Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ کتاب الذبائح والصيود والبغاثة (١)، والعقرب(٢)؛ ونحوها لا يحل أكلُهُ إِلاَّ الجراد خاصَّةً؛ لأنها من الخبائث، لاستبعاد(٣) الطباع السليمة إِياها، وقد قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ والحشرات ودليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة وقد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي الله = تعالى عنه أن النبي وَالر قال: إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليس من الإحسان قتلها عبثاً وروى البيهقي عن قطبة الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره. ينظر حياة الحيوان (٢٧٩/١). (١) (البغاث): بفتح الباء الموحدة وكسرها وضمها ثلاث لغات وبالغين المعجمة ظائر أغبر دون الرخمة بطيء الطيران وهو من شرار الطير ومما لا يصيد منها وقال يونس من جعل البغاث واحداً فجمعه بغثان مثل غزال وغزلان ومن قال للذكر والأنثى بغاثة فالجمع بغاث مثل نعامة ونعام وبغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب في باب الحجر لا يسافر الولي بمال المحجور عليه لما روي أن المسافر وماله لعلي قلت أي هلاك ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلات نزور وقوله مقلات بكسر الميم والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد ومن النوق من تلد ولداً واحداً ولا تلد بعده وقيل المقلات التي تعمل وكرها في المهالك والنزور بفتح النون القليلة الأولاد والنزر القليل (الحكم) تحريم الأكل لخبثه. ينظر حياة الحيوان (١٢٦/١). (٢) دويبة من الهوامّ تكون للذكر والأنثى بلفظ واحد واحدة العقارب وقد يقال للأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف ويصغر على عقيرب كما تصغر زينب على زينب والذكر عقربان بضم العين والراء وهو دابة له أرجل طوال وليس ذنبه كذنب العقارب قال الشاعر: كأنّ مرعى أمكم إذ غدت عقربة يكومها عقربان أي ينزو عليها ومكان معقرب بكسر الراء ذو عقارب وصدغ معقرب بفتح الراء أي معطوف وكنيتها أم عريط وأم ساهرة واسمها بالفارسية الرشك كما تقدم ومنها السود والخضر والصفر وهنّ وقواتل وأشدّها بلاء الخضر وهي مائية الطباع كثيرة الولد تشبه السمك والضبّ وعامّة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها في ولادتها لأن أولادها إذا استوى خلقها تأكل بطنها وتخرج فتموت الأم وأنشدوا قول الشاعر: وحاملة لا يحمل الدهر حملها تموت وينمي حملها حين تعطب والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها وهي على قدر القمل كثيرة العدد قلت والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب والعقرب أشدّ ما تكون إذا كانت حاملاً ولها ثمان أرجل وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرّك بشيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها وربما لسعت الأفعى فتموت وهي يلسع بعضها بعضاً فتموت. يحرم أكل العقرب وبيعها وتقتل في الحلّ والحرم وإذا ماتت في مائع نجسته على المشهور وقيل لا تنجسه كالوزغة ونقل الخطابي عن يحيى بن أبي كثير أن العقرب إذا ماتت في الماء نجسته ثم قال وعامة أهل العلم على خلافه. ينظر حياة الحيوان (١٦١/٢ - ١٧١). (٣) في أ: لاستقذار. ١٨٢ كتاب الذبائح والصيود [الأعراف: ١٥٧] إِلاَّ أَنَّ الجراد خص من هذه الجملة بقوله (عليه الصلاة والسلام): ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ))، فبقي على ظاهر العموم. وكذلك ما ليس له دم سائل، مثل: الحية؛ الوزغ(١)، وسام أبرص، وجميع الحشرات وهوام الأَرض من: الفأرِ، والقرادِ، والقِنافذِ(٢)، (١) بفتح الواو والزاي والغين المعجمة دويبة معروفة وهي وسامّ أبرص جنس فسامّ أبرص كباره واتفقوا على أن الوزع من الحشرات المؤذيات وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزغان وازغان على البدل حكاه ابن سيده. روى البخاري ومسلم والنسائيّ وابن ماجه عن أمّ شريك رضي الله تعالى عنها أنها استأمرت النبيّ وَّر في قتل الوزغان فأمرها بذلك. وفي الصحيحين أن النبيّ ◌َّ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا وقال كان ينفخ النار على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده، وفي الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إنّ النبيّ وَ ل# قال: من قتل وزغة من أوّل ضربه فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى ومن قتلها في الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثانية، وفيه أيضاً أن من قتلها في الأولى فله مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ النبيّ وَّر قال: اقتلوا الوزغة ولو في جوف الكعبة لكن في إسناده عمر بن قيس المكيّ وهو ضعيف. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه. وفي سنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان في بيتها رمح موضوع فقيل لها ما تصنعين بهذا فقالت: أقتل به الوزغ فإن النبي ◌َّيو أخبرنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ عليه النار فأمر وقليل بقتله وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده. وأمّا تسمية الوزغ فويسقا فنظيره الفواسق الخمس التي تقتل في الحلّ والحرم وأصل الفسق الخروج وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضر والأذى. وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة وفي الثانية بسبعين كما في بعض الروايات فجوابه أنه كقوله في صلاة الجماعة بسبع وعشرين وخمس وعشرين وان مفهوم العدد لا يعمل به فذكر السبعين لا يمنع المائة فلا تعارض بينهما أو لعله وَل﴿ أخبر أوّلا بالسبعين ثم تصدّق الله تعالى بالزيادة علينا فأعلم به وَ لل حين أوحى الله إليه بعد ذلك أو أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها فتكون المائة للأكل منهم والسبعون لغيره قال يحيى بن يعمر لأن أقتل مائة وزغة أحب إليّ من أن أعتق مائة رقبة وإنما قال ذلك لأنها دابة سوء زعموا أنها تسقى من الحيات وتمج في الإناء فينال الإنسان المكروه العظيم بسبب ذلك. وسبب كثرة الحسنات في المبادرة أن تكرر الضربات في القتل يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع إذ لو قوي عزمه واشتدت حميته لقتلها في المرّة الأولى لأنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مؤنة في الضرب فحيث لم يقتلها في المرّة الأولى دل ذلك على ضعف عزمه فلذلك نقص أجره من المائة إلى السبعين وعلل عز الدين بن عبد السلام كثرة الحسنات في الأولى بأنه إحسان في القتل فيدخل تحت قوله وَله: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة أو أنه مبادرة إلى الخير فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ قال وعلى كلا المعنيين فالحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما. ينظر حياة الحيوان (٤٦٩/٢ - ٤٧٠). (٢) (القنفذ) بالذال المعجمة وبضم الفاء وفتحها البرّي منه كنيته أبو سفيان وأبو الشوك والأنثى أم دلدل والجمع القنافذ ويقال لها العساعس لكثرة تردّدها بالليل ويقال للقنفذ أنقد وهو صنفان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر ودلدل يكون بأرض الشام والعراق في قدر الكلب القلطيّ والفرق بينهما كالفرق بين الجرذ = ١٨٣ كتاب الذبائح والصيود والضب(١)، واليربوع (٢)، وابن عرسٍ؛ ونحوها، ولا خلاف في حرمة هذه الأشياءِ، إِلاَّ في الضب فإِنه حلالٌ عند الشافعي. والفأر قالوا: إن القنفذ إذا جاع يصعد الكرم منكسا فيقطع العناقيد ويرمي بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق = فإن كان له فراخ تمرّغ في الباقي ليشتبك في شوكه ويذهب به إلى أولاده وهو لا يظهر إلا ليلاً وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم لها. ينظر حياة الحيوان (٣١٢/٢ - ٣١٣). (١) بفتح الضاد حيوان بريّ معروف يشبه الورل قال أهل اللغة وهو من الأسماء المشتركة فيطلق على ورم في خف البعير وعلى ضبة الحديد والضب اسم للجبل الذي بمسجد الخيف في أصله وضبة الكوفة وضبة البصرة قبيلتان من العرب والضب أن يجمع الحالب خلفي الناقة في كفيه جميعاً أنشد ابن دريد: جمعت له كفي بالرمح طاعتا كما جمع الخلفين في الضب حالب وكنيته أبو حسل والجمع ضباب وأضب مثل كف وأكف والأنثى ضبة قالت العرب لا أفعله حتى يرد الضب لأن الضب لا يرد الماء قال ابن خالويه في أوائل كتاب ليس الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعداً ويقال انه يبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا تسقط له سن. ويقال ان أسنانه قطعة واحدة ليست مفرّقة ويحلّ أكل الضب بالإجماع قال في الوسيط ولا يؤكل من الحشرات إلا الضبّ قال ابن الصلاح في مشكله هذا غير مرضيّ فإن في الحشرات اليربوع والقنفذ ذكرهما الأزهري وغيره وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبيّ وَ لو قيل له أحرام هو؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه وفي سنن أبي داود لما رأى النبي ◌ّر الضبين المشويين بزق فقال خالد: يا رسول الله أراك تقذره وذكر تمام الحديث وفي رواية لمسلم لا آكله ولا احرّمه وفي الأخرى كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي وكل هذه الروايات صريحة في الإباحة ولأن العرب تستطيبه والدليل عليه قول الشاعر: وإني اشتهيت قديد الغنم أكلت الضباب فما عفتها أتيت به فاتراً في الشيم ولحم الخروف حنيذا وقد وأما البهض وحيتانكم وركبت زبدا على تمرة وقد نلت منها كما نلتمو وما في التيوس كبيض الدجاج ومكن الضباب طعام العرب فأصبحت منها كثير السقم فنعم الطعام ونعم الإدم فلم أر فيها كضب هرم وبيض الدجاج شقاء القرم وكاشيه منها رؤوس العجم قوله الحنبذ أي المشويّ وماء الشيم بفتح الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة والأسنان والبهض: بكسر الباء الموحدة وفتح الهاء وبالضاد المعجمة الأرز باللبن والقرم بفتح القاف وكسر الراء الرجل يشتهي اللحم والمكن بفتح الميم وإسكان الكاف وبالنون في آخره بيض الضب والكشا جمع كشية بضم الكاف وإسكان الشين المعجمة ولا يكره أكله عندنا خلافاً لبعض أصحاب أبي حنيفة وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه قال الإمام العلامة النوويّ وما أظنه يصح عن أحد انتهى. ينظر: حياة الحيوان (٢ / ٩٣ - ٩٦). قلت: ومذهب الحنفية كما حكاه صاحب البدائع هنا قائل بالحرمة وكتب المذهب الحنفي مطبقة على ذلك الإمام أبو حنيفة الإمام سفيان الثوري. (٢) بفتح الياء المثناة تحت ويسمى الدرص بفتح الدال وكسرها وإسكان الراء المهملتين وبالصاد المهملة. حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدّاً وله ذنب كذنب الجرذ يرفعه صعداً في طرفه شبه النوّارة لونه كلون = ١٨٤ كتاب الذبائح والصيود واحتجَّ بما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: أكلتُ / على مائدةِ رسول الله وَ﴿ لَحْمَ ضَبَّ(١)، وعِن ابن سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنهما) عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ، فَلاَ آكُلُّهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ)) (٢) وهذا نصّ على عدم الحرمة الشرعية وإشارة إلى الكراهة الطبيعية. ولنا قولُهُ (تبارك وتعالى) ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [والضب من الخبائث]، وروي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) أهدي إِليه لحمُ ضبَّ، فامتنع أن يأكله، فجاءت سائلةٌ فأرادت سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أن تطعمها إِياه، فقال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتُطْعِمِينَ مَا لاَ تَأْكُلِينْ))(٣) ولا يحتمل أن يكون امتناعه لما أَنَّ نفسه الشريفة عافته؛ لأنه لو كان كذلك لما منع من التصدق به؛ كشاة الأنصار أنه لما امتنع من أكلها أَمَرَ بالتصدق بها؛ ولأن الضب من جملة المسوخ والمسوخ محرمة كالدب والقرد والفيل فيما قيل. والدليلُ عليه ما رُوِيَ أن رسولَ الله وَ لِّ سُئل عن الضبِّ، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فِي الأَرْضِ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا)» (٤) وهكذا روي عن بعض الغزال قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان أن كل دابة حشاها الله خبثاً فهي قصيرة اليدين لأنها إذا = خافت شيئاً لاذت بالصعود فلا يلحقها شيء وهذا الحيوان يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها له مقام الماء وهو يؤثر النسيم ويكره البحار أبداً يتخذ حجره في نشز من الأرض ثم يحفر بيته في مهبّ الرياح الأربع ويتخذ فيه كوى وتسمى النافقاء والقاصعاء والراهطاء. وذهب إلى القول بحل أكل اليربوع عروة، وعطاء، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر. وذهب أبو حنيفة إلى القول بتحريمه. ولم يرد فيه تحريم بخصوصه، وفيه ما يدل على إباحته؛ لأن نابه ضعيف، والعرب تستطيبه، وأوجب فيه عمر على المحرم جفرة، فدل هذا على حل أكله. ينظر: حياة الحيوان (٢/ ٤٨٠). (١) أخرجه البخاري (٤٤٥/٩) كتاب الأطعمة باب السويق حديث (٥٣٩١) ومسلم (١٤٣/١١ - نووي) كتاب الصيد والذبائح: باب إباحة الضب حديث (١٩٤٥) من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه البخاري (٩/ ٥٨٠) كتاب الذبائح والصيد باب الضب حديث (٥٥٣٦) ومسلم (١٥٤١/٣ - ١٥٤٢) كتاب الصيد والذبائح: باب إباحة الضب حديث (٣٩، ٤٠، ٤١/ ١٩٤٣) والترمذي (٢٥١/٤ - ٢٥٢) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في أكل الضب حديث (١٧٩٠) والنسائي (١٩٧/٧) كتاب الصيد والذبائح باب الضب حديث (٤٣١٤، ٤٣١٥) وابن ماجه (٢/ ١٠٨٠) كتاب الصيد: باب الضب حديث (٣٢٤٢) من حديث ابن عمر. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) أخرجه أبو حنيفة في ((مسنده)) (٢٣٨/٢). (٤) أخرجه أحمد (٣٢٠/٤). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤٠/٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح. / ٢٧٦ ب ١٨٥ كتاب الذبائح والصيود أصحاب رسولِ الله وَل﴿ أنه قال: ((كُنَّا فِي بَعْضِ المَغَازِي فأصابتنا مجاعةٌ، فنزلنا في أرضٍ كثيرةٍ الضباب، فنصبنا القدور، وكانت القدور تغلي إذ جاء النبيُّ (عليه الصلاة والسلام) فقال: مَا هَذَا؟ قلنا: الضب يا رسولَ اللَّهِ؛ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ، فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا)»(١) فَأَمَرَ بإلقاء القدور. وما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، وما روينا فهو خاطر، والعملُ بالخاطر أَوْلى، وما له دَمّ سائل نوعان: مستأنسٌ، ومستوحش، أما المستأنس من البهائم فنحو الإبل والبقر والغنم بالإِجماع، وبقوله (تبارك وتعالى): ﴿وَالأَنْعَامِ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] وقوله (سبحانه وتعالى): ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] واسم الأنعام يقع على هذه الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة، ولا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء (رحمهم الله تعالى). وحُكِيَ عَنْ بشرِ المريسي (رحمه الله) أنه قال: لا بأس بِأَكْلِ الحمارِ، واحتج بظاهر قوله (عَزَّ وجلَّ) ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَّمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولم يذكر الحمير الآنسَية. وروي أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّه وقال: إنه فني مالي ولم يبق لي إلاَّ الحمر الأهلية، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((كُلْ مِنْ سَمِينٍ مَالِك؛ فَإِنِّي إِنْمَا كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ جَلالٍ القَرْيَةِ))(٢) وروي عن ((جَوَالْ الْقُرَى)) بتشديد اللام، وروي، فإِنما قذرت لكم جالة القرية. ولنا قوله (تبارك وتعالى): ﴿وَالخَيْلَ وَالِغَالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] وسنذكر وجه الاستدلال بالآية، إن شاء الله تعالى. وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أنه قال: نهى رسولُ اللهِ وَّ في غزوة ((خيبر)) عن لحومِ الحُمُرِ الأَهلية، وعن مُتْعَةِ النِّسَاءِ (٣). وروي أن سيدنا عليًّا (رضي الله عنه) قال لابن عباس (رضي الله عنهما) وهو يفتي الناس في المِتعةِ أَنَّ رسولَ اللهِ وََّ نهى عن متعةِ النساءِ وعن لحُومِ الحُمُرِ الأهلية يوم ((خيبر))، فرجع ابن عباس (رضي الله عنهما) عَنْ ذلك، ورُوِي أنه قيل للنبيِّ (عليه الصلاة والسلام) يوم ((خيبر)) (١) ينظر الحديث السابق. (٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٧٩٠، ٣٧٩١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٢/٩) والطبراني في ((الكبير)) (١٨ / ٢٦٥ - ٢٦٦) رقم (٦٦٤، ٦٦٥، ٦٦٦، ٦٦٧، ٦٦٨، ٦٦٩، ٦٧٠) من حديث غالب بن الأبجر. (٣) تقدم تخريجه في كتاب النكاح. ١٨٦ كتاب الذبائح والصيود أكلت الحمر، فأمر أبا طلحة (رضي الله عنه) ينادي أَنَّ رسولَ الله وَّل ينهاكم عن لحومِ الحُمُرِ فإِنَّهَا رجزٌ، وَرُوِي: ((فَإِنَّهَا رِجْسٌ)) وهذه أخبار مستفيضة عرفها الخاصُّ والعام وقبلوها، وعملوا بها وظهر العمل بها . وأما الآية فقد اختص منها أشياء غير مذكورة فيها، فيختص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل، مع أن ما روينا من الأخبار مشهورة، ويجوز نسخ الكتات بالخبر المشهور، وعلى أنَّ في الآية الشريفة أنه لا يحل (١) سوى المذكور فيها وَقْتَ نزولها؛ لأن الأصلَ في الفعل هو الحال، فيحتمل أنه لم يكن وقت نزول الآية تحريم سوى المذكور فيها، ثم حرم ما حرم بعد؛ على أنا نقول بموجب الآية لا محرم سوى المذكور فيها، ونحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية؛ إذ المحرم المطلق ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به، فأمَّا ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرماً على الإطلاق، بل نسميه مكروهاً، فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عملاً مع [التوقف في اعتقاد](٢) الحل والحرمة. وأما الحديثُ فيحتملُ أَنْ يكون المراد من قوله (عليه الصلاة والسلام): ((كُلْ مِن سَمِينٍ مَالِكَ))، أي: من أَثْمانها؛ كما يقال: فلانٌ أَكَلَ عقاره، أي: ثمن عقارِهِ، ويحتمل أن يكون ذلك إطلاقاً للانتفاع بظهورها بالإِكراء، كما يحمل على شيء مما ذكرنا عملاً بالدلائل كلها، ويحتمل أنه كان قبل التحريم، فانفسخ بما ذكرنا، وإن جهل التاريخ، فالعمل بالخاطر (٣) أولى احتياطاً . فإن قيل: ما رويتم يحتمل أيضاً أنه (عليه الصلاة والسلام) نَهَى عَنْ أكل الحمر يوم ((خيبر))؛ لأنها كانت غنيمة من الخمس أو لقلة الظهر، أو لأنها كانت جلالة، فوقع التعارض. والجوابُ أنَّ شيئاً من ذلك لا يصلح محملاً. أما الأَول: فلأَنَّ ما يحتاج إليه الجند لا يخرج منه الخمس؛ كالطعام والعلف. وأما الثاني: فلأن المروي أنَّ رسول الله وَّر أمر بإكفاء القدور يوم ((خيبر))، ومعلومٌ أن ذلك مما لا ينتفع به في الظهر. وأما الثالث: فلأنه (عليه الصلاة والسلام) خص النهي بالحمر الأهلية، وهذا المعنى لا يختص بالحمر، بل يوجد في غيرها. (١) في أ: يجد. (٢) في أ: مع اعتقاد التوقيف في الحل والحرمة. (٣) في أ: الحاضر. ١٨٧ كتاب الذبائح والصيود وأما لحم الخيل فقد قال أبو حنيفة (رضي الله عنه): يكره(١). (١) قال بحلها جمهور الفقهاء، روي ذلك عن أبي الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد. وبه قال الشافعي، وأحمد، والليث، وابن المبارك، وأبو ثور، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود، وغيرهم وكرهها طائفة منهم ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة. قيل والكراهة عند أبي حنيفة للتحريم، وقيل للتنزيه، والأولى أصح. احتج الجمهور بالمنقول والمعقول: أما المنقول: فمنه ما روي في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله وَل يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)) متفق عليه. ومنه ما روي في الصحيحين أيضاً عن أسماء رضي الله عنها قالت: ((نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَليل فأكلناه ونحن بالمدينة)) متفق عليه أيضاً. أما المعقول: فلأنه حيوان طاهر مستطاب، ليس بذي ناب ولا مخلب، فيحل: قياساً على بهيمة الأنعام. قال سعيد بن جبير: ((ما أكلت شيئاً أطيب من مَعْرَفَةَ برذون)) واستدل المانعون بالكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾. ووجه الدلالة أن الله تعالى ذكر الانتفاع بالركوب والزينة ولم يذكر الانتفاع بالأكل، مع أنه في سياق الامتنان، والمنة به أعظم وأولى. أما السنة: فما روي عن خالد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله وَالر: ((حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها)». ولا يتم لهم هذا الاستدلال، سواء أكان بالكتاب أم بالسنة؛ وذلك لأن الآية التي استدلوا بها ﴿والخيل والبغال ...... ﴾ الآية، مكية بالاتفاق، ولحوم الحمر إنما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق، فدل على أنه لم يفهم النبي ◌َّر، ولا الصحابة في الآية تحريماً للحمر ولا لغيرها؛ فإنها لو دلت على تحريم الخيل، دلت على تحريم الحمر، وهم لم يمتنعوا منها، بل امتدت الحال إلى يوم خيبر فحرمت. وأيضاً فالاقتصار على ركوبها والتزين بها لا يدل على نفي الزائر عليهما، وإنما خصهما بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل. من ذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ اقتصر في الخنزير على تحريم لحمه؛ لأنه معظم مقصوده، وقد أجمعوا على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه. وأيضاً فإن موضع الاستدلال في الآية بالمفهوم لا بالمنطوق وهم لا يقولون به. أما استدلالهم بحديث خالد في النهي عن أكل لحوم الخيل فقال الإمام أحمد: حديث خالد ليس له إسناد جيد، وفيه رجلان لا يعرفان، يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف، وقال: لا ندع أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر. وقال النسائي: حديث الإباحة أصح؛ قال: ويشبه إن كان هذا الحديث صحيحاً أن يكون منسوخاً؛ لأن قوله في الحديث الصحيح: ((وأذن في لحوم الخيل)» دليل على ذلك ويمكن أن يقال: إن النهي عن أكل الخيل كان لأمر عارض؛ وذلك أن الخيل كانت قليلة فيهم، وكانت سلاحاً يحتاجون إليه في الحرب، فلهذا نهاهم عن أكله لهذا المعنى، لا لحرمته. وهو وجيه. ومن قال إن الكراهة للتنزيه، قال: إن الفرس كالآدمي من وجه؛ من حيث إنه يحصل به إرهاب العدو، ويستحق السهم من الغنيمة. والآدمي غير مأكول لكرامته، لا لنجاسته، والخيل كذلك كره أكلها على طريق التنزيه لمعنى الكرامة. ولهذا جعل الخيل طاهرة السؤر، وجعل بوله كبول ما يؤكل لحمه. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة. ١٨٨ كتاب الذبائح والصيود وقال أبو يوسف ومحمدٌ (رحمهما الله): لا يكره؛ وبه أخذ الشافعىُّ (رحمه الله). واحتجًّا بِمَا روي عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنه قال: أَكَلْنَا لحم فرسٍ على عهدٍ رسولِ الله ◌َ﴾(١). وروي عن جابر (رضي الله عنه) أنه قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَلَه عن لحوم الحمر الأهلية، وأُذِنَ في الخيل(٢)، وروي أنه قال: أَطْعَمَنَا رسول الله وَّيو لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحُمُرِ (٣)، وروي عنه أنه قال: كُنَّا قد جعلنا في قدورنا لحم الخيل ولحم الحمار، فنهانا النبيُّ (عليه الصلاة والسلام) أن نأكل لحم الحمار، وأمرنا أن نأكل لحم الخيل(٤). وعن سيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر الصديق (رضي الله عنهما) أنها قالت نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَالر فأكلناه(٥)، ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) الكتاب والسنة ودلالة الإِجماع، أما الكتاب العزيز فقوله (جلَّ شأنه): ﴿وَالْخَيْلَ وَالِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . ووجه الاستدلال به ما حكي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) فإنه روي أنه سُئل عن لحم الخيل فقرأ بهذه الآية الشريفة، وقال: ولم يقل (تبارك وتعالى) لتأكلوها فيكره أكلها (٦)، وتمام هذا الاستدلال أن الله (تبارك وتعالى) ذكر الأنعام فيما تقدم ومنافعها، وبالغ في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالْ حِينَ (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (٦٤٨/٩) كتاب الذبائح والصيد - باب لحوم - الخيل حديث (٥٥٢٠) ومسلم (٣/ ١٥٤١) كتاب الصيد والذبائح باب في أكل لحوم الخيل حديث (١٩٤١/٣٦). وأبو داود (٣٧٩/٢) كتاب الأطعمة: باب في أكل لحوم الخيل حديث (٣٧٨٨) والنسائي (٧/ ٢٠١) كتاب الصيد والذبائح باب الإذن في أكل لحوم الخيل وأحمد (٣٦١/٣، ٣٨٥) والدارمي (٨٧/٢) كتاب الأضاحي: باب في أكل لحوم الخيل وابن حبان حديث (٥٢٤٩ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٤/٤) وفي ((مشكل الآثار)) (١٦٤/٤) وابن الجارود رقم (٨٨٥) والبيهقي (٣٢٦/٩ - ٣٢٧) من طريق حماد بن زيد ثنا عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر أن رسول الله وَّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل. (٣) ينظر الحديث السابق. (٤) ينظر الحديث قبل السابق. (٥) أخرجه البخاري (٥٦٥/٩) كتاب الذبائح والصيد: باب لحوم الخيل حديث (٥٥١٩) ومسلم (١٥٤١/٣) كتاب الصيد والذبائح باب في أكل لحوم الخيل حديث (١٩٤١/٣٦) من حديث أسماء. (٦) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٠٧/٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. ١٨٩ كتاب الذبائح والصيود تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمُ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقَ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفْ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٥ - ٧]. وكذا ذكر فيما بعد هذه الآية الشريفة متصلاً بها منافع الماء المنزل من السماء، والمنافع المتعلقة بالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والمنافع المتعلقة بالبحر على سبيل المبالغة بيان شفاء لا بيان كفاية، وذكر في هذه الآية أنه (سبحانه وتعالى) خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، ذكر منفعة الركوب والزينة ولم يذكر (سبحانه وتعالى) منفعة الأكل، فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فيها منفعة أخرى سوى ما ذكرناه. ولو كان هناك منفعة أخرى سوى ما ذكرنا لم يحتملْ أَنْ لا نذكرها عند ذكر المنافع المتعلقة بها على سبيل المبالغة والاستقصاءِ، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ولحم الخيل ليس بطيب، بل هو خبيثٌ، لأَنَّ الطباع السليمة لا تستطيبه، بل تستخبثه حتى لا تجد أحداً ترك بطبعه إِلاَّ ويستخبثه وينفر(١) طبعه عن أكله، وإِنما يرغبون في ركوبه إلا من غير (٢) طبعه عما(٣) كان مجبولاً عليه، وبه تبين أن الشرع إِنما جاء بإحلال ما هو مستطاب في الطبع، لا بما(٤) هو مستخبث، ولهذا لم يجعل المستخبث في الطبع غذاء اليسير، وإِنما جعل ما هو مستطاب بلغ في الطيب غايته. وَأَمَّا السنَّة فما روي عن جابر (رضي الله عنه) أنه قال: ((لمّا كان يوم ((خيبر)) أصاب الناس مجاعةً فأخذوا الحمر الأهلية، فذبحوها، فحرم رسولَ اللهِ وَّه لحومَ الحُمُر الإِنسية ولحومَ الخيلِ والبغالِ وكلَّ ذي نابٍ من السباع وكلَّ ذي مخلبٍ من الطيرِ وَحَرَّمَ الخلسة والنهبة (٥). وعن خالد بن الوليد (رضي الله عنه) أنه قال: نهى رسول الله وَّر عن أكل لحومِ الخيلِ (٦) . والبغال والحمير وعن المقدام بن معدي كرب أنَّ النبي (عليه الصلاة والسلام) قال: ((حُرِّمَ(٧) عَلَيْكُمُ (١) في ط: وينقي. (٢) في ط: يرغب. (٣) في ط: فيما. (٤) في أ: ما. (٥) تقدم حديث جابر في ذلك. (٦) أخرجه أبو داود (١٥١/٤) كتاب الأطعمة باب في أكل لحوم الخيل حديث (٣٧٩٠) والنسائي (٢٠٢/٧) كتاب الصيد والذبائح: باب تحريم أكل لحوم الخيل وابن ماجه (١٠٦٦/٢) كتاب الذبائح: باب لحوم البغال حديث (٣١٩٨) وأحمد (٨٩/٤) والدارقطني (٢٨٧/٤) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة حديث (٦٠، ٦١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٧/٦). (٧) في أ: حرام. ١٩٠ كتاب الذبائح والصيود الحِمَارُ الأَهْلِيِّ وَخَيْلُهَا [وبغلها](١))(٢) وهذا نصّ على التحريم، وعن رسول الله ◌َّر أنه قال: ((الخَيْلُ لِثَلاثَةِ: فَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ، وَلِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ))(٣) ولو صلحت للأكل لقال (عليه الصلاة والسلام): الخيل لأربعة: لرجل ستر، ولرجلٍ أجر، ولرجلٍ وزر، ولرجل طعام. وأما دلالة الإِجماع فهي أن البغل حرام بالإِجماع، وهو ولد الفرس، فلو كانت أمه حلالاً لكان هو حلالاً أيضاً، لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها وهو كبعضها؛ ألا ترى أنَّ حمار وحش لو نزى على حمارة أهلية فولدتْ لم يؤكل ولدُها، ولو نزا حمارٌ أهلي على حمارة وحشية وولدتْ، يؤكل ولدُها؛ ليعلم أن حكم الولد حكم أمه في الحلُ والحرمة، دون ٢٧٧/١ أ الفحل، [فلمَّا كان لحم الفرس / حراماً، كان لحم البغل كذلك](٤). وما روي في بعض الروايات عن جابرٍ، وما في رواية سيدتنا أسماء (رضي الله عنها) يحتمل أنه كان ذلك في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام)، إِنَّما نهى عن أكل لحوم الحمر يوم ((خيبر))، وكانت الخيل تؤكلٍ في ذلك الوقت، ثم حرمت، يَّدُلُّ عليه ما روي عن الزهري أنه قال: ما علمنا الخيل أكلت إِلاَّ في حصار. وعن الحسن (رضي الله عنه) أنه قال: كان أصحابُ رسولِ الله وَّوَ يأكلون لحومَ الخيلِ في مغازيهم، فهذا يدلُ على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة؛ كما قال الزهري (رحمه الله)، أو يحمل على هذا عملاً بالدليل؛ صيانةً لها عن التناقص أو يترجح الحاظر على المبيح احتياطاً، وهذا الذي ذكرنا حجج أبي حنيفة (رضي الله عنه) على رواية الحسن أنه يحرم أكل لحم الخيل. (١) سقط في ط. (٢) أخرجه أحمد (١٣٢/٤) بلفظ: نهى رسول الله وَّر عن لحوم الحمر الإنسية وعن كل ذي ناب من السباع وعند ابن ماجه (٣١٩٣) من وجه آخر ولفظه أن رسول الله ويّلل حرم أشياء حتى ذكر الحمر الإنسية. (٣) أخرجه البخاري (٥٦/٥) في الشرب والمساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار (٢٣٧١) (٧٥/٦) في الجهاد، باب الخيل لثلاثة (٢٨٦٠) و(٧٣٢/٦) في المناقب (٣٦٤٦) (٥٩٨/٨) في التفسير، باب قوله ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (٤٩٦٢)، (٣٤١/١٣) في الأحكام التي تعرف بالدلائل (٧٣٥٦) ومسلم (٦٨٠/٢ - ٦٨٢) في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (٢٤ - ٩٨٧/٢٦)، والترمذي (٤ /١٤٨) في فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من ارتبط فرساً في سبيل الله (١٦٣٦)، والنسائي (٢١٥/٦ - ٢١٦) في الخيل، في أوله وابن ماجه (٩٣٢/١) في الجهاد، باب ارتباط الخيل في سبيل الله (٢٧٨٨)، ومالك (٤٤٤/٢ - ٤٤٥) في الجهاد، باب الترغيب في الجهاد (٣)، وأحمد (٢/ ٣٦٢، ٣٨٢، ٣٨٣ - ٣٨٤) وابن خزيمة (٢٢٥٢)، والبيهقي (٨١/٤)، (١٥/١٠) والبغوي في شرح. السنة (٣٣٦/٣) برقم (١٥٦٩) من حديث أبي هريرة. (٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: فلما كان لحم البغل حراماً كان لحم الفرس كذلك. ١٩١ كتاب الذبائح والصيود وأما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه يكره أكله، ولم يطلق التحريم، لاختلاف الأحاديث المروية في الباب [واختلاف الصحابة](١) واختلاف السلف، فكره أكل لحمه احتياطاً لباب الحرمة . وأما المتوحش منها نحو: الظباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش، وإبل الوحش - فحلال بإجماع المسلمين؛ ولقوله (تبارك وتعالى): ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقوله: (عَزَّ شأنه): ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتُ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقوله (سبحانه وتعالى): ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ولحوم هذه الأشياء من الطيبات فكان حلالاً . وروي أنه لما سئل رسولُ اللهِ وَّر يوم ((خيبر)) عن لحوم الحمر، فقال: ((الأَهْلِيَّةُ))؟ فقيل: نعم، فدل قول رسول الله وَّ ر على اختلاف حكم الأهلية والوحشية، وقد ثبت أن الحكم في الأهلية الحرمة لما ذكرنا من الدلائل، فكان حكم الوحشية الحل ضرورة. وروي أن رجلاً من ((فهر)) جاء إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) وهو بالروحاء ومع الرجل حمارٌ وحشي عَقَرَهُ، فقال: هذه رميتي يا رسول الله، وهي لك(٢)، فقبله النبيُّ (عليه الصلاة والسلام)، وأمر سيدنا أبا بكر (رضي الله عنه) فقسمه بين الرفاق، والحديث وإِن ورد في حمار الوحش لكنِ إِحلال الحمار الوحشي إِحلالٌ للظبي والبقر الوحشي والإِبل الوحشي من طريق الأولى، لأَنَّ الحمار الوحشي ليس من جنسه من الأهلي(٣) ما هو حلال، بل هو حرام، وهذه الأشياء من جنسها من الأهلي ما هو حلال، فكانت أولى بالحل. وأما المستأنس من السباع وهو الكلب والسنور الأهلي فلا يحل؛ وكذلك المتوحش منها المسمى بسباع الوحش والطير، وهو كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؛ لما روي في الخبر المشهور عن رسول الله وَّ أنه نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ)(٤). (١) سقط في ط. (٢) في أ: لكم. (٣) في أ: الأنسي. (٤) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥٧) كتاب الذبائح والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (٥٥٣٠) ومسلم (١٥٣٣/٣) كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع حديث (١٤٢١٣/ ١٩٣٢) ومالك-(٤٩٦/٢) رقم (١٣) والطيالسي ص (١٣٦)، حديث (١٠١٦) وأحمد (١٩٣/٤) والدارمي (٨٤/٢ - ٨٥) كتاب الأضاحي، باب ما لا يؤكل من السباع وأبو داود (١٥٩/٤) كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع. حديث (٣٨٠٢) والترمذي (٧٣/٤) كتاب الأطعمة، باب ما جاء = ١٩٢ كتاب الذبائح والصيود وعن الزهري (رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ من كراهية كل ناب، حديث (١٤٧٧) والنسائي (٢٠٠/٧ - ٢٠١) وابن ماجه (١٠٧٧/٢) كتاب الصيد، = باب أکل ذي ناب من السباع حديث (٣٢٣٢). وابن الجارود (٨٨٩) والشافعي (١٧٢/٢ - ١٧٣) كتاب الصيد والذبائح رقم (٦٠٤، ٦٠٥) والحميدي (٣٨٦/٢) رقم (٨٧٥) وابن حبان (٥٢٥٥ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٠/٤) وأبو نعيم في الحلية (٢٨/٩) والبيهقي (٩/ ٣٣١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣١/٦ - بتحقيقنا) من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة به. وقال الترمذي: حديث مشهور من حديث أبي ثعلبة حسن صحیح . وأما حديث أبو هريرة: أخرجه مسلم (١٥٣٤/٣) كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (١٦/ ١٩٣٤) ومالك (٤٩٦/٢) كتاب الصيد، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (١٤) والشافعي (١٧٢/٢) كتاب الصيد والذبائح، حديث (٦٠٣) وأحمد (٢٣٦/٢) والترمذي (٧٤/٤) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب، حديث (١٤٧٩) والنسائي (٧/ ٢٠٠) كتب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل السباع وابن ماجه (٢/ ١٠٧٧) كتاب الصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (٣٢٣٣) والبيهقي (٣١٥/٩) كتاب الضحايا باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب. بلفظ أكل كل ذي ناب من السباع حرام أما حديث جابر بن عبدالله قال: ((حرم رسول الله ◌َ ◌ّ﴿ يوم خيبر الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير)). أخرجه أحمد (٣٢٣/٣) والترمذي (٧٣/٤) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب. حديث (١٤٧٨) والبزار والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٤٧/٥). وقال الترمذي: حسن غريب. أما حديث خالد بن الوليد قال: ((غزوت مع رسول الله وَلل خيبر فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال رسول الله وقوله: ((ألا لا تحل أموال العاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي نائب من السباع وكل ذي مخلب من الطير)). أخرجه أحمد (٨٩/٤ - ٩٠) وأبو داود (٤ /١٦٠ - ١٦١) كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٦) والنسائي (٢٠٢/٧) كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الخيل، والدارقطي (٢٨٧/٤) باب الصيد والذبائح والأطعمة، حديث (٦٠، ٦١، ٦٣) والبيهقي (٣٢٨/٩) كتاب الضحايا، باب بيان ضعف الحديث الذي روي في النهي عن لحوم الخيل. وقال النسائي في الحديث يشبه أن يكون صحيحاً ولكنه منسوخ بإباحة الخيل بعد ذلك. أما حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ◌َّ قال: ((لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد)». أخرجه أحمد (١٣١/٤) وأبو داود (١٦٠/٤) كتاب الأطعمة باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٠٩/٤) كتاب الصيد والذبائح، باب أكل لحوم الحمر الأهلية، والدارقطني (٢٨٧/٤): باب الصيد والذبائح، حديث (٥٩) والبيهقي (٣٣٢/٩) كتاب الضحايا، باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية. ١٩٣ کتاب الذبائح والصيود حَرَامٌ)) (١) فذو الناب من سباع الوحش مثل الأسد والذئب، والضبع، والنمر، والفهد، والثعلب، والسنور البري، والسنجاب، والفنك، والسمور، والدلق، والدب، والقرد، والفيل؛ ونحوها؛ فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمةٌ إلا الضبع؛ فإنه حلال عند الإمام الشافعي (رحمه الله). واحتج بما روي عن عطاء عن جابر (رضي الله عنهما) أنه قال في الضبع كبش، فقلت له: أهو صيد؟ فقال: نعم، فقلت: يؤكل؟ فقال: نعم، فقلت: أسمعتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِّهِ؟ (٢) . فقال: نعم" ولنا أن الضبع سبع ذو ناب، فيدخل تحت الحديث المشهور، وما روي ليس بمشهور، فالعمل بالمشهور أَوْلَى؛ على أن ما روينا محرم، وما رواه محلل، والمحرم يقضي على المبيح احتياطاً، ولا بأس بأكل الأرنب لما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: كُثَّا عند رسول الله وَلّر فأهدى له أعرابيٍّ أرنبة مشوية، فقال لأصحابه: (كُلُوا))(٣). وعن محمد بن صفوان، أو صفوان بن محمد(٤)؛ أنه قال: أصبتُ أرنبتين فذبحتهما بمروة، وسألتُ عن ذلك رسول الله مَّر فأمرني بأكلهما(٥) . وذو المخلب من الطير، كالبازي، والباشق، والصقر، والشاهين، والحدأة، والنعاب، والنسر، والعقاب؛ وما أشبه ذلك فيدخل تحت نهي النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) عن كل ذي مخلب من الطير . وروي أنه نهى عن كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة، وعن كل ذي ناب من الطير، والمجثمة. روي بكسر الثاء وفتحها؛ من الجثوم، وهو تلبد الطائر الذي من عادته الجثوم على غيره ليقتله، وهو السباع من الطير، فيكون نهياً عن (٦) أكل كل طير هذا عادته، وبالفتح هو الصيد الذي يجثم عليه طائر فيقتله، فيكون نهياً عن أكل كل طير قتله طير آخر بجثومه عليه. (١) هذا مرسل وينظر شواهده في الحديث السابق. (٢) تقدم في كتاب الحج. (٣) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٩/٤) بنحوه من حديث ابن عباس وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف. (٤) محمد بن صفوان أبو مَرْحب صحابي له حديث في الأرنب وقيل فيه صفوان بن محمد والأول أصوب وقيل هو محمد بن صيفي روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ينظر التقريب (ت ٦٠٠٦). (٥) أخرجه أحمد (٤٧١/٣) وأبو داود (١٠٢/٣) كتاب الأضاحي: باب في الذبيحة بالمروة حديث (٢٨٢٢) والنسائي (١٩٧/٧) كتاب الصيد والذبائح باب الأرنب حديث (٤٣١٣)، (٢٢٥/٧) كتاب الضحايا: باب إباحة الذبح بالمروة حديث (٤٣٩٩) وابن ماجه (٢/ ١٠٦٠) كتاب الذبائح باب ما يذكى به حديث (٣١٧٥) وابن حبان (٥٥٤/٧) رقم (٥٨٥٧) والحاكم (٢٣٥/٤) من حديث محمد بن صفوان. (٦) في ط: على. بدائع الصنائع ج٦ - م١٣ ١٩٤ كتاب الذبائح والصيود وقيل بالفتح؛ هو الذي يرمي حتى يجثم فيموت، وما لا مخلب له من الطير فالمستأنس منه كالدجاج والبط، والمتوحش، كالحمام والفاختة والعصافير والقبج والكركي والغراب الذي يأكل الحب والزرع والعقعق ونحوها- حلالٌ بالإجماع. فصل فيما يكره من الحيوانات وأما بيان ما يكره من الحيوانات: فيكره أكلُ لحوم الإبل الجلاَّلة، وهي التي الأغلب من أكلها النجاسة (١)، لما روي أن رسول الله وَ ◌ّهُ نهى عن أكلِ لُحُومِ الإِبلِ الجلاَّلة(٢)؛ ولأنه إذا (١) الجلالة: هي التي تأكل العذرة، والنجاسات، وتكون من الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج. وقيل: إن كان أكثر أكلها النجاسة، فهي: جلالة. وقيل: إنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرفها أو غيره ريح النجاسة: فجلالة، وإلا فلا. وإذا تغير لحم الجلالة فمكروه كراهة تنزيه على الأصح وإنما لم يحرم ذلك؛ لأنه ليس فيه أكثر من تغير لحمها، وهذا لا يوجب التحريم؛ كما لو أنتن اللحم المذكّى وتروح فإنه يكره على الصحيح. ولأن ما تأكله الدابة من الطاهرات يتنجس إذا حصل في كرشها ولا يكون غذائها إلا بالنجاسة ولا يؤثر ذلك في إباحة لحمها ولبنها وبيضها. وممن قال بذلك أيضاً: الحسن البصري، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وداود. ولا كراهة عند الحنفية في أكل الدجاجة المخلاة التي تأكل العذرة؛ لأنها تخلط، أو لأنها لا تنتن كغيرها، والأفضل أن تحبس ثلاثة أيام حتى تطيب. واتفق الجميع على زوال الكرهة بحبسها، واختلفوا في قدره. فقيل: تحبس حتى تطيب. وهو الصحيح عند الشافعية: وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن وهو رواية عن أبي حنيفة. وروي عن أبي حنيفة أنها تحبس ثلاثة أيام وهي رواية عن أحمد. سواء كانت طائراً أم بهيمة. وذلك لأن ابن عمر كان إذا أراد أكل الجلالة حبسها ثلاثاً. والرواية الثانية عن أحمد: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة، ونحوها أربعين. وذلك لحديث عبد الله بن عمرو: ((نهى رسول الله ◌َّلر عن الإبل الجلالة، أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس، حتى تعلف أربعين ليلة)). ولأنهما أعظم جسماً، وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير. وإذا كان الحكم دائراً حول ما ينتن من لحمها: فيكره وما لا ينتن: فلا يكره، زال حكم الكراهة بزوال النتن ولم يكن للقدر الذي تعلفه من حد، ولا لزمانه من ضبط. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة. (٢) أخرجه أبو داود (١٤٨/٤، ١٨٥) كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، حديث (٣٧٨٥) وابن ماجه (١٠٦٤/٢) كتاب الذبائح، باب النهي عن لحوم الجلالة، حديث (٣١٨٩) والترمذي (٤/ ٢٧٠) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة حديث (١٨٢٤) والحاكم (٣٤/٢) والبيهقي (٣٣٢/٩) كتاب الضحايا، باب ما جاء في أكل الجلالة وألبانها. من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر به وقال الترمذي: حديث حسن غريب وروى الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن النبي ◌ّ مرسلاً. وسفيان الثوري بلا شك أثبت من ابن = ١٩٥ كتاب الذبائح والصيود إسحاق. لكن للحديث طريق آخر عن ابن عمر. = أخرجه أبو داود (١٤٨/٤) كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل لحم الجلالة وألبانها حديث (٣٧٨٧) والحاكم (٣٤/٢ - ٣٥) والبيهقي (٣٣٢/٩) كتاب الضحايا، باب ما جاء في أكل الجلالة وألبانها من طريق عمرو بن أبي قيس عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر به. وسكت عنه الحاكم والذهبي. وللحديث شواهد من حديث عبد الله بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة. ۔ حدیث عبد الله بن عمرو: أبو داود (٣٨٥/٢) كتاب الأطعمة: باب في لحوم الحمر الأهلية حديث (٣٨١١) والنسائي (٢٣٩/٧ -٢٤٠) كتاب الضحايا: باب النهي عن أكل لحوم الجلالة (٤٤٤٧) وأحمد (١١٩/٢) والبيهقي (٣٣٣/٩) كتاب الضحايا: باب ما جاء في أكل الجلالة وألبانها من طريق وهيب عن ابن طاوس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ◌َّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة وعن ركوبها وعن أكل لحمها. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر: أخرجه الدارقطني (٢٨٣/٤) رقم (٤٤) والبيهقي (٣٣٣/٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله وَل# عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها ولا يحمل عليها إلا الادم ولا يذكيها الناس حتى تعلف أربعين ليلة. وهذا سند ضعيف [إسماعيل وأبوه ضعيفان]. - حديث ابن عباس : أخرجه أبو داود (٣٧٩/٢) كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها حديث (٣٧٨٦) والنسائي (٧/ ٢٤٠) كتاب الضحايا، باب النهي عن أكل لحوم الجلالة والترمذي (٢٧٠/٤) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها حديث (١٨٢٥). وأحمد (٢٢٦/١، ٢٤١، ٣٣٩) وابن الجارود رقم (٨٨٧) والحاكم (٣٤/٢) وابن حبان (١٣٦٣ - موارد) والبيهقي (٣٣٣/٩) كتاب الضحايا، باب ما جاء في أكل الجلالة من طرق عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: نهى رسول الله وَّر عن لبن الجلالة وعن المجثمة وعن الشرب من في السقاء. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وصححه أيضاً ابن حبان. وللحدیث طريق آخر. أخرجه البزار (٢٨٦٠ - كشف) عنه أن النبي ◌َّ نهى يوم فتح مكة عن لحوم الجلالة وألبانها وظهورها وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٥٣/٥) وقال: قلت: رواه الترمذي باختصار - رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس وبقية رجاله ثقات. - حديث أبي هريرة: أخرجه البزار (٢٨٥٩ - كشف) عنه قال: نهى رسول الله ◌ّر عن الجلالة ومن شرب ألبانها وأكلها وركوبها وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٥٣/٥) وقال: وفيه أشعث بن براز الهجيمي وهو متروك. وأخرجه الحاكم (٥٣/٢) من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله وَلخير عن المجثمة والجلالة. ١٩٦ كتاب الذبائح والصيود كان الغالب من أكلها النجاسات يتغير لحمها. وينتن، فيكره أكله كالطعام المنتن. ورُوِيَ أن رسول الله وَ لَهُ نهى عن الجلاَّلة أَنْ تُشْرَبَ ألبانُهَا(١)؛ لأَن لحمها إذا تغير يتغير لبنُها؛ وما روي أنه (عليه الصلاة والسلام): نَهَى عَنْ أَنْ يُحَجَّ عليها، وأنْ يُعتمر عليها، وأن يُغزى، وأن يُنْتَفَعَ بها فيما سوى ذلك؛ فذلك محمولٌ على أنها انتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها؛ كذا ذكره القدوري (رحمه الله) في شرحه ((مختصر الكرخي». وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره، إِلاَّ أن تحبس أياماً وتُعلف فحينئذٍ تحل، وما ذكره القدوري (رحمه الله) أجود؛ لأن النهي ليس لمعنى يرجع إلى ذاتها، بل لعارضٍ جاورها، فكان الانتفاع بها حلالاً في ذاته إلا أنه يمنع عنه لغيره؛ ثم ليس لحبسها تقدير في ظاهر الرواية؛ هكذا روي عن محمدٍ (رحمه الله) أنه قال: كان أبو حنيفة (رضي الله عنه) لا يوقت في حبسها، وقال: تُخْبَسُ حتى تطيب، وهو قولهما أيضاً. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة (عليه الرحمة) أنها تحبس ثلاثة أيام، ورَوَى ابن رستم (رحمه الله) عن محمد في الناقة الجلاَّلة والشاة والبقر الجلال أنها إنما تكون جلالة إذا تفتتت وتغيَّرت ووجد منها ريحْ منتنةٌ، فهي الجلالة حينئذٍ، لا يشرب لبنُها ولا يؤكل لحمُها، وبيعُها وهبتُها جائزٌ. هذا إذا كانت لا تخلط ولا تأكل إلاَّ العذرة غالباً؛ فإن خلطت فليست جلالة، فلا تكره؛ لأنها لا تنتن. ولا يكره أكل الدجاج المحلى، وإِن كان يتناول النجاسة؛ لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة، بل يخلطها بغيرها وهو الحب يأكل ذا وذا، وقيل إنما لا يكره، لأنه لا ينتن كما ينتن الإِبل، والحكم متعلقٌ بالنتن، ولهذا قال أصحابنا في جدي ارْتَضَعَ بلبن خنزير حتى كبر - أنه لا يكره أكله، لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن، فهذا يدل على أن الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن، لا لتناول النجاسة؛ ولهذا إذا خلطت لا يكره، وإِن وجد تناول النجاسة لأنها لا تنتن، فدل أن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة. والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة؛ لما روي أن (١) ينظر التخريج السابق. ١٩٧ كتاب الذبائح والصيود رسول الله وَلَّ كَانَ يَخْبِسُ الدجاجَ ثلاثةَ أيام ثم يأكله(١)؛ وذلك على طريق التنزه، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (عليهما الرحمة) أنها تحبس ثلاثة أيام؛ كأنه ذهب إلى ذلك للخبر؛ ولما ذكرنا أن ما في جوفها من النجاسة يزولُ في هذه المدة ظاهراً وغالباً، ويكره الغراب [الأبقع والغداف، وهو الغراب](٢) الأسود الكبير؛ لما روي عن عروة عن أبيه أنه سُئل عن أكل الغراب، فقال: من يأكُلُ (٣) بَعْدَ مَا سَمَّاهُ الله (تبارك وتعالى) فَاسِقاً؟ عنى بذلك قول رسول الله وَّهُ: ((خَمْسٌ مِنَ الْفَوَاسِقِ، يَقْتُلُهُنَّ المُخِرِمُ فِي الحِلُ والحَرَم)» (٤) ولأن غالب أكلها الجيف فيكره أكلها كالجلالة، ولا بأس بغراب الزرع؛ لأَنّه يأكل الحب والزرع ولا يأكل الجيف. هكذا روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف، قال سألتُ أبا حنيفة (عليه الرحمة) عن أكل الغراب فرخّصَ في غراب الزرع، وكره الغداف، فسألته عن الأبقع فكره ذلك، وإِن كان غراباً يخلط فيأكل الجيف ويأكل الحب لا يكره في قول أبي حنيفة (عليه الرحمة)، قال: وَإِنَّما يكره من الطير ما لا يأكل إلاَّ الجيف، ولا بأس بالعقعق لأنه ليس بذي مخلبٍ ولا من الطير الذي لا يأكل إِلاَّ الحب؛ كذا روى أبو يوسف أنه قال: سألتُ أبا حنيفة (رحمه الله) في أكل العقعق، فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلِطُ، فحصل من قول أبي حنيفة أن ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج، وقال أبو يوسف (رحمه الله): يُكْرَهُ، لأَن غالب أكله الجيف. فصل في شرط حل الأكل في الحيوان المأكول وأما بيان شرط حل الأكل في الحيوان المأكول، فشرط حل الأكل في الحيوان المأكول البري هو الذكاة(٥)، فلا يحل أكله بدونها، لقوله (تبارك وتعالى): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ (١) الحديث ليس له وجود بهذا اللفظ إنما الوارد عن النبي بطر أكل الدجاج أخرجه البخاري (٦٤٥/٩) كتاب الذبائح والصيد: باب لحم الدجاج حديث (٧/ ٥٥) ومسلم (٣/ ١٢٧٠) كتاب الأيمان: باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها حديث (٩/ ١٦٤) عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري فأتى بلحم دجاج فتنحى رجل من القوم فقال ما لك؟ قال: إني رأيتها تأكل نتناً وحلفت أن لا آكلها فقال: («فإني رأيت رسول الله مَلتر يأكلها)). (٢) سقط في ط. (٣) في ط: يأكل. (٤) تقدم تخريجه في كتاب الحج. (٥) أصل التذكية في الوضع: الإتمام، يقال: ذكيت النار: أتممت اشتعالها. والذكا ((مقصوراً)) تمام إيقاد النار. وبلغت الدابة الذكاء: أي السرج. والذكاء: تمام الفهم، وسرعة القبول. والتذكية أيضاً: التطهير، والتطبيب ذلك أصل المادة في وضع اللغة. والمناسبة ثمة قرية بينه وبين اصطلاح الفقهاء. = فذكاة الحيوان تتميم وتطهير وتطييب، ومن ذلك ما قالوه: ((إِلَّ مَا ذَكَّيْتُمْ)): إلا ما ذبحتم على التمام. ١٩٨ كتاب الذبائح والصيود وهل الذبح إلا تطهير يفصل بين حد الميتة المحرمة، والطعام الطيب الحلال؟ = وفي اصطلاح الفقهاء: هي السبب لإباحة أكل لحم حيوان غير محرم. والحيوان غير المحرم - الذي لا تحل ميتته - نوعان: حيوان مقدور عليه، وحيوان غير مقدور عليه. فالمقدور عليه هو: الإنسي، والوحشي إذا قدر على ذبحه بأن أمسك أو كان متأنساً. وغير المقدور عليه هو: الوحشي، والمتوحش، والمتردي، فالوحشي: ما كان في طبيعة حياته، بعيداً عن الأنس بالإنسان: كالغزال، والطير السابح في الجو، ونحو ذلك. والمتوحش: ما كانت طبيعة جنسه أن يسكن إلى الإنسان ويأنس به، ولكنه ندَّ وأبق وخرج عن طبيعة جنسه فصار بحيث لا يمكن ذبحه أو نحره. وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات، بل متى تيسر لحوقه بِعَذْوٍ أو استعانة بمن يمسكه أو نحو ذلك فليس بمتوحش ولكنه مقدور عليه، لا يحل إلا بالذبح أو النحر. والمتردي: ما سقط في بئر أو نحوه، بحيث لا يمكن ذبحه أو نحره، ولو ترك لنفق. من هذا يمكن القول بأن الذكاة ذكاتان: ذكاة المقدور عليه، وذكاة غير المقدور عليه. فذكاة غير المقدور عليه: تحصل بعقر مزهق للروح حيث كان سواء كان في فخذه أو خاصرته أو غيرهما، وسيأتي ذلك إن شاء الله مفصلاً. أما ذكاء المقدور عليه من الحيوان فهي: التذفيف بقطع جميع الحلقوم والمريء من حيوان فيه حياة مستقرة، بآلة ليست عظماً ولا ظفراً. ويحسن بنا قبل أن نتكلم عن مشروعية الذكاة في الشريعة الإسلامية أن نمهد للحديث بموجز عن تاريخ الذبح وتطوره منذ أقدم عصور التاريخ. أول ما نقل إلينا من تاريخ الذبائح ذبيحة هابيل التي قربها قرباناً إلى الله تعالى: إن صح أن قربانه كان ذبيحة، وقد قص الله تعالى علينا في القرآن الكريم قوله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر﴾ فقيل إن قربان قابيل كان ثمراً من ثمرات الأرض، وقربان هابيل كان ذبيحة من أبکار غنمه. وفي القرآن الكريم أن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فدى ولده بذبح عظيم. وفيما قص الله على رسوله وله من أخبار الأمم الخالية قصة ناقة ثمود. يروي أصحاب السير أنهم حين عقروها تقاسموا لحمها فاتخذوا منه طعاماً وفي التوراة التي يتوارثها المتأخرون من بني إسرائيل أن الله أمر إبراهيم عليه السلام أن يذبح عجلة وعنزاً وكبشاً. وأمر بقرة بني إسرائيل معلوم ثابت بنص الكتاب. وإلى جانب ما ذكرنا من هذه الذبائح التاريخية كانت ثمة تقاليد كثير من الأمم السالفة فيما يقدمونه من قرابين إلى معبوداتهم وأكثرها ذبائح، وما يزال أمرها مشتهراً إلى اليوم بين كثير من الوثنيين في أغفال الأرض ومهما يكن من أمر فقد اهتدى الإنسان بفطرته منذ خلق إلى ضرورة ذبح الحيوان؛ لاتخاذه طعاماً إلا أن طائفاً ألم ببعض الرؤوس في بعض عصور الوثنية فنشأت طائفة من الفلاة تستنكر إزهاق روح الحيوان لاتخاذه طعاماً، وزعموا أن في ذلك لوناً من التعذيب لا يتفق مع سمو الإنسانية. نقل إلينا ذلك كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾. قال صاحب روح المعاني: في الآية رد على المجوس فإنهم حرموا ذبائح الحيوانات وأكلها؛ = ١٩٩ کتاب الذبائح والصيود ٠٠ .. قالوا :..... لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح، خصوصاً إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن = يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم، وزعموا أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور ..... ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بالذبح عن الله تعالى: زعموا أن البهائم لا تتألم، وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون. ولا يخفى أن ذلك مصادم البديهة، ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم. وقال المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقاً، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحقاً بعوض، وهاهنا الله سبحانه وتعالى يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة، وحينئذٍ يخرج الذبح من أن يكون ظلماً ..... قالوا: والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول من أنه يحسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة، كما في القصد، والحجامة لطلب الصحة وكذلك القول في الذبح. وهو مردود؛ لأن الوارد أنها تبعث - على قول - ليقتص للمظلوم منها من الظالم ثم يقال لها: ((كوني ترابا)) وأجاب أهل السنة: بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه. والتحسين والتقبيح العقليان قد طوى بساط البحث فيهما في علم الكلام، وكذا القول بالنور والظلمة . وقال بعض المحققين: لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات، وبه تمت نسخة العالم، لم يقبح عقلاً جعل شيء مما دونه، غذاء له، مأذوناً بذبحه، وإيلامه، إعتناء بمصلحته، حسبما تقتضيه الحكمة، التي لا يلحق إلى سرها طائر الأفكار. وقال الإمام السرخسي: إن بعض العراقيين زعم أن الذبح محظور عقلاً؛ لما فيه من إيلام الحيوان. وهذا باطل؛ فقد كان رسول الله ولو يتناول من اللحم قبل مبعثه، ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين، لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام، فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه، وما كان يفعل ما هو محظور عقلاً، كالظلم، والكذب، والسفه؛ فإنه لا يجوز أن يظن أنه فعل ذلك قط. مما تقدم يعلم أن كلا ممن حظر الذبح أو أحله جعل مناطه العقل أو السمع، ومعلوم أن العقل والشرع. لا يحظران ما يعود على الناس بالنفع، وفي تذكية الحيوان منافع جمة؛ حيث ينتفع بأكل لحوم بعضها، وبجلود البعض الآخر في اللباس، والفراس، والزينة. وهذا غاية إكرام الله تعالى لبني آدم؛ حيث سخر له ما في الأرض جميعاً، لينتفع به في حاجاته الكثيرة، وأباح له ألذ النعم وأجلها. ولو تركت بهيمة الأنعام من غير حل ذبحها، لنتجت وتكاثرت واستنفدت قوت الإنسان فتأكل الحرث والنسل. أما دعوى هؤلاء: إن الذبح إيلام، والإيلام قبيح .... فيحسن بنا أن نبسط فيها ما أجمل قبل فنقول: لسنا ننكر أن في الذبح إيلاما ما، ولكن في كثير مما يصيبنا من حوادث دنيانا آلاما، تثقل أو تخف على حسب ما يلابسها من ظروف الزمان والمكان، فالحرب إيلام، والمرض إيلام، وفي العلاج منه إيلام، وفي وضع الحامل إيلام، ولا تخلو لحظة في حياة الكائن الحي من ألم دفين يستشعره في باطنه، أو ظاهر يصرح لسانه بالشكوى منه والتوجع له. والحكم على الأشياء يختلف بقياسها إلى غيرها، والنظر في مقدماتها ونتائجها، فقد يكون الألم في وقت ما شديداً فإذا قيس إلى غيره كان شيئاً هيناً لا يعبأ به ولا يشتكي منه. = ٢٠٠ كتاب الذبائح والصيود والآن فلننظر أي الألمين أخف أثراً: = ذبح الحيوان بأيسر وسيلة، أو تركه يعبث ويفسد ويزاحم الإنسان - سيد الكون - في قوته ومعاشه وداره؟ وبوجه آخر فأيهما أهون: أن يموت الحيوان ذبيحاً بشفرة ماضية، أو أن يموت الإنسان - سيد الكون - جوعان، مهزولاً، لا طاقة له بالعمل، واحتمال مشقات الحياة؟ ووجه ثالث: ما دام نظام الطبيعة القائمة أنه لا بد من آكل ومأكول، فأيما خير: أن يكون الإنسان آكلاً أو مأكولاً؟ على أننا لو توسعنا في تلك القاعدة التي يزعم بها أولئك: إن في الذبح إيلاماً، وإن الإيلام قبيح .... لو توسعنا في هذه القاعدة، لجاز لقائل من بعد أن يقول: إن النبات كائن حي - وإن لكذلك - وإن في قطعة إيلاما، وإن في أكله إيلاماً، وإن الإيلام قبيح ... وماذا بعد ذلك إلا أن يقال: ما أقبح أن يؤكل النبات وهل توقد النار إلا من الحطب؟ فمن أين لنا النار والحرارة والدفء إن نحن أشفقنا على الغصن اليابس والهشيم الجاف. ويقول أبو العلاء المعري: خفف الوطء فما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد وأبو العلاء حرم اللحم حياته، فمن له وقد أشفق على الحيوان أن يأكله آكل، وعلى تراب الأرض أن يطأه واطىء. من له أن يعلم .... أو من لي بأن أعلم: أين تراب الأجساد من عهد نوح، هل هو إلا ذرات متطايرة في الهواء، أو لبنة من لبنات قائمة في بناءه، أو كومة من سماء في أصل نبات. ألا إن قانون الطبيعة صارم، فما دامت في الدنيا نار ونور فلا بد من حطب يشتعل وندع بعد ذلك كلا لدعواه، فليزعم من يزعم أن الحيوان قد ذبح جزاء على ما قدم من عمل، أو أنه مجزى على هذه التضحية في الآخرة، فسواء كان هذا أو ذاك، وسواء أكان يحس أم لا، فليس يعنينا شيء من ذلك ما دامت هذه شريعة الكون الذي برأه الله تعالى ورتب له نظامه على قدر منه وتدبير حكيم. هذا وقد ثبتت مشروعية التذكية بالكتاب، والسنة، والإجماع والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾. ووجه الدلالة أن حكم ما بعد الاستثناء يخالف ما قبله وقد حرم الله تعالى الميتة وما عطف عليها ثم استثنى من الحرمة المذكى فيكون حلالاً. ومنه قوله تعالى: ﴿أحلم لكم الطيبات﴾ وقد تقدم من معاني التذكية ((التطبيب)) فالمذكى من الطيبات. ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ وأدنى درجات صفة الأمر الإباحة. وقال تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ جعل التحريم مغيا بغاية فاقتضى الإباحة فيما وراء تلك الغاية. ومن السنة ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ بعث بُديل بن ورقاء يصيح في فجاج منى ((ألا إن الذكاة في الحلق واللبة)). ومنها ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه جاء إلى رسول الله ◌ّ﴾ وقال: ((يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلّم فأخبرني ماذا يصلح لي فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلّم فأدركت ذكاته فكل)» إلى =