Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الشفعة
حضر الشفيع - فلا خصومة بينه وبين المشتري؛ لأنه أقرَّ قبل أن يكون خصماً للشفيع،
فصح / إقراره لانعدام التهمة، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة؛ ولو أقر بذلك بعد ما ١٨٣/٣ ب
خاصمه الشَّفيع، لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه متهم في هذا الإقرار؛ لصيرورته خصماً
للشفيع، فلا يقبل في إبطال حقه.
ولو أقام بينة أنه قال قبل الشراء: إنما اشترى لفلان، لم تقبل بينته، لأن هذه البينة لو
صدقت لم تدفع الخصومة عنه؛ لأنه لا يثبت بها إلا الشراء لفلان، وبهذا لا تندفع عنه
الخصومة .
وروي عن محمد: أنها لا تقبل لإِثبات الملك للغائب، وتقبل لدفع الخصومة بينه وبين
الشَّفیع حتى يحضر المقر له.
فصل في بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري
وأما بيان حكم اختلاف الشَّفيع والمشتري: فاختلافهما لا يخلو: إما أن يرجع إلى
الثَّمن، وإما أن يرجع إلى المبيع، وإما أن يرجع إلى صفة المبيع؛ أما الذي يرجع إلى الثمن
فلا يخلو: إما أن يقع الاختلاف في جنس الثَّمن، وإما أن يقع في قدره، وإما [أن](١) يقع في
صفته، وإن وقع في الجنس؛ بأن قال المشتري: اشتريت بمائة دينار، وقال الشفيع: لا بل
بألف درهم - فالقول قول المشتري؛ لأن الشفيع يدّعي عليه التملك بهذا الجنس وهو ينكر،
فكان القول قول المنكر مع يمينه؛ ولأن المشتري أعرف بجنس الثَّمن من الشفيع: لأن الشراء
وجد منه لا من الشفيع، فكان أعرف به من الشفيع، فيرجع في معرفة الجنس إليه (٢).
(١) سقط من ط .
(٢) مذهب الشافعية: إذا اختلف المشتري والشفيع في قدر الثمن أو قيمته، بأن كان عرضاً، وتلف، ولا بينة
لواحد منهما، أو أقاما بينتين وتعارضا، فالقول قول المشتري بيمينه، وإن كان الثمن كثيراً كألف دينار فيما
يساوي ديناراً؛ لأنه المباشر للعقد، فهو أعلم به من غيره، ولأن الأصل عدم ما ادعاه الشفيع، ولأنه مالك
للشقص فلا ينتزع منه إلا بقوله.
وقال الزركشي: وينبغي أن يقيد تصديق المشتري بما إذا لم يكذبه الحس، فلو ادّعى أن الثمن ألف دينار
وهو يساوي دیناراً لم يصدق)).
والمعتمد تصديقه مطلقاً، أخذا مما قالوه، من أنه لا خيار للمشتري في شراء زجاجة بألف درهم وهي
تساوي درهماً؛ لأن الحس لا يكذب ذلك؛ لأن الغبن يقع به .
قال ابن قاسم: ((الوجه أنه لا عدول عن بحث الزركشي؛ إذ قد يستحيل في العادة ما يدّعيه المشتري
كألف دينار فيما يساوي ديناراً، ولا ترد مسألة الزجاجة؛ لأن الغبن فيها إنما أمكن من جهة اشتباهها
بالجوهرة، التي يرغب فيها بمثل ذلك الثمن».
=
بدائع الصنائع ج ٦ - م١١

١٦٢
كتاب الشفعة
٠٠
وهذا المعنى لا يتأتى فيما نحن فيه، والحالة ما ذكر.
=
قال الشبراملسي: ((والفرق له وجه)).
وإنما لم نعتبر قول الشفيع مع كونه غارماً؛ لأن القول قول الغارم في حالة التلف؛ لأنه يغرم ولا يملك
مالاً، وليس كذلك فيما نحن فيه؛ لأنه إنما يبذل العوض ليملك به شقصاً لغيره، فلا يقبل قوله في قدر
ذلك العوض، ولهذا لم يجعلوا القول قول المشتري في الثمن عند الاختلاف مع البائع فيه؛ لأنه ينزع
الملك من البائع.
فإن حلف المشتري على ما ادّعى من الثمن، أخذه الشفيع به إن شاء، وإن نكل ردت اليمين على
الشفيع، فيحلف ويأخذ بما قال. وإنما لم يتحالفا كالمتبايعين عند اختلافهما ولا بينة؛ لأن كل واحد من
المتبايعين مدّع ومدّعى عليه، فتحالفا لاستوائهما، ولا كذلك الشفيع مع المشتري، فإن الشفيع وحده
منفرد بدعوى ملكية الشقص بما ادّعى، فكان القول قول المشتري؛ لانفراده بالإنكار، فلو أقام أحدهما
بينة حكم بها، وهي شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، فلو أقامها المشتري استفاد بها سقوط
اليمين، ولا تقبل شهادة البائع له؛ لأنه شاهد بالزيادة لنفسه، ولو أقامها الشفيع استفاد بها الحكم بقوله،
فإن شهد له البائع بما ادّعى من الثمن ردّت شهادته؛ لأنه متهم في شهادته بنقص الثمن عند الرجوع عليه
بالدرك، مع أنه عاقد في الحالين، فلا تقبل شهادته فيما تولى عقده؛ لأنه فعل نفسه.
فعلى هذا لو أخذه الشفيع بألف عند يمين المشتري، ثم قامت البينة على أن الثمن خمسمائة، رجع
الشفيع على المشتري بخمسمائة، ولا خيار للشفيع؛ لأنه إذا رضي الشقص بألف كان له بخمسمائة
أرضى، ولو أخذه الشفيع بخمسمائة بعد نكول المشتري، ثم قامت البينة على أن الثمن ألف، خيّر الشفيع
بين أخذه بألف أو رده. ولو ادعى المشتري عبداً قيمته ألف، فأخذه الشفيع به، ثم بان أن الثمن ثوب،
فإن كانت قيمته ألفاً لم يتراجعا بشيء؛ لأن المستحق فيه القيمة، وهما فيها سواء، وإن كانت قيمة الثوب
أكثر، لم يرجع المشتري بالزيادة؛ لأنه مقرّ باستيفاء حقّه، وإن كانت قيمة الثوب أقل، رجع الشفيع
بنقصها على المشتري، ولا خيار له.
(حكم اختلاف البائع والمشتري في الثمن)) إذا اختلف البائع والمشتري في الثمن، فقال البائع: ((بعته
بألف)) مثلاً، وقال المشتري: ((اشتريته بخمسمائة، فإنهما يتحالفان؛ لأن كلاً منهما مدّع، ومدعی علیه،
ولأن كلاًّ يرجع إلى شيء بعد الحلف: هذا إلى المبيع، وذاك إلى الثمن، فإذا تحالفا ففي بطلان البيع
بتحالفهما وجهان :
أحدهما: يبطل، فعلى هذا يعود الشقص إلى البائع، ولا شفعة فيه.
والثاني: لا يبطل البيع إلا بالفسخ، فعلى هذا لا يخلو حال الثمن من أحد أمرين:
إمَّا أن يكون معيناً، أو غير معين، فإن كان معيناً كقول البائع: (بعتك الشقص بهذا العبد))، فيقول
المشتري: اشتريته بهذا الثوب، فإذا تحالفا وامتنع المشتري من أخذه بالعبد الذي اذعاه البائع ثمناً، لم
يعرض على الشفيع؛ لأن غير ذلك العبد لا يحصل للبائع من جهة الشفيع، وفسخ الحاكم البيع بينهما،
وأبطل الشفعة فيه.
وإن كان الثمن غير معيَّن كقول البائع: ((بعتك الشقص بألف»، فقال المشتري: ((بل بخمسمائة)) عرض
الشقص على الشفيع والمشتري بالألف، ليأخذاه به أو يردّاه؛ لأنه قد يحل للبائع ما ادّعاه من القدر من
الشفيع أو المشتري، فلذلك عرض عليهما، وإذا كان كذلك فلمشتري والشفيع أربعة أحوال:

١٦٣
كتاب الشفعة
وإن وقع الاختلاف في قدر الثمن؛ بأن قال المشتري: اشتريت بألفين، وقال الشفيع:
بألف - فالقول قول المشتري مع يمينه، وعلى الشفيع البينة أنه اشتراه بألف؛ لأن الشفيع يدعي
التملك على المشتري بهذا القدر من الثمن، والمشتري ينكر - فكان القول قول المنكر.
ولو صدق البائع الشفيع؛ بأن قال: بعت بألف - ينظر في ذلك إن كان البائع ما قبض
الثمن، فالقول قول البائع، والشفيع يأخذ بالألف، سواء كان المبيع في يد البائع أو في يد
المشتري إذا لم يكن نقد الثمن؛ لأن البائع إذا لم يكن قبض الثمن، فالتملك يقع عليه بتمليكه
فيرجع في مقدار ما ملك به إلى قوله؛ ولأن الشراء لو وقع بألف كما قاله البائع، أخذ الشفيع؛
وإن وقع بألفينٍ كما قاله المشتري، كان قول البائع: بعت بألف - حُطّ بعض الثمن عن
المشتري، وحَطّ بعض الثمن يصح، ويظهر في حق الشّفيع على ما مر.
وإن كان البائع قبض الثمن؛ لا يلتفت إلى تصديقه، والقول قول المشتري؛ لأنه إذا
قبض الثمن لم يبق له حق في المبيع أصلاً، وصار أجنبياً، فالتحق تصديقه بالعدم، وقيل: إنه
يراعي التقديم والتأخير في تصديق البائع؛ فإن بدأ بالإقرار بالبيع، بأن قال: بعت الدار بألف
وقبضت الثمن - فالشفيع يأخذها بألف، وإن بدأ بالإقرار بقبض الثمن؛ بأن قال: قبضت الثمن
وهو الألف - لا يلتفت إلى قوله؛ لأنه لما بدأ بالإقرار بالبيع، فقال: بعت بألف، فقد تعلق به
حق الشفعة، فهو بقوله: قبضت الثمن يريد إسقاط حق متعلق بقوله، فلا يصدق؛ وإذا بدأ
بالإقرار بقبض الثمن، فقد صار أجنبياً، فلا يقبل قوله في مقدار الثمن.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما -: أن المبيع إذا كان في يد البائع، فأقر
بقبض الثمن، وزعم أنه ألف - فالقول قوله؛ لأن المبيع إذا كان في يد البائع، فالتملك يقع
عليه، فكان القول قوله في مقدار الثمن.
ولو اختلف البائع مع المشتري والشفيع، والدار في يد البائع أو المشتري، لكنه لم ينقد
الثمن - فالقول في ذلك قول البائع، والبائع مع المشتري يتحالفان ويترادان، والشَّفيع يأخذ
الدار بما قال البائع إن شاء، أما التحالف والتراد فيما بين البائع والمشتري فلقوله - عليه
الأول: أن يرضيا جميعاً به، فيلزم المشتري ألفاً، وللشفيع أن يأخذه منه بألف.
=
الثاني: أن يردّاه، فينفسخ البيع وتبطل الشفعة.
الثالث: أن يرضاه المشتري ويرده الشفيع، فيلزم المشتري الألف، وتبطل شفعة الشفيع.
الرابع: أن يرضى به الشفيع بالألف ويردّه المشتري، فيكون رد المشتري بالملأ؛ لما فيه من إسقاط حق
الشفيع، ويصير البيع لازماً للمشتري؛ ليتوصل به الشفيع إلى حقّه من الشفعة، ويأخذ الشقص فيه
بالألف، فلو ردّه بعيب ردّه على المشتري، ورجع عليه بالثمن؛ لأن عهدته عليه، وللمشتري حينئذٍ أن
يفسخ البيع فيه. ينظر: الشفعة لشيخنا أبو العنين محمد.

١٦٤
كتاب الشفعة
السلام -: ((إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَابِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادًا))(١) وأما أخذ الشفيع بقول البائع إن شاء؛ فلأنه
إذا لم يقبض الثمن، فالتملك يقع عليه، فكان القول في مقدار الثمن في حق الشَّفيع.
قوله: وإن كان البائع قد قبض الثمن فلا يُلتفت إلى قوله؛ لأنه صار أجنبياً على ما بينًا،
١٨٤/٣ أ هذا إذا لم يكن لأحدهما بينة، لا للشفيع ولا للمشتري /؛ فإن قامت لأحدهما بينة، قبلت
بينته؛ وإن أقاما جميعاً البينة، فالبيئة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف:
البينة بينة المشتري.
وجه قوله: أن بينة المشتري تظهر زيادة، فكانت أولى بالقبول؛ كما إذا اختلف البائع
والمشتري في مقدار الثمن، فقال البائع: بعت بألفين، وقال المشتري: بألف، وأقاما جميعاً
البيئة - فالبينةُ بينة البائع لما قلنا، والجامع بينهما من وجهين :
أحدهما: أن الزيادة التي تظهرها إحدى البيِّنتين لا معارض لها، فتقبل في قدر الزيادة؛
لخلولها عن المعارض، ولا يمكن إلا بالقَبُول في الكل، فتقبل في الكل ضرورة.
والثاني: أن البينة المظهرة للزيادة مثبتة، والأخرى نافية، والمثبت يترجح على الثاني،
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - طريقتان: إحداهما ذكرها أبو يوسف لأبي حنيفة ولم يأخذ بها،
والثانية ذكرها محمد وأخذ بها؛ أما الأولى فهي: أن البينة جعلت حجة للمدعي؛ قال النبي
- عليه الصلاة والسلام -: ((البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي))(٢) والمدعي ههنا هو الشفيع؛ لأنه غير مجبور
(١) تقدم تخريجه
(٢) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (٢٥٢/١٠) كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي واليمين على
المدعى عليه - من حديث ابن عباس بلفظ: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم
ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وهو في الصحيحين والسنن الأربعة بلفظ: ((واليمين على
المدعى عليه)).
أخرجه البخاري (٢١٣/٨) كتاب التفسير: باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا
خلاق لهم حديث (٤٥٥٢) ومسلم (١٣٣٦/٣) كتاب الأقضية: باب اليمين على المدعى عليه حديث
(١٧١١/١) وأبو داود (٤٠/٤) كتاب الأقضية: باب في اليمين على المدعى عليه حديث (٣٦١٩)
والترمذي (٦٢٦/٣) كتاب الأحكام: باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه
حديث (١٣٤٢) والنسائي (٢٤٨/٨) كتاب آداب القضاة: باب عظة الحاكم على اليمين، وابن ماجه (٢/
٧٧٨) كتاب الأحكام: باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه حديث (٢٣٢١) والبيهقي (٥٪
٣٣٢) كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٩/٥ - بتحقيقنا) كلهم من
طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلاير: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء
رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه لفظ مسلم.
تنبيه: ذكر هذا الحديث الإمام النووي في ((الأذكار)) (ص - ٤٤٧) بلفظ: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى

١٦٥
كتاب الشفعة
على الخُصُومة في الشفعة؛ بل إذا تركها، ترك، والمشتري مجبور على التملك عليه، بحيث لو
ترك الخصومة لا يترك، فكان المدعي منهما هو الشفيع، فكانت البينة حجته.
وأما الثانية فهي: أن البينة حجة من حجج الشّرع، فيجب العمل بها ما أمكن؛ وههنا
أمكن العمل بالبينتين في حق الشفيع؛ بأن يجعل كأنه وجد (١) عقدان أحدها بألف والآخر
بألفين؛ لأن البيع الثاني لا يوجب انفساخ البيع الأول في حق الشفيع، وإن كان يوجب ذلك
في حق العاقدين، ألا ترى أنه لو باع بألف ثم باع بألفين، ثم حضر الشفيع - كان له أن يأخذ
رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
=
وقال: هو حسن بهذا اللفظ وبعضه في الصحيحين.
قلت: أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (٢٥٢/١٠) كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعمر بن الخطاب وعمران بن حصين وزيد بن ثابت.
حديث عبد الله بن عمرو :
أخرجه الترمذي (٦٢٦/٣) كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي حديث (١٣٤١) من طريق محمد بن
عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌ّ قال في خطبته: البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه.
قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل
حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره. اهـ.
ولكنه توبع تابعه الحجاج بن أرطأة:
أخرجه الدارقطني (٢١٨/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٣) والبيهقي (٢٥٦/١٠) كتاب الدعوى
والبينات: باب المتداعيان يتداعيان شيئاً.
حديث أبي هريرة:
أخرجه الدارقطني (٢١٧/٤ - ٢١٨) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥١) من طريق مسلم بن خالد
الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله وَلّ قال: البينة على من ادعى واليمين على
من أنكر إلا في القسامة ومسلم بن خالد الزنجي ضعيف.
حديث عمر:
أخرجه الدارقطني (٢١٨/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٤) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن
إبراهيم عن شريح عن عمر عن النبي ◌َّ قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
حديث عمران بن حصين :
أخرجه الدارقطني (٢١٩/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٦) عنه قال: أمر رسول الله وَ لل بشاهدين
على المدعي واليمين على المدعى عليه .
حديث زيد بن ثابت :
أخرجه الدارقطني (٢١٩/٤) حديث (٥٧) والبيهقي (٢٥٣/١٠) بلفظ: إذا لم يكن للطالب بينة فعلى
المطلوب اليمين.
(١) في أ: جعل.

١٦٦
كتاب الشفعة
الدار بألف، دلَّ أن البيعين قائمان في حق الشفيع، وأن الفسخ الأول في حقهما، فأمكن تقدير
عقدين، بخلاف ما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن، وأقاما البينة - أن البينة بينة
البائع. أما على الطريق الأول (١): فلأن البائع هناك هو المدّعي، فكانت البينة حجته، ألا ترى
أنه لا يجبر على الخصومة، والمشتري مجبور عليها، وههنا بخلافه على ما بيَّنا.
وأما على الطريق الثاني(٢): فلأن تقدير عقدين هنا(٣) متعذر؛ لأن البيع الثاني يوجب
انفساخ الأول في حق العاقدين، فكان العقد واحداً؛ والترجيح بجانب البائع لانفراد بينته بإظهار
فضل، فكانت أولى بالقبول، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو اشترى داراً بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض، وانتقض البيع فيما بين البائع
والمشتري، أو كان المشتري قبض الدار، ولم يسلم العرض حتى هلك، وانتقض البيع فيما
بينهما، وبقي للشفيع حق الشفعة بقيمة العرض على ما بينًا فيما تقدم، ثم اختلف الشفيع
والبائع في قيمة العَرَض - فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الشفيع يدعى عليه التملُّك بهذا
القدر من الثمن وهو ينكر؛ فإن أقام أحدهما بينة، قبلت بينته؛ وإن أقاما جميعاً البينة، فالقول
قول البائع عند أبي يوسف ومحمد، وهو قول أبي حنيفة على قياس العلة التي ذكرها محمد
لأبي حنيفة - رحمه الله - في تلك المسألة، أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأن بينة البائع انفردت
بإثبات زيادة، وكذلك عند محمد على قياس ما ذكره لأبي حنيفة في تلك المسألة وأخذ به،
لأن تقدير عقدين ههنا غير ممكن؛ لأن العقد وقع على عرض بعينه، وإنما اختلفا في قيمة ما
وقع عليه العقد، فكان العقد واحداً، فلا يمكن العمل بالبينتين، فيعمل بالراجح منهما وهو بينة
البائع؛ لانفرادها بإظهار الفضل، وكذلك عند أبي حنيفة على قياس ما علّل له محمد.
وأما على قياس ما علّل له أبو يوسف؛ فينبغي أن تكون البينة بينة الشَّفيع؛ لأنه هو
المدعي، وهكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله -، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو هدم المشتري بناء الدار حتى سقط عن الشَّفيع قدر قيمته من الثَّمن، ثم اختلفا في
قيمة البناء - فهذا لا يخلو: إما أن اختلفا فى قيمة البناء واتفقا على قيمة الساحة، وإما أن
اختلفا في قيمة البناء والساحة جميعاً؛ فإن اختلفا في قيمة البناء لا غير، فالقول قول المشتري
مع يمينه؛ لأن / الشفيع يدعي على المشتري زيادة في السقوط وهو ينكر؛ وإن اختلفا في قيمة
البناء والساحة جميعاً، فإن الساحة تقوم الساعة، والقول في قيمة البناء قول المشتري.
١٨٤/٣ ب
(١) في ط: الأولى.
(٢) في أ: الثانية .
(٣) في أ: هناك.

١٦٧
كتاب الشفعة
أما تقوم الساحة الساعة؛ فلأنه يمكن معرفة قيمتها للحال فيستدل بالحال على الماضي،
ولا يمكن تحكيم الحال في البناء؛ لأنه تغير عن حاله، والقول قول المشتري لما قلنا؛ فإن
قامت لأحدهما بينة، قبلت بينته، وإن أقاما جميعاً البينة، قال أبو يوسف: البينة بينة الشَّفيع
على قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وقال محمد: البينة بينة المشتري على قياس قول أبي
حنيفة، وقال أبو يوسف من تلقاء نفسه: البينة بينة المشتري؛ لأنها تظهر زيادة، وإنما اختلفا
في القياس على قول أبي حنيفة؛ لاختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما له في تلك المسألة؛
فطريق أبي يوسف: أن الشفيع هو المدعي والبينة حجة المدعي، وهذا موجود ههنا، وطريق
محمد - رحمه الله -: العمل بالبينتين بتقدير عقدين، وهذا التقدير منعدم هنا، فيعمل بإحدى
البينتين وهي بينة المشتري؛ لانفرادها بإظهار زيادة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن اختلفا في صفة الثمن؛ بأن قال المشتري: اشتريت بثمن معجل، وقال الشفيع: لا
بل اشتريته بثمن مؤجّل - فالقول قول المشتري؛ لأن الحلول في الثمن أصل والأجل عارضٍ،
فالمشتري يتمسك بالأصل، فيكون القول قوله؛ ولأن العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره؛ ولأن
الأجل يثبت بالشرط، فالشفيع يدعي عليه شرط التأجيل وهو ينكر، فكان القول قوله.
وأما الذي يرجع إلى المبيع، فهو أن يختلفا فيما وقع عليه البيع؛ أنه وقع عليه بصفقة
واحدة أم بصفقتين؛ نحو ما إذا اشترى داراً، فقال المشتري: اشتريت العرصة على حدة بألف
والبناء بألف، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما جميعاً بألفين والدار لي ببنيانها - فالقول قول
الشفيع؛ لأن إفراد كل واحد منهما بالصفقة حالة الاتصال ليس بمعتاد، بل العادة بيعهما صفقة
واحدة، فكان الظاهر شاهداً للشفيع، فكان القول قوله؛ ولأن سبب وجوب الشفعة في العزصة
يقتضي الوجوب في البناء تبعاً له حالة الاتصال، وشرط الوجوب هو الشراء، وقد أقر المشتري
بالشراء، إلا أنه يدعي زيادة أمر وهو تفريق الصفقة، فلا يصدق إلا بتصديق الشفيع، أو ببينة
ولم توجد؛ وأيهما أقام البينة، قبلت بينته؛ وإن أقاما جميعاً البينة ولم يؤقتا وقتاً، فالبينة بينة
المشتري عند أبي يوسف، وعند محمد: البيئة بينة الشفيع .
وجه قول محمد: أن بينة الشفيع أكثر إثباتاً؛ لأنها تثبت زيادة استحقاق وهو استحقاق
البناء، فكانت أولى بالقبول؛ ولأن العمل بالبينتين ههنا ممكن؛ بأن يجعل كأنه باعهما بصفقتين
ثم باعهما بصفقة واحدة، فكان للشفيع أن يأخذها بأيهما شاء.
وجه قول أبي يوسف: أن بينة المشتري أكثر إثباتاً؛ لأنها تثبت زيادة صفقة، فكانت أولى
بالقبول، فأبو يوسف نظر إلى زيادة الصفقة، ومحمد نظر إلى زيادة الاستحقاق، وقال أبو
يوسف: إذا ادعى المشتري أنه أحدث البناء في الدار، وقال الشفيع: لا بل اشتريته والبناء
فيها - أن القول قول المشتري؛ لأنه لم يوجد من المشتري الإقرار بشراء البناء، والشفيع يدعي

١٦٨
كتاب الشفعة
عليه استحقاق البناء وهو ينكر؛ ولو اشترى دارين ولهما شفيع ملاصق، فقال المشتري:
اشتريت واحدة بعد واحدة وأنا شريكك في الثانية، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما صفقة واحدة
ولي الشفعة فيهما جميعاً - فالقول قول الشفيع؛ لأن سبب الاستحقاق ثابت فيهما جميعاً، وهو
الجوار على سبيل الملاصقة، وقد أقر المشتري بشرط الاستحقاق وهو شراؤهما، إلا أنه
بدعوى تفريق [الصفقة] (١) يدعي البطلان بعد وجود السَّبب وشرطه من حيث الظاهر، فلا
يصدق إلا ببينة، وأيهما أقام بينة قبلت بينته؛ وإن أقاما جميعاً البينة، فهو على الاختلاف الذي
/ ١٨٥ أ ذكرنا بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - /.
ولو قال المشتري: وهب لي هذا البيت مع طريقه من هذه الدار، ثم اشتريت بقيتها،
وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل - فللشفيع الشفعة فيما أقر أنه اشترى، ولا شفعة له فيما
ادعى من الهبة؛ لأنه وجد سبب الاستحقاق وهو الجوار، ووجد شرطه وهو الشراء بإقراره،
فهو بدعوى الهبة يريد(٢) بطلان حق الشفيع فلا يصدق، وللشفيع الشفعة فيما أقر بشرائه، ولا
شفعة له في الموهوب، لأنه لم يوجد من المشتري الإقرار بشرط الاستحقاق على الموهوب،
وأيهما أقام البينة، قبلت بينته؛ وإن أقاما جميعاً البينة، فالبينة بينة المشتري عند أبي يوسف
- رحمه الله -؛ لأنها تثبت زيادة الهبة، وينبغي أن تكون البينة بينة الشفيع عند محمد
- رحمه الله -؛ لأنها تثبت زيادة الاستحقاق.
وروي عن محمد فيمن اشترى داراً وطَلَب الشفيع الشفعة، فقال المشتري: اشتريت
نصفاً ثم نصفاً فلك النّصف الأول، وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل صفقة واحدة ولي
الكل - فالقول قول الشفيع؛ لأن سبب ثبوت الحق في الكل كان موجوداً، وقد أقر بشرط
الثبوت وهو الشراء، ولكنه يدعي أمراً زائداً وهو تفريق الصفقة، فلا يقبل ذلك منه إلا ببينة،
فإن قال المشتري: اشتريت ربعاً ثم ثلاثة أرباع فلك الربع، فقال الشفيع: لا بل اشتريت ثلاثة
أرباع ثم ربعً- فالقول قول الشفيع؛ لأن السبب كان موجوداً، وقد أقر المشتري بشراء ثلاثة
أرباع، إلا أنه يدعي أمراً زائداً وهو سبق الشراء في الرَّبع، فلا يثبت إلا ببينة؛ فإن قال
المشتري: اشتريت صفقة واحدة، وقال الشّفيع: اشتريت نصفاً ثم نصفاً. فأنا آخذ النصف -
فالقول قول المشتري يأخذ الشفيع الكل أو يدع؛ لأن الشفيع يريد تفريق الصفقة وفيه ضرر
الشركة، فلا يقبل قوله إلا ببينة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الذي يرجع إلى صفة البيع، فهو أن يختلفا في البتات(٣) والخيار، أو في الصحة
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: يدعي.
(٣) البتات: القطع. المعجم الوسيط (بتت).

١٦٩
كتاب الشفعة
والفساد؛ بأن اشترى داراً بألف درهم وتقابضا، فأراد الشفيع أخذها بالشفعة، فقال البائع
والمشتري: البيع كان بخيار البائع ولم يمض، فلا شفعة لك، وأنكر الشفيع الخيار - فالقول
قول البائع والمشتري، وعلى الشفيع البينة إن كان البيع باتاً عند أبي حنيفة ومحمد
- رحمهما الله -، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله -، وروي عن أبي يوسف
رواية أخرى: أن القول قول الشَّفيع.
وجه هذه الرواية: أن الظاهر شاهد للشفيع، لأن البتات أصل في البيع، والخيار فيه
عارض، فكان القول قول من يشهد له الأصل ويتمسك به(١).
وجه ظاهر الرواية: أن الشفيع يدعي ثبوت حق الشفعة، وهما ينكران ذلك بقولهما: كان
فيه خيار؛ لأن حق الشفعة لا يجب في بيع فيه خيار، فكان القول قول المنكر؛ ولأن البيع
يقوم بالعاقدين، فكانا أعرف بصفقته من الشفيع، والرجوع في كل باب إِلى من هو أعرف به؛
ولهذا لو تصادقا على أن الثمن كان دنانير، والشفيع يدعي أنه كان دراهم - كان القول قولهما.
كذا هذا.
ولو كان البائع غائباً والدار في يد المشتري، فأراد الشفيع أن يأخذ منه، فقال المشتري:
كان للبائع فيه خيار وكذبه الشفيع - فالقول قول المشتري أيضاً؛ لما ذكرنا من المعنيين.
وإن اختلف العاقدان فيما بينهما، فادعى البائع الخيار، وقال المشتري: لم يكن فيه
خيار - كان القول قول المشتري، ويأخذ الشفيع الدار في الرواية المشهورة. وروي عن أبي
يوسف: أن القول قول البائع.
وجه هذه الرواية: أن البائع بدعوى الخيار منكر للبيع حقيقة؛ لأن البيع بشرط الخيار غير
منعقد في حق الحكم، وخيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه، والمشتري والشفيع يدعيان
الزوال عن ملكه، فكان القول قول البائع؛ كما لو وقع الاختلاف بينهم في أصل العقد.
وجه ظاهر الرواية: أن الخيار لا يثبت إلا باشتراطهما، فالبائع بدعوى الخيار يدعي
الاشتراط على المشتري وهو ينكر، فكان القول قوله؛ كما لو ادعى المشتري الشراء بثمن
مؤجل / ، وادعي البائع التعجيل - فالقول قول البائع، لما أن التأجيل لا يثبت إلا بشرط يوجد ١٨٥/٣ ـ
من البائع وهو منكر للشرط، فكان القول قوله؛ كذا هذا، بخلاف ما لو أنكر البائع البيع
والمشتري يدعيه - أن القول قول البائع؛ لأنه أنكر زوال ملكه ولم يدع على المشتري فعلاً،
فكان القول قوله.
(١) في ط: بالأصل.

١٧٠
كتاب الشفعة
ولو أراد الشَّفيع أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة، فقال البائع والمشتري: كان البيع فاسداً فلا
شفعة لك، وقال الشفيع: كان جائزاً ولي الشفعة - فهو على اختلافهم في شرط الخيار للبائع في
قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: القول قول العاقدين ولا شفعة للشفيع.
وفي رواية عن أبي يوسف: القول قول الشفيع وله الشُّفعة؛ فأبو يوسف يعتبر الاختلاف
بينهم في الصّحة والفساد باختلاف المتعاقدين فيما بينهما؛ ولو اختلفا فيما بينهما في الصِّحة
والفساد، كان القول قول من يدعي الصِّحة؛ كذا هذا، والجامع أن الصّحة أصل في العقد
والفساد عارض، وهما يعتبران اختلافهم في هذا باختلافهم في البتات والخيار للبائع، والجامع
أن الشفيع بدعوى البتات والصحة يدعي عليهما حق التمليك، وهما بدعوى الخيار والفساد
ينكران ذلك، فكان القول قولهما؛ وكذا هما أعرف بصفة العقد الواقع منهما؛ لقيامه بهما،
فكان القول في ذلك قولهما، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل [في حكم الحيلة في الشفعة]
وأما بيان الحيلة في إسقاط الشفعة، فقد ذكروا (١) لإسقاط الشفعة حيلاً بعضها يعم
الشفعاء كلهم وبعضها يخص البعض دون البعض: أما الذي يعم كل الشفعاء فنحو أن يشتري
الدَّار بأكثر من قيمتها؛ بأن كانت قيمتها ألفاً فيشتريها بألفين وينقد من الثمن ألفاً إلا عشرة، ثم
يبيع المشتري من البائع عرضاً قيمته عشرة بألف درهم وعشرة، فتحصل الدار للمشتري بألف
لا يأخذها الشَّفيع إلا بألفين، وهذه الحيلة ليست بمسقطة للشُّفعة شرعاً، لكنها مانعة من الأخذ
بالشفعة عادة، ألا ترى أن للشفيع أن يأخذها بألفين ويلتزم الضَّرر.
وأما الذي يختص بعض الشفعاء دون بعض فأنواع، منها: أن يبيع داراً إلا ذراعاً منها في
طول الحدّ الذي يلي دار الشَّفيع، فالشفيع لا يستحق الشُّفعة، أما في قدر الذّراع؛ فلانعدام
الشرط وهو البيع، وأما فيما وراء(٢) ذلك؛ فلانعدام السبب وهو الجوار.
ومنها: أن يهب البائع الحائط الذي بينه وبين الجار مع أصله للمشتري مقسوماً ويسلمه
إليه، أو يهب له من الأرض قدر ذراع من الجانب الذي يلي دار الشفيع ويسلمه إليه، ثم يبيع
منه البقية بالثمن - فلا شفعة للجار لا في الموهوب ولا في المبيع: أما في الموهوب؛ فلانعدام
شرط وجوب الشفعة وهو البيع، وأما في المبيع؛ فلانعدام سبب الوجوب وهو الجوار.
ومنها: أن يبيع الدار نصفين؛ فبيع الحائط بأصله أَوَّلاً بثمن كثير، ثم يبيع بقية الدار بثمن
قليل - فلا شفعة للشفيع شرعاً فيما وراء الحائط؛ لانعدام السبب وهو الجوار، ولا يأخذ
الحائط عادة لكثرة الثمن.
(١) في أ: ذكرنا.
(٢) في أ: دون.

١٧١
كتاب الشفعة
ومنها: أن يبيع الدار والأرض في صفقتين، فيبيع من الدار بناها ومن الأرض أشجارها
أَوَّلاً بثمن قليلٍ، ثم يبيع الأرض بثمن كثير - فلا شفعة للشفيع في البناء والشجر شرعاً؛
لانفرادهما بالصفقة؛ ولا يأخذ الأرض بذلك الثمن عادة؛ ليضمن تكثير الثمن.
ومنها: أن يبيع الدار نصفين، فيبيع عشراً منها بثمن كثير، ثم يبيع البقية بثمن قليل - فلا
يأخذ الشفيع العشر بثمنه عادة؛ لما فيه من الضرر، ولا شفعة له في تسعة أعشارها شرعاً؛ لأنه
حين اشترى البقية كان شريك البائع بالعشر، والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط،
وهذا النوع من الحيلة لا يضلُح للشريك؛ لأن الشفيع إذا كان شريكاً له أن يأخذ نصف البقعة
بقليل الثمن أيضاً؛ ولو كانت الدار لصغير، فلا تباع بقية الدار بقليل الثمن؛ لأنه لا يجوز؛ إذ
هو بيع مال الصغير بأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس في مثله / عادة، والولي لا يملك ١٨٦/٣ أ
ذلك، فالسبيل فيه أن تباع بقية الدار بثمن مثله.
ومنها ما ذكره الخصاف - رحمه الله -: أن يقر البائع بسهم من الدار للمشتري، ثم يبيع
بقية الدار منه، فلا يستحق الشفيع الشفعة: أما في القدر المقر به؛ فلانعدام شرط الاستحقاق
وهو البيع، وأما فيما وراء ذلك؛ فلأن المشتري صار شريك البائع في ذلك السهم، والشريك
في البقعة مقدَّم على الجار والخليط.
ومن مشايخنا من كان يفتي بوجوب الشُّفعة في هذه الصورة ويخطىء الخصاف؛ لأن
الشركة في السهم المقر به لم تثبته إلا بإقراره، فلا يظهر في حق الشفيع على ما بينا فيما تقدم،
والله عز وجل أعلم(١).
(١) ومذهب الشافعية في الحيلة: أن يظهروا في البيع شيئاً يمنع من الأخذ بالشفعة، ويتواطنون على خلافه في
الباطن، وهي مكروهة؛ لما فيها من إبقاء الضرر. وقيد بعضهم الكراهة بما قبل البيع، أما بعده فحرام، كأن
اشترى بصبرة من الدراهم، ثم أتلف بعضها على الإبهام، حتى لا يتوصل إلى معرفة قدر الثمن، لكن إطلاق
الشيخين الكراهة يقتضي عدم الفرق، والحيلة مثل أن يبيعه بمجهول مشاهد، ويقبضه ويخلطه بغيره بلا وزن
في الموزون، ولا كيل في المكيل، أو ينفعه، أو يضيع منه، ويمكن رفع هذه الحيلة، بأن يطلب الشفيع الأخذ
بقدر يعلم أن الثمن لا يزيد عليه قدراً في المثلى، وقيمة في المتقوم، ويحلف المشتري إن لم يعترف بأنه لا
يزيد على ذلك، فإن نكل حلف واستحق الأخذ به، ولا تندفع الحرمة عن المشتري بما ذكر؛ لاحتمال أن ما
عينه الشفيع وحلف عليه بعد نكول المشتري أزيد مما أخذ به، فيعود الضرر عليه.
أو يبيعه الشقص بأكثر من ثمنه بكثير، ثم يأخذ به عوضاً يساوي ما تراضيا عليه عوضاً عن الثمن، أو يحط
عن المشتري ما يزيد عليه بعد انقضاء الخيار، أو أن يبيع من الشقص جزءاً بقيمة الكل، ثم يهبه الباقي،
أو أن يهب له الشقص بلا ثواب، ثم يهب له الآخر قدر قيمته، ثم إن خشي عدم الوفاء بالهبة وكلاً أمينين
ليقبضاهما منهما معاً، بأن يهبه الشقص ويجعله في يد أمين ليقبضه إياه، ويهبه الآخر قدر قيمته، ويجعله
في يد أمين ليقبضه إياه، ثم يتقابضا في حالة واحدة. ينظر: الشفعة لشيخنا أبو العنين محمد.

١٧٢
كتاب الشفعة
فصل في كراهية الحيلة
وأما الكلام في كراهة الحلية للإسقاط وعدمها: فالحيلة إما إن كانت بعد وجوب
الشفعة، وإما إن كانت قبل الوجوب؛ فإن كانت بعد الوجوب، قيل: إنها مكروهة بلا خلاف؛
وذلك بأن يقول المشتري. للشفيع: صالحتك على كذا كذا درهماً، على أن تسلم لي شفعتك،
فيقبل - فتبطل شفعته ولا يستحق بدل الصلح، أو يقول له: اشتر الدار مني بكذا، فيقول:
اشتريت - فتبطل شفعته ونحو ذلك، وإن كانت قبل الوجوب، فقد اختلف فيه: قال أبو يوسف
- رحمه الله -: لا تكره وقال محمد - رحمه الله -: تكره.
وجه قول محمد: أن شرع الحيلة يؤدي إلى سدّ باب الشفعة، وفيه إبطال هذا الحق
أصلاً ورأساً.
وجه قول أبي يوسف: أن الحيلة قبل الوجوب منع من الوجوب بمباشرة سبب الامتناع
شرعاً؛ وهذا جائز كالشراء والهبة وسائر التمليكات، فإن المشتري يمنع حدوث الملك للبائع
في المبيع بمباشرة سبب الامتناع شرعاً وهو الشراء؛ وكذا الهبة والصدقة وسائر التمليكات.
وقد خرج الجوابُ عن قول محمدٍ (رحمه الله) أن هذا إبطال لحق الشفعة؛ لأن إبطال
الشيء بعد ثبوته ضرر(١). والحق ههنا لم يثبت بعد ذلك، فلا تكون الحيلة إبطالاً له، بل هو
منع من الثبوت بمباشرة سبب الامتناع شرعاً وأنه جائزٌ، فما ذكره أبو يوسف (رحمه الله) هو
الحكم المروي(٢)، وما ذكره محمد (رحمه الله) احتياطاً، والأصل في شرع الحيلة قوله:
(سبحانه وتعالى) في قصة سيدنا أيوب (عليه الصلاة والسلام) ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثَاً فَاضْرِبْ بِهِ
وَلاَ تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
(١) في أ: يكون.
(٢) في ط: والحكم المر، ولعل الصواب ما أثبتناه.

كِتَابُ الذَّبَائِحَ والصُّيُودِ(١)
نحتاج في هذا الكتاب إلى بيان المأكول وغير المأكول من الحيوانات، وإِلى بيان المكروه
منها، وإلى بيان شرائط حل الأكل في المأكول، وإلى بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول.
أما الأول: فالحيوان في الأصل نوعان: نوعٌ يعيش في البحر، ونوع يعيش في البر؛ أما
الذي يعيش في البحر فجميعُ ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إِلاَّ السمك خاصَّةً، فإِنه
يحل أكله إِلَّ ما طفا منه، وهذا قولُ أصحابنا (رضي الله تعالى عنهم).
وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى (رحمهم الله) أنه يحل أكلُ ما سوى السمك من
الضفدع(٢).
(١) صاد الرجل الطَّيْر وغيره يصيده صَيْداً، والرجل صَائِدٌ وصَيَّاد، وسمي ما يصاد صيداً، وإما فعل بمعنى
مفعول، وإما تسمية بالمصدر، واصطاده مثل صاده.
الصَّيْدُ في اصْطِلاَحِ الفُقَهَاءِ:
أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وَخْش، أو طير، أو حيوان بر أو بحر بقصد.
وقد ثبت جواز الصيد، وحل ما صيد بالكتاب والسُّنة، والإجماع فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ
مَاذَا أُحِلَّ لَهم قل أُحل لكم الطَّاتِ وَمَا عِلمتم منِ الجَوَارِحِ مُكَلِبِين تُعَلِّمُونهن مما عَلَّمَكُمُ اللَّه فَكُلُوا مما
أَمْسَكنَ عليكم واذْكُرُوا اللهَ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] وقوله تعالى: ﴿وإذا
حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
والأمر في الآية يَدُلُّ على إباحة الصيد.
وأما السُّنة: فكثيرة منها ما رَوَاهُ البخاري ومسلم أن أبا ثعلبة الخشني قال: أتيت النبي ◌َّ، فقلت:
يا رسول الله: إنا بأرض قَوْم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقَوْسِي، وبكَلْبِي
المعلّم، وبكلبي الذي ليس بَمُعَلَّم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال ◌َّر: أما ما ذكرت أنكم بأرض
قَوْم من أهل الكتاب تأكلون في آنيتَهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كُلُوا
فيها، وأما الذي ذكرت أنك بأرض صَيْدٍ، فما أصبت بِقَوْسِكَ، فاذكر اسم الله ثم كل، وما أصبت بكَلْبِكَ
المُعَلَّم، فاذكر اسم الله وكل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمُعَلَّم: فأدركت دَكَاتَهُ فكل)).
وأما الإجماع: فقد أجمع المُسْلِمُون على حل أكل الصيد.
(٢) بكسر الضاد وسكون الفاء والعين المهملة بينهما دال مهملة مثال الخنصر واحد الضفادع والأنثى ضفدعة وناس
يقولون ضفدع بفتح الدال. قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم وهجرع وهو الطويل
وهبلع وهو الأكول وبلعم وهو اسم وقال ابن الصلاح الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال وفتحها أشهر في =
١٧٣

١٧٤
كتاب الذبائح والصيود
السنة العامة وأشباه العامة من الخاصة وقد أنكره بعد أئمة اللغة وقال البطليوسي في شرح أدب الكاتب وحكى
=
أيضاً ضفدع بضم الضاد وفتح الدال وهو نادر وحكاه المطرزيّ أيضاً قال في الكفاية وذكر الضفادع يقال له
العلجوم بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو آخره ميم ويقال للضفدع أبو المسيح وأبو هبيرة وأبو معبد وأم
هبيرة والضفادع أنواع كثيرة وتكون من سفاد وغير سفاد وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري ومن العفونات
وعقب الأمطار الغزيرة حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة عقب المطر والربح
وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة من طباع تلك التربة وهي من الحيوانات التي
لا عظام لها ومنها ما ينق وما لا ينق والذي ينق منها يخرج صوته من قرب اذنه وتوصف بحدّة السمع إذا تركت
النقيق وكانت خارج الماء وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء ومتى دخل الماء في فيها لا تنق.
الصحيح عند الشافعية حل جميع ميتات البحر إلا الضفدع. وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر
وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم. وبه قال أحمد بن حنبل.
وقال الإمام مالك: يحل الجميع، سواد الضفدع وغيره.
وقال الإمام أبو حنيفة: لا يحل غير السمك، وهو وجه عند الشافعية، وعند الشافعية وجه ثالث. وهو:
ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر: ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، وهو قول الليث، إلا في كلب
الماء فإنه يرى: إباحة كلب البر والبحر.
استدل الشافعية ومن وافقهم بالكتاب والسنة والآثار.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ والصيد يقع على السمك وغيره مما في البحر
من حيوان، فيقتضي أن يكون الكل حلالاً .
أما السنة: فمنها ما روي عن النبي ◌َّلتر أنه قال: حين سئل عن البحر («هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) فلم
يفصل بين السمك وغيره.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) الحديث.
والصحيح أن اسم السمك يقع على جميع ما في البحر.
وروي عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: في كل ما في البحر ((قد ذكاه الله لكم)).
وعن أبي شريح قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم)) رواه الدارقطني، وذكره
البخاري عن أبي شريح موقوفاً.
أما الضفدع فإن النبي ◌َّ ر قد صح عنه («أنه نهى عن قتله)) فيدل ذلك على تحريمه.
أما الإمام مالك فقد استدل بعموم الآية السابقة. ولعله لم يصح عنده حديث النهي عن قتل الضفدع.
واستدل الحنفية بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فلم يفصل بين حيوان
بري أو بحري في حرمة ميتته. وقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾.
والضفدع والسرطان وكلب الماء وخنزيره من الخبائث. أما السنة فقد روي عن النبي ◌َّر أنه قال: ((كل
ذي ناب من السباع حرام)).
وهو خبر مشهور، وهو بعمومه يشمل كل ذي ناب من سباع البر والبحر.
ولا يخفى أن هذا استدلال بالعمومات من الكتاب والسنة قد ورد في الكتاب والسنة ما يخصصهما بغير
حيوانات البحر إلا ما ورد النهي عن شيء فيه بخصوصه. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة،
وينظر حياة الحيوان (٢/ ١٠٢).
=

١٧٥
کتاب الذبائح والصيود
والسرطان(١)، وحية الماء(٢)، وكلبه، وخنزير، ونحو ذلك، لكن بالذكاة، وهو قولُ الليث بن
سعد (رحمه الله) إلا في إِنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل.
(١) (السرطان) بفتح السين والراء المهملتين وبالنون في آخره حيوان معروف ويسمى عقرب الماء وكنيته أبو
بحر وهو من خلق الماء ويعيش في البرّ أيضاً وهو جيد المشي سريع العدو ذو فكين ومخاليب وأظفار
حداد كثير الأسنان صلب الظهر من رآه رأى حيواناً بلا رأس ولا ذنب عيناه في كتفيه وفمه في صدره
وفكاه مشقوقان من الجانبين وله ثماني أرجل وهو يمشي على جانب واحد ويستنشق الماء والهواء معاً
ويسلخ جلده في السنة ست مرّات ويتخذ لحجره بابين أحدهما شارع في الماء والآخر إلى اليبس فإذا
سلخ جلده سدّ عليه ما يلي الماء خوفاً على نفسه من سباع السمك وترك ما يلي اليبس مفتوحاً ليصل إليه
الريح فتجف رطوبته ويشتد فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب معاشه وقال ارسطاطاليس في النعوت
وزعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقياً على ظهره في قرية أو أرض تأمن تلك البقعة من
الآفات السماوية وإذا علق على الأشجار يكثر ثمرها وفي وصفه قال الشاعر:
في سرطان البحر أعجوبة
ظاهرة للخلق لا تخفى
ابطش من جاراته كفا
مستضعف المشية لكنه
متى مشى قدّرها نصفا
يسفر للناظر عن جملة
ويقال ان ببحر الصين سرطانات متى خرجت إلى البرّ استحجرت والأطباء يتخذون منها كحلاً يجلو
البياض والسرطان لا يتخلق بتوالد ولا نتاج إنما يتخلق في الصدف ثم يخرج منه ويتولد وفي الحلية عن
أبي الخير الديلميّ أنه قال: كنت عند خير النساج فجاءته امرأة وطلبت أن ينسج لها منديلاً وقالت له: كم
الأجرة فقال لها: درهمان فقالت: ما معي الساعة شيء وغداً آتيك بهما إن شاء الله تعالى فقال لها: إذا
أتيتني ولم تريني فارمي بهما في الدجلة فإني إذا رجعت أخذتهما منها إن شاء الله تعالى فقالت: حباً
وكرامة قال أبو الخير فجاءت المرأة من الغد وخير غائب فقعدت ساعة تنتظره ثم قامت وألقت خرقة في
الدجلة فيها الدرهمان فإذا سرطان قد تعلق بالخرقة وغاص في الماء ثم جاء خير بعد ساعة ففتح باب
حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان خرج من الماء يسعى نحوه والخرقة على ظهره فلما قرب
من الشيخ أخذها وذهب السرطان إلى حال سبيله فقلت له: رأيت كذا وكذا فقال: احبّ أن لا تبوح بهذا
في حياتي فأجبته إلى ذلك (الحكم) يحرم أكله لاستخبائه كالصدف قال الرافعيّ ولما فيه من الضرر وفي
قول أنه يحل أكله وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى عليه. (الخواص) أكل السرطان ينفع وجع الظهر
ويصلبه قال في النعوت من علق عليه رأس سرطان لم ينم إذا كان القمر محترقاً فإن كان غير محترق نام
وإن أحرق السرطان وحشي به البواسير كيف كانت أبرأها وإن علقت رجله على شجرة مثمرة سط ثمرها
من غير علة ولحمه نافع للمسلولين جدّاً وإذا وضع السرطان على الجراحات اخرج النصل وينفع من لسع
الحيات والعقاب. ينظر: حياة الحيوان (٤٣/٢، ٤٤).
(٢) (الحية) اسم يطلق على الذكر والأنثى فإن أردت التمييز قلت هذا حية ذكر وهذه حية أنثى قاله المبرد في
الكامل وإنما دخلته الهاء لأنه واحد من جنس كبطة ودجاجة على أنه قد روي عن بعض العرب رأيت حياً
على حية أي ذكراً على أنثى وفلان حية ذكر والنسبة إلى الحية حيوي والحيوت ذكر الحيات أنشد
الأصمعي :
ويأكل الحية والحيوتا ويخنق العجوز أو تموتا
وذكر ابن خالويه لها مائتي اسم. ينظر حياة الحيوان ٢٤٩/١.

١٧٦
كتاب الذبائح والصيود
وقال الشافعي (رحمه الله): يحل جميع ذلك من غير ذكاةٍ، وأخذه ذكاته، ويحل أكل
السمك الطافي(١).
(١) اتفق الفقهاء على حل أكل ميتة السمك، إن مات بسبب أكان صاده إنسان، أو نبذه بحر، أو جزر عنه،
وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت.
واختلفوا بعد ذلك فيما يموت في الماء منه حتف أنفه، ويسمى: الطافي.
فذهب السادة الشافعية إلى القول بحل أكله. وبه قال ((مالك))، و(«أحمد»، و«أبو داود)»
وحكاه ((الخطابي)) عن ((أبي بكر الصديق))، و((أبي أيوب الأنصاري)) و((عطاء بن أبي رباح))، و((مكحول))،
و ((النخعي))، و((أبي ثور)) رضي الله عنهم.
وقال ((أبو حنيفة)) رحمه الله: لا يؤكل. وبه قال ((ابن عياض))، و((جابر بن عبد الله))، و((جابر بن زيد))
و ((طاوس)).
واستدل السادة الحنفية: بما روي عن ((جابر بن عبد الله)) رضي الله عنهما، أن النبي وَالرُّ قال: «مَا أَلْقَاهُ
الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ)) رواه أبو داود.
واستدلوا أيضاً: بما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: ((لا تبيعوا في أسواقنا الطافي)).
واحتج الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَخْرِ وَطَعَامُهُ﴾
قال ابن عباس طعامه: ما مات فيه.
أما السنة، فمنها قوله وَّر في صفة البحر: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
وأولى ما يتناوله اسم الميتة: هو الطافي؛ لأنه الميت حقيقة ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: ((أُحِلَّثْ لَنَا
مَيْتَتَانِ وَدّمَانٍ)) الحديث.
ووجه الاستدلال أن الرسول صلوات الله عليه: فسر الميتة، بالسمك، بلا فرق بين الطافي وغيره.
ومنها حديث ((جابر)) رضي الله عنه: في الحوت الذي يقال له: ((العنبر)) وهو من أثبت الأحاديث، وقد
اخرجه الصحيحان وفيه: «فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِيْنَةَ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ، فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ
أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ مِنْهُ: فَأَكَلَّهُ)) لفظ ((مسلم)).
ووجه الاستدلال: أن النبي ◌َّلر: أكل منه، ولم يسأل: أكان طافياً أم لا، وهو بالمدينة.
ورويت آثار عن الصحابة كثيرة في حل أکله:
منها: ما روي عن ابن عباس قال: ((أشهد على أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: السمكة الطافية فيه حلال
لمن أراد، أكلها)) رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: أنهما قالا: الجراد
والسنون ذكيُّ كله)). وعن ابن عباس قال: ((لا بأس بالسّمك الطافي)). وغير هذا كثير.
أما الجواب عن حديث جابر فهو: أنه حديث ضعيف، باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به، لو لم
يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه، من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله
عنهم المنتشرة؟!
وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ليس هو بمحفوظ. قال: ويروى عن ((جابر))
خلافه .
وقال البيهقي: ((وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر)) على أنه إن صح حديث ((جابر))، =

١٧٧
كتاب الذبائح والصيود
أما الكلام في المسألة الأولى فهم احتجوا بظاهر قوله (تبارك وتعالى): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون
الكل حلالاً، وبقول النبي (عليه الصلاة والسلام) حين سُئل عن البحر فقال: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاوهُ
وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) وصف ميتة البحر بالحل من غير فصل بين السمك وغيره.
ولنا قولُه (تبارك وتعالى) ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] من غير
فصل بين البري والبحري، وقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث.
وروي عن رسول الله ◌َّ سُئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء، فنهى (عليه الصلاة
والسلام) عن قتل الضفادع(١)؛ وذلك نهى عن أكله، وروي أنه لما سئل عنه فقال (عليه الصلاة
والسلام): ((خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبَائِثِ)) ولا حجة لهم في الآية؛ لأَنَّ المرادَ من الصيد المذكور هو فعل
الصيد وهو الاصطياد؛ لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد؛ لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق اسم
الفعل [على المفعول](٢) يكون مجازاً، ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل، ولأن
الصيد اسم لما يتوحش ويمتنع ولا يمكن أخذه إلا بحيلة، إما لطيرانه أو لِعَذْوِهِ، وهذا إنما
يكون حالة الاصطياد لا بعد الأخذ؛ لأنه صار لحماً بعده، ولم يبق صيداً حقيقة؛ لانعدام معنى
الصيد وهو التوحش والامتناع.
والدليلُ عليه أنه عطف عليه قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً﴾
[المائدة: ٩٦] والمراد منه الاصطياد من / المحرم لا أكل الصيد، لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم ٢٧٦/١ أ
يصطده بنفسه ولا غيره بأمره، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل
بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم، والمراد من قول النبيِّ (عليه الصلاة
نحمله على الكراهة؛ لأنه إذا مات رسب في أسفله، فإذا أَنْتَنَ طَفَا، فكرهه لنتنه، لا لتحريمه.
=
أما ما روي عن علي رضي الله عنه في كراهة الطافي فقد صح عنه أنه أكله، وهو أصح. ذكره
((عبد الرزاق)) عن الثوري عن ((جعفر بن محمد)) عن ((علي)) أنه قال: الجراد والحيتان: ذكيّ كله. أما
المعقول: فلأنه حيوان لو مات في البر أبيح، فإذا مات في البحر أبيح أيضاً.
إلى هنا يظهر رجحان قول الجمهور، وإباحة السمك مطلقاً. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله
حمزة .
(١) أخرجه أحمد (٤٥٣/٣) وأبو داود (٣٦٨/٤) كتاب الأدب: باب في قتل الضفدع حديث (٥٢٦٩)
والنسائي (٢١٠/٧) كتاب الصيد والذبائح باب الضفدع حديث (٣٢٥٥) والحاكم (٤١٠/٤ - ٤١١)
والبيهقي (٢٥٨/٩) من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: ذكر طبيب عند رسول الله والقر دواء
وذكر الضفدع يجعل فيه فنهى عن قتل الضفدع.
(٢) سقط من ط .
بدائع الصنائع ج٦ - م١٢

١٧٨
كتاب الذبائح والصيود
والسلام: ((وَالحِلُّ مَيْتَتُهُ) السمك خاصَّةً، بدليل قوله وََّ: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ المَيْتَتَانِ:
السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، والدَّمَانِ: ((الكَبِدُ والطِّحَالُ)) فسر (عليه الصلاة والسلام) [الميتة] (١) بالسمك
والجراد؛ فدل أن المراد منها السمك، ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من
الآية، وروينا من الخبر.
وأما المسألة الثانية وهي مسألة [السمك](٢) الطافي، فالشافعي (رحمه الله) احتج بقوله
تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] معطوفاً على قوله: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَخْرِ﴾
[المائدة: ٩٦] أي: أحل لكم [صيد البحر وأحل لكم](٣) طعامه، وهذا يتناول ما صيد منه وما لم
يصد، والطافي لم يصد، فيتناوله بقوله (عليه الصلاة والسلام) في صفة البحر: ((هُوَ الطَّهُورُ
مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ))، وأحق ما يتناوله اسم الميتة - الطافي؛ لأنه الميت حقيقة؛ وبقوله (عليه
الصلاة والسلام): ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانٍ؛ المَيْتَتَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ [والدمان الكبد
والطحال](٤)) فسر النبيُّ (عليه الصلاة والسلام) الميتة بالسمك من غير فصلٍ بين الطافي
وغيره.
ولنا ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) عن رسول الله وَّر أنه نهى
عن أكلِ الطافي(٥).
وعن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه قال: ((لاَ تَبِيعُوا فِي أسواقنا الطافي)).
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: «ما دسره البحرُ فَكُلُهُ، وما وجدته يطفو على
الماء، فلا تأكله(٦).
وأما الآية فلا حجة له فيها؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] ما قذفه
البحر إلى الشط فمات؛ كذا قال أهلُ التأويل، وذلك حلال عندنا؛ لأنه ليس بطاف؛ إِنما
الطافي اسم لما مات في الماء من غير آفة وسبب حادث، وهذا مات بسبب حادث وهو قذف
البحر، فلا يكون طافياً.
والمراد من الحديثين غير الطافي لما ذكرنا، ثم السمك الطافي الذي لا يحل أكله عندنا
هو الذي يموت في الماء حَتْفَ أَنْفِهِ؛ بغيرِ سببٍ حادث منه، سواء علا على وجه الماء أو لم
يَعْلُ بعد أن مات في الماء حَتْفَ أنفه من غير سببٍ حادث.
(١) سقط من ط .
(٣) سقط من ط .
(٢) سقط من ط.
(٤) سقط من ط.
(٥) تقدم تخريجه في كتاب الطهارة وورد موقوفاً عن جابر عند ابن أبي شيبة (٢٤٨/٤) كتاب الصيد: باب في
الطافي بلفظ: ما مات فيه وطفا فلا تأكل.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٨/٤) كتاب الصيد: باب في الطافي حديث (١٩٧٤٩).

١٧٩
کتاب الذبائح والصيود
وقال بعضُ مشايخنا: هو الذي يموت في الماء بسبب حادث ويعلو على وجه الماء، فإن
لم يعلو يحل، والصحيحُ هو الحد الأول، وتسميته طافياً لعلوِّه على وجه الماء عادةً.
وروى هشام عن محمد (رحمهما الله) في السمك إذا كان بعضها في الماء وبعضها على
الأرض إِن كان رأسها على الأرض أكلت، وَإِن كان رأسها أو أكثره في الماء لم تؤكل؛ لأن
رأسها موضع نفسها، فإذا كان خارجاً من الماء؛ فالظاهر أنه مات بسبب حادث، وَإِذا كان في
الماء أو أكثره فالظاهرُ أنه مات في الماء بغير سبب، وقالوا في سمكة ابتلعت سمكة أخرى أنها
تؤكل؛ لأنها ماتت بسبب حادث، ولو مات من الحر والبرد وكدر الماء ففيه روايتان:
في رواية: لا يؤكل؛ لأن الحر والبرد وكدر الماء ليس من أسباب الموت ظاهراً، فلم
يوجد الموت بسبب حادثٍ يُوجِبُ الموت ظاهراً، وغالباً فلا يؤكل.
وفي رواية: يُؤُكَلُ؛ لأَن هذه أسباب الموت في الجملة، فقد وجد الموت بسبب حادث
فلم يكن طافياً فيؤكل، ويستوي في حلِّ الأكل جميع أنواع السمك من الجريث، والمارماهي؛
وغيرهما؛ لأن ما ذكرنا من الدلائل في إِباحة السمك لا يفصل بين سمك وسمك إِلاَّ ما خص
بدلیل.
وقد روي عن سيدنا علي وابن عباس (رضي الله عنهما) إِباحة الجريث(١) والسمك
الذكر، ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك، فيكون إِجماعاً.
وأما الذي يعيش في البر فأنواعٌ ثلاثة: ما ليس له دم أصلاً، وما ليس له دم سائلٌ، وما
له دم سائل [فما لا دم له](٢) مثل: الجراد(٣)،
(١) (الجريث) بكسر الجيم وبالراء المهملة والثاء المثلثة وهو هذا السمك الذي يشبه الثعبان وجمعه جرائي
ويقال له أيضاً الجري بالكسر والتشديد وهو نوع من السمك يشبه الحية ويسمى بالفارسية مارماهي وقد
تقدم في باب الهمزة أنه الانكليس قال الجاحظ انه يأكل الجرذان وهو حية الماء (وحكمه) الحل قال
البغوي عند قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ انّ الجريث حلال بالاتفاق وهو قول أبي بكر
وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم وبه قال شريح والحسن وعطاء وهو
مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي والمراد هذه الثعابين التي لا تعيش إلا في الماء وأما الحيات التي
تعيش في البر والبحر فتلك من ذوات السموم وأكلها حرام وسئل ابن عباس عن الجري فقال هو شيء
حرمته اليهود ونحن لا نحرمه. (الخواص) مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه ولحمه يجوّد
الصوت وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصاد المهملة في لفظ الصيد ما ذكره البخاري في صحيحه في
الجري. ينظر: حياة الحيوان (١/ ١٧٧).
(٢) سقط من ط .
(٣) (الجراد) معروف الواحدة جرادة الذكر والأنثى فيه سواء يقال هذا جرادة ذكر وهذه جرادة أنثى كنملة
وحمامة قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجرد قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جداً يقال ثوب =

١٨٠
كتاب الذبائح والصيود
والزنبور(١)، والذباب، والعنبكوت، والغطاءة(٢) والخنفساء(٣)،
جرد أي أملس وثوب جرد إذا ذهب زيبره وهو بري وبحري والكلام الآن في البري قال الله تعالى:
=
﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ أي في كل مكان وقيل وجه التشبيه أنهم حيارى فزعون لا
يهتدون ولا جهة لأحد منهم يقصدها والجراد لا جهة له فيكون أبداً بعضه على بعض وقد شبههم في آية
أخرى بالفراش المبثوث وفيهم من كل هذا شبه وقيل إنهم أوّلا كالفراش حين يموج بعضهم في بعض ثم
كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي والجرادة تكنى بأم عوف قال أبو عطاء السندي:
وما صفراء تكنى أم عوف كأن رجيلتيها منجلان
والجراد أصناف مختلفة فبعضه كبير الجثة وبعضه صغيرها وبعضه أحمر وبعضه أصفر وبعضه أبيض.
ينظر: حياة الحيوان (١/ ١٧٠).
(١) الدبر وهي تؤنث والزنابير لغة فيها وربما سميت النحلة زنبوراً والجمع الزنابير قال ابن خالويه في كتاب
ليس أحد سمعته يذكر كنية الزنبور إلا أبا عمر والزاهد فإنه قال: كنيته أبو عليّ وهو صنفان جبلي وسهلي
فالجبليّ يأوي الجبال ويعشش في الشجر ولونه إلى السواد وبدء خلقه دود ثم يصير كذلك ويتخذ بيوتاً من
تراب كبيوت النحل ويجعل لبيته أربعة أبواب لمهاب الرياح الأربع وله حمة يلسع بها وغذاؤه من الثمار
والأزهار ويتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة والسهليّ لونه أحمر ويتخذ عشه تحت الأرض ويخرج منه
التراب كما يفعل النمل ويختفي في الشتاء لأنه متى ظهر فيه هلك فهو ينام من البرد طول الشتاء كالميتة
ولا يدخر القوت للشتاء بخلاف النمل فإذا جاء الربيع وقد صارت الزنابير من البرد وعدم القوت كالخشب
اليابس نفخ الله تعالى في تلك الجثث الحياة فتعيش مثل العام الأول وذلك دأبها ومن هذا النوع صنف
مختلف اللون مستطيل الجسد في طبعه الحرص والشره يطلب المطابخ ويأكل ما فيها من اللحوم ويطير
منفرداً ويسكن بطن الأرض والجدران. ينظر: حياة الحيوان (١٠/٢، ١١).
(٢) بالظاء المعجمة المفتوحة والمدّ دويبة أكبر من الوزغة ويقال في الواحدة عظاية أيضاً والجمع عظاء
وعظايا. وقال الأزهري هي دويبة ملساء تعدو وتتردّد كثيراً تشبه سام ابرص إلا أنها أحسن منه ولا تؤذي
وتسمى شحمة الأرض وشحمة الرمل وهي أنواع كثيرة منها الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر وكلها
منقطة بالسواد وهذه الألوان بحسب مساكنها فإن منها ما يسكن الرمال ومنها ما يسكن قريباً من الماء
والعشب ومنها ما يألف الناس وتبقى في حجرها أربعة أشهر لا تطعم شيئاً ومن طبعها محبة الشمس
لتصاب فيها. ينظر: حياة الحيوان (١٤٦/٢).
(٣). قال ابن سيده الخنفساء دويبة سوداء أصغر من الجعل منتنة الريح والأنثى خنفسة وخنفساء، وضم الفاء في
كل ذلك لغة والخنفس اسم للكثير من الخنافس وقال الأصعمي لا يقال خنفساء بالهاء وكنيتها أم الفسو
وأم الأسود وأم مخرج وأم الدجاج وأم النتن تتولد من عفونة الأرض وهي طويلة الظمء وبينها وبين
العقرب صداقة ولهذا يسميها أهل المدينة الشريفة جارية العقرب وهي أنواع منها الجعل وحمار قبان
وبنات وردان والحنطب وهو ذكر الخنافس والخنفساء مخصوصة بكثرة الفسو كالظربان ولذلك تقول
العرب في أمثالها إذا تحركت الخنفساء فست قال حنين بن إسحاق: طريق طرد الخنافس أن يطرح في
أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان ويحرم أكلها لاستخبائها وقال الأصحاب ما لا يظهر فيه ضر
ولا نفع كالخنافس والدود والجعلان والسرطان والبغاث والرخمة والعظاءة والسلحفاة والذباب وأشباهها
يكره قتلها للمحرم وغيره هكذا قطع به الجمهور وحكى إمام الحرمين وجهاً شاذاً أنه لا يحرم قتل الطيور =