Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الذبائح والصيود - إلى قوله (عز شأنه) - وَمَا أَكَلَ السَّبعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] استثنى (سبحانه وتعالى) المذكى(١) من المحرم، والاستثناء من التحريم إِباحةٌ. ثم الكلام في الذكاة في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن الذكاة، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يستحب من الذكاة وما يكره منها [أما الأول](٢). فالذكاة نوعان: اختيارية، وضرورية. أما الاختياريةُ: فركنها الذبح فيما يذبح من الشاة والبقرة ونحوهما، والنحر فيما ينحر، وهو الإبل عند القدرة على الذبح، والنحر لا يحل بدون الذبح والنحر، لأن الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح، وأنه لا يزول إلا بالذبح، والنحر، ولأن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات؛ قال الله (تبارك وتعالى) ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقال (سبحانه وتعالى): ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ولا يطيب إلا بخروج الدم المسفوح وذلك بالذبح والنحر؛ ولهذا حرمت الميتة؛ لأن المحرم وهو الدم المسفوح فيها قائمٌ؛ ولذا لا يطيب مع قيامه؛ ولهذا يفسد في أدنى مدة ما يفسد في مثلها المذبوح؛ وكذا المنخنقة (٣) والموقوذة(٤) غير ذلك من أحاديث تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. = وقد انعقد الإجماع في كافة العصور على إباحة التذكية لم يخالف في ذلك أحد من المسلمين. أما المعقول: فقد سبق أن اللحم عنصر ضروري في غذاء الإنسان وذلك لاشتماله على عناصر أساسية منها المواد الزلالية والمواد الدهنية فإذا خلا منهما أو من أحدهما الطعام كان غذاء ناقصاً. فلا بد إذاً أن يتخذ الحيوان طعاماً ولا وسيلة إلى ذلك إلا بتذكيته، فالتذكية تحصل منفعة الغذاء لمن هو المقصود من الحيوانات وهو الآدمي فيكون ذلك سبباً مباحاً. هذا وقد اختلفت الأمم في الوسيلة التي يزهق بها الحيوان قبل أكله، ولا يزال كثير من أهل الديانات الأخرى يخالفون الإسلام في وسيلته، فلماذا آثر الشارع الإسلامي - في الأحوال الطبيعية - أن تكون الذكاة في الحلق أو اللبة؟ هنا مناط العقل وحكمة التشريع وفي هذا إبطال لما يدعيه عرابيد اليوم وكفرة أوروبا. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة، وينظر: حكمة التشريح وفلسفة للجرجاوي ٢٨٦، وروح المعاني (٦/ ٤٥)، نهاية الأرب جـ ١٣ ص ٨٢. (١) في ط: الذكي. (٢) سقط في ط. (٣) هي التي تموت خنقاً، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدميّ أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وذكر قتادة: أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها؛ وذكر نحوه ابن عباس. ينظر: القرطبي (٢٠٤٥/٣). (٤) الموقوذة هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية؛ عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي؛ يقال منه: وَقَذَه يَقِذُه وَقْذَاً وهو وَقِيذٌ. والوَقْذِ شِدّة الضرب، وفلان وَقِيذ أي = ٢٠٢ كتاب الذبائح والصيود والمتردية(١) والنطيحة(٢) لما قلنا. والذبح هو: فَرْيُ الأوداج، ومحله ما بين اللََّّةِ واللحيين؛ لقول النبي (عليه الصلاة والسلام): ((الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّةِ واللَّخيَةِ))(٣) أي: محل الذكاة ما بين اللبة واللحيين، وروي مثخن ضرباً. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام = بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق. وقال الفرزدق: شَغارَة تَقِذْ الفصِيلَ برِجلها فَطّارةٌ لِقَوَادِمِ الأَبْكَارِ وفي صحيح مسلم عن عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول الله فإني أرميَ بالمِغراض الصيد فأصيب؛ فقال: ((إذا رميت بالمِعراض فَخَزَق فكُلْه وإن أصابه بِعرضه فلا تأكله)) وفي رواية ((فإنه وقِيذ)). قال أبو عمر: اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبُنْدُق والحجر والمِعراض؛ فمن ذهب إلى أنه وَقِيذ لم يُجِزه إلا ما أدرك ذكاته؛ على ما روي عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوريّ والشافعي. وخالفهم الشاميون في ذلك؛ قال الأوزاعيّ في المِعراض؛ كُلُهُ خَزَق أو لم يَخْزِق؛ فقد كان أبو الدّرداء وفَضَالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً؛ قال أبو عمر: هكذا ذكر الأوزاعيّ عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه. والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لَجَأَ إليه حديثُ عديّ بن حاتم وفيه ((وما أصاب بعَرْضه فلا تأكله فإنما هو وقِيذ)). ينظر: القرطبي (٢٠٤٥/٣ - ٢٠٤٦). (١) المتردية هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت؛ كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه؛ وهي متفعّلة من الردي وهو الهلاك؛ وسواء تردَّت بنفسها أو ردّاها غيرها. وإذا أصاب السهم الصيد فتردّى من جبل إلى الأرض حرم أيضاً؛ لأنه ربما مات بالصدمة والتردّي لا بالسهم؛ ومنه الحديث ((وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك)) أخرجه مسلم. وكانت الجاهلية تأكل المتردّي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف؛ فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة؛ فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من المُخْكَم المتفق عليه. وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نَّفَسها بالنطْح والأكل. ينظر: القرطبي (٢٠٤٦/٣). (٢) النطيحة فعِيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تُذَكّى. وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان. وقيل: نطيحة ولم يقل نطيح، وحق فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال: كَفَّ خَضِيب ولِحية دَهِين؛ لكن ذكر الهاء ههنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعِيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به؛ يقال: شاة نطيح وأمرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول: رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت: رأيت قتيل بني فلان لم يعرف أرجل هو أم امرأة. ينظر: القرطبي: (٢٠٤٦/٣). (٣) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٨٥/٤) وقال: غريب بهذا اللفظ. وأخرجه الدارقطني (٢٨٣/٤) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٧٨/٩) من طريق سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل الخزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة. قال الزيلعي (١٨٥/٤): قال في التنقيح: هذا إسناد ضعيف بمرة وسعيد بن سلام أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به وكذبه ابن نمير وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث وقال الدار قطني: يحدث بالأباطيل متروك. ٢٠٣ كتاب الذبائح والصيود الذكاة في الحلق واللبة، والنحر: فري الأوداج، ومحله آخر الحلق، ولو نحر ما يذبح وذبح ما ينحر يحل؛ لوجود فري الأوداج، ولكنه يكره؛ لأن السنة في الإِبل النحر، وفي غيرها الذبح؛ أَلاَ ترى أن الله (تعالى) ذكر في الإِبل النحر، وفي البقر والغنم الذبح، فقال (سبحانه وتعالى): ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قيل في التأويل أي: انحر الجزور، وقال الله (عزَّ شأنه): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةٍ﴾ [البقرة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحِ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] والذبح بمعنى المذبوح كالطحن بمعنى المطحون، وهو الكبش الذّي فدىّ به سيدنا إسماعيل أو سيدنا إسحاق (صلوات الله عليهما) على اختلافِ أصل القصة في ذلك، وكذا النبي (عليه الصلاة والسلام) نحر الإِبل وذبح البقر والغنم، فدل أن ذلك هو السنة. وذكر محمد (رحمه الله) في الأصل، وقال: بلغنا أن أصحاب النبي (عليه الصلاة والسلام) و(رضي عنهم) كانوا ينحرون الإِبل قياماً معقولةَ اليدِ اليسرى، فدل ذلك على أن النحر في الإِبل هو السنة؛ لأَن الأَصلَ في الذكاة إنما هو الأَسهل على الحيوان، وما فيه نوع راحة له فهو أفضل؛ لما روي عن النبي وَ لّ قال: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلَيُحِدُ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلِيُرِحْ ذَبِيْحَتَهُ))(١) والأسهل في الإِبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف. فإن قيل: أليس إِنه روي عن جابر (رضي الله عنه) أنه قال: نحرنا مع رسول الله وال البدنةَ عن سبعة، والبقرة عن سبعة، أي: ونحرنا البقرة عن سبعة؛ لأنه معطوف على الأول، فكان خبر الأول خبراً للثاني؛ كقولنا جاءني زيد وعمرو، فالجواب أن الذبح مضمر فيه، (١) أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣) كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، حديث (١٩٥٥/٥٧) والطيالسي (٣٤١/١ - ٣٤٢) كتاب الصيد والذبائح، باب ما جاء في نحر الإبل وذبح غيرها، حديث (١٧٤٠) وأحمد (١٢٣/٤، ١٢٤، ١٢٥) وأبو داود (٢٤٤/٣) كتاب الأضاحي، باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة، حديث (٢٨١٥) والترمذي (٢٣/٤) كتاب الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة، حديث (١٤٠٩) والنسائي (٢٢٩/٧) كتاب الضحايا، باب حسن الذبح وابن ماجه (١٠٥٨/٢) كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح حديث (٣١٧٠) وابن الجارود ص (٣٠١): باب ما جاء في الذبائح، حديث (٨٩٩) والدارمي (٨٢/٢) كتاب الأضاحي: باب في حسن الذبيحة وعبد الرزاق (٤٩٢/٤) رقم (٨٦٠٣، ٨٦٠٤) وابن حبان (٥٨٥٣ - الإحسان) والطبراني في ((الكبير)) (٧/ رقم ٧١١٤) وفي الصغير (١٠٥/٢) والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص - ٣٨٦) والخطيب في ((تاريخه)) (٢٧٨/٥) والبيهقي (٦٠/٨) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١/٦ - بتحقيقنا) من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله وَل: ((إن الله كتب الإحسان على كل مسلم فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته. ٢٠٤ كتاب الذبائح والصيود ومعناه وذبحنا البقرة على عادة العرب في الشيء إذا عطف على غيره، وخبر المعطوف عليه لا يحتمل الوجود في المعطوف، أو لا يوجد عادة أن يضمر المتعارف المعتاد؛ كما قال الشاعر: [من مجزوء الكامل] وَلَقِيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَلْداً سَيْفاً وَرُمْحا(١) أي: متقلداً سيفاً، ومعتقلاً رمحاً، وقال آخر: [من الرجز] عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءَ بَارِداً(٢) أي: علفتها تبناً - وسقيتها ماءاً بارداً؛ لأن الرمح لا يحتمل التقلد أو لا يتقلد عادة، والماء لا يعلف، بل يسقى؛ كذا ههنا الذبح في البقر هو المعتاد فيضمر فيه، فصار كأنه قال : نحرنا البدنة وذبحنا البقرة، وهذا الذي ذكرنا قول عامة العلماء (رضي الله تعالى عنهم). وقال مالك (رحمه الله): إذا ذبح البدنة لا تحل، لأن الله (تبارك وتعالى) أمر في البدنة بالنحر بقوله (عز شأنه): ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فإذا ذبح فقد ترك المأمور به، فلا يحل . ولنا ما روي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((مَا أَنْهُرُ الدَّمَ وَفَرَىُ الأَوْدَاجَ، فَكُلْ))(٣) وبه تبين أن الأمر بالنحر في البدنة ليس لعينه، بل لإنها الدم وإفراء الأوداج، وقد (١) ينظر الأشباه والنظائر ١٠٨/٢، ٢٣٨/٦؛ وأمالي المرتضى ٥٤/١؛ والإنصاف ٦١٢/٢؛ وخزانة الأدب ٢٣١/٢، ١٤٢/٣، ١٤٢/٩؛ والخصائص ٤٣١/٢؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ١٨٢؛ وشرح المفصل ٥٠/٢؛ ولسان العرب ٤٢٢/١ (رغب)، ٢٨٧/٢ (زجج)، ٥٩٣/٢ (مسح)، ٣٦٧/٣ (قلد)، ٤٢/٨ (جدع)، ٥٧/٨ (جمع)، ٣٥٩/١٥ (هدى)؛ والمقتضب ٥١/٢. والشاهد فيه قوله: ((ورمْحاً)) حيث نصبه بعامل محذوف تقديره: معتقلاً، لأنه لا يجوز القول: تقلَّد الرمح، ويجوز تضمين ((متقلّداً) معنى ((حاملاً)) حين ذاك يصح تسليطه على ((رمحا)). (٢) الخصائص ٤٣١/٢ وابن الشجري ٣٢/٢ وابن يعيش ٨/٢ والعيني ١٠١/٣ ١٨١/٤ والهمع ١٣/٢ وشرح شواهد المغني ٣١٤ وأمالي المرتضى ٥٢٩/٢ والأشموني ١٤٠/٢ والتصريح ٢٤٦/١. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع (٣٧/٤) وابن حزم (٧/ ٤٤٠) من طريق يحيى بن أيوب عن أبي أمامة قال: كانت جارية لأبي مسعود عقبة بن عمرو ترعى غنماً فعطبت منها شاة، فكسرت حجراً من المروة فدكتها، فأتت بها إلى عقبة بن عمرو فأخبرته، فقال: اذهبي بها إلى رسول الله وَ ◌ّ كما أنت. فقال لها رسول الله وَلقر: ((هل أفريت الأوداج))؟ قالت: نعم، قال: ((كل ما فرى الأوداج ما لم يكن قرض سن أو حزَّ ظفر)). قال ابن حزم: هذا خبر في نهاية السقوط لأن يحيى بن أيوب شهد عليه مالك بالكذب وأخبر أنه روى عنه الكذب وضعفه أحمد وغيره وهو ساقط البتة، ثم عن عبيد الله بن زحر وهو ضعيف، ضعفه يحيى وغيره ثم عن علي بن يزيد وهو متروك الحديث ثم عن القاسم أبي عبد الرحمن وهو ضعيف جداً فبطل كله. اهـ. = ٢٠٥ كتاب الذبائح والصيود وجد ذلك، ولا بأس في الحلق كله أسفله أو أوسطه أو أعلاه؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): (الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّخْيَيْنِ(١)، وقوله (عليه الصلاة والسلام): ((الذَّكَاةُ فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ(٢) . من غير فصلٍ، لأن المقصود إخراج الدم المسفوح وتطييب اللحم؛ وذلك يحصل بقطع الأوداج في الحلق کله. ثم الأوداج أربعة: الحلقوم، والمريء، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم، والمريء؛ فإذا فرى ذلك كله فقد أتى بالذكاة بكمالها وسننها، وإن فَرَى البعض دون البعض فعند أبي حنيفة (رضي الله عنه) إذا قطع أكثر الأوداج وهو ثلاثة منها، أي ثلاثة كانت، وترك واحداً - يحل. وقال أبو يوسف (رحمه الله): لا يحل حتى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين. وقال محمدٌ (رحمه الله): لا يحل حتى يقطع مِنْ كُلِّ واحد من الأربعة أكثره. وقال الشافعي (رحمه الله): إذا قطع الحلقوم والمريء حَلَّ إذا استوعب قطعهما. وجه قول الشافعي (رضي الله عنه) أن الذبح إِزالة الحياة، والحياة لا تبقى بعد قطع الحلقوم والمريء عادةً، وقد تبقى بعد قطع الودجين؛ إذ هما عرقان كسائر العروق، والحياة تبقى بعد قطع عرقين من سائر العروق. وللحديث شاهد بلفظ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوا. أخرجه أحمد (٤٦٣/٣ - ٤٦٤) والبخاري = (٦٧٢/٩) كتاب الذبائح والصيد، باب إذا أصاب القوم غنيمة ..... حديث (٥٥٤٣) ومسلم (٣/ ١٥٥٨) كتاب الأضاحي. باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، حديث (١٩٦٨/٢٠) وأبو داود (٢٤٧/٣) كتاب الأضاحي باب في الذبيحة بالمروة، حديث (٢٨٢١) والترمذي (٨١/٤) كتاب الأحكام والفوائد، باب ما جاء في الذكاة بالقصب وغيره حديث (١٤٩١) والنسائي (٢٢٦/٧) كتاب الضحايا، باب من الذبح بالسن وابن ماجه (١٠٦١/٢) كتاب الذبائح، باب ما يذكى به، حديث (٣١٧٨) والدارمي (٨٤/٢) كتاب الأضاحي، باب في البهيمة، إذا ندت وعبد الرزاق (٤٦٥/٤ - ٤٦٦) رقم (٨٤٨١) والطيالسي (٩٦٣) وابن الجارود (٨٩٥) والحميدي (١٩٩/١) رقم (٤١٠) وابن حبان (٥٨٥٦ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٣/٤) والطبراني في الكبير (٣٢١/٤) رقم (٤٣٨٠، ٤٣٨١، ٤٣٨٢، ٤٣٨٣، ٤٣٨٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (١٨/٦ - بتحقيقنا) من طريق عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غداً وليس معنا مُدى فقال النبي ◌َّ: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً وسأحدثكم عن ذلك؛ أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة)) . (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٢٠٦ كتاب الذبائح والصيود ولنا: أن المقصود من الذبح إزالة المحرم، وهو الدم المسفوح، ولا يحصل إلا بقطع الودج(١) . (١) ولا خلاف في أن تمام الذكاة يحصل بقطع الحلقوم، والمريء، والودجين. واختلف الفقهاء في قطع بعض هذه العروق: فالمذهب المنصوص عند الشافعية، أنه يشترط قطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ويسره قطع الودجين. وبه قال ((أَحْمَدُ) في أصح الروايتين عنده. وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة أجزأه. وقال مالك: يجب قطع الحلقوم، والودجين فقط. وقال الليث، وأبو ثور، وداود: يشترط قطع الجميع. وقال أبو يوسف: يشترط قطع الحلقوم، والمريء، وأحد الودجين. وذهب محمد (رحمه الله) إلى اشتراط قطع الأكثر من كُلِّ واحد من الأربعة. واستدل الشافعية: بأن المقصود من الذكاة: إزهاق الروح بما يُوحِي، ولا يعذب الحيوان، وذلك يحصل بقطع الحلقوم والمريء؛ إذ لا تبقى بقطعهما حياة، وقد تبقى بعد قطع الودجين؛ لأنهما قد يسلان من الحيوان، ويعيش بدونهما. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الذكاة بنيت على التوسعة، وللأكثر حكم الكل فيما كان كذلك. أما كون الذكاة بنيت على التوسعة؛ فلأنه يكتفي فيها بالبعض بلا خلاف بين الفقهاء، وإنما اختلفوا في الكيفية وأما أن الأكثر يعطي حكم الكل فيما كان كذلك، فلما هو معلوم في أصول الشرع. واستدل مالك بما روي عن النبي وَّ أنه قال: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمْ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكْل)). وإنهار الدم إجراؤه، وذلك لا يكون إلا بقطع الأوداج، لأنها مجرى الدم، والمريء ليس بمجرى للدم، وإنما هو مجرى الطعام. أما وجهة من اشترط قطع الجميع؛ فلأنه قد صح تحريم الحيوان حياً حتى يذكى، وقطع هذه الأربعة ذكاة صحيحة مجتمع على تحليل ما ذكى كذلك، وكان ما دون ذلك مختلفاً فيه، فلا يخرج من تحريم إلى تحليل إلا بإجماع وهو ظاهر الضعف؛ لأن ما وقع الإجماع على إجزائه لا يلزم أن يكون شرطاً في الصحة . ووجه قول محمد بن الحسن: أن كل واحد من الأربعة أصل بنفسه؛ لانفصاله عن غيره، وقد ورد الأمر بفريه، فيعتبر أكثر كل فرد منها؛ لحصول المقصود بذلك. ووجه قول أبي يوسف: أن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم، فإذا قطع أحد الودجين، حصل بقطعه المقصود منهما، وإذا ترك الحلقوم لم يحصل بقطع ما سواه المقصود منه، وكذا إذا ترك المريء، ولذلك اختلفا فوجب قطعهما. هذه وجهة كل فريق على حسب ما فهم من النصوص، إذ لم يكن في النصوص سوى الأمر بإنهار الدم وفري الأوداج ومعلوم أن الأوداج جمع، وأقل الجمع ثلاث، وأن الودجين هما مجرى الدم. فلعل أقرب الأقوال السابقة إلى النص هو: القول الذي يجتمع فيه إزهاق الروح بما يُوحي - قطع الحلقوم والمريء - مع إنهار الدم، ويكتفي فيه بقطع أحد الودجين؛ لقيام أحدهما مقام الآخر، وهو قول أبي يوسف رحمه الله. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة. ٢٠٧ كتاب الذبائح والصيود وجه قول محمد (عليه الرحمة): إِنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة فقد حصل المقصود بالذبح، وهو خروج الدم؛ لأنه يخرج ما يخرج بقطع الكل. وجه قول أبي يوسف أن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم، فإذا قطع أحد الودجين حصل بقطعه المقصود منهما، وإِذا ترك الحلقوم ولم يحصل بقطع ما سواه المقصود منه، ولذلك اختلفا. ولأبي حنيفة (عليه الرحمة): أنه قطع الأكثر من العروق الأربعة، وللأكثر حكم الكل فيما بنى على التوسعة في أصول الشرع، والذكاة بنيت على التوسعة؛ حيث يكتفي فيها بالبعض بلا خلافٍ بين الفقهاء، وإنما اختلفوا في الكيفية، فيقام الأكثر فيها مقام الجميع، ولو ضرب عنق جزور أو بقرة أو شاة بسيفه وأبانها وسمى؛ فإن كان ضربها من قبل الحلقوم، تُؤكل وقد أساء، أما حل الآكل فلأنه أتى بفعل الذكاة، وهو قطع العروق؛ وأما الإساءة فلأنه زاد في أَلَمِهَا زيادةً لا يحتاج إليها في الذكاة، فيكره ذلك، وإنْ ضَرَبَهَا من القفا، فإن ماتت قبل القطع بأنْ ضَرَبَ على التأني والتوقف لا تؤكل؛ لأنها ماتت قبل الذكاة، فكانت ميتة، وإِن قطع العروق قبل موتها تؤكل؛ لوجود فعل الذكاة وهي حية، إِلاَّ أنه يكره ذلك لأنه زاد في ألمها من غير حاجةٍ، وإِن أمضى فعله من غير توقف تؤكل؛ لأن الظاهر أن موتها بالذكاة . وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح بالمروة(١) أو بليطة(٢) القصب أو بشقة العصا أو غيرها من الآلات التي تقطع - إِنه يحل لوجود معنى الذبح وهو فَزي الأوداج. وجملة الكلام فيه أن الآلة على ضربين: آلة تقطعُ، وآلةٌ تفسخ، والتي تقطع نوعان: حادةٌ، وكليلَةٌ، أما الحادة: فيجوز الذبح بها، حديداً كانت أو غير حديدٍ، والأصل في جواز الذبح بدون الحديد ما روي عن عدي بن حاتمٍ (رضي الله عنه) أنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ أَحَدَنَا أصاب صيداً وليس معه سكينٌ، أَيُذَكِّي بمروةٍ أو بشقة العصا؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((أَنْهَرَ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهَ تَعَالَى))(٣). (١) المروة: حجارة بيض رقاق صلبة. المعجم الوسيط (مرو). (٢) ليط القصب: قشره. المعجم الوسيط (ليط). (٣) أخرجه أبو داود (١٠٢/٣) كتاب الأضاحي باب في الذبيحة بالمروة حديث (٢٨٢٤) والنسائي (٧/ ١٩٤) كتاب الصيد والذبائح باب الصيد إذا انتن حديث (٤٣٠٤) وابن ماجه (٢/ ١٠٦٠) كتاب الذبائح: باب ما يذكى به حديث (٣١٧٧) وأحمد (٢٥٦/٤، ٢٥٨، ٣٧٧) والحاكم (٤/ ٢٤٠) كلهم من طريق سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم به . ٢٠٨ كتاب الذبائح والصيود وروي أنَّ جارية لكعب بن مالك (رضي الله عنه) ذبحت شاةً بمروة، فسأل كعب رسولَ الله وَلِّر عن ذلك فأمر بأكلها (١)؛ ولأنه يجوز بالحديد، والجواز ليس لكونه من جنس الحديد، بل لوجود معنى الحديد، بدليل أنه لا يجوز بالحديد الذي لا حد له، فإذا وجد معنى الحد في المروة والليطة جاز الذبح بهما؛ وَأَمَّا الكليلةُ فإن كانت تقطع يجوز لحصول معنى الذبح، لكنه يكره لما فيه من زيادة إِيلام لا حاجة إليها، ولهذا أمر رسولُ الله ◌َّر بتحديد الشفرة وإراحة الذبيحة؛ وكذلك إذا ذبح (٢) بظفر منزوع أو سن منزوع، جاز الذبح بهما ويكره. وقال الشافعي (رحمه الله): لا يجوز، واحتج بما روي عن رسول الله وَ القيل أنه قال: (أَنْهَرَ الدَّمِ بِمَا شِئْتَ))(٣) إلا ما كان من سن أو ظفر، فإن الظفر مدى الحبشة، والسن عظم من الإنسان، استثنى (عليه الصلاة والسلام) الظفر والسن من الإباحة، والاستثناء من الإباحة يكون حظراً، وعلل (عليه الصلاة والسلام) يكون الظفر مدى الحبشة وكون السن عظم الإِنسان، وهذا خرج مخرج الإنكار(٤). (١) أخرجه البخاري (١١ /٥٨ - ٥٩) كتاب الذبائح والصيد: باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد حديث (٥٥٠١) وأحمد (٨٠/٢) وابن ماجه (١٠٦٢/٢) كتاب الذبائح: باب ذبيحة المرأة حديث (٣١٨٢) والبيهقي (٢٨٢/٩ - ٢٨٣) كتاب الضحايا باب ما جاء في ذبيحة من أطاق الذبح، من طريق نافع عن ابن كعب بن مالك عن أبيه. (٢) في ط: جرح. (٣) تقدم تخريجه. (٤) أما الذبح بالسن، والظفر، وسائر العظام، فذهب الشافعية إلى أن الذكاة لا تحصل بشيء من ذلك؛ وبهذا قال النخعي، والحسن بن صالح، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وفقهاء الحديث، وجمهورة العلماء. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز بالسن والظفر المتصلين ويجوز بالمنفصلین. وعند المالكية يجوز بالعظم إذا كان محدداً. واختلفوا في السن، والظفر: فقيل: لا يجوز مطلقاً؛ كمذهب الجمهور. وقيل: يجوز بالمنفصلين؛ كمذهب أبي حنيفة. وقيل: يجوز مطلقاً مع الكراهة. استدل الجمهور بالمنقول والمعقول. أما المنقول: فما روي عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَقُوا العَدُوَّ غَداً، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدَى، أَفَتَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، لَيْسَ السَّنُّ وَالظّفْرُ، وَسَأَحَدِثَكُمْ عَنَ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظُمْ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)) ووجه الدلالة أن النبي ◌َّ استثنى السن والظفر من الآلات المباحة والمستثنى من المباح يكون محظوراً وقد أطلق في السن والظفر، فيتناول: المتصل، والمنفصل، ويلحق بهما سائر العظام من بيان النبي ◌َّ العلة في قوله: ((أما = ٢٠٩ كتاب الذبائح والصيود وَلَنا أنه لما قطع الأوداج فقد وجد الذبح بهما، فيجوز كما لو ذبح بالمروة وليطة القصب . وأما الحديثُ فالمراد [منه](١) السن القائم والظفر القائم؛ لأن الحبشة إنما كانت تفعل ذلك لإظهار الجلادة، وذاك بالقائم لا بالمنزوع. والدليل عليه أنه روي في بعض الروايات: ((إِلاَّ مَا كَانَ قَرِضاً بِسِنُ أَوْ خَزاً بِظُفْرٍ)) والقرض إِنَّما يكون بالسن القائم. وأما الآلة التي تفسخ فالظفر القائم والسن القائم، ولا يجوز الذبح بهما بالإِجماع، ولو السن فعظم)) أي: نهيتكم عنه لكونه عظماً، فكل ما صدق عليه اسم العظم: لا تجوز الذكاة به، ولعله = كان قد تقرر عندهم أن الذكاة لا تحصل بالعظم والحكمة في ذلك - كما قال النووي - أن العظم ينجس بالدم، وقد نهينا عن تنجيسه؛ لأنه زاد الجن؟ . وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)) أي: وهم كفار، وقد نهيتهم عن التشبه بهم. ولا يرد أن الحبشة تذبح بالسكين أيضاً، ولو كان كذلك لامتنع الذبح بها أيضاً، وامتنع بسائر ما يذبح به الكفار، لأن الذبح بالسكين هو الأصل، وهو غير مختص بالحبشة وروي عن الشافعي أنه قال: السن إنما يذكى بها إذا كانت متنزعة، فأما وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، فدل على عدم جواز التذكية بالسن المنتزعة . وأما الظفر، فلو كان المراد به ظفر الإنسان: لقال فيه ما قال في السن لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو: طيب من بلاد الحبشة، وهو لا يقوى، فيكون في معنى الخنق. أما المعقول: فلأن الذكاة فعل مشروع، وإنهار الدم بالسن والظفر غير مشروع، فلا يكون ذكاة. واستدل الحنفية بالمنقول والمعقول كما يفهم من كلام صاحب البدائع. أما المنقول: فما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن حاتم: ((أفْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ)). وهو بإطلاقه يقتضي الجواز بالمنزوع من السن، والظفر وغيره المنزوع. غير أنهم تركوا غير المنزوع، بما روي من حديث رافع بن خديج السابق، فالمراد به غير المنزوع، لأن الحبشة يستعملون في ذلك سنهم وظفرهم قبل النزع. وذكر في بعض الروايات: ((مَا خَلاَ الَعصُّ بالسِّنَّ وَالْقَرْصَ بِالظُّفْرِ)». والعص والقرص: إنما يتحقق في غير المنزوع عادة. وقد استدل بعموم هذا الحديث ((أفْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ)) من أجاز الذبح بالسن والظفر مطلقاً، كما روي عن مالك . لكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد في حديث رافع بن خديج المتقدم. أما المعقول: فلأن الذبح بالمتصلين يشبه الخنق، وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة من حجر وخشب ونحو ذلك. هذه أدلة الجميع، والناظر إليها يرى: أن حديث رافع بن خديج الصحيح يقتضي عدم جواز الذبح بالسن والظفر مطلقاً. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة. (١) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٦ - م١٤ ٢١٠ كتاب الذبائح والصيود ذبح بهما (١) كان ميتة؛ للخبر الذي روينا، ولأن الظفر والسن إذا لم يكن منفصلاً، فالذابح يعتمد على الذبيح فيخنق وينفسخ، فلا يحل أكله حتى قالوا: لو أخذ غيره يَدَهُ فأمر يده كما أمر السكين وهو ساكت، يجوز ويحل أكله. وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه [أنه] إِن خرج حَيًّا فذكى يحل(٢)؛ وإِن (١) في ط: ذبحهما. (٢) أجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حياً، لا بد من تذكيته كتذكية غيره. واختلفوا فيما إذا ذكيت الأم وفي بطنها جنين، فمات بتذكيتها. فذهب الشافعية إلى أن الحيوان المأكول إذا ذكي، فخرج من جوفه جنين ميت، أو كانت حياته كحياة المذبوح حل، سواء أشعر أم لا . وروي هذا عن عمر، وعلي، وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة. وقال ابن عمر: ذكاته ذكاة أمه، إذا أشعر نبت شعره. روي ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والحسن، وقتادة، ومالك، والليث، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: لا يحل، إلا أن يخرج حيًّا فيذكى. وهو قول: زفر، والحسن بن زياد، وإليه ذهب ابن حزم. استدل الشافعية ومن وافقهم بالمنقول والمعقول: أما المنقول: فما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قلنا يا رسول الله: ننحر الناقة، ونذبح البقرة، والشاة، فنجد في بطنها، الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: ((كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه)) رواه أحمد وأبو داود. أباح لهم الرسول ول# أكله معللاً بأن ذكاة الأم ذكاة له، فالذكاة التي أحلتها، أحلته تبعاً لها؛ لأنه جزء من أجزائها . وقد صحح هذا الحدیث ابن حبان، وابن دقيق العيد، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روي من غیر هذا الوجه عن أبي سعيد، قال: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي وَال وغيرهم. والرواية، بالرفع في ((ذكاة أمه)) تقديره ذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه. قال الشوكاني وغيره: ((ويؤيد رواية الرفع أنه روي بلفظ: ((ذكاة الجنين في ذكاة أمه)) أي كائنة أو حاصلة في ذکاة أمه . وروي ((ذكاة الجنين بذكاة أمه)) والباء للسببية: أي أن ذكاته، حصلت بسبب ذكاة أمه. وفي شرح الموطأ للزرقاني: أنه روى ((بالنَّصب)) على الظرفية كجئت طلوع الشمس: أي وقت طلوعها: أي ((ذكاته حاصلة)) وقت ذكاة أمه قال الخطابي وغيره، ورواية الرفع هي المحفوظة. ثم قال: ومن بعيد التأويل قول أبي حنيفة: ((المعنى على التشبيه)) أي مثل ذكاتها أو كذكاتها)) فيكون المراد: الحي؛ لحرمة الميت عنده. ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه، ومن ثم وافق صاحباه مالكاً؛ لأن التقدير: أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه. ففيه حذف الموصول وبعض الصلة، وهو: أن والفعل بعدها، وهو لا يجوز، وفيه تكثير الإضمار وهو خلاف الأصل. = ٢١١ كتاب الذبائح والصيود مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف، وإِن خرج ميتاً، فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضاً في قولهم جميعاً؛ لأنه بمعنى المضغة. فرواية النصب إما على الظرفية كما مر أو على التوسع نحو ((واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا)) أي = ذكاته في ذكاة أمه، وكل منهما أولى؛ لقلة الإضمار واتفاقه مع: رواية الرفع. وإلا نقص كل واحد منهما الآخر . اهـ. وقال صاحب سبل السلام: إنه لا يخفى أن تأويلهم هذا إلغاء للحديث عن الإفادة؛ فإنه معلوم أن زكاة الحي من الأنعام ذكاة واحدة من جنين وغيره . اهـ. وذكر الحديث مع القصة على ما سبق (ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة ... الحديث)) يبطل هذا التأويل؛ لأن الرسول أمرهم بأكله وأخبر أن ذكاة أمه ذكاة له وأما رد أبي حنيفة لهذا الحديث بأنه مخالف للأصول وهو تحريم الميتة . فأجاب عنه ابن القيم بقوله: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنة المذكورة، فلو قد رأتها ميتة، لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة، فإنها جزء من أجزاء الأم، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج إلى أن يفرد كل جزء منها بذكاة، فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة لو لم ترد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول . اهـ. أما المعقول: فلأن الجنين لا يمكن ذبحه، فجعل ذكاة الأم ذكاة له قياساً على الصيد. ولأنه لو لم يحل بذكاة أمه لحرم ذكاتها مع ظهور الحمل كما لا تقتل الحامل قودا. واستدل مالك رحمه الله بما رواه أحمد بن عصام عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا أشعر الجنين فذکاته ذکاة أمه)». لكن قال الخطيب: تفرد به أحمد بن عصام وهو ضعيف. استدل أبو حنيفة رحمه الله بالمنقول والمعقول. أما المنقول فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾. وجه الدلالة أن الجنين ميتة لأنه لا حياة فيه والميتة ما لا حياة فيها، فيدخل تحت النص. فإن قيل: الميتة اسم لزائل الحياة، فلزم تقدم الحياة وهذا لا يعلم في الجنين. أجيب: بأن سبق الحياة ليس شرطاً فيما يطلق عليه اسم الميت. وقد قال تعالى: ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ . ولقد سلمنا سبق الحياة فيما يطلق عليه ميت، فالجنين لا يحل أكله؛ لأنه يحتمل أنه كان حياً ومات بسبب ذبح الأم ويحتمل أنه لم يكن حياً فيحرم احتياطاً. قال الشوكاني: والاستدلال بهذه الآية من ترجيح العام على الخاص، وقد تقرر في الأصول بطلانه. أما المعقول: فلأن الجنين أصل في الحياة، فلا بد أن يكون أصلاً في الذكاة. أما كونه أصلاً في الحياة، فلأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح أمه، وإذا كان أصلاً في الحياة. يكون أصلاً في الذكاة إذ ذكاة نفس، لا تكون ذكاة نفسین. قال ابن المنذر: وفي قول النبي ◌َّل# ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) دليل على أن الجنين غير الأم. وأبو حنيفة يقول: لو أعتقت أمة حامل: ((إن عتقه عتق أمه)). وهذا يلزم أن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه إذا أجاز أن يكون عتق واحد عتق اثنین، جاز أن یکون ذکاة واحد ذکاة اثنین. على أن الخبر عن النبي وَلّر وما جاء عن أصحابه وما عليه جل الناس، مستغنى به عن كل قول. والله أعلم. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة، وينظر: إعلام الموقعين (٤١٣/٢). ٢١٢ كتاب الذبائح والصيود وإن كان كامل الخلق، اختلف فيه، قال أبو حنيفة (رضي الله عنه): لا يؤكل، وهو قول زفر والحسن بن زياد (رحمهم الله). وقال أبو يوسف ومحمدٌ والشافعيّ (رحمهم الله): لا بأس بأكله، واحتجوا بقول النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) [ذكاة الجنين ذكاة أمه؛ أي] (١) ذَكَاةُ الجَنِينِ بِذَكَاةٍ أُمْهِ (٢) فيقتضي أنه يتذكى بذكاة أمه، ولأنه تبع لأَمه حقيقةً وحكماً. (١) سقط في ط. (٢) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، جابر بن عبد الله، أبو هريرة، عبد الله بن عمر، كعب بن مالك، أبو ليلى، أبو أيوب الأنصاري، عبد الله بن مسعود، علي بن أبي طالب، عبد الله بن عباس، أبو الدرداء، أبو أمامة . حديث أبي سعيد: أخرجه أحمد (٣١/٣) وأبو داود (٢٥٢/٣) كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث (٢٨٢٧) والترمذي (٧٢/٤) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث (١٤٧٦) وابن ماجه (١٠٦٧/٢) كتاب الذبائح: باب ذكاة الجنين ذكاة أمه حديث (٣١٩٩) وعبد الرزاق (٥٠٢/٤) رقم (٨٦٥٠) وابن الجارود (٩٠٠) وأبو يعلى (٢٧٨/٢) رقم (٩٩٢) والدارقطني (٢٧٢/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة رقم (٢٦، ٢٨) والبيهقي (٣٣٥/٩) كتاب الضحايا، باب ذكاة ما في بطن الذبيحة والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٨/٦ - بتحقيقنا) من طريق مجالد بن سعيد بن أبي الوداك عن أبي سعيد به. وقال الترمذي: حديث حسن. وقال ابن حزم في المحلى (٤١٩/٧): مجالد وأبو الوداك ضعيفان. قلت: وفي كلاهما نظر. فأما قول الترمذي حديث حسن فليس بحسن أو لعله أراد لغيره لمتابعة يونس بن أبي إسحاق لمجالد بن سعيد. فإن مجالد بن سعيد معروف بالضعف. أما قول ابن حزم فمردود أيضاً فتضعيفه لمجالد مقبول أما تضعيفه لأبي الوداك ففيه نظر. قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٥٦/٤): وأما أبو الوداك فلم أر من ضعفه وقد احتج به مسلم وقال يحيى بن معين: ثقة. اهـ. فهذا السند ضعيف لضعف مجالد لكنه توبع تابعه يونس بن أبي إسحاق عن أبي الوداك به. أخرجه أحمد (٣٩/٣) وابن حبان (١٠٧٧ - موارد) والدارقطني (٢٧٤/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة حديث (٣٠) والبيهقي (٣٣٥/٩) كتاب الضحايا، باب ذكاة ما في بطن الذبيحة كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي الوداك عن أبي سعيد به وصححه ابن حبان. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٨٩/٤): قال المنذري: إسناده حسن ويونس وإن تكلم فيه فقد احتج به مسلم في صحيحه وصححه أيضاً ابن دقيق العيد كما في ((تلخيص الحبير)) (١٥٧/٤) وللحديث طريق آخر عن أبي سعيد. أخرجه أحمد (٤٥/٣) وأبو يعلى (٤١٥/٢) رقم (١٢٠٦) والطبراني في ((المعجم الصغير» (٨٨/١، ١٦٨) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٤١٢/٨) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَالر: ذكاة الجنين ذكاة أمه. وعطية العوفي فيه ضعف. = ٢١٣ كتاب الذبائح والصيود حديث جابر: يرويه أبو الزبير عنه، وله طرق عن أبي الزبير. فأخرجه أبو داود (٢٥٣/٣) كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث (٢٨٢٨) والدارمي (٨٤/٢) كتاب الأضاحي: باب في ذكاة الجنين ذكاة أمه والحاكم (١١٤/٤) وأبو نعيم في (الحلية)) (٢٣٦/٩) من طريق عتاب بن بشير عن عبيد الله بن أبي زيادة القداح عن أبي الزبير به . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وأخرجه الحاكم (١١٤/٤) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٠/٢) والبيهقي (٣٣٤/٩ - ٣٣٥) من طريق الحسن بن بشر عن زهير بن معاوية عن أبي الزبير به. قال ابن عدي: وهذا حديث زهير عن أبي الزبير لم يرويه غير الحسن. وأسند عن النسائي قال: ليس بالقوي. وقال الحاكم: تابعه من الثقات عبيد الله بن أبي زياد القداح. وهو الطريق الأول. وأخرجه أبو يعلى (٣٤٣/٣) رقم (١٨٠٨) من طريق حماد بن شعيب عن أبي الزبير به بلفظ: ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣٨/٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف - رواه أبو داود خلا قوله: إذا أشعر وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٢/٧) من طريق إسحاق بن عمرو ثنا معاوية بن هشام ثنا سفيان - الثوري - عن أبي الزبير به وقال أبو نعيم: تفرد به معاوية عن الثوري وعنه إسحاق. وأخرجه الدارقطني (٢٧٣/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة حديث (٢٧) من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير به. حديث أبي هريرة: أخرجه الحاكم (١١٤/٤) والسهمي في (تاريخ جرجان)) (ص - ٣٧٧) رقم (٦٢٩) من طريق عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). وقال الحاكم: وقد روي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ثم أخرجه وتعقبه الذهبي فقال: عبد الله هالك. وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة: أخرجه الدارقطني (٢٧٤/٤) من طري عمر بن قيس عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة به. وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٠/٤) وقال: قال عبد الحق لا يحتج بإسناده وقال ابن القطان: وعلته عمرو بن قيس وهو المعروف بسندل فإنه متروك . اهـ. حديث ابن عمر: أخرجه الحاكم (١١٤/٤) من طريق محمد بن الحسن الواسطي عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ذكاة الجنين إذا أشعر ذكاة أمه ولكنه يذبح حتى ينصب ما فيه من الدم. ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٧٥/٢) وقال محمد بن الحسن من أهل واسط يروي عن محمد بن إسحاق روى عنه أهل بلده يرفع الموقوف ويسند المراسيل روى عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي وَّر ..... وذكر الحديث. وقال: إنما هو موقوف من قول ابن عمر. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٠/٤): ورجاله رجال الصحيح وليس فيه غير ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع. فلا يحتج به ومحمد بن الحسن ذكره ابن حبان في ((الضعفاء)) وروى له هذا= ٢١٤ كتاب الذبائح والصيود الحديث. اهـ. ومحمد بن الحسن هذا ثقة احتج به البخاري ووثقه. = وللحديث طريق آخر عن ابن عمر. أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير)) (٢ / ١٠٧) من طريق أحمد بن الفرات الرازي ثنا هشام بن بلال ثنا محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((زكاة الجنين ذكاة أمه)) قال الطبراني: لم يروه عن أيوب بن موسى إلا محمد بن مسلم ولا عن محمد إلا هشام تفرد به أبو مسعود . وذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)» (٤٤/٢) رقم (٦١٤) فقال: سألت أبي عن حديث رواه هشام الرازي عن محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه قال أبي هكذا رواه هشام في كتابي عنه ورواه أبو مسعود بن فرات عنه والناس يوقفونه على عبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة وغيرهم يروونه عن نافع عن ابن عمر موقوفاً وهو أصح. وللحديث طريق ثالث عن ابن عمر. أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٦/١) من طريق عبد الله بن نصر الأنطاكي ثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به مرفوعاً وقال الطبراني: لم يروه مرفوعاً عن عبيد الله إلا أبو أسامة تفرد به عبد الله بن نصر. يترجم عبد الله بن نصر الأنطاكي وهو ضعيف. وهذا الطريق لم يذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) وقد توبع عبد الله تابعه مبارك بن مجاهد أخرجه الدار قطني (٢٧١/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة (٢٤) والبيهقي (٣٣٥/٩) كتاب الضحايا: باب ذكاة ما في بطن الذبيحة. من طريق عصام بن مدرك عن مبارك بن مجاهد عن عبيد الله بن عمر به. قال الزيلعي في «نصب الراية)» (١٩٠/٤): قال ابن القطان: وعصام رجل لا يعرف له حال وقال في التنقيح: مبارك بن مجاهد ضعفه غير واحد . اهـ. وقال البيهقي: روي من أوجه عن ابن عمر مرفوعاً ورفعه عن ضعيف والصحيح موقوف. وذكر الهيثمي في ((المجمع)) (٣٨/٤) طريق محمد بن الحسن الواسطي عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر وقال: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه ابن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس وبقية رجال الأوسط ثقات. حديث كعب بن مالك : أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) كما في ((نصب الراية)) (٩١/٤) والمجمع (٣٨/٤) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعاً، وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف قال ابن حبان في ((المجروحين)) (١٢٠/١ - ١٢١) إسماعيل بن مسلم المكي أبو ربيعة ضعيف ضعفه ابن المبارك وتركه يحيى وعبد الرحمن بن مهدي روى عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه .... فذكر الحديث. قال: وإنما هو عن الزهري قال: كان أصحاب رسول الله وَّهو يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه هكذا قاله ابن عيينة وغيره من الثقات. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣٨/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. - حديث أبي ليلى: ٢١٥ كتاب الذبائح والصيود أما الحقيقة فظاهر، وأما الحكم فلأنه يباع ببيع الأُم، ويعتق بعتقها، والحكم في النبع يثبت بعلة الأصل، ولا يشترط له علة على حدة؛ لئلا ينقلب النبع أصلاً. ولأَبي حنيفة قوله تعالى: ﴿حُرُّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] والجنين ميتةٌ، لأَنّه لا حياة فيه، والميتة ما لا حياة فیه، فیدخل تحت النص. فإن قيل: الميتة اسمٌ لزوال الحياة، فيستدعي تقدم الحياة، وهذا لا يعلم في الجنين، أخرجه الطبراني في الأوسط كما في ((مجمع الزوائد)) (٣٨/٤) أن رسول الله وَلو سئل عن ذكاة الجنين = فقال ذکاته ذكاة أمه. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه حليس بن محمد وهو متروك. - حديث أبي أيوب: أخرجه الحاكم (١١٤/٤) من طريق ابن أبي ليلى عن أبي أيوب قال: قال رسول الله وَّر: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٨/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سىء الحفظ ولكنه ثقة. ۔ حدیث ابن مسعود: أخرجه الدارقطني (٢٧٤/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة (٣١) من طريق أحمد بن الحجاج بن الصلت ثنا الحسن بن بشر بن سلم ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: أراه رفعه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤/ ١٥٧): حديث ابن مسعود رجاله ثقات إلا أحمد بن الحجاج بن الصلت فإنه ضعيف جداً . اهـ. - حديث علي بن أبي طالب: أخرجه الدارقطني (٢٧٤/٤ - ٢٧٥) كتاب الصيد والذبائح بالأطعمة (٣٣) من طريق موسى بن عثمان الكندي عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله وَلاير: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) وموسى بن عثمان قال ابن القطان: مجهول كما في ((نصب الراية)) (١٩١/٤) وفيه نظر وهو معروف لكن بالضعف الشديد. ۔ حديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني (٢٧٥/٤) من طريق موسى بن عثمان الكندي عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس بمثل حديث علي وموسى بن عثمان متروك وانظر حديث علي. - حديث أبي أمامة وأبي الدرداء: أخرجه البزار (٢/ ٥٧٠ - كشف) رقم (١٢٢٦) من طريق بشر بن عمارة عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء وأبي أمامة قال: قال رسول الله وَ لير: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). قال البزار: وهذا روي من وجوه رواه أبو سعيد الخدري وأبو أيوب وأعلى من رواه أبو الدرداء فذكرنا حديثه وحديث أبي أمامة وأخرجه الطبراني في الكبير كما في ((نصب الراية)) (١٩١/٤) من طريق بشر بن عمارة عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد عن أبي أمامة وأبي الدرداء به. وذكره الهيثمي في («المجمع» (٣٨/٤) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه بشر بن عمارة وقد وثقه وفيه ضعف. ٢١٦ كتاب الذبائح والصيود فالجواب أن تقدم الحياة ليس بشرطٍ لإطلاق اسم الميت، قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتَاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] على أنا إن سلمنا ذلك، فلا بأس به لأنه يحتمل أنه كان حيًّا فمات بموت الأم، ويحتمل أنه لم يكن، فيحرم احتياطاً؛ ولأنه أصل في الحياة فيكون له أصل في الذكاة. والدليل على أنه أصل في الحياة أنه يتصور بقاؤه حيًّا بعد ذبح الأم، ولو كان تبعاً للأم في الحياة لما تصور بقاؤه حَيًّا بعد زوال الحياة عن الأم، وإذا كان أصلاً في الحياة يكون أصلاً في الذكاة؛ لأن الذكاة تفويت الحياة، ولأنه إذا تصور بقاؤه حَيًّا بعد ذبح الأم، لم يكن ذبح الأم سبباً لخروج الدم عنه؛ إذ لو كان لما تصور بقاؤه حَيًّا بعد ذبح الأم، إذ الحيوان الدموي لا يعيش بدون الدم(١) عادةً، فبقي الدم المسفوح فيه، ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم، وأنه حُرِّمَ بقوله (سبحانه وتعالى) ﴿دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله (عزَّ شأنه): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه، فيحرم لحمه أيضاً. وأما الحديث: فقد روي بنصب الذكاة الثانية معناه كذكاة أمه؛ إذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه، وقد يكون بحذف حرف التشبيه، قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مُرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] ، وقال (عزَّ شأنه): ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [ محمد: ٢٠]، أي: كنظر المغشي عليه، وهذا حجة عليكم؛ لأن تشبيه ذكاة الجنين بذكاة أمه يقتضي استواءهما في الافتقار إلى الذكاة، ورواية الرفع تحتمل التشبيه أيضاً، قال الله (سبحانه وتعالى): ﴿وَجَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمْوَاتُ وَالأَرْض﴾ [آل عمران: ١٣٣] أي: عرضها كعرض السموات، فيكون حجة علیکم. ويحتمل الكناية كما قالوا، فلا تكون حجة مع الاحتمال، مع أنه من أخبار الآحاد ورد فيما تعم به البلوى، وأنه دليل عدم الثبوت؛ إِذ لو كان ثابتاً لاشتهر وإِذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا، سواء اشتد قشرها أو لم يشتد، وعند الشافعي (رحمه الله) إِن اشتد قشرها تؤكل، وإِلاَّ فلا. وجه قوله: إنه إذا لم يشتد قشرها فهي من أجزاء الميتة، فتحرم بتحريم الميتة، وإِذا اشتد قشرها، فقد صار شيئاً آخر، وهو منفصلٌ عن الدَّجَاجَةِ، فَيَحِلُ. ولنا: أنه شَيءٌ طَاهرٌ في نَفْسه، مودع في الطير، منفصلٌ عنه، ليس من أجزائه، فتحريمها لا يكون تحريماً له، كما إذا اشتد قشرها. (١) في أ: الأم. ٢١٧ كتاب الذبائح والصيود ولو ماتت شاة وخرج من ضرعها لبن يُؤكل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد : لا يؤكل، وهو قول الشافعي (رحمهم الله جميعاً) إِلاَّ أن عند الشافعي لا يؤكل لكونه ميتة؛ وعندهما لا يؤكل لنجاسة الوعاء. ولأبي حنيفة (عليه الرحمة) قوله (تبارك وتعالى): ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِيْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمِ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] والاستدلال بالآية من وجه : أحدها: أنه وصفه بكونه خالصاً، فيقتضي ألا يشوبه شيء من النجاسة. والثاني: أنه (سبحانه وتعالى) وصفه بكونه سائغاً للشاربين، والحرام لا يسوغ للمسلم. والثالث: أنه (سبحانه وتعالى) مَنَّ علينا بذلك، إِلا الآية خرجت مخرج المنة، والمنة بالحلال لا بالحرام. وعلى هذا الخلاف الأنفحة إذا كانت مائعة، وإن كانت صلبة فعند أبي حنيفة (رحمه الله) تؤكل وتستعمل في الأودية كلها، وعندهما يغسل ظاهرها وتؤكل، وعند الشافعي؛ لا تؤكل أصلاً. وأمّا الاضطرارِيَّةُ، فرَكْنَّها العُقْرُ، وهو الجرح في أيِّ موضع كان، وذلك في الصيد وما هو في معنى الصيد، وَإِنَّما كان كذلك؛ لأن الذبح إذا لم يكن مقدوراً ولا بد من إخراج الدم لإزالة المحرم وتطييب اللحم، وهو الدم المسفوح على ما بينا، فيقام سبب الذبح(١) مقامه، وهو الجرح على الأصل المعهود في الشرع من إقامة السبب مقام المسبب عند العذر والضرورة؛ كما يقام السفر مقام المشقة، والنكاح مقام الوطء والنوم مضطجعاً أو متوركاً مقام الحدث؛ ونحو ذلك. وكذلك ما ند من الإبل والبقر والغنم بحيث لا يقدر عليها صاحبها، لأنها بمعنى الصيد، وإِن كان مستأنساً. وقد روي أن بعير أند على عهد رسول الله وَ ﴿ فرماه رجلٌ فقتله، فقال رسولُ الله ◌ٍَّ : ((إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا))(٢) وسواء ند البعير والبقر في الصحراء أو في المصر، فذكاتهما العقر؛ كذا روي عن محمدٍ؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما . (١) في أ: الجروح. (٢) تقدم تخريجه من حديث رافع بن خديج. ٢١٨ كتاب الذبائح والصيود قال محمد: والبعير الذي ند على عهد رسول الله وَّهر كان بالمدينة، فدل أن نَدَّ البعير في الصحراء أو (١) المصر سواءٌ في هذا الحكم. وأما الشاة فإِن ندت في الصحراء فذكاتها العقر؛ لأنه لا يقدر عليها، وَإِن ندت في المصر لم يجز عقرها؛ لأنه يمكن أخذها؛ إذ هي لا تدفع عن نفسها، فكان الذبح مقدوراً عليه، فلا يجوز العقر، وهذا لأَن العقر خلف عن(٢) الذبح والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف؛ كما في التراب مع الماء، والأشهر مع الإقراء وغير ذلك. وكذلك ما وقع منها في قليب فلم يقدر على إخراجه ولا على مذبحه ولا منحره، فإِنَّ ذكاته ذكاة الصيد؛ لكونه في معناه لتعذر الذبح والنحر. وذكر في ((المنتقى)) في البعير إذا صال على رجل فقتله وهو يريد الذكاة - حلُّ أكله إذا كان لا يقدر على أخذه، وضمن قيمته؛ لأنه إذا كان لا يقدر على أخذه صار بمنزلة الصيد، فجعل الصيال منه كنده؛ لأنه يعجز عن أخذه فيعجز عن نحره، فيقام الجرح فيه مقام النحر، كما في الصيد، ثم لا خلاف في الاصطياد بالسهم والرمح والحجر والخشب ونحوها؛ أنه إذا لم یجرح لا يحل. وأصله ما روي أنَّ رسولَ الله وَّرَ سُئل عن صيد المعراض؛ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((إِذَا خَرَقَ فَكُلْ)) وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرَضِهِ(٣) فَلاَ تَأْكُلْ، فإِنَّهُ وَقِيذٌ)»(٤). (١) في ط: و. (٢) في ط: من. (٣) في ط : بعرض. (٤) أخرجه البخاري (٥٩٨/٩): كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد، حديث (٥٤٧٥) ومسلم (١٥٢٩/٣ - ١٥٣٠) كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، حديث (١، ٢، ١٩٢٩/٣) والطيالسي (٣٤٠/١ - ٣٤١) كتاب الصيد والذبائح، باب ما جاء في صيد الكلب المعلم، حديث (١٧٣١ - ١٧٣٢) باب ما جاء في الصيد بالمعراض، حديث (١٧٣٣ - ١٧٣٤) وأحمد (٢٥٦/٤) والدارمي (٨٩/٢ - ٩١) كتاب الصيد، باب التسمية عند إرسال الكلب وباب في الصيد بالمعراض، وأبو داود (٢٦٨/٣ - ٢٦٩) كتاب الصيد باب في الصيد، حديث (٢٨٤٧ - ٢٨٤٨) والترمذي (٤ /٦٨ - ٦٩) كتاب الصيد، باب ما جاء في الكلب يأكل من الصيد، حديث (١٤٧٠) وباب ما جاء في صيد المعراض، حديث (١٤٧١) والنسائي (١٧٩/٧، ١٨٠) كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بالتسمية عند الصيد، وباب صيد الكلب المعلم، وابن ماجه (١٠٦٩/٢) كتاب الصيد، باب صيد الكلب حديث (٣٢٠٧) وباب صيد المعراض، حديث (٣٢١٤) وابن الجارود في المنتقى ص (٣٠٥ - ٣٠٦): باب ما جاء في الصيد، حديث (٩١٤) والبيهقي (٢٣٥/٩ - ٢٣٦) كتاب الصيد والذبائح، باب الأكل مما أمسك عليك المعلم وإن قتل، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣/٦ - بتحقيقنا) من طريق الشعبي. ٢١٩ كتاب الذبائح والصيود وأما الاصطياد بالجوارح من الحيوانات: إِما بناب كالكلب(١) والفهد ونحوهما، وإِما بالمخلب كالبازي(٢) والشاهين(٣). (١) واحد الفهود وفهد الرجل اشبه الفهد في كثرة نومه وتمرّده وفي حديث أمّ زرع ان دخل فهد وزعم ارسطو أنه يتولد بين نمر وأسد ومزاجه كمزاج النمر وفي طبعه مشابهة لطبع الكلب في أدوائه ودوائه ويقال ان الفهدة إذا أثقلت بالحمل حنّ عليها كل ذكر يراها من الفهود ويواسيها من صيده فإذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لذلك. ويضرب بالفهد المثل في كثرة النوم وهو ثقيل الجثة يحطم ظهر الحيوان في ركوبه ومن خلقه الغضب وذلك أنه إذا وثب على فريسه لا ينفس حتى ينالها فيحمي لذلك وتتملىء رئته من الهواء الذي حبسه فإذا أخطأ صيده رجع مغضباً وربما قتل سائسه. قال ابن الجوزي إن الفهد يصاد بالصوت الحسن قال: ومتى وثب على الصيد ثلاث مرّات ولم يدركه غضب ومن خلقه أنه يأنس لمن يحسن إليه وكبار الفهود أقبل للتأديب من صغارها وأوّل من اصطاد به كليب بن وائل وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وأكثر من اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراساني. ينظر: حياة الحيوان (٢٦٥/٢، ٢٦٦). (٢) أفصح لغاته بازي مخففة الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاهما ابن سيده وهو مذكر لا اختلاف فيه ويقال في التثنية بازيان وفي الجمع بزاة كقاضيان وقضاة ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقوراً ولفظه مشتق من البزوان وهو الوثب وكنيته أبو الأشعث وأبو البهلول وأبو لاحق وهو من أشد الحيوانات تكبراً وأضيقها خلقاً قال القزويني في عجائب المخلوقات قالوا انه لا يكون إلا أنثى وذكرها من نوع آخر كالحدء والشواهين ولهذا اختلفت أشكالها، ويحرم أكله بجميع أنواعه لنهيه وَّل عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور رواه مسلم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما وبهذا قال أكثر أهل العلم وقال مالك والليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شيء واحتجوا بعموم الآيات المبيحة ولم يثبت عند مالك حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع فكان على الإباحة قال الأبهري ليس في ذي المخلب عن النبي بَّ نهي صحيح وقال غيره لم يثبت حديث النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير لأن ميمون بن مهران رواه عن ابن عباس وسقط بينهما سعيد بن جبير فصار هذا علة تحطه عن رتبة الصحيح وقال إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه يكره للمحرم استصحاب البازي وكل صائد من كلب وغيره لأنه ينفر الصيد وربما انفلت فقتل صيدا فإن حمله فأرسله على صيد فلم يقتله ولم يؤذه فلا جزاء عليه لكن يأثم كما لو رماه بسهم فأخطأه فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام ولا ضمان لعدم الإتلاف قال: وما فيه مضرة ومنفعة لا يستحب قتله لما فيه المنفعة ولا يكره لعدوانه على الناس كالبازي والفهد والصقر والعقاب ونحوها ويصح بيع البازي وإجازته بلا خلاف لأنه طاهر منتفع به روى الترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله وَ له عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل. ينظر: حياة الحيوان (٩٩/١ - ١٠٢). (٣) جمعه شواهين وشياهين وليس بعربيّ لكن تكلمت به العرب قال الفرزدق: حمى لم يحط عنه سريع ولم يخف نويرة يسعى بالشياهين طائره والشاهين ثلاثة أنواع شاهين وقطامي وانيقي والشاهين في الحقيقة من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس مزاجاً ولأجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة ولهذا ينقض على صيده انقضاضاً من غير تحويم وعنده جبن وفتور وهو مع ذلك شديد الضراوة على الصيد ولأجل ذلك ربما ضرب بنفسه الأرض = ٢٢٠ كتاب الذبائح والصيود ونحوهما (١)، فكذلك في الرواية المشهورة أنه إذا لم يجرح لا يحل، حتى لو خنق أو صدم فمات وعظامه أصلب من عظام سائر الجوارح وبعضهم يقول الشاهين كاسمه يعني الميزان لأنه لا يتحمل = أدنى حال من الشبع ولا أيسر حال من الجوع والمحمود من صفاته أن يكون عظيم الهامة واسع العينين رحب الصدر ممتلىء الزور عريض الوسط جليد الفخذين قصير الساقين قليل الريش رقيق الذنب إذا صلب عليه جناحيه لم يفضل عنهما شيء فإذا كان كذلك صاد الكركيّ وغيره ويقال إن أول من صاد به قسطنطين. ينظر: حياة الحيوان (٥٧/٢ - ٥٨). (١) ذهب السادة الشافعية إلى أنه يجوز الاصطياد بجوارح السباع المعلمة كالكلب، والفهد، والنمر، وغيرها، وسواء في الكلاب الأسود وغيره. وبجوارح الطير المعلمة أيضاً كالنسر، والبازي، والعقاب، والباشق، والشاهين، وسائر الصقور. روي هذا عن ابن عباس، وطاوس، وعطاء، والحسن البصري وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجوز الاصطياد بذلك كله إلاّ الكلب الأسود البهيم. وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلاّ بالكلاب. واحتج لابن عمر، ومجاهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِبِينَ﴾ . فتخصيص الكلاب بالذكر دليل على عدم جواز الصيد بغيرها وأجاب الجمهور عن هذا من وجوه: الأول: أن ((المكلب)) هو مؤدب الجوارح، ومعلمها أن تصطاد لصاحبها، وإنما اشتق هذا الاسم من الكلب؛ لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب لكثرته في جنسه. الثاني: أن كل سبع يسمى كلباً ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْباً مِنْ كِلاَبِكَ)) فأكله الأسد. الثالث: أن قوله ((مُكَلِّبِينَ)) مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: فلان كلب بكذا: إذا كان حريصاً عليه. ذهب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب، لكن تخصيصه بالذكر، لا ينفي حل غيره. يدل على ذلك أن الاصطياد بالرمي جائز، وهو غير مذكور في الآية. على أنه قد ورد في سبب نزول الآية أنهم سألوا عن الصيد بالبزاة أيضاً، وسبب النزول داخل في الحكم باتفاق الفقهاء. ذكر القرطبي في تفسيره أن الآية نزلت، بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو: زيد الخيل. الذي سماه رسول الله وَّطاهر: زيد الخير، قالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته. وقد حرم الله الميتة. فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية. وبهذا تكون الآية حجة للجمهور على دعواهم. واستدل لأحمد بحديث جابر أن النبي ◌َّ أمر بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، وقال: ((عَلَيْكُم بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطانٌ». أمر عليه الصلاة والسلام بقتله، وما وجب قتله حرم اقتناؤه، وتعليمه فلم يبح صيده، كغير المعلم. وقد سماه النبي عليه الصلاة والسلام شيطاناً، والشيطان لا يجوز اقتناؤه. وأجاب الجمهور عن هذا بأنه لا يلزم من قتله تحريم صيده على أن الأمر بالقتل منسوخ. واحتج الجمهور بالكتاب والسنة والقياس: =