Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الحوالة
وجه قوله أَن الحوالة شُرعت وثيقة للدين كالكفالة، وليس من الوثيقة براءة الأول، بل
الوثيقة في مطالبة الثاني مع بقاء الدين على حاله في ذمة الأول من غير تغيير، كما في الكفالة
سواء .
وَلَنَا أن الحوالة مشتقة من التحويل وهو النقل، فكان معنى الانتقال لازماً فيها، والشيء
إِذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول ضرورة، ومعنى الوثيقة يحصل بسهولة الوصول
من حيث الملاءة والإنصاف، ولو كفل بشرط براءة الأصيل جاز، وتكون حوالة؛ لأنه أتى
بمعنى الحوالة .
واختلف مشايخنا المتأخرون في كيفية النقل مع اتفاقهم على ثبوت أصله موجباً للحوالة،
وقال بعضهم أنها نقل المطالبة والدين جميعاً، وقال بعضُهم أنها نقل المطالبة فحسب، فأما
أصل الدين فباق في ذمة المحيل.
وجه قول الأولين دلالة الإجماع والمعقول؛ أما دلالة الإِجماع فلأنا أجمعنا على أنه لو
أبرأ المحال عليه من الدين أو وهب الدين منه صحت البراءة والهبة، ولو أبرأ المحيل من الدين
أو وهب الدين منه لا يصح، ولولا أن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه وفرغت ذمة المحيل
عن الدين لما صح الأول؛ لأن الإِبراء عن الدين وهبة الدين ولا دين محال، ولصح الثاني لأن
الإِبراء عن دين ثابت وهبته منه صحيح، وإِن تأخرت المطالبة كالإِبراء عن الدين المؤجل.
وأما المعقول فلأنَّ الحوالة توجب النقل؛ لأنها مشتقة من التحويل وهو النقل، فيقتضي
نقل ما أضيف إليه، وقد أضيف إلى الدين لا إلى المطالبة؛ لأنه إِذا قال أحلت بالدين أو أحلت
فلاناً بدينه، فيوجب انتقال الدين إِلى المحال عليه، إلا أنه إذا انتقل أصل الدين إِليه، تنتقل
المطالبة؛ لأنها تابعة، وجه قول الآخرين دلالة الإِجماع والمعقول.
أما دلالة الإِجماع فإن المحيل إِذا قضى دين الطالب بعد الحوالة قبل أن يؤدي المحال
عليه لا يكون متطوعاً ويجبر على القبول، ولو لم يكن عليه دين لكان متطوعاً، فينبغي أن لا
يجبر على القبول؛ كما إِذا تطوع أجنبي بقضاء دين إِنسان على غيره؛ وكذلك المحال لو أبرأ
المحال عليه عن دين الحوالة لا يرتد برده، ولو وهبه منه يرتد برده، كما إِذا أبرأ الطالب
الكفيل أو وهب منه، ولو انتقل الدين إِلى ذمة المحال عليه لما اختلف حكم الإبراء والهبة ولا
ارتدا جميعاً بالرد، كما لو أبرأ الأصيل أو وهب منه.
وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرجع على المحيل، وإِن كانت
الحوالة بأمره كما في الكفالة.
ولو وهب الدين منه له أن يرجع عليه إذا لم يَكُنْ للمحيل عليه دين؛ كما في الكفالة .

٤٢٢
كتاب الحوالة
ولو كان له عليه دين يلتقيان قصاصاً كالكفالة، فدلت هذه الأحكام على التسوية بين الحوالة
والكفالة، ثم إِن الدين في باب الكفالة ثابت في ذمة الأصيل؛ فكذا في الحوالة.
وأما المعقول فهو أن الحوالة شرعت وثيقة للدين بمنزلة الكفالة، وليس من الوثيقة إبراء
الأول، بل الوثيقة في نقل المطالبة مع قيام أصل الدين في ذمة المحيل.
ومنها: ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته أو في ذمة المحيل؛
على حسب ما ذكرنا من اختلاف المشايخ فيه؛ لأن الحوالة أوجبت النقل إلى ذمة المحال عليه
بدين في ذمته، إِما نقل الدين والمطالبة جميعاً، وإِما نقل المطالبة لا غير، وذلك يوجب حق
المطالبة للمحال على المحال عليه.
ومنها: ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال، فكلما لازمه
المحال فله أن يلازم المحيل ليتخلص عن ملازمه المحال، وإذا حبسه له أن يحبسه إذا كانت
الحوالة بأمر المحيل، ولم يكن على المحال عليه دين مثله للمحيل؛ لأنه هو الذي أوقعه في
هذه العهدة، فعليه تخليصه منها.
وإِن كانت الحوالة بغير أمره أو كانت بأمره ولكن للمحيل على المحال عليه دين مثله،
والحوالة مقيدة؛ لم يكن للمحال عليه أن يلازم المحيل إذا لوزم، ولا أن يحبسه إِذا حبس؛
لأن الحوالة إِذا كانت بغير أمر المحيل كان المحال عليه متبرعاً، وإِن كان للمحيل عليه دين
مثله وقيد الحوالة به، فلو لازمه المحال عليه لكان المحيل أن يلازمه أيضاً، فلا يفيد، والله -
عَزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل [فيمايخرج به المحال عليه من الحوالة]
وأما بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة، فنقول وبالله التوفيق: أنه يخرج من
الحوالة بانتهاء حكم الحوالة، وحكم الحوالة ينتهي بأشياء :
منها: فسخ الحوالة؛ لأن فيها معنى معارضة المال بالمال، فكانت محتملة للفسخ،
ومتى فسخ تعود المطالبة إِلى المحيل.
ومنها: التوي عند علمائنا، وعند الشافعي - رحمه الله - حكم الحوالة لا ينتهي بالتوي،
ولا تعود المطالبة إِلى المحيل.
واحتج بما روي عن رسول الله - وَّ - أنه قال: ((مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَليءٍ فَلْيتَبَغْ)) ولم
يفصل - عليه الصّلاة والسلام -، ولأن الحوالة مبرئة بلا خلافٍ، وقد عقدت مطلقة عن شريطة
السلامة فتفيد البراءة مطلقاً .

٤٢٣
كتاب الحوالة
ولنا ما روي عن سيدنا عثمان - رضي الله عنه - أنه قال في المحال عليه إِذا مات مفلساً
عاد الدين إلى ذمة المحيل، وقال: لا توى على مال امرئ مسلم، وعن شريح مثل ذلك، ذكره
محمد في الأصل، ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة خلافه، فكان إِجماعاً، ولأن الدين كان ثابتاً
في ذمة المحيل قبل الحوالة.
والأصل أن الدين لا يسقط إلا بالقضاء، قال النبي - عليه الصلاة والسلام - ((الدِّينُ
مَقْضِيٌّ)) إلا أنه الحق الإِبراء بالقضاء في السقوط، والحوالة ليست بقضاء ولا إبراء، فبقي الدين
في ذمته على ما كان قبل الحوالة، إِلا أن بالحوالة انتقلت المطالبة إِلى المحال عليه، لكن إِلى
غاية التوي؛ لأن حياة الدين بالمطالبة، فإذا توى لم تبق وسيلة إِلى الأحياء، فعادت إلى محلها
الأصلي، ولا حجة له في الحديث؛ لأنه - عليه الصّلاة والسلام - علق الحكم بشريطة الملاءة،
وقد ذهبت بالإِفلاس، ثم التوي عند أبي حنيفة - رحمه الله - بشيئين لا ثالث لهما.
أحدهما: أن يموت المحال عليه مفلساً.
والثاني: أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينه للمحال، وقد قال أبو يوسف ومحمد بهما
وبثالث وهو أن يفلس المحال عليه حال حياته ويقضي القاضي بإفلاسه، بناء على أن القاضي
يقضي بالإفلاس حال حیاته عندهما، وعنده لا يقضي به.
ومنها: أداء المحال عليه إِلى المحال، فإِذا أدى المال خرج عن الحوالة، إِذ لا فائدة في
بقائها بعد انتهاء حکمها .
ومنها: أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله، ومنها: أن يتصدق به عليه ويقبله؛
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء، ومنها: أن يموت المحال فيرثه المحال عليه، ومنها: أن
يبرئه من المال، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل [في بيان الرجوع بعد الخروج]
وأما بيان الرجوع، فجملة الكلام في الرجوع في موضعين: في بيان شرائط الرجوع،
وفي بيان ما يرجع به، أما شرائطه فأنواع:
منها: أن تكون الحوالة بأمر المحيل، فإِن كانت بغير أمره لا يرجع؛ بأن قال رجل
للطالب، أن لك على فلان كذا وكذا من الدين، فاحتل بها علي، فرضي بذلك الطالب،
جازت الحوالة، إلا أنه إذا أدى لا يرجع على المحيل؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار
المحال مملكاً الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال، فكان له أن يرجع بذلك على
المحيل، وإن كان بغير أمره لا يوجد معنى التمليك، فلا تثبت ولاية الرجوع.

٤٢٤
كتاب الحوالة
ومنها: أداء مال الحوالة، أو ما هو في معنى الأداء كالهبة والصدقة إذا قبل المحال عليه،
وكذا إِذا ورثه المحال عليه؛ لأن الإرث من أسباب الملك، فإذا ورثه فقد ملكه، فكان له حق
الرجوع .
ولو أبرأ المحال المحال عليه من الدين لا يرجع على المحيل؛ لأن الإِبراء إسقاط حقه،
فلا يعتبر فيه جانب التمليك إلا عند اشتغاله بالرد، فإذا لم يوجد بقي إِسقاطاً محضاً، فلم
يملك المحال عليه شيئاً، فلا يرجع.
ومنها: أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله، فإن كان لا يرجع؛ لأن الدينين
التقيا قصاصاً؛ لأن لو رجع على المحيل لرجع المحيل عليه أيضاً، فلا يفيد فيتقاصا الدینین،
فبطل حق الرجوع.
وأما بيان ما يرجع به، فنقول وبالله التوفيق: أن المحال عليه يرجع بالمحال به لا
بالمؤدي، حتى لو كان الدين المحال به دراهم فنقد المحال عليه دنانير عن الدراهم أو كان
الدين دنانير فنقده دراهم عن الدنانير، فتصارفا، جاز، ويراعى فيه شرائط الصرف، حتى لو
افترقا قبل القبض أو شرطا فيه الآجل والخيار، يبطل الصرف ويعود الدين إِلى حاله.
وإِذا صحت المصارفة فالمحال عليه يرجع على المحيل بمال الحوالة لا بالمؤدي؛ لأن
الرجوع بحكم الملك وأنه يملك دين الحوالة لا المؤدي، بخلاف المأمور بقضاء الدين لما
ذكرنا في ((كتاب الكفالة))؛ وكذا إِذا باعه بالدراهم أو الدنانير عرضاً يرجع بمال الحوالة لما
ذكرنا .
وكذا إذا أعطاه زيوفاً مكان الجياد، وتجوز بها المحال رجع على المحيل بالجياد لما
قلنا .
ولو صالح المحال المحال عليه، فإِن صالحه على جنس حقه وأبرأه عن الباقي، يرجع
على المحيل بالقدر المؤدي؛ لأنه ملك ذلك القدر من الدين فيرجع به.
وإِن صالح على خلاف جنس حقه بأن صالحه من الدراهم على دنانير أو على مال آخر
يرجع على المحيل بكل الدين؛ لأن الصلح على خلاف جنس الحق معاوضة، والمؤدي يصلح
عوضاً على كل الدين.
ولو قبض المحال مال الحوالة ثم اختلفا، فقال المحيل: لم يكن لك على شيء وإِنما
أنت وكيلي في القبض والمقبوض لي، وقال المحال: لا، بل أحلتني بألف كانت لي عليك،
فالقول قولُ المحيل مع يمينه؛ لأَن المحال يدعي عليه ديناً وهو ينكر، والقول قول المنكر عند
عدم البينة مع يمينه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.

كِتَابُ الوِكَالَةِ(١)
الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان معنى التوكيل لغةً وشرعاً .
وفي بيان ركن التوكيل.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي حكم التوكيل.
وفي بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة.
أما الأول: فالتوكيل إِثبات الوكالة، والوكالة في اللغة تذكر ويراد بها الحفظ؛ قال الله -
(١) الوِكَالَةُ، بفتح الواو وكسرها: التفويض، يقال: وكله، أي: فوّض إليه، ووكلت أمري إلى فلان، أي:
فوضت إليه، واكتفيت به، وتقع الوكالة أيضاً على الحِفْظِ، وهو: اسم مصدر بمعنى التوكيل.
ومنه الوكيل في أسمائه - تعالى - بمعنى الحافظ؛ ولهذا قالوا: إذا قال: وكّلتك بمَالي. أنه يملك الحِفْظَ،
فیکون فعیلاً بمعنی فاعل.
وقيل: التركيب يَدُلُّ على معنى الاعتماد والتفويض؛ ومنه التَّوْكِيلُ يقال: على الله توكّلنا أي: فوَّضنا
أمورنا إليه. فالتوكيل تَفْوِيضُ التَّصَرُّف إلى الغَيْرِ.
وسمي الوَكِيلُ وَكِيلاً؛ لأن المُؤَكِّل وَكَّلَ إليه القيام بأَمْره، أي: فَوَّضَهُ إليه؛ اعتماداً عليه.
الوَكِيلُ: القائم بما فُوْضَ إليه، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول؛ لأنه مَوْكُول إليه الأمر.
انظر المصباح المنير: ٦٧٠/٢، الصحاح: ١٨٤٥/٥، المغرب: ٣٦٨/٢ المطلع: ٢٥٨، تهذيب
الأسماء واللغات: ١٩٥/٢.
واصطلاحاً :
عرفها الحنفيَّةُ بأنها: تَفْوِيضُ التصرُّف والحفظ إلى الوكيل.
وعرفها الشَّافعية بأنها: تفويض شخصي ماله فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته.
وعرفها المالكية بأنها: نِيَابَةٌ في حَقّ غير مشروطة بموته، ولا إمارة.
وعرفها: الحَنَابِلَةُ بأنها: استنابة جائز التصرُّف مثله، فيما تدخله النيابة.
انظر: بدائع الصنائع: ٣٤٤٥/٧، تبيين الحقائق: ٢٥٤/٤، حاشية ابن عابدين: ٥٠٩/٥، مغني
المحتاج: ٢١٧/٢، الشرح الصغير للدروير: ٢٢٩/٣، شرح منتهى الإرادات: ٢٩٩/٢ - ٣٠٠.
٤٢٥

٤٢٦
کتاب الوكالة
عزَّ وجلَّ -: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران، ١٧٣] أي: الحافظ، وقال تبارك
وتعالى: ﴿لَ إِلَّهَ إِلَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [سورة المزمل، ٩].
قال الفراء: أي حفيظاً، وتذكر ويراد بها الاعتماد وتفويض الأمر؛ قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكُلُونَ﴾ [سورة إبراهيم، ١٢] وقال الله - تعالى عزَّ وجلَّ - خبراً عن سيدنا
هود - عليه الصّلاةَ والسلام -: ﴿إِنّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة هود، ٥٦] أي:
اعتمدت على الله وفوضت أمري إِليه. وفي الشريعة يستعمل في هذين المعنيين أيضاً على تقرير
الوضع اللغوي وهو تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل؛ ولهذا قال أصحابنا إن مَنْ قال
لآخر: وكلتك في كذا؛ أنه يكون وكيلاً في الحفظ؛ لأنه أدى ما يحتمله اللفظ فيحمل عليه.
فصل [في ركن التوكيل]
وأما بيان ركن التوكيل؛ فهو الإيجاب والقبول(١)، فالإِيجاب من الموكل أن يقول:
وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه، والقبول من الوكيل أن يقول:
قبلت، وما يجري مجراه، فما لم يوجد الإِيجاب والقبول لا يتم العقد، ولهذا لو وَكَّلَ إِنساناً
بقبض دينه فأبى أن يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه لم يبرأ الغريم؛ لأن تمام العقد بالإيجاب
والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر كما في البيع ونحوه، ثم ركن التوكيل
قد يكون مطلقاً وقد يكون مطلقاً بالشرط؛ نحو أن يقول: إِن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا
العبد، وقد يكون مضافاً إلى وقت؛ بأن يقول: وكلتك في بيع هذا العبد غداً، ويصير وكيلاً في
الغد فما بعده، ولا يكون وكيلاً قبل الغد؛ لأن التوكيل إطلاق التصرف، والإِطلاقات مما
(١) ولا تَصِحُ الوَكَالَةُ إلاَّ بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلٌّ واحدٍ منهما، فافْتَقَر إلى الإيجاب
والقَبُولِ، كالبَيْعِ. ويجوزُ الإِيجابُ بكلٌ لَفْظِ دَلَّ على الإِذْنِ، نحو أن يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شيءٍ، أو يقولَ: أَذِنْثُّ
لك في فِعْلِهِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ نَّهُ وَكَّلَ عُرْوَةَ بن الجَعْدِ في شِرَاءِ شاةٍ بِلَفْظِ الشِّراءِ، وقال الله تعالى، مُخْبِراً عن
أهْلِ الكَهْفِ أنَّهمِ قالُوا: ﴿فَابْعَثُوْا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هُذِهِ إِلى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أُزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ
مِنْهُ﴾. ولأنّه لَفْظُ دَالَّ على الإِذْنِ، فَجَرَى مَجْرَى قولِه: وَكَلْتُكَ. ويجوز القَبُولُ بِقَوْلِه: قَبِلْتُ. وكُلِّ لَّفْظٍ
دَلَّ عليه. ويجوزُ بكلِّ فِعْلِ دَلَّ على القَبُولِ، نحو أن يَفْعَلَ ما أمَرَهُ بِفِعْلِهِ؛ لأنَّ الذِينِ وَكُلَّهُمِ النَِّيَّ ◌َّ لم
يُنْقَلْ عِنهم سِوَى امْتِثَال أَمَّرِهِ. ولأنَّه إِذْنٌ فِي النَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه بالفِعْلِ، كأَكْلِ الطَّعَامِ. ويجوزُ
القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّرَاخِي، نحو أنْ يَبْلُغَّهُ أنْ رَجُلاً وَكْلَهُ في بَيْعِ شيءٍ منذَ سَنَةٍ، فَيَبِيعَه. أو يقولَ:
قَبِلْتُ. أو يَأْمُرُه بفِعْلِ شَيءٍ، فَيَفْعَلُه بعد مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لأنَّ قُبُولَ وُكَلاَءِ النّبِيِّ ◌َِّ لَوَكَالَتِهِ كان بِفِعْلِهم، وكان
مُتَرَاخِياً عن تَوْكِيلِهِ إِيَّاهم. ولأَنَّه ◌ِذْنٌ في التَّصَرَّفِ، والإِذْنُ قَائِمٌ، ما لم يَرْجِعْ عنه، فأشْبَه الإِبَاحَةَ. وهذا
كلَّه مذهبُ الشّافِعِيِّ.
ينظر المغني (٢٠٣/٧ - ٢٠٤).

٤٢٧
كتاب الوكالة
يحتمل التعليق بالشرط، والإِضافة إِلى الوقت كالطلاق والعتاق وإذن العبد في التجارة،
والتمليكات كالبيع والهبة والصدقة والإبراء عن الديون، والتقييدات كعزل الوكيل والحجر على
العبد المأذون والرجعة والطلاق الرجعي لا يحتمل ذلك.
فصل [في شرائط الركن]
وأما الشرائط فأنواع: بعضُها يرجع إِلى الموكل، وبعضُها يرجع إلى الوكيل، وبعضُها
يرجع إلى الموكل به.
أما الذي يرجع إلى الموكل فهو أن يكون ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه؛ لأن التوكيل
تفويض ما يملكه من التصرف إلى غيره، فما لا يملكه بنفسه كيف يحتمل التفويض إلى غيره
فلا يصح التوكيل من المجنون والصبي الذي لا يعقل أصلاً، لأن العقل من شرائط الأهلية(١).
ألا ترى أنهما لا يملكان التصرف بأنفسهما؛ وكذا من الصبي العاقل بما لا يملكه بنفسه
كالطلاق والعتاق والهبة والصدقة ونحوها من التصرفات الضارة المحضة، ويصح بالتصرفات
النافذة كقبول الهبة والصدقة من غير إِذن المولى؛ لأنه مما يملكه بنفسه بدون إِذن وليه فيملك
تفويضه إلى غيره بالتوكيل، وأما التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والإِجارة، فإن كان
مأذوناً له في التجارة يصح منه التوكيل بها؛ لأنه يملكها بنفسه، وإِن كان محجوراً ينعقد موقوفاً
على إِجازة وليه وعلى إِذن وليه بالتجارة أيضاً، كما إذا فعل بنفسه، لأن في انعقاده فائدة لوجود
(١) وكلُّ مَن صَحَّ تَصَرُّفُه في شيءٍ بِنَفْسِه، وكان ممَّا تَدْخُلُه النَّابَةُ، صَحَّ أن يُوَكَّلَ فيه رَجُلاً كان أو امْرَأةً، حُرًّا
كان أو عَبْداً، مُسْلِماً كان أو كافِراً. وأمَّا من يَتَصَرَّفُ بالإذْنِ، كالعَبْدِ المَأْذُونِ له، والوَكِيلِ، والمُضَارِبِ،
فلا يَدْخُلُون في هذا. لكنْ يَصِحُ من العَبْدِ التَّوْكِيلُ فيمَا يَمْلِكُه دون سَيِّدِهِ، كالطَّلاَقِ وَالخُلْعِ. وكَذَلَك
الحُكْمُ فِي المَخْجُورِ عليه لِسَفَهِ، لا يُؤَكّلُ إلاَّ فيما له فِعْلُه، من الطَّلاَقِ والخُلْعِ، وطَلَبِ اَلْقِصَاصِ،
ونحوِه. وكلُّ ما يَصِحُ أن يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ، وتَدْخُلُه النِّيَابَةُ، صَحَّ أن يَتَوَكَّلَ لغيرِهِ فَيه، إلاَّ الفاسِقَ، فَإِنَّه
يَصِحُ أن يَقْبَلَ النّكَاحَ لِنَفْسِه. وذَكَرَ القاضي أنَّ لا يَصِحُ أن يَقْبَلَهُ لغيرِهِ. وكلامُ أَبِ الخَطَّابِ يَقْتَضِي جَوازَ
ذلك. وهو القِيَّاسُ. ولأصْحابِ الشّافِعِيِّ في ذلك وَجْهَانٍ، كَهُذَيْنٍ. فَأَمَّا تَوْكِيلُه في الإِيجابِ، فلا يجوزُ
إلاَّ على الرِّوَايةِ التي تُثْبِتُ الوِلاَّيَّةَ له. وذَكَرَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ في ذلك وَجْهَيْنٍ؛ أحدَهما: يجوزُ تَوْكِيلُه؛
لأَنَّه ليس بِوَلِيٍّ. وَوَجْهُ الوَجْهِ الآخَرِ، أَنَّ مُوجِبٌ لِلنَّكَاحِ، أشْبَهَ الوَلِيَّ. ولَأَنَّه لا يجوزُ أن يَتَوَلَّى ذلك
بِنَفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمَرْأةِ. ويَصِحُ تَوْكِيلُ الْمَرْأةِ فِي طَلاَقٍ نَفْسِها، وطَلاَقٍ غيرِها. ويَصِحُ
تَوْكِيلُ العَبْدِ في قَبُولِ النُّكَاحِ؛ لأنَّه ممَّن يُجوزُ أَن يَقْبَلَه لِنَفْسِه؛ وإنَّما يَقِفُ ذلك على إِذْنِ سَيِّدِهِ، لِيَرْضَى
بِتَعَلُقِ الحُقُوقِ به. ومَن لاَ يَمْلِكُ النَّصَرُّفَ في شيءٍ لِنَفْسِه، لا يَصِحُّ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمَرْأةِ فِي عَقْدٍ
النّكاحِ وقَبُولِه، والكافِرِ في تَزْوِيجِ مُسْلِمَة، والطّفْلِ والمَجْنُون في الحُقُوقِ كلِّها.
ينظر المغني (١٩٧/٧، ١٩٨).

٤٢٨
كتاب الوكالة
المجيز للحال وهو الولي؛ ولا يصح من العبد المحجور ويصح من المأذون والمكاتب؛ لأنهما
يملكان بأنفسهما فيملكان بالتفويض إلى غيرهما، بخلاف المحجور.
وأما التوكيل من المرتد فموقوف إِن أسلم ينفذ، وإِن قتل أو مات على الردة أو لحق بدار
الحرب يبطل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد هو نافذ بناءً على أن تصرفات المرتد
موقوفة عنده لوقوف أملاكه، وعندهما نافذة لثبوت أملاكه، ويجوز التوكيل من المرتدة
بالإِجماع؛ لأن تصرفاتها نافذة بلا خلافٍ.
وأما الذي يرجع إلى الوكيل؛ فهو أن يكون عاقلاً؛ فلا تصح وكالة المجنون والصبي
الذي لا يعقل لما قلنا.
وأما البلوغ والحرية فليسا بشرط لصحة الوكالة، فتصح وكالة الصبي العاقل والعبد،
مأذونين كانا أو محجوزين، وهذا عند أصحابنا، وقال الشافعي - رحمه الله - وكالة الصبي غير
صحيحةٍ؛ لأنه غير مُكَلَّفٍ، ولا تصح وكالة المجنون.
ولنا ما روي أن رسول الله - ◌َّر - لما خطب أم سلمة قال: إِن أوليائي غيبٌ يا
رسول الله، فقال - رََّ -: (لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُنِي))، ثم قال لعمرو ابن أم سلمة: ((قُمْ فَزَوْجْ
أُمَّكَ مِنِّي))(١) فزوجها من رسولِ الله - وَلَ - وكان صبيّاً، والاعتبار بالمجنون غير سديدٍ؛ لأن
العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية، وقد انعدم هناك ووجد هنا، فتصح وكالته كالبالغ إِلا أن
حقوق العقد من البيع ونحوه ترجع إلى الوكيل إذا كان بالغاً، وإِذا كان صبيًّا ترجع إلى الموكل
لما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وكذا ردة الوكيل لا تمنع صحة الوكالة، فتجوز وكالة المرتد بأن وكل مسلمٌ مرتداً؛ لأن
وقوف تصرفات المرتد لوقوف ملكِهِ، والوكيل يتصرف في ملك الموكل، وأنه نافذ التصرفات؛
وكذا لو كان مسلماً وقت التوكيل ثم ارتد، فهو على وكالته لما قلنا، إِلا أن يلحق بدار الحرب
فتبطل وكالته؛ لما نذكر في موضعه.
وأما علم الوكيل فهل هو شرط لصحة الوكالة، لا خلاف في أن العلم بالتوكيل في
الجملة شرط، إِما علم الوكيل وإِما علم من يعامله، حتى أنه لو وكل رجلاً ببيع عبده فباعه
الوكيل من رجلٍ قبل علمه وعلم الرجل بالتوكيل، لا يجوز بيعه حتى يجيزه الموكل أو الوكيل
بعد علمه بالوكّالة؛ لأن حكم الآمر لا يلزم إلا بعد العلم بالمأمور به أو القدرة على اكتساب
سبب العلم بالمأمور به كما في أوامر الشرع.
(١) تقدم.

٤٢٩
كتاب الوكالة
وأما علم الوكيل على التعيين بالتوكيل، فهل هو شرط؟ ذكر في الزيادات أنه شرطً،
وذكر في الوكالة أنه ليس بشرط، فإنه قال: إذا قال الموكل لرجل: اذهب بعبدي هذا إلى
فلان، فيبيعه فلان منك، فذهب الرجل بالعبد إِليه وأخبره أن صاحب العبد أمره ببيعه منه،
فاشتراه منه، صح شراؤه، وإِن لم يخبره بذلك فالبيع جائز؛ كذا ذكر محمد في ((كتاب
الوكالة))، وجعل علم المشتري بالتوكيل كعلم البائع الوكيل.
وذكر في ((الزيادات)) أنه لا يجوز البيع، وصورة المسألة في الصبي المأذون، وذكر
في المأذون الكبير ما يدل على جواز البيع، فإِنه قال: إِذا قال المولى لقوم بايعوا عبدي
فإِنِّي قد أذنتُ له في التجارة، فبايعوه، جاز، وإِن لم يعلم العبد بإذن المولى لهم
بالمبايعة، وليس التوكيل كالوصاية؛ فإن من أوصى إِلى رجل غائب، أي: جعله وصيًّا بعد
موته ثم مات الموصي، ثم إِن الوصي باع شيئاً من تركة الميت قبل علمه بالوصاية
والموت، فإن بيعه جائز استحساناً، ويكون ذلك قبولاً منه للوصاية، حتى لا يملك إِخراج
نفسه منها، والقياس أن لا يجوز، والفرق أن الوصي خلف عن الموصي قائم مقامه؛
كالوارث يقوم مقام المورث.
ولو باع الوارث تركة الميت بعد موته وهو لا يعلم موته جاز بيعه، فكذا الوصي؛
بخلاف التوكيل؛ لأنه أمر في الموكل، وحكم الأمر لا يلزم إلا بعد العلم أو سببه على ما مر،
فإذا ثبت أن العلم بالتوكيل شرط، فإِن كان التوكيل بحضرة الموكل أو كتب الموكل بذلك كتاباً
إليه فبلغه وعلم ما فيه، أو أرسل إليه رسولاً، فبلغ الرسالة أو أخبره بالتوكيل رجلان أو رجل
واحد عدل، صار وكيلاً بالإِجماع، وَإِن أخبره بذلك رجل واحد غير عدل، فإن صدقه صار
وكيلاً أيضاً، وإِن لم يصدقه يبغي أن يكون على الاختلاف في العدل عند أبي حنيفة لا يكون
وكيلاً، وعند أبي يوسف ومحمد يكون وكيلاً كما في العزل، على ما نذكره في موضعه، إِن
شاء الله تعالى.
وأما الذي يرجع إلى الموكل فإنه يرجع إلى بيان ما يجوز التوكيل به وما لا يجوز،
والجملة فيه أن التوكيل لا يخلو إما أن يكون بحقوق الله - عزَّ وجلَّ - وهي الحدود، وإما أن
يكون بحقوق العباد، والتوكيل بحقوق الله - عزَّ وجلَّ - نوعان:
أحدهما: بالإثبات.
والثاني: بالاستيفاء.
أما التوكيل بإثبات الحدود، فإِن كان حَدًّا لا يحتاج فيه إلى الخصومة كحد الزنا وشرب
الخمر، فلا يتقدر التوكيل فيه بالإِثبات؛ لأنه يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير

٤٣٠
كتاب الوكالة
خصومة(١) .
وإِن كان ما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف، فيجوز التوكيل بإثباته عند
أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز، ولا تقبل البينة فيهما إِلا من الموكل، وكذلك
الوكيل بإثبات القصاص على هذا الخلاف.
وجه قول أبي يوسف أنه كما يجوز التوكيل فيه بالاستيفاء؛ فكذا بالإِثبات؛ لأن الإِثبات
وسيلة إلى الاستيفاء، ولهما الفرق بين الإثبات والاستيفاء، وهو أن امتناع التوكيل في الاستيفاء
لمكان الشبهة، وهي منعدمة في التوكيل بالإِثبات.
وأما التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة، فإِن كان المقذوف والمسروق منه حاضراً
(١) قال ابن قدامة: حُقُوقُ الله تعالى فما كان منها حَدًّا كحَدِ الزُّنَى والسَّرِقَةِ، جَازَ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفَائِه؛ لأنَّ
النَّبِيِّ وَِّ قال: ((أَغْدُ يَا أَنَيْسُ إلَى امْرَأَةٍ هُذَا، فَإِن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها)». فَدَا عليها أَنَيْسٌ، فاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ
بها فَرُجِمَتْ. مُتَّفَقْ عليه. وأمَرَ النبيُّ وَّلَ بِرَجْم ماعِزٍ، فَرَجَمُوهُ. ووَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ
على الوَلِيدِ بن عُقْبَةَ. وَوَكَّلَ عَلِيُّ الحَسَنَ فيَ ذلك، فأَبَى الحَسَنُ، فَوَكَّلَ عبدَ الله بن جَعْفَرٍ، فَأَقَامَهُ،
وعَلِيٍّ يَعُدُّ. رَوَاهُ مُسْلِمْ. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي ذلك بِنَفْسِه. ويجوزُ
التَّوْكِيلُ في إِثْباتِها. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يجوزُ فِي إِثْبَاتِها. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ،
وقد أَمِرْنَا بِدَرْئِها بها، والتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إلى الإِيجابِ، ولَنا، حَدِيثُ أَنَيْسٍ؛ فَإِنَّ النبيَّ ◌َّهِ وَكَّلَهُ في إِثْبَاتِه
واسْتِيفائِهِ جَمِيعاً، فإنَّه قال: ((فَإِن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها)). وهذا يَدُلُّ على أنَّه لَم يَكُنْ ثَبَت، وقد وَكَّلَهُ في إثباتِه
واسْتِيفَائِه جَمِيعاً. ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَناب، دَخَلَ في ذلك الحُدُودُ، فإذا دَخَلَتْ في التّوْكِيلِ بِطَرِيقٍ
العُمُومِ، وَجَبَ أن تَدْخُلَ بالنَّخْصِيصِ بها أَوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مُقَامَ المُوَكُلِ فِي دَرْئِها بالشُّبُهاتِ. وأمَّا
العِباداتُ، فما كان منها له تَعَلَّقٌّ بالمَالِ، كالزَّكَاةِ والصَّدَقاتِ والمَنْذُورَاتِ وَالكَفَّارَاتِ، جَازَ التَّوْكِيلُ في
قَبْضِها وتَقْرِيقِها، ويجوزُ لِلْمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إِخْرَاجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقْها. ويجوزُ أن يقولَ لغيرِهِ:
أَخْرِجْ زَكَاةَ مالِي من مالِكَ؛ لأنَّ النبيَّ نَّهِ بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وتَفْرِيقِها، وقال لِمُعَاذٍ حين بَعَثَهُ
إلى اليَمَنِ: ((أَعْلِمْهُم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذْلِكَ، فَإِيَّاكَ
وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)). مُتَّفَقٌّ عليه. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في
الحَجِّ إذا أَبِسَ المَخْجُوجُ عنه من الَحَجِّ بِنفْسِه، وكذلك العُمْرَةِ. ويجوزُ أن يُسْتَنَابَ مَن يَحُجُّ عنه بعد
المَوْتِ. وأما العِبادَاتُ البَدَنِيَّةُ المَخْضَةُ، كالصلاةِ والصيام والطَّهَارَةِ من الحَدَثِ، فلا يَجوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛
لأنّها تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقُومُ غيرُهُ مَقامَه فيها،َ إلاَّ أنَّ الصِّيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيْتِ، وليس
ذلك بِتَوْكِيلٍ؛ لأَنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه غيرُه. ولا يجوزُ في الصلاةِ إلاَّ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ
تَّبَعاً لِلْحَجِّ." وفي فِعْلِ الصَّلاَةِ المَنْذُورَةِ، وفي الاعْتِكافِ المَنْذُورِ عن المَيْتِ رِوَايَتانٍ. ولا تَجُوزُ الاسْتِنَابَةُ
في الطَّهَارَةِ، إلاّ في صَبِّ الماء، وإِيصالِ الماءِ إلى الأعضاءِ، وفي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ
وغيرهما.
ينظر المغني (٢٠٠/٧ - ٢٠٣).

٤٣١
كتاب الوكالة
وقت الاستيفاء، جاز؛ لأن ولاية الاستيفاء إِلى الإِمام، وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء
بنفسه على كل حال.
وإِن كان غائباً اختلف المشايخ فيه، قال بعضُهم يجوز؛ لأن عدم الجواز لاحتمال العفو
والصلح وأنه لا يحتملهما، وقال بعضهم لا يجوز، لأنه إِن كان لا يحتمل العفو والصلح
فيحتمل الإِقرار والتصديق، وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - يجوز التوكيل باستيفاء حد
القذف كيف ما كان.
وجه قوله أن هذا حقه، فكان بسبيل من استيفائه بنفسه وبنائبه كما في سائر الحقوق.
ولنا الفرق على قول بعض المشايخ، وهو ما ذكرنا أنه يحتمل أنه لو كان حاضر الصدق
الرامي فيما رماه أو يترك الخصومة، فلا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة، والشبهة لا تمنع من
استيفاء سائر الحقوق.
ويجوز التوكيل بالتعزير إثباتاً واستيفاء بالاتفاق، وللوكيل أن يستوفي، سواء كان الموكل
غائباً أو حاضراً؛ لأنه حق العبد ولا يسقط بالشبهات؛ بخلاف الحدود والاختصاص، ولهذا
ثبت بشهادة رجل وامرأتين، فأشبه سائر الحقوق بخلاف الحد والقصاص.
وأما التوكيل باستيفاء القصاص فإن كان الموكل وهو المولى حاضراً، جاز؛ لأنه قد لا
يقدر على الاستيفاء بنفسه، فيحتاج إلى التوكيل، وإِن كان غائباً لا يجوز؛ لأَن احتمال العفو
قائم لجواز أنه لو كان حاضراً لعفا، فلا يجوز استيفاء القصاص مع قيام الشبهة، وهذا المعنى
منعدم حالة الحضرة، وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز وإِن كان غائباً، والكلام في الطرفين
على نحو ما ذكرنا في حد القذف.
وأما التوكيل بحقوق العباد، فنقول وبالله التوفيق: حقوق العباد على نوعين؛ نوعٌ لا
يجوز استيفاؤه مع الشبهة كالقصاص، وقد مر حكم التوكيل بإثباته وباستيفائه، ونوع يجوز
استيفاؤه وأخذه مع الشبهة؛ كالديون والإعتاق وسائر الحقوق سوى القصاص، فنقول لا خلاف
أنه يجوز التوكيل بالخصومة في إثبات الدين والعين وسائر الحقوق برضا الخصم، حتى يلزم
الخصم جواب التوكيل.
والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما - أن سيدنا عليًّا - رضي الله
عنه - كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول إن لهما لحماً يحضرها الشياطين، فجعل الخصومة
إِلى عقيل - رضي الله عنه - فلما كبر ورق حولها إِلي، وكان علي يقول: ما قضي لوكيلي فلي،
وما قضي على وكيلي فعلي.
ومعلومٌ أن سيدنا عليًّا - رضي الله عنه - لم يكن ممن لا يرضى أحد بتوكيله، فكان توكيله

٤٣٢
كتاب الوكالة
برضا الخصم،، فدل على الجواز برضا الخصم، واختلف في جوازه بغير رضا الخصم، قال
أبو حنيفة - عليه الرحمة - لا يجوز من غير عذر المرض والسفر، وقال أبو يوسف ومحمد
يجوز في الأحوال كلها، وهو قول الشافعي - رحمه الله -.
وذكر الجصاص أنه لا فصل في ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة والبكر والثيب، لكن
المتأخرين من أصحابنا استحسنوا في المرأة إِذا كانت مخدرة غير بريرة فجوزوا توكيلها، وهذا
استحسان في موضعه، وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز إلاَّ توكيل البكر، وهذا غير سديدٍ لما
یذکر .
وجه قولهم أَن التوكيل بالخصومة صادف حق الموكل، فلا يقف على رضا الخصم؛
كالتوكيل باستيفاء الدين، ودلالة ذلك أن الدعوى حق المدعى، والإنكار حق المدعى عليه،
فقد صادف التوكيل من المدعي والمدعى عليه حق نفسه، فلا يقف على رضا خصمه، كما لو
كان خاصمه بنفسه، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الحق هو الدعوى الصادقة والإنكار الصادق،
ودعوى المدعي خبر يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط، وكذا إِنكار المدعى عليه، فلا
يزداد الاحتمال في خبره بمعارضة خبر المدعي، فلم يكن كل ذلك حقًّا، فكان الأصل أن لا
يلزم به جواب، إلا أن الشرع ألزم الجواب لضرورة فصل الخصومات وقطع المنازعات المؤدية
إِلى الفساد وإحياء الحقوق الميتة، وحق الضرورة يصير مقضياً بجواب الموكل، فلا تلزم
الخصومة عن جواب الوكيل من غير ضرورة مع ما أن الناس في الخصومات على التفاوت
بعضهم أشد خصومة من الآخر، فربما يكون الوكيل ألحن بحجته فيعجز مَنْ يخاصمه عن إحياء
حقه، فيتضرر به، فيشترط رضا الخصم ليكون لزوم الضرر مضافاً إِلى التزامه .
وإِذا كان الموكل مريضاً أو مسافراً فهو عاجز عن الدعوى وعن الجواب بنفسه، فلو لم
يملك النقل إلى غيره بالتوكيل لضاعت الحقوق وهلكت، وهذا لا يجوز.
وكذلك إِذا كانت المرأة مخدرة مستورة؛ لأنها تستحي عن الحضور لمحافل الرجال،
وعن الجواب بعد الخصومة، بكراً كانت أو ثيباً، فيضيع حقها.
وأما في مسألتنا فلا ضرورة، ولو وكل بالخصومة واستثنى الإقرار وتزكية الشهود في عقد
التوكيل بكلام منفصل، جاز، ويصير وكيلاً بالإِنكار، سواء كان التوكيل من الطالب أو من
المطلوب في ظاهر الرواية .
وروى عن محمد أنه إذا وكل الطالب واستثنى الإِقرار يجوز، وإن وكل المطلوب لا
يجوز، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن استثناء الإقرار في عقد التوكيل إِنما جاز لحاجة
الموكل إليه، لأن الوكيل بالخصومة يملك الإقرار على موكله عند أصحابنا الثلاثة، ولو أطلق

٤٣٣
كتاب الوكالة
التوكيل من غير استثناء لتضرر به الموكل، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين التوكيل من
الطالب والمطلوب، لأن كل واحد منهما يحتاج إلى التوكيل بالخصومة، هذا إِذا وكل
بالخصومة واستثنى الإقرار في العقد، فأما إذا وكل مطلقاً ثم استثنى الإقرار في كلام منفصل،
يصح عند أبي يوسف، وعند محمد لا يصح.
وأما التوكيل بالإقرار فذكر في الأصل أنه يجوز، وذكر الطحاوي أَنه لا يجوز، ويجوز
التوكيل بالخصومة من المضارب، والشريك شركة العنان والمفاوضة والعبد المأذون
والمكاتب؛ لأنهم يملكون الخصومة بأنفسهم فيملكون تفويضها إلى غيرهم بالتوكيل، ويجوز
من الذمي كما يجوز من المسلم؛ لأن حقوقهم مصونة مرعية عن الضياع كحقوقنا، ويجوز
التوكيل بقبض الدين؛ لأن الموكل قد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه، فيحتاج إلى التفويض إِلى
غيره كالوكيل بالبيع والشراء وسائر التصرفات؛ إِلا أن التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل
الصرف إِنما يجوز في المجلس؛ لأن الموكل إِنما يملك القبض فيه لا في غيره.
وإِذا قبض الدين من الغريم برىء الغريم؛ لأن القبض الصحيح يوجب البراءة وتجوز
الوكالة بقضاء الدين؛ لأنه يملك القضاء بنفسه، وقد لا يتهيأ له القضاء بنفسه فيحتاج إِلى
التفويض إلى غيره، سواء كان الموكل حُرًّا أو عبداً، مأذوناً أو مكاتباً؛ لأنهما يملكان القضاء
بأنفسهما، فيملكان التفويض إِلى غيرهما أيضاً، ويجوز بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة؛
لأن هذه حقوق يتولاها المرء بنفسه فيملك توليتها غيره.
ويجوز بالنكاح(١) والخلع والصلح عن دم العمد والكتابة والإعتاق على مال والصلح
على إِنكار؛ لأنه يملك هذه التصرفات بنفسه فيملك تفويضها إِلى غيره، وتجوز الهبة والصدقة
والإعارة والإيداع والرهن والاستعارة والاستيهاب والارتهان لما قلنا.
ويجوز بالشركة والمضاربة لما قلنا، ويجوز بالإِقراض والاستقراض(٢)، إِلاَّ أن في
(١) ويجوزُ التَّوْكِيلُ في عَقْدِ النَّكَاحِ في الإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّ النبيَّ وَّ وَكْلَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ، وأبَا رَافِع، في
قَبُولِ النّكَاح له. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه ربَّما احتاجَ إلى التَّزَوُجِ من مَكانٍ بَعِيدٍ، لا يُمْكِنُهَ السَّفَرُ
إليه، فإنَّ الشَّبِيَّ وََّ تَزَوَّجَ أَمَّ حَبِيبَةَ، وهي يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ.
ينظر: المغني (١٩٩/٧).
(٢) لا نَعْلَمُ خِلاَفَاَ في جَوازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ والشّراءِ.
لأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلى التَّوْكِيلِ فيه؛ لأنَّهَ قد يكونُ مِمَّنْ لا يُخْسِنُ البَيْعَ والشّرَاءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى
السُّوقِ. وقد يكونُ له مالٌ ولَا يُخْسِنُ التِّجَارةَ فيه، وقد يُخْسِنُ ولا يَتَفَرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ بِه التِّجَارَةُ لِكَوْنِه
امْرَأةً، أو ممَّن يَتَعَيَّرُ بها، ويَحُطّ ذلك من مَنْزِلَتِهِ، فَأَبَاحَها الشَّرْعُ دَفْعاً للحاجَةِ، وتَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ
المَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ الله سُبْحَانَهُ. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوَالَةِ، والرَّهْنِ، والضَّمَانِ، والكَفَالَةِ، والشَّرِكَةِ، =
بدائع الصنائع ج٧ - ٢٨٢

٤٣٤
كتاب الوكالة
التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل إِلا إِذا بلغ على وجه الرسالة؛ بأن
يقول أرسلني إليك ليستقرض كذا.
ويجوز التوكيل بالصلح وبالإبراء، ويجور بالطلاق والعتاق والإجارة والاستئجار لما
قلنا .
ويجوز بالسلم والصرف لأنه يملكهما بنفسه فيملك تفويضهما إِلى غيره، إلا أن قبض
البدل في المجلس شرط بقاء العقد على الصحة، والعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما؛ لأن حقوق
العقد راجعة إليهما لما نذكر، فإِذا تقابض الوكيلان في المجلس فقد وجد القبض المستحق قبل
الافتراق، فيبقى العقد على الصحة بخلاف الرسولين إِذا تقابضا في المجلس ثم افترقا أنه يبطل
العقد؛ لأن حقوق العقد لا ترجع إلى الرسول فلا يقع قبضهما عن المستحق بالعقد، فإِذا افترقا
فقد حصل الافتراق، لا عن قبض فيبطل العقد بخلاف الوكيلين على ما مر، ولا تعتبر مفارقة
الموكل؛ لأن الحقوق لا ترجع إليه، بل هو أجنبي عنها فبقاؤه وافتراقه بمنزلة واحدةٍ.
ويجوز التوكيل بالبيع والشراء؛ لأنهما مما يملك الموكل مباشرتهما بنفسه، فيملك
التفويض إِلى غيره، إلا أن لجواز التوكيل بالشراء شرط وهو الخلو عن الجهالة الكثيرة في أحد
نوعي الوكالة دون النوع الآخر.
وبيان ذلك أن التوكيل بالشراء نوعان: عامٌّ وخاصّ، فالعام: أن يقول له: اشتر لي ما
شئت، أو ما رأيت، أو أَيُّ ثوب شئت، أو أيُّ دار شئت، أو ما تيسر لك من الثياب ومن
الدواب، ويصح مع الجهالة الفاحشة من غير بيان النوع والصفة والثمن، لأنه فرض الرأي إِليه
فيصح مع الجهالة الفاحشة كالبضاعة والمضاربة.
والخاص: أن يقول: اشتر لي ثوباً، أو حيواناً، أو دابةً، أو جوهراً، أو عبداً، أو
جارية، أو فرساً، أو بغلاً، أو حماراً، أو شاةً.
والأصل فيه أن الجهالة إِن كانت كثيرة تمنع صحة التوکیل، وإِن کانت قليلة لا تمنع،
وهذا استحسان، والقياس أن يمنع قليلها وكثيرها، ولا يجوز إلا بعد بيان النوع والصفة ومقدار
الثمن؛ لأن البيع والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة، فلا يصح التوكيل بهما أيضاً.
والوَدِيعَةِ، والمُضَارِيَةِ، والجَعَالَةِ، والمُسَاقَاةِ، والإِجَارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ،
=
والوَقْفِ، والصَّدَقَةِ، والفَسْخ، والإِبْراءِ؛ لأنَّها في مَعْنَى البَيْع في الحَاجَةِ إلى التَّوْكِيلِ فيها، فَيَثْبُتُ فيها
حُكْمُه. ولا نَعْلَمُ في شيءٍ مَن ذلك اختلافاً.
ينظر المغني (١٩٨/٧ - ١٩٩).

٤٣٥
كتاب الوكالة
وجه الاستحسان ما روي أن رسول الله - وَلولي ــ دفع ديناراً إلى حكيم بن حزام ليشتري له
به أضحية(١)، ولو كانت الجهالة القليلة مانعة من صحة التوكيل بالشراء لما فعله رسولُ الله
- وَ ل هـ؛ لأن جهالة الصفة لا ترتفع بذكر الأضحية وبقدر الثمن؛ ولأن الجهالة القليلة في باب
الوكالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن مبنى التوكيل على الفسحة والمسامحة، فالظاهر أنه لا
تجوز المنازعة فيه عند قلة الجهالة بخلاف البيع؛ لأن مبناه على المضايقة والمماكسة لكونه
معاونة المال بالمال، فالجهالة فيه وإِن قلَّت تفضي إلى المنازعة فتوجب فساد العقد، فهو
الفرق.
وإذا ثبت أن الجهالة القليلة غير مانعة ففي كل موضع قَلَّت الجهالة صح التوكيل بالشراء،
وإِلاَّ فلا ينظر إِن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه مما يقع على أنواع مختلفة لا يجوز التوكيل به
إلا بعد بيان النوع، وذلك نحو أن يقول: اشتر لي ثوباً؛ لأن اسم الثوب يقع على أنواع مختلفة
من ثوب الإبريسم والقطن والكتان وغيرهما، فكانت الجهالة كثيرة، فمنعت صحة التوكيل، فلا
يصح، وإِن سمى الثمن؛ لأن الجهالة بعد بيان الثمن متفاحشة، فلا تقل إلا بذكر النوع بأن
يقول اشتر لي ثوباً هرويًّا، فإن سكت عنه كثرت الجهالة، فلم يصح التوكيل.
وكذا إذا قال: اشتر لي حيواناً، أو قال: اشتر لي دابةً أو أرضاً، أو مملوكاً أو جوهراً أو
حيوباً؛ لأن كل واحد منهما اسم جنس يدخل تحته أنواع مختلفة، فلا بد من ذكر النوع؛ بأن
يقول: ثوباً هرويًّا، فإذا سكت عنه كثرت الجهالة فلم يصح التوكيل، وكذا إذا قال: اشتر لي
داراً، لا يصح؛ لأن بين الدار والدار تفاوتاً فاحشاً، فإن عين الدار يجوز، وإِن لم يعين ولكنه
بين الثمن، جاز أيضاً، ويقع على دور المصر الذي وقع فيه الوكيل؛ لأن الجهالة تقل بعد بيان
الثمن .
وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح التوكيل بعد بيان الثمن حق يعين مصراً من الأمصار،
ولو قال: اشتر لي داراً في موضع كذا، أو حبة لؤلؤ، أو فص ياقوت أحمر، ولم يسم الثمن،
لا يجوز؛ لأن التفاوت متفاحش، والصفة لا تصير معلومة بحال الموكل، فلا بد من بيان
الثمن، وإِن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه لا يقع إِلا على نوع واحد يكتفي فيه بذكر أحد
أمرين؛ أَما الصفة بأن قال: اشتر لي عبداً تركياً، أو مقدار الثمن؛ بأن قال: اشتر لي عبداً بألف
درهم؛ لأن الجهالة تقل بذكر أحدهما وبحال الموكل؛ لأن الصفة تصير معلومة بذكر الثمن،
وَإِن كُم يذكرها، وإذا ذكر الصفة يصير الثمن معلوماً بحال الآمر فيما يشتريه أمثاله عادةً، حتى
إِنه لو خرج المشتري عن عادة أمثاله لا يلزم الموكل؛ كذا روي عن أبي يوسف فيمن قال:
(١) تقدم في البيوع.

٤٣٦
كتاب الوكالة
اشتر لي خادماً من جنس كذا؛ أَن ذلك يقع على ما يتعامله الناس من ذلك الجنس، فإن كان
الثمن كثيراً لا يتعامل الناس به لم يجز على الآمر؛ وكذا البدوي إِذا قال: اشتر لي خادماً
حبشيًّا، فهو على ما يعتاده أهل البادية، وهذا كله اعتبار حال الموكل، فإن لم يذكر أحدهما
أصلاً، فالوكالة باطلة؛ لأن الجهالة فحشت بترك ذكرهما جميعاً، فمنعت صحة الوكالة.
ولو قال: اشتر لي حماراً أو بغلاً أو فرساً أو بعيراً؛ ولم يذكر له صفة ولا ثمناً، قالوا:
إنه يجوز؛ لأن النوع صار معلوماً بذكر الحمار والبغل والفرس والبعير، والصفة تصير معلومة
بحال الموكل؛ وكذا الثمن، فينظر: إِن اشترا حماراً بمثل قيمته أو بأقل أو بأكثر قدر ما يتغابن
الناس في مثله، جاز على الموكل إِذا كان الحمار مما يشتري مثله الموكل، وإِن كان مما لا
يشتري مثله الموكل لا يجوز على الموكل، ويلزم الوكيل، وإِن اشتراه بمثل قيمته، نحو أن
يكون الموكل مكارياً فاشتري الوكيل حماراً مصريًّا يصلح للركوب؛ لأن مثله يشتري الحمار
للعمل والحمل لا للركوب.
ولو قال: اشتر لي شاةً أو بقرةً، ولم يذكر صفة ولا ثمناً، لا يجوز لأن الشاة والبقرة لا
تصير معلومة الصفة بحالٍ الموكل، ولا بد وأن يكون أحدهما معلوماً لما بيننا. وَلَوْ قال: اشتر
لي حنطة لا يصح التوكيل ما لم يذكر أحد شيئين، إِما قدر الثمن. وإما قدر المثمن؛ وهو
المكيل؛ لأن الجهالة لا تقل إِلا بذكر أحدهما، وعلى هذا جميع المقدرات من المكيلات
والموزونات، ولو وكله ليشتري له طيلساناً لا يصح، إلا بعد بيان الثمن والنوع؛ لأن الجهالة
لا تقل إلا بعد بيان أحدهما، والله أعلم.
فصل [في حكم التوكيل]
وأما بيان حكم التوكيل، فنقول وبالله التوفيق: حكم التوكيل صيرورة المضاف إليه
وكيلاً؛ لأن التوكيل إثبات الوكالة وللوكالة أحكام.
منها: ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، فيحتاج إلى بيان ما يملكه الوكيل من
التصرف بموجب التوكيل بعد صحته وما لا يملكه، فنقول وبالله التوفيق: الوكيل بالخصومة
يملك الإِقرار على موكله في الجملة عند أصحابنا الثلاثة، وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -
لا يملك والأب والوصي وأمين القاضي لا يملك الإقرار على الصغير بالإجماع.
وجه قولهما أن الوكيل بالخصومة وكيل بالمنازعة والإقرار مسالمة، فلا يتناوله التوكيل
بالخصومة، فلا يملكه الوکیل.
ولنا أن التوكيل بالخصومة وكيل بالجواب الذي هو حق عند الله - عَزَّ وجلَّ - وقد يكون
ذلك إِنكاراً، وقد يكون إِقراراً، فإذا أقر على موكله دل أن الحق هو الإقرار فينفذ على

٤٣٧
كتاب الوكالة
الموكل؛ كما إِذا أقر على موكله وصدقه الموكل، ثم اختلف أصحابنا الثلاثة فيما بينهم، قال
أبو حنيفة ومحمد: يصح إقراره في مجلس القاضي لا في غيره، وقال أبو يوسف: يصح فيه
وفي غيره.
وجه قوله أن التوكيل تفويض ما يملكه الموكل إِلى غيره، وإقرار الموكل لا تقف صحته
على مجلس القاضي، فكذا إقرار الوكيل، ولهما أن فوض الأمر إِليه لكن في مجلسِ القاضي؛
لأن التوكيل بالخصومة أو بجواب الخصومة، وكل ذلك يختص بمجلس القاضي؛ ألا يرى أن
الجواب لا يلزم في غير مجلس القاضي، وكذا الخصومة لا تندفع باليمين في غير مجلس
القاضي فتتقيد بمجلس القاضي، إلاّ أنه إذا أقر في غير مجلس القاضي يخرج عن الوكالة
وينعزل؛ لأَنّه لو بقي وكيلاً لبقي وكيلاً بالإِقرار عيناً؛ لأن الإِنكار لا يسمع منه للتناقض،
والإقرار عيناً غير موكل به الوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي به يملك قبضه عند
أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا يملك.
وجه قوله أن المطلوب من الوكيل بالخصومة الاهتداء، ومن الوكيل بالقبض الأمانة،
وليس كل من يهتدي إلى شيء يؤتمن عليه، فلا يكون التوكيل بالخصومة توكيلاً بالقبض.
ولنا أنه لما وكله بالخصومة في مال فقد ائتمنه على قبضه؛ لأن الخصومة فيه لا تنتهي إلا
بالقبض فكان التوكيل بها توكيلاً بالقبض، والوكيل يتقاضى الدين يملك القبض في ظاهر
الرواية؛ لأن حق التقاضي لا ينقطع إلا بالقبض، فكان التوكيل به توكيلاً بالقبض؛ ولأن
التقاضي والاقتضاء والاستيفاء واحد، إلا أن المتأخرين من أصحابنا قالوا إنه لا يملك في عرف
ديارنا؛ لأن الناس في زماننا لا يرضون بقبض المتقاضي؛ كالوكلاء على أبواب القضاة لتهمة
الخيانة في أموال الناس، والوكيل بقبض الدين يملك الخصومة في إثبات الدين إذا أنكر الغريم
عند أبي حنيفة، وعندهما لا يملك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أيضاً، فيملك إقامة البينة.
وكذا لو أقام المدعى عليه البينة أن صاحب الدين استوفى منه أو أبرأه عنه قبلت بينته
عنده، وعندهما لا تقبل ولا يملك، وأجمعوا في الوكيل بقبض العين إذا أنكر من في يده أنه لا
يملك الخصومة حتى لا يملك إقامة البينة.
ولو أقام المدعى عليه البينة أنه اشتراها من الذي وكله بالقبض، لا تسمع منه بينته في
إثبات الشراء، ولكنها تسمع لدفع خصومة الوكيل في الحال إلى أن يحضر الموكل، وقالوا في
الوكيل بطلب الشفعة وبالرد بالعيب والقسمة أنه يملك الخصومة.
وجه قولهما أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين الحق، فلا يتعدى إلى الخصومة
كالتوكيل بقبض العين؛ ولأبي حنيفة أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالمبادلة، والحقوق في

٤٣٨
کتاب الوكالة
مبادلة المال بالمال تتعلق بالعاقد كما في البيع والإِجارة، ودلالة ذلك أن استيفاء عين الدين لا
يتصور؛ لأن الدين إما أن يكون عبارة عن الفعل، وهو فعل تسليم المال، وإما أن يكون عبارة
عن مال حكمي في الذمة، وكل ذلك لا يتصور استيفاؤه، ولكن استيفاء الدين عبارة عن نوع
مبادلة وهو مبادلة المأخوذ العين بما فى ذمة الغريم، وتمليكه بهذا القدر المأخوذ من المال،
فأشبه البيع والخصومة في حقوق مبادلة المال بالمال، فيملكه الوكيل بخلاف الوكيل بقبض
الثمن؛ لأن ذلك توكيل باستيفاء عين الحق لا بالمبادلة؛ لأن عينه مقدور الاستيفاء فلا يملك
الخصومة فيها إلا بأمر جديد، فهو الفرق بين الفصلين، فإذا لم يملك الخصومة لا تسمع بينة
المدعى عليه على الشراء من الموكل بالقبض؛ لأنها بينة قامت لا على خصم، ولكنها تسمع
في دفع قبض الوكيل.
ويجوز أن تكون البينة مسموعة من وجه دون وجه؛ كمن وكل إنساناً بنقل زوجته إِلى
حيث هو، فطالبها الوكيل بالانتقال فأقامت البينة على أن زوجها طلقها ثلاثاً، تسمع هذه البينة
في اندفاع حق الوكيل في النقل، ولا تسمع في إثبات الحرمة؛ كذا هذا.
وكذلك الوكيل بأخذ الدار بالشفعة وكيل بالمبادلة؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء؛
وكذا الرد بالعيب والقسمة فيها معنى المبادلة، فكانت الخصومة فيها من حقوقها، فيملكها
الوكيل كالوكيل بالبيع والوكيل بالقبض إِذا أراد أن يوكل غيره.
هذا على وجهين: إِما إن كانت الوكالة عامة؛ بأن قال له وقت التوكيل بالقبض: اصنع ما
شئت، أو ما صنعت من شيء فهو جائز علي؛ أو نحو ذلك، وإما إن كانت خاصة؛ بأن لم
يقل ذلك عند التوكيل بالقبض، فإِن كانت عامة يملك أن يوكل غيره بالقبض؛ لأن الأصل فيما
يخرج مخرج العموم إِجراؤه على عمومه.
وإِن كانت خاصة فليس له أن يوكل بالقبض؛ لأن الوكيل يتصرف بتفويض الموكل
فيملك قدر ما فوضٍ إِليه؛ فإن فعل ذلك وقبض الوكيل الثاني لم يبرأ الغريم من الدين؛ لأن
توكيله بالقبض إذا لم يصح فقبضه وقبض الأجنبي سواء، فإن وصل إِلى يد الوكيل الأول برئ
الغريم؛ لأنه وصل إلى يد من هو نائب الموكل في القبض.
وإن هلك في يده قبل أن يصل إلى الوكيل الأول ضمن القابض للغريم؛ لأن قبضه بجهة
استيفاء الدين، والقبض بجهة استيفاء الدين قبض بجهة المبادلة؛ على ما مر، والمقبوض بجهة
المبادلة مضمون على القابض كالمقبوض على سوم الشراء، وكان له أن يرجع بما ضمن على
الوكيل الأول؛ لأنه صار مغروراً من جهته بتوكيله بالقبض فيرجع عليه؛ إذ كل غار ضامن
للمغرور بما لحقه من العهدة، فيرجع عليه بضمان الكفالة، ولا يبرأ الغريم من الدين؛ لما قلنا
أَن توكيله بالقبض لم يصح، فكان للطالب أن يأخذ الغريم بدينه، وإذا أخذ منه رجع الغريم

٤٣٩
كتاب الوكالة
على الوكيل الثاني لما قلنا، ويرجع الوكيل الثاني على الأول بحكم الغرور؛ لما قلنا أَن الوكيل
بقبض الدين للموكل على إنسان معين أو فى بلد معين لا يملك أن يتعدى إلى غيره؛ لأن
المتصرف بحكم الأمر لا يملك التعدي عن موضع الأمر، وليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ
عوضاً عن الدين، وهو أن يأخذ عيناً مكانه؛ لأن هذه معاوضة مقصودة، وأنها لا تدخل تحت
التوكيل بقبض الدين؛ وهذا لما بينا أن قبض الدين حقيقة لا يتصور لما ذكرنا، فلا يتصور
التوكيل بقبضه حقيقة، إلا أن التوكيل بقبض الدين جعل توكيلاً بالمعاوضة؛ ضرورة تصحيح
التصرف ودفع الحاجة المعلقة بالتوكيل بقبض الدين وحق الضرورة يصير مقضياً بثبوتها ضمناً
للعقد، فبقيت المعاوضة المقصودة خارجة عن العقد أصلاً، فلا يملكها الوكيل.
ولو كان لرجل على رجل دين فجاء إنسان إِلى الغريم وقال: إِن الطالب أمرني أن أقبضه
منك، فإن صدقه الغريم وأراد أن يدفع إليه لا يمنع منع، وَإِن أبى أن يدفع إليه يجبر على الدفع
في الدين، وفي العين لا يجبر عليه.
والفرق أن التصديق في الدين إقرار على نفسه، فكان مجبوراً على التسليم، وفي العين
إقرار على غيره، فلا يصح إلا بتصديق ذلك الغير.
وَإِن لم يصدقه لم يجبر على الدفع، فإن دفعه إِليه ثم جاء الطالب، فإن صدقه مضى
الأمر، وإِن كذبه وأنكر أن يكون وكله بذلك، فهذا على وجه ثلاثة؛ إما أن صدقه ودفعه إِليه،
وإما أن كذبه ومع ذلك دفع إِليه، وإما أن لم يصدقه ولم يكذبه ودفع إِليه، فإن صدقه في
الوكالة ولم يضمنه فجاء الطالب، يقال له: ادفع الدين إلى الطالب ولا حق لك على الوكيل؛
لأنه لما صدقه في الوكالة فقد أقر بوكالته، وإقراره صحيح في حق نفسه، فكأنه يقول أَن
الوكيل كان محقًّا في القبض، وأن الطالب ظالم فيما يقبض مني، وإِن ظلم عَلَيَّ مبطل فلا
أظلم على مِحقٍّ، وإِن صدقه وِضمنه ما دفع إليه ثم حضر الطالب فأخذ منه، يرجع هو على
القابض؛ لأَن الغريم وإِن أقر أن القابض محق في القبض بتصديقه إِياه في الوكالة فعنده أَن
الطالب مبطل فيه ظالم فيما يقبض منه، فإذا ضمنه فقد أضاف الضمان إلى ما يقبضه الطالب
عنه بغير حق، وإضافة الضمان إلى المقبوض المضمون صحيح؛ كما إِذا قال: ما غصبك فلان
فعلي.
وإِن كذبه في الوكالة ومع ذلك دفع إليه، له أن يضمن الوكيل؛ لأن عنده أَنه مبطل في
القبض، وإِنما دفعه إِليه على رجاء أن يجوزه الطالب.
وكذا إِذا لم يصدق ولم يكذب؛ لأنه لم يوجد منه الإقرار بكونه محقًّا في القبض،
فيملك الرجوع عليه الوكيل بقبض الدين إِذا قبضه فوجده معيباً، فما كان للموكل رده فله رده
وأخذ بدله؛ لأنه قائم مقام الموكل، فهو يملك قبض حقه أصلاً ووصفاً، فكذا الوكيل.

٤٤٠
كتاب الوكالة
ولو وكل رجلاً بقبض دين له على رجل وغاب الطالب، فادعى الغريم أنه قد أوفاه
الطالب، لا يحتاج الوكيل إلى إقامة البينة ولا إِلى إِحضار الطالب ليحلفه، لكن يقال للغريم:
ادفع الدين إلى الوكيل، ثم اتبع الطالب وحلفه إِن أردت يمينه، فإن حلف وإلا رجعت عليه؛
لأنه مقر بالدين، والدين مقضى على لسان رسولِ الله - ◌َّطير -، فلا يحكم بسقوطه بدعوى
الإِيفاء مع الاحتمال، بل يجبر على التسليم إِلى الوكيل.
وكذلك الوكيل بطلب الشفعة إِذا ادعى المشتري أن الشفيع قد سلم للشفعة، يؤمر بتسليم
الدار إِلى الوكيل، ثم يقال له: اتبع الشفيع وحلفه إِن أردت يمينه؛ لأن المشتري مقر بثبوت
حق الشفعة؛ لأن تسليم الشفعة بعد ثبوتها يكون فلا يبطل الحق الثابت بدعوى التسليم مع
الاحتمال، فيؤمر بتسليم المشتري إلى الوكيل، وهذا بخلاف الوكيل بالرد بالعيب إذا ادعى
البائع أن المشتري قد رضي بالعيب؛ أنه لا يكون للوكيل حق الرد حتى يحضر الموكل،
فيحلف بالله - تعالى - ما رضي بهذا العيب؛ لأن البائع بقوله رضي المشتري بالعيب، لم يقر
بثبوت حق الرد بالعيب، إذ ليس كل عيب موجباً للرد.
ألا ترى أنه لو اشتراه وهو عالم بعيبه ليس له حق الرد مع وجود العيب، فيتوقف على
حضور الموكل ويمينه، فإن أراد الغريم أن يحلف الوكيل بالله - عزَّ وجلَّ - ما يعلم أن الطالب
قد استوفى الدين، لم يكن له أن يحلفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر: يحلفه على
علمه، فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة ولم يبرأ الغريم، وكان الطالب على حجته.
وجه قول زفر أن هذا أمر لو أقر به الوكيل للزمه وسقط حقه من القبض، فإذا أنكر
يستحلف؛ لجواز أن ينكل عن اليمين فيسقط حقه.
ولنا قول النبي - عليه الصّلاة والسلام - ((وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ))، والغريم ما ادعى
على الوكيل شيئاً، وإنما ادعى على الموكل، فكانت اليمين عليه، واليمين مما لا تجري فيه
النيابة، فلا يثبت للغريم ولاية استحلاف الوكيل، وهذا بخلاف ما إذا مات الطالب فادعى
الغريم أنه قد كان استوفاه حال حياته، وأنكر الوارث؛ أن له أن يستحلف الوارث على علمه
بالله - تعالى - ما يعلم أن الطالب استوفى الدين؛ لأن هناك الوارث مدعى عليه؛ لأن الغريم
يدعي عليه بطلان حقه في الاستيفاء الذي هو حقه، فلم يكن استحلافه بطريق النيابة عن
الموروث، إلاَّ أنه يستحلف على علمه؛ لأنه يستحلف عل فعل غيره، وكل من يستحلف على
فعل باشره غيره يستحلف على العلم لا البت؛ لأنه لا علم له به أنه فعل ذلك أو لم يفعل.
فإن أقام الغريم البينة على الإِيفاء، سمعت بينته عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تسمع،
وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ بناءً على أن الوكيل بقبض الدين هل يكون وكيلاً بالخصومة
فيه؟ عنده يكون، وعندهما لا يكون لما تقدم.