Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب الهبة
الفعل من اثنين، وقد لا يحصل هذا المقصود من الأجنبي، وفوات المقصود في (١) عقد
محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع؛ لأنه يعدم الرضا، والرضا في هذا الباب كما هو شرط
الصحة فهو شرط اللزوم؛ كما في البيع، إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً لم يلزمه العقد؛ لعدم
الرضا عند عدم حصول المقصود؛ وهو السلامة؛ كذا هذا.
وأما الحديث الأول فله تأويلان:
أحدهما: أنه محمولٌ على الرجوع بغير قضاء ولا رضاء، وذلك لا يجوز عندنا إلا فيما
وهب الوالد لولده، فإنه يحل له أخذه من غير رضا الولد، ولا قضاء القاضي إذا احتاج إليه
للإنفاق على نفسه.
الثاني: أنه محمولٌ على نفي الحل من حيث المروءة والخلق(٢)، لا من حيث الحكم؛
لأن نفي الحل يحتمل ذلك، قال الله عَزَّ وَجَلَّ - في رسولنا عليه الصلاة والسلام -: ﴿لا يَحِلْ
لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجِ﴾ [الأحزاب ٥٢] قيل في بعض التأويلات: لا يحل
لك من حيث المروءة والخلف أن تتزوج عليهن، بعد ما اخْتَزْنَ إياك والدار الآخرة على الدنيا
وما فيها من الزينة، لا من حيث الحكم؛ إذْ كان يحل له التزوج بغيرهن، وهذا تأويل
الحديث .
والآخر أن المراد منه التشبيه من حيث ظاهر القبح مروءة [وطبيعة، لا شريعة](٣).
أَلاَ ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام في رواية أخْرَى: ((العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ
يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)) وقيء(٤) الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية؛ لكنه يوصف بالقبح الطبيعي؛ كذا
هذا .
كلهم من طرق عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه فذكره بنحوه.
=
وإسناده صحيح.
ولفظ أبي داود: ((من استعاذ بالله فأعينوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم
معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)).
وبنحو حديث ابن عمر - رضي الله عنه أخرجه الترمذي (٣٧٩/٤) كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في
المتشبع بما لم يعطه (٢٠٣٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٠٩).
من حديث جابر.
قال الترمذي: حسن غريب.
(١) في ط: من.
(٢) في ط: والخلف.
(٣) في أ: وخلقاً لا شرعاً.
(٤) في ط: وفعل.

١٢٢
کتاب الهبة
وقوله فيما يهبه الوالد لولده محمولٌ على أخذ مال ابنه عند الحاجة إليه؛ لكنه سَمَّاه
رجوعاً لتصوره بصورة الرجوع مجازاً، وإن لم يكن رجوعاً حقيقة؛ على ما نذكره في تلك
المسألة، إن شاء الله تعالى.
وأما [شرط صحة](١) الرجوع بعد ثبوت الحق [بقضاء القاضي أو التراضي](٢) حتى لا
يَصِحُّ بدون القضاء والرضا؛ لأن الرجوع فسخ العقد بعد تمامه، وفسخ العقد بعد تمامه [لا](٣)
يصح بدون القضاء والرضا؛ كالرد بالعيب في البيع بعد القبض.
وأما العوارض المانعة من الرجوع فأنواعٌ: منها هلاك الموهوب؛ لأنه لا سبيل إلى
الرجوع في الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته؛ لأنها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد
عليها .
ومنها: خروج الموهوب من ملك الواهب بأيَّ سبب كان؛ من البيع والهبة والموت
ونحوها؛ لأن الملك يختلف بهذه الأشياء، أما بالبيع والهبة ونحوهما فظاهرٌ، وكذا بالموت؛
لأن الثابت للوارث؛ غير ما كان ثابتاً للمورث حقيقة؛ لأن الملك عرض يتجدد في كل زمان؛
١٩٤/٣ ب إلاَّ أنه مع تجدده حقيقة جعل متجدداً تقديراً في حق المحل؛ حتى يرد الوارث بالعيب، ويرد
عليه، فيجب العمل بالحقيقة في حق المالك، فاختلف الملكان؛ واختلاف الملكين بمنزلة
اختلاف العينين.
ثم لو وهب عيناً لم يكن له أن يرجع في عين أخرى؛ فكا إذا أوجبه ملكاً لم يكن له أن
يفسخ ملكاً آخر؛ بخلاف ما إذا وهب لعبد رجل هبة فقبضها العبد؛ أن للواهب أن يرجع فيها،
لأن الملك هناك لم يختلف؛ لأن الهبة انعقدت موجبة للملك للمولى ابتداء، فلم يختلف
الملك؛ وكذا المكاتب إذا وهب له هبة وقبضها، فالواهب أن يرجع؛ لما قلنا.
وكذلك إن أعتق المكاتب؛ لأن الملك الذي أوجبه بالهبة قد استقر بالعتق(٤)؛ فَكَأَنَّهُ
وهب له بعد العتق، فإن عجز المكاتب ورد في الرق، فللواهب أن يرجع عند أبي يوسف،
وعند محمد ليس له أن يرجع، وهذا بِنَاءً على أن المكاتب إذا عجز عن أداء بدل الكتابة،
فالمولى يملك إكسابه بحكم الملك الأول، أو يملكها ملكاً مبتدأ، فعند أبي يوسف يملكها
بحكم الملك الأول، فلم يختلف الملك، فكان له أن يرجع، وعند محمد يملكها ملكاً مبتدأ،
فاختلف الملك، فمنع الرجوع.
(١) في ط: شرائط.
(٢) سقط من ط.
(٣) سقط من ط.
(٤) في أ: بالقبض.
.

١٢٣
كتاب الهبة
وجه قول محمدٍ أن ملك الكسب للمولى قد بطل بالكتابة؛ لأن المكاتب صار أحق
بإكسابه بالكتابة، فبطل ملك المولى بالكسب، والباطل لا يحتمل العود، فكان هذا ملكاً مبتدأ،
فيمنع الرجوع كملك الوارث.
وجهِ قول أبي يوسف أن سبب ثبوت ملك الكسب هو ملك الرقبة، وملك الرقبة قَائِمٌ
بعد الكتابة؛ إلاّ أنه امتنع ظهور ملك الكسب للمولى؛ لضرورة التوصل إلى المقصود من
الكتابة في جانب المكاتب، وهو شرف الحرية بأداء بدل الكتابة، فإذا عجز زالت الضرورة
وظهر ملك الكسب تبعاً لملك الرقبة، فلم يكن هذا ملكاً مبتدأ.
ومنها: موت الواهب؛ لأن الوارث لم يوجب الملك للموهوب له، فكيف يرجع في
ملك لم يوجبه؟ !!
ومنها: الزيادة في الموهوب زيادة متصلة، فنقول: جملةُ الكلام في زيادة الهبة أنها لا
تخلو إما إن كانت متصلة بالأصل، واما إن كانت منفصلة عنه، فإن كانت متصلة بالأصل فإنها
تمنع الرجوع، سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له أو لا بفعله، وسواء كانت متولدة أو غير
متولدة؛ نحو أما إذا كان الموهوب جارية هزيلة فسمنت، أو داراً فبنى فيها، أو أرضاً فغرس
فيها غرساً، أو نصب دولاباً. وغير ذلك مما يستقي به، وهو مثبت في الأرض مبني عليها على
وجه يدخل في بيع الأرض من غير تسمية، قليلاً كان أو كثيراً، أو كان الموهوب ثوباً فصبغه
بعصفر، أو زعفران، أو قطعه قميصاً وَخَاطَهُ، أو جبَّة وحشاه، أو قباء؛ لأنه لا سبيل إلى
الرجوع في الأصل مع الزيادة؛ لأن الزيادة ليست بموهوبة؛ إذ لم يرد عليها العقد، فلا يجوز
أن يرد عليها الفسخ، ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة؛ لأنه غير ممكن، فامتنع
الرجوع أصلاً.
وَإِن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه، فله أن يرجع؛ لأن المانع من الرجوع هو
الزيادة، فإذا لم يزده الصبغ في القيمة التحقت الزيادة بالعدم، وإن كانت الزيادة منفصلة، فإنها
لا تمنع الرجوع، سواء كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والتمر، أو غير متولدة؛ كالأرش
والعقر والكسب والغلة؛ لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد، فلا يرد عليها الفسخ، وإنما ورد
على الأصل ويمكن فسخ العقد في الأصل دون الزيادة؛ بخلاف المتصلة؛ وبخلاف ولد المبيع
أنه يمنع الرد بالعيب؛ لأن المانع هناك هو الربا؛ لأنه يبقى الولد بعد رد الأم بكلُ الثمن مبيعاً
مقصوداً لا يقابله عِوَضٌ؛ وهذا تفسير الربا.
ومعنى الربا لا يتصور(١) في الهبة؛ لأن جريان الربا يختص بالمعاوضات، فجاز أن يبقى
الولد موهوباً مقصوداً بلا عوضٍ؛ بخلاف البيع(٢)، وكذا الزيادة في سعر لا تمنع الرجوع؛ لأنه
(١) في أ: يتقدر.
(٢) في ط: المبيع.

١٢٤
كتاب الهبة
لا تعلُّق لها بالموهوب، وإنما هي رغبةٌ يحدثها الله - تعالى - في القلوب، فلا تمنع الرجوع؛
ولهذا لم تعتبر هذه الزيادة في أصول الشرع، فلا تعتبر(١) ضمان الرهن ولا الغصب، ولا تمنع
الرد بالعيب .
١١٩٥/٣
وأما نقصان الموهوب فلا يمنع الرجوع؛ لأن ذلك رجوع في/ بعض الموهوب، وله أن
يرجع في بعض الموهوب مع بقائه بكماله؛ فكذا إذا نقص، ولا يضمن الموهوبُ له النقصان؛
لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون.
ومنها: العوض؛ لِمَا روينا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّرَ أنه قَالَ: ((الوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ
مِنْهَا)) أي: ما لم يعوض؛ ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى
العوض، فإذا وصل فقد حصل مقصوده، فيمنع الرجوع، وسواء قل العوض أو كثر؛ لما روينا
من الحديث من غير فصل، فنقول العوض نوعان: متأخر عن العقد، ومشروط في العقد.
أما العوضُ المتأخر عن العقد؛ فالكلامُ فيه يقع في موضعين :
أحدهما: في بيان شرط جواز هذا التعويض وصيرورة الثاني عوضاً.
والثاني: في بيان ماهية هذا التعويض.
أما الأول: فله شرائط ثلاثة: الأول مقابلة العوض بالهبة؛ وهو أن يكون التعويض بلفظٍ
يَدُلُّ على المقابلة؛ نحو أن يقول هذا عوض من هبتك، أو بدلٌ عن هبتك، أو مكان هبتك،
أو نحلتك هذا عن هبتك، أو تصدقت بهذا بدلاً عن هبتك، أو كافأتك، أو جازيتك، أو
أتيتك، وما يجري هذا المجرى؛ لأن العوض اسم لما يقابل المعوض، فلا بد من لفظ يدل
على المقابلة؛ حتى لو وهب لإنسان شيئاً وقبضه الموهوب له.
ثم إن الموهوب له أيضاً وهب شيئاً للواهب، ولم يقل هذا عوض من هبتك ونحو ذلك
مما ذكرنا؛ لم يكن عوضاً بل كان هبة مبتدأة، ولكلٌ واحد منهما حق الرجوع؛ لأنه لم يجعل
الثاني(٢) مقابلاً بالأول؛ لانعدام ما يدل على المقابلة، فكانت هبة مبتدأة، فيثبت فيها الرجوع.
والثاني: أن لا يكون العوض في العقد مملوكاً بذلك العقد؛ حتى لو عوض الموهوب له
الواهب بالموهوب، لا يصح ولا يكون عوضاً.
وإن عوضه ببعض الموهوب عن باقيه، فإن كان الموهوب على حاله التي وقع عليها
(١) في ط: تغير.
(٢) في ط: الباقي.

١٢٥
كتاب الهبة
العقد لم يكن عوضاً؛ لأن التعويض ببعض الموهوب لا يكون مقصود الواهب عادةً؛ إذْ لو كان
ذلك مقصوده لأمسكه ولم يهبه، فلم يحصل مقصوده بتعويض بعض ما دخل تحت العقد، فلا
يبطل حق الرجوع، وإن كان الموهوب قد تغير عن حاله تغيراً يمنع الرجوع، فإن بعض
الموهوب يكون عوضاً عن الباقي، لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى، فصلح عوضاً، هذا إذا
وَهَبَ شيئاً واحداً أو شيئين في عقد واحدٍ، فأما إذا وهب شيئين في عقدين عوض أحدهما عن
الآخر، فقد اختلف فيه؛ قال أبو حنيفة - عليه الرحمة [ومحمد](١) يكون عوضاً، وقال أبو
يوسف: لا يكون عوضاً.
وجه قول أبي يوسف أن حق الرجوع ثابتٌ في غير (٢) ما عوض؛ لأنه موهوب وحق
الرجوع في الهبة ثابت شرعاً، فإذا عوض يقع عن الحق المستحق شرعاً، فلا يقع موقع
العوض؛ بخلاف ما إذا تغير الموهوب فجعل بعضه عوضاً عن الباقي؛ أنه يجوز، وكان مكاناً
عوضاً؛ لأن حق الرجوع قد بطل بالتغير، فجاز أن يقع موقع العوض.
وجه قولهما إنهما ملكا بعقدين متباينين، فجاز أن يجعل أحدهما عوضاً عن الآخر،
وهذا لأنه يجوز أن يكون مقصود الواهب من هبته الثانية عود الهبة الأولى؛ لأن الإنسان قد
يهب شيئاً ثم يبدو له الرجوع، فصار الموهوب بأحد العقدين بمنزلة عين أخرى، بخلاف ما إذا
عوض بعض الموهوب عن الباقي وهو على حاله التي وقع عليها العقد؛ لأن بعض الموهوب
لا يكون مقصود الواهب، فإنَّ الإنسان لا يهب شيئاً ليسلم له بعضه عوضاً عن باقيه.
وقوله ((حق الرجوع ثابت شرعاً)) نعم، لكن الرجوع في الهبة ليس بواجب، فلا يمتنع
وقوعه عن جهة أخرى؛ كما لو باعه منه.
ولو وهب له شيئاً وتصدق عليه بشيء، فعوضه الصدقة من الهبة، كانت عوضاً بالإجماع
على اختلاف الأصلين.
أما على أصل أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - فلا يشكل؛ لأنهما لو ملكًا بعقدين
متفقين لجاز أن يكون أحدهما عوضاً عن الآخر، فعند اختلاف العقدين أَوْلَى.
وأما على أصل أبي يوسف - رحمه الله - فلأن الصدقة لا يثبت فيها حق الرجوع،
فوقعت موقع العوض.
والثالث: سلامة العوض/ للواهب، فإن لم يسلم بأن استحق من يده، لم يكن عوضاً، ١٩٥/٣ب
وله أن يرجع في الهبة؛ لأن بالاستحقاق تبين أن التعويض لم يصح؛ فكأنه لم يعوض أصلاً،
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: عين.

١٢٦
كتاب الهبة
فله أن يرجع إن كان الموهوب قائماً بعينه لم يهلك، ولم يزدد خيراً ولم يحدث فيه ما يمنع
الرجوع، فإن كان قد هلك أو استهلكه الموهوب له لم يضمنه، كما لو هلك أو استهلكه قبل
التعويض، وكذا إذا ازداد خيراً لم يضمن كما قبل التعويض.
وإن استحق بعض العوض وبقي البعض، فالباقي عوضٌ عن كُلِ الموهوب، وَإن شاء رد
ما بقي من العوض، ويرجع في كل الموهوب إن كان قائماً في يده ولم يحدث فيه ما يمنع
الرجوع، وهذا قول أصحابنا الثلاثة .
وقال زفر: يرجع في الهبة بقدر المستحق من العوض.
وجه قوله إن معنى المعاوضة ثبت من الجانبين جميعاً، فكما أن الثاني عوض عن
الأول، فالأول يصير عوضاً عن الثاني، ثم لو استحق بعض الهبة الأولى كان للموهوب له أن
يرجع في بعض العوض، فكذا إذا استحق بعض العوض، كان للواهب أن يرجع في بعض
الهبة تحقيقاً للمعاوضة.
ولنا: أن الباقي يصلح عوضاً عن كل الهبة؛ ألا ترى أنه لو لم يعوضه إلا به في الابتداء
كان عوضاً مانعاً عن الرجوع؛ فكذا في [حالة البقاء]؛ لأن البقاء أسهل، إلاَّ أن للواهب أن
يرده ويرجع في الهبة؛ لأن الموهوبَ له غرَّه؛ حيث عوضه لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له،
فیثبت له الخيار.
وأما سلامة المعوض وهو الموهوب للموهوب له، فشرطه لزوم التعويض؛ حتى لو
استحق الموهوب كان(١) [للموهوب](٢) له أن يرجع فيما عوض؛ لأنه إنما عوض ليسقط / حق
الرجوع في الهبة، فإذا استحق الموهوب تَبَيَّن أن حق الرجوع لم يكن ثابتاً، فصار كمن صالح
عن دين ثم تبين أنه لا دين عليه؛ وكذلك لو استحق نصف الموهوب، فللموهوب له أن يرجع
في نصف العوض إن كان الموهوب مما يحتمل القسمة؛ لأنه إنما جعل عوضاً عن حق الرجوع
في جميع الهبة، فإذا لم يسلم له بعضه يرجع في العوض بقدره، سواء زاد العوض أو نقص في
السعر، أو زاد في البدن أو نقص في البدن، كان له أن يأخذ نصفه ونصف النقصان؛ كذا روي
عن محمد في ((الإملاء)).
وإنما لم تمنع الزيادة عن الرجوع في العوض لأنه تبين له أنه قبضه بغير حق، فصار
كالمقبوض بعقد فاسد، فيثبت الفسخ في الزوائد، وإن قال الموهوب له: أرد ما بقي من الهبة،
(١) في ط: حالة الانتهاء بل أولى.
(٢) سقط من ط.

١٢٧
كتاب الهبة
وأرجع في العوض كله - لم يكن له ذلك؛ لأن العوض لم يكن مشروطاً في العقد، بل هو
متأخرٌ عنه، والعوض المتأخر ليس بعوض عن العين حقيقة، بل هو لإسقاط الرجوع، وقد
حصل له سقوط الرجوع فيما بقي من الهبة، فلم يكن له أن يرجع في الهبة(١)، فإن كان
العوض مستهلكاً ضمن قابض العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له فيه من العوض،
وإن استحق كل الهبة والعوض مستهلك، يضمن كل قيمة العوض.
كذا ذكر في الأصل من غير خلاف، وهو إحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي
حنيفة - رحمهم الله، وروى بشر روايةً أخرى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يضمن
شيئاً، وهو قول أبي يوسف.
وجه رواية الأصل أن القبض في العوض ما وقع مجاناً، وإنما وقع مبطلاً حق الرجوع
في الأول، فَإنْ لم يسلم المقصود منه بقي القبض مضموناً، فكما يرجع بعينه لو كان قائماً،
يرجع بقيمته إذا هلك.
وجه الرواية الأخرى أن العوض المتأخر عن العقد في حكم الهبة المبتدأة حتى يشترط
فيه شرائط الهبة؛ من القبض، والحيازة، والموهوب غير مضمون بالهلاك، هذا إذا كان
الموهوب أو العوض شيئاً لا يحتمل القسمة، فاستحق بعضه.
فأما إذا كان مما يحتمل القسمة، فاستحق بعض أحدهما؛ بطل العوض إن كان هو
المستحق، وكذا تبطل الهبة إن كانت هي المستحقة، فإذا بطل العوض رجع في الهبة، وإذا
بطلت الهبة يرجع في العوض؛ لأن بالاستحقاق تبين أن الهبة أو التعويض وقع في مشاع
يحتمل القسمة، وذلك باطلٌ . (٢)
(١) في ط: العوص.
(٢). قال ابن قدامة: وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة:
أحدها، أن تكون باقيةً في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه، ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك،
لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إيطالٌ لملك غير الوالد. وإن عادت إليه بسبب جديد، كبيع أو هبة أو وصية
أو إرث ونحو ذلك، لم يملك الرجوع فيها؛ لأنها عادت بمِلْكِ جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلا يملك
فسخه وإزالته، كالذي لم يكن موهوباً له. وإن عادت إليه بفسخ البيع، لعيب أو إقالة أو فلس المشتري،
ففيه وجهان؛ أحدهما، يملك الرجوع؛ لأن السبب المزيل ارتفع، وعاد المِلك بالسبب الأول، فأشبه ما
لو فسخ البيع بخيار المجلس أو خيار الشرط. والثاني، لا يملك الرجوع؛ لأن الملك عاد إليه بعد
استقرار ملك من انتقل إليه عليه، فأشبه ما لو عاد إليه بهبة. فأما إن عاد إليه للفسخ بخيار الشرط، أو
خيار المجلس، فله الرجوع؛ لأن الملك لم يستقر عليه.
الثاني، أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف في رقبتها، فإن استولد الأمة، لم
يملك الأب الرجوع فيها؛ لأن الملك فيها لا يجوز نقله إلى غير سيدها. وإن رهن العين، أو أفلس =
1

١٢٨
كتاب الهبة
وحجر عليه، لم يملك الأب الرجوع فيها؛ لأن في ذلك إبطالاً لحق غير الولد. فإن زال المانع من
=
التصرف، فله الرجوع؛ لأن ملك الابن لم يزل، وإنما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك، فمنع
الرجوع، فإذا زالَ [زال] المنع، والكتابة كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب. وهو مذهب الشافعي
وجماعة سواه. فأما من أجاز بيع المكاتب، فحكمه حكم المستأجر والمزوج. وأما التدبير، فالصحيح أنه
لا يمنع البيع، فلا يمنع الرجوع. وإن قلنا: يمنع البيع. منع الرجوع. وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف
في الرقبة، كالوصية والهبة قبل القبض فيما يفتقر إليه، والوطء والتزويج والإجارة والكتابة والتدبير، إن
قلنا: لا يمنع البيع، والمزارعة عليها، وجعلها مضاربة، أو في عقد شركة، فكل ذلك لا يمنع الرجوع؛
لأنه لا يمنع تصرف الابن في رقبتها، وكذلك العتق المعلق على صفة. وإذا رجع وكان التصرف لازماً،
كالإجارة والتزويج والكتابة، فهو باقٍ بحاله؛ لأن الابن لا يملك إبطاله، فكذلك من انتقل إليه. وإن كان
جائزاً، كالوصية والهبة قبل القبض، بطل؛ لأن الابن يملك إبطاله. وأما التدبير والعتق المعلق بصفة، فلا
يبقى حكمهما في حق الأب، ومتى عاد إلى الإبن، عاد حكمهما. فأما البيع الذي للابن فيه خيار، إما
لشرط، أو عيب في الثمن، أو غير ذلك، فيمنع الرجوع؛ لأن الرجوع يتضمن فسخ ملك الابن في عوض
المبيع، ولم يثبت له ذلك من جهته. وإن وهبه الابن لابنه، لم يملك الرجوع فيه؛ لأن رجوعه إبطال
الملك غير ابنه. فإن رجع الابن في هبته، احتمل أن يملك الأب الرجوع في هبته حينئذٍ؛ لأنه فسخ هبته
برجوعه، فعاد إليه الملك بالسبب الأول. ويحتمل أن لا يملك الأب الرجوع؛ لأنه رجع إلى ابنه بعد
استقرار ملك غيره عليه، فأشبه ما لو وهبه ابن الابن لأبيه .
الثالث، أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره، مثل أن يهب ولده شيئاً فيرغب
الناس في معاملته، وأدانوه ديوناً، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن كان ذكراً، أو تزوجت الأنثى لذلك،
فعن أحمد روايتان؛ أولاهما، ليس له الرجوع. قال أحمد، في رواية أبي الحارث، في الرجل يهب لابنه
مالاً: فله الرجوع، إلا أن يكون غرَّ به به قوماً، فإن غرَّ به، فليس له أن يرجع فيها. وهذا مذهب مالك؛
لأنه تعلق به حق غير الابن، ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال عليه السلام: ((لاَ ضَرَرَ ولاَ ضِرَارَ)). وفي
الرجوع ضرر، ولأن في هذا تحيلاً على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك. والثانية،
له الرجوع؛ لعموم الخبر، ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال، فلم يمنع الرجوع فيه .
الرابع، أن لا تزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر وتعلم صنعة. فإن زادت، فعن أحمد روايتان؛
إحداهما، لا تمنع الرجوع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع، كالزياة
قبل القبض، والمنفصلة والثانية، تمنع. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء
ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها، امتنع
الرجوع في الأصل، لئلا يفضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص، لأنه استرجاع للمال بفسخ عقد
لغير عيب في عوضه، فمنعه الزيادة المتصلة، كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح، أو نصفه بالطلاق، أو
رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري. ويفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشتري، وقد رضي
ببدل الزيادة. وإن فرض الكلام فيما إذا باع عرضاً بعرضٍ، فزاد أحدهما، ووجد المشتري الآخر به عيباً،
قلنا: بائع المعيب سلط مشتريه على الفسخ، ببيعه المعيب، فكأنَّ الفسخ وجد منه. ولهذا قلنا، فيما إذا
فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكاح لعيب المرأة قبل الدخول: لا صداق لها، كما لو فسخته. وعلى هذا لا فرق بين =

١٢٩
كتاب الهبة
1
الثاني / بيان ماهيته، فالتعويض المتأخر عن الهبة هبة مبتدأة بلا خلافٍ من أصحابنا، ١١٩٦/٣
يصح بما تصح به الهبة، ويبطل بما تبطل به الهبة، لا يخالفها إلا في إسقاط الرجوع؛ على
معنى أنه يثبت حق الرجوع في الأولى، ولا يثبت في الثانية، فأما فيما وراء ذلك فهو في حكم
هبة مبتدأة؛ لأنه تَبَرُّعْ بتمليك العين للحال، وهذا معنى الهبة إلا أنه تبرع به ليسقط حق الرجوع
عن نفسه في الهبة الأولى، فكانت هبة مبتدأة مسقطة لحق الرجوع في الهبة الأولى.
ولو وجد الموهوب له بالموهوب عيباً فاحشاً، لم يكن له أن يرده ويرجع في العوض؛
وكذلك الواهب إذا وجد بالعوض عيباً لم يكن له أن يرد العوض ويرجع في الهبة؛ لأن الرد
بالعيب من خواص المعاوضات، والعوض إذا لم يكن مشروطاً في العقد لم يكن عوضاً على
الحقيقة، بل كان هبة مبتدأة ولا يظهر معنى العوض فيه إلاَّ في إسقاط الرجوع خاصَّةً، فإذا
قبض الواهب العوض فليس لكلِّ واحد منهما أَنْ يَرْجِعَ على صاحبه فيما ملكه.
أَما الواهب فلأنه قد سلم له العوض عن الهبة، وأنه يمنع الرجوع، وأما الموهوب له
فلأنه قد سلم له ما هو في معنى العوض في حقه،؛ وهو سقوط حق الرجوع، فيمنعه من
الرجوع؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - ((الوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِيَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا))، وسواء عوضه
الموهوب له، أو أجنبي بأمر الموهوب له، أو بغير أمره - لم يكن للواهب أن يرجع في هبته،
ولا للمعوض أن يرجع في العوض على الواهب، ولا على الموهوب له.
أما الواهب فإنما لم يرجع في هبته، لأن الأجنبي إنما عوض بأمر الموهوب له قام
تعويضه مقام تعويضه بنفسه، ولو عوض بنفسه لم يرجع؛ فكذا إذا عوض الأجنبي بأمره، وإن
عوض بغير أمره فَقَدْ تَبَرَّعَ بإسقاط الحق عنه، والتبرعُ بإسقاط الحق عن الغير جائز؛ كما لو
تبرع بمخالعة امرأة من زوجها.
الزيادة في العين، كالسمن والطول ونحوهما، أو في المعاني، كتعلم صنعةٍ أو كتابةٍ أو قرآنٍ أو علم، أو
=
إسلام، أو قضاء دين عنه. وبهذا قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: الزيادة بتعليم القرآن وقضاء
الدينَ عنه، لا تمنع الرجوع. ولنا، أنها زيادةٌ لها مقابلٌ من الثمن، فمنعت الرجوع، كالسمن وتعلم
الصنعة. وإن زاد ببرئه من مرضٍ أو صمم، منع الرجوع، كسائر الزيادات، وإن كانت زيادة العين أو
التعلم لا تزيد في قيمته شيئاً، أو ينقص منّها، لم يمنع الرجوع؛ لأن ذلك ليس بزيادةٍ في المالية. وأما
الزيادة المنفصلة، كولد البهيمة، وثمرة الشجرة، وكسب العبد، فلا تمنع الرجوع بغير اختلاف نعلمه.
والزيادة للولد؛ لأنها حادثة في ملكه، ولا تتبع في الفسوخ، فلا تتبع ههنا. وذكر القاضي وجهاً آخر،
أنها للأبِ. وهو بعيدٌ، فإن كانت الزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه، منع الرجوع؛ لأنه يلزم
منه التفريق بينه وبين أمه، وذلك محرمٌ، إلاَّ أن نقول إن الزيادة المنفصلة للأَب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنَّه
يرجع فيهما جَمِيعاً، أو يرجع في الأم، ويتملك الولد من مال ولده.
ينظر المغني ٢٦٤/٨ - ٢٦٧.
بدائع الصنائع ج ٨ - م٩

١٣٠
كتاب الهبة
وأما المعوض فإنه لا يرجع على الواهب؛ لأن مقصوده من التعويض سلامة الموهوب
للموهوب له وإسقاط حق التبرع(١)، وقد سلم له ذلك، وإنما لم يرجع على الموهوب له.
أما إذا كان بغير أمره؛ فلأنه تَبرع بإسقاط الحق عنه، فلا يملك أن يجعل ذلك مضموناً
علیه،
وأما إذا عوض بأمره لا يرجع عليه أيضاً، إلاَّ إذا قال له عوض عني على أني ضامن؛
لأنه إذا أمره بالتعويض ولم يضمن له فقد أمره بما ليس بواجب عليه، بل هو متبرعٌ به، فلم
يوجب ذلك الضمان على الآمر إلا بشرط الضمان.
وعلى هذا قالوا فيمن قال لغيره: أطعم عن كفارة يميني، أو أَدِّ زكاتي، ففعل، لا يرجع
بذلك على الآمر إلاَّ أن يقول له: على أني ضامن؛ لأنه أمره بما ليس بمضمون عليه، بخلاف
ما إذا أمره غيره بقضاء الدين فقضاه؛ أنه يرجع على الآمر وإن لم يقل على أني ضامن نَصًّا؛
لأن قضاء الدين مضمون على الآمر، فإذا أمره به فقد ضمن له.
ولو عوض الموهوب له الواهب عن نصف الهبة، كان عوضاً عن نصفها، وكان للواهب
أن يرجع في النصف الآخر ولا يرجع فيما عوض عنه؛ لأن حق الرجوع في الهبة مما يتجزأ.
ألا ترى أنه لو رجع في نصف الهبة ابتداء دون النصف، جاز، فجاز أن يثبت حق
الرجوع في النصف بدون النصف؛ بخلاف العفو عن القصاص والطلاق؛ لأن ذلك مما لا
يتجزأ، فكان إسقاط الحق عن البعض إسقاطاً عن الكل.
وَأما العوض المشروط في العقد، فَإن قال: وهبت لك هذا الشيء على أن تعوض هذا
الثوب، فقد اختلف في ماهية هذا العقد، قال أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم - أن عقده عقد
هبة، وجوازه جواز بيع، وربما عبروا أنه هبة ابتداءً بيعٌ انتهاء؛ حتى لا يجوز في المشاع الذي
ينقسم، ولا يثبت الملك في كل واحد منهما قبل القبض، ولكل واحد منهما أن يرجع في
سلعته ما لم يقبضًا؛ وكذا إذا قبض أحدهما ولم يقبض الآخر، فلكل واحد منهما أن يرجع،
القابض وغير القابض فيه سواء، حتى يتقابضا جميعاً، ولو تقابضا كان ذلك بمنزلة البيع، يرد
١٩٦/٣ ب كل واحد منهما بالعيب وعدم الرؤية، ويرجع/ في الاستحقاق، وتجب الشفعة إذا كان غير
منقول .
وقال زفر - رحمه الله -: عقدُهُ عقدُ بيع، وجوازه جواز بيع ابتداء وانتهاءً، وتثبت فيه
أحكام البيع، فلا يبطل بالشيوع، ويفيد الملك بنفسه من غير شريطة القبض، ولا يملكان
الرجوع.
(١) في أ: الرجوع.
٠٠

١٣١
كتاب الهبة
وجه قوله إن معنى البيع موجود في هذا العقد؛ لأن البيع تمليك العين بعوض وقد
وجد، إلا أنه اختلفت العبارة، واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم، كلفظ البيع مع لفظ
التمليك .
ولنا: أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة ومعنى البيع، فيعطى شبه العقدين، فيعتبر فيه
القبض والحيازة عملاً بشبه الهبة، ويثبت فيه حق الرد بالعيب وعدم الرؤية وحق الشفعة؛ عملاً
بشبه البيع؛ عملاً بالدليلين بقدر الإمكان، والله عزَّ وجلَّ - أعلم.
ومنها ما هو في معنى العوض وهو ثلاثة أنواع:
الأول: صلة الرحم المحرم، فلا رجوع في الهبة لذي رحم محرم من الواهب؛ وهذا
عندنا .
وقال الشافعي - رحمه الله -: يرجع الوالد فيما يهب لولده؛ احتجَّ بما روينا عَنِ النبيِّ
عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لاَ يَحِلُّ لَوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فَي هِبَتِهِ إِلاَّ الوَالِدَ فَيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ))
وهذا نَصِّ في الباب.
ولنا: ما روينا عنْ رَسُولِ اللهِ - رََّ - أنه قال: ((الوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا [لَمْ](١) يُثَبْ
مِنْهَا))أي: لم يعوض، وصلة الرحم عوضٌ معنى؛ لأن التواصل سبب التناصر(٢) والتعاون في
الدنيا، فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة (٣) وسبب الثواب في الدار الآخرة، فكان أقوى من
المال، وقد روي عَنْ رسول الله - رَ له - أنه قال: ((اتقُوا الله وَصِلُوا الأَرْحَامِ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي
الدُّنْيَا وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ))(٤) فدخل تحت النص.
وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه
صدقه؛ فإنه لا يرجع فيها، وهذا نص في الباب.
والحديث محمولٌ على النهي عن شراء الموهوب؛ لكنه سماه رجوعاً مجازاً؛ لتصوره
بصورة الرجوع، كما روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - تصدق بفرس له على رجل، ثم
وجده يباع في السوق فأراد أن يشتريه، فَسَأَلَ رَسُولَ وََّ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ
وسيدنا عمر - رضي الله عنه - قصد الشراء لا العود في الصدقة، لكن سماه عوداً؛ لتصوره
(١) سقط من ط ..
(٢) في أ: التظاهر.
(٣) في أ: النفس.
(٤) ذكره الهندي في كنز العمال (٣٥٦/٣)، وعزاه إل عبد بن حميد وابن جرير في تفسيرهما عن قتادة
مرسلاً.
وكذا السيوطي في الدر المنثور (١٠٧/٤)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

١٣٢
كتاب الهبة
بصورة العود، وهو نهي ندب؛ لأن الموهوب له يستحي فيسامحه في ثمنه، فيصير كالراجع في
بعضه، والرجوعُ مكروه، وهذا المعنى لا يوجد في هبة الوالد لولده؛ لأن الولد لا يستحي عن
المضايقة [في استيفاء الثمن](١) لمباسطة بينهما عادةً، فلم يكره الشراء، حملناه على هذا توفيقاً
بين الدليلين؛ صيانةً لهما عن التناقض.
ولو وهب لذي رحم [غير] (٢) محرم فله أن يرجع؛ لقصور معنى الصلة في هذه القرابة،
فلا يكون في معنى العوض؛ وكذا إذا وهب لذي محرم لا رحم له؛ لانعدام معنى الصلة
أصلاً .
ولو وهب لعبد ذي رحم ومولاه أجنبياً، فإما إن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب
والعبد أجنبياً، وإما إن كان المولى والعبد جميعاً ذوي رحم من الواهبَ، فإن كان العبد ذا
رحم محرم من الواهب والمولى أجنبياً، فله أن يرجع بلا خلافٍ بين أصحابنا؛ لأن حكم العقد
يقع للمولى، وإنما الواقع للعبد صورة العقد بلا حكم، وأنه لا يفيد معنى الصلة(٣)، فانعدم
معنى العوض أصلاً.
وَإن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب والعبد أجنبياً اختلفوا فيه؛ قال أبو حنيفة -
رضي الله عنه : - يرجع، وقال أبو يوسف ومحمدٌ - رحمهما الله -: لا يرجع.
وجه قولهما إن بطلان حق الرجوع بحصول الصلة؛ لأنها في معنى العوض على ما بينا،
ومعنى الصلة إنما يتحقق لوقوع الحكم للقريب، والحكم وقع للمولى، فصار كأن الواهب
أوجب الهبة له ابتداء، وأنه يمنع الرجوع؛ كذا هذا.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك لم يثبت للمولى بالهبة؛ لأنها وقعت للعبد؛
ألا ترى أن القبض إليه لا إلى المولى، وإنما ثبت ضرورة تعدد الإثبات للعبد، فأقيم مقامه،
وإذا لم يثبت (٤) الملك له بالهبة لم يحصل معنى الصلة بالعقد، فلا يمنع الرجوع، مع ما أن
الملك يثبت له بالهبة، لكن الهبة وقعت للمولى / من وجه وللعبد من وجه؛ لأن الإيجاب
أضيف إلى العبد والملك وقع للمولى إذا لم يكن دين، فلم يتكامل معنى الصلة في الهبة،
فصارت كالهبة لذي رحم محرم، فإن كانا جميعاً ذا رحم محرم من الواهب، فقد ذكر الكرخي
عن محمد أن قياس قول أبي حنيفة أن يرجع؛ لأن قرابة العبد لا تؤثر في إسقاط الرجوع؛ لأن
١١٩٧/٣
(١) في ط: في الثمن لاستيفاء الثمن.
(٢) سقط من ط.
(٣) في ط: العلة.
(٤) في ط: ثبت.

١٣٣
كتاب الهبة
الملك لم يقع له، وقرابة المولى أيضاً لا تؤثر فيه؛ لأن الإيجاب لم يقع له، وحق الرجوع هو
الأصل في الهبة؛ والامتناع معارض المسقط، ولم يوجد، فلا يسقط .
وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه ليس له أن يرجع في هذه المسألة في قولهم؛ لأن
الهبة إما أن يعتبر فيها حال العبد، أو حال المولى، وأيهما كان فرحمة كاملة، والصلة الكاملة
تمنع الرجوع.
والجواب: أنه لا يعتبر لههنا حال العبد وحده ولا حال المولى وحده، بل يعتبر حالهما
جميعاً واعتبار حالهما لا يمنع الرجوع، والله - عَزَّ وجلَّ - أعلم.
وَعَلَى هذا التفريع إذا وهب لمكاتب شيئاً وهو ذو رحم محرم من الواهب أو مولاه ذو
رحم محرم من الواهب أنه إن أدى المكاتب فعتق يعتبر حاله في القرابة وعدمها، إن كان أجنبياً
يرجع، وإن كان قريباً لا يرجع؛ لأنه لما أدى فعتق استقر ملكه، فصار كأن الهبة وقعت له وهو
حُرٍّ، ولو كان كذلك يرجع إن كان أجنبياً، وإن كان قريباً لا يرجع؛ كذا هذا.
وَإن عجز ورد في الرق، فقياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يعتبر حال المولى في
القرابة وعدمها، إن كان أجنبياً فللواهب أن يرجع، وَإن كان قريباً فليس له أن يرجع؛ بِنَاءً على
أن الهبة عنده أوجبت ملكاً موقوفاً على المكاتب وعلى مولاه؛ على معنى أنه إن أدى فعتق تبين
أن الملك وقع له من حين وجوده، وإن عجز ورد في الرق يظهر أنه وقع للمولى من وقت
وجوده؛ كأن الهبة وقعت له من الابتداء، وعلى قول محمد لا يرجع في الأحوال كلها؛ لأن
عنده كسب المكاتب يكون المكاتب من غير توقف، ثم ينتقل إلى المولى بالعجز؛ كأنه وهب
لحي فمات وانتقل الموهوب إلى ورثته.
الثاني: الزوجيةُ، فلا يرجع كل واحد من الزوجين فيما وهبه لصاحبه؛ لأن صلة الزوجية
تجري مجرى صلة القرابة الكاملة، بدليل أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال، فلا يدخلها
حجبُ الحرمان، والقرابةُ الكاملة مانعةٌ من الرجوع؛ فكذا ما يجري مجراها.
الثالث: التوارثُ، فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها؛ لأن الهبة من الفقير صدقة؛
لأنه يطلب بها الثواب كالصدقة، ولا رجوع في الصدقة على الفقير بعد قبضها؛ لحصول
الثواب الذي هو في معنى العوض بوعد الله تعالى، وإن لم يكن عوضاً في الحقيقة؛ إذ العبد لا
يستحق على مولاه عوضاً.
ولو تصدق على غني، فالقياس أن يكون له حق الرجوع؛ لأن التصدق على الغني يطلب
منه العوض عادةً، فكان هبة في الحقيقة، فيوجب الرجوع، إلا أنهم استحسنوا وقالوا: ليس له
أن يرجع؛ لأن الثواب قد يطلب بالصدقة على الأغنياء.

١٣٤
کتاب الهبة
ألا ترى أن من له نصاب تجب فيه الزكاة وله عيالٌ لا يكفيه ما في يده، ففي الصدقة
عليه ثواب، وإذا كان الثواب مطلوباً من ذلك في الجملة، فإذا أتى بلفظة الصدقة دَلَّ أنه أراد به
الثواب، وأنه يمنع الرجوع؛ لما بينا.
وأما الشيوع فنقول: لا يمنع الرجوع في الهبة، فللواهب أن يرجع في نصف الهبة
مشاعاً، وَإن كان محتملاً للقسمة؛ بأن وهب داراً فباع الموهوب له نصفها مشاعاً، كان للواهب
أن يرجع في الباقي؛ وكذا لو لم يبع نصفها وهي قائمة في يد الموهوب له، فله أن يرجع في
بعضها دون البعض؛ بخلاف الهبة المستقبلة أنها لا تجوز في المشاع الذي يحتمل القسمة؛ لأن
القبض شرط جواز العقد، والشياع يخل في القبض الممكن من التصرف، والرجوع فسخ،
والقبض ليس بشرط لجواز الفسخ، فلا يكون الشيوع مانعاً من الرجوع.
١٩٧/٣ب
وأما بيانُ ماهيةُ الرجوع وحكمه/ شرعاً، فنقولُ وبالله التوفيق: لا خلاف في أن الرجوعَ
في الهبة بقضاء القاضي فسخَ، واختلف في الرجوع فيها بالتراضي، فمسائل أصحابنا تدلّ على
أنه فسخ أيضاً؛ كالرجوع بالقضاء، فإنهم قالوا: يصح الرجوع في المشاع الذي يحتمل القسمة،
ولو كان هبة مبتدأة لم يصح مع الشياع؛ وكذا لا تقف صحته على القبض.
ولو كانت هبة مبتدأة لوقف صحته على القبض وكذا لو وهب لإنسان شيئاً ووهبه
الموهوبُ له لآخر، ثم رجع الثاني في هبته، كان للأول أن يرجع، ولو كان هبة مبتدأة لم يكن
له حق الرجوع، فهذه المسائل تَدُلِّ على أن الرجوع بغير قضاء فسخٌ، وقال زفر: إنه هبةٌ
مبتدأة .
وجه قوله إن ملك الموهوب عَاد إلى الواهب بتراضيهما، فأشبه الرد بالعيب، فيعتبر عقداً
جديداً في حَق ثالث؛ كالرد بالعيب بعد القبض، والدليل على أنه هبة مبتدأة ما ذكر محمد في
((كتاب الهبة)): إن الموهوبَ له إذا رد الهبة في مرض موته أنها تكون من الثلث، وهذا حكم
الهبة المبتدأة.
وَلَنَا: إن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه، واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء
القاضي، والدليلُ على أنه مستوف حق نفسه بالفسخ أن الهبةَ عقدٌ جائزٌ موجبٌ حق الفسخ،
فكان بالفسخ مستوفياً ثابتاً له فلا يقف على القضاء؛ بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء
القاضي أنه يعتبر بيعاً جديداً في حق ثالث؛ لأنه لا حق للمشتري في الفسخ، وإنما حقه في
صفة السلامة، فإذا لم يسلم اختل رضاه، فيثبت حق الفسخ ضرورة، فتوقف لزوم موجب(١)
الفسخ في حق ثالث على قضاء القاضي.
(١) في أ: حق.

١٣٥
كتاب الهبة
وأما ما ذكره محمدٌ؛ فمن أصحابنا من التزم وقال: هذا يَدُلُّ على أن الرجوع بغير قضاءٍ
هبةٌ مبتدأة، وما ذكرنا من المسائل يدل على أنه(١) فسخ، فكان في المسألة روايتان، ومنهم من
قال: هذا لا يدل على اختلاف الروايتين؛ لأنه إنما اعتبر الرد من الثلث لكون المريض متهماً
في الرد في حق ورثته، فكان فسخاً فيما بين الواهب والموهوب له هبة مبتدأة في حق الورثة،
وهذا ليس بممتنع أن يكون للعقد الواحد حكمان مختلفان؛ كالإقالة، فإنها فسخ في حق
العاقدين، بيعٌ جديد في حق غيرهما، وإذا انفسخ العقد بالرجوع عاد الموهوب إلى قديم ملك
الواهب، ويملكه الواهب وإن لم يقبضه؛ لأن القبض إنما يعتبر في انتقال الملك لا في عود
قديم الملك؛ كالفسخ في باب البيع، والموهوب بعد الرجوع يكون أمانةً في يد الموهوب له،
حتى لو هلك في يده لا يضمن؛ لأن قبض الهبة قبض غير مضمون، فإذا انفسخ عندها بقي
القبض على ما كان قبل ذلك أمانة غير موجب للضمان، فلا يصير مضموناً عليه إلا بالتعدي
كسائر الأمانات.
ولو لم يتراضيا على الرجوع، ولا قضى القاضي به ولكن الموهوب له وَهَبَ الموهوب
للواهب، وقبله الواهب الأول - لا يملكه حتى يقبضه؛ وإذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي
أو بقضاء القاضي وليس للموهوب له أن يرجع فيه؛ وكذا الصدقة.
أما وقوف الملك فيه على القبض فلأن الموجود لفظ الهبة لا لفظ الفسخ، وملك الواهب
لا يزول إلاَّ بالقبض؛ بخلاف ما إذا تَرَاضَيًا على الرجوع أن الواهب يملكه بدون القبض؛ لأن
اتفاقهما على الرجوع اتفاقٌ على الفسخ، ولا يشترط للفسخ ما يشترط للعقد، ثم إذا قبضه
الواهب قام ذلك مقام الرجوع؛ لأن الرجوع مستحقٌ، فتقع الهبة عن الرجوع المستحق، ولا
تقع موقع الهبة المبتدأة، فلا يصح الرجوع فيها .
فصل في بيان ما يرفع عقد الهبة
وأما بيان ما يرفع عقد الهبة (٢)، فالذي يرفعُهُ هو الفسخ؛ إما بالإقالة أو الرجوع بقضاء
القاضي، أو التراضي على ما بينا، وَإذا انْفَسَخَ العقد يعودُ الموهوب إلى قديم ملك الواهب
بنفس الفسخ، من غير الحاجة إلى القبض؛ لما ذكرنا فيما تقدم.
(١) في ط: أنها.
(٢) في أ: حكم.

كِتَابُ الرَّهْنِ(١)
الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع:
(١) الرهن يطلق لُغَةً على العين المرهونة.
قال ابن سيده: الرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه يقال: رهنت فلاناً رهناً، وارتهنته
إذا أخذه رهناً، والرهينة - واحدة الرهائن - الرهن. والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى
المرهونة، فقيل: هو رهن بكذا، أو رهينة بكذا.
وفي الحديث: ((كل غُلاَم رهينة بعَقيقَةٍ)).
ومعناه: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها، وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المُزتهن.
قال الخطابي: تكلم الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه محمد بن حنبل، قال: هذا في
الشفاعة، يريد أنه إذا لم يَعُقَّ عنه، فمات طفلاً لم يشفع في والديه، أي: أن كل غلام محبوس، ومرهون
عن الشفاعة بسبب ترك العقيقة عنه .
وقيل: معناه أنه مرهون بأذى شَعَرِهِ، واستدلوا بقوله: ((فأمِيطُوا عنه الأذى)) وهو ما علق به من دم الرَّحم.
ورهنه الشيء يرهنه رهناً، ورهنه عنده، كلاهما بعلمه عنده رهناً، وَرهنه عنه جعله رهناً بدلاً منه.
قال الشاعر: [الكامل] :
ازْهَنْ بُنَيَّكَ عَنْهُمْ وَأَزْهَنْ بُنَّي
أي: أرهن أنا بنيَّ كما فعلت أنت.
ويطلق على الدوام والحبس.
قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب: هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس
عليك، وقوله تعالى: ﴿كل نفس بما كَسَبَتْ رهينةٌ﴾ و﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ أي: محتبس بعمله،
ورهينة محبوسة بكسبها.
وحديث: ﴿نفس المؤمن مرهونة بديْنِهِ حتى يقضى عنه﴾ أي: محبوسة عن مقامها الكريم.
قال الشاعر: [البسيط]
وَفَارَقْتَكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلقًا
شبه لُزُومَ قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وَجْدِهِ بِهَا، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيبقيه عنده، ولا
يفارقه، وكل شيء ثبت ودَامَ فقد رهن، ورهن لك الشيء. أقام ودام، وطعام راهن مقيم.
وأنشد الأعشى يصف قوماً يشربون خمراً لا تنقطع: [البسيط]
لاَ يَسْتَفِيقُونَ منها وَهْيَ رَاهِنَةٌ إِلاَّ بِهَاتٍ وَإِنْ عَلُّوَا وإن نَهَلُوا
ورهن الشيء رهناً دام وثبت، وراهنة في البيت ثابتة، ورهين والرهن اسمان.
١٣٦
=

١٣٧
کتاب الرهن
٠٠
انظر: لسان العرب: ١٧٥٧/٣ - ١٧٥٨، المصباح المنير: ٣٣٠/١، الصحاح: ٢١٢٨/٥، المغرب:
=
٣٥٦/١.
واصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون.
وعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفي منها عند تعذر وفائه.
وعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثقاً به من دین.
وعرفه الحنابلة بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفي من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم.
انظر: تكملة فتح القدير: ١٣٥/١٠، مجمع الأنهر: ٥٨٤/٢، حاشية الشرقاوي على شرح التحرير:
١٠٩/٢٠، مغني المحتاج: ١٢١/٢، حاشية الدسوقي: ٢٣١/٣، أسهل المدارك: ٢٦٦/٢، الإقناع من
فقه الحنابلة: ٢/ ١٥٠، المغني لان قدامة: ٣٦١/٤.
وحكمة المشروعية من الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام كفيلة بسعادة الناس في الدارين، ونظم العلاقات
تنظيماً بديعاً متقناً؛ كيلا يكون هناك مَجَالٌ للشقاق بين الأفراد والجماعات، فتبقى الروابط وثيقة بين
الجميع، لهذا وضع نِظَام المُبَادلات، ولم يَدعِ الناس لأهوائهم التي لا تقف عند حد، وأبان طُرُقَ التعامل
الصحيح الذي تترتب عليه آثاره.
ففي البيع مثلاً تستقر الملكية، ويسوغ التصرف، وَيُبَاحُ الانتفاع، وفي الإجارة يستحق المكتري المنفعة،
وفي الرهن يصير المرتهن أحق بالمرهون، ويصبح آمناً على ماله من الذهاب، فلا يخشى إفلاس مدينه،
أو جحوده، أو مطله، وإذا نظرنا نظرة ثاقبة في أحوال الناس، رأينا الذمم سريعة التغير، فكم من أمين
أصبح خائناً، ومن هادىء وادع قد ساءت أخلاقه، ومن عاقل قد غره تيار المدينة، وغلبت عليه المظاهر
الكاذبة؛ ولهذا نرى فُلاناً الغني بالأمس مُعْدَما قد أثقلته الديون، وعجز عن قضائها، فانتزعت أملاكه،
وبيعت في المزاد العلني، بل إن بعض الناس قد يحتال، فيستولي على بَضَائع من التجار، أو على مال
من بعض الناس مُدّعياً أنه من ذوي الثّراء، متظاهراً بمظهر كاذب خادع، ثم يتبين أنه محتال، لا يملك
نقيراً ولا قِطْميراً، والحوادث ماثلة أمام أعيننا، ينشر كل يوم في الصحف منها ما يعد بالعشرات، وهذا
مما يقلل الشفعة، ويحمل على قبض الأيدي عن البذل، لمن يدعي الحاجة، ويلج في الحصول على
شيء من النقود أو العروض، أو غير ذلك. ومن هنا نستطيع أن ندرك حِكْمَةَ الشّارع الحكيم في شرعه
الرهن، وما يماثله من طرق التوثق، كالكتابة والشهادة والضمان، ومن تأمل يرى أن المنفعة فيه مُزْدَوَجَةٌ،
وليست قاصرةً على المرتهن، بل يشاركه الراهن فيها أيضاً؛ إذ قد تدعوه الحاجة إلى مَدْ يده إلى الغير
مقترضاً، كأن تنفد مؤونة أهله، وليس عنده مال يشتري به طعاماً، ويمسك الناس عن معاملته، فلا
يقرضونه، أو يبيعونه إلى أجل، أو يمرض قريبه، فيحتاج إلى عرضه على الطبيب، أو شراء الدواء له،
فلا يجبر إلاَّ الرهن أو نحوه مُخَلْصاً له من حيرته، ومُيَسْراً لحاجته، لا سيما هذا الزمن الذي تغلبت فيه
المادة، وسيطرت على النفوس، وقلّت فيه المروءة، وذهبت النجدة، وساءت الظنون، وغاص الوفاء،
فلا يعتمد فيه على أقارب، ولا أصدقاء وحلَّت الخصومات محلّ الإخاء، ونسي الناس أو تناسوا أن الأمة
الإسلامية أسرة واحدة، بل حِسْمٌ واحد، إذا اشْتَكى منه عضو تَدَاعَى له سائر جسَدِهِ بالسهر والحمَّى،
وأنهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، فلولا الرهن وما شابهه من الوثائق، لمات الفقير جوعاً، ولم =

١٣٨
کتاب الرهن
في بيان ركن عقد الرهن.
وفي بيان شرائط الركن.
١١٩٨/٣
وفي/ بیان حكم الرهن.
وفي بيان ما يخرج به الرهن عن كونه مرهوناً، وما يبطل به الركن وما لا يبطل، وفي
بيان حكم اختلاف الراهن والمرتهن والعدل.
أَمَّا ركن عقد الرهن فهو الإيجاب والقبول(١)، وهو أن يقول الراهن: رهنتُك هذا الشيء
بما لك عليَّ من الدين، أو يقول هذا الشيء رهن بدينك، وما يجري هذا المجرى، ويقول
المرتهنُ: ارتهنت، أو قبلت، أو رضيت، وما يجري مجراه.
= ير من يمد إليه يد المعونة، ولظلّ المريض يعاني آلام المرض، فلا يجد من يضمد جُرْحَهُ، ويَنْتَشِلُهُ من
آلامه، ولقبض الميت، فما وجد أهله ما يكفنونه.
فنعمت الأحكام، ونعم المشرع، ولا غرو فإنها نعمة عظيمة، تيسّر الوصول إلى المال، أو القوت من
طرق مشروعة، فلولاها لاضطر أصحاب الفاقة إلى الربا، تحت تأثير الشدة التي يعانونها، أو إلى الانتحار
تخلصاً من حياة مليئة بالألم والشقاء، أو إلى السرقة أو الغصب إلى غير ذلك، مما يجرُّ على العالم
ويلاث، ويوقعه في كوارث، وينخر في عظام الأمة الإسلامية، فسبحانه من إله حكيم عالم بأصل الداء،
واصف له أنجع دواء.
على أن الراهن قد يرهن كرائم أمواله، ونفائسها التي تعز عليه؛ وتأبى نفسه بيعها، فينتهز أقرب الفرص
لإنقاذها، ويقلل من الكماليات؛ كيلاً يتحكّم فيه المرتهن، ويزهو عليه، ويفقده أعز ما يعده متعة لنفسه،
فيباع في الأسواق بثمن بخس.
هذا إذا كان ناضج الثّقْل، سليم التفكير لا يلهو بحاضره عن غده، ولست مبالغاً إذا قلت: إن الراهن هو
صاحب المنفعة الأصلية؛ لأن ينتفع بالمال حتى يحلّ وقت الأداء، وقد يكون حين الحصاد، أو جنى
القطن، أو نضج الثمار، فيستبدل العُسْرُ يُسْراً، والشدة رخاءً، فيستعيد ماله المرهون بعد الوفاء، فأي غبن
وقع عليه؟ وأي حيف لحقه؟ ألم يكن في الرهن محافظة على ماله من الفناء بأبخس الأثمان؟ لا سيما إذا
عرف المشتري أنه في حالة اضطرار؟ فقد يشتري منه المنزل الذي يساوي ألفاً بخمسمائة مثلاً على أكثر
تقدير، إذا تعين البيع وحده؛ لسدٌ رمقه، وانتشال أسرته مما هي فيه من بُؤْسٍ، أما المرتهن، فإنه أفاد
الطمأنينة على ماله فقط.
وبهذا يكون قد تحقّق معنى قوله عليه الصلاة والسلام: لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ)) وأنه الحالة الحاضرة التي
تدعو إلى الأسف، وتمزق الأحشاء، وتذبب القلوب، فتبيح للمرتهن الانتفاع بالمرهون بالإذن الجبري في
صورة الاختياري، أو فرض ربح رسمي على المائة ليست من الدين في قليل أو كثير، وهي مندرجة تحت
آیات، وأحادیث الرِّبًا.
(١) أو ما يقوم مقامهما من كتابة أو إشارة. وهذا قدر مشترك فيها اتفقت عليه المذاهب.

١٣٩
کتاب الرهن
فأما لفظ الرهن فليس بشرطٍ؛ حتى لو اشترى شيئاً بدراهم ودفع إلى البائع ثوباً، وقال
له: امسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن، فالثوب رهن؛ لأنه أتى بمعنى العقد، والعبرة في
باب العقود للمعاني(١) .
فصل في تفصيل الشرائط
وأما الشرائط فأنواعْ: بعضها يرجع إلى نفس الرهن، وبعضها يرجع إلى الراهن والمرتهن
وبعضها يرجع إلى المرهون، وبعضها يرجع إلى المرهون به.
أما الذي يَرْجِعُ إلى نفس الرهن فهو أن لا يكون معلقاً بشرط ولا مضافاً إلى وقت، لأن
في الرهن والارتهان معنى الإيفاء والاستيفاء، فيشبه البيع، وأنه لا يحتمل التعليق بشرط
والإضافة إلى وقت؛ كذ هذا.
وأما الذي يرجع إلى الراهن والمرتهن فعقلهما؛ حتى لا يجوز الرهن والارتهان من
المجنون والصبي الذي لا يعقل.
فأما البلوغُ: فليس بشرط؛ وكذا الحريةُ؛ حتى يجوز من الصبي المأذون والعبد المأذون؛
لأن ذلك من توابع التجارة، فيملكه من يملك التجارة(٢)؛ ولأن الرهن والارتهان من باب إيفاء
(١) وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الشافعي في وجه لهم إلى أنه لو حصل الرضى بمعاطاة جاز
بأن يدفع الراهن المرهون للمرتهن فيأخذه منه من غير تكلم ولا إشارة مع وجود ما يدل على أنه رهن.
والوجه الثاني لأصحاب الشافعي: أنه لا يجوز بالمعاطاة.
فإن تقدم الإيجاب على القبول - كما هو الشأن والوضع الطبعي كرهنت كذا بما لك علي فيقول قبلت
- صح بلا خلاف. وإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي كارتهنت منك كذا بديني عليك فيقول
رهنتك صح لأن لفظ الإيجاب والقبول صدرا منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما فصح كما
لو تقدم الإيجاب. وإن تقدم بلفظ الطلب فقال: أرهني ثوبك بما لي عليك فقال: رهنتك ففيه روايتان عن
أحمد. إحداهما الصحة وهو قول مالك والأظهر من قول الشافعي والثانية لا يصح وهو مقابل الأظهر عند
الشافعي إذ يجوز أن يكون الاستبانة الرغبة كلفظ الاستفهام مثل أن يقول أترهنني؟ فلم يكن قبولاً. فإن
تقدم بلفظ الاستفهام كأن يقول أترهنني؟ فيقول رهنتك لم يصح بلا خلاف.
فإذا رأينا الحنفية يجعلون ركن الصيغة فقط وما عداها مما ذكر شروطاً علمنا أنه مجرد اعتبار وخلاف
لفظي إذ لا بد من صدورها من راهن ومرتهن ويلزم ذلك أن يكون هناك مرهون ومرهون. ينظر الرحمن
لشيخنا حسن مصطفى.
(٢) شرط الحنفية والمالكية والحنابلة في رواية فيهما العقل فقط فأجازوا عقد الرهن وغيره من الصبي المميز
والسفيه المأذون لهما فإذا لم يكن الإذن سابقاً كان موقوفاً على إجازة وليهما.
زاد الشافعية البلوغ والرشد وأهلية التبرع فلم يصح من الصبي والسفيه مطلقاً والوصي إلا لضرورة أو غبطة
وهذا الخلاف ليس خاصاً بالرهن بل عام في جميع أبواب المعاملات.
=

١٤٠
كتاب الرهن
الدين واستيفائه، وهما يملكان ذلك وكذا السفر ليس بشرط؛ لجواز الرهن؛ فيجوز الرهن في
السفر والحضر جميعاً(١)؛ لما روي أن رسولَ الله - رَله - استقرض بالمدينةِ من يهودي طعاماً
استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم
=
أموالهم﴾ .
إذ معناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم وإنما يتحقق ذلك بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء والرهن
وغير ذلك ليعلم هل تغيروا أو لا. يرد على هذا الدليل أن الاختبار لا يتوقف على تفويض التصرف بل
يكفي فيه أن يفوض الولي إليه تدبير العقد والأخذ والرد فإذا ما انتهى الأمر إلى العقد تولاه الولي.
على أن الآية قد جعلت إعطاء المال بعد إيناس الرشد إذ هو معلق عليه وما ذكروه يخالفه.
عاقل مميز محجور عليه فيصح تصرفه بإذن وليه كالعبد.
وقيس السفيه على الصبي المميز إذ الحجر على الصبي أعلا من الحجر عليه فههنا أولى بالصحة. وبأنه لو
منع تصرفه بالإذن لم يكن هناك طريق إلى معرفة رشده واختباره وبأنه عقد معاوضة فملكه بالإذن كالنكاح
أي البيع وكذا الرهن.
في هذه الأدلة الثلاثة بحث إذ هي مقابلة للنص: الآية: ﴿وابتلوا الخ﴾ والحديث ((رفع القلم الخ)) فتكون
باطلة وسيظهر التقابل قريباً واتضح أن الاختبار لا يتوقف على تفويض التصرف والسفيه كالصبي وجه
الشافعية والحنابلة في الرواية المرجوحة بما روي عن صاحب الرسالة وتقليهو: ((رفع القلم عن ثلاثة عن
الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)).
وجه الدلالة: أنه لو صح منه بيع أو رهن أو إجارة أو غير ذلك لزم منه وجوب التسليم على الصبي وقد
صرح الحديث بأن الصبي لا يجب عليه شيء وقيل: إن مقتضى الحديث سقوط أقواله وأفعاله.
وبأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصح التصرف لخفائه ونموه نمواً خفي التدريج فجعل
الشارع له ضابطاً وهو البلوغ فلا تثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة.
وبأنه تصرف في المال فلم يغوص إلى الصبي كحفظ المال.
والشقي لا يصح رهنه أو الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه فإذا أذن له فقد أذن فيما لا مصلحة فيه فلا
يصح كما لو أذن له في بيع ما يساوي عشرة بخمسة فكذلك إذا رهن.
والذي أرجحه اشتراط البلوغ والرشد في كل عاقد لما في ذلك من المحافظة على المال وقوة الأدلة. ينظر
الرهن لشيخنا حسن مصطفى.
(١) للعلماء في جواز الرهن في الحضر رأيان وأحدهما؛ الجواز وهو رأي الجمهور ((وثانيهما)) يرى المنع وهو
رأي مجاهد والضحاك وداود.
روي عن أنس رضي الله عنه قال: ((رهن رسول الله ◌َ # درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً
لأهله».
فالتصريح بالمدينة نص في جوازه في الحضر.
والحاجة قد تدعو إلى الاقتراض في حال قد تتعذر فيها الكتابة أو تشق.
فقد لا يوجد الكاتب أو أداة الكتابة وهذا هو المعنى الذي شرع من أجله الرهن وإنما علق على السفر لأنه
يغلب فيه ذلك فلا مفهوم له.
قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾.
1
=