Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب التضحية
وَرُوِيَ: ((الجَذَعُ السَّمِينُ مِنَ الضَّأْنِ)) فلما سمع الناس هذا الحديث انتهبوها، أي: تبادروا إلى
شرائها، وتخصيص هذه القربة بسنِّ دون سنَّ أَمْرٌ لا يعرف إلا بالتوقيف فيتبع ذلك.
وأما معاني هذه الأَسماء، فقد ذكر القدوري (رحمه الله) أَن الفقهاء، قالوا: الجذع من
الغنم: ابن ستة أشهر، والثني منه: ابن سنة، والجذع من البقر: ابن سنة، والثني: ابن سنتين،
والجذع من الإِبل: ابن أربع سنين، والثني منها: ابن خمس.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) في الثني من الإبل: ما تم له أربع سنين
وطعن في الخامسة، وذكر الزعفراني في الأضاحي: الجذع: ابن ثمانية أشهر أو تسعة أشهر،
والثني من الشاة، والمعز: ما تم له حولٌ وطعن في السنة الثانية، ومن البقر: ما تم له حولان
وطعن في السنة الثالثة، ومن الإِبل: ما تم له خمس سنين وَطَعَنَ في السنة السادسة.
وتقديرُ هذه الأَسنان بما قلنا لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، حتى لو ضحى بأقل من ذلك
سنًا لا يجوز، ولو ضحى بأكثر من ذلك يجوز، ويكون أفضل.
ولا يجوز في الأُضحية حملٌ ولا جديّ ولا عجلٌ ولا فَصِيلٌ؛ لأن الشرع إِنما ورد
بالأَسنان التي ذكرنا وهذه لا تسمى بها.
وأما قدره: فلا يجوز / الشاة والمعز إِلاَّ عن واحدٍ، وإن كانت عظيمة سمينة تساوي ٢٩٣/١ بـ
شاتين مما يجوز أن يضحى بهما؛ لأن القياس في الإبل والبقر أن لا يجوز فيهما الاشتراك؛
لأن القربة في هذا الباب إِراقة الدم، وأنها لا تحتمل التجزئة؛ لأنها ذبح واحد، وإِنما عرفنا
جواز ذلك بالخبر، فبقي الأمر في الغنم على أصل القياس.
فإن قيل: أَلَيْسَ إِنه رُوِيَ أن رسول الله وَلّر ضحى بكبشين أملحين؛ أحدهما عن نفسه
والآخر عمن لم(١) يذبح من أمته، فكيف ضحى بشاة واحدة عن أمته (عليه الصلاة والسلام).
فالجواب: أنه (عليه الصلاة والسلام) إِنما فعل ذلك لأجل الثواب، وهو أنه جعل ثواب
تضحيته بشاة واحدة لأمته، لا للإِجزاء وسقوط التعبد عنهم.
ولا يجوز بعير واحد ولا بقرة واحدة عن أكثر من سبعة، ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل
من ذلك، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك (رحمه الله): يجزي ذلك عن أهل بيت واحدٍ،
وإِن زادوا على سبعة، ولا يجزي عن أهل بيتين وإِن كانوا أقل من سبعة.
والصحيح قولُ العامة؛ لما روي عن رسول الله وَّهَ [أنه قال]: ((البُذْنَةُ تُجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ،
(١) في ط: لا.

٣٠٢
كتاب التضحية
وَالْبَقَرَةُ تُجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ))(١).
وعن جابر (رضي الله عنه) قال: ((نحرنا مع رسول الله وَّر البدنة عن سبعة، والبقرة عن
(١) أخرجه مالك (٤٨٦/٢) كتاب الضحايا، باب الشركة في الضحايا حديث (٩) وأحمد (٣٥٣/٣، ٣٦٣)
ومسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج .... باب الاشتراك في الهدي، حديث (١٣١٨/٣٥٠) وأبو داود (٣/
٢٣٩ - ٢٤٠) كتاب الضحايا، باب في البقر والجزور عن كم تجزىء حديث (٢٨٠٩) والترمذي (٨٩/٤)
كتاب الأضاحي باب ما جاء في الاشتراك في الأضحية، حديث (١٥٠٢) وابن ماجه (١٠٤٧/٢) كتاب
الأضاحي، باب عن كم تجزىء البدنة والبقرة حديث (٣١٣٢) والبيهقي (٢٩٤/٩) كتاب الضحايا، باب
الاشتراك في الهدي والأضحية. من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله وَل
عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .
وأخرجه مسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي .... حديث (١٣١٨/٣٥٣) وأحمد
(٣٧٨/٣) وابن الجارود (٤٧٩) وابن خزيمة (٢٨٧/٤ - ٢٨٨) رقم (٢٩٠٠) والبيهقي (٢٩٥/٩) كتاب
الضحايا، باب الاشتراك في الهدي والأضحية من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتركنا
مع النبي # في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في
الجزور قال: ما هي إلا من البدن.
وأخرجه ابن خزيمة (٢٨٨/٤) رقم (٢٩٠١) من طري عمرو بن الحارث ومالك بن أنس عن أبي الزبير
عن جابر به.
وأخرجه مسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي .... حديث (١٣١٨/٣٥٢) من طريق
عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر وأخرجه أيضاً (١٣١٨/٣٥١) من طريق زهير بن معاوية عن أبي
الزبير عن جابر ورواه من هذا الطريق أيضاً أحمد (٢٩٢/٣) والبيهقي (٢٩٥/٥ - ٢٩٦) وقد توبع أبو
الزبير على هذا الحديث تابعه عطاء بن أبي رباح وأبو سفيان والشعبي وسليمان بن قيس.
متابعة عطاء :
أخرجها مسلم (٩٥٦/٢) كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي حديث (١٣١٨/٣٥٥) وأبو داود (٢/
١٠٨) كتاب الضحايا، باب في البقر والجزور حديث (٢٨٠٧) والنسائي (٢٢٢/٧) كتاب الضحايا، باب
ما تجزىء عنه البقرة في الضحايا وأحمد (٢٦٣/٣) والدارقطني (٤٧/٢) العيدين وابن خزيمة (٢٨٨/٤)
رقم (٢٩٠٢) وأبو يعلى (٣١/٤) رقم (٢٠٣٤) والبيهقي (٢٩٥/٩) من طريق هشيم عن عبد الملك عن
عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله وَّلقول بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها.
متابعة أبي سفيان:
أخرجها أحمد (٣١٦/٣) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.
متابعة عامر الشعبي:
أخرجه أحمد (٣٣٥/٣) والدارقطني (٢٤٣/٢ - ٢٤٤) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر
به. ومجالد بن سعید فيه ضعيف.
متابعة سليمان بن قيس :
أخرجها أحمد (٣٥٣/٣، ٣٦٤) والطيالسي (٢٢٩/١ - منحة) رقم (١١٠٣) من طريق أبي عوانة حدثنا
أبو بشر عن سلیمان بن قیس عن جابر به.

٣٠٣
كتاب التضحية
سبعة من غير فصل بين أهل بيت وبيتين؛ ولأن القياس يأتي جوازها عن أكثر من واحدٍ؛ لما
ذكرنا أن القربة في الذبح وأنه فعل واحد لا يتجزأ، لكنا تركنا القياس بالخمر المقتضى للجوار
عن سبعة مطلقاً، فيعمل بالقياس فيما وراءه، لأن البقرة بمنزلة سبع شياه، ثم جازت التضحية
بسبع شياهٍ عن سبعه، سواء كانوا من أهل بيت أو بيتين؛ فكذا البقرة.
ومنهم من فَصَّل بين البعير والبقرة، فقال: البقرةُ لا تجوز عن أكثر من سبعة، فأما البعير
فإنه يجوز عن عشرة، ورووا عن رسول الله وَّرَ أنه قال: البَدَنَةُ تجْزِي عَنْ عَشْرَةٍ»(١) ونوع من
(١) روي من حديث رافع بن خديج وابن عباس حديث رافع بن خديج:
أخرجه البخاري (١٣٩/٥) كتاب الشركة، باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم، حديث (٢٥٠٧)
ومسلم (١٥٥٨/٣) كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم حديث (١٩٦٨/٢١) وأبو داود
(٢٤٧/٣) كتاب الأضاحي، باب في الذبيحة بالمروة حديث (٢٨٢١) والترمذي (١٥٣/٤) كتاب السير،
باب ما جاء في كراهية الهبة، حديث (١٦٠٠) والنسائي (٧/ ١٩١ - ١٩٢) كتاب الصيد والذبائح، باب
الأنسية يستوحش، وابن ماجه (١٠٤٨/٢) كتاب الأضاحي، باب كم تجزىء من الغنم عن البدنة حديث
(٣١٣٧) عنه قال: كنا مع رسول الله وَله ونحن بذي الحليفة من تهامة فأصبنا وغنمنا فعجل القوم فأغلينا
القدور قبل أن تقسم فأتانا رسول الله وير وأمر بها فأكفئت ثم عدل الجزور بعشرة من الغنم.
وحديث ابن عباس :
أخرجه الترمذي (٨٩/٤) كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الاشتراك في الأضحية، حديث (١٥٠١) والنسائي
(٢٢٢/٧) كتاب الضحايا، باب ما تجزىء عنه البدنة في الضحايا، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٧) كتاب الأضاحي،
باب عن كم تجزىء البدنة والبقر. حديث (٣١٣١) وابن حبان (١٠٥٠ - موارد) وابن خزيمة (٤ /٢٩١) رقم
(٢٩٠٨) عنه قال: كنا مع رسول الله وَّر في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة.
قال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
وفي الباب عن ابن مسعود والحسن بن علي.
حديث ابن مسعود:
أخرجه الدارقطني (٢٤٣/٢) رقم (٣٣) والطبراني في الكبير (٢٠٢/١٠) وابن عدي في الكامل (٣٥٧/١)
من طريق أيوب بن محمد أبي الجمل ثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله وَلير ((الجزور في الأضحى عن عشرة)). قال ابن عدي: وهذا الحديث لا
يرويه عن عطاء بن السائب غير أبي الجمل هذا.
وأبو الجمل هو أيوب بن محمد قال ابن معين: شيخ يمامي ضعيف والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٢٣/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
حديث الحسن بن علي:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٣/٤ - ٢٤) عنه قال: أمرنا رسول الله و ◌ّ ر أن نلبس أجود ما نجد وأن
نتطيب بأجود ما نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة، وأن نظهر وعلينا
السكينة والوقار. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الله بن صالح قال عبد الملك بن
شعيب بن الليث ثقة مأمون وضعفه أحمد وجماعة.

٣٠٤
كتاب التضحية
القياس يؤيده، وهو أن الإِبل أكثر قيمة من البقر، ولهذا فُضُّلتِ الإِبل على البقر في باب الزكاة
والديات، فتفضل في الأضحية أيضاً.
ولنا أن الأخبار إذا اختلفت في الظاهر يجب الأخذ بالاحتياط؛ وذلك فيما قلنا: لأن
جوازه عن سبعة ثابت بالاتفاق، وفي الزيادة اختلافٌ، فكان الأخذ بالمتفق عليه أخذاً بالمتيقن.
وأما ما ذكروا من القياس فقد ذكرنا أن الاشتراك في هذا الباب معدولٌ به عن القياس،
واستعمال القياس فيما هو معدول به عن القياس ليس من الفقه، ولا شك في جواز بدنة أو
بقرة عن أقل من سبعة؛ بأن اشترك (١) اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة في بدنة أو بقرة؛
لأنه لما جاز السبع فالزيادةُ أَوْلَى، وسواء اتفقت الأنصباء في القدر أو اختلفت، بأن يكون
لأحدهم النصف وللآخر الثلث ولآخر السدس، بعد أن لا ينقص عن السبع.
ولو اشترك سبعةٌ في خَمْسٍ بَقراتٍ أَوْ في أَكثر، فَذَبَحُوهَا، أجزأهم؛ لأن لكل واحد
منهم في كل بقرة سبعها، ولو ضحوا ببقرة واحدة أجزأهم، فالأكثر أولى.
ولو اشترك ثمانية في سبع بقرات لم يجزهم؛ لأن كل بقرة بينهم على ثمانية أسهم،
فيكون لكلِّ واحد منهم أنقص من السبع.
وكذلك إذا كانوا عشرة أو أكثر فهو على هذا.
ولو اشترك ثمانية في ثمانية من البقر فضحوا بها لم تجزهم؛ لأن كل بقرة تكون بينهم
على ثمانية أسهم؛ وكذلك إذا كان البقر أكثر لم تجزهم، ولا رواية في هذه الفصول، وإنما
قيل أنه لا يجوز بالقياس.
ولو اشترك سبعة في سبع شياه بينهم فضحوا بها القياس أن لا تجزئهم، لأن كل شاة
تكون بينهم على سبعة أسهم، وفي الاستحسان يجزيهم.
وكلك لو اشترى اثنان شاتين للتضحية فضحيا بهما، بخلاف عبدين بين رجلين (٢) عليهما
كفارتان فأعتقاهما عن كفارتيهما، أنه لا يجوز؛ لأن الأنصباء تجتمع في الشاتين، ولا تجتمع
في الرقيق بدليل أنه يجبر على القسمة في الشاة ولا يجبر في الرقيق، ألا ترى أنها لا تقسم
قسمة جمع في قول أبي حنيفة (رضي الله عنه)، وعلى هذا ينبغي أن يكون في الأَول قياس
واستحسان، والمذكور جواب القياس، وأما صفته فهي أن يكون سليماً عن العيوب الفاحشة،
وسنذكرها في بيان شرائط الجواز، بعون الله (تعالى)، والله الموفق.
(١) في ط: اشتراك.
(٢) في ط : اثنين.

٣٠٥
كتاب التضحية
فصل في شروط جواز إقامة الواجب
وأما شرائط جواز إقامة الواجب، وهي التضحية فهي في الأصل نوعان: نوعٌ يَعُمُّ ذبح
كل حيوان مأكول، ونوعٌ يخص التضحية؛ أما الذي يعم ذبح كل حيوان مأكول فقد ذكرناه في
((كتاب الذبائح))، وأما الذي يخص التضحية فأنواع: بعضُها يرجع إلى من عليه التضحية،
وبعضُها يرجع إلى وقت التضحية، وبعضُها يرجع إلى محل التضحية.
وأما الذي يرجع إلى من عليه التضحية، فمنها: نية الأضحية لا تجزىء [التضحية](١)
بدونها /، لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعلُ لا يَقَعُ قربةً بدون النيةِ .
١٢٩٤/١
قال النبيِ وَّ: ((لاَ عَمَلَ لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ))(٢) والمراد منه عَمل هو قربة، وللقربة جهات من
المتعة، والقران والإحصار وجزاء الصيد وكفارة الحلق وغيره من المحظورات، فلا تتعين
الأُضحية إلا بالنيةِ .
وقال النبي ◌َّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى))(٣) ويكفيه أن ينويّ
بقلبه، ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه كما فى الصلاة؛ لأن النية عَمَلُ القلب، والذكر
باللسان دليلٌ عليها .
ومنها: ألا يشارك المضحي فيما يحتمل الشركة من لا يريد القربة رأساً، فإِن شارك لم
يجز عن الأضحية، وكذا هذا في سائر القرب سوى الأضحية إذا شارك المتقرب من لا يريد
القربه، لم يجز عن القربة؛ كما في دم المتعة والقران والإحصار وجزاء الصيد وغير ذلك،
وهذا عندنا، وعند الشافعي (رحمه الله) هذا ليس بشرطٍ حتى لو اشترك سبعةٌ في بعير أو بقرة،
كلُّهم يريدون القربة، الأضحية أو غيرها من وجوه القرب [إِلاَّ واحداً منهم يريد اللحم لا يجزي
واحداً منهم من الأضحية، ولا من غيرها من وجوه القرب عندنا، وعنده يجزي](٤).
وجه قولِهِ أَن الفعل إِنما يصير قربة من كل واحد بنيته لا بنية صاحبه، فعدم النيةٍ مِن
أحدهِم لا يقدحُ في قربةِ الباقين .
ولنا أن القربة في إراقة الدم، وأنها لا تتجزأ لأنها ذبح واحد، فإن لم تقع قربة من
البعض لا يقع قربة من الباقين؛ ضرورةً عدم التجزؤ، ولو أرادوا القربة الأضحية أو غيرها من
(١) سقط من ط .
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في أ: يجوز وإن أراد أحدهم اللحم لم يجز عندنا وعنده يجوز.
بدائع الصنائع ج٦ - ٢٠٣

٣٠٦
كتاب التضحية
القرب، أجزأهم، سواء كانت القرية واجبةً أو تطوعاً، أو وجبت على البعض دون البعض،
وسواء اتفقت جهات القربة أو اختلفت، بأن أراد بعضهم الأضحية، وبعضُهم جزاءَ الصيدِ،
وبعضُهم هدىَ الإِحصار، وبعضُهم كفارةً شيء أَصابه في إحرامه، وبعضُهم هدى التطوع،
وبعضهم دم المتعة والقران، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر (رحمه الله): لا يجوز إلا إذا اتفقت جهات القربة بأن كان الكل بجهة واحدة.
وجه قوله: أَنَّ القياس يأبى الاشتراك، لأن الذبح فعل واحد لا يتجزأ، فلا يتصور أن يقع
بعضه عن جهة وبعضُه عن جهة أخرى؛ لأنه لا بعض له إلا عند الاتحاد، فعند الاتحاد جعلت
الجهات كجهةٍ واحدةٍ، وعند الاختلاف لا يمكن، فبقي الأمرُ فيه مردوداً إلى القیاس.
ولنا: أن الجهات وإن اختلفت صورة فهي في المعنى واحد؛ لأن المقصود من الكل
التقرب إلى الله (عزَّ شأنه)، وكذلك إِنْ أَرَادَ بعضهم العقيقة عن ولدٍ وُلِدَ له من قبل؛ لأَن ذلك
جهة التقرب إلى الله (تعالى عزَّ شأنه) بالشكر على ما أنعم عليه من الولدِ؛ كذا ذكر محمد
(رحمه الله) في نوادر الضحايا، ولم يذكر ما إذا أراد أحدهم الوليمة وهي ضيافةُ التزويج،
وينبغي أن يجوز لأنها إنما تقام شكر الله (تعالى عزَّ شأنه) على نعمة النكاح، وقد وردت السنة
بذلك عن رسولِ اللهِ وََّ أنه قال: ((أَوْلِمَّ وَلَوْ بِشَاةٍ»(١) فَإِذا قصد بها الشكر أو إقامة السنة فقد
أراد بها التقرب إِلى الله (عزَّ شأنه).
وروي عن أبي حنيفة (رحمه الله) [أنه] (٢) كره الاشتراك عند اختلاف الجهة، وروي عنه
أنه قال لو كان هذا من نوع واحد لكان أحبُّ إليَّ، وهكذا قال أبو يوسف (رحمه الله)، ولو
كان أحد الشركاء ذميًّا كتابياً أو غير كتابيٍّ وهو يريد اللحم أو أراد القربة في دينه لم يجزهم
عندنا؛ لأن الكافر تتحقق منه القربة، فكانت نيتُهُ ملحقةً بالعدم، فكان مريداً للحم، والمسلم لو
أراد اللحم لا يجوز عندنا، فالكافر أَوْلَى، وكذلك إذا كان أحدهم عبداً أو مدبراً ويريد
الأضحية، لأن نيته باطلةٌ، لأنه ليس من أهل هذه القربة، فكان نصيبه لحماً فيمتنع الجواز
أصلا، وإِن كان أحد الشركاء ممن يضحي عن ميت، جاز.
وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه لا يجوز، وذكر في ((الأصل)) إذا اشترك سبعة في
بدنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضي ورثته أن تذبح عن الميت؛ جاز استحساناً، والقياس أن لا
يجوز .
وجه القياس: أنه لما مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح وذبح الوارث لا يقع عنه، إذ
(١) تقدم تخريجه في كتاب النكاح.
(٢) سقط من ط.

٣٠٧
كتاب التضحية
الأضحية عن الميت لا تجوز، فصار نصيبه اللحم، وأنه يمنع من جواز ذبح الباقين من
الأضحية؛ کما لو أراد أحدُهم اللحم في حالٍ حیاته.
وجه الاستحسان: أَنَّ الموتَ لا يمنع التقرب عن الميت، بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه
ويحج عنه، وقد صح أن رسول الله وَ رَ ضَخَّى بكبشين؛ أحدهما عن نفسه والآخر عَمَّن لا
يذبح من أمته؛ وإن كان منهم من قد مات قبل أن يذبح، فَدَلَّ أن الميت يجوز أن يتقرب عنه،
فإِذا ذبح عنه صار نصيبه للقربة، فلا يمنع جواز ذبح الباقين.
وَلَوِ اشترى رَجُلٌ بقرةً يُرِيدُ أن يضحي بها ثم أشرك فيها بعد ذلك، قال هشام / : سألتُ ١/ ٢٩٤ ب
أبا يوسف فأخبرني أن أبا حنيفة (رحمه الله) قال: أَكْرَهُ ذلك، ويجزيهم أن يذبحوها عنهم،
قال: وكذلك قول أبي يوسف، قال: قلت لأبي يوسف: ومن نيته أن يشرك فيها، قال: لا
أحفظ عن أبي حنيفة (رحمه الله) فيها شيئاً، ولكن لا أرى بذلك بأساً.
وقال في الأصل: قال أرأيتَ في رجلِ اشترى بقرة يريدُ أن يضحي بها عن نفسه فأشرك
فيها بعد ذلك، ولم یشرکهم حتى اشتراها، فأتاه إِنسان بعد ذلك فأشركه حتى استكمل، يعني:
أنه صار سابعهم، هل يجزي عنهم؟ قال: نعم أَسْتَخْسِنْ، وإِن فعل ذلك قبل أن يشتريها كان
أحسن، وهذا محمولٌ على الغني إِذا اشترى بقرة لأضحيته؛ لأنها لم تتعين لوجوب التضحية
بها، وإِنما يقيمها عند الذبح مقام ما يجب عليه، أو واجب عليه فيخرج عن عهدة الواجب
بالفعل فيما يقيمه فيه، فيجوز اشتراكهم فيها وذبحهم، إِلاَّ أنه يكره لأنه لما اشتراها ليضحي بها
فقد وعد وعداً، فيكره [له] (١) أن يخلف الوعد، فأما إذا كان فقيراً فلا يجوز له أن يشرك فيها؛
لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية فتعينت للوجوب، فلا يسقط عنه ما أوجبه على نفسه.
وقد قالوا في مسألة الغني إِذا أشرك بعد ما اشتراها للأضحية - أنه ينبغي أن يتصدق
بالثمن، وإِن لم يذكر ذلك محمد (رحمه الله)؛ لما روي أن رسول الله ◌َّقو دفع إِلى حكيم بن
حزام ديناراً، وأَمَرَهُ أن يشتري به(٢) أضحية، فاشترى شاة فباعها بدينارين، واشترى بأحدهما
شاة، وجاء إِلى النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) بشاة ودينار، وأخبره بما صنع، فقال له (عليه
الصلاة والسلام): ((بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةٍ يَمِينِكَ))(٣) وأمر (عليه الصلاة والسلام) أن يضحي
بالشاة، ويتصدق بالدينار؛ لما أنه قصد إِخراجه للأضحية؛ كذا ههنا.
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: له.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٧٩/٣) كتاب البيوع والإجازات: باب في المضارب يخالف حديث (٣٣٨٦)
والترمذي (٥٥٩/٣) كتاب البيوع: باب (٣٤) حديث (١٢٥٨) والدارقطني (١٠/٣) كتاب البيوع: حديث
(٢٨) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٢/٦) كتاب القراض: باب المضارب يخالف بما فيه زيادة
لصاحبه، كلهم من حديث حكيم بن حزام.

٣٠٨
كتاب التضحية
ومنها: أن تكون الأُضحية مقارنة للتضحية كما في باب الصلاة؛ لأن النية معتبرة في
الأَصل، فلا يسقط اعتبار القران إِلاَّ لضرورة؛ كما في باب الصوم لتعذر قران النية لوقت
الشروع لما فيه من الحرج.
ومنها: إِذنُ صاحب الأضحية بالذبح، إِما نصاً أو دلالةً، إِذا كان الذابح غيره، فإن لم
يوجد لا يجوز، لأَن الأصل فيما يعمله الإنسان أنه (١) يقع للعامل، وإنما يقع لغيره بإذنه
وأمره، فإذا لم يوجد لا يقع له.
وعلى هذا يخرج ما إذا غصب شاة إِنسان فضحى بها عن صاحبها من غير إِذنه وإجازتِهِ،
أنه لا يجوز، ولو اشترى شاة للأضحية فأضجعها وشد قوائمها في أيام النحر، فجاء إِنسان
فذبحها، جاز استحساناً؛ لوجود الإذن منه دلالةً؛ لما بينا فيما تقدم.
وأما الذي يرجع إلى وقت التضحية: فهو أنها لا تجوز قبل دخول الوقت، لأن الوقت
كما هو شرط الوجوب فهو شرطُ جواز إقامة الواجب، كوقت الصلاة، فلا يجوز لأحد أن
يضحي قبل طلوع الفجر الثاني من اليوم الأول من أيام النحر، ويجوز بعد طلوعه، سواء كان
من أهل المِصْرَ أو من أهل القرى، غير أن للجواز في حق أهل المصر شرطاً زائداً، وهو أن
یکون بعد صلاة العيد لا يجوز تقديمها علیه عندنا.
وقال الشافعي (رحمه الله): إذا مضى من الوقت مقدار ما صلى فيه رسول الله وَله صلاةً
العيد، جازت الأضحية، وإِن لم يصل الإمام.
والصحيحُ قولنا؛ لما روينا عن رسولِ اللهِ وَ﴿ أنه قال: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيُعِذْ
أُضْحِيَتَهُ) (٢) وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((أَوَّلُ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هُذَا الصَّلاَةُ ثُمَّ
الذَّبِعُ))(٣).
وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال في حديث البراء بن عازب (رضي الله عنه):
((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هِيَ غدَوةٌ أَطْعَمَهُ اللَّهُ (تَعَالَى))(٤) إِنَّمَا الذَّبْحُ بَعْدَ
الصَّلاَةِ»، فقد رتب النبي (عليه الصلاة والسلام) الذبح على الصلاة، وليس لأهل القرى صلاة
العيد، فلا يثبت الترتيب في حقهم، وإِن أخر الإمام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح أضحيته
حتى يتنصف النهار، فإِن اشتغل الإِمام فلم يصل العيد أو ترك ذلك متعمداً حتى زالت
الشمس، فقد حل الذبح بغير صلاة في الأيام كلها، لأنه لما زالت الشمس فقد فات وقت
(١) في ط: أن.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.

٣٠٩
كتاب التضحية
الصلاة، وإنما يخرج الإِمام في اليوم الثاني والثالث على وجه الفضاء، والترتيب شرطً في
الأداء لا في القضاء؛ كذا ذكره القدوري (رحمه الله).
وإِن كان يصلي في المصر في موضعين: بأن كان الإمام قد خلف من يصلي بضعفة
الناس في [المسجد] (١) الجامع، وخرج هو بالآخرين إلى المصلى وهو الجبانة، ذكر الكرخي
(رحمه الله) أنه إذا صلى أهل أحد المسجدين أيهما كان، جاز ذبح الأضاحي، وذكر في
الأصل إذا صلى أهل المسجد، فالقياس أن لا يجوز ذبح الأضحية، وفي الاستحسان يجوزُ.
وجه القياس: أن صلاة العيد لما كانت شرطاً لجواز الأضحية في حق أهل المصر،
فاعتبار صلاة أهل أحد الموضعين يقتضي أن يجوز، واعتبار صلاة أهل الموضع الآخر يقتضي
أن لا يجوز، فلا يحكم بالجواز بالشك، بل يحكم بعدم الجواز احتياطاً.
وجه الاستحسان: أَنَّ الشرط صلاة العيد، والصلاة في المسجد الجامع تجزي / عن ٢٩٥/١ أ
صلاة العيد، بدليل أنهم لو اقتصروا عليها جاز، ويقع الاكتفاء بذلك فقد وجد الشرط فجاز،
وكذا في الحديث الذي روينا ترتيب الذبح على الصلاة مطلقاً، وقد وجدت، ولو سبق أهل
الجبانة بالصلاة قبل أهل المسجد، لم يذكر هذا في الأصل، وقيل لا رواية في هذا.
وذكر الكرخي (رحمه الله) أن هذا كصلاة أهل المسجد، فعلى قوله يكون فيه قياس
واستحسان؛ كما إذا صلى أهل المسجد، واختلف المتأخرون: منهم من قال يجب أن يكون
هذا جائزاً قياساً واستحساناً، لأن الأصلَ في صلاةِ العيد صلاةُ من في الجبانة، وَإِنما يصلي من
يصلي المسجد لعذر، فوجب اعتبار الأصل دون غيرهم، ومنهم من أثبت فيه القياس
والاستحسان؛ كما في المسألة الأولى، ووجهها ما ذكرنا.
ومنهم من قال: لا تجوز الأضحية بصلاة أهل الجبانة حتى يصلي أهل المسجد؛ لأن
الصلاة في المسجد هي الأصل، بدليل سائر الصلوات، وإنما يخرج الإِمام إلى الجبانة لضرورة
أَن المسجد لا يتسع لهم، فيجب اعتبار الأصل.
ولو ذبح والإِمام في خلال الصلاة لا يجوز؛ وكذا إذا ضحى قبل أن يقعد قدر التشهد،
ولو ذبح بعد ما قعد قدر التشهد قبل السلام، قالوا على قياس قول أبي حنيفة (رحمه الله) لا
يجوز كما لو كان في خلال الصلاة.
وعلى قياس قول أبي يوسف ومحمد (رحمهما الله): يجوز؛ بناءً على أن خروج
المصلي من الصلاة بصفة(٢) فرض عنده، وعندهما ليس بفرض، ولو ضحى قبل فراغ الإمام
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: بصيغة.

٣١٠
كتاب التضحية
من الخطبة أو قبل الخطبة جاز؛ لأن النبيَّ وَ هِ رَتَّبَ الذبح على الصلاة لا على الخطبة فيما
روينا من الأحاديث، فَدَلَّ أن العبرة للصلاة لا للخطبة، ولو صلى الإِمام صلاة العيد وذبح
رَجُلٌ أضحيته، ثم تبين أنه يوم عرفة، فعلى الإِمام أن يعيد الصلاة من الغد، وعلى الرجل أن
يعيد الأضحية؛ لأنه تَبَيِّنَ أن الصلاة والأضحية وَقَعَتَا قبل الوقت، فلم يجز، وَإِن تبين أَنَّ الإِمام
كان على غير وضوءٍ، فإن علم ذلك قبل أن يتفرق الناس يعيد بهم الصلاة باتفاق الروايات؛
وهَلْ يجوز ما ضحى قبل الإِعادة.
ذكر في بعض الروايات أنه يجوز؛ لأنه ذبح بعد صلاة يحيزها بعض الفقهاء، وهو
الشافعي (رحمه الله)، لأن فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المقتدي عنده، فكانت تلك
صلاة معتبرة عنده، فعلى هذا يعيد الإِمام وحده، ولا يعيد القوم، وذلك استحساناً .
وذكر في اختلاف زفر (رحمه الله) أنه يعيد بهم الصلاة، ولا يجوز ما ضحى قبل إعادة
الصلاة، وَإِن تفرق الناس عن الإِمام ثم علم بعد ذلك فقد ذكر في بعض الروايات أَنَّ الصلاة لا
تعاد، وقد جاز الأضحية عن المضحي؛ لأنها صلاة قد جازت في قول بعض الفقهاء، فترك
إِعادتها بعد تفرق الناس أحسن من أن ينادي الناس أن يجتمعوا ثانياً، وهو أيسر من أنه تبطل
أضاحیھم.
وروي عن أبي حنيفة (رحمه الله) أنه تعاد الأضحية ولا تعاد بهم الصلاة؛ لأن إعادة
الأضحية أيسر من إعادة الصلاة، وروي أيضاً أنه ينادي بهم حتى يجتمعوا ويعيد بهم الصلاة.
قال البلخي (رحمه الله): فعلى هذا القياس لا تجزي ذبيحة من ذبح قبل إِعادة
الصلاة، إِلاَّ تكون الشمس قد زالت، فتجزي ذبيحة من ذبح في قولهم جميعاً، وسقطت
عنهم الصلاة؛ ولو شهد ناسٌ عند الإِمام بعد نصف النهار وبعد ما زالت الشمس أَن ذلك
اليوم هو العاشر من ذي الحجة، جاز لهم أن يضحوا، ويخرج الإِمام من الغد فيصلي بهم
صلاة العيد.
وإِن علم في صدر النهار أنه يوم النحر، فَشُغِلَ الإِمامُ عن الخروجِ أو غفل فلم يخرج
ولم يأمر أحداً يصلي بهم، فلا ينبغي لأحد أن يضحي حين يصليّ الإِمام إِلى أن تزول
الشمس؛ فإِذا زالت قبل أن يخرج الإِمام ضحى الناس؛ وإِن ضحى أحد قبل ذلك لم يجز.
ولو صلى الإِمام صلاة العيد وذبح رجل أضحيته، ثم تبين للإِمام أن يوم العيد كان
بالأمس، جازت الصلاة، وجاز للرجل أضحيته .
ولو وقعت فتنة في مصر ولم يكن لها إِمام من قبل السلطان يصلّي بهم صلاة العيد،

٣١١
كتاب التضحية
فالقياس في ذلك أن يكون وقت النحر في ذلك المصر بعد طلوع الفجر [من](١) يوم النحر،
بمنزلة القرى التي لا يصلى فيها، ولكن يستحسن أن يكون وقت نحرهم بعد زوال الشمس من
يوم النحر؛ لأن الموضع موضع الصلاة.
ألا ترى أن الإِمام لو كان حاضراً كان عليهم أن يصلوا إِلاَّ أنه امتنع أداؤها العارض، فلا
يتغير حكم الأصل، كما لو كان الإِمام حاضراً فلم يصل لعارض أسباب من مرض أو غير
ذلك، وهناك لا يجوز الذبح إلا بعد الزوال؛ كذا ههنا.
ولوٍ ذبح أضحيته بعد الزوال من يوم عرفة، ثم ظهر أن ذلك اليوم كان يوم النحر،
جازت الأضحية عندنا؛ لأن الذبح حصل في وقته فيجزيه والله (عزَّ شأنه) أعلم.
هذا إذا كان مَن عليه الأضحية في المصر والشاة في المصر، فإن / كان هو في المصر ٢٩٥/١ ب
والشاة في الرستاق، أو في موضع لا يصلى فيه، وقد كان أمر أن يضحوا عنه، فضحوا بها بعد
طلوع الفجر قبل صلاة العيد، فإنها تجزيه، وعلى عكسه لو كان هو في الرستاق والشاة في
المصر، وقد أمر من(٢) يضحي عنه، فضحوا بها قبل صلاة العيد، فإنَّها لا تجزيه، وإِنما يعتبر
في هذا مكان الشاة لا مكان من عليه، هكذا ذكر محمد (عليه الرحمة) في ((النوادر))، وقال:
إنما أنظر إلى محل الذبح، ولا أنظر إلى موضع المذبوح عنه، وهكذا روى الحسن عن أبي
يوسف (رحمه الله) يعتبر المكان الذي يكون فيه الذبح، ولا يعتبر المكان الذي يكون فيه
المذبوح عنه، وإنما كان كذلك؛ لأن الذبح هو القربة فيعتبر مكان فعلها، لا مكان المفعول
عنه .
وإن كان الرجل في مصرٍ وأهله في مصرٍ آخر، فكتب إليهم أن يضحوا عنه، رُوِيَ عن
أبي يوسف أنه اعتبر مكان الذبيحة، فقال: ينبغي لهم أن لا يضحوا عنه حتى يصلي الإمام
الذي فيه أهله، وَإِن ضحوا عنه قبل أن يصلي لم يجزه، وهو قول محمد (عليه الرحمة).
وقال الحسن بن زياد: انتظرتُ الصلاتين جميعاً، وإِنْ شكُّوا في وقت صلاة المصر
الآخر، انتظرتُ به الزوال، فعنده لا يذبحون عنه حتى يصلوا في المصرين جميعاً، وإِن وقع
لهم الشك في وقت صلاة المصر الآخر، لم يذبحوا حتى تزول الشمس، فإِذا زالت ذبحوا
عنه .
وجه قول الحسن: أن فيما قلنا اعتبار الحالين، حال الذبح وحال المذبوح عنه فكان
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: أن.

٣١٢
كتاب التضحية
أولى، ولأبي يوسف ومحمد (رحمهما الله) أن القربة في الذبح والقربات المؤقتة يعتبر وقتها
في حق فاعلها، لا في حق المفعول عنه، ويجوز الذبح في أيام النحر نُهُرَهَا ولياليها، وهما
ليلتان ليلة اليوم الثاني وهي ليلة الحادي عشر، وليلة اليوم الثالث وهي ليلة الثاني عشر، ولا
يدخل فيها ليلة الأضحى وهي ليلة العاشر من ذي الحجة، لقول جماعة من الصحابة
(رضي الله عنهم): أيام النحر ثلاثةٌ، وذِكْرُ الأيام يكون ذكر الليالي لغة: قال الله (عزَّ شأنه) في
قصة زكريا (عليه الصلاة والسلام): ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١] وقال (عزَّ شأنه) في
موضع آخر: ﴿ثَلاَثُ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] والقصة قصة واحدة إلا أنه لم يدخل فيها الليلة
العاشرة من ذي الحجة، لأنه استتبعها النهار الماضي وهو يوم عرفة، بدليل أن من أدركها فقد
أدرك الحج كما لو أدرك النهار وهو يوم ((عرفة))، فإذا جعلت تابعة للنهار الماضي لا تتبع النهار
المستقبل، فلا تدخل في وقت التضحية، وتدخل الليلتان بعدها، غير أنه يكره الذبح بالليل، لا
لأنه ليس بوقت للتضحية، بل لمعنى آخر ذكرناه في ((كتاب الذبائح)) والله (عزَّ شأنه) أعلم.
وأما الذي يرجع إلى محل التضحية فنوعان:
أحدهما: سلامةُ المحل عن العيوب الفاحشة، فلا تجوز العمياء، ولا العوراء البَيِّنُ
عَورُهَا. والعرجاء البيِّنُ عرجُها، وهي التي لا تقدر [أن](١) تمشي برجلها إلى المنسك،
والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقِي وهي المهزولة التي لا نقي لها وهو المخ،
ومقطوعة الأذن والآلية بالكلية، والتي لا أذن لها في الخلقة.
وسُئل محمد (رحمه الله) عن ذلك، فقال: أيكون ذلك؟ فإنْ كان لا يجزي، ويجزي
السكاء، وهي صغيرة الأذن، ولا يجوز مقطوعة إحدى الأذنين بكمالها، والتي لها أذن واحدة
خلقة .
والأصل في اعتبار هذه الشروط ما روي عن البراء بن عازب (رضي الله عنهما) أنه قال:
سمعتُ رَسُولَ اللهَِّ يقول: ((لاَ تَجْزِي مِنَ الضَّحَايَا أَرْبَعْ: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، والعَرَجَاءُ
البَيْنُ عَرَجُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مرَضُهَا، والعَجْفَاءُ التي لا تنقِي)) (٢).
(١) سقط من ط .
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٤٨٢) كتاب الضحايا، باب ما ينهى عنه من الضحايا حديث (١) وأبو داود الطيالسي
(٢٣٠/١) كتاب الهدايا والضحايا باب الأضحية، حديث (٢٠١٠) وأحمد (٣٠٠/٤) والدارمي (٧٦/٢
- ٧٧) كتاب الأضاحي باب ما لا يجوز في الأضاحي وأبو داود (٢٣٥/٣) كتاب الضحايا، باب ما يكره
من الضحايا، حديث (٢٨٠٢) والترمذي (٨٥/٤، ٨٦) كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي
حديث (١٤٩٧) والنسائي (٢١٤/٧) كتاب الضحايا، باب ما نهي عنه من الأضاحي، وابن ماجه (٢/
١٠٥٠) كتاب الأضاحي باب ما يكره أن يضحى به حديث (٣١٤٤) وابن الجارود ص (٣٠٣ - ٣٠٤) =

٣١٣
كتاب التضحية
وروي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((اسْتَشْرِفُوا العَيْنَ والأُذُنَ))(١) أي: تأملوا سلامتهما عن
الآفات، وروي أنه (عليه الصلاة والسلام) نهى أن يضحى بعضباء الأذن، ولو ذهب بعض هذه
الأعضاء دون بعض من الأذن والآلية والذنب والعين.
ذكر في الجامع الصغير ينظر، فإن كان الذاهب كثيراً يمنع جواز التضحية، وإِن كان يسيراً
لا يمنع، لأن اليسير مما لا يمكن التحرز عنه، إِذ الحيوان لا يخلو عنه عادة، فلو اعتبر مانعاً
لضاق الأمر على الناس، ووقعوا في الحرج.
باب ما جاء في الضحايا حديث (٩٠٧) والحاكم (٢٢٣/٤) كتاب الأضاحي، باب ما ذكر أربع لا يجزي
=
في الضحايا والبيهقي (٢٧٤/٩) كتاب الضحايا، باب ما ورد النهي عن التضحية به.
وابن خزيمة (٢٩٢/٤) رقم (٢٩١٢) وابن حبان (١٠٤٦ - موارد) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(١٦٨/٤) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب به. وقال الترمذي:
حسن صحيح.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن وقد أظهر علي بن
المديني فضائله واتقانه، ووافقه الذهبي وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان.
(١) أخرجه أحمد (١٢٨/١) والدارمي (٢/ ٧٧) كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز في الأضاحي، وأبو داود
(٢٣٧/٢) كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا حديث (٢٨٠٤) والترمذي (٨٦/٤) كتاب
الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، حديث (١٤٩٨) والنسائي (٢١٦/٧) كتاب الضحايا، باب
المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها وابن ماجه (٢/ ١٠٥٠) كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضمن به
حديث (٣١٤٢) وابن الجارود ص (٣٠٣) باب ما جاء في الضحايا حديث (٩٠٦)، والحاكم (٤/
٢٢٤)، كتاب الأضاحي، باب معنى المقابلة والمدابرة والشرقاء والخرقاء، والبيهقي (٢٧٥/٩) كتاب
الضحايا، باب ما ورد النهي عن التضحية به. والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٩/٤) من طرق عن
أبي إسحاق عن شريح عن علي.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وللحديث طريق آخر عن علي رضي الله عنه :
أخرجه النسائي (٢١٧/٧) كتاب الضحايا، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها والترمذي (٨٦/٤)
كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، حديث (١٤٩٨) وابن ماجه (٢/ ١٠٥٠) كتاب الأضاحي،
باب ما يكره أن يضحى به حديث (٣١٤٣) والدارمي (٢/ ٧٧) كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز في
الأضاحي وأحمد (١٠٥/١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٩/٤) والحاكم (٢٢٥/٤) وأبو يعلى
(٢٧٩/١) رقم (٣٣٣) وابن خزيمة (٢٩٣/٤) رقم (٢٩١٤، ٢٩١٥) من طريق سلمة بن كهيل عن
حجية بن عدي قال: سمعت علياً يقول: أمرنا رسول الله و ﴿ أن نستشرف العين والأذن.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وحجية بن عدي قال الذهبي: قال أبو حاتم: شبه المجهول لا يحتج به.

٣١٤
كتاب التضحية
واختلف أصحابنا في الحدِّ الفاصل بين القليل والكثير، فعن أبي حنيفة (رحمه الله) أربعُ
روايات، روى محمد (رحمه الله) عنه في ((الأصل)) وفي ((الجامع الصغير)) أنه إِن كان ذهب
الثلث أو أقل، جاز، وإِن كان أكثر من الثلث لا يجوز.
وروى أبو يوسف (رحمه الله) أنه إِن كان ذهب الثلث لا يجوز، وإِن كان أقل من ذلك
جاز.
وقال أبو يوسف (رحمه الله): ذكرتُ قولي لأبي حنيفة (رحمه الله) فقال قولي مثلُ
قولك، وقول أبي يوسف: أنه إِن كان الباقي أكثر من الذاهب يجوز(١)؛ وإِن كان أقل منه أو
مثله، لا يجوز.
وروى أبو عبد الله البلخي عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه إذا ذهب الربع لم يجزه،
٢٩٦/١ ١ وذكر الكرخي قول محمد مع قول أبي حنيفة في روايته عنه / في الأصل؛ وذكر القاضي في
شرحه ((مختصر الطحاوي)) قوله مع قول أبي يوسف.
وجه قول أبي وهو إحدى الروايات عن أبي حنيفة أن القليل والكثير من الأسماء
الإضافية، فما كان مضافه أقل منه يكون كثيراً، وما كان أكثر منه يكون قليلاً، إِلاَّ أنه قد قال
بعدم الجواز إِذا كانا سواء؛ احتياطاً لاجتماع جهة الجواز وعدم الجواز، إِلا أنه يعتبر بقاء الأكثر
للجواز ولم يوجد .
وَرُوِيَ عن النبيِّ بَّرَ أنه نهى عن العضباء(٢)، قال سعيد بن المسيب: العضباءُ: التي
ذهب أكثر أذنها، فقد اعتبر النبي بَّر الأكثر.
(١) في أ: يجزئه.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٧٦٣) كتاب الوصية: باب الوصية في الثلث حديث (٤) والبخاري (١٦٤/٣) كتاب
الجنائز: باب رثاء النبي ◌َّلقول سعد حديث (١٢٩٥) ومسلم (٣/ ١٢٥٠) كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث
حديث (١٦٢٨/٥) وأبو داود (٢٤٨/٣) كتاب الوصايا: باب ما لا يجوز للموصي في ماله حديث
(٢٨٦٤) والترمذي (٤٣٠/٤) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث حديث (٢١١٦) والنسائي (٢٤١/٦
- ٢٤٢) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث وابن ماجه (٩٠٣/٢) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث
حديث (٢٧٠٨) وأحمد (١٧٩/١) والدارمي (٤٠٧/٢) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث وأبو داود
الطيالسي (٢٨٢/١ - منحة) رقم (١٤٣٣) وعبد الرزاق (٦٤/٩) رقم (١٦٣٥٧). والحميدي (٣٦/١)
رقم (٦٦). وابن الجارود (٩٤٧) ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (ص - ٧٢) رقم (٢٤٨) وأبو يعلى
(٩٢/٢) رقم (٤٧) وابن حبان (٤٢٣٥، ٥٩٩٤، ٧٢١٧ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(٣٧٩/٤) والبيهقي (٢٦٨/٦) والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٣٦٨/١ - ٣٦٩) كلهم من طريق الزهري
عن عامر بن سعد عن أبيه قال: مرضت بمكة مرضاً أشفيت منه على الموت فجاء رسول الله وَلو يعودني =

٣١٥
كتاب التضحية
وأما وجه رواية اعتبار الربع كثيراً؛ فلأنه يلحق بالكثير في كثير من المواضع؛ كما في
مسح الرأس والحلق في حق المحرم، ففي موضع الاحتياط أولى.
وأما وجه رواية اعتبار الثلث كثيراً، فلقول النبيِّ وَّ في باب الوصية الثلث: ((وَالثُّلُثُ
كَثِيرٌ))(١)، جعل (عليه الصلاة والسلام) الثلثَ كثيراً مطلقاً، وأما وجه رواية اعتباره قليلاً فاعتباره
بالوصية؛ لأن الشرع جوز الوصية بالثلث، ولم يجوز بما زاد على الثلث، فَدَلَّ أنه إذا لم يزد
على الثلث لا يكون كثيراً.
وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها، فإن كانت ترعى وتعتلف جازت، وإلا فلا.
وذكر في المنتقى عن أبي حنيفة (رحمه الله) أنه إن كان لا يمنعها عن الاعتلاف تجزیه،
وإِن كان يمنعها عن الاعتلاف إِلاَّ أن يصب في جوفها صباً لم تجزه، وقال أبو يوسف في قول
لا تجزي سواء اعتلفت أو لم تعتلف، وفي قولٍ إِن ذهب أكثر أسنانها لا تجزي؛ كما قال في
الأذن والألية والذنب، وفي قولٍ إِن بقي من أسنانها قدر ما تعتلف تجزي، وإلا فلا.
وتجوز الثولاء وهي المجنونة إِلا إِذا كان ذلك يمنعها عن الرعي والاعتلاف، فلا تجوز،
لأنه يفضي إلى هلاكها، فكان عيباً فاحشاً.
فقلت: يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت:
=
فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، أو كبير إنك إن تترك ورثتك أغنياء، خير من
أن تتركهم عالة .
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه البخاري (٤٢٧/٥ - ٤٢٨) كتاب الوصايا: باب إن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس
حديث (٢٧٤٢) ومسلم (١٢٥٠/٣) كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث حديث (١٦٢٨/٥) والنسائي
(٢٤٢/٦) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث وأحمد (١٧٢/١) من طريق سعد بن إبراهيم عن عامر بن
سعد عن أبيه به.
وأخرجه البخاري (٤٣٤/٥ - ٤٣٥) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث حديث (٢٧٤٤) من طريق
هاشم بن هاشم عن عامر بن سعيد عن أبيه به.
وأخرجه النسائي (٢٤٣/٦) كتاب الوصايا: باب الوصية، من طريق بكير بن مسمار عن عامر بن سعد
عن أبيه به.
وأخرجه أحمد (١٨٤/١) من طريق جرير بن حازم عن عمه جرير بن زيد عن عامر به.
وأخرجه مسلم (١٢٥١/٣) كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث حديث (٨، ١٦٢٨/٩) وأحمد (٦٨/١)
وأبو يعلى (١١٦/٢) رقم (٧٨١) من طريق عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد
سعد به .

٣١٦
كتاب التضحية
وتجوزُ الجرباء إذا كانت سمينة، فإِن كانت مهزولة لا تجوز.
وتجزي الجماء وهي التي لا قرن لها خلقة، وكذا مكسورةُ القرن تجزي، لما رُوِيَ أن
سيدنا عليًّا (رضي الله عنه) سُئل عن القرن(١)، فقال: لا يضرك، أمرنا رسول الله وَ ل أن
نستشرف العين والأذن.
وروي أن رجلاً من همذان جاء إلى سيدنا علي (رضي الله عنه) فقال: يا أمير المؤمنين،
البقرةُ عن كم، قال: عن سبعةٍ، ثم قال: مكسورة القرن؟ قال: لا ضير، ثم قال عرجاء،
فقال: إِذا بلغت المنسك، ثم قال سيدنا علي (كرم الله وجهه) أمرنا رسولُ اللهِ وَلّ أنا نستشرف
العين والأذن، فإِن بلغ الكسر المشاش لا تجزيه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين
والمرفقين.
وتجزي الشرقاء وهي مشقوفة الأُذن طولاً .
وما روي أن رسول الله صل* نهى أن يضحى بالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة(٢)،
فالخرقاء هي: مشقوقة الأذن، والمقابلة هي: التي يقطع من مقدم أذنها شيءٌ ولا يبان، بل
يترك معلقاً، والمدابرة، أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة، فالنهي في الشرقاء والمقابلة
والمدابرة محمولٌ على الندب، وفي الخرقاء على الكثير على اختلاف الأقاويل في حد الكثير
على ما بينا، ولا بأس بما فيه سمة في أذنه؛ لأن ذلك لا يعد عيباً في الشاة، أو لأنه عيب
يسير، أو لأَن السمة لا يخلو عنها الحيوان، ولا يمكن التحرز عنها.
ولو اشترى رجلٌ أضحية وهي سمينة، فعجفت عنده حتى صارت بحيث لو اشتراها على
هذه الحالة لم تجزه، إِن كان موسراً، وإِن كان معسراً أجزأته؛ لأَن الموسر تجب عليه الأضحية
في ذمته، وإنما أقام ما اشترى لها مقام ما في الذمة، فإذا نقصت لا تصلح أن تقام مقام ما في
الذمة فبقي ما في ذمته بحاله.
وأما الفقير فلا أضحية في ذمته، فإذا اشتراها للأضحية فقد تعينت الشاة المشتراة للقربة،
فكان نقصانها كهلاكها، حتى لو كان الفقير أوجب على نفسه أضحية لا تجزىء(٣) هذه؛ لأنها
وجبت عليه بإيجابه، فصار كالغني الذي وجبت عليه بإيجاب الله (عزَّ شأنه).
وَلَو اشترى أضحية وهي صحيحة، ثم أعورَّتْ عنده وهو موسر، أو قطعت أذنها كلها،
أو أَليتها، أو ذنبها، أو انكسرت رجلُها، فلم تستطع أن تمشي - لا تجزي عنه، وعليه مكانها
أخرى؛ لما بينا بخلاف الفقير.
(١) في ط: القران.
(٣) في ط: لا تجوز.
(٢) تقدم تخريجه .

٣١٧
كتاب التضحية
وكذلك إِن ماتت عنده أو سرقت، ولو قدم أضحية ليذبحها فاضطربت في المكان الذي
يذبحها فيه، فانكسرت رجلها، ثم ذبحها على مكانها، أجزأه؛ وكذلك إذا انقلبت منه الشفرة،
فأصابت عينها فذهبت، والقياس أن لا يجوز.
وجه القياس أن هذا عيبٌ دخلها قبل تعيين القربة فيها، فصار كما لو كان قبل حال
الذبح.
وجه الاستحسان: أَنَّ هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأن الشاة تضطرب فتلحقها
العيوب من اضطرابها، وروي عن أبي يوسف، أنه قال: لو عالج أضحية ليذبحها فَكُسِرَتْ(١)
أو / أعورّتْ فذبحها ذلك اليوم، أو من الغد، فإِنها تجزي؛ لأن ذلك النقصان لما لم يعتد به ٢٩٦/١ بـ
في الحال لو ذبحها، فكذا في الثاني كالنقصان اليسير، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
والثاني: ملك المحل وهو أن يكون المضحي ملك من عليه الأضحية، فإن لم يكن لا
تجوز؛ لأن التضحية قربة، ولا قربة في الذبح بملك الغير بغير إذنه، وعلى هذا يخرج ما إذا
اغتصب شاة إِنسان فضحى بها عن نفسه، أنه لا تجزيه لعدم الملك، ولا عن صاحبها لعدم
الإِذن، ثم إِن أخذها صاحبها مذبوحة وضمنه النقصان، فكذلك لا تجوز عن التضحية، وعلى
كل واحد منهما أن يضحي بأخرى لما قلنا، وإن ضمنه صاحبها قيمتها حية، فإِنها تجزي عن
الذابح، لأنه ملكها بالضمان من وقت الغصب بطريق الظهور. والاستناد، فصار ذابحاً شاة هي
ملكه، فتجزيه، لكنه يأثم لأن ابتداء فعله وقع محظوراً، فتلزمه التوبة والاستغفار، وهذا قول
أصحابنا الثلاثة .
وقال زفر: لا تجزي عن الذابح أيضاً؛ بناءً على أن المضمومات تملك بالضمان عندنا،
وعند زفر لا تملك، وبه أخذ الشافعي، وأصل المسألة في ((كتاب الغصب))؛ وكذلك إذا
اغتصب شاة إنسان كان اشتراها للأضحية، فضحاها عن نفسه بغير أمره لما قلنا، وكذلك
الجواب في الشاة المستحقة بأن اشترى شاة ليضحي بها فضحى بها، ثم استحقها رجلٌ بالبينة
أنه إِن أخذها المستحق مذبوحة لا تجزي عن واحد منهما، وعلى كل واحد منهما أن يضحي
بشاة أخرى، ما دام في أيام النحر، وإِن مضت أيام النحر فعلى الذابح أن يتصدق بقيمة شاة
وسط، ولا يلزمه التصدق بقيمة تلك الشاة المشتراة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن شراءه إياها
للأضحية والعدم بمنزلةٍ، بخلاف ما إذا اشترى شاة للأضحية، ثم باعها حيث يلزمه التصدق
بقيمتها؛ لأن شراءه إياها للأضحية قد صح لوجود الملك، فيجب عليه التصدق بقيمتها، وإِن
تركها عليه وضمنه قيمتها جاز الذبح عندنا؛ كما في الغصب.
(١) في أ: فكرها.

٣١٨
كتاب التضحية
ولو أودع رجلٌ رجلاً شاة يضحي بها المستودع عن نفسه يوم النحر، فاختار صاحبها
القيمة ورضي بها، فأخذها، فإنها لا تجزي المستودع من أضحيته؛ بخلاف الشاة المغصوبة
والمستحقة .
ووجه الفرق أن سبب وجوب الضمان ههنا هو الذبح، والملك ثبت بعد تمام السبب
وهو الذبح، فكان الذبح مصادفاً ملك غيره، فلا يجزيه بخلاف الغاصب، فإِنه كان ضامناً قبل
الذبح لوجود سبب وجوب الضمان وهو الغصب السابق، فعند اختيار الضمان أو أدائه يثبت
الملك له من وقت السبب وهو الغصب، فالذبح صادف ملك نفسه، فجاز.
وكل جواب عرفته في الوديعة فهو الجواب في العارية والإِجارة؛ بأن استعار ناقة أو ثوراً
أو بعيراً أو استأجره فضحى به، أنه لا يجزيه عن الأضحية، سواء أخذها المالك أو ضمنه
القيمة، لأنها أمانة في يده، وإِنما يضمنها بالذبح، فصار كالوديعة، ولو كان مرهوناً ينبغي أن(١)
يجوز؛ لأنه يصير ملكاً له من وقت القبض كما في الغصب، بل أولى.
ومن المشايخ من فصل في الرهن تفصيلاً لا بأس به، فقال: إِن كان قدر الرهن مثل
الدين أو أقل منه يجوز، فأما إذا كانت قيمته أكثر من الدين فينبغى أن لا يجوز؛ لأنه إذا كان
كذلك كان بعضه مضموناً وبعضه أمانة ففي قدر الأمانة إنما يضمنه بالذبح، فيكون بمنزلة
الوديعة .
ولو اشترى شاة بيعاً فاسداً فقبضها فضحى بها جاز؛ لأنه يملكها بالقبض وللبائع أن يضمنه
قيمتها حية، إن شاء، وإِن شاء أخذها مذبوحة، لأن الذبح لا يبطل حقه في الاسترداد، فإِن ضمنه
قيمتها حية فلا شيء على المضحي، وإِن أخذها مذبوحة فعلى المضحي أن يتصدق بقيمتها
مذبوحة، لأنه بالرد أسقط الضمان عن نفسه، فصار كأنه باعها بمقدار القيمة التي وجبت عليه.
وكذلك لو وهب له شاة هبة فاسدة فضحى بها، فالواهب بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها
حية، وتجوز الأضحية ويأكل منها، وابن شاء استردها واسترد قيمة النقصان، ويضمن
الموهوب له قيمتها، فيتصدق بها إِذا كان بعد مضي وقت الأُضحية .
وكذلك المريض مرض الموت لو وهب شاة من رجلٍ في مرضه وعليه دين مستغرق،
فضحى بها الموهوب، فالغرماء بالخيار إن شاءوا استردوا عينها، وعليه أن يتصدق بقيمتها،
وَإِن شاءوا ضمنوه قيمتها، فتجوز الأضحية؛ لأَن الشاة كانت مضمونة عليه، فإِذا ردها فقد
أسقط الضمان عن نفسه؛ كما قلنا في البيع الفاسد.
(١) في أ: ألاَّ .

٣١٩
كتاب التضحية
ولو اشترى شاة بثوب فضحى بها المشتري ثم وجد البائع بالثوب عيباً فرده فهو بالخيار،
إن شاء ضمنه قيمة الشاة ولا يتصدق المضحي، ويجوز له الأكل، وإِن شاء استردها ناقصة
مذبوحة، فبعد ذلك ينظر إِن كانت قيمة الثوب أكثر يتصدق بالثوب، كأنه باعها بالثوب، وإِن
كانت قيمة الشاة أكثر يتصدق بقيمة الشاة؛ لأن الشاة كانت مضمونة عليه، فيرد ما أسقط / ١٢٩٧/١
الضمان عن نفسه؛ كأنه باعها بثمن ذلك القدر من قيمتها فيتصدق بقيمتها.
وَلَوْ وَجَدَ بالشاة عيباً، فالبائع بالخيار إِن شاء قبلها ورد الثمن ويتصدق المشتري بالثمن
إِلا حصة النقصان؛ لأنه لم يوجب حصة النقصان على نفسه، وإن شاء لم يقبل ورد حصة
العيب ولا يتصدق المشتري بها، لأن ذلك النقصان لم يدخل في القربة، وإِنما دخل في القربة
ما ذبح، وقد ذبح ناقصاً إِلا في جزاء الصيد، فإِنه ينظر إِن لم يكن مع هذا العيب عدلاً للصيد،
فعليه أن يتصدق بالفضل لما نذكر.
ولو وهب لرجل شاة فضحى بها الموهوب له، أجزأته عن الأضحية، لأنه ملكها بالهبة
والقبض، فصار كما لو ملكها بالشراء، فلو أنه ضحى بها ثم أراد الواهب أن يرجع في هبته
فعند أبي يوسف (رحمه الله) ليس له ذلك، بناء على أن الأضحية بمنزلة الوقف عنده، فإذا
ذبحها الموهوب له عن أضحيته أو أوجبها أضحية لا يملك الرجوع فيها؛ كما لو أعتق
الموهوب له العبد أنه ينقطع حق الواهب عن الوجوع؛ كذا ههنا.
وعند محمد (عليه الرحمة) له ذلك؛ لأَن الذبح نقصان، والنقصانُ لا يمنع الرجوع ولا
يجب على المضحي أن يتصدق بشيء؛ لأن الشاة لم تكن مضمونة عليه، فصار في الحكم
بمنزلة ابتداء الهبة، ولو وهبها أو استهلكها لا شيء عليه.
هذا ولو كان هذا في جزاء الصيد أو في كفارة الحلق، أو في موضع يجب عليه التصدق
باللحم، فإذا رجع الواهب في الهبة فعليه أن يتصدق بقيمتها؛ لأن التصدق واجب عليه، فصار
كما إذا استهلكها، ولأنه ذبح شاة لغيره حق الرجوع فيها، فصار كأنه هو الذي دفع إليه،
والرجوع في الهبة بقضاء وبغير قضاء سواءٌ في هذا الفصل، يفترق الجواب بين ما يجب صدقة
وبين ما لا يجب؛ وفي الفصل(١) الأول يستوي الجواب بينهما.
ولو وهب المريض مرض الموت شاة لإنسان وقبضها الموهوب له، فضحاها ثم مات
الواهب من مرضه ذلك، ولا مال له غيرها، فالورثة بالخيار إن شاءوا ضمنوا الموهوب له ثلثي
قيمتها حية، وإِن شاءوا أخذوا ثلثيها مذبوحة، فإن ضمنوه ثلثي قيمتها حية فلا شيء على
الموهوب له؛ لأنها لو كانت مغصوبة فضمن قيمتها لا شيءَ عليه غير ذلك، فهذه أولى، وإِن
أخذوا ثلثيها اختلف المشايخ فيه .
(١) في ط: الفصول.

٣٢٠
كتاب التضحية
قال بعضُهم: القياس أن يتصدق بثلثي قيمتها حَيَّةً، لأَن الموهوب له قد ضمن ثلثي
قيمتها حية ثم سقط عنه ثلث قيمتها حية، يأخذ الورثة منه ثلثي الشاة مذبوحة، فصار كأنه
باعها(١) بذلك وقضى دَيْناً عليه بثلثي الشاة، فعليه أن يتصدق بذلك القدر.
وقال بعضُهم: لا شيء عليه إِلاَّ ثلثي قيمتها مذبوحة؛ لأَن الورثة لما أخذوا ثلثيها
مذبوحة فقد أبرءوا الموهوب له من فضل ما بين ثلثي قيمتها حية إلى ثلثي قيمتها مذبوحة، فلا
يجب على الموهوب له إِلا ثلثا قيمتها مذبوحة.
وهكذا ذكر في نوادر الضحايا عن محمد (عليه الرحمة) في هذه المسألة أن الورثة
بالخيار إن شاءوا ضمنوا ثلثي قيمة الشاة وسلموا له لحمها، وإن شاءوا أخذوا ثلثي لحمها،
وكانوا شركاءه فيها، فإن ضمنوا ثلثي القيمة أجزأت عنه الأضحية، وإِن شاركوه فيها وأخذوا
ثلثي لحمها، فعليه أن يتصدق بثلثي قيمتها مذبوحةً، وقد أجزأت عنه من قبل أنه ذبحها وهو
يملكها، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
فصل فيما يستحب قبل الأضحية وعندها وبعدها وما يكره
وأما بيان ما يستحب قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره.
أما الذي هو قبل التضحية فيستحب أن يربط الأضحية قبل أيام النحر بأيام، لما فيه من
الاستعداد للقربة، وإظهار الرغبة فيها، فيكون له فيه أجر وثواب، وأن يقلدها ويَجللها اعتباراً
بالهدايا، والجامع أن ذلك يشعر بتعظيمها، قال الله (تَعَالى): ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظُمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَىُ القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وأن يسوقها إلى المنسك(٢) سوقاً جميلاً، لا عنيفاً، وألا
يجر برجلها إلى المذبح؛ كما ذكرنا في ((كتاب الذبائح)).
ولو اشترى شاة للأضحية فيكره أن يحلبها أو يجز صوفها فينتفع به؛ لأنه عينها للقربة،
فلا يحل له الانتفاع بجزء من أجزائها قبل إقامة القربة فيها، كما لا يحل له الانتفاع بلحمها إذا
ذبحها قبل وقتها، ولأن الحلب والجز يوجب نقصاً فيها، وهو ممنوعٌ عن إِدخال النقص في
الأضحية .
ومن المشايخ من قال: هذا في الشاة المنذور بها بعينها من المعسر أو الموسر، أو الشاة
المشتراة للأضحية من المعسر.
فأما المشتراة من الموسر للأضحية، فلا بأس أن يحلبها ويجز صوفها؛ لأن في الأول
(١) في أ: ذبحها.
(٢) في أ: النسك.