Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب البيوع
٠٠
ملك الثمن للبائع لانعكاس ملك المبيع. وحيث ثبت للبائع - إذا كان هو صاحب الخيار - أو بعبارة أصح
=
لم ينتقل عن ملكه الأصلي كذلك يكون الثمن على ملك المشتري لعدم انعكاس ذلك المبيع. وهذا وإن
لم أره منصوصاً عند الشافعية إلا أنه لازم قولهم هذا.
وثالثاً - لقولهم إن المبيع، والثمن موقوفان إذا كان الخيار لهما معاً بمضمون ما قدمنا. لأن المبيع كما
أسلفنا مملوك لمن له الخيار إذا كان أحدهما فإذا كان الخيار لهما ثبت لكل منهما حق تملكه، وهذا حقان
متعارضان لا يجتمعان في محل واحد، وليس أحدهما بأولى من الآخر فنجعل المبيع ملكاً له دون
صاحبه. لأنهما تساويا في ملكيته حالة الانفراد فكذلك يتساويان حالة الاجتماع. وحيث قد ثبت أنهما
حقان متعارضان توقفنا عن الحكم بملكية المبيع لأحدهما، وتركنا الأمر فيه لما يظهر من حالهما بعد فإن
أمضي البيع تبينا أن المبيع كان مملوكاً للمشتري من حين العقد، وإن فسخ تبينا أنه لم يخرج عن ملك
البائع. وحيث حكمنا بأن المبيع موقوف فكذلك الثمن تحقيقاً لمعنى المعاوضة.
وظهر من هذا أن معنى الوقف عند الشافعية هو عدم الحكم لا الحكم بالوقف. نظراً لتعارض الأدلة لأن
الأدلة عند التعارض لا تنتج حكماً، ولكن تستلزم عدم الحكم. وتصريحاتهم في كتبهم تؤدي هذا الذي
رأيناه يقول صاحب المنهاج ((وإن كان لهما فموقوف فإن تم البيع بان أنه للمشتري من حين العقد وإلا
فللبائع)».
إذ لو كان المراد هو الحكم بالوقف لناقض هذا قوله ((فإن تم البيع الخ)) لأن المفهوم من هذا القول أن
المبيع على ملك أحدهما في الواقع لكنه غير معلوم حتى يتم البيع أو ينقص فيعلم حينئذ. وهذا المفهوم
يناقض الحكم بالوقف لأنه يستلزم أن المبيع لا مالك له في الواقع بل هو سائبة. وأين هذا من قولهم فإن
تم البيع الخ؟ وقد تعرضت لشرح الوقف في هذا المقام لأني رأيت بعضاً من أهل العلم يفسرونه على
خلاف ما فسرته .
واحتج المالكية : - لمذهبهم.
أولاً - بأن البيع مع شرط الخيار عقد قاصر إذ لمن له الخيار فسخه في مدة الخيار من غير توقف على
رضا صاحبه فلا يفيد نقل الملك. وذلك كالهبة قبل القبض فإنها عقد قاصر لهذا المعنى أيضاً للواهب
الرجوع فيها قبل القبض فكانت لا تنقل الملك قبله بل لا بد من إفادتها النقل أن تكون مصحوبة بالقبض.
كذلك البيع مع الخيار لا ينتقل الملك به حتى ينقضي أمر الخيار.
وثانياً - بأن المبيع في هذا العقد لا يجوز التصرف فيه إلا بانقضاء الخيار، وهو دليل أن الملك لا ينتقل إلا
به إذا لو انتقل قبله لجاز التصرف في المبيع للمشتري لملکیته له حينئذ.
واحتج الحنابلة : - لمذهبهم بالسنة والمعقول.
أما السنة - (١) فقوله وَّ ((مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)) (٢) وقوله عَليْهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلاَمِ (مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ يُؤْبَرَ فَثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَّرِطَّهُ الْمُبْتَاعُ)) وذلك أن الرسول جعل مال العبد
وثمرة النخل بعد أن تؤبر للبائع إلا أن يشترطهما المبتاع فيكونا له بالشرط، وهذا عام في كل بيع بتا أو
على الخيار. وإذا ثبت أن هذين لا يكونان للمبتاع إلا بالشرط ثبت أن الأصل يكون له بدون الشرط.
وأيضاً المبيع وفوائده في الأصل للبائع فتصريحه عليه الصلاة والسلام بأنه حال العبد والثمرة بعد التأبير له
إذا باع العبد والنخل يدل على أن الأصل خرج عن ملكه إلى المشتري بمجرد العقد وهذا عام في كل بيع =

٢٨٢
كتاب البيوع
كما ذكرنا فعلى مدعي الخصوص الدليل ولا دليل يطمئن له القلب في هذا المقام.
وأما المعقول ـ فمن وجهين - الوجه الأول - البيع مع شرط الخيار عقد معاوضة صحيح مقصود منه نقل
الملك فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالبيع بدون ذلك الشرط - الوجه الثاني - أن البيع تمليك بدليل أنه
يصح بلفظ ملكتك والتمليك يدل على نقل الملك إلى المشتري، ويقتضيه لفظه وقد اعتبره الشرع وحكم
بصحته. فالبيع - الذي هو عبارة عن التمليك - مع شرط الخيار يقتضي لفظه انتقال الملك وقد حكم
الشرع بصحته فوجب اعتباره مقتضاه لا سيما وقد ثبت في الجملة أن الخيار غير مانع من النقل كخيار
العيب واحتج الحنفية : - أولاً - لقولهم. إن صاحب الخيار لا يخرج عن ملكه بدله. بأن عقد البيع إنما
يستتبع حكمه من نقل الملك وتوابعه إذا كان معبراً عن تمام الرضا وموافقاً لابتلاء النفس بالرغبة عملاً
بقوله تعالى ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ والبيع مع شرط الخيار غير متحقق بهذا المعنى إذ
النفس معه قلقة مضطربة لا تقر على قرار مكين لأنها لم تدخل في البيع إلا على شرط أن يوافق المبيع
هواها ويتلاءم مع رغبتها. فالنفس وقت البيع بيقين ليست ممتلئة بالرضا ولا مشبعة الرغبة في البيع فيبقى
البدل من جهتها على ملكها لعدم تمام المقتضى للنقل.
وثانياً - لقولهم إن من لا خيار له يخرج عن ملكه بدله بأن البيع في حقه بت والسبب في نقل الملك، وهو
العقد - تام معبر عن امتلاء النفس بالرغبة والرضا فيكون المقتضى لخروج بدله عن ملكه موجوداً، وخيار
صاحبه لا يصح كونه مانعاً من أن يعمل هذا المقتضى عمله. وذلك أن شرط الخيار شرع نظراً لمن هو له
دون الآخر فيعمل عمله في حق مشترط فقط فيمنع خروج ملكه عن ذات يده ولا يعمل هذا العمل فيما
تحت يد الطرف الثاني.
هذا وإذا تقرر خروج بدله عن ملكه فهل يدخل في ملك صاحبه ذي الخيار أم لا يدخل؟ بالأول قال
الصاحبان، وبالثاني قال أبو حنيفة.
وجهة نظر الصاحبين - هي أنه إذا لم نحكم بدخوله في ملك صاحبه مع حكمنا بخروجه عن ملكه لكان
زائلاً لا إلى ملك مالك فيكون سائبة وذلك غير معهود في المعاوضات الشرعية. فيكون ما أدى إليه من
الحكم بعدم الدخول باطلاً فتعين الحكم بالدخول.
ووجهة نظر أبي حنيفة. أنه لو دخل في ملك الآخر لكان مخالفاً لقاعدة المساواة في المعاوضات المالية
الشرعية لأنها تستلزم المساواة في لزوم تعاكس البدلين وإذا كان قد تقرر بالدليل أن من لا خيار له قد
خرج عن ملكه بدله ومن له الخيار لم يخرج عن ملكه بدله فلو دخل ملك الأول مع ذلك في ملكه أيضاً
لاجتمع العوضان في ملكه وهذا كما قدمنا مناقض لقاعدة المساواة في المعاوضات الشرعية.
مناقشة الأدلة: يرد على الشافعية من حيث الدليل الأول القائل المبيع ملك لمن له الخيار لجواز تصرفه
وحده فيه بأن نسلم الدليل ولا ينتج دعواهم مع ذلك بأن نثبت الملك قبيل التصرف بالرضا أو عدم الذي
يسبق التصرف في العادة لا بمجرد العقد وحده. بيان أن التصرف إن صدر من المشتري - وكان بالخيار -
فهو مصحوب بالإرادة قبله وهذه الإرادة دالة على الرضا بالبيع فنثبت الملك بها لا بعقد الخيار. غاية ما
في الأمر يشترط ليكون الملك تاماً أن يصحب الإرادة التنفيذ بالفعل. وحينئذ فيكون جواز التصرف وإلا
علی الملك ولكنه لا من حيث أرادوا وصوروا.
وإن صدر هذا التصرف من البائع - وكان بالخيار. فهو مصحوب قبله بإرادة دالة على عدم الرضا بالبيع =

٢٨٣
كتاب البيوع
ثم الخيار كما يمنع لزوم الصفقة فعدم القبض يمنع تمام الصفقة؛ لأن الثابت بنفس البيع
ملك غير متأكّد، وإنما التأكّد بالقَبْض، وعلى هذا يخرج ما إذا كان المبيع شيئاً واحداً أو أشياء
- أنه ليس لمن له الخيار أن يجيز البيع في البعض دون البعض من غير رضا الآخر، سواء كان
=
فیعود المبيع إلى ملكه.
إذا فهم هذا حق فهم علم عدم نهوض دليلهم الثاني والثالث لأنهما مبنيان على هذا الدليل. إذا اعتمدوا
في ثبوت ملك الثمن لمن لا خيار له على ثبوت ملك المبيع لمن له الخيار بمجرد العقد. واعتمدوا في
وقف ملك المبيع إذا كان الخيار لهما على تعارض ملكيهما وقد ظهر لك أن عقد الخيار لا يثبت الملكية
لمن له الخيار حتى يتم التعارض. على أنه إذا تعارض ملكهما بالعقد فالبيع كان يجب أن يكون للبائع لأنه
في الأصل وعلى ذلك يكون الثمن للمشتري بناء على أصلهم إذا كان المبيع لأحدهما كان الثمن للأخر
ولا بد.
ويرد على المالكية - من حيث الدليل الأول. عقد البيع مع شرط الخيار عقد قاصر لجواز فسخه. بأن
جواز الفسخ لا يدل على القصور كيف والفسخ جائز للمشتري في بيع المعيب إذا لم يعلم بعيبه ولم يعقل
أحد بأنه عقد قاصر.
ومن حيث الدليل الثاني. عدم جواز التصرف دليل عدم نقل الملك بأنه قد لا يجوز التصرف ويكون
الملك مع ذلك ثابتاً كالمرهون لا يجوز للراهن التصرف فيه مع أن ملكه لتعلق حق الغير به. وقد يجوز
التصرف ولا يدل على الملك كما إذا كان الخيار للمشتري وحده يجوز له التصرف في المبيع مع أن
الملك للبائع بناء على أصلكم من أن كل بيع خيار عند ناقل للملك.
ويرد على الحنفية - القائلين إن شرط الخيارِ مانع من نقل ملك من هوله لعدم تمام رضاه بالبيع مستشهدين
بقول تعالى ﴿يَأيُّهَا الَّذِيْنَ أَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ تجَارَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
وبمثل قوله ◌َّه ((لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئْ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيْب نَفَسِهِ) بأن الرضا نوعان رضا بالبيع، وهو موجود
في بيع الخيار وهذا هو السبب الذي اعتبره الشرع في نقل الملك ورضا باللزوم وهذا هو الذي اعتبره
الشرع في حل الأكل وجواز التصرف وهو غير موجود في بيع الخيار ولا يلزم من نفيه نفي الأول لا سيما
والخيار قد ثبت على خلاف القياس للضرورة فيتقرر بقدرها.
هذا وأما قولهم إن من لا خيار له يخرج عن ملكه بدله مع قولهم بعدم خروج بدل الأخر عن ملكه فيكفينا
في رده ما يستلزمه من مناقضات لأحكام المعاوضات المالية الشرعية اعترفوا هم أنفسهم بها .
وأما الحنابلة فأدلتهم على قولهم بانتقال الملك في بيع الخيار على أي حال هذا الخيار فأدلتهم قوية
ومنطقتهم فيها سليم، وكل ما يمكن أن يرد على أدلتهم من كونها خاصة غير شاملة لبيع الخيار أو
معارضة بأدلة غيرهم فغير طاعن فيها لأن الأصل هو العموم وقد علمت فيما قدمنا مبلغ أدلة غيرهم.
فرأيهم هو الرأي الذي نختاره ونرجحه لا سيما، وكل إنسان أن قصد المتابعين من بيع الخيار إنما هو نقل
الملك، وإن من يشترط منهما الخيار فإنما ليحفظ لنفسه حق الفسخ لدرء ما قد يكون هناك من غبن أو
خديعة يؤيد هذا قولهم إن من له الخيار له أن يفسخ البيع وله أن يمضيه والفسخ والإمضاء إنما يردان على
ما هو قائم وبيع الخيار إذا لم يستلزم الملك الذي هو أول درجات آثار عقد البيع فكأنه غير قائم فما معنى
فسخه أو إمضائه.
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.

٢٨٤
كتاب البيوع
الخيار للبائع أو للمشتري، وسواء كان البيع مقبوضاً أو غير مقبوض؛ لأن الإجازة في البعض
دون البعض تفريق الصَّفقة في اللزوم، وكما لا يجوز تَفْريق أصل الصفقة وهو الإيجاب والقبول
إلا برضا العاقدين؛ بأن يقبل البيع في بعض المبيع دون البعض، بعد إضافة الإيجاب والقَبول
إلى الجملة، ويوجب البيع بعد إضافة القبول إلى جملته لا يجوز في وصفها؛ وهو أن يلزم
البيع في البعض دون البعض إلا برضاهما؛ ولو هلك أحد العبدين في يد البائع والخيار له، لم
يكن له أن يجيز البيع في الباقي إلا برضا المشتري؛ لأن البيع انفسخ في قدر الهالك، فالإِجَازَة
في الباقي تكون تفريق الصفقة على المشتري، فلا يجُوزُ من غير رضاه.
ولو هلك أحدهما في يد المشْتَري، فللبائع أن يجيز البَيْع في الباقي في قياس قول أبي
حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -.
وقال محمد - رحمه الله -: ينتقض البيع وليس له أن يُجِيزَ البيع في الباقي، وإن كان
المبيع مما له مثل من المكيل والمؤْزُون والعددي المتقارب، فهلك بعضه - فللبائع أن يجيز في
الباقي بلا خلاف.
وجه قول محمد: أن الإجازة ههنا بمنزلة إنشاء التمليك؛ لأن خِيّار البائع يمنع خروج
المبيع عن ملكه، فكان للإجازة حكم الإنشاء، والهالك منهما خرج عن احتمال الإنشاء،
والإنشاء في الباقي تَمْليك بحصته من الثمن، وهي مجهولة فيما لا مثل له، فلم يحتمل
الإنشاء؛ وفيما له مثل معلومة فاحتمل الإنشاء.
وجه قولهما: أن هذه الإجازة تظهر أن العقد من حين وجوده انعقد في حق الحكم، فلم
يكن الهلاك مانعاً من الإجازة، وقوله: الإِجازة ههنا إنشاء، قلنا: ممنوع فإن العقد ينعقد في
حق الحكم بدون الإجازة من انقضاء المُدّة، وبموت من له الخيار؛ ولو كانت الإجازة إنشاء،
لتوقف حكم العَقْد على وجودها، وهذا بخلاف بيع الفضولي إذا هلك المبيع قبل الإجازة، ثم
أجازه المالك ــ لم يجز وههنا جاز، فهلاك المبيع في بيع الفضولي يَمْنَع من الإِجازة وههنا لا
یمنع.
ووجه الفرق: أن بيع الفضولي يثْبُت بطريق الاستناد، والمستند ظاهر من وجه مقتصر من
وجه، فكانت الإجازة إظهاراً من وجه إنشاءً من وجه، فمن حيث إنها إظهار كان لا يقف
صحته على قيام المحل، ومن حيث إنها إنشاء يقف عليه.
فأما في البيع بشَرْط الخيار؛ فالحكم يثبت عند الإجازة بطريق الظهور المحض، فكانت
الإجازة إظهاراً أن العَقْد من وقت وجوده انعقد في حق الحكم، والمحل كان قابلاً وقت
العقد، فهلاكه بعد ذلك لا يَمْنَع من الإجازة، والله أعلم.

٢٨٥
كتاب البيوع
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في رجُلين اشتريًا شيئاً على أنهما بالخيار فيه ثلاثة أيام،
فاختار أنه يلزم البيع حتى لا يملك الآخر الفَسْخ؛ احتزازاً عن تفريق الصفقة في اللزوم،
وسنذكر المسألة في خيار العَيْب إن شاء الله تعالى.
وأما حكم هذا البيع فقد اختلف العلماء فيه: قال أصحابنا: لا حكم للحال، والخيار
يمنع انعقاد العقد في الحكم للحَال لمن له الخيار، بل هو للحال موقوف على معنى أنه لا
يعرف حكمه للحَال، وإنما يعرف عند سقوط الخيار؛ لأنه لا يدري أنه يفصل به الفَسْخ أو
الإجازة، فيتوقف في الجواب للحال، وهذا تفسير التوقف عندنا، وقال الشافعي رحمه الله في
قول مثل قَوْلِنا، وفي قول: هو منعقد مفيد للتملك، لكن ملكاً مسلطاً على فسخه بالخيار.
وجه قوله: أن البيع بشرط الخيار / لا يفارق البيع الباتّ إلا في الخيار، والخيار لا يمنع ١١٣٩/٣
ثبوت الملك؛ كخيار العَيْب بالإجماع وخيار الرؤية على أصلكم.
ولنا: أن جواز هذا البيع مع أنه مَعْدُول به عن القياس للحاجة إلى دفع الغبن، ولا اندفاع
لهذه الحاجة إلا بامتناع ثُبُوت لذلك للحال؛ لأن من الجائز أن يكون المشتري قريب المشتري،
فلو ملكه للحال لعتق عليه للحال، فلا تندفع حاجته، ثم الخيار لا يخلو: إما أن كان للبائع
والمشْتَري جميعاً، وإما أن كان للبائع وحده، وإما أن كان للمشتري وحده، وإما أن كان
لغيرهما بأن شرط أحدهما الخيار الثالث؛ فإِن كان الخيار لهما [جميعاً](١)، فلا ينعقد العَقْد في
حق الحكم في البدلين جميعاً، فلا يزول المبيع عن ملك البائع، ولا يدخل في ملك
المشتري .
وكذا لا يزول الثمن عن ملك المشتري، ولا يدْخُل في ملك البائع، لأن المانع من
الانعقاد في حق الحكم موجود في الجانبين جميعاً وهو الخيار؛ وإن كان البائع وحده، فلا
ينعقد في الحكم في حقه، حتى لا يزول المبيع عن مِلكه، ولا يجوز للمشتري أن يتصرَّف
فيه، ويخرج الثمن عن ملك المشْتَري؛ لأن البيع بات في حقه، وهل يدخل في ملك البائع؟
عند أبي حنيفة: لا يَدْخُل، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخل؛ وإن كان للمشتري وحده، لا
ينعقد في حق الحُكُم في حقه حتى لا يزول الثّمن عن ملكه.
ولا يجوز للبائع أن يتصرَّف فيه إذا كان عيناً، ولا يستحقّه على المشتري إذا كان ديناً،
ويخرج المَبِيع عن ملك البائع، حتى لا يُجوز له التصرّف فيه؛ لأن البيع بات في حقه، وهل
يدخل في ملك المشتري؟ عند أبي حنيفة: لا يدخل، وعندهما: يدخل.
(١) سقط في ط.

٢٨٦
كتاب البيوع
وجه قولهما: أن ثبوت الحكم عند وجود المسْتَدعي هو الأصل، والامتناع بعارض،
والمانع ههنا هو الخيار، وأنه وجد في أحد الجَانِبَيْن لا غير، فيعمل في المنع فيه لا في
الجانب الآخر، ألا ترى كيف خَرَج المبيع عن ملك البائع إذا كان الخيار للمشتري، والثمن
عن ملك المشتري إذا كان الخِيَار للبائع، فدل أن البيع بات في حق من لا خيار له، فيعمل في
بیان(١) هذا الحكم الذي وضع له.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أن الخيار إذا كان للبَائِع، فالمبيع لم يخرج عن
ملكه؛ وإذا كان للمشتري، فالثّمن لم يخرج عن مِلْكه، وهذا يمنع دخول الثمن في ملك البائع
في الأول، ودُخُول المبيع في ملك المشتري لوجهين :
أحدهما: أنه جمع بين البدل والمُبْدل في عقد المبادلة، وهذا لا يجوز.
والثاني: أن في هذا ترك التَّسوية بين العاقدين في حكم المعاوضة، وهذا لا يجوز لأنهما
لا يرضيان بالتفاوت.
وقولهما: البيع بات في حق من لا خِيَار له، قلنا: هذا يوجب البَتَات في حق الزوال لا
في حق الثبوت؛ لأن الخيار من أحد الجَانِبَيْن له أثر في المنع من الزوال، وامتناع الزوال من
أحد الجانبين يمنع الثُّبوت من الجانب الآخر إن كان لا يمنع الزَّوال لما ذكرنا من الوجهين،
ويتفرَّع على هذا الأصول بين أبي حنيفة وصاحبيه مسائل.
ومنها: إذا اشترى ذا رحم محرم منه على أنه بالخيار ثلاثة أيام لا يعتق عليه عند أبي
حنيفة - رحمه الله -: لأنه لم يدخل في ملكه عنده، ولا عتق بدون الملك وهو على خياره إن
شاء فَسَخ البيع، وإن شاء أجازه؛ فإن فسخ لا يعتق؛ لأن العبد عاد إلى ملك البائع، وإن أجازه
عتق؛ لأنه سقط الخِيّار ولزم العقد فيلزمه الثمن، وعندهما: يعتق عليه بنفس الشراء ويلزمه
الثمن ويبطل خياره؛ لأنه دخل في ملكه ولو قال لعبد الغير: إن اشتريتك فأنت حر، فاشْتَراه
على أنه بالخيار ثلاثة أيام - عتق عليه بالإجماع.
أما عندهما فظاهر؛ لأنه ملكه بنفس الشِّراء فوجد شَرط الحنث فعتق، وأما عند أبي
حنيفة: فلأن المعلق بالشَّرط كالمُنْجِز عند وجود الشَّرط، ولو نجز عتقه بعد شرائه بشرط
الخِيَار عتق وسقط خِيَاره؛ لكون الإعتاق إجازة واختياراً للمالك على ما نذكر، كذا هذا والله
عزَّ وجل أعلم.
ومنها: إذا اشترى جارية قد ولدت منه بالنّكاح على أنه بالخِيَار ثلاثة أيام - لا تصير أم
(١) في ط: بيان.

٢٨٧
کتاب البيوع
ولد له عند أبي حنيفة؛ لأنها لم تدخل في مِلكِه، وهو على خياره إن شاء فسخ البيع وعادت
إلى ملك البائع /، وإن شاء أجازه وصَارَت أم ولد له، ولزمه الثمن وعندهما صارت أم ولده ١٣٩/٣ب
بنفس الشّراء؛ لأنها دخلت في ملكه فبطل خياره ولزمه الثمن.
ومنها: إذا اشترى زوجته بشَرْط الخيار ثلاثة أيام، لا يفسد النكاح عند أبي حنيفة؛ لأنها
لم تدخل في ملكه عنده، وعندهما: فسد لدُخُولها في ملكه، وملك أحد الزوجين رقبة صاحبه
أو شقصاً منها يرفع النكاح؛ فإن وطئها في مدة الخيار، فإن كانت بكراً كان إجازة بالإجماع.
أما عند أبي حنيفة: فلأجل النُّقصان بإزالة البكارة وهي العذرة، لا لأجل الوطء؛ لأن
ملك النكاح قائم، فكان حل الوطءِ قائماً فلا حاجة إلى ملك اليمين. وأما عندهما: فلأجل
النقصان والوطء جميعاً؛ فإن كانت ثَيباً لا يبطل خياره عند أبي حنيفة؛ لأن بُطْلانه الخيار
لضرورة حل الوطء ولا ضَرُورة؛ لأن ملك النكاح قائم، فكان حل الوطء ثابتاً، فلا ضرورة
إلى ملك اليمين بحل الوَطْء، فلم يبطل الخيار، وعندهما: يبطل خياره لضرورة حل الوطء
بملك اليمين؛ لارتفاع النكاح بنفس الشراء، بخلاف ما إذا لم تكن الجارية زوجة له وَوَطِئها -
أنه يكون إجازة، سواء كانت بكراً أو ثيباً؛ لأن حل الوطءِ هناك لا يثبت إلا بملك اليمين؛
لانعدام النكاح، فكان إقدامه على الوطء اختياراً للملك فيبطل الخيار.
ومنها: إذا اشترى جاريةً على أنه بالخيار ثلاثة أيام وقبضها، فحاضت عنده في مدة
الخيار حيضة كاملة أو بعض حيضة في مدَّة الخِيَار، فاختار (١) البيع - لا تجزي تلك الحيضة في
الاستبراء عند أبي حنيفة، وعليه أن يسْتَبْرِئَها بحيضة أخرى؛ لأنها لم تدخل في مِلْكه عنده،
ولم يوجد سبب وجوب الإِسْتِبْراء؛ وعندهما: يحتسب بها؛ لأنها دخلت فى ملكه، فكانت
الحيْضَة بعد وجود سَبَب وجوب الإستبراء، فكانت محسوبة منه.
ولو اختار فسخ البيع ورد الجَارِية، فلا استبراء على البائع عند أبي حنيفة؛ سواء كان الرد
قبل القبض أو بعده، وعندهما: قبل القَبْض القياس أن يجب، وفي الاسْتِخسَان لا يجب، وبعد
القبض يجب؛ قياساً واستحساناً على ما ذكرنا في مسائل الاسْتِبراء.
وإن كان الخيار للبائع ففسخ العقد لا يجب عليه الاستبراء؛ لأنها لم تخرج عن ملكه؛
وإن أجّازَه، فعلى المشتري أن يسْتَبرئها بعد الإجازة والقبض بحيضة أخرى بالإجماع؛ لأنه
ملكها بعد الإِجَازَة وبعد القَبْض ملكاً مطلقاً .
ومنها: إذا اشترى شيئاً بعينه على أنه بالخِيَار ثلاثة أيام فقبضه بإذن البائع، ثم أودعه
(١) في أ: فأجاز.

٢٨٨
كتاب البيوع
البائع في مدة الخيار، فهلك في مدة الخيار أو بعدها يهلك على البائع ويبطل البيع عند أبي
حنيفة؛ لأنه لم يدخل في مِلْك المشْتَري، ولما دخل رده على البائع، فقد ارتفع قبضه فهلك
المَبِيع قبل القبض، وعندهما: يهلك على المشتري ويلزمه الثمن؛ لأنه دخل في مِلْكِه - أَعني
المشتري - فقد أودع ملك نفسه، ويد المودع، يده فهلاكه في يده کهلاكه في يد نفسه؛ ولو
كان الخِيَار للبائع فسلّمه إلى المشتري، ثم إن المشتري أودعه البائع في مدة الخيار، فهلك في
يد البائع قبل جواز البيع أو بعده - بَطَل البيع بالإجماع؛ ولو كان البيع باتًّا فقبضه المشتري بإذن
البائع أو بغير إذنه والثمن منقود أو مؤجل، وله خيار رؤية أو [خيار] (١) عيب، فأودعه البَائِع
فهلك عند البائع - يهلك على المشتري ويلزمه الثمن بالإجماع؛ لأن خيار الرُّؤية والعيب لا
يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فكان مودعاً ملك نفسه، والله عز وجل أعلم.
ومنها: إذا اشترى ذمي من ذمي خمراً أو خنزيراً، على أنه بالخِيَار ثلاثة أيام وقبضه، ثم
أسلم المشتري بطل العقد عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري والمسلم ممنوع
عن تملك الخمر بالبيع، وعندهما: يلزم العَقْد ولا يبطل؛ لأنه دخل في ملك المشتري
والإسلام يمنع من إخراجه عن ملكه.
ولو أسلم البائع لا يَبْطُل البيع بالإجماع؛ لأن البيع بات في جانبه والإسلام في البيع
البات لا يوجب بطلانه، إذا كان بعد القَبْض والمشتري على خياره؛ فإن أجاز البيع جاز ويلزمه
٣/ ١١٤٠ / الثمن؛ وإن فسخه انْفَسَخَ وصار الخمرِ للبائع حكماً، والمسلم من أهل أن يتملك الخمر
حكماً.
ألا ترى أنه يتملكها بالمِيرَاث، ولو كان الخِيَار للبائع فأسلم البائع - بطل الخيار؛ لأن
خيار البائع يمنع خروج السلعة عن مِلْكِه، والإسلام يمنع إخراج الخمر عن ملكه بالعَقْد فبطل
العقد .
ولو أسلم المشتري لا يبطل البيع؛ لأن البيع بات في جانبه، والبائع على خياره؛ فإن
فسخ البيع عادت الخمر إليه، وإن أجّازه صار الخمر للمشتري حكماً، والمسلم من أهل أن
يتملكها حكماً في الإرث، ولو كان البيع باتاً فأسلما أو أسلم أحدهما - لا يبطل البيع؛ لأن
الإسلام متى ورد الحَرَام مقبوض يلاقيه بالعفو، لأنه لم يثبت بعد الإسلام ملك مبتدأ؛ لثبوتها
بالعقد والقبض على الكمال، وإنما يوجد بعد الإسلام دوام الملك والإسْلام لا ينافيه؛ فإِن
المسلم إذا تخمر عصيره فلا يؤمر بإبطال حقه(٢) فيها.
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: ملكه.

٢٨٩
کتاب البيوع
هذا كله إذا أسْلَما أو أسلم أحدهما بعد القَبْض، فأما إذا كان قبل القبض، بطل البيع
كيفما كان، سواء كان البيع باتاً أو بشَرْط الخيار لهما أو لأحدهما؛ لأن الإسلام متى ورد
والحرام غير مقبوض يمنع من قبضه بحكم العقد؛ لما في القبض من معنى إنشاء العقد من
وجه، فيلحق به في باب الحُرمات احتياطاً على ما ذكرنا فيما تقدم، وقد تظهر فَوَائِد هذا
الأصل في فُروع أُخَر يطول ذكرها؛ وإن كان المبيع داراً، فإن كان الخيار للبائع - لا يثْبُت
للشفيع فيها حقّ الشفعة؛ لأن المبيع لم يخرج عن ملك البائع؛ وإن كان للمشتري يَثْبُت للشفيع
حق الشفعة بالإجماع. أما على أصلهما فظاهر؛ لأن المَبِيع في ملك المشتري.
وأما على أصل أبي حنيفة فالمبيع وإن لم يدخل في ملك المشتري، لكنه قد زَال عن
ملك البائع بالإجْمَاعِ، وحق الشفعة يعتمد زوال ملك البائع لا ثبوت مِلْك المشْتَري، والله
أعلمُ.
ولو تبايعا عبداً بجارية، والخيار للبائع فاعْتق البائع العبد - نفذ إعتاقه وانفسخ البيع؛ لأن
خيار البائع يمنع زوال العبد عن مِلْكه، فقد أعتق مِلْك نفسه فنفذ، وإن أعتق الجارية نَفَذ أيضاً
ولزم البيع.
أما على أصْلهما فظاهر؛ لأنه ملكها فأعتق ملك (١) نفسه.
وأما على أصل أبي حنيفة وإن لم يملكها بالعَقْد، لكن الإقدام على الإعتاق دليل عقد (٢)
الملك؛ إذ لا وجود للعتق إلا بالملك، ولا ملك إلا بسقوط الخيار فتضمّن إقدامه على الإعتاق
إسقاط الخيار؛ ولو أعتقهما معاً نفذ إعتاقهما جميعاً وبطل البيع، وعليه قيمة الجارية،
وعندهما: نفذ إعتاقهما ولا شَيْء عليه أما نفوذ إعتاقهما، أما العبد فلا شك فيه؛ لأنه لم يخرج
عن ملك البائع بلا خِلاَف، وأما الجارية فكذلك على أصلهما؛ لأنها دخلت في ملكه، وعند
أبي حنيفة وإن لم تدخل في ملكه بنفس العقد، فقد دخلت بمقتضى الإقْدَام على إعتاقهما على
ما بيننا، فإعتاقهما صادف محلاً مملوكاً للمعتق فنفذ.
وأما لزوم قيمة الجارية عند أبى حنيفة؛ فلأن العبد بدل الجَارِية وقد هلك قبل التسليم
بالإعتاق، وهلاك المبيع قبل التَّسليم يوجب بطلان البيعَ، وإذا بطل البيع وجب رد الجارية،
وقد عجز عن ردِّها بسبب العتق فيغرم قيمتها؛ ولو أعتق المشتري العبد أو الجارية، لم ينفذ
إعتاقه .
أما العبد فلأنه لم يدخل في ملكه، وأما الجَارِية فلأنها خرجت عن مِلْكه، والله عز وجل
أعلم.
(١) في أ: مال.
(٢) في أ: قصد.
بدائع الصنائع ج ٧ - م١٩

٢٩٠
كتاب البيوع
وأما بيان ما يسقط به الخيار: ويلزم البيع فنقول وبالله التوفيق: أما خِيَار البائع فما يَسْقط
به خياره، ويلزم البيع نوعان في الأصل، أحدهما: اختياري، والآخر: ضَرُورِي، أما
الاختياري فالإجازة؛ لأن الأصل هو لزوم البيع والامتناع بعارض الخيار، وقد بطل بالإجازة
فيلزم البيع، والإجازة نوعان: صريح وما هو في معنى الصريح، ودلالة.
أما الأول: فنحو أن يقول البائع: أجزت البيع أو أوجبته، أو أسقطت الخيار أو أبطلته،
وما يَجْرِي هذا المُجرى، سواء علم المشتري الإجازة أو لم يعلم.
وأما الإجازة بطريق الدلالة: فهي أن يوجد منه تصرُّف في الثمن يدل على الإجازة
وإيجاب البيع، فالإِقْدَام عليه يكون إجازة للبيع دلالة.
١٤٠/٣ ب
والأصل فيه ما رُوِيّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - وَّةَ - قَالَ لِبَرَيرَةَ حِينَ: ((عَتَقَتْ مَلَكْتِ بِضُعَكِ،
فَاخْتَارِي، وَإِنْ وَطِئَكَ زَوْجُكِ فَلاَ خِيَارَ لَكِ))(١) فقد جعل النبي - وَل ـ تمكينها من الوَطْء دليل
بطلان الخيار، فصار ذلك أصلاً؛ لأن الخيار كما يسقط بصريح الإسقاط يَسْقُط بالإسقاط من
طريق الدلاله.
وعلى هذا يخرج ما إذا كان الثمن عيناً، فتصرّف البائع فيه تصرف الملاّك؛ بأن باعه أو
ساومه أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو آجره أو رَهَنه ونحو ذلك؛ لأن ذلك يكون إجازة للبيع.
أما على أصلهما؛ فلأن الثمن دخل في ملك البائع، فكان التصرُّف فيه دليل تقرر ملكه،
وأنه دليل إجازة البيع .
وأما على أصْل أبي حنيفة: فالإقدام على التصرُّف يكون دليل اختيار الملك فيه، وذا
دليل الإجازة؛ وكذا لو كان الثمن ديناً فأبرأ البائع المشْتَري من الثمن، أو اشترى به شيئاً منه أو
وهبه من المشتري - فهو إجازة للبيع لما قلنا، ويصح شراؤه وهبته؛ لأن هبة الدين والشِّراء به
ممن عليه الدَّين وأنه جائز، وكذا لو ساومه البائع بالثمن الذي في ذمَّته شيئاً؛ لأنه قَصَد تملُّك
ذلك الشيء، ولا يمكنه التملك إلا بثبوت مِلْكه في الثمن أو تقرره فيه.
ولو اشترى بالثمن شيئاً من غيره، لم يصح الشّراء وكان إجازة، أما عدم صحة الشّراء؛
فلأنه شراء بالدین من غیر من علیه الدين.
وأما كونه إجازة للبيع؛ فلأن الشراء به من غيره، وإن لم يصحّ لكنه قصد التملك وذا
دليل الإجازة كما إذا ساومه بل أوْلَى؛ لأن الشراء به في الدلالة على قصده التملك فوق
(١) تقدم.

٢٩١
كتاب البيوع
المساومة، فلما كانت المسَاوَمة إجازة فالشراء أولى، بخلاف ما إذا كان البائع قبض الثمن الذي
هو دين فاشترى به شيئاً - أنه لا يكون إجازة للبيع؛ لأن عين المقبوض ليس بمستحقّ الرد عند
الفسخ؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان عندنا في الفسخ، كما لا يتعينان في العقد، فلم يكن
المقْبُوض فيه مستحق الرد، فلا يكون التصرُّف دليل الإجازة، بخلاف ما إذا اشترى به قبل
القبض؛ لأنه أضاف الشّراء إلى عين ما هو مستحقّ بالعقد، فكان دليل القصد إلى الملك أو
تقرر الملك فیه على ما قلنا .
ولو كان الخيار للمشْتَري فأبرأه البائع من الثمن، قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يصح
الإبراء؛ لأن خيار المشتري يمنع وُجوب الثمن، والإبراء إسقاط، وإسقاط ما ليس بثابت لا
يتصور.
وروي عن محمَّد - رحمه الله -: أنه إذا أجاز البيع نفذ الإبراء؛ لأن الملك يثبت مستنداً
إلى وقت البَيْع، فتبين أن الثمن كان واجباً، فكان إبراؤه بعد الوجوب فينفذ، والله عز وجل
أعلم.
وأما الضروري فثلاثة أشياء:
أحدهما: مضي مدَّة الخيار؛ لأن الخيار مؤقت به، والمؤقّت إلى غاية ينتهي عند وجود
الغاية، لكن هل تدخل الغَاية في شرط الخيار؛ بأن شَرَط الخيار إلى اللّيل أو إلى الغد، هل
يدخل الليل أو الغد قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: تدخل.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا تدخل.
وجه قولهما: أن الغاية لا تدخل تحت ما ضربت له الغَاية؛ كما في قوله تعالى عز شأنه:
﴿ثُمَّ أَتَمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] حتى لا يجب الصَّوم في الليل، وكما في التأجيل
إلى غاية أن الغَايَة لا تدخل تَحت الأجل كذا هذا.
ولأبي حنيفة: أن الغايات منقسمة غاية إخراج وغاية إثبات؛ فغاية الإخراج تدخل [تحت
ما](١) ضربت له الغاية؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾
[المائدة: ٦] والغاية ههنا في معنى غاية الإخراج، ألا ترى أنه لو لم يذكر الوقت أصلاً،
لاقتضى ثبوت الخِيَار في الأوقات كلها حتى لم يصح؛ لأنه يكون في معنى شرط خيار مؤبد،
بخلاف التأجيل إلى غاية؛ فإنه لولا ذكر الغاية لم يثبت الأجل أصلاً، فكانت الغاية غاية
إثبات، فلم تدخل تحت ما ضربت له الغاية، والثاني مَوْت البائع في مدة الخِيَار عندنا.
(١) في أ: فيما.

٢٩٢
كتاب البيوع
وقال الشَّافعي - رحمه الله -: لا يبطل الخيار بموته، بل يقوم وارثه مقامه في الفسخ
والإجازة والله عز وجل أعلم.
ولقب هذه المسألة: أن خيار الشَّرط هل يورث أم لا؟(١) [عندنا: يورث، وعنده: لا
(١) فقهاء الأمصار متفقون على أن خيار العيب، وخيار التعيين يورثان. ومختلفون في توريث خيار الشرط،
وخيار الرؤية.
فالشافعية والمالكية قالا: يورثان. والحنفية، والحنابلة قالا: لا يورثان.
أما الاتفاقية فدليلهم عليها هو أن الخيار في العيب والتعيين حقٌ متعلق بالمبيع في عينه، فانتقل بالموت
إلى الوارث تبعاً لانتقال العين إليه، وهذا نظير حق حبس المبيع إلى أن يحضر المشتري الثمن، ينتقل إلى
ورثة البائع بموته. وأما الاختلافية. فاستدل من قال بالإرث بالسنة والمعقول.
أما السنة فقوله (َ*) ((من ترك مالاً أو حقاً فلورثته، ومن ترك كلا أو عيالاً فإليَّ)»، وكل من خياري
الشرط والرؤية حق للمورث، فينتقل للوارث بموته بمقتضى الحديث.
وأما المعقول فقالوا بقياس هذين الخيارين على خياريّ العيب والتعيين، بجامع أن كلاً من هذه الخيارات
حق له تعلق بالعين، فينتقل إلى الوارث بانتقالها .
واستدل من قال بعدم الإرث:
أولاً - بأن حق الفسخ بهذين الخيارين، لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث كحق الرجوع في الهبة قبل
القبض، إذا مات الواهب لا يرثه عنه وارئه؛ لكونه لا يجوز الاعتياض عنه. وهذا بخلاف خيار العيب
لمن هو له أن يعتاض عنه بالمصالحة.
وثانياً - بأن هذين الخيارين ليسا وصفين بالمبيع حتى يورثان بإرثه؛ وإنما هما مشيئة وإرادة، فهما وصفان
قائمان بشخص من هما له، فلا يورثانه عنه؛ لأن الإرث يعتمد إمكان النقل، والأوصاف الشخصية لا
تقبل الانتقال بحال، بل تفنى بفناء صاحبها.
هذه هي أدلة الطرفين. يرد على أدلة الطرف الأول: أن الحديث الذي استدلوا به لم يصح منه سوى ((من
ترك مالاً)). أما لفظ : - أو حقاً - فلم يرد من طريق صحيح، حتى ينهض حجة على دعواهم.
وأن القياس على خياريّ العيب والتعيين - قياس مع الفارق؛ لأن الموروث في خياريّ العيب والتعيين ليس
سوى العين والخيار ثبت لازماً لها .
بيان ذلك - أولاً: بالنسبة لخيار العيب الموروث العين بجميع أجزائها، ومن جملتها الجزء الذي فوته
العيب، إلا أنه لما تعذر تسلم - ثبت له الخيار ضرورة؛ دفعاً للضرر عنه، كما لو ابتاع شخص شيئاً ففات
بعضه قبل قبضه.
وثانياً: بالنسبة لخيار التعيين أصل المملوك للمورث هو أحد الشيئين المخير بينهما، فينتقل إلى الوارث
كذلك، ولازمه هو اختلاط ملك الوارث بملك البائع، فوجب عليه تمييز ملكه عن ملك البائع؛ كما لو
ورث مالاً مشتركاً فخيره فيه شريكه، حيث يجب عليه التمييز.
وهذا بخلاف خياري الشرط والرؤية، ليس من ضرورة إرث العين ثبوتهما، فلو ورثا ورثاً أصالة
واستقلالاً، وقد بينا أنهما وصفان غير قابلين للنقل.
ويرد على أدلة الطرف الثاني. من حيث القياس على الهبة قبل القبض بجامع عدم الاعتياض، بأنا نسلم
القياس، ونقول بإرث حق فسخ الهبة قبل القبض؛ لأنه حق متعلق بالعين؛ كما هو مذهب الشافعية، فلا =

٢٩٣
كتاب البيوع
يورث](١)، وأجمعوا على أن خِيَار القبول لا يورث، وكذا خيار الإجازة في بيع الفضولي لا
يورث بالإجماع؛ وكذا الأجل لا يورث بالاتّفاق /، وأجمعوا على أن خيار العَيْب وخيار ١٤١/٣أ
التَّعيين يورث.
وأما خيار الرؤية فلم يذكر في الأصل، وذكر في الحيل أنه لا يورث؛ وكذا روى ابن
سماعة عن محمد أنه لا يورث، احتج الشَّافعي - رحمه الله - بظواهر آيات المواريث، حيث
أثبت الله عز وجل الإزث في المتروك مطلقاً، والخيار متروك فجرى فيه الإرث، وبما روي عن
[ابن سماعة](٢) عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ))(٣)
يصلح والحال ما ذكر دليلاً على دعوى عدم الإرث.
والحق أن حق فسخ الهبة قبل قبضها مما يدخل إرثه ضمن دائرة النزاع؛ فلا يصلح دليلاً للطرفين.
ومن حيث قولهم: كل من خياري الشرط والرؤية وصف شخص، فلا يورث لعدم تصور النقل فيه بأن
هذا مسلم، لو كان هذا الوصف لا تعلق له بالمال. أما إذا كان له تعلق بالمال فهذا ما لا نسلمه؛ لأن
تعلق به وصف له، والمال يورث بأوصافه. غاية ما هناك الوصف القائم بالعاقد، وهو إرادة الفسخ أو
الإمضاء يزول بموته، ولكن الوارث يقوم مقامه في هذا؛ لأنه خليفته.
والذي نراه راجحاً هو مذهب من قال بالإرث؛ لأن هناك كثيراً من الحقوق التي قد أجمع على إرثها
لتعلقها بالمال؛ كحق حبس المرتهن للعين المرهونة، كحق حبس المبيع للبائع إذا لم يقبض الثمن. ولأن
الوارث إنما يخلف المورث فيما كان مملوكاً له، وملكه في خياري الرؤية والشرط كان غير تام، فيخلفه
عليه كذلك؛ لأنه من غير المعقول أن يكون الملك غير تام للمورث، وبينما هو تام للوارث، مع أن
سلطانه على ما خلفه مستمد منه.
هذا وأما خيار المجلس فكل من الشافعية، والحنابلة فيه على أصله فالحنابلة لا يورثونه، والشافعية
يورثونه. وهناك قول ضعيف في المذهب بعدم إرثه؛ لأنه يبطل بالتفرق، فيبطل بالموت من باب أولى؛
لأن الموت عبارة عن مفارقة الحياة، وهي أبلغ من مفارقة الأبدان. وهذا قياس غريب؛ لأن التفرقة
بالأبدان أبطله الدلالة على الرضا، وهل الموت كذلك؟
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.
(١) في أ: عندنا لا يورث وعنده يورث.
(٢) سقط في ط.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٠/٣) كتاب الفرائض: باب: ميراث ذوي الأرحام حديث (٢٨٩٩، ٢٩٠٠) وابن
ماجة (٩١٤/٢) كتاب الفرائض: باب ذوي الأرحام حديث (٢٧٣٨) والطيالسي (٢٨٤/١ - منحة) رقم
(١٤٤٢) وسعيد بن منصور (٩٢/١) رقم (١٧٢) وابن الجارود رقم (٩٦٥) وابن حبان (١٢٢٥ - موارد)
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار» (٣٩٧/٤ - ٣٩٨) وأحمد (١٣١/٤، ١٣٣) والدارقطني (٨٥/٤)
كتاب الفرائض: حديث (٥٧) والحاكم (٣٤٤/٤) والبيهقي (٢١٤/٦) كتاب الفرائض: باب من قال
بتوريث ذوي الأرحام، كلهم من طريق بديل بن ميسرة عن علي بن أبي طلحة عن راشد بن سعد عن أبي
عامر الهوزني عبد الله بن لحي عن المقدام قال: قال رسول الله وَله: (من ترك كلاً فإلى (وربما قال إلى
الله ورسوله) ومن ترك مالاً فلورثته وأنا وارث من لا وارث له أعقل له وأرثه والخال وارث من لا وارث =

٢٩٤
كتاب البيوع
والخيار حقّ تركه فيكون لورثته؛ ولأنه حق ثبت بالبيع فيَجري فيه الإرث كالملك الثَّابت
[به] (١)؛ وهذا لأن الإرث كما يثبت في الأملاك يثبت في الحقوق الثَّابتة بالبيع؛ ولهذا يثبت في
خيار العيب وخيار التَّعيين، كذا هذا.
ولنا: أن الخيار لو ثبت للوارث لم يخل من أن يثبت ابتداء أو بطريق الإرث لا سبيل إلى
الأول؛ لأن الشرط لم يوجد من الوَارِث ابتداء، وإثبات الخيار له من غير وجود شرط الخيار
منه خلاف الحقيقة، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الوارث يعتمد الباقي بعد موت المورث وخِيَاره
لا يبقى بعد مَوْته؛ لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصوّر ذلك منه بعدَ مَوْته فلا
يورث، بخلاف خيار العيب والتعيين؛ لأن الموروث هناك محتمل لإرث وهو العين المَمْلُوكة،
وأما الآية والحديث فنقول بموجبهما، لكن لم قلتم إن الخَيار متروك؟ وهذا لأن المتروك عين
تبقى والخيار عرض لا يبقى، فلم يكن متروكاً فلا يورث، والله عز وجل أعلم.
والثالث إجازة أحد الشّريكين عند أبي حنيفة - رحمه الله - بأن تبايعا على أنهما بالخيار
فأجاز أحدهما - بطل الخيار ولزم البيع عنده، حتى لا يملك صاحبه الفسخ. وعندهما: لا
يبطل وخيار الآخر على حاله، وسنذكر المسألة في خيار العيب، ولو بلغ الصبي في مدة خيار
الشّرط للأب أو الوصيّ لنفسه في بيع مال الصبي هل يبطل الخِيّار؟
قال أبو يوسف: يبطل ويلزم العقد، وقال محمد: تنقل الإجازة إلى الصبي، فلا يملك
الولي الإجازة لكنه يملك الفسخ.
وجه قول محمد: أن الولي يتصرّف في مال الصغير بطريق النيابة عنه شرعاً؛ لعجزه عن
التصرُّف بنفسه، وقد زال العجز بالبلوغ فتنتقل الإجازة إليه إلا أنه يملك الفسخ؛ لأنه من باب
= له يعقل عنه ويرثه)).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: ((على قال أحمد: له أشياء منكرات قلت: لم يخرج له البخاري)) ا. هـ.
وقد خولف في هذا الحديث خالفه محمد بن الوليد الزبيدي.
أخرجه ابن حبان (١٢٢٦ - موارد) من طريق محمد بن الوليد الزبيدي ثنا راشد بن سعد عن ابن عائذ أن
المقدام حدثهم .... فذكر نحوه.
وقد صحح الطريق الأول ابن حبان، وحسنه أبو زرعة الرازي قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢/ ٥٠) رقم
(١٦٣٦): سمعت أبا زرعة وذكر حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي وَّر ((الخال وارث من لا وارث
له)» قال: هو حديث حسن، قال له الفضل الصائغ: أبو عامر الهوزي من هو، قال: معروف روى عنه
راشد بن سعد لا بأس به.
(١) سقط في ط.

٢٩٥
كتاب البيوع
دَفْع الحق فيملكه كالفُضُولي في البيع - أنه يملك الفسخ قبل إجازة المالك وإِن لم يملك
الإجازة.
وجه قول أبي يوسف: أن الخيار يثبت للولي وهو ولاية الفَسْخ والإجازة، وقد بطل بالبلوغ
فلا يحتمل الانتقال إلى الصَّبي؛ ولهذا لم ينتقل إلى الوارث بموت من له الخيار؛ ولو عجز المكاتب
في مدة خيار شرطه لنفسه في البيع، بطل الخيار ولزم البيع في قولهم جميعاً؛ لأنه لما عجز ورد إلى
الرّق لم يبق له ولاية الفسخ والإجازة، فيسقط الخِيَار ضرورة كما يسقط بالموت، وكذا العبد
المأذون إذا حجر عليه المولى في مدة الخيار - بَطَل خياره عند أبي يوسف وإحدى الروايتين عن
محمد لما قلنا، ولو اشترى الأب أو الوصيّ شيئاً بدين في الذمة، وشرط الخيار لنفسه ثم بلغ
الصَّبي، جاز العَقْد عليهما والصبي بالخيار إن شاء أجاز البيع وإن شاء فَسَخ .
أما الجواز عليهما فلأن ولايتهما قد انْقَطعت بالبلوغ، فلا يملكان التصرف بالفسخ
والإجازة، فيبطل خيارهما وجاز العقد في حقُّهما، وأما خيار الصبي فلأن الجواز واللّزوم لم
يثبت في حقه، وإنما يثبت في حَقِّهما، فكان له خيار الفسخ والإجازة.
وأما خيار المشتري فيسقط بما يسْقُط [به](١) خيار البائع وبغيره أيضاً، فيسقط بمضي
المدة بموت من له الخيار عندنا، وإجازة أحد الشّركين عند أبي حنيفة. والإجازة صريح وما
هو في معنى الصريح ودلالة؛ وهو أن يتصرّف المشتري في المبيع تصرف الملاك كالبيع
والمساومة والإعتاق والتدبير والكتابة والإجارة والهبة والرَّهن سلم أو لم يسلم؛ لأن جواز هذه
التصرُّفات يعتمد الملك، فالإقدام عليها يكون دليل قصد التملك، أو تقرر الملك على اختلاف
الأصْلَين وذا دليل الإجازة، وكذا الوطء منه والتقبيل / بشهوة، والمباشرة لشهوة والنَّظر إلى ١٤١/٣ ب
فرجها لشهوة يكون إجازة منه؛ لأنه تصرّف لا يحل إلا بملك اليمين.
وأما المس من غير شهوة والنظر إلى فرجها بغير شهوة - فلا يكون إجازة؛ لأن ذلك مباح
في الجملة بدون الملك للطبيب والقابلة.
. وأما الاستخدام فالقياس أن يكون إجازة بمنزلة المس عن شهوة، والنظر إلى الفرج عن
شهوة، وفي الاستحسان لا يكون إجازة لأنه يختص بالملك؛ ولأنه يحتاج إليه للتجربة
والامتحان لينظر أنه يوافقه أم لا؟ على أن فيه ضرروة؛ لأن الاحتراز عن ذلك غير ممكن بأن
يسأله ثَوْبه عند إرادة الرد فيرده، أو يستسرجه دابته ليركبها، فيرده فيسقط اعتباره لمكان
الضَّرورة.
(١) سقط في ط.

٢٩٦
كتاب البيوع
ولو قبلت الجارية المشتري بشهوة أو باشرته؛ فإن كان ذلك بتَمْكِين [المشتري] (١) بأن
علم ذلك منها وتركها حتى فعلت - يسْقط خياره.
وكذا هذا في حق خيار الرؤية إذا قبلته بعد الرُّؤية؛ وكذا في خيار العيب إذا وجد بها
عيباً ثم قبلته؛ وكذا في الطلاق إذا فعلت ذلك كان رجعة، وإن اختلست اختلاساً من غير
تمكين المشْتَري والزوج وهو كاره لذلك، فكذلك عند أبي حنيفة .
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يكون ذلك رجعة ولا إجازة للبيع، وقال محمد: لا يكون
فعلها إجازة للبيع كيفما كان، وأجمعوا على أنها لو باضعَتْه وهو نائم بأن أدخلت فرجه فرجها -
أنه يسقط الخِيَار ويكون رجعة .
وجه قول محمد: إن الخيار حق شرط له، ولم يوجد منه ما يبطله نصًّا ولا دلالة، وهو
فعل يدل عليه فلا يبطل، ولأبي حنيفة - رحمه الله -: إن الاحتياط يوجب سقوط الخيار؛ إذ لو
لم يسْقُط ومن الجائز أن يفسخ البيع - لتبيين أن المس عن شهوة، والتمكين من المس عن
شَهْوَة حصل في غير ملك وكل ذلك حرام، فكان سقوط الخيار وثبوت الرجعة بطريق الصِّيانة
عن ارتكاب الحرام، وأنه واجب؛ ولأن المس عن شَهْوة يفضي إلى الوطء، والسبب المفْضِي
إلى الشيء يقوم مقامه، خصوصاً في مَوضع الاحتياط، فأقيم ذلك مقام الوطء من المشتري؛
ولهذا يثبت حرمة المصَاهَرة بالمس عن شهوة من الجانبين؛ لكونه سبباً مفضياً إلى الوطء،
فأقيم مقامه كذا هذا.
ولو قبل المشتري الجارية ثم قال: قبلتها لغير شهوة - فالقول قوله؛ كذا روي عن
محمد؛ لأن الخيار كان ثابتاً له فهو بقوله كان لغير شَهْوة ينكر سقوطه، فكان القول قوله؛
وكذلك قال أبو حنيفة في الجَارِية إذا قبَّلت المشْتَري بشهوة: أنه إنما يسقط الخيار ويلزمه العقد
إذا أقر المشتري أنها فعلت بشَهْوة.
فأما إذا أنكر أن يكون ذلك بشهوة فلا يسقط؛ لأن حكم فعلها يلزم المشتري بسقوط
حقه فيتوقف على إقراره؛ ولو حدث في المبيع في يد المشْتَري ما يمنع الرد على البائع بطل
خياره؛ لأن فائدة الخِيَار هو التمكن من الفَسْخ والرد، فإذا خرج عن احتمال الرد لم يكن في
بَقَاء الخيار فائدة فلا يبقى ذلك، وذلك نحو ما إذا هلك في يده أو انتقص؛ بأن تعيَّب بعيب لا
يحتمل الارتفاع، سواء كان ذلك فاحشاً أو يسيراً، وسواء كان ذلك بفعل المشْتَري أو بفعل
البائع أو بآفة سماوية، أو بفعل المَبِيع، أو بفعل أجنبي؛ لأن حدوث هذه المعاني في يد
المشتري يمنع الرد .
(١) سقط في ط.

٢٩٧
كتاب البيوع
أما الهلاك فظاهر، وكذا النُّقصان لفوات شرط الرد، وهو أن يكون ما قبض كما قبض؛
لأنه إذا انْتَقض شيء منه فقد تعذر رد القَدْر الفائت، فتقرر على المشتري حصته من الثمن؛ لأن
فواته حصل في ضمان المشتري، فلو رد الباقي كان ذلك تفريق الصفقة على البائع قبل التمام،
وهذا لا يجوز.
وإذا امتنع الرد بطل الخيار لما قلنا، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف
أيضاً إلا في خَصْلة واحدة؛ وهي ما إذا انتقص بفعل البائع؛ فإن المشتري فيهما على خِيَارِه
عنده إن شاء ردّ عليه وإن شاء أمسكه، وأخذ الأرش من البائع؛ كذا ذكره القَاضِي في شرحه
مختصر الطحاوي الاختلاف.
وذكر الكَرْخي - رحمه الله - الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله؛
وإن كان العيب / مما يحتمل الارتفاع كالمرض، فالمشتري على خِيَاره إن شاء فسخ وإن شاء ٣/ ١٤٢أ
أجاز؛ لأن كل عَارِض على أصل إذا ارتفع يلحق بالعدم ويجعل كأنه لم يكن، هذا هو الأصل
وليس له أن يَفْسَخ إلا أن يرتفع العيب في مدة الخيار؛ فإن مضت المدة والعيب قائم، بَطَّل
حق الفسْخ ولزم البيع لتعذّر الرد، والله عز وجل أعلم.
وعلى هذا يخرج ما إذا ازداد المبيع زيادة متصلة غير متولّدة من الأصل؛ كما إذا كان وثباً
فصبغه أو سويقاً فلته(١) بسمن، أو كان أرضاً فبنى عليها أو غرس فيها - أنه يَبْطل خيارهِ، لأن
هذه الزيادة مانعة من الردّ بالإجماع، فكانت مسقطة للخيار، ولو كانت الزيادة متصلة متولّدة
من الأصل كالحسن والجمال والسمن والبرء من المرض وانجلاء البَيَاض من العَيْن ونحو
ذلك، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يبْطُل بناء على أن هذه الزيادة
تمنع الرد عندهما كما في العيب في المهر في النكاح، وعنده: لا تمنع، والمسألة تأتي في
موضعها إن شاء الله تعالى.
وإن كان الزيادة منفصلة متولّدة من الأصل كالولد والثمر واللبن ونحوها، أو كانت غير
متولّدة من الأصل بدل الجزء الفائت كالأرش أو بدل ما هو في معنى الجزء كالعقر يبطل
خياره؛ لأنها مانعة من الردِّ عندنا، وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصْل، ولا هي بدل
الجزء الفائت أو ما هو في معنى الجزء كالصَّدقة والكسب والغلة لا يبطل خياره؛ لأن هذه
الزّيادة لا تمنع الرد، فلا يبطل الخيار؛ فإِن اختار البيع فالزوائد له مع الأصل؛ لأنه تبين أنها
كسب ملكه فكانت ملكه.
(١) لَنَّهُ: خَلَطَهُ.

٢٩٨
كتاب البيوع
وإن اختار الفسخ رد الأصل مع الزوائد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد:
الزوائد تكون له بناء على أن مِلْك المبيع كان موقوفاً، فإذا فسخ تبين أنه لم يدْخُل في ملكه،
فتبين أن الزّيادة حصلت على ملك البائع، فيردها إليه مع الأصل، وعندهما: المبيع دَخَل في
ملك المشتري، فكانت الزَّوائد حاصلة على ملكه والفسخ يظهر في الأصل لا في الزيادة،
فبقيت على حكم مِلْك المشتري.
ولو كان المبيع دابة فركبها فإِن ركبها لحاجة نفسه كان إجازة، وإن ركبها ليسقيها أو
يشتري لها علفاً أو ليردها على بائعها - فالقِيَاس أن يكون إجازة؛ لأنه يمكنه أن يفعل ذلك
قوداً، وفي الاسْتِخسَان لا يكون إجازة وهو على خياره؛ لأن ذلك مما لا بد منه خصوصاً إذا
كانت الدَّابة صعبة لا تنقاد بالقود، فكان ذلك من ضرورات الردّ فلا يجعل إجازة.
ولو ركبها لينظر إلى سيرها لا يبطل خياره؛ لأنه لا بد له من ذلك للاختيار بخلاف خيار
العيب أنه إذا ركبها [لينظر إلى ركدها] (١) بعد ما علم بالعَيْب أنه يبطل خياره؛ لأن له منه بدا
ولا حاجة إلى الرُّكوب هناك لمعرفة سيرها، فكان دليل الرضا بالعيب، ولو كان المبيع ثوباً
فلبسه لينظر إلى قصره من طُوله وعرضه - لا يبْطُل خياره؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه للتجربة
والامتحان أنه یوافِقُه أم لا، فلم یکن منه بد.
ولو ركب الدابة ليعرف سيرها، ثم ركبها مرة أخرى - ينظر إن ركبها لمعرفة سير آخر غير
الأول بأن ركبها مرة ليعرف أنها هملاج ثم رَكِبها ثانياً ليعرف سرعة عدوها فهو على خِيَّارِه؛
لأن معرفة السّيرين مقصودة تقع الحاجة إليها في بعض الدواب.
وإن ركبها لمعرفة السير الأوّل قالوا: يسقط خِيَاره، وكذا في استخدام الرقيق إذا
استخدمه في نوع ثم استخدمه في ذلك النوع - قالوا: يسقط خياره وبعض مشايخنا قالوا: لا
يسقط؛ لأن الاختبار لا يخصُل بالمرة الواحدة؛ لجواز أن الأول وقع اتفاقاً، فيحتاج إلى
التَّكرار لمعرفة العادة وفي الثوب إذا لبسه مرّة لمعرفة الطُّول والعرض، ثم لبسه ثانياً - يسقط
خِيّاره؛ لأنه لا حاجة إلى تكرار الّبس في الثوب؛ لحصول المقْصُود باللبس مرة واحدة.
ولو حمل على الدَّابة علفاً فهو إجازة(٢)؛ لأنه يمكنه حمل العَلَف على غيرها؛ ولو قص
١٤٢/٣ ب حوافرها أو أخذ من عرفها شيئاً، للهو على خِيَاره؛ لأنه تصرّف لا يختص بالملك، إذ / هو
من باب إصلاح الدابة فيملكه كل واحد، ويكون مأذوناً فيه دلالة كما إذا علفها أو سَقَّاها.
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: على خياره.

٢٩٩
كتاب البيوع
ولو ودجها(١) أو بزغها(٢) فهو إجازة؛ لأنه تصرّف فيها بالتنقيص؛ فإن كان شاة فحلبها
أو شرب لبنها فهو إجازة؛ لأنه لا يحلّ إلا بالملك أو الإذن من المالك ولم يوجد الإذن، فكان
دليلاً على قصد التملّك أو التقرير فيكون إجازة.
ولو كان المبيع داراً فسكنها المشتري أو أسكنها غيره بأجر أو بغير أجر، أو رم شيئاً منها
أو جصصها أو طينها أو أحدث فيها شيئاً أو هدم فيها شيئاً - فذلك كله إجازة؛ لأنه دليل اختيار
الملك أو تَقْرِيره، فكان إجازة دلالة.
وذكر القاضي في شرحه مختصر الطَّحاوي في سكنى المشتري روايتان: ووفق بينهما
فحمل إحداهما على ابتداء السُّكنى والأخرى على الدوام عليه، ولو كان فيها ساكن بأجر فباعها
البائع برضا [المشتري](٣) بالمستأجر، وشرط الخيار للمشتري فتركه المشتري فيها أو استأوى
الغلة فهو إجازة؛ لأن الأجرة بدل المنفعة، فَكَان أخذها دلالة قصد تملك المنفعة أو تقرير
ملك المنفعة، وذلك قصد تملك الدار أو تقرر ملكه فيها فكان إجازة.
ولو كان المبيع أرضاً فيها حرث، فسقاه أو حَصَده أو فصل (٤) منه شيئاً - فهو إجازة؛ لأن
السقي تصرف في الحرث بالتزكية، فكان دليل اختيار البيع وإيجابه، وكذلك القصل تصرف فيه
بالتنقيص، فكان دَلِيل قصد التملك أو التقرر، ولو شرب من نهر تلك الأرض أو سَقَى منه
دوابه لا يكون إجَازَة؛ لأن هذا تصرّف لا يختص بالملك لأنه مباحٌ، ولو كان المبيع رحى
فطحن فيها؛ فإن هو طحن ليعرف مقدار طَخنها فهو على خِياره؛ لأنه تحقق ما شرع له
الخيار، ولو دام على ذلك كان إجازة؛ لأنه لا حَاجَة إلى الزيادة للاختيار، فكان دليل الرّضا
بوجوب البيع.
وأما خيار البائع والمشْتَري جميعاً فيسقط بما يسقط به حالة الانْفِراد، فأيهما أجاز صريحاً
أو ما يجري مجرى الصريح، أو فعل ما يدل على الإجازة - بطل خياره ولزم البيع من جانبه
والآخر على خياره إن شاء أجاز وإن شاء فسخ، وأيهما فسخ صريحاً أو ما يجري مجرى
الصّريح، أو فعل ما يدل على الفسخ انفسخ أصلاً ورأساً، ولا تلحقه الإجازة من صاحبه بعد
ذلك، وإنما اختلف حكم الفسخ والإجازة؛ لأن الفسخ تصرف في العقد بالإبطال والعقد بعدما
بطل لا يَحْتَمِل الإجازة؛ لأن الباطل متلاشى.
(١) ودجها: قطع ودجها؛ وهو عرق في العنق إذا قطعه الذابح لا تبقى معه الحياة.
(٢) بزغها: وخزها وخزاً خفيفاً فوق الحافر لا يبلغ العصب علاجها لها. المعجم الوسط (بزغ)
(٣) سقط في ط.
(٤) فصل: قطع أو دَاسَ.
١

٣٠٠
كتاب البيوع
وأما الإجازة فهي تصرّف في العقد بالتَّغيير وهو الإلْزَام لا بالإعدام، فلا يخرجه عن
احتمال الفسخ والإجازة؛ ولو أجاز أحَدُهما وفسخ الآخر، انفسخ العقد، سواء كان على
التعاقب أو على القران؛ لأن الفَسْخَ أقوى من الإجازة.
ألا ترى أنه يلحق الإجازة، فإِن المجاز يَخْتَمل الفسخ، فأما الإجازة فلا تلحق الفسخ؛
فإن المفْسُوخ لا يحتمل الإجازة، فكان الفسخ أقوى من الإجازة، فكان أولى، ولو اختلفا في
الفَسْخ والإجازة، فقال أحدهما: فسخنا البيع، وقال الآخر: لا، بل أجزنا البيع جميعاً،
فاخْتِلافهما لا يخلو من أن يكون في مدة الخيار أو بعد مضي المدّة؛ فإن كان في المدة،
فالقول قول من يدعي الفسخ؛ لأن أحدهما ينفرد بالفسخ وأحدهما لا ينفرد بالإجازة.
ولو قامت لهما بينة فالبينة بينة من يدَّعي الإجازة؛ لأنه المدّعي، وإن كان بعد مضي
المدة، فقال أحدهما: مضت المدّة بعد الفسخ، وقال الآخر: بعد الإجازة، فالقول قَوْل من
يدعي الإجازة؛ لأن الحال حال الجواز، وهو ما بعد انقضاء المدة، فترجح جانبه بشهادة
الحال، فكان القول قوله.
ولو قامت لهما بينة فالبينة بينة مدعي الفسخ؛ لأنها تثبت أمراً بخلاف الظَّاهر والبينات
شرعت له؛ وإن كان الخيار لأحدهما واختلفا في الفسخ والإجازة في مدة الخيار - فالقول قول
من له الخيار، سواء ادَّعى الفَسْخ أم الإجازة؛ لأنه يملك الأمرين جميعاً، والبينة بينة الآخر؛
لأنه هو المدَّعي؛ ولو كان اختلافهما بعد مضي مدة الخيار، فالقول قول من يدعي الإجازة
أيهما كان؛ لأن الحَال حال الجواز وهِيَ ما بعد مضي المدة؛ ولو أرخت البينات في هذا كله
١٤٣/٣أ فأسبقهما تاريخاً أولى، سواء قامَتْ على / الفسخ أو على الإجازة، والله عز وجل أعلم.
وإن كان خيار الشرط لغير العَاقِدين، بأن شرط أحدهما الخيار لأَجنبي فقد ذكرنا أن ذلك
جائز، وللشارط والمشروط له خيار الفسخ والإجازة، وأيهما أجاز جاز وأيهما فسخ انفسخ؛
لأنه صَارَ شارطاً لنفسه مقتضى الشرط لغيره، وصار المشروط له بمنزلة الوكيل للشّارط في
الفسخ والإجازة؛ فإن أجاز أحدهما وفسخ الآخر؛ فإن كانا على التَّعاقُب فأولهما أولى فسخاً
كان أو إجازة؛ لأن الثابت بالشرط أحد الأمرين، فأيهما سَبَق وجوده بطل الآخر، وإن كانا معاً
ذكر في البُيُوع أن تصرف المالك عن ولاية المِلْك أولى، نقضاً كان أو إجازة، وذكر في
المأذون أن النَّقض أوْلَى من أيهما كان.
وجه رواية البيوع: أن تصرّف المالك صدر عن ولاية الملك، فلا يعارضه الصَّادر عن
.لاية النيابة .
وجه رواية المأذون: أن النّقض أولى من الإجازة؛ لأن المجاز يحتمل الفسخ أما