Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ کتاب الكفارات بعضها في بعضٍ، وجعل النصين كنصِّ واحد مع إِمكان العمل بكلٍ واحد منهما، وهذا لا يجوز بخلاف المجمل؛ لأنه غيرُ ممكنِ العمل بظاهره. والثاني: طريق مشايخ العراق، وهو أَنَّ حملَ المطلق على المقيد نسخٌ للإِطلاق؛ لأن بعد ورود النص المقيد لا يجوز العمل بالمطلق، بل ينسخ حكمه، وليس النسخ إلاّ بيان منتهى مدة الحكم الأول، ولا يجوز نسخ الكتاب بالقياس(١) ولا بخبر الواحد(٢). (١) القياس لا ينسخ ولا ينسخ به، أما كونه ناسخاً فالجمهور على منعه، وقال لا يجوز نسخ شيء من القرآن والسنة بالقياس. ينظر الإحكام للآمدي (١٤٨/٢ - ١٤٩) المستصفى للغزالي (١٢٦/١) الإبهاج (٢٥٤/١) نهاية السول (٥٨٩/٢) شرح العضد (١٩٩/٢) جمع الجوامع (٨١/٢) الآيات (١٥٠/٣). (٢) لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، وأما نسخ المتواتر سنة أو قرآناً بالآحاد، فالكلام في الجواز والوقوع. أما الجواز عقلاً فالأكثرون عليه، وحكاه سليم عن الأشعرية والمعتزلة. ومنهم من نقل فيه الاتفاق، وبه صرح ابن برهان في ((الأوسط)) فقال: لا يستحيل عقلاً نسخ الكتاب بخبر الواحد بلا خلاف، وإنما الخلاف في جوازه شرعاً. ومنعه الهندي، وظاهر كلام سليم في ((التقريب)) أن غير الأشعرية والمعتزلة يقولون بمنعه عقلاً، وهو ظاهر ما نقله القاضي في ((التقريب)) عن الجمهور. وقال إلكيا: لا يمنع منه، ولا يلتفت إلى من قال: إن خبر الواحد يفيد الظن، وكتاب الله قطعي، فكيف يرفع المقطوع بمظنون؟ فإن هذا شاع مما يلوح في الظاهر، لأن خبر الواحد وإن كان مفضيا إلى الظن، لكن العمل به مستند إلى قاطع، وذلك القاطع أوجب علينا العمل بالظن، ولولاه لما صرنا إلى العمل به. فوجب العمل به مقطوع، والظن وراء ذلك. فعلى هذا ما رفعنا المقطوع بمظنون. وأما الوقوع، فذهب الجمهور كما قاله ابن برهان وابن الحاجب وغيرهما إلى أنه غير واقع، ونقل ابن السمعاني وسليم في ((التقريب)) فيه الإجماع، وعبارتهما: لا يجوز بلا خلاف. وهكذا عبارة القاضي أبي الطيب في ((شرح الكفاية))، والشيخ أبي إسحاق في ((اللمع))، ولم يحكيا خلافاً. وينبغي حمل كلامهم على نفي الوقوع لما ذكرناه، وإن كانت أدلتهم صريحة في نفي الجواز. وذهب جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم إلى وقوعه، وهي رواية عن أحمد احتجاجاً بقصة أهل قباء، حكاها ابن عقيل، وألزم الشافعي ذلك أيضاً، فإنه احتج على خبر الواحد بقصة قباء. وفَصَّل القاضي في ((التقريب)) والغزالي وأبو الوليد الباجي والقرطبي بين زمان الرسول وما بعده، فقالا بوقوعه في زمانه. وكذا قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على أن الثابت قطعاً لا ينسخه مظنون، ولم يتعرض لزمان الرسول. وكأن الفارق أن الأحكام في زمان الرسول في معرض التغير، وفمبا بعده مستقرة، فكان لا قطع في زمانه. ينظر: البحر (١٠٨/٤ - ١٠٩) وينظر: الرسالة (١٠٦) الدمع (٣٣) التبصرة (٢٦٤) المحصول (٥١٩/٣/١) العدة (٧٨٨/٣) المعتمد (٤٢٤/١) المسودة (٢٠١) الروضة (٤٤) شرح الكوكب (٥٦٢/٣) جمع الجوامع (٧٨/٢) الآيات (١٣٩/٣) البرهان (١٣٠٧/٢) أصول السرخسي (٢/ ٦٧) المنتهى (١١٨) شرح العضد (١٩٥/٢) تيسير التحرير (٢٠٣/٣) كشف الأسرار (١٧٥/٣) الإبهاج (٢/ ٢٧٠) إرشاد الفحول (١٩١) فواتح الرحموت (٧٨/٢). بدائع الصنائع ج٦ - م٢٦ ٤٠٢ كتاب الكفارات وقوله: المطلق في معنى المجمل ممنوعٌ، لأن المجمل لا يمكن العمل بظاهره والمطلقُ يمكنُ العمل بظاهره، إذ هو اسم لما يتعرض للذات دون الصفات، فيمكن العمل بإِطلاقه من غير الحاجة إلى البيان، فلا ضرورة إلى حمل المطلق على المقيد، وفي الموضع الذي حمل إِنما حمل لضرورة عدم الإِمكان، وذلك عند اتحاد السبب والحكم لاستحالة ثبوت حكم واحدٍ في زمانٍ واحدٍ مطلقاً ومقيداً، فيخرج على البيان وعلى الناسخ وعلى الاختلاف المعروف بين مشايخنا أَنَّ تقييد المطلق بيان أو نسخ، وعند اختلاف السبب لا ضرورة فلا يحمل، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم. وبه تبين أن شرط الإيمان في كفارة القتل ثبت نَصًّا غير معقولِ المعنى، فيقتصر على مورد النص، ويمكن أن يقال أن تحرير رقبة موصوفة بصفة الإِيمان في باب القتل ما وجب بطريق التكفير؛ لأن الكفارة كاسمها ستارة للذنوب والمؤاخذات فى الآخرة، والله (سبحانه وتعالى) وضع المؤاخذة في الخطأ بدعاء النبي (عليه أشرف التحية): ((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)). وقال النبيُّ (عليه السلام): ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))(١) وَإِنما وجبت بطريق الشكر لسلامة نفسه في الدنيا عن القصاص وفي الآخرة عن العقاب؛ لأنَّ حفظَ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوع في الخطأ مقدورٌ في الجُمْلَةِ بالجُهْدِ والجدّ والتّكلفِ، فجعل الله (سبحانه وتعالى) تحرير رقبة موصوفةٌ بكونها مؤمنةٌ؛ شكراً لتلك النعمة، والتحرير في اليمين والظهار يجب بطريق التكفير إذا لم يعرف ارتفاع المؤاخذة الثابتة ههنا، فوجب التحرير فيهما تكفيراً فلا يستقيم القياس. فإن قيل: إذا حنث في يمينه خطأ كان التحرير شكراً على ما قلتم، فينبغي أن يقاس على القتل في إيجاب تحرير رقبة مؤمنة، فالجواب أنه لا يمكن القياس في هذه الصورة أيضاً لما ذكرنا أَنَّ تحرير المؤمن جَعَلَ شكراً لنعمة خاصة، وهي سلامة الحياة في الدنيا مع ارتفاع المؤاخذة في الآخرة. وفي باب اليمين النعمة هي ارتفاع المؤاخذة في الآخرة فحسب؛ إذ ليس ثمة موجب دنيوي يسقط عنه، فكانت النعمة في باب القتل فوق النعمة في باب اليمين وشكر النعمة يجب على قدر النعمة كالجزاء على قدر الجناية، ولا يعلم مقدار الشكر إِلاَّ من علم مقدار النعمة، وهو الله (سبحانه وتعالى) فلا تمكن المقايسة في هذه الصورة أيضاً، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (١) تقدم تخريجه. ٤٠٣ كتاب الكفارات وأما كفارة الظهار والإفطار والقتل، فأما التحرير فجميعُ ما ذكرنا أنه شرط جوازه في كفارة اليمين، فهو شرط جوازه في كفارة الظهار والإفطار والقتل، وما ليس بشرط الجواز التحرير في كفارة اليمين فليس بشرط لجوازه في تلك الكفارات إِلاّ إيمان الرقبة خاصَّة، فإِنه شرط الجواز في كفارة القتل بالإجماع، وكذا كمال العتق قبل المسيس في كفارة الظهار، وهذا تفريع على مذهب أبي حنيفة (رضي الله عنه) خاصة، حتى لو أعتق نصف عبده ثم وطىء ثم أعتق ما بقي، فعليه أن يستقبل عتق الرقبة في قول أبي حنيفة (رحمه الله تعالى)، لأن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة (عليه الرحمة)، فلم يوجد تحرير كامل قبل المسيس فيلزمه الاستقبال. وأما الصوم: فقدر الصوم في كفارة اليمين ثلاثةُ أيام؛ لقوله (سبحانه وتعالى): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذا في كفارة الحلقّ؛ لحديث كعب بن عجرة (رضي الله عنه) ذكرنا في ((كتاب الحج)) وفي ((القتل))، و((الظهار))، و((الإِفطار)) صوم شهرين لورود النص به . وأما شرط جواز هذه الصيامات فلجواز صيام الكفارة شرائط مخصوصة: منها: النية من الليل حتى لا يجوز بنية من النهار بالإِجماع؛ لأنه صوم غير عينٍ، فيستدعي وجوب النية من الليل؛ لما ذكرنا في ((كتاب الصوم)). ومنها: التتابع في غير موضع الضرورة في صوم كفارة الظهار. والإِفطار والقتل بلا خلافٍ؛ لأن التتابع منصوص عليه في هذه الكفارات الثلاثة؛ قال الله (تعالى) في كفارتي القتل والإِفطار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنٍ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ [المجادلة: ٤] وقال النبي ◌َّرَ للأعرابي: ((صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِخِلاَفِ صَوْم قَضَاءِ رَمَضَانَ))(١) لأن الله (سبحانه وتعالى) أمر به من غير شرط التتابع بقوله (تبارك وتعالى): ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وأما صوم كفارة اليمين فيشترط فيه التتابع أيضاً عندنا، وعند الشافعي: لا يشترط، بل هو بالخيار إن شاء تابع، وإن شاء فرق، واحتجَّ بظاهر قوله (تعالى): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] من غير شرط التتابع. ولنا قراءةُ عبد الله بن مسعود (رضي الله عنهما): ((فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّام مُتَتَابِعَاتٍ))(٢) وقراءته كانت مشهورة في الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) فكانت بمنزلة الخبر المشهور؛ لقبول الصحابة (رضي الله عنهم) إياها تفسيراً للقرآن العظيم، إن لم يقبلوها في كونها قرآنا فكانت (١) تقدم تخريجه. (٢) وبها قرأ أبيّ وعبد الله والنخعي. ينظر البحر المحيط (١٤/٤). ٤٠٤ كتاب الكفارات مشهورة في حق حكم الصحابة (رضي الله عنهم) إياها في حق وجوب العمل، فكانت بمنزلة الخبر المشهور، والزيادة على الكتاب الكريم بالخبر المشهور جائزةً بلا خلافٍ، ويجوز بخبر الواحد؛ وكذا عند بعض مشايخنا على ما عرف في أصول الفقه. وعلى هذا يخرج ما إذا أفطر في حلال الصوم أنه يستقبل الصوم، سواء أفطر لغير عذر أو لعذر مرض أو سفر؛ لفوت شرط التتابع. وكذلك لو أفطر يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق، فإنه يستقبل الصيام سواء أفطر في هذه الأيام أو لم يفطر؛ لأنَّ الصوم في هذه الأيام لا يصلح لإِسقاط ما في ذمته؛ لأن ما في ذمته كامل، والصوم في هذه الأيام ناقص لمجاورة المعصية إياه، والناقص لا ينوب عن الكامل . ولو كانت امرأة فصامت عن كفارة الإفطار في رمضان، أو عن كفارة القتل، فحاضت في خلال ذلك، لا يلزمها الاستقبال؛ لأنها لا تجد صوم شهرين لا تحيض فيهما، فكانت معذورة، وعليها أن تصلي أيام القضاء بعد الحيض بما قبله، حتى لو لم تصلي وأفطرت يوماً بعد الحيض استقبلت، لأنها تركت التتابع من غير ضرورة، ولو نفست تستقبل لعدم الضرورة؛ لأنها تجد شهرين لا نفاس فيهما . ولو كانت في صوم كفارة اليمين فحاضت في خلال ذلك تستقبل؛ لأنها تجد ثلاثة أيام لا حيض فيها، فلا ضرورة إلى سقوط اعتبار الشرط، ولو جامع امرأته التي لم يظاهر منها بالنهار ناسياً أو بالليل عامداً أو ناسياً، أو أكل بالنهار ناسياً - لا يستقبل؛ لأن الصوم لم يفسد، فلم يفت شرط التتابع. ومنها: عدم المسيس في الشهرين في صوم كفارة الظهار، سواء فسد الصوم أو لا، في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الشرطُ عدم فساد الصوم، حتى لو جامع امرأته التي ظاهر منها بالليل عامداً أو ناسياً، أو بالنهار ناسياً استقبل عندهما، وعند أبي يوسف: يمضي على صومه، وبه أخذ الشافعي. وجه قول أبي يوسف: أَن هذا الجماع لا ينقطع به التتابع؛ لأنه لا يفسد الصوم، فلا يجب الاستقبال كما لو جامع امرأة أخرى ثم ظاهر منها، والصحيح قولنا؛ لأن المأمور به صوم شهرين متتابعين لا مسيس فيهما بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ [المجادلة: ٤] فإِذا جامع في خلالهما فلم يأت بالمأمور به؛ ولو جامعها بالنهار عامداً استقبل بالاتفاق. ٤٠٥ كتاب الكفارات أما عندهما فلوجود المسيس، وأما عنده فلانقطاع التتابع لوجود فساد الصوم. وأما وجوب كفارة الحلق فصاحبه بالخيار، إن شاء فرق لإطلاق قوله (تبارك وتعالى): ﴿فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦] من غير فصل. وأما الإطعام في كفارتي الظهار والإِفطار، فالكلام في جوازه صفة وقدراً ومحلاً كالكلام في كفارة اليمين، وقد ذكرناه، وعدم المسيس في خلال الإطعام في كفارة الظهار ليس بشرطٍ حتى لو جامع في خلال الإطعام لا يلزمه الاستئناف؛ لأن الله (تبارك وتعالى) لم يشترط ذلك في هذه الكفارة؛ لقوله (سبحانه وتعالى): ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] من غير شرط ترك المسيس إِلاَّ أنه منع من الوطء قبله لجواز أَنْ يقدر على الصوم أو الاعتكاف، فتنتقل الكفارة إليهما فيتبين أَنَّ الوطء كان حراماً على ما ذكرنا في ((كتاب الظهار)). والكلام في الإِطعام في كفارة الحلق كالكلام في كفارة اليمين إِلاَّ في عدد من يطعم وهم ستة مساكين؛ لحديث كعب بن عجرة (رضي الله عنه)، فأما في الصفة والقدر والمحل فلا يختلفان، حتى يجوز فيه التمليك والتمكين، وهذا قول أبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز فيها إِلاَّ التمليك؛ كذا حكى الشيخ القدوري (رحمه الله) الخلاف، وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) (رحمه الله) قول أبي حنيفة مع أبي يوسف. وجه قول محمد (رحمه الله) أن جواز التمكين في طعام كفارة اليمين لورود النص بلفظ الإطعام، إذ هو في عرف اللغة اسم لتقديم الطعام على وجه الإِباحة، والنصُّ ورد ههنا بلفظ الصدقة، وإنها تقتضي التمليك؛ لكنه معلل بدفع الحاجة، والتصدق تمليك فأشبه الزكاة والعشر. ولهما أن النصَّ وإِن ورد بلفظ الصدقة وأنها تقتضي التمليك، لكنه معلل بدفع الحاجة، وذا يحصل بالتمكين فوق ما يحصل بالتمليك على ما بينا، ولهذا جاز دفع القيمة، وإِن فسرت الصدقة بثلاثة أصوع في حديث كعب بن عجرة (رضي الله عنه). ولو وجب عليه كفارة يمين، فلم يجد ما يعتق، ولا ما يكسو، ولا ما يطعم عشرة مساكين، وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم، فأراد أن يصوم ستة مساكين عن صيام ثلاثة أيام - لم يجز إِلاَّ أن يطعم عشرة مساكين؛ لأن الصوم بدلٌ، والبدلُ لا يكون له بدل، فإذا عجز عن البدل تأخر وجوب الأصل، وهو أحد الأشياء الثلاثة إلى وقت القدرة. وإِن كان عليه كفارة القتل أو الظهار أو الإفطار ولم يجد ما يعتقد وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم، ولا يجد ما يطعم في كفارة الظهار. والإِفطار - يتأخر الوجوب إلى أن يقدرَ على الإعتاق في كفارة القتل، وعلى الإِعتاق أو الإطعام في كفارة الظهار والإِفطار؛ لأن إيجاب الفعل على العاجز محالٌ، والله أعلم. كِتَابُ الأَشْرِبَةِ (١) الكلامُ في هذا الكتاب في مواضع: في بيان أسماء الأشربة المعروفة المُسْكِرة، وفي بيان معانيها؛ وفي بيان أحكامها، وفي بيان حد السكر. أما أسماؤها: فالخمر، والسَّكَرُ، والفَضِيِخُ، ونقيعُ الزبيب، والطّلاء، والباذق، والمُنَصَّفُ، والمُثَلَّثُ، والجُمْهُورِيُّ، وقد يسمى أَبُو سَقيا، والخَلِيطَانِ، والمِزْر، والجِعَةُ، والبِتْعُ . أما بيان معاني هذه الأسماء: أما الخمر. فهو اسم للنّيءٍ من ماءِ العنبِ إذا غَلاَ واشتدَّ وقذف بالزبد؛ وهذا عند أبي حنيفة (عليه الرحمة). وعند أبي يوسف ومحمدٍ (عليهما الرحمة) ماء العنب إذا غلا واشتدَّ فقد صار خمراً وترتب عليه أحكام الخمر، قَذَفَ بالزبد أو لم يقذ به (٢) . (١) ((الأشربة)) جمع شراب بمعنى مشروب وهو في اللغة اسم لكل مشروط من المائعات، ولكن غلب في لسان الفقهاء على الشراب المحرم. (٢) لفظ الخمر في الأصل مصدر خمر الشيء يخمره، إذ غطاه وستره، سمي الخمار خماراً؛ لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره من وهدةٍ واكمة، والخامر هو الذي يكتم شهادته، ويقال: خمرت رأس الإناء غطيته، ويقال للضبع: ((خامري أم عامر)) أي: استتري، ومنه يقال: ((هو يمشي لك الخمر)» أي مستخفياً كما قال العجاج: [الرجز] فِي لاَمِعِ الْعُقَبَانِ لاَ يَأْتِي الْخَمْرِ يُوَجِّهُ الأَرْضِ وَيَسْتَاقُ الشِّجَرْ ومعنى قوله: ((لا يأتي الخمر)): لا يأتي مستخفياً، ولا مسارقة، ولكن ظاهراً برايات وجيوش، والعقبان جمع عقاب وهي الرايات. ويقال لما خامر العقل من داء وسكر: فخالطه وغمره خمر، ومنه قول كثير عزة: [الطويل] هُنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مِخَامِرٍ ويطلق على الشراب المخصوص لوجوه: قال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمراً، لأنها تخامر العقل أي تخالطه، ومنه قولهم: خامره الداء أي خالطه، وأنشد لكثير عزة ((هنيئاً مريئاً غير داء مخامر)) أي: مخالط، وقيل: لأنها تخمر العقل: أي = ٤٠٦ ٤٠٧ كتاب الأشربة ٠٠ تستره. ومنه الحديث: ((خَمْرُوا آنِيَتَكُمْ))، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر رأسها، وهذا أخصّ من الأول؛ = لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمراً؛ لأنها تغطي حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: [خامرت من ذلك فهو الخمر] أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح. وقيل: لأنها تخمر حتى تدرك، كما يقال خمرت العجين فتخمر، أي: تركته حتى أدرك، ومنه: خمرت الرأي أي: ترکته حتى ظهر وتحرر. وعلى هذه الأقوال كلها تكون الخمر في الأصل مصدراً، وأريد بها اسم الفاعل، كما في الأولين، أو اسم المفعول، كما في الآخرين، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لأن في الخمر هذه الصفات العديدة، وهي المخالطة. والتغطية، والترك إلى الإدراك. ولذا قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها خمرت وتركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. واللغة الفصحى تذكير لفظ الخمر وتأنيث معناه، يقال: الخمر حرمها الله وأثبت أبو حاتم السجستاني، وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير معنى، فيقال: الخمر حرمه الله وقال الأصمعي: الخمر انثى، وأنكر التذكير، ويجوز دخول الهاء عليها، فيقال لها: الخمر أثبته فيها جماعة من أئمة اللغة، منهم الجوهري. وقال ابن مالك في ((المثلث)): الخمرة هي الخمر. ويقال للقطعة منها: خمرة، كما يقال كنا في لحمة ونبيذة وعسلة، أي: في قطعة من كل شيء منها. ويجمع الخمر على الخمور مثل: تمر وتمور. للخمر أسماء كثيرة ذكر منها صاحب التلويح ما يناهز، أسماؤها التسعين اسماً، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسماً. وذكر ابن دحية مائة وتسعين اسماً، ومن أشهرها: العقار، الشموس، الخندریس، الحميا، الصهباء، المدام، الشمول، وغير ذلك. جمع أهل اللغة على أن إطلاق اسم الخمر على الشيء المسكر من عصير العنب حقيقي، واختلفوا في إطلاقه على الأنبذة المسكرة، فذهب أكثر علماء اللغة، إلى أن إطلاق اسم الخمر على كل شراب مسكر حقيقي، سواء أكان متخذاً من ثمرات النخيل، والأعناب، أم من غيرهما، وسواء أكان نيئاً أم مطبوخاً. وممن صرح بذلك من أئمة اللغة: الجوهري وأبو حنيفة الدينوري وأبو نصر القشيري، والمجد صاحب القاموس وهاك نص عبارة القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو عام كالخمرة، وقد يذكر والعموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلى البسر والتمر. والفصل كنصر وضرب، وفي تاج العروس عند قول صاحب القاموس والعموم أصحّ على ما هو عند الجمهور؛ لأن الخمر حرمت، وما بالمدينة المشرفة التي نزل التحريم فيها خمر عنب، بل وما كان شرابهم إلاّ من البسر والتمر والبلح والرطب، كما في الأحاديث الصحيحة التي أخرجها البخاري وغيره، كحديث ابن عمر: ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)»، وحديث أنس ((وما شرابهم يومئذٍ إلا الفضيح البسر والتمر)) أي: ونزل تحريم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا في خمر العنب خاصة. وقال أبو البقاء: في الكليات: كل شراب مغط للعقل، سواء كان عصيراً أو نقيعاً، مطبوخاً كان أو نيئاً، فهو خمر . ٤٠٨ كتاب الأشربة ٠٠٠ وفي نيل الأرب في مثلثات العرب: [الرجز] = كُلّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ فَالْخَمْرَةُ هَيْئَةُ الإِحْتِمَارِ تُدْعَى خَمْرَةُ ومما يفيد العموم من كلام العرب قول عبيد بن الأبرص في مثل له [المتقارب] هِيَ الْخَمْرُ بِالْهَزْلِ تُكْنَى الطَّلاَءَ كَمَا الذِّثْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَةُ والطلاء اسم لنوع من عصير العنب اختص بالمطبوخ. وقال الحكمي: [الوافر] لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرُ كَرِمٍ وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ الْبَّاسِقَاتِ كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولاً وَفَاتَ ثِمَارُهَا أَيَّدِي الْجُنَاةِ ومما يفيد العموم أيضاً الاشتقاق، فإن أهل اللغة قالوا: إن أصل معنى لفظ الخمر، الستر والتغطية. سمي الخمار خماراً؛ لأنه يغطي رأس المرأة والخامر هو الذي يكتم شهادته، والخمر: ما واراك من شجر وغيره، قال ابن الأنباري؛ سميت الخمر خمراً؛ لأنها تخامر العقل إلى آخر ما تقدم عنه. وإذا اشتق من اللفظ بأي معنى من معانيه، فهو موجود في النبيذ، كوجوده في الخمر، فوجب أن يشترك معه في الاسم، ولذلك قالوا لمن بقيت فيه نشوة السكر مخمور، اشتقاقاً من اسم الخمر، سواء أكان سكره من نبيذ أم من خمر من غير فرق، ولو افترقا في الاسم لافترقا في الصفة، فقيل له في نشوة النبيذ: منبوذ، كما قيل له في نشوة الخمر: مخمور، فهذه الاشتقاقات وحدها من أقوى الأدلة على العموم، وكأنها سميت خمراً تسمية باسم المصدر؛ للمبالغة، كما سميت سكراً تسمية باسم المصدر، كالرشد والرشد مبالغة؛ لأنها تسكر العقل. أي: تحجز نوره من الوصول إلى الأعضاء ((والسكر مصدر سكر من الشراب من باب طرب، وسكر النهر سده من باب نصر)). لا يقال هذا من إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز؛ لأنا نقول: ليس هذا من إثبات اللغة بالقياس، وإنما هو من تعيين المسمى بواسطة الاشتقاق، ولهذا نظير، فقد قال الحنفية: أن مسمى النكاح هو الوطء، وأثبتوه بالاشتقاق. وذهب فريق آخر من أهل اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على الشيء المسكر من عصير العنب حقيقي، وإطلاقه على ما سواه من سائر الأنبذة المسكرة مجازي. كما قال في لسان العرب: ((الخمر ما أسكر من عصير العنب، لأنها خامرت العقل، والتخمير التغطية، يقال: خمر وجهه، وخمر إناءك، والمخامرة المخالطة. وقال الدينوري: قد تكون الخمر من الحبوب، فجعل الخمر من الحبوب. قال ابن سيده: وأظنه تسمّحا؛ لأن حقيقة الخمر إنما هي العنب دون سائر الأشياء، وفي المغرب: الخمر هي النيء من ماء العنب، إذا غلي، واشتد وقذف بالزبد)). ومما يفيد الخصوص من كلام العرب قول أبي الأسود الدؤلي: [الطويل] رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِياً بِمَكَانِهَا دَعِ الْخَمْرَ تَشْرَبَهَا الْغُوَاةِ فَإِنَّنِي أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُهُ بِلِبَانِهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْهُ أَوْ يَكُنْهَا فَإِنَّهُ أخبر أبو الأسود: أن النبيذ أخّ للخمر، وأخو الشيء غيره، وهو من فصحاء العرب المحتج بقوله في اللغة . ها هي ذي النقول عن أهل اللغة، ويظهر منها: أن الأرجح في مسمّى الخمر العموم لغة، كما صرح بذلك صاحب القاموس بقوله: ((والعموم أصح))، وقد غلط ابن سيده في اقتصاره على قول صاحب = ٤٠٩ كتاب الأشربة .... العين: الخمر عصير العنب إذا أسكر ولعلّ سبب ذلك، أن خمر العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة، = فظن بعضهم أن الإطلاق ينصرف إليها فقط حقيقة؛ لكثرتها وشهرتها وجودتها، وقد يستأنس لهذا بنقل الصحيحين والمسانيد والسنن بيان معنى الخمر عن الرسول وَلقر وأصحابه، وهم من أهل اللسان. والذي أراه: أن هذا المبحث لغوي المحكم فيه ثبوت طريق من طرق إثبات اللغة الثلاثة: التواتر، والآحاد، والعقل، المبني على النقل، فإن أثبت واحد منها العموم أو الخصوص لمسمى الخمر عمل به، وإلاّ فالتحاكم في إثبات الأحكام الشرعية للخمر إلى ما اعتبره الشارع في مسمى الخمر من العموم أو الخصوص بالدليل . الخمر عند الفقهاء: تبع اختلاف أهل اللغة في حقيقة الخمر اختلاف الفقهاء فيها: فذهب جمهور الفقهاء إلى ما ذهب إليه الأكثر من أهل اللغة من القول بالعموم. وذهب الحنفية إلى ما ذهب إليه الفريق الآخر من أهل اللغة من القول بالخصوص. وقد دعم كل فريق من الفقهاء ما ذهب إليه من العموم، أو الخصوص اللغوي بأدلة غير ما تقدم ترجح ما ذهب إليه. استدل الجمهور بالسنة والأثر وكلام أهل اللغة: أما السنة فمنها ما يأتي: الأول: ما رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي كثير قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: ((الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة)). واللفظ لمسلم. وجه الدلالة: أن النبي ◌َّلو بين أن الشراب المشتد المتخذ من ثمرات الشجرتين يسمى خمراً، وليست الخمر خاصة بالنيء من عصير العنب. الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَ ل ((إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن العسل خمراً». وجه الدلالة: أن النبي ◌ّ# بين أن الخمر تتخذ من شراب المذكورات وليست خاصة بما يتخذ من ثمرات النخيل والأعناب. ثالثاً: ما رواه مسلم وأحمد والدارقطني عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((كل مسكر خمر)). وجه الدلالة: أن النبي ◌َل# بين أن كل شراب مسكر يسمى خمراً، ولو سماه بذلك أحد الناس من أهل اللغة لكان مستدلاً بقوله على إثبات الاسم له، فإذا سماه صاحب الشرع وَّ به وهو أفصح العرب كان أولى. وأما الأثر فمنه ما روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فهرقها فهرقتها . وما رواه البخاري عنه أيضاً قال إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة، وسهيل ابن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر فقذفتها وأنا ساقيهم وأصغرهم وأنا نعدها يومئذٍ الخمر. وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة أخبروا أن أكثر خمرهم حين نزول آية التحريم كان من غير عصير العنب المسكر وأنهم فهموا ابتداء من تحريم الخمر تحريم هذه الأشربة فتركوا شربها وأراقوها فدل ذلك على أن = ٤١٠ كتاب الأشربة الخمر اسم جنس عام لغة لكل شراب مسكر وألاً لتوقفوا: في الحكم حتى يستفصلوا، بل لكان لهم أن = يشربوها بدون توقف حتى يأتي نصب يخص النبيذ بالتحريم لأن التحريم ورد على اسم الخمر وهو خاص بنيء عصير العنب المسكر، فيكون ما سواه على الإباحة، فلما لم يفعلوا شيئاً من ذلك وتبادر إلى ذهنهم فهم العموم بدون قرينة كان ذلك دليلاً واضحاً على العموم، لأن التبادر أمارة الحقيقة ومن الأثر ما روى البخاري عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب خطب على منبر رسول الله وَّر فقال: ((إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل)). وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله وَّةٍ وبيّن لهم أن نزول آية تحريم الخمر صادف اتخاذ الخمر عند العرب وغيرهم من هذه المواد الخمسة، فكان التحريم منصباً عليها ابتداء لوجودها، وليس الحكم قاصراً عليها بل يشمل كل شراب مسكر من أي مادة أخرى أمكن أن يتخذ منها شراب مسكر ولذلك قال: ((والخمر ما خامر العقل)) ليعتبر الناس ذلك قاعدة عامة يعرفون بها مورد التحريم من المواد الأخرى التي ستحدث ويمكن أن يتخذ منها شراب مسكر. قال القرطبي بعد أن ساق ما تقدم عن أنس: هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر فهو خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه، لأن الصحابة هم أهل اللسان وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره، وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي قال: أخبرنا القاسم بن زكريا قال: أخبرنا عبيد الله بن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي وَ لو قال: ((الزبيب والتمر هو الخمر)» وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحسبك به عالماً باللسان والشرع خطب على منبر النبي ◌َّل﴾ فقال: ((أيها الناس ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل)) وهذا بين ما يكون في معنى الخمر يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بحضرة جماعة الصحابة وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمراً ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذاً، وقال الشاعر: تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفاً لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى ويفتح للشر أبوابه» وأما كلام العرب فما تقدم من المنقول عن أهل اللغة من أن الأصح في اسم الخمر العموم لكل شراب مسكر كما صرح بذلك صاحب القاموس بقوله: ((والعموم أصح)) ورد على الجمهور في الحديث الأول أنا لا نسلم أن بيان لعموم الاسم، وإنما المقصود منه بيان الحكم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلمنا الأسماء وإنما يعلمنا الأحكام. وأجاب الجمهور بأنا نمنع أن الرسول لا يعلمنا إلا الأحكام وإنما يعلمنا الأحكام ويعلمنا الأسماء إذا توقعت عليها الأحكام لا سيما إذا كانت الأسماء مما اختلف أهل اللغة فيما وضعت من عموم أو خصوص. وأما الأحكام فلا يعلمها للأمة أحد سواه. والحديث ظاهر في التسمية لا في بيان الحكم ولا = ٤١١ كتاب الأشربة حاجة إلى أخذ الحكم منه لتوفر نصوص السنة الصحيحة الصريحة في تحريم قليل كل شراب يسكر = كثيره، ولو سلمنا أن النبي عليه السلام لا يعلمنا الأسماء لقلنا إن النبيذ اسم لنوع خاص من الخمر في اللغة، واسم الخمر أعم كما قال عبيد بن الأبرص هي الخمر تكنى الطلاء: كما الذئب يكنى أبا جعدة والطلاء اسم لنوع من مطبوخ عصير العنب. وورد عليهم في الحديث الثاني أن هذه الأشربة المسكرة المتخذة من هذه المواد تسمى خمراً مجازاً عند اسكارها. وأجاب الجمهور بأن المتبادر منها الحقيقة ولا يعدل عنها إلا لقرينة ولا قرينة هنا. فإن قيل القرينة تخصيص اسم الخمر بالنيء المسكر من عصير العنب لغة، قلنا إن النقل عن أهل اللغة قد اختلف كما سبق فلم يصلح ما ذكر قرينة لصرف اللفظ عن المتبادر منه عند الاطلاق والتبادر أمارة الحقيقة ولذلك فهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم كل شراب مسكر بادى الرأي، ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا ولم يقولوا حتى ننظر، وأن الخمر ما كان من العصير المشتد، وأما غيره فلا يحرم حتى يأتي نص يخصه بالتحريم لأنه ليس خمراً، فإن قالوا القرينة تخصيصه به شرعاً، قلنا غير مسلم فإن نصوص السنة والآثار ظاهرة في التعميم وهو محل النزاع. وورد عليهم في الحديث الثالث أنه لا يدل على العموم لعدم صحته فإن يحيى بن معين طعن فيه، ويحيى إمام حافظ متقن فطعنه يوجب جرحاً، قال الإمام أحمد كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحدیث. وأجاب الجمهور عن هذا بعدة وجوه، منها ما يأتي: الأول: أنا لا نسلم طعن يحيى في الحديث كما قال الزيلعي في نصب الراية قال صاحب الهداية، وهذا الحديث طعن فيه يحيى بن معين قال الزيلعي وهذا الكلام لم أجده في شيء من كتب الحديث. الثاني: أنا لو سلمنا طعن يحيى في الحديث لكان طعنه لا يؤثر فيه بعد أن رواه الثقة . الثالث: أن طعن يحيى لا يقبل في الحديث الذي رواه الثقة حتى يبين وجه الطعن ولم يبين. الرابع: أن الأخذ به والعمل عليه قد سبق يحيى فلم يكن حدوث طعنه متوتراً. فإن قيل إن قوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر لعله من قبيل التشبيه البليغ أي كل مسكر كالخمر في الحكم وحذف مثل ذلك مسموع شائع في لسان العرب على حد قولهم محمد بحر وعلى أسد، قلنا الجواب ما ذكره ابن العربي بقوله: الأصل عدم التقدير ولا يصار إليه إلا لحاجة ولا حاجة هنا، فإن قيل احتجنا إلى التقدير لأن النبي عليه السلام لم يبعث لبيان الأسماء، قلنا: إن بيان الأسماء من مقدمات الأحكام لمن لا يعلمها لا سيما إذا كان مدلول الاسم مختلفاً فيه عند أهل اللغة فيبين النبي وَّر المراد منه ليرفع اللبس ويزيل الخلاف وقد قدمنا أن بعض أهل اللغة قصروا اسم الخمر حقيقة على التي من نيء عصير العنب المسكر فخشية أن يفهم بعض الصحابة أو غيرهم الخصوص من الخمر بين الرسول عليه السلام بهذا الحديث وغيره أن القول بالخصوص غير مراد في نظر الشرع وإنما القول بالعموم هو المقصود. وورد على الجمهور في الأثر أن الأشربة المسكرة المتخذة من غير عصير العنب المشتد تسمى خمراً مجازاً إذا كانت مسكرة والجواب عن ذلك ما تقدم في الحديث الثاني، ويزاد هنا أن في بعض تلك العبارات ما يأبى أن يكون مجازاً، كقول عمر بن الخطاب نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب = ٤١٢ كتاب الأشربة والتمر الخ، فهل يمكن أن يقال نزل تحريم خمر العنب وهي من خمسة أشياء، أم يمكن أن يقال نزل = تحريم ما يشبه خمر العنب وهي من خمسة أشياء؟ ألا إن هذا لا يقوله أحد يفهم أساليب اللغة، اللهم إلا إذا كان من قبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز، والحنفية لا يقولون به ولا معارضة بين الآثار كما سيأتي. استدل الحنفية بالأثر والمعقول والإجماع اللغوي. أما الأثر فما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)). وجه الدلالة: أن ابن عمر أخبر أن الخمر حين حرمت لم يكن بالمدينة منها شيء، وقد كانت انبذة التمر موجودة بكثرة فيها حين نزول آية التحريم ومع ذلك فقد نفى عن الأنبذة اسم الخمر، فدل ذلك على أنها لا تسمى خمراً إذ لو كانت تسمى به ما ساغ له نفيه عنها ومراده بالخمر وبالضمير في منها النيء من عصير العنب المشتد. وأمّا المعقول فمن وجهين ذكرهما صاحب الهداية. الأول: قالوا إن حرمة النيء من عصير العنب المسكر قطعية للإجماع عليها، وحرمة غيره ظنية فلا يسمى ما حرمته ظنية باسم ما حرمته قطعية. الثاني: قالوا إن غير العصير المذكور إنما يسمى خمراً لتخمره وصيرورته براً كالخمر، لا لمخامرته العقل فتسميته خمراً مجاز وأما الإجماع اللغوي فقال صاحب الهداية: ولنا إجماع أهل اللغة على أنه اسم خاص فيما ذكرنا، ولهذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره غيره)) . 1 ناقش الجمهور أدلة الحنفية بما يأتي : أما أثر ابن عمر فلا يدل على الخصوص لوجوه: الأول: يجوز أن يكون ابن عمر أراد بقوله: ((وما بالمدينة منها شيء)» أي وما بالمدينة من بعض أنواعها شيء، ونفى وجود شيء من بعض الأنواع لا يقتضي نفي جميع الأنواع، ويشهد لهذا ما روى الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ◌َّ ((من الحنطة خمر ومن الشعير خمر ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر)) وما رواه مسلم عنه النبي ◌َّ: ((كل مسكر خمر) فدل ذلك على فساد نسبة التفرقة إلى ابن عمر. الثاني: يجوز أن يكون ابن عمر قاله رداً على من زعم أن اسم الخمر خاص بعصير العنب المسكر فبين له أن مدلول الاسم عام لكل شراب مسكر، لأن نزول آية التحريم صادف اتخاذ الخمر من غير عصير العنب، ومع ذلك فهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم هذه الأنبذة ابتداء فتركوها وأتلفوها ولولا وضع الاسم للعموم لغة لما فعلوا شيئاً من ذلك ولكان لهم أن يتوقفوا أو يشربوا حتى يأتي نص يخص النبيذ بالتحريم وبهذا تكون دلالة الأثر على العموم أرجح منها على الخصوص. الثالث: أن تسمية ابن عمر للعصير المشتد من نيء العنب خمراً لا تمنع من تسمية غيره خمراً من الأنبذة المسكرة، وقد روى البخاري عن أنس قال إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل ابن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر فقذفتها وأنا ساقتيهم وأصغرهم وأنا نعدها يومئذٍ الخمر)). فهذا أنس رضي الله عنه يصرح بأن المتخذ من خليط البسر والتمر إذا كان مشتداً خمر وهذا لا احتمال فيه بخلاف أثر ابن عمر السابق، فوجب الأخذ بما دل عليه أثر أنس بحضرة جمع من الصحابة ولم يعلم له مخالف وقد ترجح ذلك بخطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله وَّر في ملأ من كبار الصحابة وغيرهم وهم من أهل اللسان حيث قال: ((إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء العنب = ٤١٣ كتاب الأشربة والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل» ولم يعلم له مخالف فكان كالإجماع على = العموم. وأما المعقول الأول فهو لا ينهض على إثبات التفرقة لأن القطيعة والظنية في التحريم لا تستلزم ذلك لما تقرر أن اختلاف مشتركين في حكم في الغلظ فيه لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، ألا ترى أن الزنا مثلاً يصدق على من وطىء أجنبية نائية الدار، وعلى من وطىء حليلة جاره، والثاني أغلظ من الأول؛ وعلى من وطىء محرماً له وهو أغلظ منهما. واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة كذلك قطيعة التحريم في عصير العنب المسكر وظنيته فيما سواه لا تمنع من تسميته خمراً، على أن الأحكام الفرعية لا يشترط في إثباتها الأدلة القطعية . وكذا المعقول الثاني، لأنه معارض بثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب وهو عمر بن الخطاب حيث قال: ((والخمر ما خامر العقل)) فقد أثبت ما نفاه صاحب الهداية وكيف يستجيز صاحب الهداية لنفسه أن يقول لا لمخامرة العقل مع قول ابن الخطاب رضي الله عنه في محضر من كبار الصحابة وهم من أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن والخمر ما خامر العقل)) ولم يخلفه أحد. وكأن مستند صاحب الهداية في ذلك ما ادعاه من الإجماع اللغوي الذي لم يسلم له كما - سيأتي - ومن أجل ذلك حمل قول عمر على المجاز. على أن أهل اللغة قد اختلفوا في وجه التسمية كما سبق عن ابن الأنباري، وبعد هذا ما يسوغ لنا أن نقدم قول صاحب الهداية على قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وأما الإجماع اللغوي فقد سبق ما يقتضي رده لغة من النقل عن أشهر أئمة اللغة ولذا قال بعض المنصفين من الحنفية وهو صاحب التكملة لمانع أن يمنع إطباق أهل اللغة على انه اسم خاص للنيء من ماء العنب إذا صار مسكراً، ألا ترى أنه قال في قاموس اللغة: الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام، وقال والعموم أصح، لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر وهذا صريح في أن الخمر عند بعض أهل اللغة يعم ماء العنب وغيره، وأن العموم أصح عند صاحب القاموس. هذا، وقد جعل الطحاوي أحاديث الجمهور وآثارهم الدالة على أن الخمر عام معارضة بما روي عن ابن عمر: ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)) الدال على أن الخمر خاص حيث قال: «لما اختلفت الصحابة في ذلك ووجدنا اتفاق الأمة على أن العصير المشتد من العنب خمر، وأن مستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة وغيره إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر ولكنهم لم يكفروه فثبت أنه لم يدخل في اسم الخمر غير المتخذ من عصير العنب المشتد». وأجاب الجمهور بأن لا تعارض بين الأحاديث والآثار والجمع بينها ممكن بما يأتي وذلك بأن يحمل حديث أبي هريرة على أن أغلب الخمر وأنفسه عند أهله ما كان متخذاً من الشجرتين ولذا خصّا بالذكر، على حد قولهم: المال الأبل أي أكثره وأنفعه، والحج عرفة أي معظمه، وليس المراد انحصار الخمر في المتخذ منهما بدليل الأحاديث الصحيحة والآثار الدالة على اتخاذ الخمر من غيرهما كحديث النعمان وحديث ابن عمر عند الإمام أحمد، وأثر أبيه عند البخاري، فغاية الأمر أن مفهوم الخمر المدلول عليه باللام معارض بالمنطوقات الصحيحة الصريحة وهي أرجح بلا خلاف، وبأن يحمل حديث النعمان وابن عمر عند الإمام أحمد وأثر عمر على إرادة استيعاب ذكر الأصناف التي عهد أن يتخذ الخمر منها في عهد = ٤١٤ كتاب الأشربة النبي عليه السلام وأصحابه، وأما قول ابن عمر ((وما بالمدينة منها شيء)) فقد قدمنا أنه يحتمل أن يريد به = وما بالمدينة من بعض أنواعها شيء، أو أنه قاله رداً على من زعم الخصوص، وتسميته المسكر من عصير العنب خمراً لا تمنع من تسمية غيره به، لا سيما مع ما روي عن ابن عمر عن النبي ◌َّ ((كل مسكر خمر)) وما روي عن النبي أيضاً: ((من الحنطة خمر ومن التمر خمر ومن الشعير خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر)) وإذاً فلا تعارض بين الأحاديث والآثار، وهذا أولى من حمل بعضها على الحقيقة وبعضها على المجاز بدون دليل، على أن في بعض الآثار ما يأبى أن يكون مجازاً كقول عمر بن الخطاب: ((نزل تحريم الخمر وهي من خمسة)) الخ فهل يمكن أن يقال نزل تحريم ما يشبه الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر الخ اللهم إلا أن يكون من قبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ما لا يجيزه الحنفية . ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل النبيذ أن يمنعوا تسميته خمراً، لأن الشيئين قد يشتركان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف ألا ترى أنه يكفر باستحلال الذنوب الكبائر المجمع عليها، ولا يكفر باستحلال الكبائر غير المجمع عليها وإن اشتركا في تسمية كل منهما كبيرة، كذلك الخمر والنبيذ لا يمنع افتراقهما في التكفير استواءهما في التسمية. لا يقال إن ما في هذه الأحاديث والآثار بيان للاسم الشرعي لا اللغوي. لأنا نقول: ليست الخمر من هذا القبيل لأنها ليست اسماً لعمل شرعي لم يكن معروفاً قبل مجيء الشرع، فلما جاء الشرع أطلق عليه كلمة من اللغة تتناوله بطريق المجاز اللغوي، بل اسم الخمر اسم لنوع خاص من الشراب امتاز عن سائر الأشربة بالإسكار، وهذه التسمية معروفة عند العرب قبل نزول ما نزل من آيات تحريم الخمر، ألا ترى أن آية البقرة نزلت جواباً عن سؤال سأله عمر ومعاذ أو غيرهما عن الخمر التي تذهب العقل وتسلب المال، ولم يقل أحد من مفسري السلف والخلف ولا خطر على بال أحد منهم أنهم سألوا الرسول عليه السلام عن خمر عصير العنب خاصة وأنها هي المقصودة بالجواب أن فيها إثماً كبيراً ومنافع للناس، وإن غيرها ألحق بها في التحريم بطريق القياس أو بتفسير النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه للخمر الشرعية، وقد ذكر في أسباب النزول كما سيأتي أنه لم يشق عليهم تحريم شيء كما شق عليهم تحريم الخمر، وأن بعضهم كان يود لو وجد مخرجاً من عموم تحريم الخمر بآية المائدة كما وجد المخرج من قبل عند نزول آية البقرة التي ذمت الخمر ونفرت من تعاطيها بزيادة إثمها على نفعها مع تصريح القرآن بتحريم الإثم ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾، ومن أجل ذلك تركها بعضهم وتفصي منه آخرون بتخصيص الإثم بما كان ضرراً محضاً لا منفعة فيه، والنص قد أثبت أن في الخمر منافع فلما نزل التحريم القاطع بآية المائدة فهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم كل شراب مسكر من أي مادة أخرى ولذلك بادروا إلى تركها وأسرعوا إلى إتلافها، وقال بعضهم لبعض: ((حرمت الخمر وجعلت عدلاً للشرك)). على أننا لو سلمنا أنه بيان للاسم الشرعي لا اللغوي لما أفاد الحنفية بشيء، لأنهم لا يقولون إن المسكر من غير عصير العنب المشتد يسمى خمراً شرعاً وأنه مندرج في عموم آية التحريم والأحاديث الصحيحة في تحريم قليل ما يسكر كثيره من أي مادة وأنه تجري عليه بقية أحكام الخمر وإنما قصروا الاسم على ما كان من عصير العنب المشتد وأثبتوا له الأحكام التي ورد بها الشرع، وأما غيره فلهم فيه تفصيلات تعلم من المباحث الآتية إن شاء الله تعالى. = ٤١٥ كتاب الأشربة وجه قولهما أن الركن فيهما معنى الإسكار، وذا يحصل بدون القذف بالزبد. وجه قول أبي حنيفة (رحمه الله) أن معنى الإِسكار لا يتكامل إلا بالقذف بالزبد، فلا یصیر خمراً بدونه. وأما السُّكَرُ: فهو، اسم للنيء من ماءِ الرطبِ إذا غلا واشتدَّ وقَذَّفَ بالزبد أو لم يقذف على الاختلاف. وأما الفَضيخُ: فهو اسم للنيءِ من ماء البُسْرِ المنضوخ، وهو المدقوق إذا غلا واشتد وقذف بالزبد أو لا؛ على الاختلاف. وبعد عرض أدلة الطرفين ومناقشتها لا يسع الباحث المنصف إلا أن يرجح ما رجحه جهابذة اللغة = وأساطينها من القول بالعموم لغة، كما صرح بذلك صاحب القاموس بقوله: ((والعموم أصح)) ولهذا تبادر فهمه إلى ذهن الصحابة حين أمرهم الله باجتناب الخمر فاجتنبوا الفضيخ الذي كان عندهم من البسر والتمر وأتلفوه فلو لم يكن الفضيخ خمراً لغة ونادى المنادي حرمت الخمر لما بادروا إلى تركه وإراقته بل لصح لهم أن يقولوا نشربه لأنه مباح، لأن التحريم للخمر، وهذا ليس بخمر لأنها اسم للنيء من عصير العنب المسكر فحسب فيكون ما عداه مباحاً حتى يرد نص يخصه بالتحريم كما ورد النص بتحريم الخمر، فلما لم يفعلوا شيئاً من ذلك وفهموا التحريم نصاً لكل شراب مسكر ابتداء من تحريم الخمر دل ذلك على عموم الاسم لغة، وهذا من أقوى الأدلة على إثبات العموم اللغوي، لأن الصحابة من أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن وقد قال أنس فيما تقدم: ((وأنا لنعدها يومئذٍ الخمر)) وقال عمر: ((الخمر ما خامر العقل)). لا يقال هذا من إثبات الاسم بالقياس، لأنا نقول ذلك إثبات اللغة عن أهلها فإن الصحابة عرب فصحاء فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة، ومن اللغة ما فهموه من الشرع ولذا جنح صاحب الهداية من الحنفية إلى رأي الجمهور من طرف خفي حيث قال: ((لا لمخامرة العقل، على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصاً فيه، فإن النجم مشتق من النجوم وهو الظهور، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر» . قال الزيلعي في نصب الراية: ((ومعنى هذا الكلام أنه من باب الغلبة فهو وإن كان اسماً لكل مسكر مخامر للعقل فقد غلب على التي من ماء العنب، ويؤيد ما قاله المصنف ما أخرجه البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، قال ابن الجوزي في التحقيق: وقول ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء يعني به ماء العنب فإنه مشهور باسم الخمر ولا يمنع هذا أن يسمي غيره خمراً، وهذه مصادمة، وقدمنا عن صاحب التكملة في صدد الكلام على الإجماع اللغوي قوله: (المانع أن يمنع إطباق أهل اللغة إلى آخره). لهذا كان الحق القول بالعموم لغة. ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين المطاوي، فتح الباري (٣٨/١٠) تفسير الطبري (٢٠٨/٢)، نيل الأوطار (١١٦/٧، ١١٧)، الهداية (١٥٢/٨) المبسوط: (١٥/٢٤)، نصب الراية (٢٩٥/٤). ٤١٦ كتاب الأشربة وأما نقيعُ الزبيب: فهو اسم للنيء من ماء الزبيب المنقوع في الماءِ حتى خرجت حلاوتُهُ إِليه واشتدَّ وقذف بالزبد أو لا؛ على الخلاف. وأما الطَّلاَءُ: فهو اسمٌ للمطبوخ من ماء العنب إذا ذَهَبَ أقل من الثلثين وصار مسكراً، ويدخل تحت الباذق والمنصف؛ لأن الباذق هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء العنب، والمنصف: هو المطبوخ من ماء العنب إذا ذهب نصفه وبقي النصف. وقيل الطّلاءُ: هو المثلث، وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقاً وصار مُسْكِراً. وأما الجُمْهُورِيُّ: فهو المثلث يصب الماء بعدما ذهب ثلثاه بالطبخ قدر الذاهب وهو الثلثان، ثم يطبخ أدنى طبخة ويصير مسكراً. وأما الخليطان: فهما التمر والزبيب، أو البسر والرطب، إذا خُلِطًا ونبذا حتى غَلَيَا واشتدًا. وأما المِزْرُ: فهو اسم لنبيذ الذرة إذا ضار مسكراً. وأما الجعةُ: فهو اسم لنبيذِ الحنطةِ والشعيرِ إذا صار مسكراً. وأما البِتْعُ: فهو اسم لنبيذ العسل إذا صار مسكراً. هذا بيان معاني هذه الأسماء. وأما بيان أحكام هذه الأشربة: أما الخمر فيتعلق بها أحكام: منها: أنه يحرم شرب قليلها وكثيرها إِلاَّ عند الضرورة؛ لأنها محرمة العين، فيستوفي في الحرمة قليلها وكثيرها(١). (١) تعاطي الخمر عند الاختيار محرم على المكلف العالم بها وبتحريمها ويدل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلٍ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى سمى تعاطي الخمر رجساً والرجس ما كان محرماً، وبين أن ذلك الرجس من عمل الشيطان، وعمل الشيطان كله شر قبيح مغضب للرحمن، ثم أمر باجتنابها والبعد عنها، والأمر للوجوب وبين الحكمة في النهي عنها، وهي أن تعاطيها يوقع في العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه محرمة فما أدى إليها يكون محرماً؛ لأن مقدمة الحرام حرام. = ٤١٧ كتاب الأشربة ٠٠ وقد عرض المفسرون إلى بيان الأوجه الدالة على التحريم من الآيتين الكريمتين، وهي كثيرة نذكر منها ما = يأتي : الأول: أن الجملة صدرت بإنما الدالة على الحصر، للمبالغة في ذمها؛ حتى كأن الله تعالى قال: ليست الخمر وما عطف عليها إلا رجساً، فلا خير فيها ألبتة. الثاني: أن الله قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان، ومنه قول الرسول وَالر: ((شارب الخمر كعابد وثن)). الثالث: أن الله جعلها رجساً من عمل الشيطان، وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح والخبث؛ ولذلك أطلقت على الأوثان، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾، فهي أسوأ مفهوماً من كلمة الخبيث، وقد علم من عدة آيات من القرآن، أن الله أحل الطيبات، وحرم الخبائث، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الخمر أُمُّ الخبائث)) رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عمرو. الرابع: أنه جعلها من عمل الشيطان، لما ينشأ عنها من الشرور والآثام، وهل يكون عمل الشيطان إلا مغضباً للرحمن. الخامس: أنه أمر بالكف عنها عن مادة الاجتناب، وهو أبلغ من الترك؛ لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك؛ ولذلك ترى القرآن الكريم لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان، وسائر مصادر الطغيان، وكبائر الإثم، وقول الزور الذي هو من أكبرها، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وقال: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ﴾. السادس: أنه جعل اجتنابها مهيئاً للفلاح، فدل على أن تعاطيها من الخسران. السابع والثامن: أنه جعلهما مثاراً للعداوة والبغضاء، وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع المعاصي في الأنفس والأعراض والأموال. التاسع والعاشر: أنه جعلهما صادين عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهما روح الدين وعماده، وزاد المؤمن وعتاده . الحادي عشر: أنه أمر بتركهما بصيغة الاستفهام، وهو أبلغ من الأمر المجرد، وإنما حسن هذا المجاز؛ لأن الله تعالى لما ذَمَّ هذه الأفعال، وأظهر قبحها للمخاطب، ثم استفهم بعد ذلك عن تركها - لم يقدر المخاطب إلا على الإقرار، فكأنه قيل له: أتفعله بعدما قد ظهر من قبحه ما ظهر، فصار قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ جارياً مجرى تنصيص الله على وجوب الانتهاء، مقروناً بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء مع ما فيه من التهدید. أسباب النزول: قال الواحدي: نزلت في عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، ونفر من الأنصار أتوا رسول الله وَلّ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل ومسلبة للمال، فأنزل الله آية البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فقال قوم: ما حرّم علينا، فكانوا يشربون الخمر إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، ودعا أناساً من الصحابة، وأتاهم بخمر، فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدموا علياً (كرم الله وجهه) فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُو مَا تَعْبُدُونَ﴾ بحذف لا، فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فقل من شربها. ثم اتخذ عتبان بن مالك صنيعاً، ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى رأس بعير، فأكلوا منه، وشربوا الخمر حتى أخذت = بدائع الصنائع ج٦ - ٢٧٣ ٤١٨ كتاب الأشربة منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد ما فيه هجاء للأنصار وفخر لقومه، = فأخذ رجل لحى البعير، فضرب به رأس سعد، فجشه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله وي ليه وشكا إليه الأنصار فقال: ((اللَّهُمَّ بَيْنَ لَنَا رَأْيَكَ فِي الْخَمْرِ بَيَاناً شَافِياً، فأنزل الله قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ..... ) الآيتين)). وروى أبو داود الطيالسي عن ابن عمر قال: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ..... ) الآيتين، فقال الرسول وَلى: ((حرمت الخمر)). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قدم رسول الله وَ لّ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله وَ ر عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرٍ ..... ) الآية، فقال بعض الناس: ما حرم علينا إنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين أمّ أصحابه في صلاة المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ..... ﴾ الآية، فكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزل الله آية أغلظ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ..... ) الآيتين، فقالوا: انتهينا انتهينا، وقال ناس من المتكلفين: يا رسول الله، ناس قتلوا يوم بدر، وأحد، وهم يقاتلون في سبيل الله، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ..... ) الآية فقال النبي ◌َّ: (لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم)). وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن، وفيه قال: أتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حُسّن ((وهو البستان))، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لحى جمل فضربني به، فجرح بأنفي، وفي رواية: فغزره، وكان أنف سعد مفزوراً، فأتيت رسول الله وعليه فأخبرته، فأنزل الله فيّ - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...... ) الآيتين. وروى النسائي، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رحيماً ما صنع بي هذا حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَّا .﴾ الآيتين، قال: فقال ناس من المتكلفين: هي الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ .. رجس، وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحْ فِيمَا طَعِمُوا .... ) الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وصححه الحاكم من طريق طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن = ٤١٩ كتاب الأشربة .. ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله بعضهم إلى بعض، = فقالوا: أحرمت الخمر، وجعلت عدلاً للشرك قيل: يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...... ) الآيتين، فإن الأنصاب والأزلام من عمل الشيطان، بسبب تزيينه، فنسب العمل إليه. هذا موجز من أسباب نزول آيات تحريم الخمر، ومنه نتبين أن بعض الصحابة فهم من آية ((البقرة)) تحريم الخمر عند نزولها فتركها، وبعضهم فهم عدم التحريم؛ لما فيها من المنافع، والمحرم لا نضع فيه؛ لذلك طلب هذا البعض من الرسول وَّيو أن يتركهم يشربونها، فقالوا للرسول عليه السلام: دعنا ننتفع بها، كما قال الله تعالى، فسكت عنهم، ولما نزل في آية النساء: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فهم الجميع منها تحريم السكر قبيل الدخول في الصلاة، ولذلك قالوا للرسول وَل: لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم وكان يأمر مناديه إذا أذن للصلاة أن ينادي «لاَ يَقْرَبَنَّ الصَّلاَةَ سَكْرَانٌ»، ولما نزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...... ﴾ الآيتين، فهم الجميع منهما التحريم القاطع في جميع الأوقات؛ ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام عند ذلك: ((حُرمت الخمر)). ومشى أصحابه بعضهم إلى بعض، وقالوا: حرمت الخمر، وجعلت عدلاً للشرك. هذا وذهب فريق من المفسرين إلى أن تحريم الخمر كان بآية ((البقرة)»: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ﴾، وما جاء بعدها كان من قبيل التوكيد، واستدل بأوجه منها ما يأتي: الأول: قال إن الآية دلت على اشتمال الخمر على الإثم: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، والإثم قد يراد به العقاب، وقد يراد به ما هو سبب العقاب، وأياً ما كان فلا يوصف به إلا المحرم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ . الثاني: قال: إن الله تعالى صرح برجحان الإثم على المنفعة: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وذلك يوجب التحريم؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، سيما إذا كانت المفسدة راحجة. وذهب فريق آخر من المفسّرين إلى أن الآية لا تدلُّ على التحريم، واستدل بأوجه منها ما يأتي: الأول: قال: إن الله تعالى أثبت فيهما منافع: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ والمحرم لا نفع فيه. الثاني: قال: لو دلت الآية على التحريم تصنع بها الصحابة، فلما لم يقنعوا حتى نزلت آية ((المائدة))، دل ذلك على أنها لم تفد التحریم. وفي تفسير ابن كثير، والبغوي هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر لما قرئت عليه: «اللَّهُمَّ بَيْن لَنَا في الخمر بياناً شافياً»، فلما نزلت آية ((المائدة)) قال: ((انتهينا انتهينا)). وفي تفسير القرطبي: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إثم الخمر ما يصدر عن الشَّارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفواحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات، والتعويق عن ذكر الله ومنافعها ربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص، فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماكسة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي، هذا أصح ما قيل في منفعتها. وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعف، وتعين على الباءة. وقال قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْم﴾، فأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً فهو حرام، قال ابن عطية: ليس هذا= ٤٢٠ كتاب الأشربة بجيدٍ؛ لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها، على ما يقتضيه هذا النظر، قلت: وقال بعضهم: = في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر؛ لأنه سماه إنما، وقد حرم الإثم في آية أخرى، وهو قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ..... ) الآية. وقال بعضهم: الإثم أراد به الخمر بدليل قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول قلت: وهذا أيضاً ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثماً في هذه الآية، وإنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ولم يقل: ((هما إثم كبير)) وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آيةُ المائدة، وعلى هذا أكثر المفسّرين. وقال الطبري: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إثم شرب الخمر، ولعب القمار، أكبرُ مضرة من النفع الذي يتناولونه بهما، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنهم كانوا إذا شربوا وسكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضاً، وإذا ياسروا كذلك، ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها، فأضاف الإثم إليهما، وإنما الإثم بسببهما؛ إذ كان عن سببهما يحدث. وقال عدد من أهل التأويل: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل، لتواتر الأخبار وتضافرها بأن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلوماً بذلك أن الإثم الذي ذكره الله تعالى في الآية، فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن سببهما على ما وصفنا لا الإثم بعد التحريم، ثم روي عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرٍ ..... ) الآية كرهها قوم لقوله: ﴿إِثْمٌّ كَبِيرٌ﴾، وشربها قوم، لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، حتى نزلت: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ . وقال الألوسي: والحق أن آية ((البقرة)) ليست نصاً في التحريم كما قال قتادة، إذ لقائل أن يقول: الإثم بمعنى المفسدة، وليس رجحان المفسدة مقتضياً لتحريم الفعل بل لرجحانه، ومن هنا شربها كبارُ الصحابة رضي الله عنهم بعد نزولها، وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا، ولم يمتنعوا عنها، حتى نزلت آية المائدة؛ فهي المحرمة. وفي تفسير ((المنار)): ذهب بعض المفسرين إلى أن الخمر حرمت بآية ((البقرة)) وما أتى بعدها فهو من قبيل التوكيد؛ لأن لفظ الإثم يفيد التحريم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ..... ) الآية. ولكن الجمهور ذهبوا إلى أن تحريم الخمر كان تدريجياً ووجه الأستاذ الإمام بأنه المنقول والمعهود في حكمة التشريع. وقال: إن الإثم الضرر الخالص، وتحريم الضرر الخالص لا يقتضي تحريم ما فيه مضرة من جهة، ومنفعة من جهة أخرى؛ لذلك كانت هذه الآية موضعاً لاجتهاد الصحابة فترك لها الخمر بعضهم؛ وأصرّ على شربها آخرون، كأنهم رأوا أنه يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها، فكان ذلك تمهيد للقطع بتحريمها، ولو فوجئوا بالتحريم مع ولوع الكثيرين بها، واعتقادهم منفعتها - لخشي عليهم أن يخلصوا، ويستثقلوا التكليف، فكان من حكمة الله أن رباهم على الاقتناع بأسرار التشريع وفوائده، ليأخذوه بقوة وعقل. والذي يظهر أن آية ((البقرة)) دلت على التنفير من تعاطي الخمر، بزيادة ضررها على نفعها، فتركها بعض من لم تتمكن فتنتها من نفسه، وشربها آخرون لنفعها، وهؤلاء سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتركهم على شربها، فسكت عنهم حتى نزلت آية ((المائدة))، ولو كانت الآية دالة على تحريم الخمر ما سكت الرسول عليه السلام على شربهم لها؛ لأنه لا يسكت على فعل حرام، ومن أجل ذلك شربها كبارُ =