Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
کتاب الوكالة
وعلى هذا الاختلاف العبد المأذون إذا بلغه حجر المولى من غير عدل، فلم يصدقه، لا
يصير محجوراً عنده، وعندهما يصير محجوراً، وإِن عزله الموكل وأَشهد على عزله وهو غائب
ولم يخبره بالعزل أحد لا ينعزل، ويكون تصرفه قبل العلم بعد العزل كتصرفه قبل العزل في
جميع الأحكام التي بيناها.
وعن أبي يوسف في الموكل إِذا عزل الوكيل ولم يعلم به فباع الوكيل وقبص الثمن،
فهلك الثمن في يد الوكيل، ومات العبد قبل التسليم إلى المشتري - كان للمشتري أن يرجع
بالثمن على الوكيل، ويرجع الوكيل على الموكل؛ كما قبل العزل سواء؛ لأن العزل لم يصح
لانعدام شرط صحته وهو العلم.
والثاني: أن لا يتعلق بالوكالة حق الغير، فأما إذا تعلق بها حق الغير فلا يصح العزل بغير
رضا صاحب الحق؛ لأن في العزل إِبطال حقه من غير رضاه، ولا سبيل إِليه، وهو كمن رهن
ماله عند رجل بدين له عليه أو وضعه على يدي عدل وجعل المرتهن أو العدل مسلطاً على
بيعه، وقبض ثمنه عند حل الأجل فعزل الراهن المسلط على البيع، لا يصح به عزله لما
ذكرنا .
وكذلك إِذا وكل المدعى عليه وكيلاً بالخصومة مع المدعي بالتماس المدعي فعزله
المدعى عليه بغير حضره المدعي؛ لا ينعزل، لما ذكرنا.
واختلف المشايخ فيمن وكل رجلاً بطلاق امرأته إِن غاب، ثم عزله الزوج من غير حضرة
المرأة، ثم غاب، قال بعضهم: لا يصح عزله؛ لأنه تعلق بهذه الوكالة حق المرأة، فأشبه
الوكيل بالخصومة .
وقال بعضهم: يصح عزله؛ لأنه غير مجبور على الاطلاق ولا على التوكيل به، وإِنما
فعله باختياره، فيملك عزله كما في سائر الوكالات، ولو وكل وكالة غير جائز الرجوع يعني
بالفارسية وکیلي دمار كست هل يملك عزله؟
اختلف المشايخ: قال بعضُهم إِنٍ كان ذلك في الطلاق والعتاق لا يملك؛ لأَنّه لما وكله
وكالة ثابتة غير جائز الرجوع عنها فقد أَلْحَقَ حكم هذا التوكيل بالأمر، ثم جعل أمر امرأته إلى
رجل يطلقها متى شاء، أو أمر عبده إِلى رجل يعتقه متى شاء لا يملك الرجوع عنه.
وكذا إذا قال لرجل طلق امرأتي إن شئت، أو أعتق عبدي إن شئت لا يملك عزله؛ كذا
هذا، وَإِن كان في البيع والشراء والإِجارة والنكاح ونحوه يملك عزله، وقال بعضُهم إِنه يملك
العزل في الكل؛ لأن الوكالة ليست بلازمة، بل هي إياحة وللمبيع حق المنع عن المباح.

٤٦٢
کتاب الو کالة
ولو قال وقت التوكيل: كلما عزلتك فأنت وكيلي وكالة مستقبلة، فعزله ينعزل، ولكنه
يصير وكيلاً ثانياً وكالة مستقبلة كما شرط؛ لأن تعليق الوكالة بالشرط جائز.
ولو قال الموكل للوكيل: كنت وكلتك وقلت لك: كلما عزلتك فأنت وكيلي فيه وقد
عزلتك عن ذلك كله، لا يصير وكيلاً بعد ذلك إلا بتوكيل جديد؛ لأن من علق التوكيل بشرط
ثم عزله عن الوكالة قبل وجود الشرط ينعزل الوكيل ولا يصير وكيلاً بعد ذلك بوجود الشرط.
وقال بعضهم في التوكيل المعلقِ لا يملك العزل قبل وجود الشرط، ويكون الوكيل على
وكالته بعد العزل وكالة مستقبلة، والأول أصح لأنه لما ملك العزل في المرسل، ففي المعلق
أولی.
ومنها: موت الموكل؛ لأن التوكيل بأمر الموكل وقد بطلت أهلية الآمر بالموت، فتبطل
الوکالة، علم الوکیل بموته أم لا .
ومنها: جنونه جنوناً مطبقاً؛ لأن الجنون المطبق مبطل لأهلية الآمر، واختلف أبو يوسف
ومحمد في حد الجنون المطبق، فحده أبو يوسف بما يستوعب الشهر، ومحمد بما يستوعب
الحول .
وجه قول محمد أن المستوعب للحول هو المسقط للعبادات كلها، فكان التقدير به
أولی.
وجه قول أبي يوسف أَن هذا القدر أدنى ما يسقط به عبادة الصوم، فكان التقدير به
أَوْلی.
ومنها لحاقه بدار الحرب مرتداً عند أبي حنيفة، وعندهما لا يخرج به الوكيل عن
الوكالة، بناءً على أن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فكانت وكالة الوكيل موقوفة أيضاً، فإن
أسلم الموكل نفذت.
وَإِن قتل على الردة أو لحق بدار الحرب بطلت، وعندهما تصرفاته نافذة فكذا الوكالة،
وَإِن كان الموكل امرأة فارتدت، فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب
إجماعاً؛ لأن ردة المرأة لا تمنع نفاذ تصرفها؛ لأنها لا تؤثر فيما رتب عليه النفاذ وهو الملك.
ومنها: عجز الموكل والحجر عليه؛ بأن وكل المكاتب رجلاً فعجز الموكل، وكذا إِذا
وكل المأذون إِنساناً فحجر عليه؛ لأَّنه بالعجز والحجر عليه بطلت أهلية آمره بالتصرف في
المال، فيبطل الآمر فتبطل الوكالة.

٤٦٣
كتاب الوكالة
ومنها موت الوكيل؛ لأن الموت مبطل لأهلية التصرف، ومنها جنونه المطبق(١) لما
ذكرنا، وَإِن لحق بدار الحرب مرتداً لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلماً؛ لأن أمره قبل
الحكم بلحاقه بدار الحرب كان موقوفاً، فإِن عاد مسلماً زال التوقف وصار كأنه لم يرتد أصلاً،
وَإِن حكم بلحاقه بدار الحرب ثم عاد مسلماً هل تعود الوكالة؟ قال أبو يوسف: لا تعود، وقال
محمد : تعود.
وجه قوله إن نفس الردة لا تنافي الوكالة؛ ألا ترى أنها لا تبطل قبل لحاقه بدار الحرب
إلا أنه لم يجز تصرفه في دار الحرب لتعذر التنفيذ لاختلاف الدارين، فإذا عاد زال المانع
فيجوز.
ونظيره من وكل رجلاً ببيع عبد بالكوفة، فلم يبعه فيها خرج إلى البصرة، لا يملك بيعه
بالبصرة، ثم عاد إلى الكوفة ملك بيعه فيها، كذا هذا.
وجه قول أبي يوسف أن الوكالة عقد حكم ببطلانه بلحاقه بدار الحرب، فلا يحتمل
العود كالنكاح.
وأما الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلماً لا تعود الوكالة في ظاهر الرواية.
وروي عن محمد أنها تعود، ووجهه أن بطلان الوكالة لبطلان ملك الموكل، فإذا عاد
مسلماً عاد ملكه الأول فيعود بحقوقه.
وجه ظاهر الرواية أَن لحوقه بدار الحرب بمنزلة الموت، ولو مات لا يحتمل العود،
فكذا إذا لحق بدار الحرب.
ومنها: أن يتصرف الموكل بنفسه فيما وكل به قبل تصرف الوكيل، نحو ما إذا وكله ببيع
فباعه الموكل أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو وهبه، وكذا إِذا استحق أو كان حر الأصل؛ لأن
الوكيل عجز عن التصرف لزوال ملك الموكل فينتهي حكم الوكالة؛ كما إذا هلك العبد، ولو
باعه الموكل بنفسه ثم رد عليه بعيب بقضاء، هل تعود الوكالة كما إذا هلك العبد؟ قال أبو
يوسف: لا تعود، وقال محمد: تعود؛ لأن العائد بالفسخ عين الملك الأول فيعود بحقوقه.
وجه قول أبي يوسف إن تصرف الموكل نفسه يتضمن عزل الوكيل؛ لأنه أعجزه عن
التصرف فيما وكله به، والوكيل بعد ما انعزل لا يعود وكيلاً إلا بتجديد التوكيل. ولو وكله أن
(١) لا خِلاَفَ في هذا فمتى تَصَرَّفَ الوَكِيلُ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ، أو مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك. فإن لم يَعْلَم
الوَكِيلُ بِالعَزْلِ، ولا مَوْتِ المُوَكُلِ، فعن أحمدَ فَيه رِوَايَتَانِ. ولِلشّافِعِيِّ فيه قَوْلانِ.
ينظر: المغني (٢٣٤/٧).

٤٦٤
كتاب الوكالة
يهب عبده فوهبه الموكل بنفسه ثم رجع في هبته لا تعود الوكالة حتى لا يملك الوكيل أن يهبه،
فمحمد يحتاج إِلى الفرق بين البيع وبين الهبة.
ووجه الفرق له لم يتضح، وكذلك لو وكله بشراء شيء ثم اشتراه بنفسه وكذا إذا وكله
بتزويج امرأة فتزوجها، لأنه عجز عن تزويجها منه، فبطلت الوكالة.
وكذا إِذا وكله بعتق عبده أو بالتدبير أو بالكتابة أو الهبة، ففعل بنفسه؛ لما قلنا؛ وكذا إذا
·· وكله بخلع امرأته ثم خلعها؛ لأن المختلعة لا تحتمل الخلع؛ وكذا إذا وكله بطلاق امرأته
فطلقها بنفسه ثلاثاً أو واحدة، فانقضت عدتها؛ لأنها لا تحتمل الطلاق بعد الثلاث وانقضاء
العدة؛ حتى لو طلقها الزوج واحدة والعدة باقية، فالوكالة قائمة؛ لأنها تحتمل الطلاق في
العدة، ولو وكله بالكتابة فكاتبه ثم عجز لم يكن له أن يكاتبه مرة ثانية؛ وكذا لو وكله أن يزوجه
امرأة فزوجه وأبانها، لم يكن للوكيل أن يزوجه مرة أخرى؛ لأن الأمر بالفعل لا يقتضي
التكرار، فإذا فعل مرة حصل الامتثال، فانتهى حكم الآمر كما في الأوامر الشرعية؛ بخلاف ما
لو وكله ببيع عبده فباعه الوكيل ثم رد عليه بقضاء قاض؛ أن له أن يبيعه ثانياً؛ لأَنَّ الرد بقضاء
القاضي يوجب ارتفاع العقد من الأصل ويجعله كأن لم يكن، فلم يكن هذا تكرراً، حتى لو رد
عليه بغير قضاء قاض لم يجز له أن يبيعه؛ لأن هذا بيع جديد وقد انتهت الوكالة بالأول، فلا
يملك الثاني إِلا بتجديد التوكيل.
ومنها: هلاك العبد الذي و کل ببيعه أو بإعتاقه أو بهبته أو بتدبيره أو بكتابته أو نحو ذلك؛
لأن التصرف في المحل لا يتصور بعد هلاكه والوكالة بالتصرف فيما لا يحتمل التصرف محالٌ
فبطل.
ثم هذا الأشياء التي ذكرنا له أن يخرج بها الوكيل من الوكالة سوى العزل والنهي - لا
يفترق الحال فيها بين ما إذا علم الوكيل أو لم يعلم في حق الخروج عن الوكالة، لكن تقع
المفارقة فيما بين البعض والبعض من وجه آخر، وهو أن الموكل إذا باع العبد الموكل ببيعه
بنفسه ولم يعلم به الوكيل، فباعه الوكيل وقبض الثمن فهلك الثمن في يده، ومات العبد قبل
التسليم إِلى المشتري، ورجع المشتري على الوكيل بالثمن - رجع الوكيل على الموكل.
وكذا لو دبره أو أعتقه أو استحق أو كان حُرَّ الأصل، وفيما إِذا مات الموكل أو جن أو
هلك العبد الذي وكل ببيعه ونحوه لا يرجع الوكيل، والفرق أن الوكيل هناك وإِن صار معزولاً
بتصرف الموكل، لكنه صار مغروراً من جهته بترك إعلامه إياه، فصار كفيلاً له بما يلحقه من
الضمان، فيرجع عليه بضمان الكفالة؛ إذ ضمان الغرور في الحقيقة ضمان الكفالة، ومعنى
الغرور لا يتقدر في الموت وهلاك العبد والجنون وأخواتها، فهو الفرق، ولو وكله بقبض دين
على رجل، ثم إِن الموكل وهب المال للذي عليه الدين والوكيل لا يعلم بذلك، فقبض الوكيل

٤٦٥
کتاب الو کالة
المال فهلك في يده، كان الدافع الدين أن يأخذ به الموكل ولا ضمان على الوكيل، لأن يد
الوكيل يد نيابة عن الموكل؛ لأنه قبضه بأمره، وقبض النائب كقبض المنوب عنه، فكأنه قبضه
بنفسه بعد ما وهبه منه، ولو كان كذلك لرجع عليه؛ فكذا هذا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
بدائع الصنائع ج٧ - ٣٠٣

كِتَابُ الصُّلْحِ(١)
الكلام في كتاب الصلح يقع في مواضع: في بيان أنواع الصلح.
وفي بيان شرعية كل نوع.
وفي بيان ركن الصلح.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بيان حكم الصلح.
وفي بيان ما يبطل به عقد الصلح بعد وجوده.
وفي بيان حكمه إِذا بطل أو لم يصح من الأصل.
أما الأول: فنقول وبالله التوفيق: الصلح في الأصل أنواع ثلاثة: صلح عن إقرار المدعى
عليه، وصلح عن إِنكاره، وصلح عن سكوته من غير إقرار ولا إنكار، وكل نوع من ذلك لا
يخلو إما أن يكون بين المدعي والمدعى عليه، وإما أن يكون بين المدعي والأجنبي المتوسط؛
(١) الصُّلْحُ لغةً: اسم مصدر، لـ: صالحه مُصَالحة، وصِلاَحاً بكسر الصاد.
قال الجوهري: والاسم: الصُّلْحُ، يذكّر ويؤنّث، وقد اصطلحا وصَالَحًا واصَالحا مشدّد الصاد، وصلح
الشيء بضم اللام وفتحها.
انظر: لسان العرب: ٢٤٧٩/٤.
واصطلاحاً:
عرفه الحنفيَّةُ بأنه: عَقْدٌ وُضِعَ لرفع المناصبة .
عرفه الشافعية بأنه: عَقْدٌ يحصل به قَطْعُ النزاع.
عرفه المالكية بأنه: انتقال عن حَقِّ، أو دعوى بِعِوَضٍ لرفع نزاع، أو خوف وقوعه.
عرفه الحَنَابِلَةُ بأنه: مُعَاقَدَةٌ يتوصِّلُ بها إلى مُوَافَقَّةٍ بين مختلفين.
انظر: شرح فتح القدير: ٢٣/٨، حاشية ابن عابدين: ٤٧٢/٤، أسنى المطالب: ٢١٤/٢، مغني
المحتاج: ١٧٧/٢، شرح منح الجليل: ٢٠٠/٣، مواهب الجليل: ٨١/٥، الشرح الصغير: ٥٣٠/٤،
كشف القناع: ٢٩/٣، المغني: ٥٢٧/٤.
٤٦٦

٤٦٧
كتاب الصلح
فإن كان بين المدعي والمدعى عليه، فَكُلُّ واحد من الأنواع الثلاثة مشروع عند أصحابنا.
وقال ابن أبي ليلى المشروع هو الصلح عن إقرار وسكوت لا غيرهما.
وقال الشافعي - رحمه الله -: المشروع هو الصلح عن إِقرار لا غير.
وجه قول الشافعي - رحمه الله - إِن جواز الصلح يستدعي حقّاً ثابتاً، ولم يوجد في
موضع الإنكار والسكوت، أما في الإنكار فلأن الحق لو ثبت فإنما يثبت بالدعوى، وقد
عارضها الإنكار فلا يثبت الحق عند التعارض، فأما في السكوت فلأن الساكت ينزل منكراً
حكماً حتى تسمع عليه البينة، فكان إِنكاره معارضاً لدعوى المدعي فلم يثبت الحق، ولو بذل
المال لبذله لدفع خصومة باطلة، فكان في معنى الرشوة.
ولنا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [سورة النساء، ١٢٨] وصف الله تعالى - عَزَّ شأنه -
جِئْسَ الصلح بالخيرية، ومعلوم أن الباطل لا يوصف الخيرية، فكان كل صلح مشروعاً بظاهر
هذا النص إلا ما خصَّ بدليل.
وعن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ردوا الخصومَ حتى يصطلحوا، فإِن فصل
القضاء يورث بينهم الضغائن(١)، أمر - رضي الله عنه - برد الخصوم إِلى الصلح مطلقاً، وكان
ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحدٌ فيكون إجماعاً من
الصحابة، فيكون حجة قاطعة؛ ولأن الصلح شرع للحاجة إلى قطع الخصومة والمنازعة،
والحاجة إلى قطعها في التحقيق عند الإنكار؛ إذ الإقرار مسالمة ومساعدة فكان أولى بالجواز؛
ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: أجوز ما يكون الصلح على الإِنكار.
وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي - رحمه الله - ما صنع الشيطان من إيقاع
العداوة والبغضاء في بني آدم ما صنع الشافعي - رحمه الله - في إنكاره الصلح على الإنكار.
وقوله: إِن الحق ليس بثابت، قلنا: هذا على الإِطلاق ممنوعٌ، بل الحق ثابت في زعم
المدعي وحق الخصومة واليمين ثابتان له شرعاً، فكان هذا صلحاً عن حق ثابت، فكان
مشروعاً.
(١) أخرجه البيهقي (٦٦/٦) كتاب الصلح، باب: ((ما جاء في التحلل وما يحتج به من أجاز الصلح على
الإنكار)».
وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٠٣/٨ - ٣٠٤) كتاب البيوع، باب: ((هل يرد القاضي الخصوم حتى
يصطلحوا)، حديث (١٥٣٠٤).

٤٦٨
كتاب الصلح
فصل [في ركن الصلح]
وأما ركن الصلح، فالإِيجاب والقبول، وهو أن يقول المدعى عليه: صالحتك من كذا
على كذا، أو من دعواك كذا على كذا، ويقول الآخر: قبلت، أو رضيت، أو ما يدل على
قبوله ورضاه، فإذا وجد الإيجاب والقبول، فقد تم عقد الصلح.
فصل [في شروط الركن]
وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها يرجع إلى المصالح، وبعضُها يرجع إلى المصالح
عليه، وبعضُها يرجع إلى المصالح عنه.
أما الذي يرجع إلى المصالح فأنواع:
منها أن يكون عاقلاً، وهذا شرط عام في جميع التصرفات كلها، فلا يصح صلح
المجنون والصبي الذي لا يعقل لانعدام أهلية التصرف بانعدام العقل.
فأما البلوغ: فليس بشرط حتى يصح صلح الصبي في الجملة وهو الصبي المأذون إِذا
كان له فيه نفع أو لا يكون له فيه ضرر ظاهر (١)، بيان ذلك إِذا وجب للصبي المأذون على
إِنسان دين فصالحه على بعض حقه، فإن لم يكن له عليه بينة جاز الصلح؛ لأن عند انعدام
البيئة لا حق له إلا الخصومة والحلف والمال أنفع له منهما، وَإِن كان له عليه بينة لا يجوز
الصلح؛ لأن الحط تبرع وهو لا يملك التبرعات ولو أخر الدين جاز، سواء كانت له بينة أو
لا، فرقاً بينه وبين الصلح؛ لأَن تأخير الدين من أعمال التجارة، والصبي المأذون في التجارات
كالبالغ.
ألا ترى أنه يملك التأجيل في نفس العقد بأن يبيع بأجل فيملكه متأخراً عن العقد أيضاً؛
بخلاف الحط؛ لأنه ليس من التجارة، بل هو تبرع فلا يملكه إلا أنه يملك حط بعض الثمن
لأجل العيب؛ لأن حط بعض الثمن للعيب قد يكون أنفع من أخذ المبيع المعيب، فكان ذلك
من باب التجارة فيملكه.
(١) يعني إذا ادعى الصبي المأذون على إنسان ديناً فصالحه على بعض حقه فإن لم يكن له عليه بينة جاز
الصلح إذ عند انعدامها لا حق له إلا الخصومة والحلف والمال أنفع له منهما وإن كانت لم تجز لأن الحط
تبرع وهو لا يملكه وأن أخر الدين جاز سواء كان له بينة أو لا لأنه من أعمال التجارة والصبي المأذون في
التجارات كالبالغ.
ينظر درر الحكام من (٣٩٥/٢).

٤٦٩
كتاب الصلح
ولو صالح الصبي المأذون من المسلم فيه على رأس المال جاز؛ لأن الصلح من المسلم
فيه على رأس المال إِقالة للعقد، والإقالة من باب التجارة؛ وكذلك لو اشترى سلعة وظهر بها
عيب فصالح البائع على أن قبلها جاز؛ لأن الثمن أنفع من المبيع المعيب عادة.
ولو صالحه البائع فحط عنه بعض الثمن لا شك فيه أنه يجوز؛ لأن الحط من البائع تبرع
منه على الصبي فيصح، ولو ادعى إِنسان عليه ديناً فأقر به فصالحه على أن حط عنه البعض،
جاز؛ لأن إقرار الصبي المأذون بالدين صحيح، فكان الصلح تبرعاً على الصبي بحط بعض
الحق الواجب عليه، والصبي من أهل أن يتبرع عليه فيصح.
وكذلك حرية المصالح ليست بشرط لصحة الصلح حتى يصح صلح العبد المأذون إذا
كان له فيه منفعة أو كان من التجارة، إلا أنه لا يملك الصلح على حط بعض الحق إذا كان له
عليه بينة، ويملك التأجيل كيف ما كان ويملك حط بعض الثمن لأجلِ العيب لما قلنا.
ولو صالحه البائع على حط بعض الثمن جاز لما ذكرنا في الصبي المأذون؛ وكذلك لو
ادعى على إِنسان ديناً وهو مأذون فأقر به ثم صالحه على أن حط بعضه، جاز؛ لأن إقرار العبد
المأذون بالدين صحيح، فكان الحط من المدعي تبرعاً على العبد ببعض الدين فيصح.
ولو حجر عليه المولى، ثم ادعى إِنسان عليه ديناً فأقر به وهو محجور، ثم صالحه عنه
على مال ضمنه بإقراره، فإن لم يكن في يده مال لا ينفذ الصلح، لأن إقرار المحجور لا ينفذ
إذا لم يكن في يده مال، وإذا لم ينفذ لم ينفذ الصلح فلا يطالب به للحال، ولكن يطالب به
بعد العتق؛ لأن إقراره من نفسه صحيح لصدوره من أهله إلا أنه إذا لم يظهر في حق المولى
للحال لمانع وهو حق المولى، فإِذا عتق زال المانع فيظهر حينئذٍ؛ وأما إذا كان في يده مال
فيجوز إقراره عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز.
وجه قولهما: أن هذا إقرار المحجور لبطلان الاذن بالحجر وإقرار المحجور غير
صحیح.
وجه قول أبي حنيفة: أن إقرار المحجور إِذا كان في يده مال صحيح؛ لأن العبد
المحجور من أهل الإقرار، وإِنما المانع من ظهوره حق المولى، فإذا كانت يده ثابتة على هذا
المال منع ظهور حق المولى؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إقراره فيمنع ظهور حق المولى
فيه، ويحتمل أن يكون كاذباً فلا يظهر فلا تبطل يده الثابتة عليه بالشك؛ بخلاف ما إذا لم يكن
في يده مال؛ لأن يد المولى ثابتة حقيقة والإقرار في نفسه محتمل، فلا يوجب بطلان يده الثابتة
حقيقة مع الشك والاحتمال.
وكذلك المكاتب نظير العبد المأذون في جميع ما ذكرنا؛ لأنه عبدٌ ما بقي عليه درهم

٤٧٠
کتاب الصلح
على لسانِ رَسُولَ اللَّهِ - وَله- فإن عجز المكاتب فادعى رجل عليه ديناً فاصطلحا على أن يأخذ
بعضه ويؤخر بعضه، فإن لم يكن له عليه بينة لا يجوز؛ لأنه لما عجز فقد صار محجوراً عن
التصرف فلا يصح صلحه، وَإِن كانت له عليه بينة جاز؛ لأنه وإِن عجز فالخصم في ديونه هو
فيملك التصرف فيها لحط البعض بالصلح.
ومنها: ألا يكون المصالح بالصلح على الصغير مضرّاً به مضرة ظاهرة؛ حتى أن من
ادعى على صبي ديناً فصالح أب الوصي من دعواه على مال الصبي الصغير؛ فإن كان للمدعي
بينة وما أعطي من المال مثل الحق المدعي أو زيادة يتغابن في مثلها، فالصلح جائز؛ لأن
الصلح في هذه الصورة لمعنى المعاوضة لإِمكان الوصول إِلى كل الحق بالبينة، والأب يملك
المعاوضة من مال الصغير بالغبن اليسير، وإِن لم تكن له بينة لا يجوز؛ لأن عند انعدام البينة
يقع الصلح تبرعاً بمال الصغير، وأنه ضرر محض فلا يملكه الأب.
ولو صالح من مال نفسه جاز؛ لأنه ما أضر بالصغير بل نفعه حيث قطع الخصومة عنه،
ولو ادعى أب الصغير على إِنسان ديناً للصغير فصالح على أن حط بعضه وأخذ الباقي، فإِن كان
له عليه بينة لا يجوز؛ لأن الحط منه تبرع من ماله وهو لا يملك ذلك.
وَإِن صالحه على مثل قيمة ذلك الشيء ونقص منه شيئاً يسيراً جاز؛ لأن الصلح في هذه
الصورة بمعنى البيع، وهو يملك البيع فيملك الصلح، وهل يملك الأب الحط من دين وجب
للصغير والإبراء عنه؟ هذا لا يخلو من أحد وجهين:
إِما إِن كان ولي ذلك العقد بنفسه، وَإِما إِن لم يكن وليه، فَإِن لم يكن وليه لا يجوز
بالإجماع؛ لأن الحط والإبراء من باب التبرع، والأب لا يملك التبرع لكونه مضرة محضة.
وَإِن كان وليه بنفسه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف لا يجوز وهذا على اختلافهم في الوكيل بالبيع إِذا أبرأ المشتري عن
الثمن أو حط بعضه، وقد ذكرناه في ((كتاب الوكالة))، ولا يجوز صلح أحد على حمل، أَباً كان
المصالح أو غيره.
وَإِن خرج حَيّاً بعد ذلك وورث وجازت الوصايا؛ لأنه لو صح عليه لكان لا يخلو إما أن
يصح على اعتبار الحال، وَإِما أن يصح على اعتبار الانفصال، لا سبيل إِلى الأول؛ لأن الصلح
عليه من باب تنفيذ الولاية وهو للحال لا يوصف بكونه مولياً عليه، ولا سبيل إلى الثانى؛ لأن
الصلح لا يحتمل الإضافة إِلى الوقت ويملك الأب استيفاء القصاص في النفس وما دونها، ولا
يملك الوصي استيفاء القصاص في النفس.
والفرق أَن استيفاء القصاص تصرف على نفس الصغير بالإحياء وتحصيل التشفي؛ قال

٤٧١
كتاب الصلح
الله تعالى - عزَّ شأنه -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [سورة البقرة، ١٧٩] وكذا منفعة التشفي راجعة
إِلى نفسه، وللأب ولاية على نفس الصغير ولا ولاية للوصي عليها، ولهذا ملك إِنكاحه دون
الوصي، إلا أنه يملك القصاص فيما دون النفس؛ لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال
لشبهه بالأموال.
ألا ترى أن القصاص لا يجري بين طرف الحر والعبد، ولا بين طرف الذكر والأنثى مع
جريان القصاص بينهم في الأنفس، ويستوفي القصاص فيما دون النفس في الحر كما يستوفي
في سائر الحقوق المالية فيه، ولا يستوفي القصاص في النفس فيه ويقضي بالنكول في الأطراف
كما يقضي به في الأموال عند أبي حنيفة، ولا يقضي به في الأنفس وله ولاية التصرف في
الحال والمآل فيلي التصرف فيما دون النفس، ويملك الأب الصلح عن القصاص في النفس
وما دونه؛ لأنه لما ملك الاستيفاء فلأن يملك الصلح أولى؛ لأنه أنفع من الاستيفاء.
وكذا الوصي يملك الصلح عن القصاص فيما دون النفس؛ لأنه يملك الاستيفاء فيما دون
النفس، فكذا الصلح عنه لأنه أنفع؛ وهل يملك الصلح عن القصاص في النفس، ذكر في
((کتاب الصلح» أنه لا يملك.
وذكر في ((الجامع الصغير)) أنه يملك؛ وكذا روى القدوري - رحمه الله -، فعل رواية
الجامع يحتاج إلى الفرق بين الاستيفاء وبين الصلح، ووجه الفرق بينهما ظاهر لما ذكرنا أن
القصاص تصرف في النفس بتحصيل الحياة والتشفي، ولا ولاية له على نفسه، فلا يملك
الاستيفاء، فأما الصلح فتصرف في المال وله ولاية التصرف في المال، وأنه فرق واضح.
وجه رواية الصلح أن الصلح اعتياض عن القصاص، فإذا لم يملك القصاص فكيف
يملك الاعتياض عنه، ولو صالح الأب أو الوصي على أقل من الدية في الخطأ وشبه العمد لا
يجوز؛ لأن الحط تبرع وهما لا يملكان التبرع بمال اليتيم، والحط القليل والكثير سواء؛
بخلاف الغبن اليسير في البيع أنهما يملكانه.
والفرق أن الحط نقصان متحققٌ؛ لأن الدية مقدرة بمقدار معلوم، فالنقصان عنه متحقق
وإِن قل، والنقصان في البيع غير متحقق؛ لأن العوض فيه غير مقدر لاختلافه بتقويم المقومين،
فإِذا لم يتقدر العوض لا يتحقق النقصان.
ومنها: أن يكون المصالح عن الصغير ممن يملك التصرف في ماله كالأب والجد
والوصي؛ لأن الصلح تصرف في المال فيختص بمن يملك التصرف فيه.
ومنها: أن لا يكون مرتداً عند أبي حنيفة، وعندهما صلحة نافذ؛ بناء على أن تصرفات

٤٧٢
کتاب الصلح
المرتد موقوفة عنده، وعندهما نافذة لكن عند محمد نفاذ تصرف المريض، وعند أبي يوسف
نفاذ تصرف من عليه القصاص في النفس، والمسألة تعرف في موضعها، إِن شاء الله تعالى.
وأما المرتدة فصلحها جائز بلا خلافٍ؛ لأن حكمها حكم الحربية إلا أنها إِذا التحقت
بدار الحرب وقضى القاضي بذلك، بطل بعضه دون بعض؛ كصلح الحربية لثبوت أحكام أهل
الحرب في حقها بالتحاقها بدار الحرب.
فصل [في الشروط التي ترجع إلى المصالح عليه]
وأما الشرائط التي ترجع إلى المصالح عليه فأنواع:
منها: أن يكون مالاً، فلا يصح الصلح على الخمر والميتة والدم وصيد الإِحرام والحرم،
وكل ما ليس لمال؛ لأن في الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصلح عوضاً في البياعات لا
يصلح بدل الصلح(١).
وكذا إذا صالح على عبد، فإِذا هو حر لا يصح الصلح؛ لأنه تبين أن الصلح لم يصادف
محله، وسواء كان المال عيناً أو ديناً أو منفعةً ليست بعينٍ ولا دينٍ؛ لأن العوض في
المعاوضات المطلقة قد يكون عيناً وقد يكون ديناً، وقد يكون منفعة إلا أنه يشترط القبض في
بعض الأعواض في بعض الأحوال دون بعضٍ.
وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو من أحد وجوه: إما أن يكون عيناً؛ وهو ما يحتمل
التعيين مطلقاً جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً واستحقاقاً؛ كالعروض من الثياب والعقار من الأرضين
والدور والحيوان من العبيد والدواب والمكيل من الحنطة والشعير والموزون من الصفر
والحدید.
وَإِما أن يكون ديناً وهو ما لا يحتمل التعيين من الدراهم والدنانير والمكيل الموصوف في
الذمة والموزون الموصوف سوى الدراهم والدنانير والثياب الموصوفة والحيوان الموصوف.
وَإِما أن يكون منفعة، وَإِما أن يكون حَقّاً ليس بعين ولا دين ولا منفعة، وبدل الصلح،
لا يخلو من أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة، والصلح لا يخلو من أن يكون عن إقرار المدعى
(١) الأصل في هذا الفصل أن الصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها روما لتصحيح تصرف العاقل
بقدر الإمكان فإذا كان عن مال بمال كان في معنى البيع فلا يصح الصلح على الخمر والميتة والدم وصيد
الإحرام والحرم ونحو ذلك لأن في الصلح معنى المعاوضة فيما لا يصلح للعوض في البيع لا يصلح
عوضه في الصلح.
ينظر درر الحكام من (٣٩٦/٢).

٤٧٣
كتاب الصلح
عليه أو عن إِنكاره(١) أو عن سكوته، فإن كان المدعي عيناً فصالح منها عن إِقرار يجوز، سواء
كان بدل الصلح عيناً أو ديناً بعد أن كان معلوم القدر والصفة، إِلا الحيوان وإلا الثياب إِلا
بجميع شرائط السلم؛ لأن هذا الصلح من الجانبين جميعاً في معنى البيع، فكان بدل الصلح
في معنى الثمن، وهذه الأشياء تصلح ثمناً في البياعات، عيناً كانت أو ديناً، إِلا الحيوان؛ لأنه
يثبت ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال أصلاً.
والثياب لا تثبت ديناً في الذمة إلا بشرائط السلم من بيان القدر والوصف والأجل،
والمكيل والموزون يثبتان في الذمة مطلقاً في المعاوضة المطلقة من غير أجل، ولا يشترط
قبضه في المجلس؛ لأنه ليس بصرفٍ، ولا في ترك قبضه افتراق عن دين بدين، بل هو افتراق
عن عينٍ بعينٍ، أو عين بدينٍ، وكل ذلك جائز وَإِن كان ديناً، فإِن كان دراهم أو دنانير فصالح
منها لا يخلو من أحد وجهين: إما أن صالح منها على خلاف جنسها أو على جنسها، فإِن
صالح منها على خلاف جنسها، فإِن صالح منها عى عين جاز؛ لأن الصلح عليها في معنى بيع
الدين بالعين وأنه جائز ولا يشترط القبض.
وَإِن صالح منها على دين سواه لا يجوز؛ لأنه بائع ما ليس عنده؛ لأن الدراهم والدنانير
أثمان أبداً، وما وقع عليه الصلح مبيع، فالصلح في هذه الصورة يقع بيع ما ليس عند البائع وأنه
منھي عنه.
وَإِن صالح منها على جنسها؛ فإِن صالح من دراهم على دراهم فهذا لا يخلو من ثلاثة
أوجه: إِما أَن صالح على مثل حقه، وإما أن صالح على أقل من حقه، وَإِما أَن صالح على أكثر
من حقه، فإِن صالح على مثل حقه قدراً ووصفاً بأن صالح من ألف جياد على ألف جياد، فلا
شك في جوازه، ولا يشترط القبض؛ لأن هذا استيفاء عين حقه أصلاً ووصفاً.
ولو صالح على أقل من حقه قدراً ووصفاً بأنْ صالح من الألف الجياد على خمسمائة
نبهرجة(٢)، يجوز أيضاً، ويحمل على استيفاء بعض عين الحق أصلاً والإبراء عن الباقي أصلاً
ووصفاً؛ لأَن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن.
ولو حمل على المعاوضة يؤدي إلى الربا لأنه يصير بائعاً ألفاً بخمسمائة، وأنه رباً،
فيحمل على استيفاء بعض الحق والإِبراء عن الباقي، ولا يشترط القبض ويجوز مؤجلاً؛ لأن
جوازه ليس بطريق المعاوضة ليكون صرفاً.
(١) وكل ذلك جائز لقوله تعالى ﴿والصلح خير﴾ ((خير)) عرفه بالألف واللام فالظاهر العموم.
(٢) نبهرجة: الزيف الرديء. ترتيب القاموس (نبهرج)

٤٧٤
كتاب الصلح
وكذلك إِن صالح على أقل من حقه وصفاً لا قدراً؛ بأن صالح عن ألف جياد على ألف
نبهرجة، أو صالح على أقل من حقه قدراً لا وصفاً؛ بأن صالح من ألف جياد على خمسمائة
جيدة، يجوز؛ ويحمل على استيفاء البعض، والحط والإِبراء والتجوز بدون الحق أصلاً ووصفاً
يجوز من غير قبض ومؤجلاً.
ولو صالح على أكثر من حقه قدراً ووصفاً؛ بأن صالح من ألف نبهرجة على ألف
وخمسمائة جياد، أو صالح على أكثر من حقه قدراً لا وصفاً؛ بأن صالح من ألف جياد على
ألف وخمسمائة نبهرجة؛ لا يجوز؛ لأنه رباً؛ لأنه يحمله على المعاوضة هنا لتعذر حمله على
استيفاء البعض وإسقاط الباقي، وإن صالح على أكثر من حقه وصفاً لا قدراً بأن صالح من ألف
نبهرجة على ألف جياد، جاز، ويشترط الحلول أو التقابض، حتى كان الصلح مؤجلاً إِن لم
يقبض في المجلس يبطل؛ لأنه صرف، وأما إِذا صالح على أكثر من حقه وصفاً وأقل منه
قدراً؛ بأن صالح من ألف نبهرجة على خمسمائة جياد لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وهو
قول أبي يوسف الآخر، وكان يقول أولاً: لا يجوز، ثم رجع.
وجه قوله الأول أن هذا حط بعض حقه؛ وهو خمسمائة نبهرجة فيبقى عليه خمسمائة
نبهرجة، إلا أنه أحسن في القضاء بخمسمائة جيدة، فلا يمنع عنه؛ حتى إنه لو امتنع لا يكون
علیه إِلا خمسمائة نبهرجة.
وجه ظاهر الرواية أن الصلح من الألف النبهرجة على الخمسمائة الجيدة اعتياض عن
صفة الجودة، وهذا لا يجوز؛ لأن الجودة في الأموال الربوية لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها؛
لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((جَيْدُهَا وَرَدِيثُهَا سَوَاءٌ)) (١) فلا يصح الاعتياض عنها لسقوط
قيمتها شرعاً، والساقط شرعاً والعدم الأصلي سواء؛ ولأن الصلح على هذا الوجه لا يخلو إِما
أن يجعل استيفاء لعين الحق أو يجعل معاوضة لا سبيل إلى الأول؛ لأن حقه في الرديء لا في
الجيد، فيحمل على المعاوضة فيصير بائعاً ألف نبهرجة بخمسمائة جيدة، فيكون ربّاً؛ وكذلك
حكم الدنانير والصلح منها على دنانير؛ كحكم الدراهم في جميع ما ذكرنا، ولو صالح من
دراهم على دنانير أو من دنانير على دراهم، جاز، ويشترط القبض في المجلس لأنه صرف.
ولو ادعى ألف درهم ومائة دينار فصالحه على مائة درهم إِلى شهر جاز، وطريق جوازه
بأن يجعل حطاً لا معاوضة؛ لأنه لو جعل معاوضة لبطل لأنه يصير بعض المائة عوضاً عن
الدنانير والبعض عوضاً عن الدراهم، فيصير بائعاً تسعمائة بخمسين فيكون رباً، وأمور
(١) تقدم.

٤٧٥
كتاب الصلح
المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن، وأمكن أن يجعل حطاً للدنانير أصلاً وبعض
الدراهم وذلك تسعمائة، وتأجيل البعض وذلك مائة إِلى شهر؛ وكذلك لو كان عليه ألف درهم
وكر فصالحه على مائة، جاز، وطريق جوازه أن يجعل حطّاً وإسقاطاً للكر لا معاوضة؛ لأن
استبدال المسلم فيه لا يجوز، ولو كان المالان عليه لرجل لأحدهما دراهم والآخر دنانير،
فصالحه على مائة درهم، جاز، وطريقة جوازه أن يعتبر معاوضة في حق أحدهما وحطّاً
وإسقاطاً في حق الآخر، وذلك أن يقسم بدل الصلح على قدر قيمة دينيهما من الدراهم
والدنانير، فالقدر الذي أصاب الدنانير يكون عوضاً عنها، فيكون صرفاً، فيراعي فيه شرائط
الصرف فيشترط القبض في المجلس والقدر الذي أصاب الدراهم لا يجوز أن يجعل عوضاً؛
لأنه يؤدي إلى الربا، فيجعل الصلح في حقه استيفاء لبعض الحق وَإِبراء عن الباقي.
والأصل أن الصلح متى وقع على أقل من جنس حقه من الدراهم والدنانير يعتبر استيفاء
لبعض الحق وإِبراء عن الباقي، ومتى وقع على أكثر من جنس حقه منها أو وقع على جنس آخر
من الدين والعين يعتبر معاوضة؛ لأنه لا يمكن حمله على استيفاء عين الحق والإِبراء عن
الباقي؛ لأن استيفاء عين الحق من جنسه يكون ولم يوجد فيعتبر معاوضة، فما جازت به
المعاوضات؛ يجوز هذا؛ وما فسدت به تلك يفسد به هذا، وقد ذكرنا بعض مسائل هذا
الأصل.
وعلى هذا إذا صالح من ألف حالة على ألف مؤجلة، جاز، ويعتبر حطّاً للحلول وتأجيلاً
للدين وتجوزاً بدون من حقه لا معاوضة.
ولو صالح من ألف حالة على خمسمائة قد ذكرنا أنه يجوز ويعتبر استيفاء لبضع حقه
وإبراء عن الباقي، وأما إِذا صالح على خمسمائة أن يعطيها إِياه، فهذا لا يخلو من أحد
وجهين: إِما أَن وقت لأداء الخمسمائة وقتاً، وإِما أَن لم يؤقت، فإن لم يؤقت فالصلح جائز
ويكون حطّاً للخمسمائة؛ لأن هذا الشرط لا يفيد شيئاً لم يكن من قبل.
ألا ترى أنه لو لم يذكر للزمه الإعطاء فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدة، وكذلك
الحط على هذا بأن قال للغريم: خططتُ عنك خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة؛ لما بينا.
وَإِن وقت بأن قال: صالحتك على خمسمائة على أن تعطنيها اليوم، أو على أن تعجلها
اليوم فأما إِن اقتصر على هذا القدر ولم ينص على شرط العدم، وأما إِن نص عليه فقال: فإن
لم تعطني اليوم، أو أن لم تعجل اليوم أو على أن تعجلها اليوم فالألف عليك، فإن نص عليه
فإن أعطاه وعجلت في اليوم فالصلح ماض وبرىء عن خمسمائة، وإِن لم يعطه حتى مضى
اليوم فالألف عليه بلا خلافٍ، وكذلك الحط على هذا.

٤٧٦
1
كتاب الصلح
وأما إذا اقتصر عليه ولم ينص على شرط العدم، فإن أعطاه في اليوم برىء عن خمسمائة
بالإِجماع، وأما إذا لم يعطه حتى مضى اليوم، بطل الصلح، والألف عليه عند أبي حنيفة
ومحمد، وعند أبي يوسف الصلح ماض وعليه خمسمائة فقط.
وجه قوله أَن شرط التعجيل ما أفاده شيئاً لم يكن من قبل، لأن التعجيل كان واجباً عليه
بحكم العقد، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدة، ولو سكت عنه لكان الأمر على ما
وصفنا؛ فكذا هذا؛ بخلاف ما إذا قال: فإن لم تفعل فكذا؛ لأن التنصيص على عدم الشرط
نفي للمشروط عند عدمه، فكان مفيداً.
وجه قولهما: أن شرط التعجيل في هذه الصورة شرط انفساخ العقد عند عدمه، بدلالة
حال تصرف العاقل؛ لأن العاقل يقصد بتصرفه الإفادة دون اللغو واللعب والعبث، ولو حمل
المذكور على ظاهر شرط التعجيل للغا؛ لأن التعجيل ثابت بدونه، فيجعل ذكر شرط التعجيل
ظاهراً شرطاً؛ لانفساخ العقد عند عدم التعجيل، فصار كأنه نص على هذا الشرط، فقال: فإن
لم تعجل فلا صلح بيننا، ولو كان كذلك لكان الأمر على ما نص عليه؛ فكذا هذا.
وتبين بهذا أن هذا تعليق الفسخ بالشرط لا تعليق العقد، كما إذا باع بألف على أن ينقد
الثمن إِلى ثلاثة أيام، فإن لم ينقده فلا بيع بينهما، وذلك جائز لدخول الشرط على الفسخ لا
على العقد، فكذا هذا.
وكذلك لو أخذ منه كفيلاً وشرط على الكفيل أنه إِن لم يوفه خمسمائة إلى رأس الشهر،
فعليه كل المال، وهو الألف، فهو جائز والأَلَف لازمة للكفيل إِن لم يوفه؛ لأنه جعل عدم
إيفاء الخمسمائة إلى رأس الشهر شرطاً للكفالة بألف، فإذا وجد الشرط ثبت المشروط، ولو
ضمن الكفيل الألف ثم قال: حططت عنك خمسمائة على أن توفيني رأس الشهر خمسمائة،
فإن لم تفعل فالألف عليك، فهذا أوثق من الباب الأول؛ لأن هذا هنا علق الحط بشرط
التعجيل، وهو إيفاء الخمسمائة رأس الشهر، وجعل عدم هذا الشرط شرطاً لانفساخ الحط،
وفي الباب الأول جعل عدم التعجيل شرطاً للعقد وهو الكفالة بالألف، والفسخ للشرط أقبل
من العقد؛ لذلك كان الثاني أوثق من الأول.
وكذلك لو جعل المال نجوماً بكفيل أو بغير كفيل، وشرط أنه إن لم يوفه كل نجم عند
محله، فالمال حال عليه، فهو جائز على ما شرط؛ لأنه جعل الإخلال بنجم شرطاً لحلول كل
المال عليه، وأنه صحيح.
ولو كان له عليه ألف فقال: أدّ إليَّ من الألف خمسمائة غداً؛ على أنك بريء من
الباقي، فإن أدَّى إِليه خمسمائة غداً يبرأ من الباقي إِجماعاً، وَإِن لم يؤد فعليه الألف عند أبي
حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ليس عليه إلا خمسمائة، وقد مرت المسألة.

٤٧٧
كتاب الصلح
ولو قال: إِن أديت إلي خمسمائة فأنت بريء من الباقي، أو قال: متى أديت فأدى
إليه خمسمائة لا يبرئ عن الخمسمائة الباقية حتى يبرئه، وكذلك إذا قال لمكاتبه ذلك فأدى
خمسمائة، لا يبرأ عن الباقي حتى يبرئه؛ لأن هذا تعليق البراءة بالشرط، وأنه باطل؛
بخلاف ما إذا كان بلفظ الصلح أو الحط أو الأمر؛ لأن ذلك ليس تعليق بالبراءة بالشرط
على ما مرَّ.
!
ولو قال لمكاتبه: إِن أديت إلى خمسمائة فأنت حُرٍّ، فأدى خمسمائة عتق؛ لأن هذا
تعليق العتق بالشرط، وذلك في حق المكاتب صحيح، ولو كان له على إنسان ألف مؤجلة
فصالح منها، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن صالح منها على أقل من حقه أو على تمام
حقه، وكل ذلك لا يخلو من أن يشترط التعجيل أو لم يشترط، فإن صالح على أقل من حقه
قدراً أو وصفاً، أو قدراً ووصفاً ولم يشترط التعجيلٍ لما وقع عليه الصلح، جاز، ويكون حطّاً
وتجوزاً بدون حقه، وله أن يأخذ الباقي بعد حل الأجل.
وإِن شرط التعجيل، فالصلح باطل وعليه رد ما قبض والرجوع برأس ماله بعد حل
الأجل؛ لأن فيه معاوضة الأجل وهو التعجيل بالحط، وهذا لا يجوز لأن الأجل ليس بمال.
وَإِن صالح على تمام حقه جاز، وَإِن شرط التعجيل، فإِن صالح من ألف مؤجلة على
ألف معجلة لكن بشرط القبض قبل الافتراق عن المجلس؛ وكذلك حكم الدنانير على هذا،
ولو كان الواجب عليه قيمة المستهلك، فإِن كان المستهلك من ذوات القيمة فصالح، فإِن
صالح على الدراهم والدنانير حالة أو مؤجلة؛ جاز الصلح؛ لأن الواجب في ذمته قبل المتلف
صورة ومعنى؛ كذا الاستهلاك تحقيقاً للمماثلة المعلقة ثم يملكه بأداء الضمان، فإِذا صالح كان
هذا الصلح على عين حقه فيجوز على أيّ وصف كان.
وَإِن صالح على غير الدراهم والدنانير؛ إِن كان عيناً جاز، ولا يشترط القبض، وَإِن كان
ديناً موصوفاً يجوز أيضاً، لكن القبض في المجلس شرط، ولو كان الواجب عليه مثل
المستهلك، فإِن كان من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون الذي ليس في تبعيضه ضرر، فحكم
الصلح فيه كحكم الصلح في كر الحنطة، فنقول وبالله التوفيق: إذا كان المدعي ديناً سوى
الدراهم والدنانير، فإن كان مكيلاً بأن كان كر حنطة مثلاً، فصالح منه لا يخلو من أحد
وجھین :
إِما أَن صالح على جنسه أو على خلاف جنسه، فإِن صالحٍ على جنسه لا يخلو من ثلاثة
أوجه: إِما أَن صالح على مثل حقه، وإما على أقل منه، وإما أن صالح على أكثر منه، فإِن
صالح على مثل حقه قدراً ووصفاً جاز، ولا يشترط القبض؛ لأنه استوفى عين حقه .

٤٧٨
كتاب الصلح
وَإِن صالح على أقل من حقه قدراً ووصفاً جاز، ويكون حطاً لا معاوضة؛ لما ذكرنا في
الدراهم، ولا يشترط القبض ويكون مؤجلاً.
وَإِن صالح على أقل من حقه وصفاً لا قدراً جاز أيضاً، ويكون استيفاء لعين حقه أصلاً
وإبراء له عن الصفة، فلا يشترط للقبض، ويجوز حتى لا يبطل بالتأجيل أو تركه ويعتبر رضا
بدون حقه، ولو صالح على أكثر من حقه قدراً ووصفاً أو قدراً لا وصفاً لا يجوز؛ لأنه رباً.
وَإِن صالح على أكثر منه وصفاً لا قدراً بأن صالح من كر رديء على كر جيد جاز،
ويعتبر معاوضة احترازاً عن الافتراق عن دين بدين، ولو صالح منه على كر مؤجل جاز؛ لأَنّه
حط حقه في الحلول ورضي بدون حقه؛ كما في الدراهم والدنانير.
هذا إذا كان أثر الدين حالاً، فإِن كان مؤجلاً فصالح على بعض حقه أو على تمام حقه،
فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الصلح من الألف المؤجلة من غير تفاوت، هذا إذا صالح من
الكر على جنسه، فإِن صالح على خلاف جنس حقه، فإن كان الكر الذي عليه سلماً لا يجوز
بحال؛ لأن الصلح على خلاف جنس المسلم فيه يكون معاوضة، وفيه استبدال المسلم فيه قبل
قبضه، إِلا أن يكون الصلح منه على رأس المال يجوز؛ لأن الصلح من المسلم فيه على رأس
المال يكون إِقالة للسلم وفسخاً له، وذلك جائز، وإِن لم يكن سلماً فصالح على خلاف جنس
حقه، فإن كان ذلك من الدراهم والدنانير جاز، ويشترط القبض، وَإِن كان معيناً مشاراً إِليه؛
لأنها لا تتعين بالتعيين، فكان ترك قبضه افتراقاً عن دين بدين، وَإِن كان ذلك من المكيلات
وهو عين، جاز ولا يشترط القبض.
وَإِن كان موصوفاً في الذمة جاز أيضاً، فرق بين هذا وبين ما إذا كان عليه دراهم أو دنانير
فصالح منها على مكيل أو موزون موصوف في الذمة؛ أنه لا يجوز لأن ذلك مبيع.
ألا ترى أنه قُوبل بالأثمان والمبيع ما يقابل بالثمن، وهذا لا يقابل بالثمن فلا يكون مبيعاً
إلا أنه لا بد من القبض في المجلس احترازاً من الافتراق عن دين بدين، وَإِن كان من العروض
والحيوان، فإِن كان عيناً جاز، وَإِن كان ديناً يجوز في الثياب الموصوفة إذا أتى بشرائط السلم،
لكن القبض في المجلس شرط احترازاً عن الافتراق عن دين بدين، ولا يجوز في الحيوان
الموصوف بحال؛ لأنه لا يثبت ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال؛ وكذلك إذا كان المدعي
موزوناً ديناً موصوفاً في الذمة، فصالح منه على جنسه أو على خلاف جنسه، إِلى آخر ما ذكرنا
في المكيل الموصوف.
هذا إذا كان المدعي مكيلاً أو موزوناً ديناً موصوفاً في الذمة، فإِن كان ثوب السلم فصالح
منه، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن صالح منه على جنسه، وَإِما أَن صالح منه على

٤٧٩
كتاب الصلح
منه، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إِما أَن صالح منه على جنسه، وَإِما أَن صالح منه على
خلاف جنسه، فإن صالح على جنسه فهو على ثلاثة أوجه: إِما أَن صالح على مثل حقه أو أكثر
منه أو أقل، فإن صالح على مثل حقه قدراً ووصفاً، فإن صالح من ثوب هروي جيد على ثوب
هروي جيد، جاز، ولا يشترط القبض؛ لأنه استوفى عين حقه.
وكذلك إِن صالح على أقل من حقه قدراً ووصفاً أو وصفاً لا قدراً، يجوز ويكون هذا
استيفاء لبعض عين حقه، وحطّاً للباقي وإِبراء عنه أصلاً ووصفاً، والإِبراء عن المسلم فيه
صحیح؛ لأن قبضه ليس بواجب.
وَإِن صالح على أقل من حقه قدراً لا وصفاً بأن صالح من ثوب رديء على نصف ثوب
جيد، جاز؛ بخلاف الدراهم والدنانير والمكيل والموزون الموصوفين؛ بأن صالح من ألف
نبهر جة على خمسمائة جیاد، أو صالح من کر رديء على نصف کر جید، أو صالح من حدید
رديء على نصف من جيد؛ أنه لا يجوز.
والفرق أن المانع من الجواز هو الاعتياض عن الجودة هنا جائز؛ لأن الجودة في غير
الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها لها قيمة؛ بخلاف الأموال الربوية، وهذا لأن الأصل أن
تكون الجودة متقومة في الأموال كلها؛ لأنها صفة مرغوبة ببذل العوض في مقابلتها إلا أن
الشرع أسقط اعتبارها في الأموال الربوية تعبداً بقوله: ((جَيِّدُهَا وَرَدِيْتُهَا سَوَاءٌ))، فبقيت متقومة في
غيرها على الأصل، فيصح الاعتياض عنها.
وَإِن صالح على أكثر من حقه قدراً ووصفاً؛ بأن صالح من ثوب هروي جيد على ثوبين
هرويين جيدين؛ يجوز لكن يشترط القبض؛ لأن جوازه بطريق المعاوضة والجنس بانفراده
یحرم النساء، فلا بد من القبض لئلا يؤدي إلى الربا.
وكذلك إِن صالح على أكثر من حقه قدراً لا وصفاً؛ بأن صالح عن ثوب هروي جيد
على ثوبين هروين رديئين، جاز، والقبض شرط لما ذكرنا، ولو صالح على أكثر من حقه وصفاً
لا قدراً؛ بأن صالح من ثوب رديء على ثوب جيد، جاز؛ لأنه معاوضة؛ إذ لا يمكن حمله
على استيفاء عين الحق؛ لأن الزيادة غير مستحقة له فيحمل على المعاوضة، ويشترط القبض
لئلا يؤدي إلى الربا.
وَإِن صالح على خلاف جنس حقه كائناً ما كان لا يجوز، ديناً كان أو عيناً؛ لأَن فيه
استبدال المسلم فيه قبل القبض، وأنه لا يجوز إلا على رأس مال السلم؛ لأن الصلح عليه
يكون إقالة وفسخاً لا استبدالاً.

٤٨٠
كتاب الصلح
وَإِن كان المدعي حيواناً موصوفاً في الذمة في قتل الخطأ أو شبه العمد، فصالح، فنقول
الجملة فيه أن هذا في الأصل لا يخلو من وجهين، إما أن صالح على ما هو مفروض في باب
الدية في الجملة، وإِما أَن صالح على ما ليس بمفروض في الباب أصلاً.
وكل ذلك لا يخلو إِما أَن صالح قبل تعيين القاضي نوعاً من الأنواع المفروضة، أو بعد
تعيينه نوعاً منها، فإن صالح على المفروض قبل تعيين القاضي بأن صالح على عشرة آلاف
درهم، أو على ألف دينار، أو على مائة من الإِبل، أو على مائة بقرة، أو على ألفي شاة، أو
على مائتي حلة - جاز الصلح وهو في الحقيقة تعيين منها للواجب من أحد الأنواع المفروضة
بمنزلة تعيين القاضي، فيجوز ويكون استيفاء لعين حقه الواجب عند اختياره ذلك فعلاً برضا
القاتل .
وكذا إِذا صالح على أقل من المفروض يكون استيفاء لبعض عين الحق وإبراء عن
الباقي، وَإِن صالح على أكثر من المفروض لا يجوز لأنه ربا، ولو صالح بعد ما عين
القاضي نوعاً منها، فإن صالح على جنس حقه المعين، جاز إذا كان مثله أو أقل منه،
وإِن كان أكثر لا يجوز؛ لأنه ربا، وإن صالح على خلاف الجنس المعين؛ فإن كان من
جنس المفروض في الجملة بأن عين القاضي مائة من الإبل فصالح على مائة من البقر،
أو أكثر، جاز وتكون معاوضة؛ لأن الإبل تعينت واجبة بتعيين القاضي، فلم يبق غيره
واجباً، فكانت البقر بدلاً عن الواجب في الذمة، فكانت معاوضة، ولا بد من القبض
احترازاً عن الافتراق عن دين بدين؛ وكذلك إِذا كان من خلاف جنس المفروض؛ بأن
صالح على مكيل أو موزون سوى الدراهم والدنانير، جاز، ويكون معاوضة، ويشترط
التقابض لما قلنا .
ولوٍ صالح على قيمة الإِبل أو أكثر مما يتغابن الناس فيه، جاز؛ لأن قيمة الإِبل دراهم
ودنانير وأنها ليست من جنس الإِبل، فكان الصلح عليها معاوضة فيجوز، قل أو أكثر، ولا
يشترط القبض.
وَكَذَلك إذا صالح من الإِبل على دراهم في الذمة وافترقا من غير قبض، جاز، وَإِن كان
هذا افتراقاً عن دين بدين؛ لأن هذا المعنى ليس بمعاوضة، بل هو استيفاء عين حقه؛ لأن
الحيوان الواجب في الذمة وإِن كان ديناً لكنه ليس بدين لازم؛ ألا ترى أن من عليه إِذا جاء
بقيمته يجبر من له على القبول بخلاف سائر الديون، فلا يكون افتراقاً عن دين بدين حقيقة.
هذا إذا قضى عليه القاضي بالإِبل، فإن قضى عليه بالدراهم والدنانير، فصالح من مكيل
أو موزون سوى الدراهم والدنانير أو بقر ليس عنده؛ لا يجوز؛ لأن ما يقابل هذه الأشياء