Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كتاب البيوع وجه قول الشافعي - رحمه الله -: أن الإِبراء عن كل عيب إِبراء عن المجهول، فلا يصحُّ، ولا شك أنه إِبراء عن المجهول. والدَّليل على أن الإِبراء عن كل عيب إِبراء عن المجهول، غير صحيح: أن الإِبرء إسقاط فيه معنى الثَّمليك؛ بدليل أنه يرتدّ بالرد، وهذا آية التمليك؛ إِذ الإسقاط لا يحتمل ذلك، وتملیك المجهول لا يصحُ كالبيع ونحوه. ولنا: أن الإِبراء وإِن كان فيه معنى الثَّمليك، لكن الجهالة لا تمنع صحة الثَّمليك لعينها، بل لإِفضائها إلى المنازعة . ألا ترى أنها لا تمنع في موضع لا يفضي إلى المنازعة؛ كما إذا باع قفيزاً من هذه الصُّبْرة، أو عشرة دراهم من هذه النّقرة(١)، وهذا النوع من الجهالة ههنا لا يفضي إِلى المنازعة؛ لأن قوله: ((كل عيب)) يتناول العيوب كلها، فإذا سمّى جنساً من العيوب لا جهالة له أصلاً، مع ما أنَّ التمليك في الإِبراء يثبت ضمناً وتبعاً للإسقاط؛ لأن اللفظ ينبىء عن الإسقاط لا عن التَّمليك، فيعتبر التصرُّف إِسقاطاً، لا تمليكاً، والجهالة لا تمنع صحة الإِسْقاطات. والدَّليل على جواز الإِبراء عن الحقُوق المجهولة: ما رُوِي أن رجلين اختصما إِلى النبي - وبناء على ذلك، يكون الإبراء من جميع العيوب صحيحاً، لا فرق بين عيب وعيب، ولا بين مبيع ومبيع، = ولا بين ما إذا كان البائع يعلم بالعيب وقت البيع، أو لا يعلم. هذا هو ما يقتضيه مجرد النظر. ولكن إذا نظرنا في القصة المتقدمة، وعلمنا بيقين أنها لا تدل إلا على شرط عدم علم البائع بالعيب في بيع البراءة، لاتفاق ثلاثتهم عليه، وهم من مبرزي الصحابة في الفقه والفتوى، ولم نعلم مع هذا مخالفاً لهم من الصحابة، إذا نظرنا للأمر من هذه الناحية أيضاً - يتبين لنا رجحان مذهب الحنابلة؛ لأنه قد تلاقى فيه النظر مع الأثر. وهذا طبعاً بناء على الرواية القائلة بصحة بيع البراءة مع شرط ألا يكون البائع عالماً بالعيب بقيت هنا مسألة لم نتكلم عليها بعد، وهي: هل البراءة من العيوب تنصرف إلى الموجود منها حين العقد فقط، أم تشملها وما يحدث قبل القبض؟ قالت الشافعية، ومحمد بن الحسن، وزفر: لا يدخل في البراءة إلا العيب الموجود وقت العقد. وفرعوا على ذلك أن للمشتري الحق في أن يرد المبيع بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد؛ لأن المتبادر من شرط البراءة هو انصرافه إلى الموجود حين الشرط فقط، فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يدخل في البراءة الموجود وقت العقد، والحادث قبل القبض. وفرعوا على ذلك أنه ليس للمشتري الحق في أن يرد بعيب حدث قبل القبض؛ لأن القرض من شرط البراءة هو إلزام البيع بإسقاط حق المشتري في وصف السلامة، وهو يتناول الموجود حين العقد، والحادث قبل القبض. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. (١) النُّقْرَةُ: القطعة المذابة من الذهب أو الفضة. المعجم الوسيط (نقر). ٢٢ كتاب البيوع عليه الصلاة والسلام - في مواريثَ قَدْ دَرَسَتْ، فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والصَّلاَمُ: ((أَسْتَهِمَا وَأَوْجِبَا الحَقَّ، وَلْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ))(١) وعلى هذا إِجماع المسلمين من اسْتِخْلاَل معاملاتهم في آخر أعمارهم، في سائر الأَعْصَار من غير إِنكار. وأما بيع الثمر على الشّجر بعد ظهوره، وبيع الزرع في الأرض بشرط التَّرك فجملة الكلام فيه: أنه لا يخلو إما إِن كان لم يبدُ صلاحه، بعد أَن صار منتفعاً به بوجهٍ من الوجوه، وإِمَّا إِن كان قد بدا صلاحه؛ بأن صار منتفعاً به، وكل ذلك لا يخلو من أن يكون بشرط القَطْع، أو مطلقاً، أو بشَرْط الترك حتى يبلغ، فإن كان لم يبدُ صلاحه فباع بشرط القطع جاز، وعلى المشتري أن يقطع للحَال، وليس له أن يترك من غير إِذن البائع. ومن مشايخنا مَن قال: لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، وهو خلاف ظاهر الرواية على ما ذكرنا، ولو باع مطلقاً عن شرط جاز أيضاً عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز. وجه قوله: أن المطلق ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف هو التَّرك، فكان هذا بيعاً ١٨٦/٣ بشرط التَّرك. دلالة، فصار كما لو شرط التّرك/ نصاً. ولنا: أن التّرك ليس بمشروطٍ نصّاً؛ إذ العقد مطلق عن الشّرط أصلاً، فلا يجوز تقييده بشَرْط التّرك من غير دليلٍ، خصوصاً إذا كان في التَّقييد فساد العقد، وإِن اشترى بشَرط التَّرك، فالعقد فاسد بالإجماع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العَقْد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، ولا يلائم العَقْد، ولا جرى به التَّعامل بين النَّاس، ومثل هذا الشَّرط مفسد للبيع لما ذكرنا؛ ولأنه لا يتمكّن من الترك إلا بإعارة الشَّجرة والأرض، وهما ملك البائع، فصار بشرط التَّرك شارطاً الإِعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة، وأنه منهي، هذا إذا لم يبْدُ صلاحه. وكذا إذا بدا صَلاَحه، فباع بشرط القَطْع أو مطلقاً، فأما إذا باع بشَرْط التَّرك، فإن لم يتناه عظَمه، فالبيع فاسدٌ بلا خلافٍ لما قلنا؛ وكذا إذا تناهى عظمه، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ وقال محمد: يجوز استحساناً لتعارف النَّاس وتعاملهم ذلك. ولهما: ما ذكرنا أن شَرْط التّرك شرط فيه منفعة للمشتري، والعقد لا يَقْتَضيه، وليس بملائم للعقد أيضاً، ومثل هذا الشّرط يكون مفسداً: كما إذا اشترى حَنْطَةً على أن يتركها في دار البائع شهراً،، قوله: النَّاس تعاملوا ذلك، قلنا: دعوى تعامل النَّاس شرط الترك في المبيع ممنوعة، وإنما التَّعامل بالمسامحة بالتَّرك من غير شرطٍ في عقد البيع. (١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٠)، وأبو داود (٣٠١/٣) كتاب الأقضية، باب: في قضاء القاضي إذا أخطأ، حديث؛ (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) كلاهما من طريق أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة .. عن أم سلمة فذكرته بنحوه. وإسناده حسن، من أجل أسامة بن زيد - وهو الليئي فهو صدوق يهم. ٢٣ كتاب البيوع ولو اشترى مطلقاً عن شرط فترك، فإن كان قد تَنَاهى عظمه، ولم يبق إلاّ النُّضّج - لم يتصدَّق بشيء، سواء ترك بإذن البائع، أو بغير إذنه؛ لأنه لا يزداد بعد التّناهي، وإِنما يتغير إِلى حال النُّضج، وإن كان لم يتناه عظمه، ينظر إِن كان التَّرك بإذن البائع جاز وطاب له الفضل، وإن كان بغير إذنه تصدُّق بما زاد في ذاته على ما كان عند العقد؛ لأن الزيادة حصلت بجهة محظورة، فأوجبت خبئاً فيها، فكان سبيلها التَّصدُّق، فإنٍ استأجر المشتري من البائع الشجر للتَّرك إلى وقت الإدراك [جاز] وطاب له الفضل؛ لأن التَّرك حصل بإذن البائع، ولكن لا تجب الأجرة؛ لأن هذه الإِجارة باطلة؛ لأَن جوازها ثبت على خلاف القياس؛ لتعامل الناس، فما لم يتعاملوا فيه، لا تصحُّ فيه الإِجارة؛ ولهذا لم تصحَّ إجارة الأشْجار لتجفيف الثّياب، وإجارة الأوتاد لتعليق الأشياء عليها، وإِجارة الكُتُب للقراءة؛ ونحو ذلك؛ حتى لم تجب الأجرة لما قلنا، كذا هذا. ولو أخرجت الشجرة في مدة التَّرك ثمرة أخرى، فهي للبائع، سواءً كان التَّرك بإذنه، أو بغير إِذنه؛ لأَنَّه نماء ملك البائع، فيكون له، ولو حلَّلها له البائع جاز، وإِن اختلط الحادث بعد العقد بالموجُود عنده حتى لا يعرف - ينظر إن كان قيل الشَّخلية؛ بَطَل البيع؛ لأن المبيع صار معجوز التَّسليم بالاختلاط للجهالة، وتعذّر التَّمييز، فأشبه العجز عن التَّسليم بالهلاك،، وإِن كان بعد النَّخلية لم يبطل، لأَن التخلية قبضٌ، وحكم البيع يتمُّ ويتناهى بالقبض، والثّمرة تكون بينهما؛ لاختلاط مِلْك أحدهما بالآخر اختلاطاً لا يمكن الثَّمييز بينهما، فكان الكُلُّ مشتركاً بينهما. والقَوْل قول المشتري في المِقْدار؛ لأَنَّه صاحب يدٍ؛ لوجود الثَّخلية، فكان الظَّاهر شاهداً له، فكان القول قوله. ولو اشترى ثمرةً بدا صلاحُ بعضها دون بعضٍ؛ بأن أدرك البعض دون البَغْض، بشرط الثَّرك - فالبيع فاسدٌ على أَصلهما؛ لأنه لو كان أدركَ الكُلَّ فاشتراها بشرط الثَّرك، فالبيع فاسدٌ عندهما، فبإدراك البعض أولى . وأما على أضل محمَّد - رحمه الله - وهو اختيار العَادَة، فإن كان صَلاَح الباقي متقارباً، جاز؛ لأن العادة في الثّمار ألاَّ يدرك الكُلُّ دفعة واحدة، بل يتقدّم إِدراك البعض على البعض، ويلحق بعضها بعضاً، فصار كأنه اشْتَراها بعد إِدراك الكلِّ، ولو كان كذلك، لصحَّ الشِّراء عنده بشرط التَّرك؛ كذا هذا، وإن كان يتأخّر إِدراك البعض عن البعض تأخيراً فاحشاً، كالعنب ونحوه، يجوز البَيْع فيما أدرك، ولا يجوز فيما لم يدرك، لأن عند التأخّر الفاحِش يلتحقان بجنسيْن مُختلفین. ومنها: شرط الأجل في المبيع العيْن والثّمن العيْن، وهو أن يضرب لتسليمها أجلٌ؛ لأنَّ القياس يأبى جواز التَّأجيل أصلاً؛ لأنه تغيير مقتضى العقد؛ لأنَّه عقد معاوضة، لا تمليكٍ ٢٤ كتاب البيوع ٣/ ٨٦ب بتمليكِ، وتسليم بتسليم، والتَّأجيل ينفي وجوب التَّسليم للحال، فكان/ مغيراً مقتضى العقد إلاَّ أنه شرط نظر لصاحب الأجل؛ لضرورة العدم ترفيهاً له، وتمكيناً له من اكتساب الثّمن في المدة المضروبة، ولا ضرورة في الأعيان، فبقي التّأجيل فيها تغييراً محضاً لمقتضى العَقْد، فيوجب فساد العقد. ويجوزُ في المبيع الدين وهو السَّلَم بل لا يجوز بدونه عندنا، على ما نذكره في موضعه؛ وكذا يجوز في الثَّمن الدين، وهو بيع الدَّين بالدّين؛ لأَن التأجيل يلائم الدُّيون، ولا يلائم الأعيان؛ لمساس حاجة الناس إليه في الدُّيون، لا في الأعيان على ما بيّنًا. ومنها: شرط خيار مؤيَّد في البيع،، ومنها: شرط خيار مؤقّت بوقت مجهول جهالةً متفاحشة، كهبوب الريح، ومجيء المطر، وقدوم فلان، وموت فلان، ونحو ذلك أو متقاربة؛ كالحصاد، والدّیاس، وقدوم الحاجّ، ونحوها. ومنها: شرط خيار غير مؤقّت أصلاً، والأصل فيه أن شرط الخيار يمنع انعقاد العَقْد في حق الحكم للحال، فكان شرطاً مغيراً مقتضى العقد، وأنه مفسدٌ للعقد في الأصل، وهو القياس. إِلا أنَّا عرفنا جوازه اسِحْسَاناً، بخلاف القياس بالنَّصِّ، وهو ما رُوِي؛ أن حبَّان بن منقذ كان يغْبنُ في التّجاراتِ، فشكا أهله إِلى رسول الله - بَّرَ - فَقَالَ لَهُ: «إِذا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لاَ خِلاَبَة، وَلِي الْخِيَارُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» (١) فبقي ما وراء المنصوص عليه على أصل القياس. ومنها: شرط خيار مؤقَّت بالزَّائد على ثلاثة أيام، عند أبي حنيفة وزُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا الشّرط ليس بمُفْسَد. واحتجًا بما رُوِي؛ أن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - شرط الخيار شَهْرِين(٢)؛ ولأنَّ النص الوارد في خيار ثلاثة أيام معلُولٌ بالحاجة إِلى دفع الغَبْن بالتأمل والنظر، وهذا لا يوجِبُ الاقتصار على الثَّلاث، كالحاجة إِلى التّأجيل. ولأَبي حنيفة: أن هذا الشَّرط في الأصل ممَّا يأباه القياس والنَّص؛ أمَّا القياس: فما ذكرنا أنه شَرْط مغير مقْتَضى العقد، ومثل هذا الشّرط مفسدٌ للعقد في الأصل، وأما النَّص: فما روي عن رسول الله - رَّمَ - ((أنه نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ))، وهذا بيع الغَرَر؛ لأنه تعلَّق انعقاد العقد على غَرَر سقوط الخيار، إلا أنه ورد نصٌّ خَاص بجوازه، فيتبع مورد النَّص، وأنه ورد بثلاثة أيام، فصار ذلك مَخصوصاً عن النَّصِ العام، وترك القياس فيه، فيعمل بعُمُوم النص، ومقتضى (١) تقدم. (٢) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٨/٤)، وقال: غريب جداً. ٢٥ كتاب البيوع القِيَاس فيما وراء هذا، والعمل بقول سيِّد البشر - عليه أفضل الصَّلاة والسلام - أولى من العمل بقول عبد الله ابن سيدنا عمر. وقولهما: ((النَّص معلولٌ بالحاجة إِلى دفع الغَبْن))، قلنا: لو كان كذلك، فالثَّلاث مدَّة صالحة لدفع الغَبْن؛ لكونها صالحةً للتأمُّل، وما وراء ذلك لا نهاية له. وأما شرط خيار مؤقَّت بالثلاث فما دونها، فليس بمفسدٍ استحساناً؛ لحديث حبَّان بن مُنْقذ؛ ولمساس الحاجة إِليه لدفع الغَبْن، والتَّدارك عند اعتراض النَّدم، وسواء كان الشَّرط للعاقد أو لغيره، بأن شرط الخيار الثالث عند أصحابنا الثَّلاثة - رحمهم الله -،، وقال زُفَر - رحمه الله -: لا يجوزُ شرط الخيار لغير الْعَاقِد. وجه قوله: أن اشتراط الخيار للعاقد، مع أنَّ القياس يأباه، ثبت بالنَّص، فبقي اشتراطه لغيره على أصْل القِيَاس. ولنا: أنَّ النَّصَّ معلولٌ بالحاجة إلى التأمل؛ لدفع الغَبْن، والنَّاس يتفاوتون في البصارة(١) بالسّلع، فمن الجائز أن يكون المشروط له الخيار أبْصَر منه، ففوض الخيار إِليه ليتأمل في ذلك، فإِن صلح أجازه، وإلاّ فسخ، وإِذا جاز هذا الشَّرط، ثبت الخيار للشروط له، وللعاقد أيضاً؛ ولما نذكر، ولكل واحدٍ منهما ولاية الإِجازة والفسخ، وسواء كان العاقد مالكاً، أو وصيّاً، أو وليّاً، أو وكيلاً - فيجوز شرط الخيار فيه لنفسه، أو لصاحبه الذي عاقده. أما الأب أو الوصيُّ؛ فلأنَّ اشتراط الخيار منهما من باب النَّظر للصَّغير فيملكانه، وأما الوكيل فلأنه يتصرَّف بأمر الموكّل، وقد أمره بالبيع والشراء مطلقاً، فيجري على إِطلاقه. وكذلك المضَارِب، أو الشريك شركة عنَان أو مفاوضة - يملك شرط الخيار؛ لما قلنا، ولو اشترى شيئاً على أنه إِن لم ينقد الثَّمن إِلى ثلاثة أيام، فلا بَيْع بينهما - فالقياس ألاَّ يجوز هذا البَيْع، وهوقول زفر - رحمه الله - وفي الاستِخسَان جائز. وجه القياس: أن هذا بيعٌ علقت إِقالته بشَرِط عدم نقد الثَّمن إِلى ثلاثة أيام، وتعليق الإقالة بالشَّرط فاسدٌ، فكان/ هذا بيعاً دخله شرط فاسد، فيكون فاسداً كسائر الأنواع التي دخلتها شُروطٌ فاسدةٌ . وجه الاستحسان: أن هذا البَيْع في معنى البَيْع بشرط الخيار؛ لوجود التعليق بشرط في كل واحدٍ منهما، وتحقُّق الحاجة المسْتَذعية للجواز، أمَّا التَّعليق؛ فإنه علّق إقالة هذا البيع وفسخه بشَرط عدَم النَّقد إلى ثلاثة أيام، وفي البيع بشَرْط الخيار، علّق انعقاده في حقِّ الحكم بشرطِ سقوطِ الخيار. ١٨٧/٣ (١) البصارة: العلم بالشيء. ٢٦ كتاب البيوع وأما الحاجة: فإنّ المشْتَري كما يحتاج إلى التأمُّل في المبيع أنه هل يوافقه أم لا؟ فالبائع يَخْتَاج إلى التأمُّل، أنه هل يصل الثَّمن إليه في الثَّلاث أم لا! وكذا المشتري يحتاج إلى التَّمل، أنه هل يقدر على النَّقد في الثَّلاث أم لا! فكان هذا بيعاً مسَّت الحاجة إلى جوازه في الجانبين جميعاً، فكان أولى بالجَوَاز من البيع بشَرْط الخيار، فورود الشّرع بالجواز هناك، يكون وروداً ههنا دلالةً . ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثَّمن إلى أربعة أيام، لم يَجُزْ عند أبي حنيفة، كما لا يجوز شرط الخيار أربعة أيام أو أكثر، بعد أن يكون معلوماً! إلا أن أبا يوسُف يقول: ههنا لا يجوز، كما قال أبو حنيفة، فأبو حنيفة مرَّ على أصله ولم يجز في الموضِعَين، ومحمد مرَّ على أصله وأجاز فيهما، وأبو يوسف فرَّق بينهما . ووجه الفرق له: أنَّ القياس يأبى الجواز في الموضِعَين جميعاً، إلا أن الجواز في شَرْط الخيار عَرَفْناه بأثر ابن عمر - رضي الله عنهما -، فبقي هذ على أصْل القياس، والله سبحانه - عز شأنه - أعلم. ويتَّصلُ بالشُّروط المفسدة ما إذا باع حيواناً، واستثنى ما في بطنه من الحمل أن البيع فاسد، لأن بيع الحمل بانفراده لا يجُوز، فكان استثناؤه بمنزلة شرط فاسدٍ، أدخل في البيع فوجب فساد البيع؛ وكذلك هذا في عقد الإِجارة، والكتابة، والرَّهن؛ بخلاف النّكاح، والخُلْع، والصُّلح، عن دم العمد، والهِبَة والصَّدقة؛ لأن استثناء الحمل في هذه العُقُود لا يبطلها . وكذلك في الإِعتاق، لما أن استثناء ما في البَطْن بمنزلة شرط فاسد، والبيع وأخواته تبطلها الشُّروط الفاسدة، فكان الشَّرط فاسداً والعقد فاسداً، فأما النّكاح ونحوه فلا تبطله الشُّروط الفاسدة، فجاز العَقْد وبَطَل الشَّرط، فيدخل في العقد الأم والولد جميعاً. وكذا في العتق؛ وكذا إذا باع حيواناً واستثنى شيئاً من أطرافه - فالبيع فاسدٌ. ولو باع صُبْرة واستَثْنِى قفيزاً منها، فالبيع جائزٌ في المستثنى منه؛ وكذا إذا باع صُبْرة واستثنى جُزْءًا شائعاً منها؛ ثُلُثَها، أو رُبْعَها، أو نحو ذلك، ولو باع قطيعاً من الغنم واستثنى شاةً منها بغير عِينها - فالبيع فاسدٌ، ولو استثنى شاةً منها بعينها، فالبيع جائز. والأصُلَ في هذا: أن من باع جُمْلة واستثنى منها شيئاً، فإن استَثْنَى ما يجوز إفراده بالبيع، فالبيع في المستَثْنى منه جائز، وإِنِ استَثْنَى ما لا يجوز إفراده بالبيع، فالبيع في المستثنى منه فاسدٌ. ولو باع الثمرة على رؤوس النَّخل، واستثنى منها صاعاً، ذكر القاضي في ((شرحه مختصر ٢٧ کتاب البيوع الطحاوي)) أنه يجوز؛ لأنه استثنى ما يجُوز إفراده بالبيع؛ فأشبه ما إذا باع جُزْءًا مشاعاً منه، من الثلث والربع؛ وكذا لو كان الثمر مجذُوذاً فباع الكُلِّ واستثنى صاعاً، يجوز؛ وأي فَرق بين المجذُوذِ وغير المجذُوذ. وذكر الطَّحاوي في مختصره أنه لا يجُوزُ، وإليه أشار محمَّد في ((الموطأ)»؛ فإنه قال: لا بأس بأن يَبيع الرَّجل ثمرة، ويستثني منها بعضها، إذا استثنى شيئاً في جملته رُبْعاً أو خُمْساً أو سُذْساً قيّد الجواز بشرط أن يكون المستثنى مشاعاً في الجملة، فلو ثبت الجواز في المعيّن، لم يكن لتَقْبيده بهذا الشَّرط معنى(١). وكذا رَوَى الحسن بن زياد؛ أنه قال: لا يجوز؛ وكذا ذكر القدوري - رحمه الله - في (مختصره))، ثم فساد العقد بما ذكرنا من الشّروط مذهب أضْحَابِنا. وقال ابن أبي ليلى: البيع جائز، والشَّرط باطلٌ،، وقال ابن شبرمة: البيع جائزٌ والشّرط جائز. والصَّحيح قولنا: لَمَا رَوَىْ أَبُو حَنِيفَة، عَنْ عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - وَّهَ ـ نَهَى عَنْ بَيْعِ وَشَرْطٍ (٢)، والنّهي يقتضي فساد المنهي، فيدل على فَسَاد كلّ بيع وشرط، إلا ما خصَّ عن عموم النصِّ؛ ولأن هذه الشّروط بعضها/ فيه منفعة زائدةٌ ترجع ٨٧/٣ب إلى العاقدين، أو إلى غيرهما، وزيادة منفعةٍ مشروطةٍ في عقد البيع تكُون رباً والرِّبا حرامٌ والبيع الذي فيه رباً فاسدٌ وبعضها فيه غررٌ؛ ((وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - وَهـ عَنْ بَيْعِ فِيهِ غَرَرٌ والمنهيُّ [عنه] فاسد، وبعضها شرط التلهّي، وأنه محظورٌ، وبعضها يغير مقتضى العَقْدَ، وهو معنى الفَسَاد؛ إذِ الفساد هو التّغيير، والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم قران الشّرط الفاسد بالعقد، وإلحاقه به، سواء عند أبي حنيفةً - رحمه الله -؛ حتى لو باع بيعاً صحيحاً، ثم ألحق به شيئاً من هذه الشُّروط المفسدة - يلتحق به، ويفسد العقد، وعندهما: لا يلتَحِق به ولا يفسد العقد، وأجمعوا على أنه لو ألحق بالعَقْد الصَّحيح شرطاً صحيحاً كالخيار الصَّحيح في البيع الباتٌ؛ ونحو ذلك - يلتحق به. وجه قولهما: أن إلحاق الشَّرط الفاسد بالعقد، يغير العَقْد من الصِّحة إلى الفَسَاد، فلا يصحُّ فبقي العقد صحيحاً كما كان؛ لأن العقد كلامٌ لا بقاء له، والالتحاق بالمعدُوم لا يجُوز، فكان ينبغي ألاَّ يصحَّ الإلحاق أصلاً، إلا أن إِلحاق الشّرط الصَّحيح بأضْلِ العقد ثبت شرعاً؛ للحاجة إليه، حتى صحَّ قرانه بالعقد، فيصحُّ إلحاقه به، فلا حاجة إلى إِلَحاق الشّرط الفاسد ليفسد العقد؛ ولهذا لم يصحَّ قرانه بالعقد. (١) في أ: فائدة. (٢) تقدم. ٢٨ کتاب البيوع ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن اعتبار التَّصرُّف على الوجه الذي أوقعه المتصرِّف واجبٌ، إذا كان هو أهلاً والمحلّ قابلاً، وقد أوقعه مفسداً للعقد، إذ الإلحاق لفَسَاد العقد، فوجب اعتباره؛ كما أوقعه فاسداً في الأصل. وقولهما: ((الإِلحاق تغيير للعقد))، قلنا: إن كان تَغْييراً، فلهما ولاية التّغيير؛ ألا ترى أن لهما ولاية التغيير بالزّيادة في الثمن، والمثمن والحطّ عن الثمن، وبإلحاق الشَّرط الصَّحيح، وإن كان تغييراً؛ ولأنهما يملكان الفَسْخَ، فالتغيير أولى؛ لأن التَّغيير تبديل الوصْف، والفسخ رفع الأصل والوصف، والله سبحانه أعلم. ومنها الرِّضا؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تَجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، ٢٩] عقيب قوله عز اسمه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء، ٢٩]. وقال - عليه السلام -: ((لاَ يَحِلُّ مَالُ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ))(١)، فلا يصحُّ بيع (١) أخرجه أحمد (٧٢/٥ - ٧٣) والدارمي (٢٤٦/٢) كتاب البيوع: باب في الربا الذي كان في الجاهلية وأبو يعلى (١٣٩/٣) رقم (١٥٧٠) والدارقطني (٢٦/٣) كتاب البيوع رقم (٩٢، ٩٣)، والبيهقي (١٠٠/٦) كتاب الغصب: باب من غصب لوحاً فأدخله في سفينة أو بنى عليه جداراً كلهم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي حرة الرقاشي عن عمه به . وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٦٨/٣) وقال: رواه أحمد وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود وضعفه ابن معين وفيه علي بن زيد وفيه كلام .. ا. هـ لكن للحديث شواهد كثيرة يرتقي بها الحديث إلى الصحة منها عن أبي حميد الساعدي. أن النبي وَّ قال: لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه. أخرجه أحمد (٤٢٥/٥) والبزار (١٣٤/٢ - كشف) رقم (١٣٧٣) وابن حبان (١١٦٦ - موارد) والطحاوي ((شرح معاني الآثار)) (٢٤١/٤) وفي ((مشكل الآثار)) (٤١/٤ - ٤٢) والبيهقي (١٠٠/٦) كتاب الغصب: باب من غصب لوحاً فأدخله في سفينة أو بنى عليه جداراً كلاهم من طريق سليمان بن بلال عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي حميد الساعدي به. قال البزار: لا نعلمه عن أبي حميد إلا من هذا الطريق وإسناده حسن وقد روي من وجوه عن غيره من الصحابة: وصححه ابن حبان. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٤/٤): رواه أحمد والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح. ومنها عن عمرو بن يثربي قال: شهدت خطبة رسول الله وسي بمنى فكان فيما خطب به أن قال ((ولا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه .... )). أخرجه أحمد (٤٢٢/٣، ١١٣/٥) والدارقطني (٢٥/٣ -٢٦) كتاب البيوع: برقم (٨٩) والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) (٢٤١/٤) وفي ((مشكل الآثار)) (٤٢/٤) والبيهقي (٦ / ٩٧) من طريق عمارة بن حارثة عن عمرو بن یثربي به . = ٢٩ كتاب البيوع المكْرة إِذا باع مكرهاً، وسلَّم مكرها؛ لعدم الرِّضا، فأما إذا باع مكرهاً وسلم طائعاً - فالبيع صحيحٌ، على ما نذكره في كتاب الإكراه، ولا يصحُّ بيع الهازل؛ لأنه متكلّم بكلام البيع لا على إدارة حقيقتِه، فلم يوجد الرِّضا بالبيع، فلا يصحُّ، بخلاف طلاق الهَازِل أنه واقع؛ لأن الفائت بالإِكْرَاه ليس إلا الرِّضا، والرِّضا ليس بشَرْط لوقوع الطلاق؛ بخلاف البيع، على أن الهَزْل في باب الطَّلاق ملحق بالجَدِّ شرعاً. قال عليه الصلاة والسلام: (ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جَدْ، وَهَزْلُهُنَّ جَدُّ: الطَّلاَقُ وَالنّكَاحُ وَالعَتَاقُ))(١) أَلحق الهازل بالجادّ فيه، ومثل هذا لم يرد في البيع. وعلى هذا يخرج بيع المنَابذَة، والملامسة، والحَصَاة، الذي كان يفعله أهل الجَاهليَّة، كان الرَّجُلان يتساوَمَان السَّلعة، فإذا أراد أحدُهما إلزام البيع نبذ السَّلعة إلى المشْتَري، فيلزم البيْعَ، رَضِيَ المشتري أم سخَط، أو لمسها المشْتَري، أو وضع عليها حَصَاةَ، فجاء الإِسْلامِ فشرط الرِّضا، وأبْطَلَ ذلك كله. وعلى هذا يخرج بيع التَّلْجِئة، وهي ما لجأ الإِنسان إليه بغير اختياره اختيار الإِيثار. وجملة الكلام فيه: أن التَّلجئة في الأصل لا تخلو إما أن تكون في نفس البَيْع، وإما أن تكون في الثَّمن، فإن كانت في نَفْس البيع، فإما أن تَكُون في إنْشَاء البيع، وإما أن تَكُون في الإقرار به، فإن كانَتْ في إنشاء البَيْع؛ بأن تواضَعُوا في السِّرِّ لأمر ألجأهم إليه، على أن يظهر البَيْع، ولا بيع بينهما حقيقة، وإنما هو رِياءٌ وسمعة؛ نحو أن يخاف رجلٌ السلطانَ، فيقول الرَّجل: إني أظهر أني بعث منك داري، وليس ببيع في الحقيقة، وإِنما هو تلْجِئة فتبايعا؛ فالبيع باطِلٌ في ظاهرِ الرّواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسُف ومحمد؛ لأنهما تكلّما بصيغة البَيْع لا على قصد الحقيقة، وهو تفسير الهَزْل، والهَزْلُ يمنع جواز البَيْع؛ لأنه يعدم الرِّضا بمباشرة السَّبب، فلم يكن هذا بيعاً منعقداً في حقِّ الحكم. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٤/٤): رواه أحمد وابنه من زياداته أيضاً والطبراني في ((الكبير)) = و((الأوسط)) ورجال أحمد ثقات ا. هـ. ومنها أيضاً عن ابن عباس: أن رسول الله ◌َّل# خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه: لا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسه. أخرجه الدارقطني (٢٥/٣) كتاب البيوع رقم (٨٧) والبيهقي (٩٧/٦) كتاب الغصب: باب لا يملك أحد بالجناية شيئاً من طريق ثور بن يزيد الأيلي عن عكرمة عن ابن عباس به. (١) تقدم. ٣٠ كتاب البيوع وروى أبو يوسف، عن أبي حنيفة؛ أن البيع جائزٌ؛ لأن ما شرطاه في السِّر لم يذكراه في العَقْد، وإِنما عَقَدا عقداً صحيحاً، بشرائطه، فلا يؤثر فيه ما تقدَّم من الشَّرط؛ كما إذا اتَّفقا على ١٨٨/٣ أن يشترطا شرطاً فاسداً عند البيع، ثم باعا/ من غير شَرْط. والجواب: أنَّ الحُكم ببطلان هذا البيع لكان الضرورة، فلوا اعتبرنا وجودَ الشَّرط عند البيع، لا تندفع الضَّرورة، ولو أجاز أحَدُهما دون الآخر، لم يجز، وإن أجَازَاه، جاز؛ كذا ذكر محمَّد؛ لأن الشَّرط السابق وهو المواضعة منَعتِ انعقاد العقد في حقْ الحكم، بمنزلة شَرْط خيار المتبايعين، فلا يصِحُّ إلا بتراضِيهمَا ولا يملكه المشْتَري بالقبض، حتى لو كان المشْتَري عبداً، فقبضه وأعتقه لا ينفذ إعتاقه، بخلاف المُكْره على البيع والتَّسليم، إذا باع وسلّم، فأعتقه المشْتَري؛ أنه ينفذ إِعتاقه؛ لأن بيع المُكْره انعقد سبباً للحكم؛ لوجود الرِّضا بمباشرة السَّبب عقلاً؛ لما فيه من صيانة نفسه عنِ الهَلاك، فانعقد السَّبب، إِلاّ أنه فسد لانعدام الرِّضا طبعاً، فتأخر الملك فيه إِلى وقت القَبْض، أما ههنا فلم يوجد الرِّضا بمباشرة السبب في الجانبين أصلاً، فلم ينعقد السَّبب في حق الحكم، فتوقّف على أحدهما فأشبه البيع بشَرْط خيار المتبايعين. هذا إذا كانت التَّلْجئة في إنشاء البيع؛ فأمَّا إذا كانت في الإِقرار به، فإنِ اتَّفقا على أن يقرًّا ببيع لم يكن، فأقرّا بذلك، ثم اتَّفقا على أنه لم يكن - فالبيع باطلٌ، حتى لا يجوز بإجازتهما؛ لأن الإقرار إِخبار، وصحَّة الإِخبار بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار، فإن كان ثابتاً، كان الإخبار صدقاً، وإلا فيكون كذباً، والمخبر به ههنا وهو البَيْع ليس بثابتٍ، فلا يحتمل الإجازة؛ لأَنَّها تلحق الموجود لا المغذُوم. هذا كله إذا كانت التَّلجئة في نفس البيع، إنشاءً كان أو إقراراً؛ فأما إذا كانت في الثّمن، فهذا أيضاً لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كانت في قَدْر الثمن، وإِما إن كانت في جِنْسه، فإن كانت في قذْره؛ بأن تواضعا في السِّر والباطن على أن يكون الثّمن ألفاً، ويتبايعان في الظَّاهر بألفين، فإن لم يقُولا عند المواضَعَة: ألف منهما رياءً وسمعة، فالثمن ما تعاقدا عليه؛ لأن الثّمن اسم للمذكور عند العقد، والمذْكُور عند العقد ألفان؛ فإن لم يذكر أن أحدَهُما رياءً وسمعة، صحَّت تسمية الألفين؛ وإن قالا عند المواضعة: ألف منهما رياءً وسمعة، فالثَّمن ثمن السر، والزيادة باطِلَة في ظاهر الرّواية عند أبي حنيفة؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد. وروي عن أبي يوسف(١): إن الثمن ثمن العلانية. (١) في أ: حنيفة. ٣١ كتاب البيوع وجه هذه الرواية: أن الثَّمن هو المذكور في العَقْد، والألفان مذُكُوران في العَقْد، وما ذَكَرا في المواضَعَة لم يذكراه في العَقْد، فلا يعتبر . وجهُ ظاهر الرّواية: أن ما تواضَعًا عليه في السِّر، هو ما تعاقَدًا عليه في العلانية، إلا أنهما زادًا عليه ألفاً أخرى، والمواضعة السَّابقة أبطلت الزيادة؛ لأنهما في هزلانهما حيث لم يقصداهَا، فلم يصحَّ ذكر الزّيادة في البيع، فيبقى البيع بما تواضّعا عليه وهو الألف؛ وإن كانت في جنسه؛ بأنِ اتَّفقا في السِّر على أن الثَّمن ألفُ درهم، لكنهما يظهرا أن البيعَ بمائة دينار، فإن لم يقولا في المواضعة: أن ثمن العلانية رياء وسمعة، فالثَّمن ما تعاقدا عليه؛ لما قلنا؛ وإن قالا ذلك، فالقياس أن يبطل العقد، وفي الاسْتِحسَان يصحُ بمائة دينار. وجه القياس: أن ثمن السر لم يذكراه في العَقْد، وثمن العلانية لم يقصداه، فقد هَزلاً به، فسقط وبقي بيعاً بلا ثمن؛ فلا يصحُّ. وجه الاستحسان: أنهما لم يقصدا بيعاً باطلاً، بل بيعاً صحيحاً، فيجب حمله على الصّحةِ ما أمكن، ولا يمكن حَمْله على الصِّحة إلا بثمن العلانية، فكأنهما انصرفا عمّا شرطاه في الباطن، فتعلّق الحكم بالظاهر؛ كما لو اتَّفقا على أن يبيعاه بيع تَلْجِئة، فتواهبا بخلاف الألف والألفين؛ لأن الثّمن المذكور المشروط في السِّر مذكورٌ في العقد وزيادة، فتعلَّق العقد به. هذا إذا تواضعا في السّر ولم يتعاقَدًا في السّر؛ فأما إذا تعاقدا في السِّر بثمن، ثم تواضَعًا على أن يُظْهِرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخَر؛ فإن لم يقولا: أنَّ العقد الثَّاني رياء وسمعة - فالعقد الثّاني يرفع العَقْد الأول، والثمن هو المذكور في العقد الثاني؛ لأن البيع يختَمل الفَسْخ والإِقالة، فشروعهما في العَقْد الثَّاني إِنْطَال للأول، فبَطَل الأول وانعقد الثاني بما سمّى عنده. وإِن قالا: رياء وسمعةً؛ فإن كان الثّمن من جنس آخر، فالعقد هو العَقْد الأوَّل؛ لأنهما لم يذكرا الرِّياء والسُّمعة، فقد أبطلا المسمَّى في العقد الثَّاني، فلم يصحّ العقد [الثاني](١) فبقي العَقْد الأول؛ وإن كان من جِئْس الأول، فالعقد/ هو العقد الثَّاني؛ لأن البيع يحتمل الفَسْخ، ٨٨/٣ب فكان العقد هو العقد الثّاني، لكن بالثّمن الأول، والزيادة باطلةٌ؛ لأنهما أبطلاها حيثْ هَزَلا بها . هذا إذا تواضعا وانَّفقا في التَّلْجئة في البيع، فَتَبايعا وهما متَّفقان على ما تواضَعًا؛ فأما إِذا اختلفا: فادعى أحدهما التَّلجئة، وأنكر الآخر، وزعم أنَّ البيع بيعُ رغبة - فالقول قول مُنْكر الثّلجئة؛ لأن الظَّاهر شاهد له، فكان القول قوله مع يَمِينه، على ما يدَّعيه صاحبُه من التَّلْجئة إِذا طلب الثّمن. (١) سقط من ط . ٣٢ كتاب البيوع وإن أقام المدَّعي البيّنة على التَّلجئة، تقبل بيِّنته لأَنَه أثبتَ الشَّرط بالبينة، فتقبل بينته؛ كما لو أثبت الخيار بالبيِّنة، ثم هذا التَّفريع على ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأنه يعتبر العقد الظَّاهر، فلا يلتفت إلى هذه الدعوى؛ لأنها وإن صحَّت لا تؤثّر في البيع الظّاهر. وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) الخِلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه؛ فقال: على قول أبي حنيفة، القَول قول من يدَّعي جواز البيع (١)؛ وعلى قولهما، القول قول من يدَّعي التَّلْجئة، والعقد فاسد. ولو اتَّفقا على التَّلجئة، ثم قالا عند البيع: كُلُّ شرطٍ كان بيننا فهو باطلٌ - تبطل التَّلجئة، ويجوز البيع؛ لأنه شرط فاسدٌ زائد، فاحتمل السُّقوط بالإِسْقَاط، ومتى سقط، صار العقد جائزاً إلا إذا اتّفقا عند المواضعة، وقالا: إِن ما نقوله عند البيع: أن كلَّ شرط بينَنَا فهو باطل؛ فذلك القول منَّا باطلٌ؛ فإذا قالا ذلك، لا يجُوز العقد؛ لأنهما اتَّفقا على أن ما يبطلانه من الشَّرط عند العقد باطلٌ، إِلا إِذا حكيا في العلانية ما قالا في السِّر؛ فقالا: إِنا شرَطْنا كذا وكذا، وقد أبطلنا ذلك، ثم تبايعا - فيجوز البيع،، ثم كما لا يجوزُ بيع التَّلجئة لا يجوز الإِقرار بالتَّلجئة؛ بأن يقول لآخر: إِني أقرّ لك في العلانية بمَالي أو بداري، وتواضعاً على فساد الإِقرار - لا يصحُ إقراره، حتى لا يملكه المقرّ له، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأمَّا الذِي يخصُّ بعضُ البَيَاعاتِ دُونَ بَعْضٍ، فأنواع أيضاً: منها: أن يكون الأجل معلوماً في بيع فيه أجل؛ فإن كان مجهولاً، يفسد البيع؛ سواء كانت الجهالة متفاحشة؛ كهبوب الرِّيح، ومطّر السماء، وقدوم فلان، وموته، والميسرة، ونحو ذلك؛ أو متقاربة، كالحصاد، والدِياس، والنيروز، والمهرجان، وقدوم الحاج، وخروجهم، والجذاذٍ والجزار، والقطّاف، والميلاد وصَوْم النَّصارى، وفطرهم قبل دخولهم في صومهم، ونحو ذلك؛ لأن الأوَّل فيه غَرَرُ الوجود والعدم. والنَّوعُ الثَّاني: مما يتقدَّم ويتأخر، فيؤدِّي إلى المنازعة، فيوجِبُ فساد البيع، ولو باع العَيْن بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة مُتقاربة، ثم أبطل المشْتَري الأجل قبل محلّه، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجلِ الفَسَاد - جاز العَقْد عند أصْحَابنا الثَّلاثة، وعند زفر: لا يجوز، ولو لم يبطل حتى حَلَّ الأجَلَ، وأخذ النَّاس في الحصاد، ثم أبطل - لا يجُوز العقد بالإِجْمَاع. وإن كانت الجهالة مُتَفاحشة، فأبطل المشتري الأَجَل قبل الافتراق ونقد الثمن - جاز البيع عِنْدنا، وعند زفر: لا يجُوز؛ ولو افترقا قبل الإِبطال، لا يجوز بالإجماع، وعلى هذا؛ إذا باع (١) في أ: العقد. ٣٣ كتاب البيوع بشَرْط الخيار، ولم يوقّت للخيار وقتاً معلوماً؛ بأن قال: أبداً، أو أياماً، أو لم يذكر الوَقْت حتى - فَسَد البيع بالإجْمَاعِ. ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل مُضِيٍّ ثلاثة أيام، قبل أن يفْسخ العقد بينهما - جاز البيع عندنا؛ خلافاً لـ ((زفر)) - رحمه الله -؛ وإن أبطل بعد مُضِيِّ الأيام الثَّلاثة لا يجوز العَقْد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وزفر. وعند أبي يوسف ومحمَّد يجوز، وإن وقَّت وقتاً معلوماً؛ بأن قال: أربعة أيام، أو شهراً، فأبطل الخيار قبل مُضِيٍّ ثلاثة أيام، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد - جاز عندنا، وعند زفر: لا يجُوز، وعندهما: هذا الخيار جائزٌ؛ ولو مضت الأيام الثَّلاثة، ثم أبطل صاحِبُ الخيار خِيَاره - لا يجُوز البيع بالإِجْمَاع. وعلى هذا، لو عقدا عقد السَّلم بشرط الخيار، حتى فسد السَّلم، ثم إن صاحب الخيار أبطل خِيَاره قبل الافتراق - جاز السّلم عندنا؛ إذا كان رأس المال قائماً في يده؛ ولو افترقا قبل الإبطال، ثم أبطل - لا يجوز بالإجماع. وعلى هذا، إذ اشترى ثوباً برقمه، ولم يعلم المشتري رقمه حتى فسد البيع، ثم علم رقمه؛ فإن علم قبل الافتراق واختار البيع - جاز البيعُ عندنا، وعند زفر: لا يجُوز،، وإِن كان بعد الافتراق،/ لا يجُوز بالإجماع. والأصلِ عند زفر: أن البيع إِذا انعقد على الفَسَاد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد، والأصل عندنا أنه ينْظُر إِلى الفساد، فإن كان قويّاً؛ بأن دخل في صُلْب العقد، وهو البدل أو المبدل - لا يحتمل الجواز برفع المفسد؛ كما قال زفر: إِذا باع عبداً بألف درهم ورطل من خمر، فحطّ الخمر عن المشْتَري،، وإن كان ضعيفاً لم يدْخُل في صلب العَقْد، بل في شرط زائد(١) - يحتمل الجواز برفع المفْسد؛ كما في البيع بشَرْط خيار لم يوقّت، أو وقّت إلى وقت مجهول؛ كالحصاد والدِّياس، أو لم يذكر الوقت، وكما في بيع الدَّين بالدَّين إِلى أجل مجهول على ما ذكرنا. ثم اختلف مشايخنا في العِبَارة عن هذا العَقْد، قال مشايخ العراق: أنه انعقد فاسداً، لكن فساداً غير متقرّر؛ فإن أبطل الشَّرط قبل تقرره، بأن لم يدخل وقت الحَصَاد، أو اليوم الرابع - ينقلب إلى الجواز؛ وإن لم يبطل حتى دخل، تقرَّر الفساد، وهو قول بعض مشايخنا بما وراء النهر . (١) في ط: جائز. بدائع الصنائع ج٧ - ٣٢ ٣٤ كتاب البيوع وقال مشايخ خراسان، وبعض مشايخنا بما وراء النهر: العقد موقُوفٌ إِن أسقط الشّرط قبل وقت الحَصَاد واليوم الرابع، تبين أنه كان جائزاً من الأصل؛ وإِن لم يسقط حتى دَخْل اليوم الرابع، أو أوانُ الحصاد - تبين أنه وقع فاسداً من حين وجُوده. وذكر عن الحسن بن زياد - رحمه الله - أنه قال: قال أبو حَنِيفة: لو أن رجلاً اشترى عبداً على أنه بالخيار أكْثَر من ثلاثة أيَّام - فالبيع موقوفٌ؛ فإِن قال المشتري قبل مُضِيِّ الثلاث: أنا أبطل خِيَاري، واستوجب المبيع قبل أن يقول البائع شيئاً - كان له ذلك، وتمَّ البيع وعليه الثمن، ولم يكن للبائع أن يبطل البيع، وإن قال البائع: قد أبطلت البيع، قبل أن يبطل المشتري خياره - بَطَل البيع، ولم يكن للمشتري أن يستَوْجبه بعد ذلك، وأن يبطل خياره؛ فقد نصّ على التوقف وفسَّره؛ حيث جعل للبائع حق الفَسْخ قبل إِجازة المشتري، وهذا أمارة البيع الموقوف: أن يكون لكل واحدٍ من العاقدين حق الفسخ. وجه قول زفر: أن هذا بيعٌ انعقد بوصف الفَسَاد من حين وجوده، فلا يتصوّر أن ينقلبَ جائزاً؛ لما فيه من الاستحالة؛ ولهذا لم ينْقَلِب إِلى الجواز إِذا دخل اليوم الرابع، أو وقت الحصاد والدیاس. ولنا طريقان : أحدهما: أن هذا العقد مؤْقُوف للحَالِ، لا يوصَفُ بالفساد ولا بالصّحة؛ لأن الشَّرط المذكور يحتمل أن يكون مفسداً حقيقة، ويحتمل ألاَّ يكون؛ فإذا سقط قبل دخولٍ أوان الحَضَاد واليوم الرابع، تبين أنه ليس بمفسد؛ لأنه تبين أنه ما شرط الأجل والخيار إِلاّ إِلى هذا الوقت، فتبين أن العقد وقع صحيحاً، مفيداً للملك بنفسه، من حين وجوده؛ كما لو أسقط الأجل الصَّحيح والخيار الصَّحيح، وهو خيار ثلاثة أيام بعد مضِيٍّ يوم، وإِن لم يسقط حتى مضت الأيام الثَّلاثة، ودخل وقت(١) الحصاد - تبين أن الشَّرط كان إِلى هذا الوقت، وأنه شرط مفسد. والثاني: أن العقد في نفسه مشروعٌ لا يحتمل الفَسَاد على ما عرف؛ وكذا أصل الأجل والخيار؛ لأنه ملائم للعقد، وأنه يوصف العقد بالفَسَاد للحال لا لعينه، بل لمعنىّ مجاور له زائد عليه، وعلى أصل الأجل والخيار، وهو الجهالة وزيادة الخِيَار على المدَّة المشروعة؛ فإن سقط قبل دُخُول وقت الحَصَاد أو اليوم الرَّابع، فقد أسقط المفْسد قبل تقرُّره، فزال الفساد، فبقي العقد مشروعاً؛ كما كان من غير وضف الفساد، وإِذا دخل الوقت فقد تقرَّر المفسد، فتقرر الفساد، والفساد بعد تقرُّره لا يحتمل الزَّوال. (١) سقط من ط. ٣٥ كتاب البيوع وقوله: ((العقد ما وَقَع فاسداً من حين وجودِه))، قلنا: على الطَّريق الأول ممنوع، بل هو موقوفٌ، وعلى الطريق الثّاني مسلَّم، لكن لا لعينه بل لغيره، وهو الشّرط المجاور المفسد، وقد أسقط المفْسد قبل تقرُّره، فزال الفساد الثّابت لمعنى في غيره، فبقي مشروعاً، والله سبحانه وتعالى الموفّق. ولو باع بثَمَن حال، ثم أخّر إلى الآجال المتَقَاربة - جاز التَّأخير، ولو أخّر إِلى الآجال المتفاحشة، لم يجز، والدَّيْن على حَالِهِ حَالٌ، فَرْقٌ بين التَّأجيل والتأخير؛ لم يجوّز التّأجيل إِلى هذه الآجال أصلاً، وجوّز التَّأخير إلى المتقارب منها. ووجه الفرق: أن التَّأجيل في العقد جعل الأجل شرطاً في / العقد، وجهالة الأجل ٨٩/٣ب المشروط في العقد - وإن كانت متقاربة - تُوجب فَسَاد العقد؛ لأنها تفضي إلى المنَازَعة؛ فأما التَّأخير إلى الآجال المجُهُولة جهالة متقاربة - فلا تُفْضي إِلى المنازعة؛ لأن النَّاس يؤخّرون الدَّيون إلى هذه الآجال عادةً، ومبنى التَّأخير على المسامحة، فالظاهر أنهم يسامحون ولا ينازعون، وما جرت العادة منهم بالتأخير إلى آجال تفحش جهالتها بخلاف التأجيل؛ لأن ما جعل شرطاً في البيع مبناه على المضَايفة، فالجهالة فيها - وإِن قلت - تُفْضي إِلى المنازعة؛ ولهذا لا يجُوز البيع إِلى الآجال المتقاربة، وجازت الكَفَالة إليها؛ لأن مبنى الكفالة على المسَامَحة؛ فإنَّ المكفول له لا يضيِّق الأمر على الكفيل عادةً؛ لأن له سبيل الوصُول إِلى الدين من جهة الأصيل، فالتَّأجيل إليها لا يفضي (١) إِلى المنَازَعة، بخلاف البيع؛ فإن الجَهَالة في باب البيع مفضية إلى المنازَعة، فكانت مفسدةً للبيع. ولو اشترى عيناً بثمن دين، على أن يسلّم إليه الثَّمن في مصر آخر، فهذا لا يخلو إمّا أن يكون الثمن مما لا حمل له ولا مُؤْنة، وإما أن يكون ممَّا له حمل ومُؤْنة، وعلى كل ذلك، لا يخلو من أَنْ ضرب له الأجل أو لم يضرب، فإِن لم يضرِب له الأجل، فالبيع فاسدٌ، سواء كان الثّمن له حمل ومُؤنة أو لم يكن؛ لأنَّه إذا لم يضرب له الأجل، كان شرط التَّسليم في موضعٍ على سبيل التَّجيل، وأنه أجل مجهول فيوجِبُ فساد العقد. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أن الثّمن إذا كان لا حمل له ولا مُؤْنة، فالبيع جائز؛ لأنَّ شرط التَّأجيل في مكان آخر ليس بتأجيل حقيقة، بل هو تخصيصُ التَّسليم بمكانٍ آخر، فيجوز البيع، ويجبر المشْتَري على تسليم الثَّمن في أي موضعٍ طالبه. وإن ضرب(٢) له أَجَلاً على أن يسلم إليه الثَّمن بعد محلٌ الأجل في مصرٍ آخر، فإِن كان الأجل مقدار ما لا يمكن الوصُول إِلى الموضع المشْرُوط في قدر تلك المدة - فالبيع فاسدٌ (١) في أ: يؤدي. (٢) في أ: طلب. ٣٦ كتاب البيوع أيضاً؛ لأنه إذا كان لا يمكن الوصُول فيه إِلى الموضِع المشْرُوط - صار كأن لم يضرب [له أجلاً(١) وإن كان ضرب أجلاً يمكن الوصول فيه إلى المكان المشروط فالبيع صحيح، والتأجيل صحيحٌ؛ لأنه إذا ضرب له أجلاً يمكن الوصول فيه إلى ذلك المكان، علم أن شرط التَّسْليم في ذلك المكان لم يكن على سَبيل التَّأجيل، بل على تَخْصيص ذلك المكان بالتَّسليم فيه؛ فإذا حل الأجَلَ وطالَبه البائع بالثمن في غير المكان المشروط، ينظر إِن كان الثَّمن ممَّا ليس له حمل ولا مُؤْنة - يجبر المشتري على تَسْليمه في أي موضع طالبه البائع بعد حلٌ الأَجل، وإن كان الثَّمن له حمل ومؤنة، لا يجبر على تَسْليمه إِلا في الموضع المشروط. وكذلك لو أراد المشتري أن يسلمه في غير المكان المشروط، وأَبَى البائع ذلك إِلا في الموضع المشروط - فهو على هذا التفصيل، ولو كان الثَّمن عيناً، فشرط تسليمه في مصر آخر - فالبيع فاسد، سواءٌ شرط الأجل أو لم يشرط؛ لأن فيه غرراً، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها القَبْض في بيع المشتري المنقول فلا يصحُ بيعه قبل القبض؛ لما رُويّ؛ ((أَنَّ النَّبيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَض))(٢)، والنّهي يوجب فساد المنهي (٣)؛ ولأنه (١) سقط من ط . (٢) أخرجه أبو داود (٨٦٨/٣ - ٨٦٩) كتاب البيوع: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده حديث (٣٥٠٣) والترمذي (٥٣٤/٣) كتاب البيوع: باب كراهية بيع ما ليس عندك حديث (١٢٣٢) والنسائي (٢٨٩/٧) كتاب البيوع: باب بيع ما ليس عند البائع وابن ماجه (٧٣٧/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع ما ليس عندك حديث (٢١٨٧) وأحمد (٤٠٢/٣، ٤٣٤) وابن الجارود رقم (٦٠٢) والبيهقي (٣١٧/٥) كتاب البيوع: باب ما ورد من كراهية التبايع بالعينة، والطبراني في ((الصغير)) (٤/٢) من حديث حكيم بن حزام. (٣) قال الإِمَامُ الغَزَالِيُّ في ((المستصفى)): ((اخْتَلَفُوا في أن النَّهْيَ عن البَيْعِ، والنّكَاحِ، والتصرفات المُفِيدَةِ للأحكام هل يَقْتَضِي فَسَادَهَا؟ فذهب جَمَاهِيرُ العلماء إلى أنه إن كان نَهْياً عنه لِعَيْنِهِ دَلَّ على الفَسَادِ، وإن كان لغيره فلا، قال: والمُخْتَارُ أنه لا يقتضي الفَسَادَ، وبَيَانُهُ أَنَّا نعني بالفَسَادِ تخلف الأَخْكَامِ عنها، وخُرُوجَهَا عن كونها أَسْبَاباً مفيدة للأحكام. ولو صرح الشارع وقال: حرمت عليك اسْتِيلادَ جَارِيَةِ الابن، ونّهَيْتُكَ عنه لعينه، لكن إن فعلت ملكت الجارية، ونَهَيْتُكَ عن الطَّلاقِ في الحَيْضِ لِعَيْنِهِ، لكن إن فَعَلْتَ بانتِ زَوْجَتُكَ، ونهيتك عن إزّالَةِ النَّجَاسَةِ عن الثوب بالمَاءِ المَغْصُوبِ، لكن إن فعلت طَهُرَ الثوب، ونَهَيْتُكَ عن ذَبْح شاة الغَيْرِ بسكينِ الغَيْرِ من غير إِذْنٍ، لكن إِن فعلتِ حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ، فشيء من هذا ليس يَمْتَنِعُ، ولا يتناقض بخلاف قوله: حَرَّمْتُ عليك الطَّلاقَ، وأَمَرْتُكَ به، أو أبَحْتُهُ لك، وحرمت عليك الاسْتِيلادَ لِجَارِيَةِ الابن، وَأوْجَبْتُه عليك؛ فإن ذلك مُتَنَاقِضٌ لا يعقل؛ لأن التحريم يُضَادُّ الإِيجَابَ، ولا يضاده كَوْنُ المحرم مَنْصُوباً عِلَّةً لحصول الملك وسائر الأحكام؛ إذ يَتَنَاقَضُ أن يقول: حرمت الرِّبَا، وأبحته، ولا يَتَنَاقَضُ أن يقول: حرمت الرِّبًا، = ٣٧ كتاب البيوع .. وجعلت الفِعْلَ الحَرَامَ لعينه سَبَباً لحُصُولِ المِلْكِ في العوضين؛ فإن شَرْطَ التحريم التَّعَرُّضُ لِعقَابِ الآخرة = فقط دون تَخَلُّفِ الثمرات، والأحكام عنه. فإذا تحقق هذا، فقوله: ((لا تبع، ولا تُطَلُقْ، ولا تنكح)) لو دَلَّ على تَخَلُّفِ الأحكام وهو المُرَادُ بِالفَسَادِ، فلا يخلو إما أن يَدُلُّ من حَيْثُ اللُّغَةُ، أو من حيث الشَّرْعُ، ومحال أن يَدُلَّ من حيث اللغة؛ لأن العَرَبَ قد تَنْهَى عن الطَّاعَاتِ، وعن الأَسْبَابِ المشروعة، وتعتقد ذلك نَهْياً حَقِيقِياً دَالاً على أن المَنْهِيَّ عنه ينبغي ألا يُوجَدَ، أما الأَحْكَامُ، فإنها شَرْعِيَّةٌ لا يناسبها اللَّفْظُ، من حيث وضع اللسان؛ إذ يعقل أن يَقُول العربي: هذا العَقْدُ الذي يفيد الملك والأحكام إياك أن تَفْعَلَهُ، وتقدم عليه؛ ولو صرح به الشَّارِعُ أيضاً لكان منتظماً مفهوماً، أما من حَيْثُ الشرع، فلو قام دَلِيلٌ يدل على أن النَّهيَ للإفساد، ونقل ذلك عن النبي - زَّل ـ صَرِيحاً، لكان ذلك من جهة الشَّرْع تَصَرُّفاً في اللغة بالتَّغْيِيرِ، أو كان صِيغَة النهي من جهته منصوبة علامة على الفَسَادِ، ويجب قَبُولُ ذلك، وَلَكن الشأن في إِثْبَاتِ هذه الحجة ونقلها ... )). ثم ذكر الغزالي حُجَجَ الذين قالوا بأن النَّهي يَدُلُّ على البُطْلانِ، وحجج القائلين بأنه يدل على الصحة، ثم قال: ((فإن قيل: فإذا اخترتم أن النَّهْيَ لا يَدُلَّ على الصحة، ولا على الفساد في أسْبَابِ المعاملات، فما قَوْلُكُمْ في النهي عن العبادات؟ قلنا: قد بَيِّنًا أن النهي يُضَادُّ كون المنهي عنه قُرْبَةً وطاعة؛ لأن الطَّاعَةَ عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي متضادان، فَعَلَى هَذَا صَوْمُ يوم النحر لا يكون منعقداً إن أُرِيدَ بانعقاده كَوْنُهُ طَاعَةً، وقربة، وامتثالاً؛ لأن النهي يضاده، وإذا لم يكن قُرْبة لم يلزم بالنَّذْرِ؛ إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بِقُرْبَةٍ . نعم، لو أمكن صرف النهي عن عَيْنِ الصوم إلى تركُ إِجَابَةِ دَعْوَةِ الله تعالى؛ فذلك لا يمنع انعقاده، ولكن ذلك أيضاً فاسد .... وإن قيل: فقد حمل بَعْض المَنَاهِي في الشرع عَلَى الفَسَادِ دون البعض، فما الفصل؟ قلنا: النهي لا يَدُلُّ على الفَسَادِ، وإنما يُعْرَفُ فَسَادُ العَقْدِ والعبادة بفوات شرطه، أو ركنه، ويعرف الفوات إما بالإِجْمَاعِ؛ كالطهارة في الصلاة، وستر العورة، واستقبال القِبْلَةِ، وإما بالنص - وإما بصيغة النَّفْي؛ كقوله: ((لاَ صَلاةَ إلا بِطَهُورٍ))، و((لا نكاح إلا بِشُهُودٍ))، فذلك ظاهر في النفي عند عَدَم الشرط - وإما بالقِيَاسِ على مَنْصُوصٍ، فكل نهي يَتَضَمَّنُ ارتكابه الإخلال بالشرط، لا مِنْ حَيْثُ النهي، وَشرط المبيع أن يكون مالاً مُتَقوِّماً، مقدوراً على تسليمه، معيناً، أما كونه مرئياً، ففي اشتراطه خلاف، وشرط الثمن أن يكون مَالاً مَعْلُومَ القَدْرِ، والجنس؛ وليس من شَرْطِ النكاح الصَّدَاقُ؛ فلذلك لم يَفْسَدْ بكون النّكَاحِ على خَمْرٍ، أو خِنْزِيرٍ، أو مَغْصُوبٍ، وإن كان منهياً عنه، ولا فَرْقَ بين الطلاق السُّنِّ والبدعي في شرط النفوذ، وإن اختلفا في التحريم. فإن قيل: فلو قال قائل: كل نَهْىٍ رَجَعَ إلى عَيْنِ الشيء فَهُوَ دَلِيلُ الفَسَادِ، دون ما يرجع إلى غيره، فهل صح؟ قلنا: لا؛ لأنه لا فَرْقَ بين الطَّلاقِ في حال الحَيْضِ والصلاة في الدَّار المغصوبة، وبين الصلاة في حال الحيض؛ لأنه إن أمكن أن يقال: ليس مَنْهياً عن الطلاق لعينه، ولا عن الصَّلاة في الدار لعينها؛ بل لوقوعه في حال الحيض، ولوقوعها في الدار المغصوبة - أمكن تَقْدِيرُ مثله في الصلاة في حال الحَيْضِ، فلا اعتماد إلا على فوات الشَّرْطِ، ويعرف الشرط بدليل يدل عليه وعلى ارتباط الصَّحَّةِ به، ولا يعرف بمجرد النهي فإنه لا يَدُلُّ عليه وَضْعاً ولا شرعاً ... انتهى. = ٣٨ كتاب البيوع وعقب على ذلك أُستاذنا عبد المجيد محمد عَبْد الله، فقال: ويُسْتَفَادُ فيه أنه يرى أن النهي عن المُعَامَلاتِ = لا يَدُلُّ على بُطْلانِهَا لُغَةً؛ لأن اللغة لا شأن لها بالصحة والبطلان؛ إذ هما شَرْعِيَّانِ، ولا شَرْعاً؛ لأنه لم يَقُمْ دَلِيلٌ شرعي على أن النهي للإفساد، ويرى أن العبادة إما أن يُلاحَظَ في صحتها كَوْنُهَا قُرْبَةً، وطاعة وَامْتِثَالاً، وسبباً للثواب، أي: أن يعتبر توصيلها إلى المَقْصُودِ الأخروي منها، وإما أن يُلاحَظَ في صحتها كَوْنُهَا مسقطة للقضاء، مفرغة للذمة؛ بأن يعتبر تَوْصِيلُهَا إلى المَقْصُودِ الدنيوي منها. فإن لُوحِظَ المعنى الأَوَّلُ، وَلَّ النهي على بطلانها إن كان النَّهيُ مطلقاً أو لِلذَّاتِ أو للوصف؛ لأن الطَّاعَةَ عِبَارةٌ عما يوافق الأَمْرَ، والأمر والنهي مُتَضَادَّانِ، فلا يجتمعان في تصرف واحد، فعلى هذا لا ينعقد صوم يوم النحر إن أريد بانعقاده كونه طاعة، وقربة، وامْتِثَالاً؛ لأن النَّهْيَ يُضَاده، وإذا لم يكن قربة لم يلزم النَّذْرُ؛ إذ لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ الله تعالى، ومثله نذر الصَّلاة في الأوقات المكروهة، أو في مكان الغصب. وإن لُوحِظَ الأَمْرُ الثاني - وهو اسْتِثْبَاعُهَا لثمراتها الدُّنيوية المَقْصُودَةِ من إِسْقَاطِ القَضَاءِ، وإفراغ الذِّمَّةِ - فلا دَلاَلَةَ للنهي على فَسَادِهَا حينئذ، إنما يعرف فَسَادُ العِبَادَةِ - والحالة هذه - بِفَقْدٍ شَرْطٍ أو ركن، كما يعرف فساد العقد، ويعرف الشّرْطُ بِدَلِيلٍ يَدُلّ عليه. ومما يؤيد تَفْرِيقَهُ بين المُلاحَظَتَيْنِ في صحة العِبَادَةِ أنه قال: ((لا يستحيل أن ينهى الشَّارِعُ عن الصلاة في الدار المَغْصُوبَةِ، وتنصب سبَّاً لَبراءة الذُمَّة، وسقوط الفرض))، وقال أيضاً: ((لا شَكَّ في أن المحرم لا يقع طاعة، أما ألا يَكُونَ سَبَاً للحكم فلا، فإن الاسْتِيلادِ والطَّلاقَ، وَذَبْح شَاةِ الغَيْرِ ليس عليه أمرنا، فهو مُحَرَّمٌ، ثم هو ليس مَرْدُوداً بهذا المعنى، بل ترتبت عليه الأحكام)) انتهى. ومقتضى هذا أنه لَوْ نَذَرَ صَوْماً مُطْلَقاً، وصامه في يَوْم عِيدٍ، أو صَلاةً مطلقة وصلاها في وقت كَرَاهَةٍ، أو قضى فَائِتَةً عليه في هذا اليَوْمِ، أو في هذه الأوقات؛ فإن ذلك يبرىء ذِمَّتَهُ، ويسقط عنه القَضَاءَ؛ بل لأن النَّهْيَ لم يبطله ما لم يقم دليل يَدُلُّ على أن من شَرْطِ صِحَّة الصَّوْمِ ألا يكون في يَوْمٍ عِيدٍ، ومن شرط صحة الصلاة ألا تكون في الوقت المكروه. وبالجملة فهو يَرَى أن النَّهْيَ سواء أكان مُطْلفاً أم لذات التصرف، أم لوصفه - لا يدل على البطلان في المُعَامَلاَتِ، ولا في العِبَادَاتِ إن قصد من بُطْلانِهَا عدم توصيلها إلى ثمراتها الدنيوية؛ لأنه لا تَنَاقُضَ بين مُوجَبِ النهي من الحُزْمَةِ، ومُوجَبِ المشروعية من تَرَتُّبِ الأحكام المَقْصُودَة من التصرف، فالمُعَوَّلُ عليه في البطلان إنما هو فَقْدُ الشرط، أو الركن، ويعرف الشَّرْطُ، أو الركن بدليل يَدُلُّ عليه، وعلى ارتباط الصِّحَّةِ بِهِ، ولا يُعْرَفُ بمجرد النهي؛ فإنه لا يَدُلُّ عليه لُغَةً، ولا شرعاً. وكما يرى الغزالي أن النَّهْيَ لا يَدُلُّ على البُطْلانِ، يرى أنه لا يَدُلُّ على الصحة والمشروعية؛ فإن الأَمْرَ بمجرده لا يَدُلُّ على الإِجْزَاءِ والصحة، فكيف يدل عليه النهي؟ بل الأمر والنهي يَدلانِ على اقْتِضَاءِ الفعل، واقتضاء الترك فقط، أو على الوُجُوبِ، والتحريم فقط. أما ثُبُوتُ الإِجْزَاءِ، والفائدة، أو انتفاؤهما - فيحتاج إلى دَلِيلٍ آخر، واللّفْظُ من حيث اللغة غير مَوْضُوعٍ لهذه القَضَايَا الشرعية . وأما من حيث الشَّرْعُ، فلو قال الشَّارِعُ: إذا نَهَيْتُكُمْ عن أَمْرِ أردت به صحته - لتلقيناه منه، ولكنه لم يثبت ذلك صَرِيحاً، لا بالتَّوَاتُرِ، ولا بنقل الآحاد، وليس من ضَرُورَةِ المَأْمُورِ أن يكون صَحِيحاً مجزئاً، فكيف يكون من ضَرُورَةِ المنهي ذلك؟ = ٣٩ كتاب البيوع بيع(١) فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقُود عليه؛ لأنه إِذا هلك المعقود عليه قبل القَبْض، يبطل البيع الأول، فينفسخ الثاني؛ لأنه بَنَاه على الأول، ((وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّم - عَنْ بَيْعٍ فِيه غَرَر)) وسواء باعه من غير بائعه أو من بائعه؛ لأن النَّهي مطلقٌ، لا يوجب الفَضْل بين البيعَ مِن غير بائعه وبين البَيْع من بائعه؛ وكذا معنى الغَرَر لا يفصل بينهما، فلا يصح الثّاني، والأول على حاله، ولا يجوز إِشراكه وتوليته؛ لأنَّ كل ذلك بيع. ولو قبض نصف المبيع دون النّصف، فأشرك رجلاً - لم يجز فيما لم يقبض وجاز فيما قبض؛ لأنَّ الإِشراك نوع بيع، والمبيع منقول، فلم يكن غير المقبُوض محلًّ له شرعاً، فلم يصحَّ في غير المقبوض، وصَحَّ في قدر المقبوض، وله الخيار؛ لتفرق الصفقة عليه، ولا تجوز إِجارته؛ لأَن الإِجارة تمليكُ المنفعة بعوضٍ، وملك المنفعة تابع لملك العَيْن، ولا يجُوز فيه تمليك العين، فلا يجوز تمليك المنفَعة؛ ولأنَّ الإجارة عقد يحتمل الفسخ، فيتمكّن فيه غرر فإذا لم يثبت ذلك شَرْعاً ولُغَةً وضَرُورة بمقتضى اللَّفْظِ، فالمَصِيرُ إليه تَحَكُمْ. = وقال الكَمَالُ بن الهمام في ((التحریر)): ((اختلف العُلَمَاءُ في النهي المُتَعَلِّقِ بالفعل على أَرْبَعَةِ مذاهب: أولها - وهو للأكثر -: أن يكون لِعَيْنِ الفِعْلِ، إما لِذَاتِهِ، وإما لِجُزْئِهِ، سواء أكان حِسِياً أم شرعياً، وأنه يقتضي الفَسَادَ شَرْعاً، وهو البُطْلاَنُ، أي: عدم سببيته لحكمة المقصود. وثانيها: أنه يقتضي البُطْلاَنَ لُغَةً . وثالثها - وهو للبصري، والغزالي، والرَّازِيِّ -: أنه يقتضي الفَسَادَ في العِبَادَاتِ فقط شرعاً دون المعاملات. ورابعها - وهو للحنفية: التَّفْصِيلُ بين الفعل الحِسِّي، والفعلِ الشَّرْعِيّ، أما الحسي كالزنا، وشرب الخَمْرِ، فالنهي عنه يكون لِعَيْنِ الفِعْلِ، فيقتضي بطلانه، وكذا إن دَلَّ الدليل على أن الفعلَ الحِسِّيَّ نهى عنه لوَصْفِهِ اللازم، لا إن دَلّ على أنه نهى عنه لِمُجَاوِرٍ منفك، كالنهي عن قُرْبَانِ الحائض؛ فإن الدليلَ دَلَّ على أنه منهي عنه لمُقَارَن منفك - وهو الأَذَى - فلا يكون بَاطِلاً، بل تَتَرَتَّبُ عليه أحكامه، كالإحصان والتحليل. وأما الشرعي فهو بِعكْسِ الحِسِّيِّ؛ وذلك أن النهي عنه يكُونُ لغير الفعل من وَصْفٍ لازم، أو مقارن منفك، إلا إن دَلَّ دليلٌ على أنه لِعَيْنِهِ، فالنهي للوصف اللازم يفيد التحريم إن كان طَرِيقُهُ قطعياً؛ كصَوْمٍ يوم العيد، وَبَيْع الربا، وكراهية التحريم إن كان طرِيقُ ثُبُوتِهِ ظَنَّاً، كالصَّلاةِ في أوقات الكَرَاهَةِ، والبيع معَ الشرط المُنَافِي لَمقتضاه. والنهي للمقارن المُنْفَكُ يفيد كَرَاهَةَ التحريم، ولو كان طَرِيقُهُ قطعياً، كالبَيْعِ وَقْتَ النداء، وسواء أكان النَّهْيُ للوصف اللازِم، أم للمقارن المُنْفَكُ لا يقتضي البطلان، بل الفعل الشَرعي المَنْهِيّ عنه في الحالتين صَحِيحٌ تترتب عليه أَحْكَامُهُ، فإن دَلَّ دليل على أن النَّهْيَ عنه لِذَاتِهِ كان مقتضياً للْبُطْلانِ، كنِكَاحِ المَحَارِمِ دَلَّ الدليل على أنهن لَسْن محلاً له؛ لأنه يقتضي امتهانهن بالاسْتِفْرَاشِ وغيره، فيكون طريقاً لِقَطْعِ الرحمَ المَأْمُورِ بصلتها فيصير قَبِيحاً لِعَيْنِهِ؛ لأنه عَبَثْ فيبطل. ينظر المستصفى (٧٩/١، ٢٨/٢)، فتح القدير (١٢/٣). (١) في أ: يقع. ٤٠ كتاب البيوع ١٩٠/٣ الانْفِساخ بهلاك المعقود عليه؛ ولأن ما روينا من النهي يتناول الإِجارة؛ لأنها نوع بيعٍ وهو / بيع المنْفَعة. ويجوز إعتاقه بعوضٍ وغير عوض؛ وكذا تدبيره واستيلاده؛ بأن كانت أمَّةً فأقرَّ أنها كانت ولدت له؛ لأن جوازَ هذه التصرُّفات يعتمد قيام ملك الرَّقبة، وقد وجد بخلاف البيع؛ فإنَّ صحته تفتقر إلى ملك الرَّقبة واليد جميعاً؛ لافتقاره إِلى التَّسليم. وكذا الإِجارة بخلاف الإِعتاق والتدبير؛ ولأن المانع هو القَبْض، وبهذه التصرُّفات يصير قابضاً؛ على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى؛ ولأنَّ الفساد لتمكَّن الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بِهلاك المعقود عليه؛ لما نذكره، وهذه التصرُّفات مما لا يحتمل الانْفِساخ، فلم يوجد، فلزم الجواز بدليله، وهل تجُوز كتابتُه؟ لا رواية فيه عن أصْحَابَنا، فاحتمل أن يقال: لا يجُوز؛ قياساً على البيع؛ لأن كل واحدٍ منهما مما يحتمل الفَسْخ والإِقالة، وجائز أن يقال: يجوز؛ فرقاً بينها وبين البيع؛ لأنها أوسع إِضراراً من البيع. ورُوي عن أبي يوسف: إِذا كاتبه المشتري قبل القَبْض، فللبائع أن يبطله؛ فإن لم يبطله حتى نقد المشْتَري الثمن، جازت الكتابة ذكرها في ((العيون))،، ولو وهبه من البائع، فإِن لم يقبله، لم تصحَّ الهبة، والبيع على حالِهِ؛ لأن الهبة لا تصحُّ بدون القبول؛ فإن قبله البائع، لم تجز الهبة؛ لأنها تمليكُ المبيع قبل القَبْض، وأنه لا يجُوز كالبيع، وانفسخ البيع بينهما، ويكون إقالةً للبيع، فرق بين الهبة من البائع وبين البيع منه؛ حيث جعل الهبة منه إقالةً دون البيع منه. ووجه الفرق: أن بين الهبة والإِقالة مقاربة؛ فإِنَّ كل واحدٍ منهما يستعمل في إلحاق ما سلف بالعَدَم، يقال: وهبت منك جريمتك؛ كما يقال: أقَلْتُ عَثْرَتك، أو جعلت ذلك كالعدم في حق المؤخذة به . ألا ترى أنه يستعمل كل واحدٍ منهما مكان الآخر، فأمْكَن جعل الهبة مجازاً عن الإقالة، عند تعذُّر العمل بالحقيقة، بخلاف البيع؛ فإنَّه لا مقاربة بينه وبين الإقالة، فتعذر جعله مجازاً عنها، فوقع لغواً؛ وكذلك لو تصدَّق به عليه، فهو على التَّفصيل الذي ذكرنا. ولو وهب لغير البائع، أو تصدَّق به على غير البائع، وأمر بالقَبْض من البائع، أو رهنه عند آخر، وأمره أن يقبض من البائع، فقبضه بأمره، أو أقرضه وأمره بالقبض - لم تجُز هذه العُقُود كلها عند أبي يوسف؛ وعند محمّد جَازت. وجه قول محمد: أن صحّة هذه العقود بالقَبْض، فإذا أمره بالقَبْض، فقد أنابه مناب نفسه في القَبْض، فصار بمنزلة الوكيل له، فإذا قبض بأمره يصير قابضاً عنه أوّلاً بطريق النيابه، ثم لنفسه؛ فيصح، ولأبي يوسف: أن جواز هذه العقود مبنيٍّ على الملك المطلق، وهو ملك