Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
كتاب البيوع
المجلس، فكان المانع يحتمل الزوال، والجهالة ههنا لا تحتمل الارتفاع أصلاً؛ لأن ثمة كل
واحد منهما مجهول لا يدري کم هو.
ولو قال: بعتُ منك هذه الصبرة بمائة درهم، كل قفيز بدرهم، ولم يسم جملة الصبرة،
ولكنه سمى جملة الثمن، لم يذكر هذا في الأصل، وذكر الطحاوي (رحمه الله) أنه يجوز،
وهو صحيح، لأن المانع جهالة الثمن ولم توجد حيث سماها وصارت تسمية جملة الثمن
بمنزلة تسمية جملة المبيع، ولو سمى المبيع لجاز على ما نذكره؛ كذا هذا.
هذا الذي ذكرنا إذا لم يسم جملة المبيع من المكيلات والموزونات والمذروعات
والمعدودات، فأما إذا سماها بأن قال: بعتُ منك هذه الصبرة على أنها مائة قفيزٍ، كُلُّ قفيز
بدرهم، أو قال: على أنها مائة قفيز بمائة درهم، سمى لكل واحد من القفزان ثمناً على حدة،
أو سمى للكل ثمناً واحداً، هما سواء، فلا شك في جواز البيع، لأن جملة المبيع معلومة
وجملة الثمن معلومة، ثم إن وجدها كما سمى فالأمر ماضٍ، ولا خيار للمشتري، وإن وجدها
أزيد من مائة قفيز فالزيادة لا تسلم / للمشتري، بل ترد إلى البائع، ولا يكون للمشتري إلا ٧٨/٣ ب
قدر ما سمى، وهو مائة قفيز، ولا خيار له، وإن وجدها أقل من مائة قفيز، فالمشتري بالخيار
إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وطرح حصة النقصان، وإن شاء تركها، وأصل هذا أن الزيادة
فيما لا ضرر في تبعيضه لا تجري مجرى الصفة، بل هي أصلا فلا بد وأن يقابله الثمن ولا
ثمن للزيادة، فلا يدخل في البيع، فكان ملك البائع فيرد إليه، والنقصان فيه نقصان الأصل لا
نقصان الصفة، فإذا وجدها أنقص مما سمى نقص من الثمن حصة النقصان، وإن شاء ترك لأن
الصفقة تفرقت عليه؛ لأنها وقعت على مائة قفيز ولم تسلم له، فأوجب خللاً في الرضا، فيثبت
له خيار الترك؛ وكذا الجواب في الموزونات التي ليس في تنقيصها (١) ضرر؛ لأن الزيادة فيها لا
تجري مجرى الصفة، بل هي أصلّ بنفسها، وكذلك المعدودات المتقاربة.
وأما المزروعات من الثوب والأرض والخشب وغيرها، فإن سمى لجملة الذرعان ثمناً
واحداً ولم يسم لكل ذراع منها على حدة، بأن قال: بعتُ منك هذا الثوب على أن عشرة أذرع
بعشرة دراهم، فالبيع جائزٌ؛ لأن المبيع وثمنه معلومان، ثم إن وجده مثل ما سمى لزمه الثوب
بعشرة دراهم ولا خيار له، وإن وجده أحد عشر ذراعاً، فالزيادةُ سالمة للمشتري، وإن وجده
تسعة أذرع لا يطرح لأجل النقصان شيئاً من الثمن، وهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن،
وإن شاء ترك، فرق بينهما وبين المكيلات والموزونات التي ليس في تنقيصها ضرر والعدديات
المتقاربة .
(١) في أ: تبعيضها.

٦٠٢
كتاب البيوع
ووجه الفرق أن زيادة الذرع في الذرعيات جارية مجرى الصفة كصفة الجودة والكتابة
والخياطة ونحوها، والثمن يقابل الأصل لا الصفة، والدليل على أنها جارية مجرى الصفة أَن
وجودها يوجب جودة في الباقي وفواتها يسلب صفة الجودة ويوجب الرداءة، فتلحق الزيادة
بالجودة والنقصان بالرداءة حكماً، والجودة والرداءة صفة، والصفة ترد على الأصل دون الصفة
إلا أن الصفة تملك تبعاً للموصوف، لكونها تابعة [له] (١) قائمة به، فإذا زاد صار كأنه اشتراه
رديئاً، فإذا هو جيد كما إذا اشترى عبداً على أنه ليس بكاتب أو ليس بخياط، فوجده كاتباً أو
خياطاً، أو اشترى عبداً على أنه أعور فوجده سليم العينين، أو اشترى جاريةً على أنها ثيب،
فوجدها بكراً، تسلم له ولا خيار للبائع، كذا هذا.
وإذا نقص صار كأنه اشتراه على أنه جيد فوجده رديئاً، أو اشترى عبداً على أنه كاتب أو
خَبَّاز أو صحيح العينين، فوجده غير كاتب ولا خباز ولا صحيح العينين، أو اشترى جارية على
أنها بِكْرٌ فوجدها ثيباً، لا يطرح شيئاً من الثمن، لكن يثبت له الخيار؛ كذا هذا بخلاف
المكيلات والموزونات التي لا ضرر فيها إذا نقصت والمعدودات المتقاربة؛ لأن الزيادة فيها
غير ملحقة بالأوصاف؛ لأنها أصل بنفسها حقيقة، والعمل بالحقيقة واجب ما أمكن، إلا أنها
ألحقت بالصفة في المزروعات ونحوها، لأن وجودها يوجب الجودة والكمال الباقي، وفواتها
يوجب النقصان والرداءة له، وهذا المعنى ههنا منعدمٌ فبقيت أصلا بنفسها حقيقة، وإن سمى"
لبكل ذراع منها ثمناً على حدة، بأن قال: بعتُ منك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع كل ذراع
بدرهم، فالبيع جائزٌ لما قلنا، ثم إن وجده مثل ما سمى، فالأمر ماض، ولزمه الثوب كل ذراع
بدرهم، وإن وجده أحد عشر ذراعاً فهو بالخيار إن شاء أخذ كله بأحد عشر درهماً، وإن شاء
ترك، وإن وجده تسعة أذرع فهو بالخيار، وإن شاء طرح حصة النقصان درهماً وأخذ بتسعة
دراهم، وإن شاء ترك لتفرق الصفقة عليه، وهذا يشكل على الأصل الذي ذكرنا أن زيادة الذرع
في المزروعات تجري مجرى الصفة لها؛ لأن الثمن يقابل الأصل دون الوصف، فينبغي أن
تكون الزيادة سالمة للمشتري، ولا خيار له ولا يطرح لأجل النقصان شيئاً كما في الفصل
الأَول، لأَن الثمن يقابل الأصل دون الصفة بمنزلة زيادة الجودة ونقصان الرداءة على ما ذكرنا.
وحل هذا الإشكال أن الذراع في المزروعات إنما يجري مجرى الصفة على الإطلاق إذاً
لم يفرد كل ذراع بثمن على حدة.
فأما إذا أفرد به، فلا يجري مجرى الصفة مطلقاً، بل يكون أصلاً من وجه وصفة من
وجهٍ، فمن حيث إن التبعيض فيها يوجب / تعيب الباقي، كانت الزيادة صفة بمنزلة صفة
١٧٩/١
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: لم يسمى.
د
١

٦٠٣
كتاب البيوع
الجودة، ومن حيث إنه سمى لكل ذراع ثمناً على حدة، كان كل ذراع معقوداً عليه، فكانت
الزيادة أصلاً من وجه صفة من وجه، فمن حيث إنها صفة كانت للمشتري، لأن الثمن يقابل
الأصل لا الصفة، وإنما يدخل في البيع تبعاً على ما بينا.
ومن حيث إنها أصل لا يسلم له إلاَّ بزيادة ثمن اعتباراً للجهتين جميعاً بقدر الإمكان، فله
الخيار في أخذ الزيادة وتركها؛ لأنه لو لزمه الأخذ لا محالة يلزمه زيادة ثمن لم يكن لزومها
ظاهراً عند العقد، واختل رضاه، فوجب الخيار، وفي النقصان إن شاء طرح قدر النقصان وأخذ
الباقي اعتباراً لجهة الأصالة، وإن شاء ترك لأن الصفقة تفرقت عليه وأوجب خللاً في الرضا،
وذا يوجب الخيار، هذا إذا كانت الزيادة والنقصان ذراعاً تامًّا، فأما إذا كانت دون ذراع، لم
یذکر هذا في ظاهر الروايات.
وذكر في غير رواية الأُصول اختلاف أقاويل أصحابنا الثلاثة في كيفية الخيار فيه، فأبو
حنيفة ومحمد (رحمهما الله) فرقا بين الزيادة والنقصان، غير أن أبا حنيفة جعل زيادة نصف
ذراع بمنزلة زيادة ذراع كامل، فقال: إِن شاء أخذه بأحد عشر درهماً، وإِن شاء ترك وجعل
نقصان نصف ذراع كلاً نقصان؛ لكن جعل له الخيار، فقال: إن شاء أخذه بعشرة دراهم، وإِن
شاء ترك، ولا يطرح من الثمن شيئاً، لأجل النقصان، ومحمد جعل على القلب من ذلك،
فجعل زيادة نصف ذراع كلا زيادة، فقال يأخذ المشتري بجميع الثمن ولا خيار له، وجعل
نقصان نصف ذراع كنقصان ذراع كامل؛ وقال: إن شاء أخذ بتسعة دراهم، وإن شاء ترك.
وأما أبو يوسف (رحمه الله) فسوى بين الزيادة والنقصان، فقال في زيادة نصف ذراع يزاد
على الثمن نصف درهم، وله الخيار إن شاء أخذ بعشرة دراهم ونصف، وإن شاء ترك.
وقال في نقصان نصف ذراع ينقص من الثمن نصف درهم وله الخيار: إِن شاء أخذه
بتسعة دراهم ونصف، وإِن شاء ترك.
والقياس ما قاله أبو يوسف، وهو اعتبار الجزء بالكل إلا أنهما كأنهما استحسنا لتعامل
الناس، فجعل أبو حنيفة زيادة نصف ذراع بمنزلة ذراع تام، ونقصان نصف ذراع كَلاً نقصان،
لأن الناس في العادات في بياعاتهم وأشريتهم لا يعدون نقصان نصف ذراع نقصاناً، بل
يحسبونه ذراعاً تاماً، فبنى الأمر في ذلك على تعامل الناس، وجعل محمد الأمر في ذلك على
القلب من ذلك؛ لما أن الباعة يسامحون في زيادة نصف على القدر المسمى في البيع عادةً،
ولا يعدونه زيادة، فكانت تلك الزيادة ملحقة بالعدم عادة كأنه لم يزد، وكذا يسامحون فيعدون
نقصان نصف ذراع في العادات نقصان ذراع كامل، فتركنا القياس بتعامل الناس، ويجوز أن
يكون اختلاف جوابهما لاختلاف عادات الناس، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.

٦٠٤
كتاب البيوع
وعلى هذا جميع المزروعات من الأرض والخشب وغيرها أنه إن لم يسم لكل ذراع
ثمناً؛ بأن قال: بعتُ منك هذه الأرض على أنها ألف ذراع بألف درهم، فالبيعُ جائز لما قلنا،
ثم إن وجدها مثل ما سمى، فالأمر ماض، ويلزمه الأرض كل ذراع بدرهم، وإن وجدها أزيد،
فالزيادة سالمة له ولا خيار، وإن وجدها أنقص فهو بالخيار إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن
شاء ترك؛ لما ذكرنا أن زيادة الذرع في الذريات جارية مجرى الصفات، والثمن يقابل الأصل
دون الصفة، وإن سمى لكل ذراع ثمناً على حدة، بأن قال كلُّ ذراع بكذا، فالبيع جائزٌ لما
ذكرنا، ثم إن وجدها مثل ما سمى فالأمر ماضٍ، وإن وجدها أزيد فهو بالخيار، إن شاء أخذ
الزيادة بثمنها، وإن شاء ترك؛ لأنه يلزمه زيادة ثّمن لم يلتزمه كذا (١) العقد.
وإن وجد أنقص تسقط حصته من الثمن، وله الخيار لتفرق الصفقة على ما ذكرنا في الثوب،
وعلى هذا الخشب وغيره من الذرعيات، وعلى هذا الموزونات التي في تبعيضها ضرر بأن قال:
بعت منك هذه السبيكة من الذهب على أنها مثقالان بكذا، فالبيع جائز، ثم إن وجد على ما سمى،
فالأمر ماضٍ، وإِن وجده أزيد أو أنقص فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الذرعيات.
٧٩/٢ ب
وعلى هذا إذا باع مصوغاً من نحاس أو صفر أو ما أشبه ذلك على أن فيه كذا منَّا / بكذا
درهماً، فوجده أكثر أو أقل، فهو على التفصيل الذي ذكرنا؛ لأن الوزن في مثله يكون ملحقاً
بالصفة بمنزلة الذرع في الذرعيات، لأن تبعيضه(٢) يوجب تعييب الباقي، وهذا حد الصفة في
هذا الباب.
ولو باع مصوغاً من الفضة على أن وزنه مائة بعشر دنانير ولم يسم لكل عشرة ثمناً على
حدة، بأن قال: بعشرة دنانير، ولم يقل: كل وزن عشرة بدينار، وتقابضًا وافترقًا، فالبيع جائزٌ،
ثم إن وجده على ما سمى، فالأمر ماضٍ، ولا خيار، وإن وجده أزيد بأن كان مائتي درهم
مثلاً، فالكل للمشتري بعشرة دنانير، ولا يزاد في الثمن شيء؛ لأن الزيادة فيه بمنزلة الصفة،
والصفات المحضة لا يقابلها الثمن، وإن وجده تسعين أو ثمانين فهو بالخيار على ما ذكرنا،
وإن سمى لكل عشرة ثمناً على حدة بأن قال: بعت منك على أن وزنه مائة بعشر دنانير، كلُّ
وزن عشرة بدينار، وتقابضا، فالبيعُ جائز، ثم إن وجده على ما سمى فالأمر ماضٍ ولا خيار.
وإن وجد وزنه أزيد بأن كان مائة وخمسين، نظر في ذلك إن علم ذلك قبل التفرق فله
الخيار، إن شاء زاد في الثمن خمسة دنانير وأخذ كله بخمسة عشر ديناراً، وإن شاء ترك؛ لأن
ساعات المجلس لها حكم ساعة العقد.
(١) في ط: لذا.
-
(٢) في أ: تنقيصه.

٦٠٥
كتاب البيوع
وإن علم بعد التفرق بطل البيع في ثلث المصوغ لانعدام التقابض فيه، وله الخيار في
الباقي، إن شاء رضي به بعشرة دنانير، وإن شاء رد الكل واسترد الدنانير؛ لأن الشركة في
الأعيان عيب .
وإن وجد وزنه خمسين وعلم ذلك قبل التفرق أو بعده فله الخيار، إنْ شَاءَ رده، وإن
شاء رضي به واسترد من الثمن خمسة دنانير، وكذلك لو باع مصوغاً من ذهب بدراهم، فهو
على هذا التفصيل.
ولو باع مصوغاً من الفضة بجنسها، أو باع مصوغاً من الذهب بجنسه. مثل وزنه؛ على
أن وزنه مائة بمائة، ثم وجده أزيد مما سمى، فإن علم بالزيادة قبل التفرق فله الخيار، إن شاء
زاد في الثمن قدر وزن الزيادة، وأخذ الكل، وإِن شاء ترك؛ لأن المجلس له حكم حالة العقد.
وإن علم بها بعد التفرق بطل البيع في الزيادة، لأن التقابض شرط بقاء الصرف على
الصحة، ولم يوجد في قدر الزيادة، وإِن وجد أقل مما سمى، قله الخيار؛ إن شاء رضي
بحصته من الثمن واسترد فضل الثمن، وإن شاء رد الكل واسترد جميع الثمن، سواء سمى
الجملة أو سمى لكل وَزْنِ درهم درهماً، لأن عند اتحاد الوزن والجنس لا يجوز البيع إلا سواء
بسواءٍ، فصار كأنه سمى ذلك، وإن لم يسم حقيقة إلا الجملة.
وأما العدديات المتفاوتة كالغنم والعبيد ونحوها بأن قال بعتُ منك هذا القطيع من الغنم
على أنها مائة شاة بكذا، فإن وجده على ما سمى، فالبيع جائز، وإن وجده أزيد، فالبيع فاسدٌ في
الكل، سواء ذكر للكل ثمناً واحداً بأن قال: بعتُ منك هذا القطيع [من الغنم](١) على أنها مائة
شاة بألف درهم، أو ذكر لكل شاة فيها ثمناً على حدة؛ بأن قال: كُلُّ شاة بعشرة دراهم؛ لأن كل
شاة أصل في كونها معقوداً عليها، والزيادة لم تدخل تحت العقد؛ لأنه لا يقابلها ثمن، فلم تكن
مبيعة وهي مجهولة، فكان الباقي مجهولاً ضرورة جهالة الزيادة، فيصير بائعاً مائة شاة من مائة شاة
وواحدة، فكان المبيع مجهولاً، وجهالةُ المبيع تمنعُ صحةَ البيع، سمى له ثمناً أو لم يسم، وَإِنْ
وجده أقل مما سمى، فإِن كان لم يسم لكل واحدة منها ثمناً، فالبيع فاسدٌ؛ لأن الثمن مجهول،
لأنه يحتاج إلى طرح ثمن شاة واحدة من جملة الثمن المسمى وهو مجهول التفاوت فاحش بين
شاة وشاة، فصار ثمن الباقي مجهولاً ضرورة جهالة حصة الشاة الناقصة.
وإِنْ سمى لكلٌ واحدة منها ثمناً على حدة، فالبيع جائز بحصة الباقي منها، لأَن حصته
الزائدة معلومة، وحصة الباقي معلوم، فالفساد من أين؟ مِنْ أصحابنا مَن قال هذا مذهبهما، فأما
(١) سقط من ط .

٦٠٦
کتاب البيوع
عند أبي حنيفة (عليه الرحمة) فالبيع فاسدٌ في الكل بناءً على أن المذهب عنده أن الصفقة إذا
أضيفت إلى ما يحتمل العقد وإلى ما لا يحتمله، فالفسادُ يشيع في الكل، وأكثر أصحابنا على
أن هذا بلا خلاف، وهكذا ذكر في الأصل، ولم يذكر الخلاف، وهو الصحيح، لأن العقد
المضاف إلى موجود يجوز أن يفسد لمعنى يوجب الفساد، ثم يتعدى الفساد إلى غيره.
وأما المعدوم فلا يحتمل العقد أصلاً، لأنه ليس بشيءٍ، فلا يوصف العقد المضاف إليه
بالفساد / ليتعدى إلى غيره، بل لم تصح الإضافة إليه فيبقى مضافاً إلى الموجود، فيصح، لكن
للمشتري الخيار إن شاء أخذ الباقي بما سمى من الثمن، وإن شاء ترك لتفرق الصفقة عليه.
١٨٠/٣
وعلى هذا جميع العدديات المتفاوتة، ولو قال: بعتُ منك هذا القطيع من الغنم على أنها
مائة [شاة](١) كلُّ شاتين منها بعشرين درهماً، فالبيع فاسدٌ، وإِن وجده على ما سمى، لأَن ثمن
كل واحدة من الشاتين مجهول؛ لأنه لا يعرف حصة كل شاة منها من الثمن إِلاَّ بعد ضم شاة
أخرى إليها، ولا يعلم أية شاة يضم إِليها ليعلم حصتها؛ لأَنّه إن ضم إليها أردأ منها كانت
حصتها أكثر، وإِن ضم إليها أجود منها كانت حصتها أقل؛ لذلك فسد البيع، والله (سبحانه
وتعالى) أعلم.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة (رحمه الله) فمين باع عشرة أذرع من مائة ذراع من هذه
الدار، أو من هذا الحمام، أو من هذه الأرض - أن البيع فاسدٌ.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جائز.
ولو باع عشرة أسهم من مائة سهم جاز، بالإِجماع، والكلام فيه يرجع إلى معرفة معنى
الذراع، فقالا: أنه اسم في العرف للسهم الشائع، ولو باع عشرة أسهم من مائة من هذه الأشياء
جاز؛ فكذا هذا.
وأبو حنيفة (رحمه الله) يقول الذراع في الحقيقة اسم لما يذرع به، وإِنما سمى المذروع
ذراعاً مجازاً؛ إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول، فكان بيع عشرة أذرع من دار (٢) معناه بيع قدر
عشرة أذرع مما يحله الذراع الحقيقي؛ لأنه لا يحل إلا محلاً معيناً، فكان المبيع قدر عشرة
أذرع معين من الدار(٣)، وهو الذي يحله الذراع الحقيقي، وذلك مجهول في نفسه قبل
الحلول، فكان المبيع مجهولاً جهالةً مفضيةً إلى المنازعة فيوجب فساد البيع بخلاف السهم،
لأنه اسم للشائع وهو جزء معلوم من الثلث والربع والعشر ونحو ذلك، فبيعُ عشرةٍ أسهم من
(١) سقط من ط.
(٣) في أ: الذراع.
(٢) في أ: مائة ذراع.

٦٠٧
كتاب البيوع
مائة سهم من الدار هو بيع عشرة أجزاء من مائة جزء منها، وهو عشرها، فقد باع جزءاً معلوماً
منها، فيجوز بخلاف الذراع، فإن قدر عشرة أذرع لا يصير معلوماً إلا بالحلول على ما مر فقبله
يكون مجهولاً، فكان المبيع مجهولاً، فلم يصح، فوضح الفرق بينهما لأبي حنيفة .
وعلى هذا يخرج ضربة الغائص وهو أن يقول الغائص للتاجر أغوص لك غوصة، فما
أخرجته فهو لك بكذا، وهو فاسدٌ؛ لأَن المبيع مجهول.
وروي أَنَّ رسول الله وَ ◌ّ نهى عن ضربةِ الغائص وعلى هذا يخرج أجناس هذه المسائل،
وبيع رقبة الطريق وهبته منفرداً جائز، وبيع مسيل الماء وهبته منفرداً فاسدٌ، ووجه الفرق أن
الطريق معلوم الطول والعرض، فكان المبيع معلوماً، فجاز بيعه بخلاف المسيل، فإِنه مجهول
القدر، لأن القدر الذي يشغل الماء من النهر غير معلوم، فكان المبيع مجهولاً، فلم يجز.
وأما العلم بأوصاف المبيع والثمن فهل هو شرط لصحة البيع بعد العلم بالذات والجهل
بها، هل هو مانع من الصحة؟
قال أصحابنا: ليس بشرط الصحة، والجهل بها ليس بمانع من الصحة، لكنه شرط
اللزوم، فيصح بيع ما لم يرد المشتري، لكنه لا يلزم، وعند الشافعي (رحمه الله) كون المبيع
معلوم الذات والصفة من شرائط الصحة حتى لا يجوز بيع ما لم يره المشتري عنده.
وجه قوله أن جهالة الذات إنما منعت صحة العقد لافضائها إلى المنازعة؛ لأن الأعيان
تختلف رغبات الناس فيها لاختلاف ماليتها، فالبائع إذا سلم عيناً، فمن الجائز أَنْ يطلب
المشتري عيناً أخرى أجود منها باسم الأولى، فيتنازعان وجهالة الوصف مفضيةٍ إلى المنازعة
أيضاً؛ لأن الغائب عن المجلس إذا أحضره البائع، فمن الجائز أن يقولَ المشتري هذا ليس
عين(١) المبيع، بل مثله من جنسه، فيقعان في المنازعة بسبب عدم الرؤية؛ ولأن عدم الرؤية
يوجب تمكن الغرر في البيع، ونهى رسولُ اللهِ وَّر عن بيع فيه غرر، وبيان تمكن الغرر أن
الغرر هو الخطر (٢) وفي هذا البيع خطر من وجوه:
أحدها: في أصل المعقود عليه.
(١) في أ: غير.
(٢) والغرر: التردد بين أمرين، أحدهما على الفرض، والثاني: على خلافه؛ كبيع السلعة بقيمتها التي ستظهر
في السوق، أو التي يقول أهل الخبرة: وإنما نهى عنه للجهل بالعوض وقت العقد، فيفضي إلى المنازعة،
لعدم الاتفاق على الثمن، وقد جعل العقد لقطعها، وكذلك إن باع بما يحكم به، أو بما يحكم به
المشتري أو الأجنبي من الثمن، أو بما يرضى به، وإنما يفسد العقد في هذه الصورة ونحوها، إن عقداه
على صفة اللزوم لهما أو لأحدهما، فإن كان على الخيار صحَّ؛ إذ لا يفضي إلى المنازعة وقتئذٍ.

٦٠٨
كتاب البيوع
والثاني: في وصفه؛ لأن دليل الوجود إذا كان غائباً هو الخبر، وخبر الواحد يحتمل
الصدق والكذب، فيتردد المعقود عليه بأصله ووصفه بين الوجود والعدم.
والثالث: في وجود التسليم وقت وجوبه، لأن وقت الوجوب وقت نقد الثمن، وقد يتفق
٨٠/٣ ب النقد، وقد لا يتفق، والغرر من / وجه واحد يكفي لفساد العقد، فكيف من وجوه ثلاثةٍ.
وروي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: ((لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) (١) و((عند)) كلمة حضرة
والغيبة تنافيها، والخلاف في البيع والشراء خلاف واحد.
ولنا عمومات البيع من غير فصل ونص خاص، وهو ما روي عن النبي (عليه الصلاة
والسلام) أنه قال: ((مَنِ اشْتَرَى شَيْئاً لَمْ يَرَهُ، فَهُوَ بِالخِيَارِ إِذَا رَآهُ وَلاَ خِيَارَ شَرْعاً إِلاَّ في بيع
مَشْرُوعٍ))(٢) ولأَن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إِلى محل هو خالص ملكه، فيصح كشراءً
المرئيّ، وهذا لأن وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه، ووجوده شرعاً لصدوره من أهله
وحلوله في محله.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (١١٥٨/٣) كتاب البيوع: باب حكم بيع المصراة حديث (١٥٢٤/٢٦) وعبد الرزاق (٨/
١٩٧) رقم (١٤٨٥٨) والحميدي (٤٤٦/٢) رقم (١٠٢٩) وأحمد (٢٤٨/٢) والنسائي (٢٥٤/٧) كتاب
البيوع: باب النهي عن المصراة وأبو داود (٧٢٧/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب من اشترى مصراة
فكرهها حديث (٣٤٤٤) والترمذي (٥٥٣/٣ - ٥٥٤) كتاب البيوع: باب ما جاء في المصراة حديث
(١٢٥٢) وابن ماجه (٧٥٣/٢) كتاب التجارات: باب بيع المصراة حديث (٢٢٣٩) وابن الجارود (٥٦٥،
٥٦٦) وأبو يعلى (٤٣٥/١٠) رقم (٦٠٤٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩/٤) باب بيع المصراة
والبيهقي (٣١٨/٥) كتاب البيوع: باب الحكم فيمن اشترى مصراة، كلهم من طريق محمد بن سيرين عن
أبي هريرة أن رسول الله وَّ قال: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أن يمسكها أمسكها
وإن شاء أن يردها ردها ومعها صاع من تمر لا سمراء.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه مالك (٦٨٣/٢ - ٦٨٤) كتاب البيوع: باب ما ينهى عن المساومة والمبايعة حديث (٩٦)
والبخاري (٤٢٣/٤) كتاب البيوع باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل حديث (٢١٥٠) وأحمد (٢٤٢/٢)
والحميدي (٤٤٦/٢) رقم (١٠٢٨) وأبو داود (٧٢٧/٣) كتاب البيوع: باب من اشترى مصراة فكرهها
حديث (٣٤٤٣) والنسائي (٢٥٣/٧) كتاب البيوع: باب النهي عن المصراة والبيهقي (٣٤٦/٥) كتاب
البيوع: باب لا يبع حاضر لباد، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٦٧/١ - منحة) رقم (١٣٤٤) وأحمد (٣٨٦/٢، ٤٠٦، ٤٦٩، ٤٨١)
والترمذي (٥٥٣/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في المصراة حديث (١٢٥١) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (١٧/٤) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة به.

٦٠٩
كتاب البيوع
وقوله: جهالة الوصف تفضي إلى المنازعة، ممنوعٌ؛ لأنه صدقه في خبره حيث اشتراه،
فالظاهر أنه لا يكذبه، ودعوى الغرر ممنوعةٌ، فإن الغرر هو الخطر الذي استوى فيه طرف
الوجود والعدم بمنزلة الشك، وههنا ترجح جانب الوجود على جانب العدم بالخبر الراجح
صدقه، على كذبه، فلم يكن فيه غرر على أنا إن سلمنا أن الغرر اسم لمطلق الخطر، لكن لم
قلتم إن كل غرر يفسد العقد.
وأما الحديث فيحتمل أن يكون الغر هو الخطر، ويحتمل أن يكون من الغرور، فلا يكون
حجة مع الاحتمال أو نحمله على الغرر في صلب العقد بالتعليق بشرط أو بالإضافة إلى وقت،
عملا)) بالدلائل كلها.
وأما الحديث الثاني: فيحتمل أن يكون المراد منه بيع ما ليس بمملوكٍ عن نفسه لا بطريق
النيابة عن مالكه، أو بيع شيء مباح على أن يستولي عليه فيملكه فيسلمه، وهذا يوافق ما روي
عن رسول الله وَلَّ أنه قال: ((بَيْعُ السَّمَكِ فِي المَاءِ غَرَرٌ)).
وعلى هذا الخلاف إذا باع شيئاً لم يره البائع أنه يجوز عندنا، وعنده لا يجوز، وإذا جاز
عندنا فهل يثبت الخيار للبائع؟ فعن أبي حنيفة روايتان: نذكر ذلك في موضعه، إن شاء الله
(تعالى).
وعلى هذا الخلاف شراء الأعمی وبیعه جائز عندنا.
وقال الشافعيُّ: إذا ولد أعمى لا يجوز بيعه وشراؤه، وإن كان بصيراً فرأى الشيء ثم
عمي فاشتراه، جاز، وما قاله مخالفٌ للحديث والإِجماع(١).
(١) عمي المشتري ينزل منزلة غياب المبيع بالنسبة له لو كان مبصراً لأن المبيع بالنسبة في الحالين غير مرئي.
وعدم الرؤية هو مناط اختلاف المذاهب في حكم بيع الغائب. ولا فرق بين أن يكون عدم الرؤية راجعاً
لوصف في المبيع كغيبته وستره أو لوصف في العاقد كعماه.
ولذا فالمذاهب في صحة بيع الأعمى وشرائه هي المذاهب في صحة بيع الغائب وعدم صحته.
مذهب الحنفية هو صحة بيعه وشرائه وله الخيار إذا اشترى لأنه يصدق عليه أنه اشترى ما لم يره فيكون
داخلاً في عموم الحديث.
وسواء عندهم أكان المقصود من المبيع مما يدرك بحاسة البصر أو مما يدرك بغيرها من الحواس كالشم أو
الذوق. فما يدرك بحاسة البصر يكون له الخيار فيه إذا وصف له وما يدرك بحاسة الشم يكون له الخيار
فيه إذا شمه كالمسك. وهكذا سائر الحواس. وإنما كان الأمر كذلك لأن المراد بالرؤية العلم بالمقصود
من المبيع. فتكون من باب عموم المجاز. إذ هناك مبيعات لا يكتفي فيها بمجرد الرؤية كما لو اشترى
طيباً مثلاً لا بد من شم رائحته حتى يثبت له خيار الرؤية اتفاقاً.
بدائع الصنائع ج٦ - م٣٩
=

٦١٠
كتاب البيوع
أما لأول: فإنه روي عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أَنَّ النبيَّ (عليه السلام) حين قال
لحبان بن منقذ إذا بايعت فقل: لاَ حَلاَبَةَ وَلِيَ الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ))(١) وكان حبان ضَرِيراً.
وظاهر أن الخيار إنما يثبت للأعمى بما ذكر إذا لم يوصف له قبل البيع أو لم يشمه أو يذقه وهكذا لأن
=
هذا منه منزل منزلة الرؤية.
ومذهب المالكية والحنابلة أن المبيع إن كان مما يدرك المقصود منه بغير الرؤية كالروائح والمذوقات صح
بيعه وشراؤه منه إن شمه أو ذاقه ولا خيار له لأنه كالبصير في ذلك وإن كان مما يدرك المقصود منه
بالرؤية فلا يصح بيعه ولا شراؤه حتى يوصف له ويكون له الخيار إذا اشترى وتخلف الوصف كالبصير في
المبيع الغائب الموصوف وأما الشافعية فلم يصححوا له بيعاً ولا شراء مطلقاً كمذهبهم في بيع الغائب بل
عليه أن يوكل.
ومذاهب أهل العلم في صحة بيع الغائب كما يلي فمذهب الحنفية هو صحة بيعه سواء وصف للمشتري أم
لم يوصف لكن بشرط أن يعلم المشتري جنسه على أقل تقدير ثم للمشتري الخيار إذا رآه مطلقاً أعني
سواء كان مطابقاً للوصف - فيما إذا وصف - أو لم يطابق.
ومذهب المالكية: أن الغائب المذكور إن لم يوصف للمشتري فلا يصح بيعه إلا مع شرط خيار الرؤية،
وإن وصف صح بيعه بالشرط المذكور من باب أولى، وبدونه أيضاً، ولكن بشرطين ألا يضمن بعده، وأن
تشق رؤية، فإن جاء، كما وصف فالمشتري مجبر على قبوله، وإلا فهو بالخيار لتخلف الوصف.
ومذهب الحنابلة: أنه إن وصف بصفة السلم صح بيعه، ولزم المشتري قبوله إن جاء على الوصف وإن
جاء على غير ما وصف فهو بالخيار لتخلف الوصف، وإن لم يوصف بوصف السلم فبيعه باطل.
ومذهب الشافعية في القديم قريب من هذا المذهب.
ومذهب الظاهرية: أنه إن وصف صح البيع ولزم المشتري ما دام مطابقاً للوصف، وإلا فالبيع باطل
مفسوخ.
ومذهب الشافعية: هو عدم صحة بيعه على كل حال سواء وصف للمشتري، أو لم يوصف، فمذهبهم
مقابل لمذهب الجمهور في الجملة، ولمذهب الحنفية على خط مستقيم. ينظر: الخيارات في البيع
لشيخنا محمد مندور.
(١) أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص (١٩٧)، باب في التجارات، الحديث (٥٦٧) والدارقطني، السنن
(٥٤/٣ - ٥٥) كتاب البيوع، الحديث (٢١٧) والحاكم في المستدرك (٢٢/٢)، كتاب البيوع، باب ما
من عبد كانت له نية في أداء دينه ..... ، والبيهقي، السنن الكبرى (٢٧٣/٥) كتاب البيوع، باب الدليل
على أن لا يجوز شرط الخيار من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ((أن حبان بن منقذ كان
سفع في رأسه مأمومة فثقلت لسانه وكان يخدع في البيع، فجعل رسول الله ◌َّ مما ابتاع فهو بالخيار
ثلاثاً، وقال له رسول الله وَطيار: بع وقل لا خلابة. فسمعته يقول: لا خلابة لا خلابة. لفظ ابن الجارود
وأخرجه الحميدي في مسنده (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣) قال: حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن
ابن عمر: ((أن منقذاً سفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فخبلت لسانه، فكان إذا باع يخدع في البيع، فقال
له رسول الله وَلي: ((بايع وقل لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثاً)) الحديث وله طريق آخر. وأخرجه البخاري
في التاريخ الكبير والصغير كما في تلخيص الحبير (٢١/٣). وابن ماجه (٧٨٩/٢) كتاب الأحكام: باب
الحجر على من يفسد ماله حديث (٢٣٥٥) والدارقطني (٥٥/٣) كتاب البيوع، حديث (٢٢٠) والبيهقي
=

٦١١
كتاب البيوع
وأما الإجماع: فإِن العميان في كل زمان من لدن رسول الله وَّر، لم يمنعوا من بياعاتهم
وأشريتهم، بل بايعوا في سائر الأعصار من غير إِنكار، وإذا جاز شراؤه وبيعه فله الخيار فيما
اشترى، ولا خيار له فيما باع في أصح الروايتين کالبصير، ثم بماذا يسقط خياره؟ نذكره في
موضعه .
وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئاً مغيباً في الأرض؛ كالجزر والبصل والفجل ونحوها
أنه يجوز عندنا، وعنده لا يجوز، ويثبت له الخيار إذا قلعه، وعنده لا يجوز أصلاً.
وأما بيان ما يحصل به العلم بالمبيع والثمن، فنقول: العلم بالمبيع لا يحصل إلا بالإشارة
إليه، لأن التعيين لا يحصل إلا بها، إلا إذا كان ديناً كالمسلم فيه، فيحصل العلم به بالتسمية،
والعلم بالثمن لا يحصل إلا بالتسمية، والإِشارة إليه عندنا مجازٌ عن تسمية جنس المشار إليه
ونوعه وصفته وقدره؛ على ما يعرف في موضعه، إن شاء الله (تعالى)، غير أن المبيع إن كان
أصلاً لا بد من الإشارة إليه بطريق الأصالة ليصير معلوماً، وإِن كان تبعاً يصير معلوماً بالإِشارة
(٢٧٣/٥) كتاب البيوع: باب الدليل على أن لا يجوز شرط الخيار.
=
من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: كان جدي منقذ بن عمر وأصابته
آمَّه في رأسه فكسرت لسانه ونازعت عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فذكر ذلك
لرسول الله وَ لقر فقال: إن بعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال وعاش
ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان حين كثر الناس يبتاع في السوق فيغبن فيصير إلى أهله فيلومونه
فيرده ويقول: إن النبي ◌َّي ـ جعلني - بالخيار ثلاثاً حتى يمر الرجل من أصحاب النبي ◌َّ فيقول:
صدق.
وقد أعل الزيلعي في ((نصب الراية)) (٧/٤) هذا الطريق بالإرسال.
أما البوصيري فقال في ((الزوائد)) (٢٢٦/٢): هذا إسناد ضعيف لتدليس ابن إسحاق. اهـ.
وهذا فيه نظر فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث في روايات أخرى.
وله طريق آخر أخرجه الدارقطني (٥٤/٣) الحديث (٢١٦) والطبراني في الأوسط كما في ((نصب الراية))
(٨/٤) من طريق ابن لهيعة ثنا حبان بن واسع عن طلحة بن يزيد بن ركانة، أنه كلم عمر بن الخطاب في
البيوع قال: ما أجد لكم شيئاً أوسع مما جعل رسول الله ( 18 لحبان بن منقذ، إنه كان ضرير البصر،
فجعل له رسول الله وَّ عهدة ثلاثة أيام، إن رضي أخذ وإن سخط ترك)). وفي الباب عن أنس أخرجه
أحمد، المسند (٢١٧/٣) في مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، وأبو داود (٣/ ٧٦٧) كتاب البيوع
والإجارات، باب في الرجل يقول في البيع، لا خلابة، الحديث (٣٥٠١)، والترمذي (٥٥٢/٣) كتاب
البيوع، باب ما جاء فيمن يخدع في البيع، الحديث (١٢٥٠) والنسائي (٧/ ٢٥٢) كتاب البيوع، باب
الخديعة في البيع، وابن ماجه (٧٨٨/٢) كتاب الأحكام، باب الحجر على من يفسد ماله، الحديث
(٢٣٥٤) وابن الجارود، المنتقى ص (١٩٧) باب في التجارات، الحديث (٥٦٨) والدارقطني، السنن
(٥٥/٣) كتاب البيوع، الحديث (٢١٨) و(٢١٩) وقال الترمذي حسن صحيح غريب.

٦١٢
كتاب البيوع
إلى الأصل لأن التبع(١) كما لا يفرد بعلة على حدة، لا يفرد بشرط على حدة، إذ لو أفرد
لانقلب أصلاً، وهذا قلب الحقيقة.
وبيان ذلك في مسائل: إذا باع جاريةٌ حاملاً من غير مولاها، أو بهيمةً حاملاً، دخل
الحمل في البيع تبعاً للأم؛ كسائر أطرافها، وإن لم يسمه ولا أشار إليه، ولو باع عقاراً دخل ما
فيها من البناء والشجر بنفس البيع، ولا يدخل الزرع والثمر إلا بقرينة.
وجملةُ الكلام في بيع العقار أَنَّ المبيع لا يخلو من أن يكون أرضاً أو كَرْماً أو داراً أو
منزلاً أو بيتاً، وكل ذلك لا يخلو إما إن لم يذكر في بيعه الحقوق ولا المرافق ولا ذكر كل قليل
وكثير منها، وإما إن ذكر شيئاً من ذلك، فإن كان المبيع أرضاً ولم يذكر شيئاً من القرائن، دخل
ما فيها من الأبنية والأشجار، ولم يدخل الزرع والثمار عند عامة العلماء.
وقال مالك (رحمه الله): ثمار سائر الأشجار كذلك، وكذلك / ثمر النخل إِذا أبر، فأما
إذا لم يؤبر يدخل.
واحتج بما روي عن النبي وَّ أنه قال: ((مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبرَتْ، فَتَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ
يَشْتَرِطَهَا المُبْتَاعُ))(٢) قَيَّدَ (عليه الصلاة والسلام) ملك البائع في الثمرة بوصف التأبير، ولو لم
يكن يختلف الحكم، لم يكن للتقييد فائدة.
ولنا ما روي عن محمد (رحمه الله) في كتاب الشفعة عن رسول الله وَّر أنه قال: ((مَنِ
اشْتَرَىْ أَرْضاً فِيهَا نَخْلٌ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا المُبْتَاعُ))(٣) جعل (عليه الصلاة والسلام)
الثمرة للبائع مطلقاً عن وصف وشرطَ، فدل أن الحكم لا يختلف بالتأبير وعدمه، ولأن النخل
اسم لذات الشجرة، فلا يدخل ما عداه إلا بقرينة زائدة، ولهذا لم يدخل ثمار سائر الأَشجار
ولا حجة له فيما روي؛ لأن تقييد الحكم بوصف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف
بخلافه، بل يكون الحكم فيه مسكوتاً موقوفاً على قيام الدليل، وقد قام، وهو ما روينا، ولا
يحمل المطلق على المقيد عندنا؛ لما فيه من ضرب النصوص بعضها في بعض، وهذا لا
يجوز، لما عرف في أصول الفقه.
وكذلك إن كان كَرْماً يدخل في بيعه ما فيه من الزراعة والعرايش والحوائط من غير ذكرٍ
قرينة، ولا تدخل الفواكه والبقول، والأصل أن كل ما ركب في الأرض يدخل، وما لم يركب
فيها أو ركب لا للبقاء، بل لوقت معلوم، لا يدخل، وكذا يدخل الطريق إلى الطريق الأعظم،
والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكرً قرينة، وإن ذكر شيئاً من القرائن.
(١) في ط: البيع.
(٣) تقدم وانظر تخريج الحديث السابق.
(٢) تقدم.
/١٨١

٦١٣
كتاب البيوع
فإن ذكر الحقوق أو المرافق دخل فيها الشرب ومسيل الماء والطريق الخاص الذي يكون
في ملك إِنسان، وهو حق المرور في ملكه.
ولا يدخل الزرع والثمر لأنها أعيان قائمة بنفسها، فلا يتناولها اسم الحقوق والمرافق،
بخلاف الشرب والمسيل والتطرق؛ فإِنها عبارة عن حق الشرب والسقي والتسييل والمروز،
فيتناولها الاسم.
وإِن ذكر القليل والكثير بأن قال: بعتُها منك بكل قليلٍ وكثير هو فيها ومنها، فهل يدخل
الزرع والثمر؟
ينظر إن قال في آخره من حقوقها فلا يدخلان، لأنَّ قولَهُ من حقوقها خرج تفسيراً لأول
الكلام، فكأنه نص على البيع بحقوقها، وإِن لم يقل في آخره من حقوقها، دخل فيه الزرع
والثمر، وكل ما كان متصلاً به، لأن اسم القليل والكثير فيه ومنه يتناول ذلك.
وأما المنفصل عنها كالثمار المجذوذة والزرع المحصود والحطب واللبن والقصب
الموضوع، فلا يدخل في البيع إِلاَّ بالتسميةِ، فرق بين البيع والإِجارة أن الشرب والمسيل
والطريق الخاض في ملك إنسان يدخلُ في الإجارة من غير ذكر الحقوق، والمرافق لا يدخل
بدونه .
والقياس أَنْ لا يدخل في البابين جميعاً إِلاَّ بالتسمية إِلاَّ أنهم استحسنوا في الإِجارة، لأنها
تعقد للانتفاع بالمستأجر، ولا يمكن الانتفاع به بدون الحقوق [فصارت الحقوق](١) مذكورة
بذكر المستأجر دلالة؛ بخلاف البيع، فإِنه يعقد للملك والانتفاع ليس من ضرورات الملك،
فإنه يثبت الملك فيما لا ينتفع به .
وَكَذَا فرق بين البيع والرهن، فإِنَّ مَنْ رَهَنَ عند رجلٍ أرضاً فيها زرعٌ وأشجارٌ عليها ثمار
وسلمها إليه، أنه يدخل في الرهن كل ما كان متصلاً بها من غير تسمية الحقوق والقليل
والكثير .
ووجه الفرق أن تمييز الرهن من غيره شرط صحة الرهن على ما نذكر في كتابه، فمتى
أقدما على عقد الرهن فقد قَصَدَا صحته، ولا صحة له إلا بدخول ما كان متصلاً بالمرهون،
فدخل فيه تصحيحاً للتصرف؛ إذ لا صحة له بدونه، بخلاف البيع، فإن تمييز المبيع من غيره
ليس بشرط لصحة البيع، فلا ضرورة في الدخول بغير التسمية، فلا يدخل بدونها.
(١) سقط من ط .

٦١٤
كتاب البيوع
هذا إذا كان المبيع أرضاً أو كَرْماً، فإن كان داراً يدخلُ في بيعها جميع ما كان منها من
بيت ومنزل وعلو وسفل، وجميع ما تجمعه الحدود الأربعة، من غير ذكر قرينة، وتدخل
أغاليق الدار ومفاتيح أغاليقها.
أما الأغاليق: فلأنها ركبت للبقاء لا لوقت معلوم فتدخل كالميزاب.
٨١/٣ ب
وأما المفاتيح: فلأن مفتاح الغلقِ مِنَ الغلقِ؛ ألا ترى أنه لو اشترى الغلق دخل المفتاح
فيه من غير تسمية فيدخل في البيع بدخول الغلق، ويدخل طريقها إلى طريق العامة، وطريقها
إلى سكة غير نافذة؛ كما يدخل في الأرض والكرم، ويدخل الكنيف والشارع والجناح، كُلُّ
ذلك يدخل من غير قرينة، وهل تدخل الظلة؟ ينظر إِن لم / يكن مفتحها إلى الدار لا تدخل
بالاتفاق، وإِن كان مفتحها إلى الدار لا تدخل أيضاً عند أبي حنيفة (رحمه الله)، وعند أبي
يوسف ومحمد (رحمهما الله): تدخل.
وجه قولهما أن الظلة إذا كانت مفتحها إلى الدار، كانت من أجزاء الدار، فتدخل تحت
بيع(١) الدار كالجناح والكنيف.
ولأبي حنيفة أَنَّ ظلة الدار خارجة عن حدودها، فإِنها اسم لما يظل (٢) عند باب الدار
خارجاً منها، فلا تدخل تحت بيع الدار كالطريق الخارج؛ وبهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار
فدخل ظلتها لا يحنث.
وأما ما كان لها من بستان فينظر إن كان داخل حد الدار يدخل، وإن كان يلي الدار لا
يدخل من غير تسمية، وقال بعضُهم: إن كانت الدار صغيرة يدخل، وإن كانت كبيرة لا
يدخل؛ لأنها إذا كانت صغيرة يمكن أن يجعل تبعاً للدار، وإذا كانت كبيرة لا يمكن، وقال
بعضهم: يحكم الثمن، فإِن صلح لهما يدخل، وإِلاَّ فلا يدخل.
وأما مسيل الماء والطريق الخاص في ملك إِنسان وحق القاء الثلج، فإن ذكر الحقوق
والمرافق يدخل، وكذا إن ذكر كل قليل وكثير هو فيها ومنها، سواء ذكر في آخره من حقوقها
أو لم يذكر، وتدخل الظلة أيضاً بلا خلاف إذا كان مفتحها إلى الدار، وإذا كان المبيع بيتاً
فيدخل في بيعه حوائطه وسقفه وبابه والطريق إلى الطريق العامة، والطريق إلى سكة غير نافذة
من غير ذكر قرينة، وأما الطريق الخاص في ملك إِنسان فلا يدخل إلا بذكر أحد القرائن
الثلاث، ولا يدخل بيت العلو إن كان على علوه بيت، وإِن ذكر القرائن، لأن العلو بیت مثله،
فكان أصلاً بنفسه، فلا يكون تبعاً له، وإن لم يكن على علوه بيت، كان له أَنْ يبني على علوه.
(١) في ط: ببيع.
(٢) في أ: يصل.

٦١٥
كتاب البيوع
وإن كان البيت في داره فباعه من رجلٍ لا يدخل في البيع طريقه في الدار إلاَّ بذكر
الحقوق، ثم إن كان البيع يلي الطريق الأعظم يفتح له باباً إليه، وإن كان لا يلي الطريق الأعظم
لا يبطل البيع، وله أن يستأجر الطريق إليه أو يستعير من صاحب الدار، فرقٌ بين هذا وبين
القسمة إذا أصاب أحد الشريكين في الدار بيت أو منزل أو ناحية منها بغير طريق، أنه ينظر إن
أمكنه فتح الباب إلى الطريق ليس له أن يتطرق في نصيب شريكه، سواء ذكروا في القسمة
الحقوق والمرافق أو لا .
وكذا إذا كان مسيل مائة في نصيب شريكه، قبل القسمة، انقطع ذلك الحق إن أمكنه
تسييل في نصيب نفسه، ليس له أن يسيل في نصيب شريكه، وإن لم يمكنه تسييل الماء ولا
فتح الباب في نصيب نفسه ويمكنه ذلك في نصيب شريكه؛ فإنه يُنظر إن ذكروا في القسمة
الحقوق أو المرافق فالطريق والمسيل يدخلان في القسمة، ولا تبطل القسمة، وإن لم يذكروا
ذلك فلا يدخلان وتبطل القسمة .
ووجه الفرق أن القسمة لتتميم المنفعة وتكميلها فإن أَدَّتْ إلى تفويتها بطلت، والبيع
للملك لا للانتفاع بالمملوك على ما ذكرنا، ويجوز بيع بيت العلو دون السفل إذا كان على
العلو بناء، وإِن لم يكن عليه بناء لا يجوز، لأنه بيع الهواء على الانفراد، وأنه لا يجوز، ثم إذا
باع العلو وعليه بناءٌ حتى جاز البيع، فطريقُه في الدار لا يدخل الطريق إلا بذكر الحقوق.
ويجوز بيع السفل سواء كان مبنيًّا أو غير مبنيٍّ، لأَنّه بيع الساحة، وذلك جائز، وإِن لم
يكن عليه بناء، وإِن كان المبيع منزلاً يدخل في بيت السفل ولا يدخل بين العلو ولا الطريق
الخاص إلاَّ بذكر الحقوق أو المرافق، أو بذكر القليل والكثير؛ لأن المنزل أعم من البيت
وأخص من الدار، فكان بين الدار والبيت فيعطي له حكم بين حكمين، فلم يدخل العلو في
بيع المنزل من غير قرينة، اعتباراً للخصوص، ويدخل فيه بقرينة اعتباراً للعموم؛ عملاً بالجهتين
بقدر الإمكان، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
ثم إذا لم تدخل الثمرة بنفس البيع يجبر البائع على قطعها من الشجرة، وليس له أن
يتركها على الشجرة إلى وقت الإِدراك، وكذا الزرع عندنا، وعند الشافعي لا يجبر، وله أن
يترك الثمرة على الشجرة إلى وقت الإدراك، ويترك الزرع إلى أن يستحصد.
وجه قوله أن الجبر على القطع والقلع لوجوب التسليم ووقت وجوب التسليم هو وقت
الإدراك، لأنه لا يقطع ولا يقلع إلاّ بعد الإدراك عادة، فلا يجب عليه التسليم قبله؛ كما إذا
انقضت مدة الإجارة والزرع لم يستحصد أنه لا يجبر على القلع، بل / يترك إلى أن يستحصد. ١٨٢/٣
ولنا أن البيع يوجب تسليم المبيع عقيبه بلا فصل، لأنه عقد معاوضة تمليك بتمليك،

٦١٦
كتاب البيوع
وتسليم بتسليم، فالقولُ بتأخير التسليم بغير مقتضى العقد، وقوله العادة أن الثمرة تترك على
الشجرة إلى وقت الإدراك، قلنا: العادة، هذا قبل البيع، أما بعده فممنوعٌ، بل تقطع بعده ولا
تترك، لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع، فلا بد من إزالة الشغل، وذلك بقطع الثمرة؛
هكذا نقول في مسألة الإِجارة أنه يجب تسليم الأرض عند انتهاء المدة، وإنما تترك بإجارةٍ
جديدةٍ بأجرة أخرى؛ وهذا حجة عليه؛ لأنه لو ترك بالعقد الأول لما وجبت أجرة أخرى،
وسواء أبرأ ولم يؤبر بأن كان المبيع نخلاً بعد أن ظهرت الثمرة من الشجرة. وبانت منها، ليس
له أن يتركها على شجرة المشتري إلاَّ برضاه لما قلنا.
ولو تركها على الشجرة إلى أن أدركت، فإن كان الترك بإذن المشتري طلب له الفضل،
وإِن كان بغير إذن المشتري، يُنظر إِن كان قد تناهى عظمها يطيب له الفضل أيضاً؛ لأنها لا
تزداد بعد ذلك بل تنتقص، وإِن كان صغاراً لم يتناه عظمها، لا يطيب له الفضل لأنه تولد من
أصل مملوك لغيره.
ولو استأجر البائعُ الشجرة ليترك الثمر عليها إلى وقتِ الجذاذ، لم تجز هذه الإِجارة؛
لأن جواز الإِجارة [على هذه الصورة](١) مع أن القياس يأباها لكونها بيع المعدوم لتعامل
الناس، والناس ما تعاملوا هذا النوع من الإِجارة؛ كما لم يتعاملوا استئجار الأشجار لتجفيف
الثياب [وتجفيف اللحم](٢) لكن لو فعل يطيب له الفضل؛ لأنه ترك بإذن المشتري، وهذا
بخلاف الإِجارة إذا انقضت مدتها والزرع بَقْلٌ لم يستحصد، بعد أن يترك فيه إلى وقت الحصاد
بالأَجرة، لأَن الترك بالأجرة هناك مما جرى به التعامل، فكان جائزاً.
هذا إذا لم يسم الثمرة في بيع الشجر، فأما إذا سمى دخل الثمر مع الشجر في البيع،
وصار للثمرة حصة من الثمن، وينقسم الثمن عليهما (٣) يوم العقد، لأنه لما سَمَّاهما فقد صارت
مبيعاً (٤) مقصوداً لورود فعل البيع عليه، حتى لو هلك الثمن قبل القبض بآفة سماوية، أو بفعل
البائع، تسقط حصته من الثمن عن المشتري؛ كما لو هلك الشجر قبل القبض، والمشتري
بالخيار إن شاء أخذ الشجر بحصته من الثمن، وإِن شاء ترك؛ لأن الصفقَة تفرَّقت عليه، ولو
جذه البائع والمجذوذ قائم بعينه، ينظر إِن جذه في حِينِهِ ولم ينقضه الجذاذ، فلا خيار للمشتري
ويقبضهما بجميع الثمن، ولو قبضهما بعد جذاذ البائع ثم وجد بأحدهما عيباً، له أن يرد
المعيب خاصَّة؛ لأنه قبضهما وهما متفرقان وقت القبض، فَصَارَ كأنهما كانا متفرقين وقت
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: تصفيف اللحوم.
(٣) في ط: عليها.
(٤) في أ: منتفعاً.

٦١٧
كتاب البيوع
العقد؛ بخلاف ما إذا جذه المشتري بعد القبض، ثم وجد بأحدهما عيباً؛ أنه ليس له أن يرد
المعيب خاصَّة، بل يردهما جميعاً أو يمسكهما؛ لأنهما كانا مجتمعين عند البيع وعند القبض
جميعاً، فإفراد أحدهما [بالرد] (١) يكون تفريق الصفقة بعد وقوعها مجتمعة، وهذا لا يجوز.
هذا إذا لم ينقضْهُ الجذاذ بأن جذه البائع في حينه وأوانه، فأما إذا نقضه بأن جذه في غير
حينه، تسقط عن المشتري حصة النقصان؛ لأنه لما نَقَضه الجذاذ فقد أتلف بعض المبيع قبل
القبض، فتسقط عن المشتري حصته من الثمن، وله الخيار في الباقي لتفرق الصفقة عليه، وإذا
قبضهما المشتري بعد جذاذ البائع ثم وجد بأحدهما عيباً، له أَنْ يَرُدَّ المعيب خَاصَّةً، لأَنَّه
قبضهما وهما متفرقان، فصارا كأنهما كانا متفرقين عند العقد.
وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شجرةً أنه هل يدخل في شرائها أصلها وعرقها وأرضها؟
فجملة الكلام فيه أن هذا لا يخلو من ثلاثةِ أوجهٍ: إِما أَن اشتراها بغير أرضها للقلع،
وأما أن اشتراها بقرارها من الأرض للترك لا للقلع، وأما أن اشتراها ولم يذكر شيئاً، فإن
اشتراها بغير أرضها للقلع دخل فيها أصلها، ويجبر المشتري على القلع، وله أن يقلع بأصلها،
لكن قلعاً معتاداً متعارفاً، وليس له أن يحفر الأرض إلى ما يتناهى إليه العروق؛ لأن المعروف
بالعرف كالمشروط بالشرط إِلاَّ إذا شرط البائع القطع على وجه الأرض، فلا يدخل فيه أصلها،
أو لم يشترط لكن في القطع من أصلها ضررٌ بالبائع / بأن كان بقرب حائطه أو على حافة نهره
فيخاف الخلل على الحائط أو الشق في النهر، فقطعها على وجه الأرض دون أصلها؛ لأن
الضرر لا يستحق بالعقد، فإِن قلع أو قطع ثم نبت من أصلها أو عروقها شجرة أخرى، فهي
للبائع لا للمشتري؛ لأنه رضي أن يكون المبيع القدر المقطوع، فيكون الباقي للبائع إِلا إِذا قطع
من أعلى الشجرة، فالنابتُ يكون للمشتري؛ لأنه نماء ملكه، وإن اشْتَرَاهَا بقرارِها مِنَ الأَرض
للترك لا للقلع، فيدخل فيها أرضها ولا يجبر على القلع؛ لأنه ملك الشجرة مع موضعها، فلم
يكن ملك البائع مشغولاً به، فلا يملك إجباره على القلع، وله أن يغرس مكانها أخرى؛ لأَنّه
يغرس في ملك نفسه.
٨٢/٣ ب
وأما إذا اشتراها من غير شرط القلع ولا الترك، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وذكر في
غير رواية الأُصول اختلافاً بين أبي يوسف ومحمد (رحمهما الله)، فقال على قول أبي يوسف
لا تدخل الأرض في البيع، وعلى قول محمد: تدخل.
وجه قول محمد أن المسمى في البيع هو الشجرة، وهي اسم للقائم على أرضها
-
(١) في أ: عن الآخر.

٦١٨
كتاب البيوع
بعروقها، فأما بعد القلع فهي خشب لا شجر، فلا بد وأن تدخل الأرض فيه؛ ولهذا دخلت في
الإقرار بالإجماع بأن أقر لرجل بشجر في أرضه حتى كانت الشجرة مع أرضها للمقر له؛ كذا
هذا.
ولأبي يوسف أن الأرضَ أصلٌ، والشجرةَ تابعةٌ لها؛ ألا ترى أنها تدخل في بيع الأرض
من غير شرط تبعاً للأرض، فلو دخلت في بيع الشجرة لاستتبع التبع الأصل، وهذا قلب
الحقيقة، وإنما دخلت في الإقرار بالشجرة، لأن الإقرار إخبار عن كائن، فلا بد من كون سابق
على الإِقرار، وهو قيامها في الأرض التي هي قرارها، وذلك دليل كون الأرض للمقر له بسبب
سابق، فكان الإقرار يكون الشجرة له إقرارا بكون الأرض له أيضاً، ومثل هذه الدلالة لم توجد
في البيع، فلا يدخل، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
وَلَوِ اشترى صدفة فوجد فيها لؤلؤة فهي للمشتري؛ لأنها تتولد من الصدفة، بمنزلة
البيضة تتولد من الدجاجة، فكانت بمنزلة أجزائها، فتدخل في بيعها؛ كما تدخل البيضة في بيع
الدجاجة.
وكذلك إذا اشترى سمكة فوجد فيها لؤلؤة، لأن السمك يأكل الصدفة، فصار كما لو
اشترى سمكة فوجد فيها سمكة أخرى أن الثانية تكون له، ولو اشترى دجاجةً فوجد فيها لؤلؤة
فهي للبائع؛ لأن اللؤلؤ لا يتولد من الدجاج ولا هو من علفها، فلا يدخل في بيعها.
وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أن كل شيء يوجد في حوصلة الطير إن كان مما
يأكله الطير فهو للمشتري، لأنه يكون بمنزلة العلف له؛ وإن كان مما لا يأكله الطير فهو للبائع.
وعلى هذا يخرج ما إِذا باع رقيقاً وله مال، أَنَّ ماله لا يدخل في البيع، ويكون للبائع إِلاّ
أن يشترطه المبتاعُ، لما روي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((مَنْ بَاعَ عَبْدَاً وَلَهُ مَالٌ،
فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» (١)، وهذا نصٍّ في الباب، ولأن العبد وما في يده لمولاه؛
لأنه مملوكَ لا يقدر على شيء، والمولى ما باع ما في يد العبد؛ لأن الداخل تحت البيع هو
العبد، فلا يدخل في بيعه ما ليس منه، والقياس أن لا تدخل ثياب بدنه؛ كما لا يدخل اللجام
والسرج والعذار في بيع الدابة لما قلنا، لكنهم استحسنوا في ثياب البذلة والمهنة، وهي التي
يلبسها في اليوم والليلة لتعامل الناس وتعارفهم.
وأما الثياب النفيسة التي لا يلبسها إلاَّ وقت العرض للبيع، فلا تدخل في البيع؛ لانعدام
التعارف في ذلك، فبقي على أصل القياس، وهذا مما يختلف باختلاف عرف الناس وعاداتهم
(١) تقدم.

٦١٩
كتاب البيوع
في كل بلد، فبنى الأَمر فيه على ذلك؛ وكذا لو أعتق عبده على مالٍ فمالُهُ لمولاه لما قلنا.
وكذا لو أعتق مدبره أو أم ولده؛ لأنه مرقوق مملوك فلا يكون له مال، ولو كاتب عبده
فما كان له من المال وقت الكتابة يكون لمولاه؛ لأنه كسب القن، وما اكتسب بعد الكتابة
يكون له؛ لأنه كسب المكاتب؛ ولأنه حُرِّ يداً، فكان كسبه له، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
ومنها أن يكون مقدور التسليم من غير ضرر يلحق البائع، فإن لم يكن تسليمه إلا بضرر
يلزمه، فالبيع فاسدٌ، لأن الضرر لا يستحق بالعقد ولا يلزم بالتزام العاقد إِلاَّ ضرر تسليم
المعقود عليه، فأما ما وراءه فلا .
وعلى هذا يخرج ما إذا باع جذعاً له في سقف، أو آجراً له في حائط، أو ذراعاً/ في ١٨٣/٣
ديباج، أو كرباس - أنه لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بالنزع والقطع، وفيه ضررٌ بالبائع،
والضررُ غير مستحق بالعقد، فكان هذا على هذا التقدير بيع ما لا يجب تسليمه شرعاً، فيكون
فاسداً، فإِن نزعه البائع أو قطعه وسلمه إلى المشتري قبل أن يفسخ المشتري البيع، جاز البيع
حتى يجبر المشتري على الأخذ، لأن المانع من الجواز ضرر البائع بالتسليم، فإذا سلم باختياره
ورضاه فقد زال المانع، فجاز البيع، ولزم فرق بين هذا وبين بيع الألية في الشاة الحية، والنوى
في التمر، والزيت في الزيتون، والدقيق في الحنطة، والبزر في البطيخ؛ ونحوها - أنه لا ينعقد
أصلاً حتى لو سلم لم يجز، وقد ذكرنا وجه الفرق فيما تقدم، والأصلُ المحفوظ أن ما لا
يمكن تسليمه إلا بضرر يرجع إلى قطع اتصال ثابت بأصل الخلقة، فبيعه باطلٌ، وما لا يمكن
تسليمه إلاَّ بضررٍ يرجعُ إِلى قطع اتصال عارض، فبيعه فاسدٌ، إِلاّ أن يقطع باختياره ويسلم
فيجوز.
والقياس على هذا الأصل أن يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه يمكن تسليمه من
غير ضرر يلزمه بالجَزِّ، إلا أنهم استحسنوا عدم الجواز للنص، وهو ما روي عن عبد الله بن
عباس (رضي الله عنهما) عن رسول الله وَّله؛ ولأن الجزَّ من أصله لا يخلو عن الإِضرار
بالحيوان، وموضع الجز فيما فوق ذلك غير معلوم، فتجري فيه المنازعة، فلا يجوز.
ولو باع حليةَ سَيْفٍ، فإِن كان يتخلص من غير ضرر يجوز، وإِن كان لا يتخلص إِلاَّ بضررٍ،
فالبيعُ فاسدٌ إلا إذا فصل وسلم؛ وعلى هذا بناء بين رجلين والأرض لغيرهما، فباع أحدهما نصيبه
من البناء لغير شريكه لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إِلاَّ بضرر، وهو نقض البناء.
وكذا زرع بين رجلين أو ثمار بينهما في أرض لهما حق الترك فيها إلى وقت الإدراك،
فباع أحدهما نصيبه قبل الإدراك، لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر صاحبه؛ لأنه يجبر
على القلع للحال، وفيه ضَرَرٌ به.

٦٢٠
کتاب البيوع
ولو باع بعد الإدراك، جاز، لانعدام الضرر؛ وكذا إذا كان الزرع كله لرجل ولم يدرك
فباع الزرع، لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلاَّ بقطع الكل، وفيه ضررٌ، ولو كان بعد الإدراك
جاز لانعدام الضرر.
دارٌ أو أرضٌ بين رجلين مشاعٌ غير مقسوم، فباع أحدهما بيتاً منها بعينه قبل القسمة، أو
باع قطعة من الأرض بعينها قبل القسمة، لم يجز لا في نصيبه ولا في نصيب صاحبه، أما في
نصيبه خاصةً فظاهرٌ، وأما في نصیب صاحبه، فلأن فيه إِضراراً بصاحبه بإحداث زيادة شركة.
ولو باع جميع نصيبه من الدار والأرض، جاز؛ لأنه لم يحدث زيادة شركة، وإِنما قام
المشتري مقام البائع، ولو باع اللؤلؤة في الصدفة، ذكر الكرخي (رحمه الله) أنه لا يجوز، لأنه
لا يمكن تسليمها إِلاَّ بشقّ الصدفة، وأنه ضررٌ فيما وراء المعقود، فصار كبيع الجذع في
السقف .
وَرُوِيَ عن أبي يوسف أنه يجوز لأَنّه لا يتضرر بشق الصدفة، لأَن الصدف لا ينتفع به إِلاَّ
بالشقِّ، ولو باع قفيزاً من هذه الصبرة أو عشرة دراهم من هذه النقرة؛ جاز لأنه لا يتضرر
بالفصل والتمييز.
وكذا لو باع القوائم على رؤوس الأشجار، أو باع الثمار على رؤوس الأشجار؛ بشرط
القطع أو مطلقاً - جاز لما قلنا .
وكذا لو باع بناء الدار دون العرصة، أو الأشجار القائمة على الأرض دون الأرض، أو
الزرع أو البقول القائمة قبل الجذ؛ أنه يجوز لأنه يمكنه تسليم هذه الأشياء من غير ضررٍ، والله
(سبحانه وتعالى) أعلم.
تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع
وأوله: ((بقية كتاب البيوع))