتعقبه الحنابلة بأنهم يقولون بموجبه، وهو أن النماء للراهن، ولكنهم أعطوا المرتهن؛ ولاية صرفه إلى
نفقته؛ لثبوت يده عليه وولايته.
ولا يخفى أن مبني على الرواية الراجحة القائلة بوجوب استدامة القبض عندهم، وقد رددت دليلها وبينت
أنها ليست بشرط؛ لبقاء الرهن لازماً وإذاً لا ضرورة لإعطاء المرتهن هذا الحق ما دام الراهن قد أبيح له
استرداده والانتفاع به .
وبأن المرهون ملك للراهن، ولم يأذن للمرتهن في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك
کالأجنبي وكغير المرهون.
ورد عليه أنه مقابل للنص ((الظَّهَرُ يُرَكَب)» الخ.
ويكون هذا صحيحاً لو كانت الباء ظاهرة في البدلية، أما إذا كانت ظاهرة في السببية، فلا تعارض، وبما
أن الإنفاق على المرهون من لوازم الملك تبين أن المنتفع الراهن إلا إذا امتنع من الإنفاق لما سيأتي.
أبد الحنابلة مذهبهم بما رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
اللهِ وَلَّهِ: ((الظَّهْرُ يُركَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً وَلَبَنُ الدَّرْ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً وَعَلَى الَّذِي يُرْكَبُ
وَيُشْرَبُ النَّفَقَةُ)).
وجه الدلالة: أن عليه الصلاة والسلام جعل منفعته بنفقته، وهو عين محل النزاع.
اعترض الجمهور عليه بأنه ورد على خلاف القياس إلى آخر ما قالوا في الفصل السابق، وقد بينت أن
كلامهم ضعيف إذ السنة الصحيحة من جملة الأدلة، فلا ترد إلا بمعارضة أرجح منها بعد تعذر الجمع إلى
آخر ما ذكرت هناك.
وقد شنع ابن القيم على الجمهور قائلاً: ((والصواب ما دلَّ عليه الحديث وقواعد الشّريعة وأصولها لا
تقتضي سواه فإن المرهون إذاً كان حيواناً فهو محترم في نفسه؛ لحق الله سبحانه وللمالك حق الملك،
وللمرتهن حقّ الوثيقة؛ وقد شرع الله - سبحانه - الرهن مقبوضاً بيد المرتهن، فإذا كان بيده، فلم يركبه
ولم يحلبه ذهب نفعه باطلاً وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلف صاحبه كل وقت
أن يأتي بأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلّف المرتهن بيع اللَّبن وحفظ
ثمنه شق عليه، فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان: أن يستوفي المرتهن
منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة، ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير للحقين، فإن نفقة
الحيوان واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجباً، وله فيه حق فله أن يرجع ببدله ومنفعة
الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلاً، فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلاً ويلزم بعوض ما
أنفق وإن قيل للمرتهن: لا رجوع لك كان فيه ضرر عليه، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما
جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار.
=
١٨٥
کتاب الرهن
والمتأمل يرى أن كلامه مبني على اشتراط استمرار القبض، وحقاً لو تم ولم يترجح أن استمراره ليس
=
بشرط؛ لقضت العدالة بما قال: ولكني قد برهنت على نفي اشتراط الاستمرار؛ للزوم الرهن، ومتى كان
الأساس واهياً كان البناء متداعياً.
والرد الصحيح على إيراد الجمهور هو ما أشرت إليه قبل كلام ((ابن القيم)) اكتفاء بذكره في الفصل السابق.
ورد عليه أيضاً أنه لم يبين فيه الراكب والحالب، فيكون مجملاً.
أجاب الحنابلة بأن المراد المرتهن بقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة، وإنفاقه عليها لا بطريق
المعاوضة؛ بل لأنه مالك والمراد هنا: الانتفاع في مقابلة النّفقة، وذلك يختص بالمرتهن.
ويكون هذا الجواب مقبولاً لو كانت الباء ظاهرة في البدل، إما مع احتمال السببية، بل مع ظهورها، فلا
وجه له والذي يتمشى مع الأصل يبدو له أن المراد الرَّاهن لا المرتهن إذ النفقة أثر من آثار الملك، ولازم
من لوازمه التي لا تفارقه.
رجح الحنابلة إرادة المرتهن بأنه قد روي في رواية أخرى، إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن عَلَفِهَا
ولبن الدَّرٌ يُشْرَبُ، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢). فجعل المنفق المرتهن، فيكون هو المنتفع فهذه
الرواية مفسرة للرواية الأخرى. ولا يخفى أنهم بينوا الرواية التي خلت من هذه الزيادة بالرواية التي ذكرتها
وتركوا حديث الجمهور الصحيح جانباً، فالأولى الجمع الذي ذكره الليث والأوزاعي وأبو ثور أن فيه عمل
بالحديثين، فيباح الركوب أو الحلب عند امتناع الراهن من الإنفاق للمرتهن، ويمتنع في حال بذله النفقة
ورعاية مصالح المرهون.
وتعقب أيضاً بأنه كان قبل تحريم الربا، ثم نسخ بقوله وَّهر: «كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ رِباً)).
ولا شكّ أنه يتوقف على العلم بتأخر الناسخ، وعدم إمكان الجمع والتاريخ مجهول والجمع ممكن، وقد
سلف بيانه .
وبأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقّه من نماء المرهون والنيابة عن المالك
فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذُ مُؤْنَتِهَا من مال زوجها عند
امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها.
وهو مبني على اشتراط دوام القبض، وقد أبطلناه، فلم يتم دليلاً الحنابلة. وجه أبو ثور والليث والأوزاعي
بحديث ((لا يَغْلِقُ الرَّهْنُ)) مع حديث ((إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى المُرْتَهِنِ عَلَفِهَا فَإِنِ اسْتَفْضَلَ مِنَ اللَّبْنِ
بَعْدَ ثَمَنِ الْعَلَّفِ فَهُوَ رِباً».
وذلك أن الحديث الأول جعل الغنم للراهن، فتكون المنافع له ولا يملك المرتهن شيئاً منها بغير إذنه.
والحديث الثاني: جعل المنفق المرتهن، فيكون هو المنتفع فجمعوا بينهما بحمل الأول على ما إذا قام
الراهن بحقوق المرهون.
والثاني: على ما إذا عاند وأبى الإنفاق احتفاظًاً بحق المرتهن في الوثيقة وإبقاء على حياة الحيوان المحترم
الحمد الله - تعالى - وشطر الدعوى دلَّ عليه القياس على الركوب والحلب إذ الاستخدام في معناهما.
اعترض بأن الأصل يقتضي ألا ينتفع المرتهن بشيءٍ منه ترك ذلك في الركوب والحلب؛ للأثر ففيما
عداهما يبقى على مقتضى الأصل.
وبقية الحديث ((فَإِنِ اسْتَفْضَلَ)) الخ تقوى رأي الحنابلة والليث وأبي ثور والأوزاعي في أن الركوب =
١٨٦
كتاب الرهن
يستخدمه، وَإن كان دابة ليس له أن يركبها، وإن كان ثوباً ليس له أن يلبسه، وإن كان داراً ليس
له أن يسكنها، وإن كان مصحفاً ليس له أن يقرأ فيه؛ لأن عقد الرهن يفيد ملك الحبس، لا
ملك الانتفاع، فإن انتفع به فهلك في حال الاستعمال، يضمن كل قيمته؛ لأنه صار غاصباً،
وليس له أن يبيع الرهن بغير إذن الراهن(١)؛ لأن الثابت له ليس إلا ملك الحبس، فأما ملك
والشّرب يكونان بقدر النفقة. وتحرى العدل استدل ابن حزم بأن النص ((وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
=
بِالْبَاطِلِ))، (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَّكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) ورد بتحريم الأموال على غير من له فيها حقّ؛ فالرهن بلا
شك حرام على كل ما عدا الراهن، وجاء حديث ((الظَّهْرُ)) الخ فأخرج المرتهن من هذا العموم؛ لأن له فيه
حق الارتهان، ففي حال امتناع الرهن من الإنفاق أباح له الشارع الركوب أو الحلف في مقابلة النفقة، كي
يحافظ على وثيقة ببقاء ماليته، ولما كان الحديث مطلقاً، وليس فيه تقييد الركوب والحلب بقدر النفقة
حمله على ظاهره.
يرد عليه بصحة ((فَإِنِ اسْتَفْضَلَ)) الخ.
ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى وينظر الأم ١٤٧/٣، والمبسوط ١٠٦/٢١ - ١٠٨، ومغني الحنابلة ٤/
٤٣٢، ٤٣٣، ونيل الأوطار ١٩٩/٥، والمحلى ٨٩/٨، وأعلام الموقعين ١٣٠/٢، ١٣١.
(١) اختلف فقهاء الحنفية فيما بينهم على خمسة أقوال:
الأول: أنه جائز.
الثاني: أنه ليس بجائز.
الثالث: أنه جائز قضاء غير جائز ديانة .
الرابع: أن الإذن إن كان مشروطاً فهو غير جائز وإلا فهو جائز.
الخامس: أن الإذن إن كان مشروطاً، فهو حرامٌ وإن لم يكن مشروطاً، فهو مكروه ذكرها صاحب رسالة
الفلك المشحون بما يتعلق بانتفاع المرتهن بالمرهون وذكر طائفة من أقوال الحنفية الدَّالة على اختلافهم،
ثم اختار القول الرابع وحقه أن الشّرط أعم من أن يكون مشروطاً حقيقة أو حكماً أما حقيقة فبأن يشرط
المرتهن في نفس العقد أن يأذن له الراهن بالانتفاع بالمرهون على ما هو المتعارف في أكثر العوام أنهم إذا
ارتهنوا شيئاً، ودفعوا الدَّين يشترطون إجازة الانتفاع، ويكتبون ذلك في صك الرهن ولو لم يأذن له الرَّاهن
أو لم يكتب في الصَّكِّ لم يدفع المرتهن الدَّين، ولم يرتهن.
وأما حكماً، فهو ما تعارف الناس عليه في ديارنا أنهم لا يشترطون في نفس المعاملة لكن مرادهم ومنويهم
إنّما هو الانتفاع؛ فلولاه لما دفع المرتهن الدَّين حتى لو دفعه، ولم يأذن له الرَّاهن في مجلس آخر أو
أذن، ثم رجع عن إذنه يغضب المرتهن ويريد أخذ دينه، فالاشتراط وإن لم يكن مذكوراً في كلامهم لكنه
عين مطلوبهم ومن المعلوم أن المعروف عرفاً كالمشروط.
ومذهب أحمد والحسن وابن سيرين وإسحاق أنه إن أذن الرَّاهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض، وكان
دين الرهن من قرض لم يجز وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض، وأذن له الراهن
في الانتفاع جاز.
ورأى مالك أنه يجوز للمرتهن أن يشرط منفعة المرهون لنفسه مجاناً بشرطين: الأول: أن تكون مؤقتة
بمدة معينة .
الثاني: أن يكون الرَّهن في عقد بيع، لا في عقد قرصٍ.
=
١٨٧
کتاب الرهن
واختلف النَّقل عن الإمام الشافعي فروي عنه ما يفهم منه المنع مطلقاً وإليه جنح ابن حزم.
=
وروي عنه ما يفيد أنه إن شرط ما ينفع المرتهن ويضر الرَّاهن كشرط منفعته من غير تقييد للمرتهن بطل
الشرط، وكذا الرهن في الأظهر، وإن كان شرط الانتفاع مقيداً بمدة، كسنة مثلاً وكان الرهن مشروطاً في
بيع، فهو جمع بين بيع وإجارة فيصحان، وصورة ذلك ((بِعْتُكَ هذا الثّوب بِدينار على أن تَرْهَنَنِي به دَارك
وتكون سُكْنَاها لي سنة فَيَقْبَل))، فهذا العقد جمع بين بيع الثوب واستئجار الدار سنة بالثوب، فمجموع
الدِّينار والمنفعة المعينة ثمن والثوب مبيع وأجرة، فلو عرض ما يوجب انفساخ الإجارة انفسخ العقد فيما
يقابل أجرة الدار سنة من الثوب ولا خيار للمشتري؛ لأن الصفقة لم تتحد إذ ما هنا بيع وإجارة والخيار
إنما يثبت حيث اتحدت الصفقة، فإذا لم يكن مشروطاً في بيع كرهنتك هذه الدار على كذا على أن يكون
لك سُكْنَاها سنة بدينار، فلا يصح، ولعله قول ثان للإمام اطْلَع أصحاب كتب الفروع عليه.
احتجَّ الحنفية على القول الرَّابع بما روي أنه وَّرَ: ((نَهَى عَنْ كُلِّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً»، وما روي ((الظَّهْرُ يُرْكَبُ
وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ)).
إذ النهي صريح في التحريم، فيمتنع على المرتهن الانتفاع بالمرهون مطلقاً مشروطاً كان أم غير مشروط،
إلا أن حديث ((الظُّهْرُ يُرْكَبُ)) الخ خصصه بالمشروط إذ بقيد أنه مركوب ومشروب للمرتهن، فيجمع بينهما
بحمل الأول على ما إذا كان مشروطاً حقيقة أو عرفاً.
والثاني: على ما إذا لم يكن مشروطاً أصلاً وأذن الرَّاهن والحديث الأول وإن كان متكلماً فيه، لكنه تأيد
بآثار الصحابة وعمل الأئمة .
قال ((العيني)) في ((البناية)) شرح الهداية: الحديث رواه علي - رضي الله عنه - وكرم الله وجهه - ولفظه قال
رسول الله وَ﴿ - ((كُلُّ قَرْض جَرَّ نَفْعَاً فَهُوَ رِباً)) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وفي سنده سوار
ابن مصعب، قال عبد الحق في أحكامه بعد أن أخرجه: هو متروك. انتهى.
وقال ابن الهمام في فتح القدير رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن حفص بن حمزة ((أنبأنا سوار بن
مصعب عن عمارة الهمداني قال: سمعت علياً يقول قال رسول الله وَلِّ: ((كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً فَهُوَ رِباً))،
وهو مضعف بسوار قال عبد الحق: متروك ــ وكذا قال غيره. رواه أبو الجهم في جزئه المعروف عن
سوار أيضاً وأحسن ما هاهنا عن الصحابة ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدَّثنا خالد الأحمر عن حجَّاج
عن عطاء قال: ((كَانُوا يكرهون كُلَّ قَرْضِ جَرَّ مَنْفَعةً)) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((تلخيص
الحبير)) عند ذكر هذا الحديث، قال عمر بن بدر في ((المغني)): لم يصح فيه شيء عن النبي ◌ِّر. وأما
إمام الحرمين فقال: أنه صح وتبعه الغزالي، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) من حديث علي
وفي إسناده سوار بن معصب متروك، ورواه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد، موقوفاً بلفظ: ((كُلُّ
قَرْضِ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهُ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا)) ووراه في ((السنن الكبرى)) عن ابن مسعود وأبي ابن كعب
وعبد الله بن سلام وابن عباس - رضي الله عنهم - موقوفاً عليهم اهـ، وفي مختصر ((إغاثة اللهفان لابن
القيم المسمى ((بتبعيد الشيطان)) ((مَنَعَ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنَ الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ النَّفْعَ وَجَعَلَهُ رِباً وَمَنَعَ مِنْ قَبُولِ
هَدِيَّةِ المُقْتَرِضِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَادَةٌ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقَرْضِ)). ففي سنن ابن ماجه عن يحيى بن
إسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك والرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه، فقال: قال رسول
اللهِ وَلِ: ((إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضاً فَأَهْدَى إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلاَ يَرْكَبُهَا وَلا يَقْبَلُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَرَى =
١٨٨
كتاب الرهن
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ))، وروى البخاري في تاريخه عن بريدة بن أبي يحيى الهنائي عن أنس قال: قال رسول
=
اللهِ وَ﴿: ((إِذا أَقْرَضَ أحَدُكُمْ فَلاَ يَأْخُذْ هَدِيَّةً))، وفي صحيح البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى: قدمت
المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: ((إنَّكَ بِأَرْض الرِّبَا فِيهَا فَاسق فإذا كان لك على رجل حقُّ
فأُهدي إليك حمل تبن أو شعير فلا تأخذه فإنه رِباً))، وجاء هذا المعنى عن ابن مسعود وابن عباس وابن
عمر وغيرهم والمراد بالكراهة الكراهة التحريمية، كما يفيده تعليلهم بأنه ربا، وهي المرادة من الحرمة في
قول من تكلم بحرمة المشروط فإن المكروه التحريمي قريب من الحرام، بل كأنه هو وصور الإذن الغير
المشروط بألا يشترط المرتهن ذلك في نفس العقد، ولا يدفع الدين بهذا الشرط، ولا ينوي أيضاً بدفع
الدين إباحته وأنه لولاه؛ لما دفع، بل قصد مجرد الحبس والتوثق، وهذا لا شبهة في جوازه، فإنه ليس
فيه ربا ولا شبهة الربا، فإن كان الانتفاع في هذه الصورة مورثاً إلى شيءٍ، فليس هو إلا شبهة شبهة الرّبا.
وهي غير معتبرة. وهذا كما إذا أذن رجل لغيره في الانتفاع بملكه بطيب خاطره من غير رهنه، فإن يجوز
بلا شبهة، فكذا إذا أجاز المالك، وهو الراهن الانتفاع بالمرهون للمرتهن بطيب خاطره جاز للمرتهن
ذلك؛ لأنه أذن على حدة ليس بشرط في الرهن لا حقيقة ولا عرفاً لكن مع ذلك الانتفاع خلاف الأولى
والاحتراز عنه أولى، فالاحتراز في هذه الصورة تقوى، والانتفاع فتوى، وهذه الصورة مما يعز وجودها
في زماننا ويندر، ولا يرتكبها إلا الأقل الذي لا يكاد يوجد والشائع في زماننا هو المشروط حقيقة أو عرفاً
الأولى مسلك العوام.
والثانية: مسلك الخواص، وقد اغتر كثير من علماء عصرنا، ومن سبقنا بظاهر عبارات الفقهاء أنه يجوز
الانتفاع للمرتهن بالإذن فأفتوا به مطلقاً من دون أن يفرقوا بين المشروط وغيره ومن دون أن يتأملوا أن
المعروف كالمشروط فضلُّوا وأضلُّوا وقد التزمت ((صاحب رسالة الفلك المشحون)) أنا من مدة مديدة أفي
كلَّما سئلت عن الانتفاع بالإذن أجبت بالكراهة؛ لعلمي منهم أن الإذن عندهم يكون مشروطاً حقيقة أو
عرفاً والإذن المجرد عن شوب الاشتراط الحقيقي والعرفي نادر قطعاً.
وأما القول الخامس، وهو أنه إن كان مشروطاً، فهو حرام وإلا فهو مكروه، فمحمول على الفرق بين
المشروط حقيقة وبين ما هو في حكم المشروط، وحينئذٍ فهذا القول موافق للرّابع المختار بأن يكون
المراد من قولهم وإلا بألا يكون ذلك مشروطاً حقيقة، بل عرفاً فهو مكروه، وإن كان مرادهم بذلك حكم
الكراهة في صورة الإذن الخالي عن شائبة الاشتراط الحقيقي والعرفي، فلا يظهر وجهه لأنه ليس فيه
وجود الربا ولا شبهة ويخالفه صريح الحديث الذي مر ذكره.
وأما القول الثالث: أنه جائز قضاء لا ديانة، فهو ما اختاره صاحب منح الغفار ورده الحموي بأن ما كان
ربا لا يظهر فيه الفرق بين الديانة والقضاء، وهو رد مستحكم إلا أن يراد بالديانة والقضاء التّقوى
والفتوى.
وأما القول الثاني: وهو أنه ليس بجائز مطلقاً، فينبغي أن يحمل ذلك على الشروط حقيقة أو عرفاً.
وأما القول الأول: فينبغي أن يحمل على غير المشروط حقيقة أو حكماً.
وأصحاب القول الأول والثاني، وإن لم يفصلوا في حكمهم، لكنه يجب أن يكون مقصودهم، كما يقتضيه
تعليلهم وقواعدهم إذ علَّل الثاني بأنه أذن في الرِّبا؛ لأنه يستوفي دينه فتكون المنفعة ربا.
والأول بأنه ليس متعديًّا مع إذن الرَّاهن فظهر أن الأولى بالقبول هو الفرق بين المشروط، وغير المشروط =
١٨٩
کتاب الرهن
وأن المشروط أعم من أن يكون حقيقة أو حكماً؛ لكون المعروف كالمشروط.
=
ثم قال صاحب رسالة ((الفلك المشحون)): فإلى الله المُشتكى من صنيع جهلاء زماننا يشترطون الإذن في
الزّهن أو يقصدون ذلك وأنه لولاه لما ارتهنوا ويظنون جوازه أخذاً من قول الفقهاء، ويجوز بالإذن وشنَّان
ما بين مرادهم ومرادهم.
وإذا لاحظنا أن المعروف عرفاً كالمشروط، وأن الناس إنَّما يريدون الانتفاع عند الدفع ولولاه لامتنعوا عنه
ظهر إلا فارق بين قولي التفصيل والمنع مطلقاً الذين سبق ذكرهما ورأيه المنع.
ورد على الحنفية أن حديث ((الظّهر)) الخ محمول على ما إذا امتنع الرَّاهن من الإنفاق على المرهون، كما
سلف جمعاً بينه وبين حديث ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) لا على حالة الإذن في غير
المشروط حقيقة أو عرفاً، كما قالوا، وهذا هو التوفيق بينه وبين حديث ((كُلَّ قَرْضٍ)) الخ أيضاً.
تمسّك الحنابلة، ومن معهم بقوله {وَلَّ ((كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً فَهُوَ رِبا)) قال أحمد: أكره قرض الدور، وهو
الربا المحض يعني: إذا كانت الدار رهناً في قرض ينتفع بها المرتهن ولا نهى في غير القرض، فيجوز
انتفاع المرتهن بالإذن.
اعترض عليهم؛ بأنه استدلال: بمفهوم اللقب، وهو مردود وبأن قوله وَّ: ((كُلُّ قَرْضٍ جَرَ نَفْعاً)) فخرج
مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له.
وبأن الدّين إن كان من بيع مثلاً وأباح الرَّاهن الانتفاع من غير تعيين مدة كان بيعاً فاسداً وإجارة فاسدة
للجهالة بالمدة، ومقدار الأجرة والثمن وإن عينت المدة بقي جهل الأجرة والثمن وإذا حملنا الإذن على
الهبة؛ فلا نشك في أن الراهن تحت تأثير الحاجة فدلي رغبة المرتهن، ولم تطب نفسه والنبي ◌َّهو يقول:
(لا يَحِلّ مَالُ امْرِىءٍ إِلاَّ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ) وجه المالكية بأن تعيين المدة؛ للخروج من الجهالة في الإجارة
وأن اشتراط الانتفاع في عقد البيع يجعله بيعاً وإجارة، وذلك جائز وفي القرض سلف جَرَّ نفعاً وهو لا
يجوز.
ورد عليهم جهل الاجرة الذي يبطل الإجارة وجهل الثمن الذي يبطل البيع وجه رأي الشافعي الأول وابن
حزم أنه شرط ليس في كتاب الله - تعالى - فهو باطل وإني ذاكر للقارىء كلمة من كتاب ((الأُمّ)) تزيد
وجهته إيضاحاً.
(وإذا رهن الرجل الرجل عبداً أو داراً أو غير ذلك فسكنى الدار وإجارة العبد وخدمة للراهن كذلك منافع
الرهن للراهن، ليس للمرتهن منها شيء فإن شرط المرتهن على الراهن أن له سكنى الدار أو خدمة العبد
أو منفعة الرهن أو شيئاً من منفعة الرهن ما كانت أو من أي الزّهن كانت داراً أو حيواناً. أو غيره فالشرط
باطلٌ وإن كان أسلفه ألفاً على أن يرهنه بها رهناً وشرط المرتهن لنفسه منفعة الرهن؛ فالشرط باطل؛ لأن
ذلك زيادة في السّلف وإن كان باعه بيعاً بألف وشرط البائع للمُشْتري أن يرهنه بألفه رهناً، وأن للمرتهن
منفعة الرهن، فالشرط فاسد والبيع فاسد؛ لأن لزيادة منفعة الرهن حصة من الثمن غير معروفة، والبيع لا
يجوز إلا بما يعرف ألا ترى أنه لو أرهنه داراً على أن للمرتهن سكناها حتى يقضي حقّه كان له أن يقضيه
حقّه من الغد وبعد سنين، ولا يعرف كم ثمن السكن؟ وحصته من البيع وحصة البيع لا تجوز الا معروفة
مع فساده من أن بيع وإجارة، ولو جعل ذلك معروفاً فقال: أرهنك داري سنة على أن لك سُكْنَاهَا في
تلك السنة كان البيع والزّهن فاسداً من قبل: أن هذا بيع وإجارة لا أعرف حصة الإجارة ألا ترى أن =
١٩٠
کتاب الرهن
العين فللراهن، والبيع تمليك العين، فلا يملكه المرتهن من غير إذن الراهن، ولو باع من غير
إذنه وقف على إجازته، فإن أجازه جاز وكان الثمن رهناً.
وكذا إذا باع بإذنه جاز، وكان ثمنه رهناً، سواء قبضه من المشتري أو لم يقبضه، ولو
١٢٠٥/٣ هلك كان الهلاك على المرتهن، وهذا يشكل على/ الشرط الذي ذكرنا لجواز الرهن، وهو أن
لا يكون المرهون ديناً والثمن ديناً في ذمة المشتري، فكيف يصلح (١) رهناً.
والجواب: أَنَّ الدين يصلحُ رهناً في حال البقاء، وإن كان لا يصلح ابتداءً؛ لأنه في حالة
البقاء بَدَل المرهون، وبدل المرهون مرهونٌ؛ لأنه قائم مقام المرهون؛ كأنه هو بخلاف حالة
الابتداء، وَإن رد بطل وعاد المبيع رهناً كما كان، ولو هلك في يد المشتري قبل الإجارة لم
يجز بالإجارة؛ لأن قيام المعقود عليه شرط صحة الإجارة، والراهن بالخيار: إن شاء ضمّن
المرتهن، وَإن شاء ضمن المشتري؛ لأن كل واحد منهما صار غاصباً للمرتهن بالتسليم
والمشترى بالقبض، فإن ضمن المرتهن، جاز البيع والثمن للمرتهن، وكان الضمان رهناً؛ لأنه
ملكه بالضمان، فتبين أنه باع ملك نفسه، فجاز وكان الثمن له؛ لأنه بدل ملكه، والضمان
الإجارة لو انتقضت بأن يستحق المسكن أو ينهدم، فلو قلت تقوم السكنى، وتقوم السلعة المبيعة بالألف
=
فتطرح عنه حصّة السُّكْنَى من الألف وأجعل الألف ببابهما ولا أجعل للمشتري خياراً دخل عليك أن شيئين
ملكا بألف، فاستحق أحدهما فلم تجعل للمشترى خياراً في هذا الباقي، وهو لم يشتره إلا مع غيره، أو
لا ترى أنّك لو قلت: بل أجعل له الخيار دخل عليك أن ينقض بيع الباقي، بأن يستحق معها كراء ليس
هو ملك رقبة ألا ترى أن المَسْكِنَ إذا انهدم في أول السنة، فإن قومت كراء السنة في أولها لم يعرف قيمة
كراء آخرها؛ لأنه قد يغلو ويرخص وإنما يقوم كل شيء بسوق يومه، ولا يقوم ما لم يكن له سوق
معلوم. فإن قلت: بل أقوم كل وقت مضى وأترك ما بقي حتى يحضر فأقومه. قيل لك: أفتجعل مال هذا
محتبساً في يد هذا إلى أجل، وهو لم يؤجله.
قال: فإن شبه على أحدٍ بأن يقول: قد تجيز هذا في الكراء إذا كان منفرداً فيكتري منه المنزل سنة، ثم
ينهدم المنزل فيرده عليه بما بقي.
قيل: نعم ولكن حصَّة الشهر الذي أخذه معروفة لا نقومه إلا بعد ما يعرف بأن يمضي، وليس معها بيع،
وهي إجارة كلها. (١)
ولا يظهر دليل للقول الثاني الذي في كتب الفروع اللَّهُمَّ إلا إذا وجه بما وجه به الحنابلة فيما سلف، وقد
ناقشته نقاشاً لا يدع مجالاً للشّكِّ في بطلانه إذا نظرنا للواقع رأينا أن الرهن بدون شرط الانتفاع الحقيقي
أو العرفي لا وجود له. فتلاقى رأي الحنفية ورأي الشافعي في ((الأم)) وابن حزم، واتفقا على المنع
مطلقاً، وهو الراجح عندي.
ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر المحلى ٨٩/٨، ٩٠ ومغني الحنابلة ٤٣١/٤، والخرشي ٥٪
٢٤٩، ٢٥٠، والأم ١٣٧/٣ وتحفة المحتاج شرح المنهاج ٥٢/٥، والفلك المشحون ص ٩ - ١٧.
(١) في أ: يكون.
١٩١
کتاب الرهن
يكون رهناً، لأنه بدل المرهون، فيكون مرهوناً.
وقيل: إنما يجوز البيع بتضمين المرتهن إذا سلم الرهن إلى المشتري أولاً، ثم باعه منه،
فأما إذا باعه ثم سلمه؛ فإنه لا يجوز؛ لأن سبب ثبوت الملك هو التسليم؛ لأنه سبب وجوب
الضمان، وملك المضمون بملك الضمان والتسليم وجد بعد البيع، فلا يجوز البيع، كما إذا باع
مال غيره بغير إذنه، ثم اشتراه منه؛ أنه لا يجوز بيعه؛ كذا هذا، وليس في ظاهر الرواية هذا
التفصيل .
ولو ضمن المشتري بطل البيع؛ لأن بتضمين المشتري لم يتبين أن المرتهن باع مال
نفسه، والضمان يكون رهناً؛ لأنه بدل المرهون، ويرجع المشتري على البائع بالثمن؛ لأن البيع
لم يصح، وليس له أن يرجع بالضمان عليه، وليس له آن يهبه أو يتصدق به بغير إذن الراهن؛
لأن الهبة والتصدق تمليك العين، والثابت للمرتهن ملك الحبس لا ملك العين، فلا يملكها
كما لا يملك البيع، فإن فعل وقف على إجازة الراهن إن أجاز جاز، وبطل الرهن، وإن رد عاد
رهناً كما كان.
ولو هلك في يد الموهوب له أو المتصدق عليه قبل الإجازة، فالراهن بالخيارِ إن شاء
ضمن المرتهن، وإن شاء ضمن الموهوب له والمتصدق عليه؛ لما ذكرنا، وأيهما ضمن لا
يرجع بالضمان على صاحبه، أما المرتهن فلا شك فيه؛ لأنه ملك المرهون بالضمان، فتبين أنه
وهب أو تصدق بملك نفسه.
وَأما الموهوب له والمتصدق عليه؛ فلأن الرجوع بالضمان بحكم الضرر، وأنه لا يتحقق
في الهبة والصدقة، بخلاف البيع والإجارة، وليس له أن يؤاجره من غير الراهن بغير إذنه؛ لأن
الإجارة تمليك المنفعة، والثابت له ملك الحبس لا ملك المنفعة، فكيف يملكها من غيره، فإن
فعل وقف على إجازة الراهن، فإن أجاز جاز وبطل الرهن، لما ذكرنا فيما تقدم، وكانت
الأجرة للراهن، ولا تكون رهناً لما مر، وولاية قبضها للمرتهن؛ لأن القبض من حقوق العقد
والعاقد هو المرتهن، ولا يعود رهناً إذا انقضت مدة الإجارة؛ لأن العقد قد بطل، فلا يعود إلا
بالاستئناف، وإن رد بطل وأعاده رهناً كما كان.
ولو أجره بغير إذن الراهن وسلمه إلى المستأجر فهلك في يده، فالراهن بالخيار: إنْ شاء
ضمن المرتهن قيمته وقت التسليم إلى المستأجر، وإن شاء ضمن المستأجر لوجود سبب
وجوب الضمان من كل واحدٍ منهما، وهو التسليم والقبض، غير أنه إن ضمن المرتهن لا
يرجع بالضمان على المستأجر، لكنه يَرْجِعُ عليه بأجرة قدر المستوفى من المنافع إلى وقت
الهلاك؛ لأنه ملكه بالضمان، فتبين أنه آجر ملك نفسه، فصح وكانت الأجرة له؛ لأنها بدلُ
منفعة مملوكة له، إلا أنها لا تطيب له، وإن ضمن المستأجر فالمستأجر يَرْجع بما ضمن على
١٩٢
کتاب الرهن
المرتهن؛ لأنه صار مغروراً من جهته، فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان الكفالة، ولا
أجرة عليه؛ لأن الأجرة والضمان لا يجتمعان.
وَلَوْ سلم واسترده المرتهن عاد رهناً كما كان؛ لأنه لما استرده فقد عاد إلى الوفاق بعد ما
خالف، فأشبه المودع إذا خالف في الوديعة، ثم عاد إلى الوفاق، والأجر للمرتهن، لكن لا
يطيب له؛ كالغاصب إذا آجر المغصوب، وليس له أن يغير الرهن من غير المرتهن(١) بغير
٢٠٥/٣ب إذنه/ لما ذكرنا في الإجارة، فإن أعاره وسلمه إلى المستعير، فللراهن أن يبطل الإعارة، فإن
هلك في يد المستعير فالراهن بالخيار: إن شاء ضمن المرتهن، وإن شاء ضمن المستعير،
وأيهما ضمن لا يرجع [بما ضمن](٢) على صاحبه، ويكون الضمان رهناً.
أما عدم الرجوع على المرتهن؛ فلأنه ملكه بالضمان، تبين أنه أعار ملكه، وأما
المستعير؛ فلأن الرجوع بالغرر ولم يوجد بخلاف الإجارة، وأما كون الضمان رهناً فلأنه بدل
المرهون، فيكون مرهوناً، وإن سلم واسترده من المستعير عاد رهناً كما كان؛ لأنه عاد إلى
الوفاق، فالتحق الخلاف فيه بالعدم.
ولو أعاره بإذن الراهن أو بغير إذنه وأجاز جاز، ولا يبطل الرهن، لكن يبطل ضمان
الرهن؛ لما نذكر؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها تبطل الرهن، وقد مَرَّ الفرق، وليس له أن يرهنه بغير
إذن الراهن؛ لأنه لم يَرْض بحبس غيره، فإن فَعَلَ فللراهن الأول أَنْ يبطل الرهن الثاني، ويعيده
إلى يد المرتهن الأول؛ لأن الرهن الثاني لم يصح، فلو هلك في يد المرتهن الثاني قبل
الإعادة(٣) إلى الأول، فالراهن الأول بالخيار: إن شاء ضمن المرتهن الأول، وَإن شاء ضمن
المرتهن الثاني، فإن ضمن المرتهن الأول جاز الرهن الثاني؛ لأنه ملكه المرتهن الأول
بالضمان، فتبين أنه رهن ملك نفسه.
وَلَوْ هَلَكَ في يد المرتهن الثاني يهلك بالدين، فكان ضمانه رهناً؛ لأنه بدل المرهون،
وَإن ضمن المرتهن الثاني بطل الرهن الثاني، ويكون الضمان رهناً على المرتهن الأول؛ لكونه
بدل المرهون، ويرجع المرتهن الثاني على المرتهن الأول بما ضمن وبدينه.
أما الرجوعُ بالضمان؛ فلأنه صار مغروراً من جهته، فيرجع عليه، وأما الرجوع بدينه؛
فلأن الرهن الثاني لم يصح، فيبقى دينه عليه كما كان، وإن رهن عند الثاني بإذن الراهن
الأول، جاز الرهن الثاني، وبطل الرهن الأول.
(١) في ط: الراهن.
(٣) في أ: الإعارة.
(٢) سقط من ط.
١٩٣
كتاب الرهن
أما جواز الرهن الثاني فلأن المانعَ من الجواز قد زَالَ بإذن الراهن الأول، فَإذَا أجاز الثاني
بطل الأول ضرورةً، وصار كأن المرتهن الأول استعار مال الراهن الأول ليرهنه بدينه فرهنه،
وليس له أن يودعه عند أجنبيٍّ ليس في عياله؛ لأن الراهن لم يرض إلا بيده أو بيد مَنْ يدُهُ في
معنى يده، ويد الأجنبيِّ الذي ليس في عياله ليست في معنى يده، فإن فعل وهلك في يد
المودع، ضمن كل قيمته؛ لأنه صار غاصباً بالإيداع، وله أن يدفعه إلى مَنْ هو في عياله؛
كزوجته وخادمه وأجيره الذي يتصرفُ في ماله؛ لأن يَدَ هؤلاء كيدِهِ؛ ألا ترى أنه يحفظ مال
نفسه بيدهم، فكان الهالك في أيديهم كالهالك في يده، والأصل في هذا أن للمرتهن أن يفعل
في الرهن ما يعد حفظاً له، وليس له أن يفعل ما يعد استعمالاً له وانتفاعاً به.
وعلى هذا يخرج ما إذا ارتهن خاتماً فجعله في خنصره، فهلك، ضمن كل قيمته؛ لأن
التختم بالخنصر مما يتجمل به عادةً، فكان استعمالاً له، هو مأذونٌ في الحفظ لا في
الاستعمال، ويستوي فيه اليمنى واليسرى؛ لأن الناس يختلفون في التجمل(١) بهذا النوع، منهم
مَنْ يتجمَّلُ بالتختم في اليمنى. ومنهم مَنْ يتجمل به في اليسرى، فكان كل ذلك استعمالاً .
ولو جعله في بقية الأصابع فهلك يهلك هلاك الرهن؛ لأن التختم بها غير معتاد، فكان
حفظاً لا استعمالاً .
ولو لبس خاتماً فوق خاتم، فهلك، يرجع فيه إلى العرف والعادة، فإن كان اللابس ممن
يتجمل بخاتمين يضمن؛ لأنه مستعمل له، وإن كان ممن لا يتجمل به يهلك بما فيه؛ لأنه
حافظ إياه .
ولو رهنه سيفين فَتَقَلَّدَ بهما، يَضْمَنُ، ولو كانت السيوف ثلاثة فتقلد بها، لم يضمن؛
لأن التقلد بسيفين معتاد في الجملة، فكان من باب الاستعمال.
فأما بالثلاثة فليس بمعتاد، فكان حفظاً لا استعمالاً، وإن كان الرهن طيلساناً أو قباء،
فلبسه لبساً معتاداً، يضمن، وَإن جعله على عاتقة فهلك، يهلك رهناً، لأن الأول استعمالٌ،
والثاني حفظٌ، وله أن يبيع ما يخاف الفساد عليه بإذن القاضي؛ لأن بيع ما يخاف عليه الفساد
من باب الحفظ، فله أن يبيعه، لكن بإذن القاضي (٢) له؛ لأن له ولاية في مال غيره في
الجملة، فإن باع بغير إذنه (٣)، ضمن، لأنه لا ولاية له عليه/، وإذا باع بأمر الحاكم كان ثمنُهُ ١٢٠٦/٣
رهناً في يده؛ لأنه بدلُ المرهون، فيكون رهناً، وله أن يطالب الراهن بإيفاء الدين مع قيام عقد
الرهن إذا لم يكن الدين مؤجلاً؛ لأن الرهنَ شُرع لتوثيق الدين، وليس من الوثيقة سقوط
المطالبة بإيفاء الدين.
(١) في أ: العمل.
(٣) في أ: أمره.
(٢) في أ: الحاكم.
بدائع الصنائع ج٨ - م١٣
١٩٤
كتاب الرهن
وَلَوْ طالب المرتهن الراهن بحقه، فقال الراهن: بِعْهُ واستوفِ حقَّكَ، فقال المرتهن: لا
أريد البيع، ولكن أريد حقي، فله ذلك؛ لأن الرهن وثيقة، وبالبيع يخرج عن كونه رهناً،
فيبطل معنى الوثيقة، فله أن يتوثق باستيفائه إلى استيفاء الدين.
ولو قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى وقت كذا وإلا فهو لك بدينك، أو بيع
بحقك - لم يجز، وهو رهنٌ على حاله؛ لأن هذا تعليق التمليك بالشرط، وأنه لا يتعلق
بالشرط، وليس للقاضي أن يبيع الرهن بدين المرتهن من غير رضا الراهن، لكنه يحبس الراهن
حتى يبيعه بنفسه عند أبي حنيفة - عليه الرحمة، وعندهما له أن يبيعه عليه، وهي مسألة الحجر
على الحر، وقد ذكرناها في ((كتاب الحجر)).
وكذلك ليس للعدل أن يبيع الرهن؛ كما ليس للراهن ولا للمرتهن ذلك، والكلام في
العدل في ثلاثةِ مواضع :
أحدها: في بيان ما للعدل أن يفعله في الرهن، وما ليس له أن يفعله فيه.
والثاني: في بيان من يصلح عدلاً في الرهن ومن لا يصلح.
والثالث: في بيان ما ينعزل به العدل يخرج عن الوكالة وما لا ينعزل.
أما الأول، فنقول وبالله التوفيق: للعدل أَنْ يمسك الرهن بيده وبيد مَنْ يحفظ ماله بيده،
وليس له أن يدفعه إلى المرتهن بغير إذن الراهن، ولا إلى الرَّاهن بغير إذن المرتهن قبل سقوط
الدين؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بيد صاحبه حيث وضعاه في يدِ العدل.
ولو دفعه إلى أحدهما من غير رضا صاحبِهِ، فلصاحبه أن يسترده ويعيده إلى يد العدل
كما كان، ولو هلك قبل الاسترداد ضمن العدل قيمته؛ لأنه صار غاصباً بالدفع، وليس له أن
ينتفع بالرهن، ولا أن يتصرف فيه بالإجارة والإعارة، والرهن وغير ذلك؛ لأن الثابت له
بالوضع في يده هو حق الإمساك لا الانتفاع والتصرف، وليس له أن يبيعه لما قلنا، إلا إذا كان
مسلطاً على بيعه في عقد الرهن، أو متأخراً عنه، فله أن يبيعه؛ لأنه صار وكيلاً بالبيع، إلا أن
التسليط إذا كان في العقد لا يملك عزله من غير رضا المرتهن، وإذا كان متأخراً عن العقد
يملك لما ذكرنا.
وله أن يبيع الزيادة المتولدة من الرهن؛ لكونها مرهونة تبعاً للأصل؛ وكذا له أن يبيع ما
هو قائم مقام الرهن، نحو إن كان الرهن عبداً فقتله عبدٌ أو فَقَأَ عَيْنَهُ؛ لأنه إذا قام مقامه جعل
كأن الأول قائم، ثم إذا سلطه على البيع مطلقاً. فله أن يبيعه بأيّ جنسٍ كان من الدراهم
والدنانير وغيرهما، وبأي قدر كان بمثل قيمته أو بأقل منه، قدر ما يتغابن الناس فيه، وبالنقد
والنسيئة عند أبي حنيفة، وله أن يبيع قبل حلول الأجل، لأن الأمر بالبيع مطلقٌ، وَإذا باع كان
١٩٥
كتاب الرهن
الثمن رهناً عنده إلى أن يحل الأجل؛ لأن ثمنَ المرهونِ مرهونٌ، فإذا حلَّ الأجل أوفى دين
المرتهن إن كان من جنسه، وإن سلط على البيع عند المحل، لم يكن له أن يبيعه قبله لما قلنا .
وَلَوْ كان الرهن بالمسلم فيه فسلَّطه على البيع عند المحل، فله أن يبيعه بجنس المسلم
فيه وغيره عند أبي حنيفة، وعندما يبيعه بالدراهم والدنانير وبجنس المسلم فيه، وهي مسألة
الوكيل بالبيع المطلق؛ أنه يبيع بأيَّ ثمنٍ كان عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: ليس
له أن يبيع بما لا يتغابن الناس فيه، ولا بالنسيئة ولا بغير الدراهم والدنانير، إلا أنهما جَوَّزَا ما
في مسألة السلم بجنس المسلم فيه؛ لأن الأمر بالبيع لقضاء الدين من ثمنه والجنس أقرب إلى
القضاء منه .
ولو نهاه الراهن عن البيع بالنسيئة، فإن نهاه عند عقد الرهن، ليس له أن يبيع بالنسيئة؛
لأن التوكيل حَصَلَ مقيداً، فيلزمه مراعاة القيد متأخراً إذا كان التقييد مفيداً، وهذا النوع من
التقييد مفيدٌ.
ولو نهاه متأخراً عن العقد لم يصح نهيه؛ لأن/ التقييد المتراخي إبطال من / حيث ٢٠٦/٣ب
· الظاهر؛ كالتخصيص المتراخي عن النص العام عند بعض مشايخنا، حتى جعلوه فسخاً لا
بياناً، وإذا كان إبطالاً لا يملكه الراهن؛ كما لا يملك إبطال الوكالة الثابتة عند العقد بالعزل، ثم
إذا باع العدل الرهن خرج عن كونه رهناً؛ لأنه صار ملكاً للمشتري، وصار ثمنه هو الرهن؛
لأنه قام مقامه، سواء كان مقبوضاً أو غير مقبوضٍ، حتى لو توى عند المشتري، كان على
المرتهن، ويهلك بالأقل من قدر(١) الثمن ومن الدين، ولا ينظر إلى قيمة المبيع، بل ينظر إلى
الثمن بعد البيع؛ لأن الرهن انتقل إلى الثمن وخرج المبيع عن كونه رهناً، فتعتبر قيمة الرهن،
ثم إن باعه بجنس الدين قضى دين المرتهن منه، وإن باعه بخلاف جنسه باع الثمن بجنس
الدين، وقضى الدين منه؛ لأنه مسلطٌ على بيع الرهن وقضاء الدين من ثمنه، وقضاء الدين من
جنسه يكون.
ولو باع العدل الرهن ثم استحق في يد المشتري، فللمشتري أَنْ يرجع بالثمن على
العدل؛ لأن العاقد هو وحقوق العقد في باب البيع ترجع إلى العاقد، والعدل بالخيار: إن شاء
يسترد من المرتهن ما أوفاه من الثمن وعاد دينه على الراهن كما كان، وإن شاء رجع بما ضمن
على الراهن وسلم للمرتهن ما قبض.
أما ولاية استرداد الثمن من المرتهن؛ فلأن البيع قد بطل بالاستحقاق، وتبين أن قبض
الثمن من المرتهن لم يصح، فله أن يسترد منه، وإذا استرده عاد الدين على حاله.
(١) في أ: قيمة.
١٩٦
كتاب الرهن
وأما الرجوعُ بما ضمن على الراهن [فلأنه وكيل الراهن](١) فله أن يرجع بالعهدة علیه،
وَإذا رجع عليه سلم للمرتهن ما قبضه؛ لأنه صح قبضه، هذا إذا سلم الثمن إلى المرتهن، فإن
كان هلك في يده قبل التسليم، ليس له أن يرجع إلا على الراهن؛ لأنه وكيل الراهن بالبيع
عامل له، فكان عهدة عمله عليه في الأصل لا على غيره، إلا أن له أن يرجع على المرتهن إذا
قبض الثمن لما ذكرنا، فإذا لم يقبض وجب العمل بالأصل، فيرجع على الراهن بما ضمن،
وبطل الرهن بالاستحقاق، ويرجع المرتهن بدينه على الراهن، ولو لم يستحق الرهن ولكن
المشتري وجد به عيباً، كان له أن يرده على العدل؛ لأن الرد بالعيب من حقوق البيع، وإنها
ترجع إلى العاقد والعاقدُ هو العدلُ، فَيُرَدُّ عليه ويُسْتَرَد منه الثمن الذي أعطاه، والعدلُ بالخيار
إن كان رده عليه بقضاء القاضي، إن شاء رجع على المرتهن إن كان سلم الثمن إليه، وإن شاء
رجع على الراهن، أما على المرتهن؛ فلأنه إذا رد عليه بعيب بقضاء القاضي فقد انفسخ
البيع(٢)، فكان له أن يرجع بالثمن، وعاد دين المرتهن على الراهن، وعاد الرهن المردود رهناً
بالدین .
وأما الرجوعُ على الراهن؛ فلأنه وكله بالبيع، فيرجع عليه بالعهدة، وإن كان العدل لم
يعط المرتهن الثمن، فإن رد العدل ما قبض من الثمن فلا يرجع على أحد، وإن كان هلك في
يده وضمن في ماله يرجع بما ضمن على الراهن خاصة دون المرتهن؛ لما ذكرنا في
الاستحقاق، ويكون المردود رهناً كما كان، هذا إذا كان بيع العدل بتسليط مشروط في عقد
الرهن، فأما إذا كان بتسليط وجد من الراهن بعد الرهن، فإن العدل يرجع بما ضمن على
الراهن، لا على المرتهن، سواء قبض المرتهن الثمن أو لم يقبضه؛ لأنه وكيل الراهن وعهدة
الوكيل فيما وكل به على موكله في الأصل؛ لأنه عامل له، فكان عهدة عمله عليه، إلا أن
التسليط إذا كان مشروطاً في العقد يثبت له حق الرجوع على المرتهن؛ لتعلق حقه بهذه
الوكالة؛ على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
فإذا وقع البيع لحقه، جاز أن يرجع بالضمان عليه، وَإذا لم يكن مشروطاً فيه لم يثبت
التعليق، فبقي حق الرجوع بالعهدة على الموكل على حكم الأصل، للعدل أن يبيع الزوائد
المتولدة من الرهن؛ لأنها مرهونة تبعاً للأصل لثبوت حكم الرهن فيها، وهو حق الحبس تبعاً،
فله أن يبيعها؛ كما له أن يبيع الأصل.
وكذا العبد المدفوع بالجناية على الرهن؛ بأن قتل الرهن أو فقأ عينه، فدفع به للعدل أن
١٢٠٧/٣ يبيعه؛ لأن الثاني قائم مقام الأول لحماً ودماً، فصار كأن الأول قائم/، وللعدل أن يمتنع من
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: العقد.
١٩٧
کتاب الرهن
البيع، وَإذا امتنع لا يجبر عليه إن كان التسليط على البيع بعد الرهن، وإن كان في الرهن لم
يكن له أن يمتنع عنه، ولو امتنع يجبر عليه؛ لأن التسليط إذا لم يكن مشروطاً في الرهن لم
يتعلق به حق المرتهن، فكان توكيلاً محضاً بالبيع، فأشبه التوكيل بالبيع في سائر المواضع،
وَإِذا كان مشروطاً فيه، كان حق المرتهن متعلقاً به، فله أن يجبره على البيع لاستيفاء حقه.
وأما بيان مَنْ يصلح عدلاً في الرهن. وَمَنْ لا يصلح، فالمولى لا يصلح عدلاً في رهن
عبده المأذون، حتى لو رهن العبد المأذون على أن يضع على يد مولاه، لم يجز الرهن، سواء
كان على العبد دَيْنٌ أو لم يكن، والعبدُ يصلح عدلاً في رهن مولاه، حتى لو رهن إنسانٌ شيئاً
على أن يضع في يد عبده المأذون، يصح الرهن، لأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين، فيصير
العدلُ وكيلاً في استيفاء الدين، والمولى لا يصلح، وكيل الأجنبي في استيفاء الدين من عبده؛
لأن الوكيل من يعمل لغيره، واستيفاء الدين من عبده عمل لنفسه من وجهٍ، لما فيه من فراغ
رقبة عبده عن شغل الدين، والعبد يصلح وكيل الأجنبي في استيفاء الدين من مولاه؛ لذلك
افترقا .
وَعَنْ أبي يوسف أن المولى يصلح عدلاً في رهن مكاتبه، والمكاتب يصلح عدلاً في
رهن مولاه؛ لأن المكاتب حُرِّ يداً، فكان كل واحد منهما أجنبيًّا عما في يد الآخر، والمكفول
عنه لا يصلح عدلاً في رهن الكفيل، وكذا الكفيل لا يصلح عدلاً في رهن المكفول عنه؛ لأن
كل واحد منهما لا يصلح وكيلاً في استيفاء الدين من صاحبه؛ لأنه يعمل لنفسه، أما المكفول
عنه فبتفريغ ذمته عن الدين.
وأما الكفيل فبتخليص نفسه عن الكفالة بالدين، وأحد شريكي المفاوضة لا يصلح عدلاً
في رهن صاحبه بدين التجارة؛ لأن يد كل واحد منهما يد صاحبه، فكان ما في يد كل واحد
منهما كأنه في يد صاحبه، فلم يتحقق خروج الرهن من يد المرتهن(١)، وإنه شرط صحة
الرهن.
وكذا أحد شريكي العنان في التجارة لا يصلح عدلاً في رهن صاحبه بدين التجارة؛ لما
قلنا، فإن كان من غير التجارة هو جائز في الشريكين جميعاً؛ لأن كل واحد منهما أجنبيٍّ عن
صاحبه في غير دين التجارة، فلم تكن يده كيد صاحبه، فوجد خروج الرهن من يد الراهن،
ورب المال لا يصلح عدلاً في رهن المضارب، ولا المضارب في رهن رب المال، حتى لو
رهن المضارب شيئاً من مال المضاربة بدين في المضاربة على أن يضعه على يد رب المال، أو
رهن رب المال على أن يضعه على يد المضارب، لا يجوز الرهن؛ لأن يد المضارب يد لرب
(١) في ط: الراهن.
١٩٨
کتاب الرهن
المال، وعمل رب المال كعمل المضارب، فلم يتحقق خروج الرهن من يد الراهن، فلم يجز
الرهن، والأب لا يصلح عدلاً في رهنه بثمن ما اشترى للصغير؛ بأن اشترى الأب للصغير شيئاً
ورهن بثمن ما اشترى له؛ على أن يضعه على يد نفسه، فالشراء جائز والرهن باطلٌ، لأنه لما
شرط على أن يضعه في يد نفسه فقد شرط على أن لا يخرج الراهن من يد الراهن، وأنه شرط
فاسدٌ، فیفسد الرهن.
وهل يصلحُ الراهن عدلاً في الرهن؟
فإن كان الرهن لم يقبض من يده بعد، لا يصلح؛ حتى لو شرط في عقد الرهن على أن
يكون الرهن في يده، فسد العقد؛ لأن قبض المرتهن شرط صحة العقد، ولا يتحقق القبض إلا
بخروج الرهن من يد الراهن، فكان شرط كونه في يده شرطاً فاسداً، فيفسد الرهن.
وَإن كان قبضه المرتهن ثم وضعه على يده، جاز بيعه؛ لأن العقد قد صَحَّ بالقبض،
والبيعُ تصرفٌ مِن الراهن في ملكه، فكان الأصل فيه هو النفاذ والتوقف كان لحق المرتهن،
فإذا رضي به فقد زال المانع، فينفذ.
وأما بيان ما ينعزل به العدل ويخرج عن الوكالة وما لا ينعزل، فنقول: التسليط على البيع
[لا يخلو](١) إما أن يكون في عقد الرهن، وإما أن يكون متأخراً عنه، فإن كان في العقد،
٢٠٧/٣ب فعزل الراهن العدل لا ينعزل من غير رضا المرتهن؛ لأن الوكالة إذا كانت في العقد/ كانت تابعة
للعقد، فكانت لازمة بالعقد، فلا ينفرد الراهن بفسخها؛ كما لا ينفرد بفسخ العقد.
وكذا لا ينعزل بموت الراهن ولا بموت المرتهن؛ لما ذكرنا أن الوكالة الثابتة في العقد
مِنْ توابع العقد، والعقد لا يبطل بالموت؛ فكذا ما هو من توابعه، وإن كان التسليط متأخراً عن
العقد، فللراهن أن يعزله وينعزل بموت الراهن أيضاً؛ لأن التسليط المتأخر عن العقد توكيل
مبتدأ، فينعزل الوكيل بعزل الموكل وموته وسائر ما يخرج به الوكيل عن الوكالة، وقد ذكرنا
جملة ذلك في ((كتاب الوكالة))، وهذا الذي ذكرنا جواب ظاهر الرواية.
و[روي](٢) عن أبي يوسف أن التسليط الطارىء على العقد والمقارن له (٣) سواء؛ لأنه
يلتحق بالعقد، فيصير كالموجود عند العقد، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن التسليط لم
يوجد عند العقد حقيقة، وَجَعْلُ المعدوم حقيقةٌ موجوداً تقديراً لا يجوز إلا بدليلٍ، ولم يُوجد،
وتبطل الوكالة بموت العدل، سواء كانت بعد العقد أو في العقد، ولا يقولم وارثه ولا وصيه
(١) سقط من ط.
(٢) في ط: إياه.
(٣) سقط من ط.
١٩٩
کتاب الرهن
مقامه؛ لأن الوكالة لا تورث؛ ولأن الراهن رضي به ولم يرض بغيره، فَإذا مات بطلت الوكالة،
لكن لا يبطل العقد، ويوضع الرهن في يد عدل آخر عن تراض منهما؛ لأنه جاز الوضع في يد
الأول في الابتداء بتراضيهما، فكذا في يد الثاني في الانتهاء، فإنَّ اختلفا في ذلك، نصب
القاضي عدلاً ووضع الرهن على يده؛ قطعاً للمنازعة، وليس للعدل الثاني أن يبيع إلا أن يموت
الراهن؛ لأن الراهن سلط الأول لا الثاني.
وعلى هذ تخرج نفقة الرهن(١) أنها على الراهن لا على المرتهن، والأصل أن ما كان من
حقوق الملك فهو على الراهن؛ لأن الملك له، وما كان من حقوق اليد فهو على المرتهن؛
لأن اليد له .
إذا عرف هذا فنقول: الرهنُ إذا كان رقيقاً فطعامه وشرابه وكسوته على الراهن، وكفنه
عليه، وأجرة ظئر ولد الرهن عليه، وإن كانت دابة، فالعلف وأجرة الراعي عليه، وإن كان
بستاناً فسقيه وتلقيح نخله وجداده والقيام بمصالحهِ عليه، سواء كان في قيمة الرهن فضلٌ أو لم
يكن؛ لأن هذه الأشياء من حقوق الملك، ومؤنات الملك على المالك، والملك للراهن،
فكانت المؤنة عليه، والخراج على الراهن؛ لأنه مؤنة الملك.
وأما العشر ففي الخارج يأخذه الإمام ولا يبطل الرهن في الباقي؛ بخلاف ما إذا استحق
بعض الرهن شائعاً أنه يبطل الرهن في الباقي.
ووجه الفرق أن الفساد في الاستحقاق لمكان الشيوع، ولم يوجد لههنا، لأن بالاستحقاق
تبين أن الرهن في القدر المستحق لم يصح، والباقي شائع، والشياع يمنع صحة الرهن؛
بخلاف العثر، لأن وجوبه في الخارج لا يخرجه عن ملكه؛ بدليل أنه يجوز بيعه يجوز له
الأداء(٢) من غيره، فكان الدفع إلى الإمام بمنزلة إخراج الشيء عن ملكه، فلا يتحقق فيه معنى
الشيوع، فهو الفرق.
ولو كان في الرهن نماء، فأراد الرهن أن يجعل النفقة التي ذكرنا، أنها عليه في نماء
الرهن ليس له ذلك؛ لأن زوائد المرهون مرهونة عندنا تبعاً للأصل، فلا يملك الإنفاق منها،
كما لا يملك الإنفاق من الأصل، والحفظ على المرتهن؛ حتى لو شرط الراهن للمرتهن أجراً
على حفظه فحفظ، لا يستحق شيئاً من الأجر؛ لأن حفظ الرهن عليه، فلا يستحق الأجر بإتيان
ما هو واجب عليه؛ بخلاف المودع إذا شرط للمودع أجراً على حفظ الوديعة، أن له الأجر؛
لأن حفظ الوديعة ليس بواجب عليه، جاز شرط الأجر، وأجرة الحافظ عليه؛ لأنها مؤنة
الحفظ، والحفظ عليه؛ وكذا أجرة المسكن والمأوى؛ لما قلنا.
(١) في ط: الراهن.
(٢) في أ: الإقرار.
٢٠٠
کتاب الرهن
وروي عن أبي يوسف أن كراء المأوى(١) على الراهن، وجعله بمنزلة النفقة وجعل الآبق
على المرتهن بقدر الدين، والفضل على ذلك على الملك؛ حتى لو كانت قيمة الرهن والدين
سواء، أو قيمة الرهن أقل، فالجعل كله على المرتهن، وإن كانت قيمته أكثر فبقدر الدين على
المرتهن، وبقدر الزيادة على الراهن؛ لأن وجوب الجعل على المرتهن لكون المرهون
مضموناً، وأنه مضمون بقدر الدين، والفضل أمانة، فانقسم الجعل عليهما على قدر الأمانة
٢٠٨/٣أ والضمان؛ بخلاف أجرة المسكن/ أنها على المرتهن خاصة، وإن كان في قيمة الرهن فضلٌ؛
لأن الأجرة إنما وجبت على المرتهن؛ لكونها مؤنة الحفظ، وكل المرهون محفوظ بحفظه،
فكان كل المؤنة عليه .
فأما الجعل فإنما لزمه؛ لكون المردود مضموناً، والمضمون بعضه لا كله، فيتقدر بقدر
الضمان، والفداء من الجناية، والدين الذي يلحقه الرهن بمنزلة جعل الآبق ينقسم على
المضمون والأمانة.
وكذلك مداواة الجروح والقروح والأمراض تنقسم عليهما على قدر الضمان والأمانة؛
كذا ذكر الكرخي.
وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) أن المداواة على المرتهن من باب إحياء
حقه وهو الدين، وكل ما وجب على الراهن فأداه المرتهن بغير إذنه، أو وجب على المرتهن،
فأداه المرتهن بغير إذنه، فهو مقطوعٌ، لأنه قضى دين غيره بغير أمره، فإن فعل بأمر القاضي
يرجع على صاحبه؛ لأن القاضي له ولاية حفظ أموال الناس وصيانتها عن الهلاك والإذن
بالإنفاق على وجهٍ يَرْجِعُ على صاحبه بما أنفق طريق صيانة المالين، وكذا إذا فعل أحدهما بأمر
صاحبه يرجع عليه؛ لأنه صار وكيلاً عنه بالإنفاق.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أن الراهن إن كان غائباً فأنفق المرتهن
بأمر القاضي، يَرْجع عليه، وإن كان حاضراً لم يرجع عليه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يَرْجِعُ في الحالين جميعاً؛ بناءً على أن القاضي لا يلي على
الحاضر عنده، وعندهما يلي عليه، وهي مسألة الحجر على الحر، وستأتي في ((كتاب الحجر)).
وعلى هذا يخرج زوائد الرهن أنها مرهونة عندنا(٢)، وجملة الكلام في زوائد الرهن أنها
(١) المأوى: المكان يُؤْوَى إليه.
(٢) اتفق الفقهاء على أن النماء جميعه والغلات مملوكة للراهن وعلى أن الزيادة المتصلة كالسمن والتعلم
داخلة في الرهن تبعاً.
واختلفوا في النماء المنفصل كالكسب والأجرة والولد والثمرة واللبن والصوف والشعر على أقوال وإليك بيانها . =