Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب المضاربة
أبي حنيفة؛ لأن رَبَّ المال شرط النصف من نصيب نفسه والزيادة من نصيب المضارب،
وشرط الزيادة من غير عمل ولا رأس مال باطلٌ، فيكون الربح على قدر المال.
وفي قياس قولهما نصف الربح لرب المال خاصَّةً؛ لأن المضاربة فيه فاسدةٌ، وللمضارب
ثلث ربح النصف الآخر.
ومنها: تسليم رأس المال إلى المضارب(١)؛ لأنه أمانة، فلا يصح إلاَّ بالتسليم وهو
التخلية كالوديعة، ولا يصح مع بقاء يد الدافع على/ المال لعدم التسليم مع بقاء يده، حتى لو ١٢٦١/٢
شرط بقاء يد المالك على المال فسدتِ المضاربةً، لما قلنا.
فرق بين هذا وبين الشركة؛ فإنها تصحُّ مع بقاء يد رب المال على ماله، والفرقُ أن
(١) من جملة الشرائط أن يكون رأس مال المضاربة مسلماً إلى المضارب فقد ذهب الفقهاء المسلمون بما يشبه
الإجماع، إلى أن عقد المضاربة عقد عيني، يشترط فيه تسليم رأس المال إلى المضارب.
ويجب توافر هذا الشرط. لصحة عقد المضاربة؛ لأن رأس المال في المضاربة أمانة في يد المضارب،
وهذا يحتم وجوده تحت يد المضارب، ولا يتم ذلك إلا بالتسليم وهو تخلية يد رب المال عن رأس مال
المضارب كالوديعة. ومن ناحية أخرى فإن المضاربة تنعقد على مال من طرف وعمل من آخر، فلا تصح
المضاربة مع بقاء يد رب المال، على رأس مال، وكذلك لا تصح إذا أعطى رب المال المال إلى أمين
آخر غير المضارب.
ولأجل ذلك منعوا اشتراط عمل رب المال مع المضارب لأن ذلك يخل بالتسليم المشروط لصحة العقد،
وشرط عمل رب المال مع المضارب ينافي شرط التسليم، لأن ذلك يستهدف بقاء رأس المال تحت يد
المضارب، فيمتنع كونه مسلماً إلى المضارب. أما إذا عمل رب المال مع المضارب متبرعاً من غير
شرط، كأن يتعين به المضارب فلا يؤثر ذلك في صحة المضاربة.
إلا أن علماء المالكية فرقوا بين العمل القليل والكثير، فالثاني ممنوع يفسد المضاربة. أما الأول: لا يؤثر
في صحة المضاربة مثل أن يعينه في شراء سلعة، أو ينوب عنه في قبض دراهم قليلة مما يفعله إنسان
لصديقه .
ونقل عن الإمام أحمد، وابن قدامة، ومعظم فقهاء الحنابلة أن الرأي الراجح عندهم هو: جواز اشتراط
عمل رب المال مع المضارب، ولا يخل ذلك بصحة المضاربة.
والتسليم: إما أن يكون بالمناولة، أو بالتمكن من المال. فلو شرط المال أن يعمل مع المضارب، لا
تجوز المضاربة سواء كان المالك عاقلاً أو لا، كالأب والوصي، إذا دفع مال الصغير مضاربة، وشرط
عمل شريكه مع المضارب، لا تصح المضاربة.
وسواء كان المالك عاقداً أو غير عاقد، كالصغير، لأن يد المالك ثابتة له، وبقاء يده يمنع التسليم إلى
المضارب، ولأن يدهما على ما لهما بجهة الملك كالكبير، فبقاء يدهما يمنع كونه مسلماً إلى المضارب.
(الروضة جـ ٥ ص ١١٨، فتح العزيز جـ ١٢ ص ٩، ومغني المحتاج جـ ٢ ص ٣١١، والشرح الكبير جـ
٣ ص ٤٧٥، المدونة الكبرى جـ ١٢ ص ١١١، تبيين الحقائق جـ ٥ ص ٥٦.

٢٢
كتاب المضاربة
المضاربة انعقدت على رأس مالٍ من أحد الجانبين، وعلى العمل من الجانب الآخر، ولا
يتحقق العمل إلا بعد خروجه من يد رب المال، فكان هذا شرطاً موافقاً مقتضى العقد بخلاف
الشركة؛ لأنها انعقدت على العمل من الجانبين، فشرط زوال يد رب المال عن العمل(١)
يناقض مقتضى العقد، وكذا لو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة، سواء
عمل رب المال معه أو لم يعمل؛ لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال، وأنه شرط
فاسدٌ .
ولو سلم رأس المال إلى رب المال ولم يشترط عمله، ثم استعان به على العمل أو دفع
إليه المال بضاعة؛ جاز؛ لأن الاستعانة [به](٢) لا تُوجب خروج المال عن يده، وسواء كان
المالك عاقداً أو غير عاقدٍ، لا بد من زوال يد رب المال عن ماله؛ لتصح المضاربة، حتى أن
الأب أو الوصي إذا دفع مالَ الصغيرِ مضاربةً وشرط عمل الصغير، لم تصح المضاربة؛ لأن يد
الصغير باقية لبقاء ملكه، فتمنع التسليم؛ وكذلك أحد شريكي المفاوضة أو العنان إذا دفع مالاً
مضاربةً وشرط عمل شريكه مع المضارب؛ لأن لشريكه فيه ملكاً فيمنع التسليم.
فأما العاقد إذا لم يكن مالكاً للمال، فشرط أن يتصرف في المال مع المضارب، فإن كان
ممن يجوز أن يأخذ مال المالك مضاربة، لم تفسد المضاربة؛ كالأب والوصي إذا دفعا مال
الصغير مضاربة، وشرطا أن يعملا مع المضارب بجزءٍ من الربح؛ لأنهما لو أخذًا مال الصغير
مضاربة بأنفسهما، جاز، فكذا إِذا شرطا عملهما مع المضارب وصار كالأجنبيّ.
وَإن كان العاقد ممن لا يجوز أن يأخذ مال المالك مضاربة، فشرط عمله، فسد العقدُ؛
كالمأذون إذا دفع مالاً مضاربة وشرط عمله مع المضارب؛ لأن المأذون وإن لم يكنْ مالكاً رقبةً
المال فَيَدُ التصرفِ ثابتةٌ له عليه، فينزل منزلة المالك فيما يرجع إلى التصرف، فكان قيام يده
مانعاً من التسليم والقبض، فيمنع صحة المضاربة.
وإن شرط المأذون عمل مولاه مع المضارب ولا دين عليه، فالمضاربة فاسدةٌ؛ لأن
المولى هو المالك للمال حقيقةً، فإذا حصل المال في يده، فقد وجد يد المالك، فيمنع
التسليم، وإن كان عليه دين، فالمضاربة جائزةٌ في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، لأن المولى
لا يملك هذا المال، فصار كالأجنبيِّ.
وأما المكاتب إذا شرط عمل مولاه لم تفسد المضاربة، لأن المولى لا يملك إكساب
مکاتبه، وهو فيها كالأجنبي.
(١) في أ: المال.
(٢) سقط من ط.

٢٣
كتاب المضاربة
ولو دفع إلى إنسان مالاً مضاربة وَأَمَرَهُ أن يعمل برأيه، ودفعه المضارب الأول إلى آخر
مضاربة؛ على أن يعمل المضارب معه أو يعمل معه رب المال، فالمضاربة فاسدة؛ لأن اليد
للمضارب والملك للمولى، وكلُّ ذلك يمنع من التسليم.
وقد قالوا في المضارب إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث، فالمضاربة الثانية
فاسدة، والمضاربةُ الأولى على حالها جائزة، والربح بين رب المال وبين المضارب على ما
شرطا في المضاربة الأولى، ولا أجر لرب المال.
أما فسادُ المضاربة الثانية؛ فلأن يد رب المال يد ملك، ويد الملك مع يد المضارب لا
يجتمعان، فلا تصحُّ المضاربة الثانية وبقيت المضاربة الأولى على حالها، ولم يذكر القدوري
- رحمه الله - في ((شرحه مختصر الكرخي)) خلافاً، وذكر القاضي في ((شرحه مختصر
الطحاوي)) أنَّ هذا مذهب أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر - رحمه الله - تنفسخ المضاربة الأولى بدفع المال إلى رَبِّ المالِ والرد عليه
وجه قوله إن زوال يد رب المال شرط صحة المضاربة، فكانت إعادةُ يده إليه مفسدة لها.
وَلَنا أَنَّ رَبَّ المالِ يَصير معيناً للمضارب، والإعانة لا توجب إخراج مال عن يده، فيبقى
العقد الأول ولا أجر لرب المال؛ لأنه عمل في ملك نفسه، فلا يستحق الأجر، وأما الذي
يرجع إلى الربح فأنواعٌ:
منها إعلام مقدار الربح(١)؛ لأن المعقود عليه هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب
فساد العقد، ولو دفع إليه ألف درهم عن أنهما يشتركان في الربح، ولم يبين مقدار الربح؛ جاز
ذلك، والربح بينهما نصفان؛ لأنَّ الشركةَ تقتضي المساواة، قال الله - تعالى -، عزَّ شأنه:
﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، ولو قال: على أن للمضارب شركاً في الربح؛ جاز في قول أبي
یوسف، والربح بينهما نصفان.
(١) من جملة الشروط: أن يكون نصيب المضارب من الربح معلوماً وهذا الشرط مجمع عليه بين الفقهاء،
ولم يخالف فيه أحد، وذلك لأن عقد المضاربة، يوجب الشركة في الربح الذي قد يحصل من المضاربة
ولذلك فقد اتفق الفقهاء: على ضرورة اتفاق العاقدين على كيفية توزيع الربح بينهما، وأن ينص على ذلك
في العقد، وبناء عليه لا يصح أن يشترط لأحدهما دراهم معلومة معدودة من الربح على أي وضع قد
يؤدي إلى عدم الاشتراك في الربح، كأن يجعل ربح أحدهما ألف جنيه، والباقي للآخر، أو يجعل له
نصف الربح وزيادة مائة جنيه، فقد لا يزيد الربح على ما شرط لأحدهما من الجنيهات فيؤدي ذلك إلى
قطع الشركة في الربح، فتفسد المضاربة .
(تبيين الحقائق جـ ٥ ص ٥٤، فتح العزيز جـ ١٢ ص ٢١، ونهاية المحتاج جـ ٤ ص ١٦٦، الشرح الكبير
جـ ٣ ص ٤٧٢، المنتقى جـ ٥ ص ١٦٠، والمغني جـ ٥ ص ٣٤.

٢٤
كتاب المضاربة
وقال محمدٌ: المضاربةُ فاسدة.
وجه قول محمدٍ إن الشركة هي النصيب؛ قال الله - تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي
السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي: نصيب، وقال - تعالى -: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]،
أي: نصيب، فقد جعل له نصيباً من الربح، والنصيبُ مجهولٌ، فصار الربح مجهولاً .
وجه قول أبي يوسف أن الشّرْكَ بمعنى الشّرْكَة؛ يُقَال: شَرِكْتُهُ في هذا الأمرِ أَشْرَكُهُ شِرْكةً
وَشِركاً؛ قال القائل: [من الوافر]
وَشَارَكْنَا قُرَيْشاً فِي تُقَاهَا وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ (١)
ويذكر بمعنى النصيب أيضاً، لكن في الحمل على الشركة تصحيح للعقد، فيحمل عليها
[تصحيحاً](٢).
ومنها: أن يكون المشروط لكلِّ واحد منهما من المضارب ورب المال من الربح جزءاً
شائعاً؛ نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً، فإن شرطا عدداً مقدراً بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم
من الربح أو أقل أو أكثر والباقي للآخر؛ لا يجوز، والمضاربةُ فاسدة؛ لأن المضاربةَ نوعٌ من
الشركة؛ وهي الشركة في الربح، وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح؛ لجواز أن لا يربح
المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، فلا
يكون التصرف مضاربة .
وكذلك إِن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم، أو قالا: إلاَّ مائة
درهم؛ فإنه لا يجوز كما ذكرنا أنه شرط يقطع الشركة في الربح(٣)؛ لأنه إذا شرطا لأحدهما
النصف ومائة، فمن الجائز أن يكون الربحُ مائتين، فيكون كل الربح للمشروط له، وإِذا شرط
له النصف إلاَّ مائة، فمن الجائز أن يكون نصف الربح مائة، فلا يكون له شيء من الربح.
ولو شرطا في العقد أن تَكُونَ الوضيعة عليهما، بَطَلَ الشرطُ، والمضاربةُ صحيحة،
والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح
يوجب فساد العقد؛ لأن الربحَ هو المعقود عليه، وجهالةُ المعقودِ عليه تُوجب فساد العقد، وإِن
(١) تقدم.
(٢) سقط من ط.
(٣) وذلك لأن هذا الشرط يقطع الشركة في الربح، عسى ألا يربح إلا قدر ما شرط للمضارب من الربح، أو
أقل من ذلك (يستحق) المضارب جميع لك. (ولا يبقى) لرب المال شيء.
أما لو شرط للمضارب نصف الربح، أو ربح نصف المال، كانت المضاربة جائزة لاشتراط نصف ربح
المال شائعاً .

٢٥
كتاب المضاربة
كان لا يؤدي إلى جهالة الربح، يبطل الشرط، وتصح المضاربة، وشرط الوضيعة عليهما شرط
فاسدٌ؛ لأن الوضيعة جزء هالك من المال، فلا يكون إلاّ على رب المال، لا أنه يؤدي إلى
جهالة الربح فلا يؤثر في العقد فلا يفسد به العقد؛ ولأن هذا عقد يتوقف صحته على القبض،
فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجعُ إلى المعقود عليه؛ كالهبة والرهن، ولأنها وكالة والشرط
الفاسد لا يعمل في الوكالة(١) .
وذكر محمدٌ في المضاربة إذا قال ربُّ المال للمضارب: لك ثلثُ الربح وعشرة دراهم
في كلِّ شهر ما عملت في المضاربة، صحت المضاربة من الثلث، وبطل الشرط، وذكر في
المزارعة إذا دفع إليه أرضه بثلث الخارج، وجعل له عشرة دراهم في كل شهر، فالمزارعةُ
باطلةٌ .
مِن أصحابنا مَنْ قال في المسألة روايتان: روايةُ ((كتاب المزارعة)) تقتضي فسادّ المضاربة؛
لأن المشروط للمضارب من المشاهرة معقود عليه، وهو قطع عنه الشركة، وهذا يفسدُ
المضاربة .
وفي رواية ((كتاب المضاربة)) يقتضي أن تصح المضاربة؛ لأنه عقد على ربح معلوم، ثم
ألحق به شرطاً فاسداً، فيبطل الشرطُ وتصحُّ المضاربةُ، والصحيحُ هو الفرق بين المسألتين؛
لأن معنى الإِجازة في المزارعة أظهرُ منه في المضاربة، بدليل أنها لا تصحُّ إِلا بمدة معلومةٍ،
والمضاربة لا تفتقر صحتها إلى ذكر المدة، فالشرطُ الفاسد جاز أن يؤثر في المزارعة، ولا يؤثر
في المضاربة .
وعلى هذا الأصل قال محمدٌ فيمن دَفَعَ ألفاً مضاربةً على أن الربح بينهما نصفين، على
أن يدفع إليه ربُّ المال أرضَهُ لیزرعها سنة، أو داراً ليسكنها سنة، فالشرطُ باطلٌ، والمضاربة
صحيحة، لأنه ألحق بها شرطاً فاسداً لا يقتضيه، فبطل الشرط.
ولو كان المضارب هو الذي شرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة، أو يدفع
داره إلى رب المال ليسكنها سنة، فسدت المضاربة؛ لأن جعل نصف الربح عوضاً عن عمله
وعن أجرة الدار والأرض، فصارت حصةُ العملِ مجهولةً بالعقد (٢) فلم يصح العقد.
وروى المعلى عن أبي يوسف في رجل دفع مالاً إلى رجل مضاربةً؛ على أن يبيع في دار
رب المال، أو على أن يبيع في دار المضارب - كان جائزاً.
(١) ولأنه تصرف فيه بأمره فصار كالوكيل. ينظر: تنبيه الحقائق (٥٥/٥، ٥٦).
(٢) في ط: العقد.

٢٦
كتاب المضاربة
ولو شرطا أن يسكن المضارب دار ربِّ المال، أو رب المال دار المضارب، فهذا لا
يجوز؛ لأنه إذا شرط البيعٌ في أحد الدارين، فإنما خص البيع بمكان دون مكان، ولم يعقد
علىمنافع الدار، وإذا شرط للمضارب السكنى فقد جعل تلك المنفعة أجرة له، وأطلق أبو
يوسف أنه لا يجوز، ولم يذكر أنه لا يجوز الشرط أو لا تجوز المضاربة!
وذكر القدوريُّ - رحمه الله - أنه ينبغي أن يكون الفسادُ في الشرط لا في المضاربة.
ولو شرط جميع الربح للمضارب، فهو قرض عند أصحابنا، وعند الشافعي - رحمه الله -
هي مضاربة فاسدة، وله أجرة مثل ما إذا عمل، وجه قوله إن المضاربة عقدُ شركةٍ في الربح،
فشرط قطع الشركة فيها يكونُ شرطاً فاسداً.
ولنا: أنه إذا لم يمكن تصحيحها مضاربة تصحح قرضاً؛ لأنه أتى بمعنى القرض، والعبرة
في العقود لمعانيها، وعلى هذا إذا شرط جميع الربح لرب المال، فهو إيضاع عندنا؛ لوجود
معنى الإيضاع.
١٢٦٢/٢
فصل/ في بيان أحكام المضاربة
وأما بيانُ حكم المضاربة(١)، فالمضاربة لا تخلو إما أن تكون صحيحة أو فاسدة، ولكلٌ
واحدٍ منهما أحكامٌ، أما أحكام الصحيحة فكثيرةٌ؛ بعضها يرجع إلى حال المضارب في عقد
المضاربة، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب [ورب العمل](٢) ما لكل واحد منهما أن يعمله
وما ليس له أن يعمله، وبعضها(٣) يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل وما يستحقه رب
المال بالمال.
أما الذي يرجع إلى حال (٤) المضارب في عقد المضاربةِ فهو أن رأسَ المال قبل أن
يشتري المضارب به(٥) شيئاً أمانة في يده بمنزلةِ الوديعة؛ لأن قبضه بإذن المالك، لا على وجه
(١) وإنما سمينا هذه الأشياء حكم المضاربة؛ لأن حكم الشيء ما يثبت به، والذي يثبت المضاربة هذا.
ولذلك فإن مشايخنا رحمهم الله قالوا: إن المضاربة في ابتدائها إيداع، وعند الشروع في العمل وكالة،
فإذا ظهر الربح في الانتهاء يصير شركة، وإذا خالف المضارب يصير غصباً، وإذا فسدت صارت إجارة
فاسدة.
وتلك أحكام تنبني عليها، فيجب أن يراعى كل حكم منها في وقته وأوانه.
(٢) سقط من ط.
(٣) في ط: وبعضه.
(٤) في أ: جانب.
(٥) في أ: للمضاربة منه.

٢٧
كتاب المضاربة
البدل والوثيقة، فإذا اشترى به شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع؛ لأنه تصرف في مال
الغير بأمرٍهٍ، وهو معنى الوكيل، فيكون شراؤه على المعروف، وهو أن يكون بمثل قيمته أو بما
يتغابن الناس في مثله . كالوكيل بالشراء وبيعه على الاختلاف المعروف في الوكيل بالبيع
المطلق، ولو اشترى شراء فاسداً يملك إذا قبض لا يكون مخالفاً، ويكون الشراء(١) على
المضاربة، وكذا إذا باع شيئاً من مال المضاربة بيعاً فاسداً لا يصير مخالفاً ولا يضمن؛ لأن
المضاربة توكيل، والوكيلُ بالشراء والبيع مطلقاً يملك الصحيح والفاسد، فلا يصير مخالفاً، فإذا
ظهر في المال ربح، صار شريكاً فيه بقدر حصته من الربح؛ لأنه ملك جزءاً من المال
المشروط بعمله، والباقي لرب المال، لأنه نماء ماله، فإذا فسدت بوجه من الوجوه صار بمنزلة
الأجير لربِّ المال، فإذا خالف شرط رب المال، صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضموناً
عليه، ويكون ربحُ المالِ كله بعد ما صار مضموناً عليه - له؛ لأن الربح(٢) بالضمان لكنه لا
يطيب له في قول أبي حنيفة ومحمدٍ - رحمه الله ..
وعند أبي يوسف - رحمه الله - يطيب له، وهو على اختلافهم في الغاصب والمودع إذا
تصرَّفَا في المغصوب والوديعة وربحًا.
ولو أراد ربُّ المال أن يجعل المال مضموناً على المضارب، فالحيلةُ في ذلك أن يقرض
المالَ من المضارب، ويشهد عليه ويسلمه إليه، ثم يأخذ منه مضاربة بالنصف أو بالثلث، ثم
يدفعه إلى المستقرض فيستعين به في العمل، حتى لو هلك في يده كان القرضُ عليه، وإذا لم
يهلك وربح يكون الربح بينهما على الشرط(٣).
(١) في أ: المشتري.
(٢) في أ: الخراج.
(٣) والأجير عند الفساد له أجر مثله، أما الربح كله فيكون لرب المال، إلا في الوصي إذا أخذ مال الصغير
مضاربة، وشرط لنفسه عشرة دراهم فإنه لا أجر له إذا عمل، كذا في أحكام الصغار، ولا ضمان عليه إذا
فسدت بالهلاك من غير صنعه.
والأحكام (إيداع، وكالة، شركة) فهي أحكام صحة بلا شك.
أما الحكمان الغصب، أجير إذا فسدت المضاربة وصارت إجارة فاسدة، ففيهما خلل.
وذلك لأن مغني الإجارة، إنما يظهر إذا فسدت المضاربة. ومعنى الغصب، إنما يتحقق إذا خالف
المضارب، فكان متعدياً.
وكلا الأمرين ناقض لعقد المضاربة، مناف لصحتها، فكيف يصح: أن تجعل الإجارة والغصب حكماً من
أحكامها، وحكم الشيء ما يثبت به، والذي ثبت ثمناً فيه لا يثبت قطعاً.
لا يقال: إن الإجارة والغصب، وإن لم يصلحا أن يجعلا حكماً للمضاربة الصحيحة، إلا أنهما يصلحان
أن يجعلا حكماً للمضاربة الفاسدة، فمن أدرجهما في أحكام المضاربة، يريد بأحكامهما أحكام مطلق
المضاربة صحيحة كانت أم فاسدة، وذلك لأنا نقول لا شك أن ما ذكر في قرائنها من ركنها وشرطها
وغيرهما، إنما يراد به ما كان للمضاربة الصحيحة لا غير، ففي أحكامها لا بد أن يكون كذلك.

٢٨
كتاب المضاربة
وحيلةٌ أخرى أن يقرض رب المال جميع المال من المضارب إلا درهماً واحداً، ويسلمه
إليه ويشهد على ذلك، ثم إنهما يشتركان في ذلك شركة عنان؛ على أن يكون رأس مال
المقرض درهماً، ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض؛ على أن يعملا جميعاً وشرطا أن
يكون الربح بينهما، ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصَّة في المال، فإن هلك المال في يده،
كان القرضُ على حاله، ولو ربح كان الربحُ بينهما على الشرطِ.
وأما الذي يرجعُ إلى عمل المضارب مما له أن يعمله بالعقدٍ وما ليس له أن يعمل به:
فجملةُ الكلام فيه أن المضاربة نوعان: مطلقةُ، ومقيدة.
فالمطلقةُ أن يدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل، والمكان، والزمان، وصفة
العمل، وَمَنْ يعامله، والمقيدة أن يعين شيئاً من ذلك(١).
(١) المضاربة نوعان كما حكى المصنف عليه رحمة الله ((مطلقة)) - وذلك بأن تكون صيغة المضاربة مطلقة
عارية من كل قيد مفيد، أو قيداً يقيد حرمة المضارب، وغير مقيدة بسلعة معينة، أو بلد أو شخص، فإذا
كانت كذلك كانت مطلقة أو عامة.
والقيد المقيد، ما لم يكن مؤدياً إلى مخالفة مقتضى العقد من الاشتراك في الربح، والتخلية بين العامل
ورأس المال، وعدم التجهيل في ربح أحدهما، واعتبار العامل أميناً، وعدم التزامه بشيء من الخسارة، أو
التلف الذي لا يدل فيه، وعدم كفه عن التصرف المعتاد الذي يتطلبه عرف التجار والتجارة، وذلك لأنه
قد يربح في جهة من التصرف دون جهة، أو في نوع من الأنواع دون نوع فيطلق له الكل ليحصل له
غرضه، وهو تحصيل الربح، والتوكيل والإبضاع، والمسافرة من صنيعهم.
أما تصرف المضارب في كل واحد من النوعين فهو ينقسم إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: نوع يملكه المضارب بمطلق العقد، دون حاجة إلى إذن صريح من رب المال أو إلى قوله
اعمل برأيك، والتصرفات تعتبر من مقتضيات المضاربة وما يتفرع عنها، هي جميع ما يتناوله أعمال التجار
عادة، فللمضارب الحق في القيام بهذه التصرفات بمجرد إبرام العقد، فله أن يقوم بالبيع والشراء، ويملك
التوكيل فيها، وإن لم يؤذن بذلك صراحة، ويملك كذلك الإيداع والإبضاع والرهن والارتهان، والإيجار
والاستئجار، والسفر إلى بلد آخر وغير ذلك من الأعمال التي تسهل له الحصول على الربح.
النوع الثاني: نوع لا يملكه بمقتضى العقد، ويملكه إذا قال له رب المال اعمل برأيك، وإن لم ينص
عليه، وهو ما يحتمل أن يلحق بعمل المضاربة، فيلحق به عند وجود الدلالة، ومن ذلك:
١ - خلط مال المضاربة بماله.
٢ - إعطاء مال المضاربة، مضاربة أو شركة لشخص ثالث.
النوع الثالث: نوع لا يملكه إلا بنص صريح من رب المال، وهو الاستدانة على مال المضاربة، لأن فيه
شغل ذمة رب المال بالدين فإذا أذن له بها نصاً، جازت، والإقراض والهبة، والصدقة والعتق، ولو على
مال، لأن ذلك كله ليس من قبيل التجارة فلا يملكه المضارب إلا بنص.
النوع الرابع: نوع لا يملكه المضارب أصلاً، وليس له أن يعمله رأساً، وإن نص عليه كشراء ما لا يملك
بالقبض، كشراء الميتة والدم والخنزير وأم الولد، والمكاتب، وذلك لأن المضاربة تتضمن الإذن بالتصرف =

٢٩
كتاب المضاربة
وتصرفُ المضارب في كلٌ واحد من النوعين ينقسم أربعة أقسام: قسم منه [ما](١)
للمضارب أن يعمله من غير الحاجة إلى التنصيص عليه، ولا إلى قول: اعملْ برأيك فيه،
وقسمٌ منه ما ليس له أن يعمل، ولو قيل له: اعمل فيه برأيك، إلا بالتنصيص عليه، وقسمٌ منه
ما له أن يعمله إذا قيل له اعمل فيه برأيك، وإن لم ينص عليه، وقسمٌ منه ما ليس له أن يعمله
رأساً وإن نص عليه.
وَأَمَّا القسم الذي للمضارب أن يعمله من غير التنصيص عليه [ولا قول](٢) اعمل برأيك؛
كالمضاربة المطاقة عن الشرط والقيد، وهي ما إذا قال له: خذ هذا المال واعمل به عَلَى أن ما
رزق الله من ربح فهو بيننا على كدا، أو قال: خذْ هذا المال مضاربةً على كذا، فله أن يشتري
به ويبيع؛ لأنه أمّره بعملٍ هو سبب حصول الربح؛ وهو الشراء والبيع، وكذا المقصود من عقد
المضاربة هو الربح، والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، إِلا أن شراءه يَقَعُ على المعروف،
وهو أن يكون بمثل قيمة المشتري أو بأقل من ذلك مما [لا] (٣) يتغابنُ الناسُ في مثله؛ لأنه
وكيل، وشراءُ الوكيل يَقَعُ على المعروف.
فإن اشترى بما لا يتغابن الناس في مثله، كان مشترياً لنفسه لا على المضاربة بمنزلة
الوكيل بالشراء.
الذي يحصل به الربح، والربح لا يحصل إلا بالشراء، فما لا يملك بالشراء لا يحصل فيه ربح، وما يملك
=
بالشراء، لكن لا يقدر على بيعه، لا يحصل فيه ربح أيضاً؛ فلا يدخل تحت الإذن.
وكشراء ما لا يجوز بيعه إذا قبضه، كأن يشتري المضارب من يعتق على رب المال لقرابة أو غيرها، فإذا
فعل صار مشترياً لنفسه دون المضاربة وذلك لأنه لو وقع شراؤه للمضاربة، لعتق على رب المال فلا يقدر
على بيعه بعد ذلك، فلا يحصل المقصود من العقد، وهو الربح ..
الثانية: مقيدة - والتي قيدت بزمن أو بلد أو سلعة أو شخص أو نوع من أنواع التجارة، حكمها حكم
المضاربة المطلقة، في جميع أحوالها، لا تفارقها إلا في قدر القيد والأصل فيه. إن كان مفيداً يثبت،
وذلك لأن الأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن، وإذا كان القيد مقيداً، وكان يمكن الاعتبار فيعتبر، لقول
النبيِ نَّه: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ))، فتتقيد بالمذكور، ويبقى مطلقاً فيما وراءه على الأصل المعهود في
المطلق، إذا قيد ببعض المذكور، أنه يبقى مطلقاً، فيما وراءه كالعام إذا خص منه بعضه. أنه يبقى عاماً
فيما وراءه. وإن لم يكن مقيداً، لا يثبت، بل يبقى مطلقاً، وذلك لأن ما لا فائدة فيه يلغو ويلحق بالعدم.
وحقيقة الفقه في ذلك: أن الإذن كان عدماً، وإنما يحدث بالعقد، فيبقى فيما وراء ما يتناوله العقد على
أصل العدم.
الحقائق ٥٧/٥، ٥٩، ٦٨ المعاملات في فقه أبي حنيفة ص ٢٤٠، الشركات في الفقه الإسلامي للشيخ
على الخفيف ص ٨٣.
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: والقول فيه.
(٣) سقط من ط.

٣٠
كتاب المضاربة
وأما بيعه فعلى الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه - رضي الله، تعالى، عنهم - في
التوكيل بمطلق البيع؛ أنه يملك البيع نقداً ونسيئة(١)، وبغبن فاحشٍ في قول أبي حنيفة
- رحمه الله - فالمضاربُ أَوْلَى؛ لأن المضاربةَ أعمُّ من الوكالة، وعندهما لا يملك البيع بالنسيئة
ولا بما لا يتغابن الناس في مثله، وهي من مسائل ((كتاب الوكالة))، وله أن يشتري ما بَدًا له من
/٢٦٢ ب سائر/ أنواع التجارات في سائر الأمكنة مع سائر الناس؛ لإطلاق العقدِ.
وله أن يدفعَ المال بضاعة، لأن الإبضاع من عادةِ التجار؛ ولأن المقصود من هذا العقد
هو الربح، والإبضاعُ طريقٌ إلى ذلك، ولأنه يملك الاستئجار فالإبضاع أولى؛ لأن الاستئجار
استعمال في المال بعوض، والإبضاع استعمالٌ فيه بغير عوض، فكان أَوْلَئ.
وله أن يودع؛ لأن الإيداع من عادة التجار، ومن ضرورات التجارة.
وله أن يستأجر من يعمل في المال؛ لأنه من عادة التجار وضرورات التجارة أيضاً؛ لأن
الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه، فيحتاج إلى الأجير، وله أن يستأجر البيوت
ليجعل المال فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به، وله أن يستأجر السفن والدواب
للحمل، لأن الحمل(٢) من مكان إلى مكانٍ طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه.
وله أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن التوكيلَ من عادة التجار؛ ولأنه طريق الوصول إلى
المقصود وهو الربح، فكان بسبيل منه كالشريك؛ ولأن المضاربة أعم من الوكالة، ويجوزُ أن
يستفاد بالشيء ما هو دونه، بخلاف الوكالة المفردة أن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره بمطلق
الوكالة إلاَّ إذا قيل له: اعمل برأيك؛ لأن المقصود من ذلك ليس هو التجارة وحصول الربح،
بل إدخال المبيع في ملكه؛ وكذا الوكالة الثانية مثل الأولى، والشيء لا يستتبع مثله، وكل ما
[كان](٣) للمضارب أن يعمل بنفسه فله أن يوكل فيه غَيْرَهُ؛ وكلَّ ما لا يكون له أن يفعله بنفسه
(١) النسيئة: بالهمزة على وزن فعيلة، وربما تدغم بعد التخفيف دالخطيئة، والنساء بالمد التأخير.
وإنما جاز له النسيئة، لأنه عسى ألا يحصل له الربح إلا بالنسيئة وقد قال ابن ليلى، ليس له أن يبيع
بالنسيئة، وذلك لأنه تصرف يوجب قصر يده عن مال المضاربة، ويعجزه عن التصرف فيه، فيكون موجباً
لضد مقصود رب المال، فصار كالإقراض، بل فوقه، وذلك لأن القرض يمكن الوصول إليه في الحال
بواسطة الطلب، وهذا لا يمكن، فيكون فيها نوع إهلاك أو تبرع، ولهذا لو باع المريض بالنسيئة يعتبر من
الثلث.
ونحن نقول: البيع بالنسيئة من صنيع التجار، وهو متعارف عندهم فيدخل عند الإطلاق، لأن المتعارف
کالمنصوص عليه، وهو أقرب إلى تحصيل الربح عادة، فكان أوفق لمقصود رب المال.
(حاشية الطحطاوي ٣٦٤/٣، تبيين الحقائق ٥٨/٥، المبسوط ٣٨/٢٢).
(٢) في أ: النقل.
(٣) سقط من ط.

٣١
كتاب المضاربة
لا يجوز فيه وكالتُهُ على ربِّ المال؛ لأنه لما لم يملك أن يعمل بنفسه فبوكيله أولى.
وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة، وَأَنْ يرتهن بدين له منها على
رجلٍ؛ لأن الرهن بالدين والارتهان من باب الإيفاء والاستيفاء، وهو يملك ذلك، فيملك
الرهن والارتهان.
وليس للمضارب(١) أن يرهن بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته؛ لأن المضاربة
تبطل بالنهي والموت، إلا في تصرف ينض (٢) به رأس المال، والرهن ليس تصرفاً ينض(٣) به
رأس المال فلا يملكه المضاربُ.
ولو باع شيئاً وأخر الثمن، جاز؛ لأن التأخير للثمن عادةُ التجار، وأما على أصل أبي
حنيفة - عليه الرحمة - فلأن الوكيل بالبيع يملكُ تأخير الثمن، فالمضارب أولى؛ لأن تصرفه
أعم من تصرف الوكيل، إلاَّ أن الوكيل بالبيع إذا أخر الثمن يضمن عندهما، والمضارب لا
يضمن، لأن المضارب يملكُ أن يستقبل ثم يبيع نسيئة، فيملك التأخير ابتداء، فلم يضمن،
فأما الوكيل فلا يملك الإقالة ثم البيع بالنسيئة، فإذا أخر ضَمِنَ.
وأما عند أبي يوسف فإنَّما جاز تأخير المضارب دون الوكيل لهذا المعنى أيضاً، وهو أن
المضارب يملك أن يشتري السلعة أو يستقيل فيها. ثم يبيعها نساء، فيملك تأخير ثمنها،
والوكيلُ لا يملك ذلك، وله أن يحتالَ بالثمن على رجل؛ موسراً كان المحتالُ عليه أو معسراً؛
لأن الحوالة من عادة التجار؛ لأن الوصولَ إلى الدين قد يكون أيسر من ذمة المحال عليه من
ذمة المحيل؛ بخلاف الوصي إذا احتال بمال اليتيم أن ذلك إن كان أصلح جاز، وإِلاَّ فلا؛ لأن
تصرف الوصي في مال اليتيم مبني على النظر، وتصرف المضارب مبني على عادةِ التجار.
قال محمدُ: وله أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشتري ببعض المال طعاماً فيزرعه فيها؛
وكذلك له أن يقلبها ليغرس فيها نخلاً أو شجراً أو رطباً؛ فذلك كلَّه جائز، والربح على ما
شرطا؛ لأن الاستئجار من التجارة؛ لأنه طريق حصول الربح؛ وكذا هو من عادة التجار،
فيملكه المضارب.
وللمضارب أن (٤) يسافر بالمال؛ لأن المقصودَ من هذا العقد استنماء المال، وهذا
المقصود بالسفر أوفر، ولأن العقد صدر مطلقاً عن المكان، فيجري على إطلاقه؛ ولأن مأخذ
الاسم دليل عليه؛ لأن المضاربةَ مشتقةٌ من الضرب في الأرض، وهو السير، قال الله - تبارك
(١) في ط: له.
(٣) في ط: ألاَّ.
(٢) في ط: ينضر.
(٤) في أ: ولا وجد منه ما يدل عليه فلم يكن له أن يسافر.

٣٢
كتاب المضاربة
وتعالى -: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ ولأنه طلب
الفضل، وقد قال الله - تعالى، عزَّ شأنه -: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ١٠] وهذا قول أبي
حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف في رواية محمد عنه، وفي رواية أصحاب الإملاء عنه
لیس له أن يسافر.
وروي عنه أنه فرق بين الذي يثبت في وطنه وبين الذي لا يثبت، وبين ما له حملٌ ومؤنة
وبين ما لا حمل له ولا مؤنة في الشركة، فالمضارب على ذلك، وقد ذكرنا وجه كلِّ واحد من
ذلك في ((كتاب الشركة)).
وقد قال أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه إِذا دفع إليه المال بالكوفة وهما من
أهليها؛ فإن أبا حنيفة قال: ليس له أن يسافر بالمال.
ولو كان الدفع في مصرٍ آخر غير الكوفة، فللمضارب أن يخرج به حيث شاء، وقد ذكرنا
وجه الرواية المشهورة في ((كتاب الشركة)).
١٢٦٣/٢
وأما وجه/ رواية أبي يوسف عنه؛ فهو أن المسافرةَ بالمال مُخَاطَرَةٌ به، فلا يجوز إلاَّ
بإذن رب المال نصًّا أو دلالةً، فإذا دفع المال إليه في بلدهما فلم يأذن له بالسفر نصًّا [ودلالة لم
يكن له أن يسافر](١)، وإذا دفع إليه في غير بلدهما، فقد وجد دلالة الإذن بالرجوع إلى
الوطن؛ لأن العادة أن الإنسان لا يأخذ المال مضاربةً ويتركُ بلده (٢)؛ فكان دفع المال في غير
بلدهما رضاً بالرجوع إلى الوطن، فكان إذناً دَلاَلَةً، وله أن يأذن لعبيد المضاربة بالتجارة في
ظاهر الرواية، لأن الإذن بالتجارة من التجارة؛ ومن عادة التجار أيضاً.
وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يملك ذلك بإطلاق المضاربة، لأن الإذن بالتجارة أعم
من المضاربة، فلا يستتبع ما هو فوقه، وله أن يبيعهم إذا لحقهم دين، سواء كان المولى حاضراً
أو غائباً؛ لأن البيع في الدين من التجارة، فلا يقف على حضور المولى.
وَلَوْ جنى عَبْدَ المضاربة بأن قتل إنساناً خطأ، وقيمتهُ مثل مال المضاربة(٣)؛ بأن كان رأس
المال ألف درهم، فاشترى بها عبداً قيمته ألف فقتل إنساناً خطأً - لا يخاطب المضارب بالدفع
أو الفداء؛ لأن الدفع أو الفداء ليس من التجارة، ولا ملك أيضاً للمضارب في رقبته؛ لانعدام
الفعل والتدبير في جنايته إلى رب المال، لأن رقبَتُه خالص ملكه، ولا ملك للمضارب فيها،
(١) في أ: وطنه.
(٢) وجملة الأمر: أن للمضارب الأمن العام المعروف بين الناس، وليس له أن يعمل ما فيه ضرر، ولا يعمل
به التجار، ولا أن يبيع إلى أجل لا يبيع التجار إليه، ولا أن يحمل إلى السفر المخوف الذي يخافه
التجار، لأن مطلق الأمن ينصرف إلى ما يتعارفه الناس.
(٣) في ط: المضارب.
1

٣٣
كتاب المضاربة
بخلاف عبد المأذون إذا جنى؛ أنه يخاطب المأذون بالدفع أو الفداء مع غيبة المولى، لأن العبد
المأذون في التصرف كالحرّ؛ لأنه يتصرف لنفسه كالحر، بدليل أنه لا يرجع بالعهدة على
المولى، ولو كان متصرفاً للمولى لرجع بالعهدة عليه، فلما لم يرجع دَلَّ أنه يتصرف لنفسه،
وإنما يظهر حق المولى في كسبه عند فراغِهِ عن حاجته، فإذا تعلقت الجنايةُ برقبته، صارت
مشغولة، فلا يظهر حق المولى، فيخاطب بالدفع كالحر.
فأما المضارب فإنه وكيل رب المال في التصرف حتى يرجعَ بالعهدة عليه، والوكيل
بالشراء لا يخاطب بحكم الجناية، فهو الفرق بين المسألتين (١)، فإن اختار رب المال الدفع،
واختار المضاربُ الفداء، فله ذلك؛ لأنه بالفداء يستبقي مال المضاربة، وله فيه فائدة في الجملة
لتوهم الربح.
ولو دفع ربُّ المال أو فدى؛ خرج العبد من المضاربة.
أما إذا دفع فلا شك فيه؛ لأن بالدفع زال ملكه [عنه](٢) لا إلى بدلٍ، فصار كأنه هلك،
وإذا فدى فقد لزمه ضمان ليس من مقتضيات المضاربة، ولأن اختيار الفداء دليل رغبته في عين
العبد، فلا يحصل المقصود من العقد وهو الربح؛ لأن ذلك بالبيع.
ولو كان قيمة العبد ألفين، فجنى جناية خطأ، لا يخاطب المضارب بالدفع أو الفداء إذا
كان رَبُّ المال غائباً لما قلنا، وليس لأصحاب الجنايةِ على المضارب ولا على الغلام سبيلٌ،
إلا أن لهم أن يستوثقوا من الغلام بكفيل إلى أن يقدم المولى؛ وكذا لا يخاطب المولى بالدفع
أو الفداء إذا كان المضاربُ غائباً، وليس لأحدهما أن يفدي حتى يحضُرًا جميعاً، فإن فدى كان
متطوعاً بالفداء، فإذا حضرا دفعا أو فديا، فإن دفعا فليس لهما شيءٌ، وإن فديا كان الفداء
عليهما أرباعاً، وخرج العبد من المضاربة، وهذا قول أبي حنيفة ومحمدٍ .
وقال أبو يوسف: حضور المضاربِ ليس بشرطِ، ويخاطب المولى بحكم الجنايةِ.
وجه [قول أبي يوسف](٣) إن نصيب المضارب لم يتعين في الربح لعدم تعين رأس
المال؛ لأن التعيين بالقسمة ولم توجد، فبقي المال على حكم ملك رب المال، فكان هو
المخاطب بحكم الجناية، فلا يشترط حضور المضارب.
ولهما أنه إذا كان في المضاربةِ فضل، كان للمضارب ملك في العبد، ولهذا لو أعتقه نفذ
إعتاقه في نصيبه، وإذا كان له نصيب في العبد كان فداء نصيبه عليه، فلا بد من حضوره.
(١) في أ: الفصلين.
(٣) في ط: قوله.
(٢) سقط من ط ..
بدائع الصنائع ج٨ - م٣

٣٤
كتاب المضاربة
وأما [قول أبي حنيفة](١): إن حقه لم يتعين في الربح لعدم تعيين رأس المال
- فممنوع(٢)، بل تعين ضرورة لزوم الفداء في نصيبه ولا يلزم إلاَّ بتعيين حقه، ولا يتعين حقه
إلا بتعيين رأس المال، ولا يتعين رأس المال إلا بالقسمة، فثبتت القسمة ضرورة، فإن اختار
أحدهما الدفع والآخر الفداء فلهما ذلك؛ لأن كان واحد منهما مالك لنصيبه، فصار كالعبد
المشترك، غير أن في العبد المشترك إذا حضر أحدُ الشريكين وغاب الآخر؛ يخاطب الآخر
بحكم الجناية من الدفع أو (٣) الفداء، وههنا لا يخاطب واحدٌ منهما ما لم يحضرًا جميعاً؛ لأن
تصرف أحدهما يتضمن قسمة؛ لأن المال لا يبقى على المضاربة بعد الدفع أو الفداء، والقسمة
لا تصح إلاَّ بحضرتهما، والدفع أو الفداء من أحد الشريكين لا يتضمن قسمة ولا حكماً في
حق الشريك الآخر، فلا يقف على حضوره، وهذا بخلاف العبد المرهون؛ إذا كانت قيمته أكثر
من الدين فجنى جناية خطأ أنه يخاطب الراهن والمرتهن بحكم الجنايةِ، فإن اختار أحدُهما
٢٦٣/٢ب الدفع والآخر الفداء؛ لم يكن لهما / ذلك، ويلزمهما أن يجتمعا على أحد الأمرين؛ لأن الملك
هناك واحدٌ، فاختلاف اختيارهما يوجب تبعيض موجب الجناية في حق مالك واحدٍ؛ وهذا لا
يجوز؛ كالعبد الذي ليس برهن، وهنا مالك العبد اثنان، فلو اختلف اختيارهما لا يوجب ذلك
تبعيض موجب الجناية في حق مالك واحد.
وقد قالوا: إذا غاب أحدهما وادعيت الجناية على العبد لم تسمع البينة حتى يحضرًا؛
لأن كل واحد منهما له حق [في](٤) العبد، فكان التدبير في الجناية إليهما، فلا يجوز سماع
البيئة على أحدهما مع غيبة الآخر، وإنما أخذ بالعبد كفيل لأنه لا يؤمن عليه أن يغيب، فيسقط
حق ولي الجناية، لأن حقه تعلق برقبته، فكان له أن يستوثق حقه بكفيل.
وحقوق العقد في الشراء والبيع ترجع إلى المضارب لا إلى رب المال؛ لأن المضارب
هو العاقد، فهو الذي يطالب بتسليم المبيع، ويطالب بتسليم الثمن، ويقبض المبيع والثمن،
ويَرُدُّ بالعيب ويُرَدُّ عليه، ويخاصم ويخاصم؛ لما قلنا.
ولو اشترى المضارب عبداً معيباً قد علم ربُّ المال بعيبه ولم يعلم به المضارب؛
فللمضارب أن يرده؛ ولو كان المضارب(٥) علم بالعيب ولم يعلم به رب المال، لم يكن
للمضارب أن يرده لأن حقوق العقد تتعلق بالمضارب لا برب المال، فيعتبر علم المضارب لا
علم رب المال.
(١) في ط: قوله.
(٣) في أ: و.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: يتنزل.
(٤) سقط في ط.

٣٥
كتاب المضاربة
ولو اشترى عبداً فظهر به عيب، فقال رب المال بعد الشراء: رضيتُ بهذا العبد بطل
الرد؛ لأنَّ الملك لرب المال، فإذا رضي به فقد أبطل حق نفسه، ولو أنَّ رب المال دفع إليه
ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها عبد فلان بعينه، ثم يبيعه، فاشتراه المضارب ولم يره،
فليس له أن يرده بخيار الرؤية ولا بخيار العيب؛ لأن أمره بالشراء بعد العلم رضاً منه بذلك
العيب، فكأنه قال بعد الشراء قد رضيت؛ بخلاف ما إذا أمره بشراء عبد غيرِ معينٍ؛ لأنه لا
يعلم أنه يشتري العبد المعيب لا محالة - حتى يكون علمه دَلالَةَ الرضا به، وهل له أن يأخذ
بالشفعة في دار اشتراها أجنبيُّ إلى جنب دار المضارب، أو باع رب المال داراً لنفسه
والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة، ففيه تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى.
ولو دفع المال إلى رجلين مضاربة؛ فليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه،
ولا يعمل أحدهما شيئاً مما للمضارب الواحد أن يعمله، سواء قال لهما: اعملا برأيكما أو لم
يقل؛ لأنه رضي برأيهما ولم يرض برأي أحدهما، فصارا كالوكيلين، وإذا أذن له الشريك في
شيء من ذلك جاز في قولهم جميعاً؛ لأنه لما أذن له فقد اجتمع رأيهما، فصار كأنهما عقدا
جميعاً.
وأما القسم الذي ليس للمضارب أن يعمله إلا بالتنصيص عليه في المضاربة المطلقة،
فليس له أن يستدين على مال المضاربة، ولو استدان لم يجز على رب المال، ويكون ديناً على
المضارب في ماله؛ لأن الاستدانة إثباتُ زيادة في رأس المال من غير رضا رب المال، بل فيه
إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير رضاه؛ لأن ثمن المشتري برأس المال في باب
المضاربة مضمونٌ على رب المال؛ بدليل أن المضارب لو اشترى برأس المال ثم هلك
المشتري قبل التسليم - فإن المضارب يرجع إلى(١) رب المال بمثله، فلو جوزنا الاستدانة على
المضاربة لألزمناه زيادة ضمان لم يرض به، وهذا لا يجوز.
ثم الاسْتِدَانَة هِيَ: أن يشتري المضارب شيئاً بثمن دين ليس في يده من جنسه، حتى أنه
لو لم يكن في يده شيء من رأس المال من الدراهم والدنانير؛ بأن كان اشترى برأس المال
سلعة، ثم اشترى شيئاً بالدراهم أو الدنانير، لم يجز على المضاربة، وكان المشتري له عليه
ثمنه من ماله؛ لأنه اشترى بثمن ليس في يده من جنسه، فكان مستديناً على المضاربة، فلم
تجز على رب المال، وجاز عليه؛ لأن الشراء وجد نفاذاً عليه؛ كالوكيل بالشراء إذا خالف،
وسواء كان اشترى بثمن حال أو مؤجل؛ مؤجل؛ لأنه لما اشترى بما ليس في يده من جنسه،
صار مستديناً على المضاربة وهو لا يملك ذلك.
(١) في أ: على.

٣٦
كتاب المضاربة
ولو كان ما في يد المضارب من العبد أو العرض يساوي رأس المال أو أكثر، فاشترى
شيئاً للمضاربة بالدراهم والدنانير ليبيع العرض ويؤدي ثمنه منها؛ لم يجز، سواء كان الثمن
حالاً أو مؤجلاً؛ لما ذكرنا أنه استدانة.
ولو باع ما في يده من العرض بالدراهم والدنانير وحصل ذلك في يده قبل حِلُ الأجل،
لم ينتفع بذلك؛ لأنه لما خالف في حالة الشراء لزمه الثمن وصارت السلعة له؛ لأنه لم يملك
الشراء للمضاربة، فوقع العقد له، فلا يصير بعد ذلك للمضاربة؛ وكذا إذا قبض المضارب مال
المضاربة، ليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال الذي في يده؛ لأن الزيادة تكون ديناً، وليس
في يده من مال المضاربة ما يؤديه؛ حتى لو اشترى سلعة بألفي درهم، ومالُ المضاربة/ ألفٌ،
كانت حصةُ الألف من السلعة المشتراة للمضاربة، وحصة ما زاد على الألف للمضارب
خاصَّة، له ربح ذلك وعليه وضيعته، والزيادة دين عليه في ماله؛ لأنه يملك الشراء بالألف ولا
يملك الشراء بما زاد عليها للمضاربة، ويملك الشراء لنفسه فوقع له.
١٢٦٤/٢
وكذا إذا قبض المضارب رأس المال وهو قائمٌ في يده، فليس له أن يشتري للمضاربة
بغير الدراهم والدنانير من المكيل، والموزون، والمعدود، والثوب الموصوف المؤجل، إذا لم
يكن في يده شيء من ذلك؛ لأن الشراء بغير المال يكون استدانة على المال.
ولو كان في يده من مال المضاربة مكيل أو موزون، فاشترى ثوباً أو عبداً بمكيل أو
موزون موصوف في الذمة، كان المشتري للمضارب؛ لأن في يده من جنسه، فلم يكن
استدانة .
ولو كان في يده دراهم، فاشترى سلعة بدراهم نسيئة، لم يكن استدانة؛ لأن في يده من
جنسه، ولو کان في يده دراهم فاشترى بدنانير، أو كان في يده دنانير فاشترى بدراهم - فالقياس
أن لا يجوز على رب المال، وهو قول زفر، وفي الاستحسان يجوزُ.
وجه القياس أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة، فقد اشترى بما ليس في يده
من جنسه، فيكون استدانة؛ كما لو اشترى بالعروض.
وجه الاستحسان [أن الدراهم والدنانير عند التجار كجنس واحد؛ لأنهما أثمان
الأشياء](١) بهما تقدر النفقات وأروش الجنايات وقيم(٢) المتلفات، ولا يتعذر نقل كل واحد
منهما إلى الآخر، فكانا بمنزلة شيء واحدة، فكان مشترياً بثمن في يده من جنسه.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: أنهما عند التجارة كجنس واحد لأنهما من الأثمان.
(٢) في ط: وقيمة.

٣٧
كتاب المضاربة
وكذلك لو اشترى بثمن هو من جنس رأس المال لكنه يخالفه في الصفة، بأن اشترى
بدراهم بيض ورأس المال دراهم سود، أو اشترى بصحاح ورأس المال غلة، أو اشترى
بدراهم سود ورأس المال دراهم بيض، أو اشترى بدراهم غلة ورأس المال صحاح - فذلك
جائز على المضاربة .
وقال زفر: لا يجوز شيءٌ من ذلك على المضاربة، ويكون استدانة، ويجعل اختلاف
الصفة كاختلاف الجنس.
وقال محمد: إن اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال جاز، وهذا يشير إلى أنه
لو اشترى بما صفته أزيد من صفة رأس المال أنه لا يجوز على المضاربة، ووجهه أنه إذا
اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال، كان في يده ذلك القدر الذي اشترى به ذلك
القدر وزيادة، فجاز.
وإذا اشترى بما صفته أكمل، لم يَكُنْ في يده القدر الذي اشترى به، فلا يجوز على
المضارب، والصحيحُ قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -؛ لأنه لما جاز عند اختلاف
الجنس، فلأن يجوز عند اختلاف الصفة أولى؛ لأن تفاوت الصفة دون تفاوت الجنس.
ولو كان رأس المال ألف درهم، فاشترى سلعة بألف أو بدنانير أو بفلوس قيمة ذلك
ألف، لا يملك أن يشتري بعد ذلك على ألف المضاربة شيئاً بألفٍ أخرى أو غير ذلك؛ لأن
مال المضاربة كان مستحقًّا بالثمن الأول، فلو اشترى بعد ذلك لصار مستديناً على مال
المضاربة، فلا يملك ذلك، فإن اشترى عليها أولاً عبداً بخمسمائة؛ لا يملك بعد ذلك أن
يشتري إلا بقدر خمسمائة؛ لأن الخمسمائة خرجت من المضاربة، وكذلك كل دين يلحق رأس
المال؛ لأن ذلك صار مستحقًّا من رأس المال، فيخرج القدر المستحق من المضاربة، فإذا
اشترى بأكثر مما بقي صار مستديناً على مال المضاربة، فلا يصح.
ولو باع المضارب واشترى وتصرف في مال المضاربة، فحصل في يده صنوف من
الأموال من المكيل والموزون والمعدود وغير ذلك من سائر الأموال، ولم يكن في يده دراهم
ولا دنانير ولا فلوس - فليس له أن يشتري متاعاً بثمن ليس في يده مثله من جنسه وصفته
وقدره؛ بأن اشترى عبداً بكرٌ حنطةٍ موصوفة، فإن اشترى بكر حنطة وسط وفي يده الوسط أو
بكر حنطة جيدة وفي يده [الجيد](١)، جاز، وإن كان في يده أجود مما اشترى به أو أدون، لم
يكن للمضاربة، وكان للمضارب؛ لأنه إذا لم يكن في يده مثل الثمن، صار مستديناً على
(١) سقط في ط.
,

٣٨
كتاب المضاربة
المضاربة، فلا يجوز، وليس اختلاف الصفة هنا كاختلاف الصفة في الدراهم؛ لأن اختلاف
الجنس هناك بين(١) الدراهم والدنانير لا يمنع الجواز، فاختلاف الصفة أولى؛ لأنه دوئه،
واختلاف الجنس هنا يمنع الجواز، فكذا اختلاف الصفة.
ثم في جميع ما ذكرنا أنه لا يجوز من المضارب الاستدانة على رب المال، يستوي فيه
ما إذا قال ربُّ المالِ: اعمل برأيك، أو لم يقلْ؛ لأن قوله ((اعمل برأيك)) تفويضٌ إليه فيما هو
من المضاربة، والاستدانة لم تدخل في عقد المضاربة، فلا يملكها المضارب إلا بإذن رب
المال بها نَصًا.
ثم كما لا يجوز للمضارب الاستدانة على مال المضاربة، لا يجوز له الاستدانة على
٢٦٤/٢ب إصلاح مال المضاربة، حتى لو اشترى المضارب بجميع مال المضاربة ثياباً ثم/ استأجر على
حملها أو على قصارتها أو نقلها، كان متطوعاً في ذلك كله؛ لأنه إذا لم يبق في يده شيءٌ من
رأس المال، صار بالاستئجار مستديناً على المضاربة، فلم يجز عليها، فصار عاقداً لنفسه،
متطوعاً في مال الغير، كما لو حمل متاعاً لغيره أو قصر ثياباً لغيره بغير أمره.
وقال محمد: وكذلك إذا صبغها سوداً من ماله فنقصها ذلك؛ لأن الاستدانة لا تجوز ولا
يصير شريكاً بالسواد؛ لأنه لم يوجب في العين زيادة، بل أوجب نقصاناً فيها، ولا يضمن
بفعله، سواء قال له: ((اعمل برأيك، أو لم يقل؛ لأنه مأذونٌ فيه بعقد المضاربة، بدليل أنه لو
كان في يده فضل فصبغ الثياب به سوداً فنقصها ذلك؛ لم يضمن، وكذلك إذا صبغها بمال
نفسه، ولو صبغ المتاع بعصفر أو زعفران أو صبغٍ يزيدُ فيها، وليس في يده من مال المضاربة
شيء.
فإن كان لم يقل («اعمل برأيك))، فهو ضامنٌ، وربُّ المال بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة
متاعه يوم صبغه وسلم إليه المتاع، وإن شاء ترك المتاع حتى يباع، فيتصرف فيه رب المال
بقيمته أبيض، وتصرف المضارب بما زاد الصبغ فيه؛ لأن الصبغ عين مال قائم، فما أصاب
المتاع فهو مال المضاربة، وما زاد الصبغ فللمضارب خَاصَّة؛ لأن الصبغ استدانة على المال؛
وذلك لا يجوز، فصار الصبغ من غير المضاربة، والمضارب إذا خلط مال نفسه بمال المضاربة
ولم يقل له: اعمل برأيك، يضمن، وصار كأجنبيٍّ خلط المال.
ولو صبغ الثياب أجنبيٍّ؛ كان للمالك الخيار: إن شاء ضمنه قيمتها، وإن شاء تركها على
الشركة وتضاربا بثمنها على الشركة؛ كذا هذا.
(١) في أ: من.

٣٩
كتاب المضاربة
وإن كان قال له ((اعمل برأيك)) فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا قال [له](١) ذلك، فله أن يخلط
مال نفسه بمال المضاربة، والصبغ على ملكه، فلا يضمن بخلطه، وصار المتاع بينهما، فإذا
بيع المتاع قسم الثمن على قيمة الثوب أبيض، فما أصاب ذلك كان في المضاربة، وما أصاب
الصبغ كان للمضارب.
وإذا أذن للمضارب أن يستدين على مال المضاربة؛ جاز له الاستدانة، وما يستدينه يكون
شركة بينهما شركة وجوه، وكان المشتري بينهما نصفين؛ لأنه لا يمكن(٢) أن يجعل المشتري
بالدين مضاربة؛ لأن المضاربة لا تجوز إلا في مال عين، فتجعل شركة وجوه، ويكون
المشتري بينهما نصفين؛ لأن مطلق الشركة يقتضي التساوي، وسواء كان الربحُ بينهما في
المضاربة نصفين أو أثلاثاً؛ لأن هذه شركة على حدة، فلا يبني على حكم المضاربة، وقد بينا
في (كتاب الشركة)) أنه لا يجوز التفاضل في الربح في شركة الوجوه إلا بشرط التفاضل في
الضمان، فإن شرطا التفاضل في الضمان، كان الربح كذلك، وإن أطلقا كان المشتري نصفين؛
لا يجوز فيه التفاضل في الربح.
وإذا صارت هذه الشركة وجوه، صار الثمن دَيْناً عليهما من غير مضاربة، فلا يملك
المضارب أن يرهن به مال المضاربة إلا بإذن ربِّ المال، فإن أذن له أن يرهن بجميع الثمن،
فقد أعاره نصف الرهن ليرهن بدينه، وإن هلك صار مضموناً عليه، وليس له أن يقرض مال
المضاربة، لأن القرض تبرع في الحال، إذ لا يقابله عوض للحال، وَإنَّما يصير مبادلة في
الثاني، ومال الغير لا يحتمل التبرع.
وكذلك الهبة والصدقة؛ لأن كلَّ واحد منهما تبرعٌ، ولا يأخذ سفتجة، لأن أخذها
استدانة؛ وهو لا يملك الاستدانة.
وكذا لا يعطي سفتجة(٣) لأن إعطاء السفتجة إقراض وهو لا يملك الإقراض إلا
بالتنصيص عليه؛ هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ
سفتجة حتى (٤) يأمره بذلك بعينه، فيقول له: خذ السفاتج وأقرض إن أحببت.
فأما إذا قال له: اعمل في ذلك برأيك، فإنما هذا على البيع والشراء والشركة والمضاربة
وخلط المال، وهذا قول أبي يوسف وقولنا؛ لما ذكرنا أن قوله: اعمل في ذلك برأيك
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: يحتمل.
(٣) السُّفْتَجَةُ: أن يعطي آخر مالاً، وللآخر مالٌ في بلد المعطي فيوفيه إياه هناك، فيستفيد أمن الطريق المعجم
(سفتجة).
(٤) في أ: إلا أن.

٤٠
كتاب المضاربة
١٢٦٥/٢
- تفويض الرأي إليه في المضاربة، والتبرع ليس من عمل المضاربة، وكذا الاستدانة، بل هي
عند الإذن شركة وجوه، وهي عقد آخر وراء المضاربة، وهو إنما فوض إليه الرأي في
المفاوضة خاصَّة، لا في عقد آخر لا تعلق له بها، فلا يدخل في ذلك، وليس له أن يشتري بما
لا يتغابن الناس في مثله، وإن قال له: اعمل برأيك، ولو اشترى يصير مخالفاً، لأن المضاربة
توكيل بالشراء، والتوكيل(١) بالشراء مطلقاً ينصرف إلى المُتَعَارَفِ، وهو أن يكون بمثل القيمة،
أو بما يتغابن الناس في مثله؛ ولأن الشراءَ بما لا يتغابن في مثله محاباةٌ، والمحاباةُ تبرعٌ،
والتبرع لا يدخل في عقد المضاربة، وليس له أن/ يعتق على مال؛ لأن إزالة الملك عن الرقبة
بدين في ذمة المفلس، فكان في معنى التبرع؛ ولأنه ليس بتجارةٍ؛ إذ التجارةُ مبادلة المال
بالمال، وهذا مبادلة العتق بالمال؛ وليس له أن يكاتب لأن الكتابة ليست بتجارةٍ، لانعدام مبادلة
المال بالمال؛ لهذا لا يملكه المأذون له في التجارة، وليس له أن يعتق عبداً من المضاربة إذا
لم يكن في نفس العبد فضل عن رأس المال، فإن أعتق لم ينفذ، لأن العقد السابق لا يفيده،
ولأنه لا يملك الإعتاق على مال وفيه معنى المبادلة، فالإعتاق بغير مال أولى، ولا ملك
للمضارب في العبد مما لا ينفذ إعتاقه، وسواء كان في يد المضارب مال آخر سوى العبد أو لم
يَكُنْ؛ لأن العبدَ إذا كان بقدر رأس المال لا فضل فيه؛ لم يتعين للمضارب فيه حَقٌّ؛ لأنه
مشغولٌ برأس المال، بدليل أنه لو هلك ذلك المال يصير العبدُ رأس المال.
وإن كان في نفس العبد المعتق فضل عن رأس المال، جَازَ إعتاقُه في قدر حصته من
الربح؛ لأنه إذا كان قيمته أكثر من رأس المال، فقد تعين للمضارب فيه ملك، فينفذ إعتاقه في
قدر نصيبه؛ كعبدٍ بين شريكين أعتقه أحدهما؛ وكذلك إن كاتب عبداً من المضاربة أو أعتقه
على مال، ولم يكن فيه فضلٌ - أنه لم يجز، وإن كان فيه فضل، كان كعبد بين شريكين أعتقه
أحدُهما على مالٍ، فإذا قبل العبد عتق عليه نصيبه، وكان رب المال بالخيار، ولربُ المال فسخ
الكتابة قبل الأداء؛ لأنه لا يتضرر به في الحال وفي الثاني، أما في الحال فلا يمتنع عليه بيع
نصيبه وهبته، ما دام شيء منه؛ فكذا هذا.
وأما الثاني: فلأنه لو أدى وعتق نفسه يفسد الباقي على رب المال، فأكد دفع هذا الضرر
بالفسخ؛ لأن الكتابة قابلة للفسخ؛ فله أن يفسخ كأحد الشريكين إذا باع حصته من بيت معين
من دار مشترك بينهما، كان لشريكه نقض بيعه، وإن باع ملك نفسه؛ لما أن الشريك يتضرر
بنفاذ هذا البيع، فإنه متى أراد أن يقسم الدار يحتاج إلى قسمين: قسمة البيت مع المشتري،
وقسمة بقية الدار مع الشريك الأول ويتضرر، فكان له نقض البيع؛ دفعاً للضرر عنه، فكذا
(١) في أ: الوكيل.
أ