Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب البيوع وإن كان الاستحقاق بعد قَبْض البعض دون البعض، فكذلك الجواب سواء ورد الاستحقاق على المقْبُوض وعلى غير المقبُوض؛ فإن كان قَبْض الكل ثم استحق بعضه، بطل البيع في القَدْر المستحق لما قلنا. ثم ينظر إن كان استحقاق ما استحق يوجب العَيْب في الباقي؛ بأن كان المعقود عليه شيئاً واحداً حقيقة وتقديراً؛ كالدّار والكرم والأرض والعبد ونحوها فالمشتري بالخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصَّته من الثمن وإن شاء رد؛ لأن الشركة في الأعيان عيب. وكذلك إن كان المعقود عليه شيئين من حيث الصُورة شيئاً واحداً من حيث المعنى، فاستحق أحدهما فله الخيار في الباقي، وإن كان استِخقَاق ما استحق لا يوجب العيب في الباقي؛ بأن كان المعقُود عليه شيئين صورة ومعنى كالعبدين، فاستحق أحدهما أو كان صبرة حنطة أو جُمْلة وزني، فاستحق بعضه، فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضِهِ، فلم يكن له خيار الردّ، والله عز وجل أعلم. وأما بيان ما يمنع الرُّجوع بنقصان العيب، وما لا يمنع - فالكلام في حق الرجوع بالنقصان في موضعين : أحدهما: في بيان شرائط ثبوت/ حق الرجوع. ٣/ ١٥٣ب الثاني: في بيان ما يبطل به هذا الحق بعد ثبوته وما لا يبطل. أما الشرائط: فمنها امتناع الرد وتعذّره، فلا يثبت مع إمكان الرد حتى لو وجد به عيباً، ثم أراد المشتري أن يمسك المبيع مع إمْكَان رده على البائع، ويرجع بالنقصان - ليس له ذلك، لأن حق الرجوع بالنقصان كالخلف عن الرد والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف؛ ولأن إمْسَاك المبيع المعيب مع علمه بالعيب دلالة الرضا بالعيب، والرضا بالعيب يمنع الرُّجوع بالنقصان كما يمنع الرد. ومنها: أن يكون امتناع الرد لا من قبل المشْتَري؛ فإن كان من قبله لا يرجع بالنقصان، لأنه يصير حابساً المبيع بفعله ممسكاً عن الرد، وهذا يوجب بطلان الحق أصلا ورأساً. وعلى هذا يخرج ما إذا هلك المَبيع أو انتقَض بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، ثم علم أنه يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الردّ في الهَلاك لضرورة فوات المحل، وفي النقصان الأمر يرجع إلى البائع وهو دفع ضَرَر زائد يلحقه بالرد. ألا ترى أن للبائع أن يَقُول: أنا أقبله مع النقصان، فأدفع إليك جميع الثمن، وإذا كان امتناع الرد لأمر يرجع إليه، وهو لزوم الضرر إياه بالرد، فإذا دفع الضرر عنه بامتناع الرد لا بدّ .. ٣٤١ كتاب البيوع من دفع الضَّرر عن المشتري بالرجوع بالنقصان، وسواء كان النّقصان يرجع إلى الذَّات بفوات جزء من العين أو لا يرجع إليه، كما إذا كان المَبِيع جارية ثيباً فوطئها المشْتَري أو قبلها بشهوة، ثم علم بالعيب؛ لأن الرد امتنع لا من قبل المشتري، بل من قبل البائع. ألا ترى أن له أن يقبلها موطُوءة، ولو كان لها زوج عند البائع فوطئها زَوْجها في يد المشْتَري؛ فإن كان زوجها قد وطئها في يد البائع - لم يرجع بالنقصان؛ لأن هذا الوطء لا يمنع الردّ وإمكان الردّ يمنع الرُّجوع بالنقصان، وإن كان لم يطأها عند البائع فوطئها عند المشتري؛ فإن كانت بكراً يرجع بالنقصان؛ لأن وطء البكر يمنع الرد بالعيب؛ لأنه يوجِب نُقْصان العين بإزالة العذرة، والامتناع ههنا ليس لمعنى من قبل المشْتَري، بل من قبل البائع، فلا يمنع الرجوع بالنقصان؛ وإن كانت ثيباً لم يذكر في الأصلِ أنه يمنع الرد أم لا، وقيل: لا يمْنَع فلا پرجع بالنُّقصان مع إمكان الرد. وكذا لو كان المَبِيع قائماً حقيقة هالكاً تقديراً؛ بأن أعطى له حكم الهَلاك كما إذا كان المَبِيع ثوباً فقطعه وخاطه، أو حنطة فطَحَنها أو دقيقاً فخبزه أو لحماً فشواه فإِنه يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الردّ في هذه المواضع من قبل البائع. ولو حدث في المبيع أو بسببه زيادة مانعة من الردّ؛ كالولد والثمرة واللبن والأرش والعقر - يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الردّ ههنا لا من قبل المشتري، بل من قبل الشرع لما ذكرنا فيما تقدم أنه لو رد الأصل بدون الزيادة - لبقيت الزيادة مبيعاً مقصوداً بلا ثمن، وهذا تفسير الربا في متعارف الشرع، وحرمة الربا تثبت حقاً للشّرع؛ ولهذا لو تراضيا على الرد لا يقضي بالرد؛ لأن الحرمة الثابتة حقًّا للشّرع لا تسقط برضا العبد. وإذا كان امتناع الرد لمعنى يرجع إلى الشّرع لا إلى المشتري - بقي حق المشتري في وصف السَّلامة واجب الرعاية، فكان له أن يرجع بالنقصان جبراً لحقه؛ ولو كانت الزيادة المانعة سمناً أو عسلاً لته بسويق أو عصفر أو زعفراناً صبغ به الثوب، أو بناء على الأرض - يرجع بالنقصان؛ لأن التعذر ليس من قبل المشتري ولا من قبل البائع، بل من قبل الشرع. ألا ترى أنه ليس للبائع أن يقول: أنا أخذه كَذَلك، وتعذر الرد لحق الشرع لا يمنع الرجوع بالنقصان لما ذكرنا، ولو بَاعه المشتري أو وهبه ثم علم بالعيب - لم يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الردّ ههنا من قبل المشتري؛ لأنه بالبيع صار ممسكاً عن الرد؛ لأن المشْتَري قام مقامه فصَارَ مبطلاً للرد الذي هو الحق، فلا يرجع بشيء. وكذلك لو كاتبه لأنها توجب صيرورة العبد حراً يداً فصار بالكتابة ممسكاً عن الرد فأشبه البيع؛ وكذلك لو أعتقه على مال ثم وَجَد به عيباً؛ لأن الإعتاق على مال في حقِّ المعتق في ١١٥٤/٣ معنى البيع؛/ لأنه أخَذَ العِوَض بمقابلته، والبيع يمنع الرجوع بالنقصان كذا هذا. ٣٤٣ کتاب البيوع وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه لا يمنع، ولو أعتقه على غير مال ثم وجد به عيباً . فالقياس ألاَّ يرجع، وهو قَوْل الشَّافعي - رحمه الله -، وفي الاستحسان يرجع. وجه القِيَّاس: أن الرد امتنع بفعله وهو الإعتاق فأشبه البيع أو الكتابة. وجه الاستحسان: أن تعذر الردّ ههنا ليس من قبل المشْتَري؛ لأن الإعتاق ليس بإزالة الملك، بل الملك ينتهي بالإعتاق؛ وهذا لأن الأصل في الآدمي عدم الملك والمالية؛ إذ الأصل فيه أن يكون حرًّا؛ لأن الناس كلّهم أولاد آدم وحواء ــ عليهما الصَّلاة والسلام - والمتولد من الحرين يكون حرًّا، إلا أن الشرع ضرب الملك، والمَاليَّة عليه بعارض الكفر مؤقتاً إلى غاية الإعتاق، والمؤقت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية فينتهي الملك والمالية عند الإعتاق، فَصَار كما لو انتهى بالموت، وبه تبين أن الإعتاق ليس بحَبْس بخلاف البيع؛ لأنه لما أخذ العوض فقد أقام المشتري مقام نفسه، فكأنه استبقاه على مِلْكه فصار حابساً إياه بفعله، ممسكاً عن الرد فلم يرجع بالنقصان. وكذلك لو دبره أو استولده، ثم وجد به عيباً يرجع بالنقصان؛ لأن الرد لم يمتنع من قبل المشتري بل من قبل الشرع، ولو قتله المشْتَري لم يرجع بالنقصان في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف: أنه يرجع؛ لأن المقتول ميّت بأجله فتَنْتَهي حياته عند القتل كما تنتهي عند الموت، فصار كما لو مَاتَ حَتْف أنفه، وهناك يرجع بالنقصان. كذا ههنا. وجه ظاهر الرواية: أن فَوَات الحياة إن لم يكن أثر فعل القَاتِل حقيقة، فهو أثر فعله عادة، فجعل في حق القاتل كأنه تَفْويت الحياة حقيقة وإزالتها، وإن كان انتهاء حقيقة كالإغتَاق على مال أنه ألحق بالبيع في حق المعتق، وإن لم يكن كذلك في حق العبد، فَصَار حابساً للعبد بصنعه ممسكاً . ولو كان المبيع طعاماً فأكله المشْتَري، أو ثوباً فلبسه حتى تخرق - لم يرجع بالنقصان في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يرجع. وجه قولهما: أن أكل الطعام ولبس الثوب استِعْمَال الشيء فيما وضع له، وأنه انتفاع لا إتلاف، بخلاف القتل فإنه إزالة الحياة في حق القَاتِل، فكان حبساً وإمساكاً . وجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن المشْتَري يأكل الطعام ولبس الثوب أخرجهما عن ملكه حقيقة؛ إذ الملك فيهما ثبت مطلقاً لا مؤقتاً، بخلاف العبد فأشْبَه القتل؛ ولو استهلك الطعام أو الثوب بسبب آخر وراء الأكل واللبس، ثم وَجَد به عيباً - لم يرجع بالنُّقصان بلا خلاف؛ لأن استهلاكهما في غير ذلك الوجه إبطال محض فيشبه القتل. ولو أكل بعض الطّعام ثم وجد به عيباً، ليس له أن يردّ الباقي، ولا أن يرجع بالنُّقصان عند أبي حنيفة؛ لأن الطعام كله شيء واحد بمنزلة العبد، وقد امتنع رد بعضه بمَعنّى من قبل المشْتَري، فيبطل حقه أصلاً في الرد والرجوع؛ كما لو باع بعض الطعام دون بعض. ٣٤٤ كتاب البيوع وروي عن أبي يوسف. أنه قال: يرد البَاقِي ويرجع بأرش الكل المأكول والباقي، إلا إذا رضي البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن. وروي عن محمد أنه قال: يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب فيما أكل؛ لأنه لَيْس في تبعيض الطعام ضرر، فيمكن رد البعض فيه دون البعض، وليس للبائع أن يَمْتَنع عن ذلك، وبه كان يفتي الفقيه أبو جعفر، وهو اختيار الفَقِيه أبي الليث؛ ولو باع بعض الطعام دون البعض، لم يرد الباقي ولا يرجع بالنُّقصان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب؛ إلا إذا رضي البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن. وجه قول زُفر: أن امتناع الرد والرجوع بالنقصان لأجل البيع، وأنه وجد في البعض دون البَعْض، فيمتنع في البَعْض دون البعض؛ لأن الأصل أن يكون الامتناع بقدر المانع. ولنا: ما ذكرنا أن الطعام كله شيء واحد كالعبد، فالامتناع في البعض لمعنى من قبل ١٥٤/٣ب المشتري يوجب الامتناع في الكُلِّ؛ ولو كان المبيع داراً فبناها مسجداً ثم اطلع على عيب / - لم يرجع بالنقصان؛ لأنه لما بَنَاها مسجداً فقد أخرجها عن ملكه فصار كما لو باعها؛ ولو اشترى ثوباً وكفن به ميتاً، ثم اطّلع على عيب به؛ فإن كان المشتري وَارِث الميت، وقد اشْتَرى من التركة - يرجع بالنقصان؛ لأن الملك في الكفن لم يثبت للمشْتَري، وإنما يثبت للميت؛ لأن الكفن من الحوائج الأصلية للميت، وقد امتنع رده بالعَيْب لا من قبل المشتري، فكان له أن يرجع بالنقصان، وإن كان المشتري أجنبياً فتبرع بالكفن - لم يرجع بالنُّقصان؛ لأن الملك في المشتري وقع له، فإذا كفن به فقد أخْرَجه عن مِلْكه بالتكفين، فأشبه البيع، والله عز وجل أعلم. ومنها عدم وصول عوض المبيع إلى المشْتَري، مع تعذر الرد في ظاهر الرواية؛ فإن وصل إليه عوضه بأن قتله أجنبي في يده خطأ - لا يرجع بالتُّقصان، وإن تعذر ردّه على البائع. وروي عن أبي يوسف ومحمد: أنه يرجع بالنقصان؛ لأنه لم يصل إليه حقيقة العيب، وإنما وصل إليه قيمة المعيب، فكان له أن يرجع بمقدار العَيْب، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأنه لما وصل إليه قيمته قامت القِيمَة مقام العين، فكأنها قائمة في يده لما وصل إليه عوضه، فصار كأنه باعه؛ ولو باعه المشْتَري، ثم اطلع على عيب به - لم يرجع بالنقصان، كذا هذا . ومنها عدم الرضا بالعيب صريحاً ودلالة، وهي أن يتصرّف في المبيع بعد العلم بالعيب تصرفاً يدل على الرِّضا بالعيب؛ فإن ذلك يمنع ثُبوت حق الرد والرجوع جميعاً، وقد ذكرنا التصرفات التي هي دليل الرِّضا بالعيب بعد العلم بالعيب فيما تقدم. ٣٤٥ كتاب البيوع ولو لم يعلم بالعيب حتى تصرّف فيه تصرفاً يمنع الرد ثم علم، فإن كان التصرف مما لا يخرج السلعة عن ملكه - يرجع بالنُّقصان إلا الكتابة؛ لانعدام دلالة الرضا، وفي الكتابة يرجع؛ لأنها في معنى البيع على ما مرّ، وإن كان التصرف مما يخرج السِّلعة عن ملكه؛ كالبيع ونحوه - لا يرجع بالنقصان إلا الإعتاق لا على مال استحساناً على ما ذكرنا فيما تقدم. وأما بيان ما يَبْطلُ به حق الرجوع بعد ثبوته وما لا يبطل: فحق الرجوع يبطل بصَرِيح الإبْطَال، وما يجري مجرى الصريح؛ نحو قوله: أبطلته أو أسقطته أو أبرأتك عنه وما يَجْري هذا المجرى؛ لأن خيار الرجوع حقه كخيار الرد لثبوته بالشّرط، وهي السلامة المشروطة في العقد دلالة، بخلاف خيار الرؤية، والإنسان بسَبِيل من التصرُّف في حقه استيفاء وإسقاطاً، ويسقط أيضاً بالرُّضا بالعيب، وهو نوعان: صريح وما يجري مجرى الصريح ودلالة. فالصريح هو أن يقول: رَضِيت بالعيب الذي به أو اخترت أو أجزت البيع وما يجري مجراه . والدلالة: هي أن يتصرّف في المَبِيع بعد العلم بالعيب تصرفاً يدل على الرضا بالعيب، كما إذا انتقص المَبِيع في يد المشتري وامتنع الرد بسبب النُّقصان، ووجب الأَرْش ثم تصرف فيه تصرفاً أخرجه عن ملكه؛ بأن باعه أو وَهَب وسلم أو أعتق أو دبر أو استولد مع العلم بالعيب، لأن التصرف المخرج عن المِلْك مع العلم بالعيب دلالةُ الإمساك عن الرد، وذا دليل الرضا بالعيب فيبطل حق الرجوع. ولو امتنع الردّ بسبب الزيادة المنفصلة المتولّدة من الأصل كالولد وغيره، أو الحاصلة بسبب الأصل غير المتولدة منه؛ كالأرْش والعقر، والزيادة المتصلة غير المتولدة؛ كالصبغ ونحو ذلك، ثم تصرف تصرُّفاً أخرجه عن ملكه لا يبطل حق الرجوع بالأرش، بل يبقى الأرش على حاله؛ لأن التصرُّف في هذه الصُّورة لم يقع دلالة على الإمْسَاك عن الرد؛ لأن امتناع الرد كان ثابتاً قبله . ألا ترى أنه ليس للبائع خيار الاسْتِرداد بأن يقول أنا أقبله كذلك مع العيب وأرد إليك جميع الثمن، وإذا كان الرد ممتنعاً قبل التصرّف لم يكن هو بالتصرف ممسكا عن الرد، فلا يكون دليل الرضا فبقي الأرش واجباً كما كان بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك لم يكن الرد ممتنعاً حتماً. ألا ترى أن للبائع أن يقبله ناقصاً مع العيب، فكان المشْتَري بتصرفه مفوتاً على نفسه حق الرد، فكان حابساً للمبيع فعله ممسكاً إياه عن الرد، وأنه دليل الرضا/ بالعيب، فيبطل ١١٥٥/٣ الرجوع، فصار الأصل في هذا الباب أن وجوب الأرش إذا لم يكن ثابتاً على سبيل الحتم ٣٤٦ كتاب البيوع والإلزام، بل كان خيار الاسترداد للبائع مع العيب، فتصرف المشْتَري بعد ذلك تصرفاً مخرجاً عن الملك يوجب بطلان الأرض، وإن كان وجوبه(١) ثابتاً حتماً بأن لم يكن للبائع خِيَار الاستِزْداد فتصرف المشتري - لا يبطل الأرش. وجه الفرق بين الفصلين على نحو ما بينًا، والله عز وجل أعلم. وأما بيان طريق معرفة نقصان العيب: فطريقه أن تقوم السِّلعة وليس بها ذلك العيب، وتقوم وبها ذلك - فينظر إلى نقصان ما بين القيمتين، فيرجع على بائعِه بقدر ما نقصه العيب من حصته من الثّمن، إن كانت قيمته مثل ثمنه. وإن اختلفا: فإن كان النقصان قَدْر عشر القيمة يرجع على بَائِعِه بعشر الثمن، وإن كان قدر خمسها يرجع بخمس الثَّمن؛ مثاله: إذا اشترى ثوباً قيمته عشرة بعشرة، فاطلع على عيب به ينقصه عَشْر قيمته وهو درهم، يرجع على بائعه بعشر الثمن وهو درهم. ولو اشترى ثوباً قيمته عشرون بعَشْرة، فاطّلع على عيب به ينقصه عشر القيمة وذلك درهمان - فإن يرجع على البائع بعشر الثَّمن وذلك درهم واحد؛ ولو كانت قيمته عشرة وقد اشتراه بعشرين، والعَيْب ينقصه عشر القيمة، وذلك درهم واحد - يرجع على بائعه بعشر الثمن وذلك دِرْهَمان على هذا القياس، فافهم والله أعلم. وأما الخيار الثابت شرعاً لا شرطاً فهو خِيّار الرؤية، والكلام فيه في مواضع: في بيان شرعيَّة البَيْع الذي فيه خيار الرُّؤية. وفي بيان صِفَتِه . وفي بیان حکمه. وفي بيان شرائط ثبوت الخيار. وفي بیان وقت ثُبُوته. وفي بيان كيفية ثبوته. وفي بيان ما يسقط به الخِيَار بعد ثُبُوته ويلزم البيع وما لا يسقط ولا يلزم. أما الكلام في شرعيته فقد مرّ في موضعه. وأما صفته: فهي أن شراء ما لم يره المشتري غير لازم؛ لأن عدم الرُّؤية يمنع تمام - (١) في ط: وجه. ٣٤٧ كتاب البيوع الصَّفقة؛ لما روي عن رسول الله - وَ﴿ - أنه قال: ((مَنِ اشْتَرىُ شَيْئاً لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالخِيَارِ إِذَا رَآه)»(١) ولأن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار؛ ولأن من الجائز اعتراض النَّدم لما عسى لا يصلُح له إذا رآه، فيحتاج إلى التَّدارك (١) أخرجه الدار قطني (٤/٣ - ٥) في كتاب البيوع، حديث (١٠). والبيهقي (٢٦٨/٥) كتاب البيوع، باب: ((من قال يجوز بيع العين الغائبة)). كلاهما مسنداً عن داهر بن نوح ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد عن وهب اليشكري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ... فذكره. وأخرجه الدارقطني (٤/٣) في كتاب البيوع، حديث (٨) والبيهقي (٢٦٨/٥) كتاب البيوع، باب: ((من قال: يجوز بيع العين الغائبة)) . كلاهما عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن مكحول رفع الحديث إلى النبي قال الدار قطني: هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٩/٤): روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند أخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن داهر بن نوح ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي ثنا وهب اليشكري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقر: ((من اشترى شيئاً لم يرده فهو بالخيار إذا رآه))، قال عمر الكردي: وأخبرني فضيل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر مثله، قال عمر أيضاً: وأخبرني القاسم بن الحكم عن أبي حنيفة عن الهيثم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي وَّر مثله، قال الدارقطني: وعمر بن إبراهيم هذا يقال له: الكردي يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروه غيره، وإنما يروي عن ابن سيرين من قوله، انتهى. قال ابن القطان في ((كتابه)»: والراوي عن الكردي داهر بن نوح، وهو لا يعرف، ولعل الجناية منه، انتهى. وأما المرسل فرواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، والدارقطني، ثم البيهقي، وهو في ((سننيهما)) حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن مكحول رفعه إلى النبي ◌َّ، قال: من اشترى، إلى آخره، وزاد: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، قال الدارقطني: هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، انتهى. وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٣٢١/٢). رواه القضاعي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة، وفي سنده عمر بن إبراهيم الكردي وَضّاعٌ، وذكر الدارقطني أنه تفرد به، وقال هو والبيهقي: المعروف أنه من قول ابن سيرين، وأخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي من طريق أخرى مرسلة عن مكحولٍ رفعه بسند فيه ضعيفٌ لكنها أمْثَلُ من الموصولة، وعلق الشافعي القول به على ثبوته، ونقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه، وعند الطحاوي والبيهقي من طريق علقمة بن وقاص أن طلحة اشترى من عثمان مالاً، فقيل لعثمان إنك غُبِنْتَ، فقال عثمان لي الخيار لأني بعت ما لم أره، وقال طلحة لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره، فحكْما بينهما جُبير بن مُطعِم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان انتهى، وقد أورده كثير من السادة الحنفية في كتبهم مستدلين به كصاحب الهداية بلفظٍ مَن اشترى ما لم ير فله الخيار إذا رأى؛ وهو المشهور على الألسنة، لكن نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال في تخريجه لأحاديث الهداية لا أصل له. ٣٤٨ ٠٠. كتاب البيوع فيثبت الخيار؛ لإمكان التدارك عند النَّدم نظراً له كما ثبت خيار الرجعة شرعاً نظراً للزوج تمكيناً له من التَّدارك عند النَّدم؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ . وأما بيع مَا لَمْ يره البائع، فهل يلزم؟ روي عن أبي حَنِيفة - رحمه الله - أنه كان يقول أولاً: لا يلزم ويَثْبُت له الخيار، ثم رجع وقال: يلزم ولا يثبت له الخيار. وجه قوله الأول: ما ثَبَت له [الخيار](١) في شراء ما لم يره المشْتَري، وهو ما ذكرنا من المعاني موجود في بيع ما لم يره البائع، فورود الشّرع بالخيار ثمة يكون وُروداً ههنا دلالة. وجه قَوْله الآخر: ما روي أن سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - باع أرضاً له من طلحة بن عبيد (٢) الله - رضي الله عنهما -، ولم يكونا رأياها، فقيل لسيدنا عثمان - رضي الله عنه -: غبنت، فقال: لي الخيار؛ لأني بِغْت ما لم أره، وقيل لطلحة مثل ذلك فقال: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، فحكما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة - رضي الله عنه_(٣)، وكان ذلك بمَخْضَر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على ذلك، والاعتبار بجَانِب المشتري ليس بسَدِيدٍ؛ لأن مشتري ما لم يره مشْتَري، على أنه خير مما ظنَّه فيكون بمنزلة مشتري شيء على أنه جيد، فإذا هو رديء. ومن اشترى شيئاً على أنه جيد فإذا هو رَدِيء - فله الخيار، وبائع شيء لم يره يبيع على أنه أدون مما ظنه، فكان بمنزلة بائع شَيْء على أنه رديء، فإذا هو جيد ومن باع شيئاً على أنه ردِيء، فإذا هو جيّد لا خِيَار للبائع، فلهذا افترقا. وأما حكمه فحكم المبيع الذي لا خيار فيه، وهو ثُبُوت الحل للمشتري في المبيع، ١٥٥/٣ ب وثبوت الملك للبائع في الثمن للحال؛ لأن ركن(٤) البَيْع صدر مطلقاً/ عن شرط كان ينبغي أن يلزم، إلا أن ثَبَت الخيار شرعاً لا شرطاً؛ بخلاف البيع بشرط الخيار؛ لأن الخِيَار ثبت بنص كلام العاقدين، فأثر في الركن بالمَنْع من الانعقاد في حق الحكم على ما مر، والله عز وجل أعلم . وأما [بيان](٥) شرائط ثُبوت الخِيَار، فمنها أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين؛ فإن كان مما لا يتعين بالتعيين، لا يثبت فيه الخيار، حتى أنهما لو تَبَايعا عيناً بعين - يثبت الخيار لكل واحد منهما . (١) سقط في ط . (٢) في ط: عبد. (٣) أخرجه الطحاوي في شرح ((معاني الآثار)) (١٠/٤) كتاب البيوع، باب: تلقي الجلب. (٥) سقط في ط . (٤) في أ: ملك. ٣٤٩ کتاب البيوع ولو تبايعا ديناً بدين لا يثبت الخيار لواحد منهما؛ ولو اشْتَرى عيناً بدين فللمشتري الخيار، ولا خيار للبائع، وإِنما كان كذلك؛ لأن المَبِيع إذا كان مما لا يتعين بالتَّعيين، لا ينفسخ العقد برده؛ لأنه إذا لم يتغَّين للعقد لا يتعين للفسخ، فيبقى العقد، وقيام العَقْد يقتضي ثبوت حق المطالبة بمثله، فإذا قبض يرده هكذا إلى ما لا نهاية له، فلم يكُن الرد مفيداً بخلاف ما إذا كان عيناً؛ لأن العقد ينفسخ برده، لأنه يتعين بالعقد فيتعين في الفسخ أيضاً فكان الرد مفيداً ولأن الفسخ إنما يرد على المملوك بالعقد، وما لا يتعيَّن بالتعيين لا يملك بالعَقْد، وإنما يملك بالقبض فلا يرد عليه الفسخ؛ ولهذا يثبت خيار الرؤية في الإجَارَة والصلح عن دعوى المال والقسمة ونحو ذلك؛ لأن هذه العُقُود تنفسخ برد هذه الأشياء فيثبت فيها خيار الرؤية، ولا يثبت في المهر وبدل الخلع والصّلح عن دم العمد ونحو ذلك؛ لأن هذه العقود لا تحتمل الانْفِسَاخ برد هذه الأموال، فصار الأصل أن كل ما ينْفَسخ العقد فيه بردّه يثبت فيه خيار الرُّؤية، ومالا فلا، والفقه ما ذكرنا والله عز وجل أعلم. ومنها عدم الرؤية(١)، فإِن اشْتَراه وهو يراه فلا خِيَار له؛ لأن الأصل هو لزوم العقد وانبرامه؛ لأن ركن العَقْد وجد مطلقاً عن شرط، إلا أنا عرفنا ثبوت الخيار شرعاً بالنص، والنص ورد بالخِيَار فيما لم يره المشْتَري، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن اشْتَرَىْ شَيْئاً لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ)) فبقي الخيار عند الرؤية مبقياً على الأصل. (١) ((خيار الرؤية يجعل البيع قبل الرؤية غير لازم). وذلك لعدم تمام الرضا بالبيع من المشتري، وهو يلزمه عدم لزوم البيع، كخيار الشرط، ويكون غير لازم من جهة المشتري، وفي قول عند المالكية من جهتهما معاً، ولكنه ضعيف، فللمشتري أن يفسخ البيع إن أراد بمقتضى عدم اللزوم لا بمقتضى خيار الرؤية، فإنه معلق بالرؤية، ولم توجد بعد. ويستمر له هذا الحق ما دامت لم توجد الرؤية، حَتّى ولو أجاز البيع؛ لأن هذه الإجازة غير معتبرة شرعاً؛ لأن الرضى لا يتحقق قبل الرؤية. وقد أورد الكمال في فتح القدير إشكالاً على ثبوت حق الفسخ للمشتري قبل الرؤية حاصله. أن إثبات قدرة الفسخ والإجازة - التي هي عبارة عن الخيار - معلق بالرؤية، ولما كان البيع في الأصل يقتضي اللزوم، فقبل الرؤية يلزم مقتضاه، وهو اللزوم، حتى توجد الرؤية، وعندها تثبت قدرة الفسخ والإجازة معاً. وهذا كلام مقبول لدى العقل، وبالنسبة لقواعد المذهب غير مقبول؛ لأن هذا الخيار يمنع تمام الحكم عند الحنفية، فلو لزم البيع قبل الرؤية لاستلزم تمام الحكم؛ لأنه لا معنى للزوم شيء لم يتم حكمه بعد. هذا وأما حكم البيع قبل الرؤية عند الحنابلة في الغائب الموصوف، فهو اللزوم، فليس للمشتري أن يفسخ قبل الرؤية، بل ولا بعدها ما دام المبيع قد جاء على الوصف لتمام البيع قبل الرؤية وبعدها بالرضا الناشئ عن العلم بالمبيع بواسطة وصفه. وإنما ثبت له الخيار إذا رآه متخلفاً وصفه بالقياس على ما لو ظهر المبيع معيباً بعيب عند البائع. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. ٣٥٠ كتاب البيوع وإن كان المشتري لم يره وقت الشراء، ولكن كَانَ قد رَآه قبل ذلك - نظر في ذلك إن كان المبيع وقت الشراء على حاله التي كان عَلَيْها لم تتغير، فلا خيار له، لأن الخيار ثبت معدولاً به عن الأصْلِ بالنص الوارد في شراء ما لم يره، وهذا قد اشترى شيئاً قد رآه فلا يثبت له الخيار، وإن كان قد تَغَيَّر عن حاله فله الخيار؛ لأنه إذا تَغَيَّر عن حاله فقد صَارَ شيئاً آخر، فكان مشترياً شيئاً لم يره، فله الخيار إذا رآه. ولو اختلفا في التَّغير وعدمه، فقال البائع: لم يتغير، وقال المشتري: قد تغير - فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير، والتَّغير عارض، فكان البائع متمسكاً بالأصل، والمشتري مدعياً أمراً عارضاً، فكان القَوْل قول البائع لكن مع يمينه؛ لأن حق الرد أمر يجري فيه البدل، والإقرار فيجري فيه الاسْتِخْلاَف؛ ولأن المشتري بدَغوى التَّغير يدَّعي حق الرد، والبائع ينكر، فكان القول قول المنكر. ولو اختلفا: فقال البائع للمشْتَري: رأيته وقت الشراء، وقال المشتري: لم أره - فالقول قول المشتري؛ لأن عدم الرُّؤية أصل والرؤية عارض، فكان الظاهر شاهداً للمشتري، فكان القَوْل قوله مع يمينه؛ ولأن البائع بدعوى الرؤية يدعي عليه إلزام العقد والمشْتَري ينكر، فكان القول قوله. ولو أراد المشْتَري الرد فاختلفا، فقال البائع: لَيْس هذا الذي بَعْتك، وقال المشتري: هو ذاك بعينه فالقول قوله أنه بعينه؛ وكذلك هذا في خِيَار الشرط بخلاف خِيَار العيب؛ فإن القول قول البائع. ووجه الفَرْق: أن المشْتَري في خيار الرؤية والشّرط بقوله هذا مالك لا يدَّعي ثبوت حق الرد عليه؛ لأن حق الردّ ثابت له حتى يردّ عليه من غير قضاء ولا رضا، ولكنه يدَّعي أن هذا الذي قَبَضه منه، فكان اختلافهما في الحقيقة راجعاً إلى المقبوض والاختلاف متى وقع في تَعْيِين نفس المقبوض؛ فإن القول فيه قول القابض. وإن كان قبضه بغير حق كقبض الغصب، ففي القَبْضِ الحق / أولى بخلاف العيب؛ لأن المشْتَري لا ينفرد بالرد في خِيَار العيب، ألا ترى أنه لا يَمْلك الرد إلا بقضاء القَاضِي أو التراضي، فكان هو بقوله: هذا مالك بعينه مدعيًّا حق الرد في هذا المعين، والبائع ينكر ثُبوت حق الردّ فيه، فكان القول قوله. ١١٥٦/٣ هذا إذا كان المشْتَري بصيراً، فأما إذا كان أعمى، فَشرط ثبوت الخيار له عدم الجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق والشم فيما يشم، والوصف فيما يوصف وقت الشراء؛ لأن هذه الأشياء في حقّه بمنزلة الرؤية في حقّ البصير، فكان انعدامها شرطاً لثبوت الخِيّار له، فإن وجد ٣٥١ کتاب البيوع شيء منه وقت الشراء فاشتراه، فلا خيار له؛ وكذا إذا وجدت قبل القبض ثم قبض؛ فلا خيار له؛ لأن وجود شيء من ذلك عند القبض في حقه بمنزلة وجُوده عند العَقْد، كالرؤية في حق البصير؛ بأن رآه قبل القبض ثم قبضه؛ لأن كل ذلك دلالة الرِّضا بلزوم العقد على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. هذا الذي ذكرنا إذا رأى المشْتَري كل المبيع وقت الشِّراء، فأما إذا رأى بعضه دون البَعْض، فجملة الكلام في جنس هذه المسائل: أن المبيع لا يخلُو إما أن يكون شيئاً واحداً، وإما أن يكون أشْيَاء؛ فإن كان شيئاً واحداً فرأى بعضه لا يخلو إما أن كان ما رآه منه مقصوداً بنفسه وما لم يره منه تبعاً، وإما أن كان كل واحدٍ منهما مقصوداً بنفسه فإن كان ما لم يره تبعاً لما رآه فلا خيار له، سواءً كان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال ما لم يره أو لا تفيد؛ لأن حكم التبع حكم الأصل فكَانَ رؤية الأصل رؤية التبع، وإن كان مقصوداً بنفسه ينظر في ذلك إن كان رؤية ما رأى تفيد له العِلْم بحال ما لم يره - فلا خِيَار له، لأن المقْصُود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل، وإن كان لا يفيد له العلم بحال الباقي فله الخيار؛ لأن المقْصُود لم يخصُل [برؤية ما رأى](١) فكأنه لم ير شيئاً منه أصلاً، فعلى هذا الأصل تخرج المَسائل. إذا اشترى عبداً أو جارية فرأى وجهَه دون سائر أعضائه، لا خيار له. وإن كانت رؤية الوجه لا تقيد له العلم بما وَرَاءه؛ لأن الوجه أصل في الرؤية في بني آدم وسائر الأعضاء تبع له فيها . ولو رأى سائر أعضائه دون الوجه فله الخيار؛ لأن رؤية التّبع لا تكون رؤية الأصل، فكأنه لم ير شيئاً منه. ولو اشترى فرساً أو بغلاً أو حماراً أو نحو ذلك، فرأى وجهه لا غير، روى ابن سماعة عن محمد: أنه يسقط خِيَّاره وسوى بينه وبين الرقيق. وروي عن أبي يوسف: أن له الخِيَار ما لم ير وجهه ومؤخّره وهو الصحيح؛ لأن الوجه والكفل كل واحد منهما عضو مقْصُود في الرؤية في هذا الجنس، فما لم يرهما فهو على خياره. وإن اشترى شاة؛ فإن كانت نعجة حلوياً اشتراها للقنية(٢)، أو اشترى بقرة حلوباً أو ناقة (١) في أ: بدونه. (٢) للقنية: أي خالصة له ثابتة عليه. ٣٥٢ كتاب البيوع حلوباً اشتراها للقنية - لا بد من النّظر إلى ضرعها، وإن اشترى شاة للحم لا بد من الجس، حتى لو رَآها من بَعِيد فهو على خِيَاره؛ لأن اللّحم مقْصُود من شاة اللحم، والضرع مقصود من الحلوب، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذين المقْصُودين، والله عز وجل أعلم. وأما البَسْط فإن كان مما يختلف وجهه وظهره، فرأى وجهه دون ظهره كالمغافر ونحوها لا خيار له، وإن رأى الظهر دون الوجه، فله الخيار؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة . ولو اشترى ثوباً واحداً فرأى ظَاهِره مطويًّا ولم ينشره؛ فإن كان ساذجاً(١) ليس بمنقش ولا بذي علم - فلا خيار له؛ لأن رؤية ظَاهِره مطوياً تفيد العلم بالباقي، وإِن كان منقشاً فهو على خِيَاره ما لم ينشره، ويرى نقشه؛ لأن النقش في الثوب المنقش مقصود، وإن لم يكن منْقشاً ولكنه ذو علم فرأى علمه، فلا خيار له، وإِن لم ير كله، ولو رأى كله إلا علمه فَلَه الخيار؛ لأن العِلْم في الثوب المعلم مقصود كالنقش في المنقش. ولو اشْتَرى داراً فرأى خارجها أو بستاناً فرأى خارجه ورؤوس الأشجار - فلا خيار له؛ ١٥٦/٣ ب كذا ذكر في ظاهر الرِّواية؛ لأن الدَّار شيء واحد؛ وكذا البستان فكان رُؤْية/ البعض رؤية الكل إلا أن مشايخنا قالوا: إن هذا مؤول، وتأويله ألاَّ يكون في داخل الدَّار بيوت وأبنية، فيخصُل المقْصُود برؤية الخارج، فأما إذا كان داخلها أبنية فله الخيار ما لم ير داخلها؛ لأن الدَّاخل هو المقصود من الدار، والخارج كالتابع له بمنزلة الثوب المعلم، إذا رأى كله إلا عِلْمه كان له الخيار؛ لأن العلم هو المقصود منه. وذكر الكرخي أن أبا حنيفة عليه الرحمة أجاب على عَادَة أهل الكوفة في زمنه؛ فإن دورهم في زمنه كانَت لا تختلف في البناء، وكانت عَلَى تَقْطيع واحد وهيئة واحدة، وإِنما كانت تَخْتَلِف في الصغر والكبر والعلم به يحصل برؤية الخارج. وأما الآن فلا بد من رؤية دَاخِل الدار وهو الصحيح؛ لاختلاف الأبنية في داخل الدور في زماننا اختلافاً فاحشاً، فرؤية الخَارِج لا تفيد العلم بالداخل، والله عز وجل أعلم. هذا إذا كان المشتري شيئاً واحداً فرأى بعضه، فأما إن كان أشياء فرأى وقت الشراء بعضها دون البعض، فلا يخلو: إما أن كان من المَكِيلات أو الموزونات، فرأى بعضها وقت الشِّراء؛ فإن كان في وِعَاء واحد فلا خيار له؛ لأن رؤية البعض فيها تفيد العلم بالباقي لكان رؤية البَغْض كرؤية الكل، إلا إذا وجد الباقي، بخلاف ما رأى فيثبت له الخيار، لكن خِيَار العيب لا خيار الرؤية وإن كان في وعاءين؛ فإن كان الكل من جِئْس واحد، وعلى صفة واحدة اختلف المشايخ فيه : (١) في أ: سادجاً. ٣٥٣ كتاب البيوع قال مشايخ بلخ: له الخيار؛ لأن اخْتِلاف الوعاءين جعلهما كجنسين. وقال مشايخ العراق: لا خيار له وهو الصَّحيح؛ لأن رؤية البَعْض من هذا الجنس تفيد العلم بالباقي، سواء كان في وعاء واحد أو في وعاءًين بعد أن كان الكل من جنس واحد، وعلى صِفَة واحدة؛ فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على صفتين - فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البَغْض من جِئْس وعلى وصف لا تفيد العلم بجنس آخر، وعلى وصف آخر، وإن كان من العَدَديات المتفاوتة كالعبيد والدواب والثياب، بأن اشْتَرى جماعة عبيد أو جَوَاري أو إبل أو بقر أو قطيع غنم أو جراب هروي، فرأى بعضها أو كلها إلا واحداً - فله الخيار بين أن يرد الكل أو يمسك الكل؛ لأن رؤية البَعْض من هذا الجِنْس لا تفيد العلم بما وراءه، فكأنه لم يَرَ شيئاً منه، بخلاف المكيل والموزون، لأن رؤية البعض منه تفيد العلم بالباقي . ولو اشترى جماعة ثِيَاب في جراب، ورأى أطراف الكلّ أو طيّ الكل - لا خيار له إلا إذا كانت معلمة أو منقشة؛ لأنها إذا لم تكن معلمة أو منقشة، لم يكن البعض من كل واحد منها مقصوداً والبعض تبعاً، ورؤية البعض تفيد العلم بحال الباقي، فكان رؤية البعض رؤية الكُل؛ كما إذا اشترى البطيخ في السريحة(١) والرمان في القفة فرأى البعض فله الخيار؛ لأن البَغْض منها ليس تبعاً للبعض، بل كل واحد منها مقصود بنفسه، فرؤية البعض منها لا تُفِيد العلم بالباقي؛ لكونها متفاوتة تفاوتاً فاحشاً فكان له الخيار. وإن كان العدديَّات المتقاربة كالجوز والبيض، فرأى البعض منها - ذكر الكرخي أن له الخيار وألحقه بالعدديَّات المتفاوتة؛ لاختلافها في الصغر والكبر كالبطيخ والرمان. وذكر القاضي الإمام الاسبيجابي - رحمه الله - في شرحه مختصر الطَّحاوي: أنه لا خِيَار له وهو الصحيح؛ لأن التفاوت بين صغير البيض والجوز وكبيرهما متقارب ملحقٌ بالعدم عرفاً وعادة وشرعاً؛ ولهذا ألحق بالعدم في السلم حتى جاز السلم فيها عدداً عند أصحابنا الثلاثة، خلافاً لزفر، فكان رؤية بعضه معرفاً حال الباقي، ويحتمل(٢) أن يكون الجَوَاب على ما ذكره الكَرْخي، ويفرق بين هذا وبين السلم، وهو أن البيض والجوز مما يتفاوت في الصِّغر والكبر حقيقة. والأصل في الحقائق اعتبارها، إلا أن الشّرع أهدر هذا التفاوت، وألحقه بالعدم في السلم لحاجة الناس، ولا حاجة إلى الإهدار في إسقاط الخِيَار فبقي التفاوت فيه معتبراً، فرؤية البعض لا تَخصل المقصود، وهو العلم بحال الباقي فبقي الخيار، والله عز وجل أعلم. (١) السريحة: القطعة من الثوب. ترتيب القاموس (سرح) (٢) في أ: ويجوز. بدائع الصنائع ج٧ - م٢٣ ٣٥٤ كتاب البيوع ولو اشترى دهناً/ في قارورة، فرأى خارج القَارُورة - فعن محمد روايتان، روى ابن سماعة عنه: أنه لا خيار له؛ لأن الرؤية من الخَارِج تفيد العلم بالداخل فكأنه رآه وهو خارج، وروي عنه: أن له الخِيَار؛ لأن العلم بما في داخل القارورة، لا يحصل بالرؤية من خارج القارورة؛ لأن ما في الدَّاخل يتَلون بلون القَارُورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية. وقالوا في المشتري: إذا رأى المَبِيع في المرآة أن له الخِيَار، وكذا في الماء، وقالوا: لأنه لم ير عينه وإنما رأى مثاله. والصحيح أنه رأى عين المبيع لا أن غير المَبِيع في المِرْآة والماء، بل يراه حيث هو، لكن لا على الوجه المعتاد بخلق الله تعالى فيه الرؤية، وهذا ليس ببعيد، لأن المقابلة ليست من شَرْط الرؤية، فإنا نرى الله تعالى عز شأنه بلا مقابلة، ولكن قد لا يخصُل له العلم بهيئته لتفاوت المرآة، فيعلم بأصله لا بهيئته، فلذلك يثبت له الخِيَار لا لما قالوا، والله عز وجل أعلم، عَلى أن في العرف لا يشتري الإنسان شيئاً لم يره ليراه في المرآة أو في الماء؛ ليخصُل له العلم بهذا الطريق، فلا تكون رؤيته في المرآة، وإن رأى عينه مسقطة للخِيَار. وعلى هذا قالوا فيمن رأى فرج أم امرأته في الماء. أو في المرآة، فنظر إليه بشهوة لا تثبت له حُزْمة المصَاهَرة؛ وكذا لا يصير مراجعاً للمرأة المطلقة طلاقاً رجعياً لما قلنا. ولو اشترى سمكاً في دائرة، يمكن أَخْذُه من غير اضْطياد. وحيلة حتى جاز البيع، فرآه في الماء ثم أخذه؛ قال بعضهم: لا خيار له؛ لأنه رَأَى عين السمك في الماء. وقال بعضهم: له الخيار؛ لأن ما رآه كما هو؛ لأن الشّيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو، فلم يخصَل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته كما هو فله الخيار. وأما بيان وقت ثُبُوت الخيار فوقت ثبوت الخِيَار هو وقت الرؤية لا قبلها، حق لو أجاز قبل الرؤية ورضي به صريحاً؛ بأن قال: أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى ثم رآه - له أن يرده؛ لما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرُّؤية وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرُّؤية، وهذا خلاف النَّص؛ ولأن المعقود عليه قبل الرؤية مجهول الوصف، والرضا بالشيء قبل العلم به، والعلم بوجود سببه محال، فكان ملحقاً بالعَدَم. وأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه لا خيار قبل الرؤية، ولهذا لم تجز الإجازة فلا يجوز الفسخ؛ وقال بعضهم: يجوز وهو الصحيح؛ لأن هذا عقد غير لازم، فكان محلّ الفسخ كالعقد الذي فيه خيار العيب وعقد الإعارة والإيداع، وقد خرج الجَوَاب عن قولهم: إنه لا خِيَار قبل الرُّؤية؛ لأن مِلْك الفسخ لم يثبت حكماً للخيار، وإنما يثبت حكماً؛ لعدم لزوم العَقْد والله عز وجل أعلم. ١١٥٧/٣ ٣٥٥ كتاب البيوع وأما بيان كيفيَّة ثبوت الخيار فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: إن خيار الرؤية بعد الرُّؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر إلى أن يوجد ما يبطله، فيبطل حينئذ وإلا فيبقى على حَالِهِ، ولا يتوقّف بإمكان الفسخ، وهو اختيار الكَرْخي؛ لأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اخْتِلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه. وقال بعضهم: أنه يثبت موقتاً إلى غاية إمكان الفَسْخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وأمكنه الفسخ ولم يفسخ يسقط خياره، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار على ما نذكرها إن شاء الله تعالى؛ لأن من الأسباب المسقطة للخيار الرضا، والإجازة وامتناع من الفسخ بعد الإمكان دَليل الإجازة والرضا(١)، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) للمشتري حق فسخ البيع قبل الرؤية بموجب عدم لزومه ونقول هنا إن هذا الحق يستمر إلى حين رؤية المبيع. ثم لو رآه فرضي به فور الرؤية أو تصرف فيه تصرفاً دالاً على الرضا به فقد لزمه البيع وانقطع الخيار الذي ثبت له بموجب الرؤية. وهذا لا خلاف فيه. ولكنه إن رأى المبيع فسكت ولم يتصرف فيه مما حكم خيار الرؤية؟ أينقطع الخيار ويلزمه المبيع؟ أم لا ينقطع ولا يلزمه المبيع حتى يرضى به صراحة بالقول أو دلالة بالفعل؟ هنا تختلف المذاهب. فالشافعية بناء على المذهب القديم القائل بصحة بيع الغائب مع ثبوت خيار الرؤية. والحنابلة بناء على رواية عندهم بهذا المعنى أيضاً. عند كل منهما قولان. القول الأول - أن خيار الرؤية ينقطع فور رؤية المشتري المبيع إذا لم يفسخ البيع. والقول الثاني: أنه لا ينقطع حتى ينفض مجلس الرؤية. وعلى كل من القولين فخيار الرؤية في المذهبين مؤقت بالرؤية أو بمجلسها. ومذهب الحنفية مقابل لهذا المذهب. فخيار الرؤية عندهم غير مؤقت بل مثبت بالرؤية ويمتد إلى أن يرضى المشتري بالمبيع صراحة أو دلالة. وهناك قول لبعض مشايخ المذهب أن خيار الرؤية مؤقت بعد الرؤية بزمن يتمكن فيه من الفسخ. فإذا لم يفسخ لزمه البيع وانقطع الخيار وهذا الرأي موافق للقول الأول من المذهب الأول. أما المذهب الأول: فقد علل القول الأول منه أن هذا الخيار يسمى خيار رؤية فوجب أن يكون عندها هكذا علله بعضهم. وهو لعمري يصلح دليلاً على أن خيار الرؤية لا يكون قبل الرؤية وإنما يكون بعدها وهذا كاف في التسمية. وعلله آخرون - بأنه سبب ثبوت هذا الخيار هو جهالة أوصاف المبيع بدليل أنه لو رآه قبل البيع لم يثبت. والجهالة تزول بالرؤية فيسقط الخيار لزوال سببه كخيار العيب يسقط بزوال العيب. وكان ينبغي بناء على هذا ألا يملك الفسخ بعد الرؤية متصلاً بها لزوال سببه إلا أن ملكه لدفع الضرر عن نفسه ضرورة. وهذه الضرورة تزول بمضي وقت يتمكن فيه من الفسخ ولم يفسخ ويكفي في نقض هذا التعليل. أن سبب ثبوت هذا الخيار ليس هو الجهالة من حيث هي بل من حيث هي منبئة عن عدم الرضا. وبالاطلاع على المبيع وإن علمت أوصافه فلم يوجد الرضا بعد. لأنه في الغالب يحتاج إلى روية وإمعان ومراجعة. وأما محاولة دفعة كما فعل الزيلعي بأن جهالة الوصف ليست بعلة لثبوت هذا الخيار بدليل أنه لم يثبت قبل الرؤية لتعلقه بالرؤية فهي محاولة غير مجدية. لأنها - أولاً - على خلاف رأي المشايخ في المذهب في أن سبب خيار الرؤية هو جهالة الوصف وقد يعبرون عن ذلك في بعض الأحيان بعدم الرؤية والمؤدي واحد لأن المراد جهالة الوصف بسبب عدم الرؤية - وثانياً - من حيث عدم ثبوت الخيار قبل الرؤية لأن = ٣٥٦ کتاب البيوع الرؤية شرط في ثبوته لا سبب والشيء كما لا يتقدم على سببه لا يتقدم على شرطه. وعلله قوم آخرون = بأنه خيار تعلقه بالرؤية فكان على الفور كخيار الرد بالعيب. وهذا في نظرنا أحسن تعليل وأوجه دليل. إذ كل من خياري العيب والرؤية سبب موجود حين البيع وهو في الأول العيب وفي الثاني الجهالة وكل منهما شرطه الرؤية والاطلاع وخيار العيب يسقط فور الاطلاع على العيب فكذا ينبغي أن يسقط خيار الرؤية فور الاطلاع على المبيع. يؤيد هذا أن خيار العيب هو من جهة أخرى يثبت لجهالة المبيع عند العقد عليه كذلك. إذ بظهور العيب يتبين أن تلك الرؤية الحاصلة عند العقد لم تكن رؤية كاملة. فهما أيضاً من جهة السبب في حقيقة الأمر سيان. وإن اختلفت العبارة. وكل ما يرد على هذا الدليل هو أنه دليل مذهبي لأنه خيار العيب عند الشافعية - أصحاب هذا الدليل - فوري. بينما هو عند الحنفية كخيار الرؤية. فكل منهما في الواقع قد بنى على مذهبه في خيار العيب. هذا هو دليل القول الأول من مذهبي الشافعية والحنابلة وأما دليل القول الثاني منهما وهو أن الخيار يتقدر بمجلس الرؤية فلو قام عنه قبل أن يفسخ فقد لزمه البيع. فهو أن العقد على الغائب إنما يتم بالرؤية فيصير کأنه عقد عندها فيثبت له خیار کخيار المجلس. هذا ولبعض الشافعية ههنا كلام في تبيان منشأ القولية في المذهب - المذهب القديم - نحكيه لطرافته قال ما حاصله - إذا قلنا بصحة بيع الغائب فبيع بشرط فهل العقد قبل الرؤية تام أو غير تام؟ قال بعضهم ليس بتام لأن تمامه بالرضا وهو معدوم قبل الرؤية وعلى هذا يثبت لكل منهما حق فسخ البيع وقال بعضهم هو تام فليس لواحد منهما حق فسخه ولكن يثبت لهما خيار المجلس ما داما مجتمعين ثم قال فالخلاف في خيار الرؤية مبني على هذا فمن ذهب إلى أنه ليس بتام أثبت للمشتري خياراً كخيار المجلس عند الرؤية ومن قال هو تام جعل الخيار فور الرؤية لأن خيار المجلس ثبت لهما قبل الرؤية. وأما المذهب الثاني - وهو عدم توقيت خيار الرؤية وهو مذهب الحنفية فقد استدلوا،له بالحديث والمعقول. فأما الحديث فحديث خيار الرؤية نفسه - من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه. لأنه قد جعل المشتري بالخيار بعد مطلق الرؤية لم يقيدها بفورية أو غيرها فلا جرم قلنا بثبوت هذا الخيار له بعد الرؤية ودوامه إلى أن يرضى بالبيع فينقطع. فدعوى الفورية أو غيرها زيادة على النص. وأما المعقول - فهو أن خيار الرؤية ثبت حكماً لانعدام الرضا فيبقى إلى أن يوجد ما يبطل عدم الرضا وليست الرؤية وحدها بكافية في إبطاله إنما يكون ذلك بصريح الرضا أو دلالته. ويرد على قولهم إن الحديث مطلق فتقييده بفورية أو غيرها زيادة على النص. أنهم أول من ناقض نفسه في هذا حديث أسقطوا خيار المشتري إذا تصرف قبل الرؤية في المبيع تصرفاً لا يمكن رفعه أو يوجب حقاً للغير مع أن الحديث عام في ثبوت الخيار بعد الرؤية للمشتري سواء وجد منه مثل هذا التصرف أم لم يوجد. ولكنهم قالوا نخصه بما إذا لم يوجب موجب شرعي سقوط الخيار كالتصرف المذكور. وحاصله تقدير مخصص بالعقل. فنقول ونحن كذلك نقيد إطلاق الحديث بالعقل من وجهين - الوجه الأول - أن الخيارات كما سبق غير مرة شرعت رخصة على خلاف القياس بدافع الحاجة. وما كان كذلك يتقدر بمقدار ما يدفع تلك الحاجة ورؤية المقصود من المبيع كافية في دفع تلك الحاجة فالزيادة عليها زيادة من غير موجب ـ الوجه الثاني - الأصل في عقد البيع هو اللزوم ووقت الخيار مستثنى من أوقات لزومه والأصل عدم التوسع في الاستثناء من غير مقتضى يقتضيه. والقول بثبوت الخيار للمشتري إلى ما شاء الله حتى يحصل منه الرضا بالبيع هو = ٣٥٧ كتاب البيوع في حقيقة الأمر هدم لهذا الأصل فضلاً عن كونه يضر بالبائع ضرراً بليغاً والنبي عليه الصلاة والسلام يقول = «لا ضرر ولا ضرار)). ويرد على معقولهم: بأنه خيار الرؤية وإن ثبت حكماً لانعدام الرضا كما يقولون فالمقصود منه دفع مضرة المشتري وثبوت الخيار له إلى أن يرضى فيه مضرة بالبائع كذلك والضرر لا يزال بالضرر. والواقع أن القول بانقطاع الخيار فور الرؤية فيه إجحاف كبير بالمشتري وبامتداده إلى أن يرضى بالبيع فيه ضرر بالغ بالبائع. ونرى أن تقديره بمجلس الرؤية ميزان عادل إن شاء الله تعالى. أما وقد ثبت : - أن خيار الرؤية غير مؤقت عند الحنفية وأنه يمتد من الرؤية إلى أنه يوجد ما يبطله من المشتري فيتم البيع في حقه فما هو هذا الذي يبطل الخيار؟ يبطله ما يأتي. أولاً - الرضا الصريح وذلك بالقول كرضيت البيع وأجزته وأسقط حقي من الخيار وهكذا. وثانياً - الرضا دلالة ــ كالتصرف فيه بتصرف دال على الرضا بالبيع وإمضائه في العرف والعادة. ثم هذا التصرف إن كان لا يمكن رفعه كالاعتاق والتدبير أو كان يمكن رفعه ولكنه يوجب حقاً للغير كالبيع المطلق أو بشرط الخيار للمشتري وحده لأن عقدة البيع أصبحت بيده وحده بعد أن خرج المبيع عن ملك البائع وكالرهن والإجارة فمثل هذا التصرف وإن أبطل خيار الرؤية فهو كذلك يبطل حق الفسخ الثابت للمشتري قبل الرؤية إن صدر منه قبلها وبمقتضى هذا يلزم العقد في حقه ولا يكون له خيار الرؤية فيما بعد. وقد يبدو هذا عجيباً لأول وهلة. وذلك لأن الحنفية يقررون. كما سبقت الإشارة إليه أنه لو رضي بالبيع صراحة قبل الرؤية فحقه من الفسخ لا ينقطع فإذا كان هذا حال الرضا الصريح فما بالهم أبطلوه بالرضا دلالة وهو دون الصريح؟ ولكن سرعان ما يزول هذا العجب إذا علمنا أن الحنفية يسقطون حق المشتري في الفسخ في هذه الحالة لا من حيث دلالة فعله على الرضا بدليل أنه لو تصرفا يمكن رفعه ولا يوجب للغير حقاً وهو مع ذلك دال على الرضا بالبيع عادة كركوبه الدابة المشتراة قبل أن توصف له إذا كان أعمى فإن حقه من الفسخ لا يسقط. وإنما يسقطونه من حيث زوال سلطنته على المبيع على وجه لا يمكن تداركه شرعاً. بيان ذلك. أن التصرف المذكور تصرف صدر عن أهله في محله لملكه للمبيع في الجملة فينفذ وبعد نفوذه يتعذر فسخه لأن الغرض أنه لا يمكن رفعه أو يوجب للغير حقاً فكان من ضرورة صحة التصرف المذكور قبل الرؤية سقوط حق المشتري في الفسخ ولزوم البيع في حقه على الدوام. أما إذا كان هذا التصرف يمكن رفعه ولا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار له وكالمساومة والهبة من غير إقباض فإنه إن صدر قبل الرؤية فلا يبطل حقه في الفسخ لأنه دون الرضا الصريح والفسخ غير متعذر. وإن صدر بعد الرؤية أبطل خيار الرؤية لدلالته على الرضا بالبيع. ثالثاً - تعيب المبيع أو هلاكه لكونه لا يعرى عن مقدمة عيب إذا ما أصابه شيء من ذلك عنده لامتناع الرد بسبب العيب وقد سبق توجيه هذا في خيار الشرط. رابعاً - مما يبطل خيار الرؤية أيضاً عند الحنفية موت المشتري صاحب الخيار بناء على أصلهم من عدم توريث خيار الرؤية ومنفرد لهذا بحثاً مستقلاً إن شاء الله . وقصارى القول فكل ما يبطل خيار الشرط عندهم يبطل خيار الرؤية. وقد ذكروا ضابط ما يبطل خيار الشرط فقالوا - هو أن يفعل في المبيع مالا يمتحن به أو يمتحن به ولكن لا يحل في غير ملك أو يحل ولكن فعله مرة ثانية -. ٣٥٨ کتاب البيوع وأما بيان ما يسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع، وما لا يَسْقط ولا يلزم - فنقول وبالله التوفيق : ما يسقط به الخيار بعد ثُبوته. ويلزم البيع في الأصل نوعان: اختياري وضروري، والاختياري نوعان: صَرِيح وما يجري مجرى الصريح، ودلالة. أما الصريح وما في معناه: فنحو أن يقولَ: أجزت البيع أو رضيت أو اخترت أو ما يجرى هذا المجرى، سواء علم البائع ١٥٧/٣ ب بالإجازة أو لم يعلم؛ لأن الأصل في البيع المطلق هو اللزوم وامتناع لخلل في الرضا/ فإذا أجاز وَضِي فقد زال المانع فيلزم، وأما الدلالة فهو أن يوجد من المشتري تصرف في المبيع بعد الرؤية يدل على الإجازة والرضا؛ نحو ما إذا قَبَضه بعد الرؤية؛ لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع؛ لأن للقبض شبهاً بالعَقْد، فكان القَبْض بعد الرؤية كالعقد بعد الرؤية، وذاك دليل الرضا كذا هذا. وسواء قبضه بنفسه أو وكيله بالقبض، بأن قبضه الوَكِيل وهو ينظر إليه، وكانت رؤيته كرؤية الموكل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يَسْقط خياره بقَبْض الوَكِيل مع رؤيته، ولقب المسألة: أن الوَكِيل بالقَبْض يملك إسقاط خِيَار الرؤية عنده وعندهما: لا يملك(١). وليس كل ما يبطل خيار الرؤية يبطل خيار الشرط. فإنه لو قبض المبيع وهو يراه بطل خيار الرؤية لدلالة = هذا القبض عادة على الرضا ولكنه لا يبطل خيار الشرط لأنه الاختبار الذي هو مقصود من شرط الخيار لا يمكن عادة إلا مع القبض. ومن هذا يظهر أن الحنفية توسعوا فيما يبطل خيار الرؤية فراراً من تضرر البائع بثبوته للمشتري حتى يحصل منه ما يدل على الرضا بتوسعهم هنا فيما يدل عليه. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. (١) من ضمن ما يسقط خيار الرؤية من التصرفات الدالة على الرضا أن يقبض المشتري المبيع وهو يراه. والوكيل بالشراء قبضه كقبض الموكل نفسه فالقبض منه مع الرؤية يسقط خياره ومع عدمها لا يسقطه. لأن القبض من حقوق العقد وهي ترجع إليه. والرسول سواء كان رسولاً بالشراء أو بالقبض لا يكون قبضه كقبض المشتري لأنه أجنبي عن العقد وليس نائباً عن العاقد حتى يكون كشخصه وإنما هو مأمور بأداء رسالة فقط. وهذا لا خلاف فيه في المذهب الحنفي . وإنما الخلاف في الوكيل بالقبض هل يكون قبضه كقبض الموكل؟ للوكيل بالقبض حالان. الحال الأولى أن يقبض المبيع وهو مستور ففي هذه الحالة لا يكون قبض مسقطاً لخيار موكله - المشتري - لأن موكله نفسه لو قبض كذلك لا يسقط خياره. فإن رآه بعدما قبضه فقال رضيت البيع أو أسقطت خيار موكلي لم يسقط خيار موكله بهذا القول منه لأنه = ٣٥٩ كتاب البيوع ٠٠ إنما وكل بالقبض وقد حصل منه قبل فانتهت مأموريته فيكون هذا القول منه تصرفاً في غير ما وكل فيه. = الحال الثانية - أنه يقبض المبيع وهو يراه. فهذا القبض هو الذي اختلفت فيه آراء الفقهاء في المذهب. تبعاً لاختلاف وجهات النظر. فأبو حنيفة يرى أن الوكيل بالقبض لو قبض المبيع وهو يراه كان قبضه هذا٠ مقطاً لخيار الموكل كقبض الموكل نفسه فلا يجوز له فسخ البيع بعد ذلك من حيث خيار الرؤية والصاحبان يريان قبضه في هذه الحالة كقبض الرسول لا يسقط حق الموكل في الفسخ. وجهة أبي حنيفة أن القبض نوعان تام وناقص فالأول يكون بقبض المبيع مرئياً والثاني يكون بقبضه مستوراً. وهذا لأن تمام القبض بتمام الصفقة ونقصانه بنقصانها. وهي لا تتم مع بقاء خيار الرؤية. وهو إنما يبقى في حال قبض المبيع مستوراً. والموكل لما كان مالكاً للقبض بنوعية وقد أطلق الوكالة للوكيل بالقبض كان الوكيل كذلك مالكاً للقبض بنوعية بإطلاقه الوكالة المقتضي تمليك الوكيل ما يملكه الموكل. فيكون قبض الوكيل بالقبض المبيع وهو يراه قاطعاً للخيار ولا فرق عنده بين الوكيل بالقبض وبين الموكل إلا في حالة واحدة وهي قبض المبيع مستوراً للموكل. إذا رأى المبيع أنه يسقط خياره وليس ذلك للوكيل بالقبض لانتهاء وكالة بالقبض. وهو في حقيقة الأمر ليس يفرق لأن الوكيل بعد القبض انتهى سلطانه الذي استمده من موكله فليس له أن يسقط الخيار بعد ذلك لكونه تصرفاً مقصوداً في حق غيره بلا ولاية منه. وهذا بخلاف قبض الوكيل المذكور المبيع وهو يراه حيث يسقط قبضه هذا خيار موكله. لأن الاسقاط في هذه الحالة ثبت ضمناً لا قصداً لكونه من متممات القبض التام وكم من شيء يثبت ضمناً ولا يثبت قصداً. ووجهة الصاحبين - هي أن الوكيل بالقبض وكل بالقبض دون الاسقاط فلا يملك ما لم يوكل فيه وحيث لم يملكه لم يثبت عن فعله لأنه فرع الملك. فلا يكون قبضه. على أي حال كان هذا القبض. مسقطاً لخيار الموكل وهل قبض الوكيل هنا إلا كقبضه المبيع معيباً وهو يرى العيب ويعاينه حيث قلنا متفقين إن قبضته هذا لا يسقط حق موكله في رد المبيع بالعيب؟ ولكن يرد على هذا القياس أن تمام الصفقة في خيار العيب لا يتوقف على سقوطه بدليل أنه لا يرد المبيع إلا برضا البائع أو قضاء القاضي. فالصفقة فيه تامة مع ثبوته والقبض التام لا يتوقف إلا على تمام الصفقة. فلا منافاة بين كون القبض تاماً وبين بقاء خيار العيب وهذا بخلاف خيار الرؤية فإن بقاءه مع كون القبض تاماً لا يتصور. يؤيد هذا أنه خيار العيب. شرع كأثر لحق المطالبة بالجزء الفائت بسبب العيب والتوكيل بالقبض لا يستلزم إسقاط هذا الجزء. بخلاف التوكيل بالقبض في خيار الرؤية فإنه يستلزم سقوط الخيار في صورة القبض التام. والذي يبدو لي من كتب المذهب الحنفي أنها تكاد تكون مجمعة على ترجيح رأي أبي حنيفة على رأي الصاحبين والذي نستظهره - والله أعلم - هو رأي الصاحبين لنفس الدليل الذي ذكراه. يؤيده في نظري أنا إنما قلنا إن الصفقة تتم بقبض المشتري المبيع وهو يراه لدلالة هذا القبض منه على الرضا بالبيع وقبض الوكيل بالقبض لا يقوم مقامه قبض هو في هذا كما أن نفس التوكيل لا يدل على الرضا منه بالبيع فلا يصح أن نلزمه شيئاً لم يرض به. لا يقال إن الوكيل بالقبض إذا قبض المبيع وهو يراه يعد راضياً به. لأن الاعتبار إنما هو برضا الموكل لأن العاقد أما الوكيل بالقبض فأجبني عن العقد. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. ٣٦٠ كتاب البيوع وأجمعوا على أن الرَّسول بالقبض لا يملك، وأجْمَعوا على أن الوكيل بالشراء يملك وكانت رؤية الموكل، وأجْمَعوا على أن الرَّسول بالشّراء لا يملك، ولا تكون رؤيته رؤية المرسل، ويثبت الخيار للمُرسل إذا لم يره. وجه قولهما: أن الوكيل متصرّف بحكم الأمر، والمتصرف بحكم الأمر لا يتعدى إلى مورد الأمر، وهو وكيل بالقَبْض لا بإسقاط الخيار، فلا يملك إسقاطه، ولهذا لا يملك إسْقَاط خيار العَيْب ولا خيار الشرط. وكذا الرسول لا يملك فكذا الوكيل. ولأبي حنيفة: أنه وكيل بالقَبْض لكن بقبض تام؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمام ذلك الشَّيء؛ ولهذا كان الوكيل بالخُصُومة وكيلاً بالقبض، وتمام القبض بإسقاط الخيار؛ لأن خيار الرؤية يمنع تَمَام القبض؛ ولهذا لا يملك التفريق بعد القبض لأنه غير مقبوض. وقد خرج الجَوَاب عن قولهما: أنه وكيل بالقَبْض، لا بإبطال الخيار؛ لأن الوكيل عنده لا يملك إبطال الخيار مقصوداً لأن الموكل لا يمْلِك ذلك فكيف يملكه الوكيل، وإنَّما يبطل في ضمن القبض؛ بأن قَبَضه وهو ينظر إليه حتى لو قبضه مستوراً، ثم أراد بطلان الخيار لا يَمْلِکه، والشيء قد يثبت ضمناً لغيره وإن كان لا يثبت مقصوداً كعزل الوَكِيل وغيره، بخلاف خيار العيب؛ لأنه لا يمنع تمام القبض. ألا ترى أنه يملك التفريق بعد القَبْض؛ وكذا الرد بعد القبض بغير قضاء لم يكن رفعاً للعقد من الأصل بخلاف الرد قبل القَبْض، وبخلاف خيار الشرط؛ لأنه يثبت للاختبار والقبض وسيلة إلى الاختبار، فلم يصلُح القبض دليل الرضا وخيار الرؤية إنما يثبت بخلل في الرضا، والقبض مع الرؤية دليل الرِّضا على الكمال، فأوجب بطلان الخيار، وبخلاف الرَّسول بالقبض؛ لأنه نائب في القبض عن المرسل، فكان قَبْضه قبض المرسل، فكان إتْمَام القبض إلى المرسل . وأما الوكيل فأصل في نفس القبض، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان الإتمام إلى الوكيل؛ وكذا إذا تصرَّف فيه تصرف الملاك؛ بأن كان ثوباً فقطعه أو صبغه أحمر أو أصفر أو سويقاً فلنَّه بسمن أو عسل، أو أرضاً فبنى عليها أو غرس أو زرع، أو جارية فوطئها أو لَمَسها بشهوة أو نظر إلى فَرْجِها عن شهوة، أو دابَّة فركبها لحاجة نفسه ونحو ذلك؛ لأن الإقدام على هذه التصرُّفات دلالة الإجازة والرضا بلزوم البيع والملك به؛ إذ لو لم يكن به وفَسَخ البيع، لتبين أنه تصرف فى ملك الغَيْر من كل وجه أو من وجه، وأنه حرام، فجعل ذلك إجازة منه صيانة له عن ارتكاب الحرام. وكذا إذا عرضه على البيع باع أو لم يبع؛ لأنه لما عرضه على البيع - فقد قصد إثبات