Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الشفعة الإسقاط، والإسقاط تصرف في نفس الحق، فيستدعي ثبوت الحق لا غير؛ كالطلاق والعتاق والإِبراء عن الديون، والسقوط ههنا بطريق الدلالة، وهي دلالة الرضا لا بالتصرف في محل الحق بل في محل آخر، والتصرف في محل آخر لا يصلُح دليل الرّضا إلا بعد العلم بالبيع؛ إذ الرضا بالشيء بدون العلم به محال، والله عز وجل أعلم. ولو سلم الشفعة في النصف بطلت [شفعته](١) في الكل؛ لأنه لما سلم في النصف بطل حقه في النصف المسلم فيه بصريح الإسقاط، وبطل حقه في النصف الباقي؛ لأنه لا يملك تفريق الصفقة على المشتري، فبطلت شفعته في الكلّ؛ ولو طلب نصف الدار بالشفعة هل يكون ذلك تسليماً منه للشفعة في الكل؟ اختلف فيه أبو يوسف ومحمد؛ قال أبو يوسف: لا يكون تسليماً، وقال محمد: يكون تسليماً في الكل إِلا أن يكون سبق منه طلب الكلّ بالشفعة، فلم يسلم له المشتري، فقال له حينئذٍ: أعطني نصفها على أن أسلم لك النّصف الباقي - فإن هذا لا يكون تسليماً. وجه قول محمد: أنه لما طلب النصف بالشّفعة؛ فقد أبطل حقه في النصف الآخر؛ لأنه ترك الطلب فيه مع القُدرة عليه، وذا دليل الرضا فبطل حقه فيه، فيبطل حقه في النصف المطلوب ضرورة تعذّر تفريق الصفقة على المشتري، بخلاف ما إذا كان سبق منه الطلب في الكلَّ، لأنه لما طلب في الكل فقد تقرر حقه في الكل، ولم يكن قوله بعد ذلك: أعطني النصف على أن أسلم لك النصف الباقي - تسليماً، بخلاف ما إذا قال ابتداء؛ لأن الحق لم يتقرر بعد . وجه قول أبي يوسف: أن الحق ثبت له في كل الدّار، والحق إِذا ثبت لا يسقط إِلا بالإِسقاط ولم يوجد، فبقي كما كان إِن شاء أخذ الكل بالشّفعة وإن شاء ترك، وجواب محمد - رحمه الله - عن هذا: أنه وجد منه الإسقاط في النّصف الذي لم يطلبه من طريق الدلالة على ما بيّنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الضروري، فنحو أن يموت الشفيع بعد الطلبين قبل الأخذ بالشفعة، فتبطل شفعته وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا تبطل ولوارثه حق الأخذ ولقب المسألة: أن خيار الشفعة هل يورث؟ عندنا: لا يورث، وعنده: يورث، والكلام فيه من الجانبين على نحو الكلام في خيار الشَّرطِ، وسيأتي ذكره في كتاب البيوع، ولا يبطل بموت المشتري، وللشفيع أن يأخذ من وارثه؛ لأن الشفعة حق على المشتري؛ ألا ترى أنه مجبور عليه في التملّك، فلا يسقط بموته كحق الرد بالعيب، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) سقط من ط. ١٤٢ كتاب الشفعة فصل في بيان ما يملك به المشفوع وأما بيان ما يملك به المشفوع فيه فنقول وبالله التوفيق: المشفوع فيه يملك بالتملك، وهو تفسير الأخذ بالشفعة، فلا ملك للشفيع قبل الأخذ، بل له حق الأخذ والتملك قبل الأخذ للمشتري؛ لوجود سبب الملك فيه وهو الشراء، فله أن يبني ويغرس ويهدم ويقلع ويؤاجر ويطيب له الأجر ويأكل من ثمار الكرم ونحو ذلك؛ وكذا له أن يبيع ويهب ويوصي، وإذا فعل ينفذ، إلا أن للشفيع أن ينقض ذلك بالأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق على تصرف المشتري فيمتنع اللزوم؛ ولو جعل المشتري الدار مسجداً أو مقبرة، فللشفيع أن يأخذها بالشفعة وينقض ما صنع المشتري؛ كذا ذكر في الأصل، وقال الحسن بن زياد: بطلت شفعته. وجه قوله: أن المشتري تصرّف في ملك نفسه فينفذ كما لو باع، إلا أن البيع ونحوه مما يحتمل النقض بعد وجُوده، فنفذ ولم يلزم، وهذه التصرفات مما لا يحتمل الانتقاض كالإِعتاق فکان نفاذها لزومها . ولنا: أن تعلق حق الشفيع بالمبيع يمنع من صيرورته مسجداً؛ لأن المسجد ما يكون خالصاً لله تعالى، وتعلق حق العبد به يمنع خلوصه لله عز وجل، فيمنع صيرورته مسجداً، وله ١٧٨/٢ ب أن / يأخذ الدار المشتراة بالشفعة لوجود السب؛ وهو جوار الملك أو الشركة في ملك المبيع. وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى داراً ولها شفيع، فبيعت دار إلى جنب هذه الدار، فطالب المشتري بالشفعة وقضى له بها، ثم حضر الشفيع - يقضي له بالدار التي بجواره، ويمضي القضاء في الثانية للمشتري، أما للشفيع فظاهر، وأما للمشتري؛ فلأن الجوار كان ثابتاً له وقت البيع والقضاء بالشفعة، إلا أنه بطل بعد ذلك بأخذ الشفيع للدار بالشّفعة، وهذا لا يوجب بطلان القضاء [بالشفعة له](١) لأنه تبين أن جوار الملك لم يكن ثابتاً؛ كمن اشترى داراً ولها شفيع، فقضى له بالشفعة ثم باع داره التي بها يشفع - أنه لا يبطل القضاء بالشفعة؛ لما قلنا كذا هذا . ولو كان الشفيع جاراً للدارين والمسألة بحالها - فيقضي له بكل الدار الأولى وبالنصف من الثانية؛ لأنه جار خاص للدار الأولى، فيختص بشفعتها، وهو مع المشتري جاران للدار الثانية فيشتركان في شفعتها، وشراء المشتري لا يبطل حقه في الشفعة؛ ولأنه لا ينافيه بل يقرره، على ما بينًا فيما تقدم. (١) سقط من ط. ١٤٣ كتاب الشفعة وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - فيمن اشترى نصف دار، ثم اشترى رجل آخر نصفها الآخر، فخاصمه المشتري الأول، فيقضي له بالشفعة بالشركة، ثم خاصمه الجار في الشفعتين جميعاً - أن الجار أحق بشفعة النّصف الأول، ولا حق له في النصف الثاني، لأنه جار للنصف الأول، فيأخذه بالجوار، والمشتري شريك عند بيع النصف الثاني؛ لثبوت الملك في النصف الأول بسبب الشراء، وثبوت الحق للشفيع في النصف الأول لا يمنع ثبوت الملك للمشتري فيه، فكان شريكاً عند بيع النصف الثاني، والشريك مقدم على الجار. وكذلك لو اشترى نصفها، ثم اشترى نصفها الآخر رجل آخر فلم يخاصمه فيه، حتى أخذ الجار النصف الأول - فالجار أحق بالنصف الثاني؛ لأن الملك وإن ثبت للمشتري الأول في النصف الأول، لكنه قد بطل بأخذ الجار بالشفعة، فبطل حقه في الشفعة. ولو ورث رجل داراً فبيعت دار بجنبها فأخذها بالشفعة، ثم بيعت دار إلى جنب الثانية فأخذها بالشَّفعة، ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة - فإن المستحق يأخذ الدار الثانية والوارث أحق بالثالثة؛ لأن بالاستحقاق تبين أن الدار التي يشفع بها الوارث كانت ملك المستحق، فتبين أنه أخذ الثانية بغير حق؛ إذ تبين أنه لم يكن جاراً فكانت الشفعة في الثانية للمستحق، والوارث يكون أحق بالثالثة؛ لأن الملك كان ثابتاً للوارث عند بيع الثالثة، فكان السبب وهو جوار الملك ثابتاً له عنده، ثم بطل الاستحقاق، وبطلان الملك لا يوجب بطلان الشفعة، وليس للشفيع أن ينقض قسمة المشتري، حتى لو اشترى نصف دار من رجل مشاعاً، وقاسم المشتري البائع ثم حضر الشفيع - فالقسمة ماضية ليس للشفيع أن ينقضها ليأخذ نصفها مشاعاً، سواء كانت قسمته بقضاء أو بغير قضاء، لأن القسمة من تمام القبض؛ ولهذا لم تصح هبة المشاع فيما يحتمل القسمة؛ لأن القبض شرط صحة الهبة، والقبض على التمام لا يتحقق مع الشياع . وإذا كانت القسمة من تمام القبض، فالشفيع لا يملك نقض القبض، بأن اشترى داراً وقبضها، ثم حضر الشفيع وأراد أن ينقض قبضه ليأخذها من البائع - لم يملك ذلك، وإذا لم يملك نقض القبض لا يملك نقض ما به تمام القبض، وهو القسمة، بخلاف ما إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه من رجلٍ، فقاسم المشتري الشريك الذي لم يبع، ثم حضر الشفيع - له أن ينقض القسمة؛ لأن القسمة هناك ليست من جملة القبض؛ لأنها من حكم البيع الأول، إذ البيع الأول كما أوجب الملك أوجب القسمة في المشاع، والبيع الأول لم يقع مع هذا المشتري الذي قاسم، فلم تكن هذه القسمة بحكم العقد، بل بحكم الملك، والتصرف بحكم الملك يملك الشَّفيع نقضه؛ كالبيع / والهبة. وللشفيع أن يأخذ النّصف الذي أصاب المشتري بالشُّفعة، سواء وقع نصيب المشتري من ١٧٩/٣ ١ ١٤٤ كتاب الشفعة جانب الشفيع أو من جانب آخر؛ لأن الشفعة وجبت له في النصف المشتري، والنصف الذي أصاب المشتري هو المشتري؛ لأن القسمة إفراز. ولو وقع نصيب البائع من جانب الشفيع، فباعه بعد القسمة قبل طلب الشفيع الشفعة الأولى، ثم طلب الشفيع؛ فإِن قضى القاضي بالشفعة الأخيرة، جعل نصف البائع بين الشّفيع وبين المشتري، وقضى بالشفعة الأولى وهي نصف المشتري للشفيع؛ لأن الشفيع مع المشتري جاران لنصف البائع، والشفيع جار خاص لنصف المشتري. ولو بدأ فقضى للشَّفيع بالشفعة الأولى - قضى له بالأخيرة أيضاً؛ لأَنّه لما قضى له بالشفعة الأولى، بطل حق جوار المشتري، فلم يبق له حق الأخذ بالشفعة، وللشفيع أن يرد المشفوع فيه بخيار الرؤية والعيب، وللمشتري حق الحبس لاستيفاء الثمن؛ لأن الملك فيه لما كان يثبت بالتملّك ببدل، كان الأخذ بالشفعة شراء، فيراعى فيه أحكام البيع والشراء، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل [في طريق التملك بالشفعة] وأما بيان طريق التملُّك بالشفعة، وبيان كيفيته: فالتملُّك بالشُّفعة يكون بأحد طريقين: إِما بتسليم المشتري، وإما بقضاء القاضي؛ أما التملك بالتسليم بالبيع فظاهر، لأن الأخذ بتسليم المشتري برضاه ببدل يبذله الشفيع وهو الثمن يفسر الشراء، والشراء تملّك. وأما بقضاء القاضي، فالكلام فيه في ثلاثة مواضع: في بيان كيفية التملُّك بالقضاء بالشفعة، وفي بيان شرط جواز القضاء بالشفعة، وفي بيان وقت القضاء بالشُّفعة. أما الأول: فالمبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع، وإما أن يكون في يد المشتري؛ فإِن كان في يد البائع؛ ذكر الكرخي - رحمه الله -: أن القاضي إذا قضى بالشفعة، ينتقض البيع الذي كان بين البائع وبين المشتري في المشهور من قولهم، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه لا ينقض. واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: البيع لا ينتقض، بل تتحول الصفقة إلى الشفيع. وقال بعضهم: ينتقض البيع الذي جرى بين البائع والمشتري، وينعقد للشفيع بيع آخر؛ كأنه كان من البائع إيجابان أحدهما مع المشتري والآخر مع الشفيع؛ فإذا قضى القاضي بالشُّفعة، فقد قبل الشفيع الإِيجاب الذي أضيف إليه، وانتقض ما أضيف إلى المشتري، سواء قبل المشتري الإيجاب المضاف إليه أو لم يقبل. وجه قول من قال بالتحول لا بالانتقاض: أن البيع لو انتقض لتعذر الأَخذ بالشفعة؛ لأنه من شرائط وجوب الشفعة، فإذا انتقض لم يجب، فتعذَّر الأَخذ. ١٤٥ كتاب الشفعة وجه قول من قال أنه ينتقض: نص محمد، والمعقول، والأحكام؛ أما الأول: فقد ذكر محمد - رحمه الله - وقال: انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري، وهذا نص في الباب. وأما المعقول فمن وجهين : أحدهما أن القاضي إذا قضى بالشُّفعة قبل القبض، فقد عجز المشتري عن قبض المبيع، والعجز عن قبض المبيع يوجب بطلان البيع؛ لخلوه عن الفائدة؛ كما إذا هلك المبيع قبل القبض. والثاني: أن الملك قبل الأخذ بالشفعة للمشتري؛ لوجود آثار الملك في حقه على ما بينا فيما تقدَّم؛ ولو [تحول الملك](١) إلى الشفيع، لم يثبت الملك للمشتري. وأما الأحكام: فإِن للشفيع أن يرد الدَّار على من أخذها منه بخيار الرؤية، وإِذا رد عليه لا يعود شراء المشتري؛ ولو تحولت الصفقة إلى الشفيع، لعاد شراء المشتري، لأن التحول كان لضرورة مراعاة حق الشَّفيع، ولما رد فقد زالت الضرورة، فينبغي أن يعود الشراء؛ ولأنها لو تحولت إليه لصار المشتري وكيلاً للشفيع؛ لأن عقده يقع له؛ ولو كان كذلك، لما ثبت للشفيع خيار الرؤية إِذا كان المشتري رآها قبل ذلك ورضي بها؛ لأن خيار الرؤية يبطل برؤية الوکِیل ورضاه . وكذلك لو كان الشراء بثمن مؤجل، فأراد الشفيع أن يأخذها للحال ـ يأخذ بثمن حال؛ ولو / تحولت الصفقة إليه، لأخذها بثمن مؤجل؛ وكذا لو اشتراها على [أن](٢) البائع بريء ١٧٩/٣ ب من كل عيب بها عند البيع، ثم أخذها الشفيع فوجد بها عيباً - فله أن يردها على من أخذها منه . ولو تحولت تلك الصفقة إلى الشفيع، لما ثبت له حق الرد؛ كما لم يثبت للمشتري، فدلت هذه المسائل على أن شراء المشتري ينتقض، ويأخذها الشفيع بشراء مبتدأ بعد إيجاب مبتدأ مضاف إليه، وقد خرج الجواب عن قولهم أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ بالشفعة؛ لأنه لا يأخذ [بذلك العقد](٣) لانتقاضه، بل بعقد مبتدأ مقرَّر بين البائع وبين الشفيع، على ما بينا [وسبق](٤) تقريره، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: تحولت تلك الصفقة. (٢) سقط من ط . (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: بتلك الصفقة. (٤) سقط من ط . بدائع الصنائع ج٦ - م١٠ ١٤٦ كتاب الشفعة وإن كان المبيع في يد المشتري، أخذه منه ودفع الثمن إلى المشتري، والبيع الأول صحيح؛ لأن التملك وقع على المشتري، فيجعل كأنه اشترى منه؛ ثم إِذا أخذ الدار من يد البائع، يدفع الثمن إِلى البائع، وكانت العهدة عليه، ويسترد المشتري الثمن من البائع إِن كان قد نقد؛ وإِن أخذها من يد المشتري، دفع الثمن إلى المشتري، وكانت العهدة عليه؛ لأن العهدة هي حق الرجوع بالثَّمن عند الاستحقاق، فيكون على من قبض الثمن. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أن المشتري إِذا كان نقد الثمن ولم يقبض الدار، حتى قضى للشَّفيع بمحضر منهما - أن الشفيع يأخذ الدار من البائع وينقد الثمن للمشْتَري، والعهدة على المشتري؛ وإن كان لم ينقد، دفع الشفيع الثمن إِلى البائع، والعهدة على البائع؛ لأنه إذا كان نقد الثمن للبائع، فالملك لا يقع على البائع أصلاً؛ لأنه لا ملك له، ولا بد أيضاً لبطلان حق الحبس بنقد الثّمن، بل يقع على المشتري، فيكون الثمن له والعهدة عليه؛ وإِذا كان لم ينقد، فللبائع حق الحبس، فلا يتمكن الشَّفيع من قبض الدار إِلا بدفع الثمن إِلى البائع، فكانت العهدة على البائع والله أعلم. وأما شرط جواز القضاء بالشفعة فحضره المقضي عليه؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوزُ. وجملة الكلام فيه: أن المبيع إما أن يكون في يد البائع، وإما أن يكون في يد المشتري؛ فإن كان في يد البائع، فلا بد من حضرة البائع والمشتري جميعاً؛ لأن كل واحد منهما خَصْم، أما البائع فباليد، وأما المشتري فبالملك، فكان كل واحد منهما مقضيًّا عليه، فيشترط حضرتهما؛ لئلا يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر. وأما إن كان في يد المشتري فحضرة البائع ليست بشَرْط، ويكتفي بحضرة المشتري؛ لأن البائع خرج من أن يكون خصماً؛ لزوال ملكه ويده عن المبيع فصار كالأجنبي؛ وكذا حضرة الشفيع أو وكيله شرط جواز القضاء له بالشفعة؛ لأن القضاء على الغائب كما لا يجوز فالقضاء للغائب لا يجوز أيضاً، ثم القاضي إِذا قضى بالشُّفعة يثبت الملك للشفيع، ولا يقف ثبوت الملك له على التسليم؛ لأن الملك للشفيع يثبت بمنزلة الشراء(١)، والشراء الصَّحيح يوجب الملك بنفسه . وأما وقت القضاء بالشّفعة فوقته وقت المنازعة [في الشفعة](٢) والمطالبة بها؛ فإِذا طالبه بها الشفيع، يقضي القاضي له بالشُّفعة، سواء حضر الثمن أو لا في ظاهر الرواية، وللمشتري أن يحبس الدَّار حتى يستوفي الثمن من الشَّفيع، وكذا الورثة لأن التملك بالشُّفعة بمنزلة الشِّراء (١) في أ: البيع . (٢) سقط من ط . ١٤٧ كتاب الشفعة من المشتري، وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن؛ فإن أبى أن ينقد حبسه القاضي؛ لأنه ظهر ظلمه بالامتناع من إِيفاء حق واجب عليه، فيحبسه ولا ينقض الشفعة؛ كالمشتري إذا امتنع من إِيفاء الثمن - أنه يحبس ولا ينقض البيع؛ وإِن طلب أجلاً لنقد الثمن، أجله يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام؛ لأنه لا يمكنه النقد للحال، فيحتاج إلى مدة يتمكن فيها من النقد فيهمله ولا يحبسه؛ لأن الحبس جزاء الظلم بالمطل(١) ولم يظهر مطله، فإِن مضى الأجل ولم ينفذ حبسه. وقال محمد- رحمه الله -: ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشُّفعة حتى يحضر الشَّفيع المال؛ فإِن طلب أجلاً، أجّله يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام ولم يقض له بالشفعة؛ فإِن قضى بالشفعة ثم أبى الشفيع أن ينفذ حبسه، وهذا عندي ليس باختلاف على الحقيقة، وللقاضي أن يقضي بالشفعة قبل إِحضار الثمن بلا خلاف؛ لأن لفظ محمد - رحمه الله -: ليس ينبغي للقاضي أن / يقضي بالشفعة، حتى يحضر الشفيع المال - لا يدل على أنه ليس له أن يقضي، بل هو إِشارة إلى نوع احتياط، واختيار الأولى(٢) لا تستعمل لفظة لا ينبغي إلا في مثله؛ ولهذا لو قضى، جاز ونفذ قضاؤه، نص عليه محمد، وليس ذلك لكونه محل الاجتهاد؛ ولأن القضاء بمذهب المخالف في المجتهدات إنما ينفذ بشريطة اعتقاد إصابته فيه، وإفضاء اجتهاده إليه، وقد أطلق القضية في النفاذ من غير هذا الشَّرط؛ فدل أنه لا خلاف في المسألة على التحقيق، ثم إن ثبت الخلاف. ١٨٠/٣ ١ فوجه قول محمد: أن حق الشفعة إِنما يثبت لدفع ضرر الدَّخيل عن الشفيع، والقضاء قبل إِحضار الثمن يتضمن الضَّرر بالمشتري؛ لاحتمال إِفلاس الشفيع، ودفع الضرر عن الإِنسان بإِضرار غيره متناقض، فلا يقضي قبل الإِحضار، ولكن يؤجله يومين أو ثلاثة إِن طلب التأجيل؛ تمكيناً له من نقد الثمن. وجه ظاهر الرواية: أن الشَّفيع يصير متملكاً المشفوع فيه بمقتضى القضاء بالشُّفعة كأنه(٣) اشتراه منه، والتملك بالشراء لا يقف على إحضار الثمن كما في الشراء المبتدأ . وقال محمد - رحمه الله -: لو ضرب له القاضي أجلاً؛ فقال له: إِن لم يأت بالثمن إِلى وقت كذا، فلا شفعة لك فلم يأت به - بطلت شفعته. وكذا إِذا قال الشفيع: إِن لم أعطك الثمن إلى وقت كذا - فأنا بريء من الشفعة، لأن هذا تعليق إسقاط حق الشفعة بالشرط، والإسقاطات مما يحتمل التعليق بالشرط؛ كالطلاق والعتاق ونحو ذلك. (١) المطل: تأجيل موعد الوفاء بالحق مرة بعد الأخرى. المعجم الوسيط (مطل). (٢) في ط: الأول. (٣) في ط: كان. ١٤٨ كتاب الشفعة فصل [في بيان شرط التملك] وأما بيان شرط التملك فالتملك بالشفعة له شرطان: أحدهما: رضا المشتري أو قضاء القاضي؛ لأَن تملك مال الغير مما لا سبيل إِليه في الشرع إِلا بالتراضي أو بقضاء القاضي، فلا يثبت التملك بدونهما. والثاني: أَلاَّ يتضمن التملك تفريق الصّفقة على المشتري؛ فإن تضمن ليس له أن يتملك؛ لأن في التفريق ضرراً بالمشتري وهو ضرر الشركة، ودفع الضرر بالضرر متناقض. وعلى هذا يخرج ما إذا أراد الشفيع أن يأخذ بعض المشتري بالشُّفعة دون بعض - أنه هل يملك ذلك؟ فجمل الكلام فيه: أن المشتري لا يخلو إما أن يكون بعضه ممتازاً عن البعض، وإِما أَلاَّ يكون، فإِن لم يكن بأن اشترى داراً واحدة، فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها بالشفعة دون البعض، أو يأخذ الجانب الذي يلي الدار دون الباقي - ليس له ذلك بلا خلاف بين أصحابنا، ولكن يأخذ الكل أو يدع؛ لأنه لو أخذ البعض دون البعض، لتفرقت الصفقة على المشتري؛ لأن الملك له في كل الدار ثبت بقول واحدٍ، فكان أخذ البعض تفريقاً فلا يملكه الشفيع، وسواء اشترى واحد من واحد أو واحد من اثنين أو أكثر، حتى لو أراد الشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين(١) - ليس له لما قلنا، سواء كان المشتري قبض أو لم يقبض في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروي عنهم: أن للشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين قبل القبض، وليس له أن يأخذ من المشتري نصيب أحدهما بعض القَبْض. وجه هذه الرواية: أن التملك قبل القبض لا يتضَّمن معنى التفريق؛ لأن التملك يقع على البائع، وقد خرج نصيبه عن ملكه، فلا يلزمه ضرر التفريق وهو ضرر الشركة، بخلاف ما بعد القبض، لأن التملّك بعد القبض يقع على المشتري، ألا ترى أن العهدة عليه وفيه تفريق ملكه، والصَّحيح جواب الرواية؛ لأن الملك قبل القبض للمشتري بصفقة واحدة؛ فبملك نصيب أحد البائعين تفريق ملكه، فيلزمه ضَرَر الشركة. ولو اشترى رجلان من رجل داراً، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين في قولهم جميعاً؛ لأَن الأَخذ هنا لا يتضمن التفريق؛ لأن الصفقة حصلت متفرقة وقت وجودها؛ إِذ الملك في نصيب كل واحد منهما ثبت بقوله، فلم تتَّحد الصفقة، فلا يقع الأخذ تفريقاً؛ لحصول التفريق قبله، وسواء كان بعد القَبْض أو قبله في ظاهر الرواية . (١) في أ: الباقيين. ١٤٩ كتاب الشفعة وروي: أنه ليس للشفيع أن يأخذ قبل / القبض إلا الكل، وبعد القبض له أن يأخذ ١٨٠/٣ ب نصيب أحد المشْتَريين. وجه هذه الرواية: أن أخذ البعض قبل القبض يتضمَّن تفريق اليد على البائع، والتملُّك قبل القبض لا يتضمن التفريق؛ لأن التملُّك يقع على البائع وأنه لا يجوز، ألا ترى أن أحد المشتریین لو أراد أن يقبض حصَّته دون صاحبه - ليس له ذلك. وجه ظاهر الرواية: ما ذكرنا أن الصَّفقة حصلت متفرقة من الابتداء، فلا يكون أخذ البعض تفريقاً لحصول التفريق قبل الأخذ، وقوله: فيه تفريق اليد وهو القبض ممنوع؛ فالشفيع يتملك نصيب أحد المشتريين بالشُّفعة، ولكنه لا يفرق اليد، حتى لو نقد الثمن ليس له أن يقبض أحد النّصفين ما لم ينقد الآخر كيلا يتفرَّق القبض، وسواء سمى لكل نصف ثمناً على حدة، أو سمى للجملة(١) ثمناً واحداً - فالعبرة لاتحاد الصفقة وتعددها، لا لاتحاد الثمن وتعدده؛ لأن المانع من التفريق هو الضرر، والضرر ينشأ عن اتحاد الصفقة لا عن اتحاد الثمن، وسواء كان المشتري عاقداً لنفسه أو لغيره في الفَصْلين جميعاً؛ حتى لو وكل رجلان جميعاً رجلاً واحداً بالشراء، فاشترى الوكيل من رجلين، فجاء الشفيع - ليس له أن يأخذ نصيب أحد البائعين بالشفعة، ولو وكل رجل واحد رجلين، فاشتريا من واحدة - فالشفيع أن يأخذ ما اشتراه أحد الوكيلين؛ وكذا لو كان الوكلاء عشرة اشتروا لرجل واحد، فللشفيع أن يأخذ من واحد أو من اثنين أو من ثلاثة. قال محمد - رحمه الله -: وإنما انظر في هذا إلى المشتري، ولا أنظر إلى المشترى له، وهو نظر صحيح؛ لأن الأَخذ بالشّفْعَةِ من حُقُوقِ البيع، وأنها راجعة إلى الوكيل، فكانت العبرة لاتحاد الوكيل وتعدده دون الموكلّ، والله سبحانه وتعالى أعلم. وإن كان المشتري بعضه ممتازاً عن البعض؛ بأن اشترى دارين صفقة واحدة، فأراد الشفيع أن يأخذ إحداهما دون الأخرى؛ فإن كان شفيعاً لهما جميعاً، فليس له ذلك، ولكن يأخذهما جميعاً أو يدعهما، وهذا قول أصحابنا الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم - وقال زفر - رحمه الله -: له أن يأخذ إحداهما بحصتها من الثمن. وجه قوله: أن المانع من أخذ البعض دون البَغْض هو لزوم ضرر الشّركة، ولم يوجد ههنا؛ لانفصال كل واحدة من الدَّارين عن الأخرى. ولنا: أن الصفقة وقعت مجتمعة؛ لأن المشتري ملك الدارين بقبول واحد، فلا يملك (١) في أ: للكل. ١٥٠ كتاب الشفعة الشفيع تفريقها كما في الدّار الواحدة، وقوله: ليس فيه ضرر الشركة مسلم (١)، لكن فيه ضرر آخر؛ وهو أن الجمع بين الجيد والرديء في الصفقة معتاد فيما بين الناس، فلو ثبت له حق أخذ أحدهما [لاختار وأخذ] (٢) الجيد، فيتضرر المشتري؛ لأن الرديء لا يشترى وحده بمثل ما يشترى مع الجيد فيتضرّر به، وسواء كانت الدَّاران متلاصقتين أو متفرقتين في مصر واحد أو مصرين - فهو على الاختلاف لما ذكرنا من المعنى في الجانبين؛ فإن كان الشفيع شفيعاً لإحداهما دون الأخرى، ووقع البيع صفقة واحدة - فهل له أن يأخذ الكل بالشفعة، روي عن أبي حنيفة: أنه ليس له أن يأخذ إلا التي تجاوره بالحصة. وكذا روي عن محمد في الدَّارين المتلاصقين، إذا كان الشفيع جاراً لإِحداهما: أنه ليس له الشفعة إلا فيما يليه؛ وكذا قال محمد في الأقرحة(٣) المتلاصقة وواحد منها يلي أرض إِنسان، وليس بين الأقرحة طريق ولا نهر، إِنما هي منَساة(٤)؛ أنه لا شفعة له إلا في القراح الذي يليه خاصّة. وكذلك في القرية إذا بيعت بدورها وأراضيها؛ أن لكل شفيع أن يأخذ القراح الذي يليه خاصة، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن للشفيع أن يأخذ الكل في ذلك كله بالشُّفعة . قال الكرخي: رواية الحسن تدلُّ على أن قول أبي حنيفة كان مثل قول محمد - رحمه الله -، ثم رجع عن ذلك فجعله كالدَّار الواحدة. وجه الرواية الأولى: أن سبب ثبوت الحق وهو الجوار، وجد في أحدهما وهو ما يليه، ١٨١/٣ أ فلا يملك إلا أخذ / أحدهما، والصفقة وإن وقعت مجتمعة ولكنها أضيفت إلى شيئين؛ أحدهما ثبت فيه حق الشفعة والآخر لم يثبت فيه حق الشفعة - فله أن يأخذ ما ثبت فيه الحق؛ كما إذا اشترى عقاراً أو منقولاً صفقة واحدة؛ أنه يأخذ العقار خاصَّة كذا هذا. وجه الرواية الأخرى: أن سبب الوجوب وإن وجد فيما يليه دون البَاقِي، لكن لا سبيل إلى أخذه خاصة بدون الباقي، لما فيه من تفريق الصفقة، فيأخذ ما يليه قضية للسبب، ويأخذ الباقي ضرورة التحرُّز عن تفريق الصفقة. (١) في أ: له. (٢) بدل ما بين المعكوفين في ط: لأخذ. (٣) الأقرحة: جمع القراح؛ وهي الأرض المخلأَّة للزرع، وليس عليها بناء. المعجم الوسيط (قرح). (٤) المنساة: المتروكة . ١٥١ كتاب الشفعة فصل [في بيان ما يتملك به] وأما بيان ما يتملك به فنقول وبالله التوفيق: ثمن المشترى لا يخلو: إما أن يكون مما له مثل؛ كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة؛ وإما أن يكون ممَّا لا مثل له؛ كالمزروعات والمعدودات المتفاوتة كالثوب والعبد ونحو ذلك؛ فإن كان مما له مثل، فالشفيع يأخذ بمثله؛ لأن فیه تحقیق معنی الأخذ بالشفعة؛ إذ هو تمليك بمثل ما تملك به المشتري، وإن کان مما لا مثل له، يأخذ بقيمته عند عامة العلماء، وقال أهل المدينة: يأخذ بقيمة المشترى. وجه قولهم: أن المصير إلى قيمة المبيع عند تعذُّر إيجاب المسمى من الثمن - هو الأصل في الشّريعة كما في البيع الفاسد، وههنا تعذر الأخذ بالمسمى، فصار إِلى قيمة الدار والعقار. ولنا: أن الأخذ بالشُّفعة يملك بمثل ما تملّك به المشتري؛ فإن كان الثمن الذي تملك به المشْتَري من ذوات الأمثال - كان الأخذ به تملكاً بالمثل صورة ومعنى؛ وإن لم يكن من ذوات الأمثال، كان الأخذ بقيمته تملكاً بالمثل معنى؛ لأن قيمته مقدار ماليته بتقويم المقومين، لهذا سميت قيمته لقيامه مقامه، فكان مثله معنى، وأما قيمة الدار فلا تكُون مثل العبد والثّوب لا صورة ولا معنى، فالتملُّك بها لا يكون تملكاً بالمثل، فلا يتحقق معنى الأخذ بالشُّفعة؛ ولو تبايعا داراً بدار، فلشفيع كل واحد من الدارين أن يأخذها بقيمتها؛ لأن الدار ليست من ذوات الأمثال، فلا يمكن الأخذ بمثلها، فيأخذ بقيمتها كالعبد والثوب. وعلى هذا يخرج ما لو اشترى داراً بعرض، ولم يتقابضا. حتى هلك العرض - بطل البيع فيما بين البائع والمشتري، وللشَّفيع الشفعة؛ وكذلك لو كان المشتري قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك. أما بطلان البيع فيما بين البائع والمشتري؛ فلأن العرض مبيع، إذ المبيع في الأصل ما يتعين بالتَّعين في البيع، والعرض يتعين بالتعيين في البيع، فكان مبيعاً، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان البيع؛ لتعذر التسليم بعد الهلاك، فلم يكن في إبقاء العقد فائدة، فيبطل. وإما بقاء الشفعة للشفيع؛ فلأن الواجب عليه قيمة العرض لا عينه، والقيمة مقدور التسليم في حقه، فكان بقاء العرض في حق الشفيع وهلاكه بمنزلة واحدة، ثم الشفيع إنما يأخذ بما وجب بالعقد لا بما أعطي بدلاً من الواجب؛ لما ذكرنا أن الأخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشتري، والمشتري تملك المبيع بالمسمى وهو الواجب بالعقد، فيأخذه الشفيع به، حتى لو اشترى الدار بالدراهم والدنانير، ثم دفع مكانها عرضاً - فالشفيع يأخذ بالدراهم والدنانير لا بالعرض؛ لأن الدراهم والدنانير هي الواجبة بالعقد. ١٥٢ كتاب الشفعة وأما العرض فإِنما أخذه البائع بعقد آخر. وهو الاستبدال، فلم يكن واجباً بالعقد، فصار كأن البائع اشترى بالثمن عرضاً ابتداء، ثم حضر الشفيع؛ ولو كان كذلك، لكان يأخذ بالثمن لا بالعرض؛ كذا هذا والله عز وجل أعلم. ولو زاد المشتري البائع في الثمن، فالزيادة لا تلزم الشّفيع، لأن الشفيع إنما يأخذ بما وَجَب بالعقد، والزيادة ما وجبت بالعقد في حق الشَّفيع؛ لانعدامها وقت العقد حقيقة، إلا أنها جعلت موجودة عند(١) العقد في حق المتعاقدين، تصحيحاً لتصرفهما، فلا يظهر الوجود في حق الشَّفيع، فلم تكن الزّيادة ثمناً في حقه، بل كانت هبة مبتدأة، فلا تتعلق بها الشُّفعة / ١٨١ ب كالهبة / المبتدأة. ولو حط البائع عن المشتري [بعض الثمن](٢) أو أبرأه عن البعض - فالشَّفيع يأخذ بما بقي؛ لأن حط بعض الثمن يلتحق بأصل العقد، ويظهر في حقّ الشفيع كأن العقد ما ورد إلا على هذا القَدْر بخلاف الزيادة؛ فإن التحاقها لا يظهر في حق الشفيع لما بينًا؛ ولأن في تصحيح الزيادة ثمناً في حق الشّفيع ضرراً به، ولا ضرر عليه في الحط؛ ولو حط جميع الثمن، يأخذ الشَّفيع بجميع الثمن ولا يسقط عنه شيء؛ لأن حط كل الثَّمن لا يلتحق بأصل العقد؛ لأنه لو التحق لبطل البيع؛ لأنه يكون بيعاً بلا ثمن، فلم يصحَّ الحط في حق الشَّفيع، والتحق في حقه بالعدَم، فيأخذ بجميع الثمن ولا يسقط عنه شيء؛ لأن حطّ كل الثمن لا يلتحق بأضل العقد، وصح في حق المشتري وإِن كان إبراء له عن الثمن. ولو اشترى داراً بثمن مؤجّل فالشفيع بالخيار إن شاء أخذها بثمن خال، وإن شاء انتظر مضي الأجل، فأخذ عند ذلك، وليس له أن يأخذها للحال بثمن مؤجل؛ لأن الشفيع إِنما يأخذ بما وجب بالبيع، والأجل لم يجب بالبيع، وإِنما وجب بالشّرط، والشرط لم يوجد في حق الشّفيع؛ ولهذا لم يثبت خيار المشتري للشفيع؛ بأن اشترى على أنه بالخيار؛ لأن ثبوته بالشَّرط ولم يوجد من الشَّفيع؛ وكذا البراءة عن العيب لا تثبت في حق الشَّفيع؛ لأن ثبوتها بالشَّرط ولم يوجد مع الشفيع كذا هذا، وله أن يمتنع من الأخذ في الحال؛ لأن الشفيع غير مجبُور على الأخذ بالشفعة . ولو اختار الشَّفيع أخذ الدار بثمن حال، كان الثمن للبائع على المشتري إلى أجل؛ لأن الأخذ من المشتري منه بمنزلة التملّك المبتدأ؛ كأنه اشترى منه، فلا يوجب بطلان البيع الأول، فبقي [العقد](٣) الأول على حاله، فكان الثمن على حاله إِلى أجله، وروي عن أبي يوسف في (١) في أ: وقت. (٣) سقط من ط. (٢) سقط من ط. ١٥٣ كتاب الشفعة شراء الدار بثمن مؤجل: أنه يجب على الشفيع أن يطلب عند علمه بالبيع؛ فإن سكت إلى حين محل الأجل، فذلك تسليم منه، ثم رجع وقال: إِذا طلب عند حل الأجل، فله الشفعة، وإن لم يطلب عند علمه بالبيع. وجه قوله الأول: أن وقت الطلب هو وقت العلم بالبيع [بل ذاك وقت الأخذ بالشفعة، وأنه يكون بعد الطلب فإذا لم يطلب عند العلم بالبيع وأخره إلى](١) حل الأجل، فقد أخّره عن وقته من غير عذر، فبطل الحق. وجه قوله الآخر: أن الطلب لا يراد لعينه، بل لتأكيد(٢) الحق واستقراره، والتأكيد لا يراد لنفسه بل لإمكان الأخذ، وله ألاَّ يأخذ قبل حل الأجل، فله أَلاَّ يطلب قبل حله أيضاً والله تعالى أعلم. فصل [في بيان ما يتملك بالشفعة] وأما بيان ما يتملّك بالشفعة فالذي يتملكه الشَّفيع بالشفعة هو الذي ملكه المشتري بالشراء، سواء ملكه أصلاً أو تبعاً، بعد أن يكون متصلاً وقت التملك بالشفعة؛ وذلك نحو البناء والغرس والزرع والثمر وهذا استحسان، والقياس أَلاَّ يؤخذ البناء والغرس والزرع والثّمر بالشفعة . وجه القياس: أن الشفيع إِنما يتملك ما يثبت له فيه حق الشُّفعة، وأنه يثبت في العقار لا في المنقول، وهذه الأشياء منقولة، فلم يثبت فيها الحق، فلا تتملك بالشفعة وخاصة الزرع والثمر؛ لأنهما مبيعان ومقصودان لا يدْخُلان في العقد من غير تسمية؛ فلم يثبت الحق فيهما لا أصلاً ولا تبعاً . ولنا: أن الحق إذا ثبت في العقار يثبت فيما هو تبع له؛ لأن حكم التبع حكم الأصل، وهذه الأشياء تابعة للعقار حالة الاتصال، أما البناء والغرس فظاهران؛ لأن قيامهما بالأرض. وكذلك الزرع والثمر(٣)؛ لأن قيام الزرع وقيام الثمر بالشجر، وقيام الشجر بالأرض، (١) سقط من ط . (٢) في أ: لأخذ. (٣) مذهب الشافعية أنه يثبت الشفعة في ثمرة موجودة لم تؤبر عند البيع، وإن شرط دخولها في البيع، سواء تأبرت عند الأخذ أم لا؛ لأنها تتبع الأصل في البيع، فكذا في الأخذ بالشفعة، ولا نظر لطرو تأبره لتقدم حقّه وزيادته بالتأبير كزيادة الشجر. بل قال الماوردي: ((يأخذه وإن قطع)). والتصريح بالشرط لا يخرج عن التبعية؛ لأنه تصريح بمقتضى العقد. أما الثمرة المؤبرة عند البيع، فلا = ١٥٤ كتاب الشفعة فكان تبعاً للأرض بواسط الشجر، فيثبت الحق فيهما تبعاً، فيملكهما بالشفعة بطريق التَّبعية، إِلا أَنهما لا يدخلان في العقد إلا بالتسمية مع وجود التبعية حقيقة بالنص، وهو ما سنروي(١) في كتاب البيوع عن سيدنا رسول الله وَّ﴿ أنه قال: ((مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبْرَتْ فَتَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ(٢)، فَمَا دَامَ البِنَاءُ وَالشَّجَرُ مُتَّصِلاً بِالأَرْضِ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الأَرْضَ مَعَهُ شفعة فيها، كالشجر الجاف الذي شرط دخوله في البيع، بل تؤخذ بحصتها من الثمن، كالزرع المشروط دخوله في البيع، والجزة الظاهرة مما يتكرر؛ لأنها لا تدخل في مطلق البيع. ويبقى كل ما لا يؤخذ. من ثمن وزرع إلى أوان الجذاذ، والثمرة الحادثة بعد البيع إن لم تؤبَّر عند الأخذ فله أخذها بالشفعة؛ لأنها تابعة للأصل في البيع فتتبعه في الأخذ كالبناء والغراس، وإن أبرِّت عند الأخذ فلا شفعة فيها؛ لانتفاء التبعية. ((فائدة)»: المرجح هنا وفي باب التفليس تنزيل الحادث غير المؤبّر منزلة المتصل، وفي الردّ بالعيب منزلة المنفصل، فيكون للمشتري على الأصح، والفرق بين البابين: أن الرد بالعيب رفع للعقد، وينسب البائع إلى تقصير أو تدليس، فلا يناسب أن يأخذ الحادث في ملك المشتري. وأما في صورة الشفعة فإن الآخذ وهو الشفيع، لا ينسب إلى تقصير، بل المقصر من أقدم على ابتياع شقص مستحق بالشفعة، فيكون ما حدث للشفيع على الأصح، وكذا المشتري المفلس، حاله حال المقصرين، فاستحق بائعه الرجوع في الأشجار والثمار الحادثة، إذا كانت عند الأخذ غير مؤبرة. ولا شفعة في المنقولات كالحيوان، والثياب، والشعر، وغيرها، بيعت وحدها أو مع أرض، للخبر المتقدم. ولو انهدمت الدار بعد ثبوت الشفعة، أخذ نقضها بها، وإن نقل عنها، ولو اشترك اثنان في حجر مبنية على سقف، سواء أكان مشتركاً أم غير مشترك، بأن اختصّ به أحدهما، أو غيرهما، فباع أحدهما نصيبه فيه فلا شفعة لشريكه؛ لأنه لا قرار لها، فهي كالمنقول؛ لأن السقف الذي هو أرضها لا ثبات له، فما عليه كذلك. وقيل: إن كان السقف مشتركاً، ثبتت الشفعة لشبهه بالأرض ... ولو اشتركا في سفل، واختصّ أحدهما بعلوّه، فباع صاحب العلو علوه مع نصيبه من السفل، أخذ الشريك السفل فقط؛ لأن العلو لا شركة فيه. وعند أبي حنيفة ثبتت الشفعة في العلو قال في ((الكافي)): العلو يستحق بالشفعة، وتستحق به الشفعة في السفل، وإن لم يكن طريق العلو في السفل؛ لأنه التحق بالعقار. ينظر: الشفعة، لشيخنا أبو العنين محمد. (١) في أ: ما روينا. (٢) أخرجه البخاري (٤٠١/٤): كتاب البيوع: باب من باع نخلاً قد أبرت ... الحديث (٢٢٠٤)، ومسلم (١١٧٢/٣): كتاب البيوع: باب من باع نخلاً عليها ثمر، الحديث (١٥٤٣/٧٧). وأبو داود (٢٨٩/٢) كتاب البيوع: باب في العبد يباع وله مال حديث (٣٤٣٣) والنسائي (٧/ ٢٩٧) كتاب البيوع: باب العبد يباع ويستثنى المشتري ماله والترمذي (٥٤٦/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في ابتياع النخل بعد التأبير والعبد له مال حديث (١٢٤٤) وابن ماجه (٧٤٥/٢ - ٧٤٦) كتاب التجارات: باب ما جاء فيمن باع نخلاً مؤبراً أو عبداً له مال حديث (٢٢١١) والدارمي (٢٥٣/٢) كتاب البيوع: باب فيمن باع عبداً وله مال وعبد الرزاق (١٣٥/٨) رقم (١٤٦٢٠) وأبو داود الطيالسي (٢٦٦/١ - منحة) رقم (١٣٣٤) وابن طهمان في ((مشيخته)) رقم (١٧٩) وابن الجارود (٦٢٨) وأبو يعلى (٣٠٧/٩ - ٣٠٨) رقم (٥٤٢٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٥٣/٤) والحميدي في ((مسنده)) (٢٧٧/٢) رقم (٦١٣) والبيهقي (٣٢٤/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٧٤/٤ - بتحقيقنا) من طريق الزهري عن سالم بن = ١٥٥ كتاب الشفعة .. عبد الله بن عمر عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَّليه يقول: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي = باعها إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)). وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح هكذا روي من غير وجه عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي وَ له أنه قال: ((من ابتاع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبداً وله مال فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع». وقد روي عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر قال: ((من ابتاع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)). وقد روي عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال: من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع. هكذا رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع، الحديثين. وقد روى عكرمة بن خالد عن ابن عمر، عن النبي ◌ّ نحو حديث سالم، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. قال محمد بن إسماعيل: حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ◌ّلر أصح ما جاء في هذا الباب. قلت: أما طريق نافع عن ابن عمر. أخرجه مالك (٦١٧/٢) كتاب البيوع: باب ما جاء في ثمر المال يباع أصله حديث (٩) والشافعي في ((الأم)) (٤١/٣) وأحمد (٦٣/٢) والبخاري (٣٦٩/٥ - ٣٧٠) كتاب الشروط: باب إذا باع نخلاً قد أبرت حديث (٢٧١٦) ومسلم (١١٧٢/٣) كتاب البيوع: باب من باع نخلاً عليها ثمر حديث (١٥٤٣/٧٨) وأبو داود (٢٨٩/٢) كتاب البيوع: باب في العبد يباع وله مال حديث (٣٤٣٤) وابن ماجه (٧٤٥/٢) كتاب التجارات ..... باب ما جاء فيمن باع نخلاً مؤبراً أو عبداً له مال حديث (٢٢١٠) والبيهقي (٣٢٤/٥) كلهم من طريق نافع عن ابن عمر به وأما طريق نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال: من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع. فأخرجه البخاري (٦٠/٥) كتاب الشرب والمساقاة: باب الرجل يكون له ممر أو شرب .... حديث (٢٣٧٩). وقد روي هذا مرفوعاً. فقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٩٢/١) رقم (١١٧٥) سمعت أبا زرعة وحدثنا عن إبراهيم بن أبي موسى عن هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي و ﴿ أنه قال: ((من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)» فقال أبو زرعة ليس هذا الحديث بمحفوظ والصحيح سالم عن أبيه، عن النبي وَّر. أما طريق عكرمة بن خالد: أخرجه عبد الرزاق (١٣٥/٨) رقم (١٤٦٢١) والبيهقي (٣٢٥/٥) من طريق عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٧٧/١) رقم (١١٢٢). سألت أبي عن حديث رواه قتادة وحماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر قال: من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع. قال أبي كنت استحسن هذا الحديث من ذا الطريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر عن النبي وَلخر قال أبي فإذا الحديث قد عاد إلى الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ◌َ ط 9. = ١٥٦ كتاب الشفعة بالثَّمَنِ الأَوَّلِ))، وكذا له أن يأخذ الأرض مع الثمر والزرع بالثمن الأول بقلاً كان الزرع أو مستحصداً إذا كان [الزرع] (١) متصلاً؛ فأما إذا زال / الاتصال ثم حضر الشفيع، فلا سبيل للشفيع عليه، وإن كان عينه قائمة، سواء كان الزوال بآفة سماوية أو بصنع المشتري أو الأجنبي؛ لأن حق الشفعة في هذه الأشياء إنما ثبت معدولاً به عن القياس، معلولاً بالتبعية، وقد زالت التَّبعية بزوال الاتصال، فيرد الحكم فيه إلى أصل القياس، وهل يسقط عن الشفيع حصته من الثمن؟ هذا لا يخلو إما أن كان مما يدخل في العقد من غير تسمية، وإما أن كان مما لا يدخل فيه إلا بالتسمية؛ فإن كان مما يدخل فى العَقْد من غير تسمية؛ كالبناء والشجر - ينظر إن كان زوال الاتصال بآفة سماوية؛ بأن احترق البناء أو غرق أو جف شجر البستان - لا يسقط شيء من الثَّمن، والشفيع يأخذ الأرض بجميع الثمن، إن شاء أخذ وإن شاء ترك. وكذلك لو انهدمت الدار، سواء بقي عين النقض أو هلك، كذا ذكر القدوري - رحمه الله - في ((مختصره)، وسَوَّى بينه وبين الغرق والحرق، وفرق الكَرْخي - رحمه الله - فقال: إن احترق أو غرق ولم يبق منه شيء - لا يسقط شيء من الثمن. وإِن انهدم، يسقط عن الشفيع حصته من الثمن، وسؤَّى بينه وبين ما إذا انهدم بفعل المشتري أو الأجنبي، لكنه فرَّق بينهما من وجه آخر؛ وهو أن هناك تعتبر قيمته متصلاً فيقسم الثمن على قيمة البناء مبنياً وعلى قيمة الأرض، فيأخذ الأرض بحصتها من الثمن، وههنا يعتبر منفصلاً ساقطاً، ويسقط ذلك القدر من الثمن. والصحيح ما ذكره القدوري - رحمه الله -؛ لأن البناء تبع، والأتباع لا حِصَّةَ لها من الثمن، إلا أن تصير مقصودة بالفِغْل وهو الإتلاف أو (٢) القبض ولم يوجد؛ ولهذا لو احترق أو غرق، لا يسقط شيء من الثَّمن كذا هذا. وإن كان زوال الاتصال بفعل المشتري أو أجنبي؛ بأن انهدم البناء أو قطع الشجر - تسقط حصته من الثّمن؛ لأنه صار مقصوداً بالإتلاف، فصار له حصة من الثمن كأطراف العبد، ويقسم الثمن على [قيمة](٣) البناء مبنياً وعلى قيمة الأرض؛ لأنه إنما يسقط حصة البناء، فصار مضموناً عليه بفعله، وهو الهدم، والهدم صادفه وهو مبني، فتعتبر قيمته مبنيًّا بخلاف ما إذا انهدم بنفسه على رواية الكَرْخِي - رحمه الله -؛ لأنه انهدم لا بصنع أحد، فیعتبر حاله يوم الانهدام، ولو لم يهدم المشتري البناء لكنه باعه بغير أرض، ثم حضر الشَّفيع - كان أحق بالبناء (١) سقط من ط . (٢) في ط : و. (٣) سقط من ط . ١٨٢/٣ ١ ١٥٧ كتاب الشفعة والأرض، فيأخذ وينتقض البيع في البناء؛ لأنه باع البناء، وحق الشفيع متعلق به تبعاً للأرض؛ لوجود الاتصال، فكان بسبيل(١) من إبطال البيع؛ كما لو باع الأصل وهو الأرض، ثم حضر الشفيع - أن له أن يأخذ وينتقض البيع؛ كما قلنا كذا هذا. وإن كان مما لا يدخل في العقد إلا بالتسمية؛ كالثمر والزرع - يسقط عن الشفيع حصته من الثَّمن، سواء كان زوال الاتصال بصنع العبد أو بآفة سماوية، بخلاف الفصل الأول إذا احترق البناء أو غرق أو انهدم على رواية القدُوري - رحمه الله -: أنه لا يسقط شيء من الثمن؛ لأن البناء مبيع تبعاً لا مقصوداً؛ لثبوت حكم البيع فيها تبعاً لا مقصوداً بالتسمية، والأتباع ما لها حصة من الثمن إلا إذا صارت مقصودة بالفعل ولم يوجد، فأما الثمر والزرع فكلُّ واحد منهما مبيع مقصود. ألا ترى(٢) أنه لا يدخل في العقد من غير تسمية، فلا بدَّ وأن يخصه شيء من الثمن؛ فإن هلك، يهلك بحصته من الثمن، سواء هلك بنفسه أو بالاستهلاك؛ لما قلنا وتعتبر قيمته يوم العقد؛ لأنه أخذ الحصة بالعقد، فتعتبر قيمته يوم العقد، فيقسم الثَّمن على قيمة الأرض وعلى قيمة الزرع وقت العقد، لكنه كيف تعتبر قيمتها يوم العقد، مفصولاً مجذوذاً (٣) أم قائماً. روي عن أبي يوسف أنه تعتبر قيمة الزرع وهو بقل مفصول ومجذوذ، فيسقط عنه ذلك القدر . وروي عن محمد في النوادر: أنه يعتبر قيمته قائماً، فتقوم الأرض وفيها الزرع والثمر، وتقوم وليس فيها الزرع والثمر، فيسقط عن الشَّفيع ما بين ذلك. وجه قول محمد: أن الزَّرع دخل / في العقد وهو متصل، ويثبت الحق فيه وهو ١٨٢/٣ ب منفصل؛ وكذا الثَّمر فتعتبر قيمتها على صفة الاتصال، على أن في اعتبار حالة الانفصال إضراراً بالشفيع؛ إذ ليس للمفصول والثمر المجذوذ كثير قيمة، فيتضرر به الشَّفيع. وجه قول أبي يوسف: أن حقَّ الشفيع إنما سقط(٤) بعد زوال الاتصال، فتعتبر قيمتها منفصلاً لا متصلاً. وكذا لو كانت الأرض مبذورة ولم يطلع الزرع بعد، ثم طلع ففصله المشتري؛ عند أبي (١) في ط: سبيل. (٢) في ط: يرى. (٣) مجذوذً: مقطعاً ومكسراً. المعجم الوسيط (جذذ). (٤) في أ: ثبت. ١٥٨ كتاب الشفعة يوسف: يقسم الثمن على قيمة البذر وعلى قيمة الأرض، فيسقط قدر قيمة البذر عن الثَّمن، وعند محمد: تقوم الأرض مبذورة وغير مبذورة، فيسقط عنه ما بين ذلك إذا آجر الشَّفيع الأرض مع الشجر بحصتها من الثَّمن، وبقيت الثمرة في يد البائع هل يثبت الخيار للمشتري؟ ذكر محمد: أن الثمرة لازمة للمشتري، ولا خيار له. ولو كان البائع أتلف الثمرة قبل أن يأخذ الشّفيع الأرض بالشفعة - فالمشتري بالخيار، إن شاء أخذ الأرض بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأنه لما أتلف الثمرة فقد فرق الصفقة على المشتري قبل التمام من غير رضاه، وأنه يوجب الخيار، بخلاف ما إذا كان الشَّفيع أخذ الأرض بالشفعة؛ لأن التفريق هناك حصل برضا المشتري؛ لأن حق الشفيع كان ثابتاً في المأخوذ وأنه حق لازم، فكان التفريق هناك لضرورة حق ثابت لازم شرعاً، فكان المشتري راضياً به، والتفريق المرضي به لا يوجب، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا كانت هذه الأشياء موجودة عند العقد متصلة بالعقار، ودام الاتصال إلى وقت التملك بالشفعة، أو زال ثم حضر الشفيع؛ فأما إذا لم تكن موجودة عند العقد ووجدت بعده، ثم حضر الشفيع، فإن كان الحادث مما يثبت حكم البيع فيه تبعاً وهو الثّمر(١)؛ بأن وقع البيع ولا ثمر في الشجر، ثم أثمر بعده، ثم حضر الشَّفيع، فما دام متصلاً يأخذه الشفيع مع الأرض بالثمن الأول استحساناً؛ لأنه ثبت حكم البيع فيه تبعاً لثبوته في الأرض بواسطة الشَّجر، فكان مبيعاً تبعاً، فيثبت حق الشُّفعة تبعاً، سواء حدث في يد المشتري أو في يد البائع؛ لأن الشفعة(٢) موجودةٌ في الحالين؛ فإن زال الاتصال فحضر الشفيع؛ فإن كان حدث في يد المشتري، فالشفيع يأخذ الأرض والشجر بالثّمن الأول إن شاء، وإن شاء ترك ولا يسقط شيء من الثمن، وسواء كان زواله بآفة سماوية وهو قائم [بعد الزوال أو هالك، أو كان زواله بفعل أحد، أما إذا كان بآفة سماوية وهو قائم](٣) أو هالك؛ لأنه كان تبعاً حالة الاتصال، ولم يرد عليه فعل يصير به مقصوداً، والتبع لا يصير له حصّة من الثمن بدونه. وأما إذا كان الزوال بصنع العبد؛ بأن جده المشتري وهو قائم أو هالك، فلأنه لم يرد عليه العقد ولا القَبْض، وإِن كان حدث في يد البائع، فإِن كان الزوال بآفة سماوية وهو قائم أو هالك - فكذلك أخذ الشفيع الأرض والشجر بجميع الثمن إن شاء؛ لأنه لم يوجد فعل يصير به مقصوداً، فيقابله الثمن. (١) في أ: الثمن. (٢) في أ: التبعية. (٣) سقط في أ. ١٥٩ كتاب الشفعة وإن كان بفعل البائع؛ بأن استهلكه - يسقط عن الشفيع حصّته من الثمن؛ لصيرورته مقصوداً بالإتلاف، وإن كان الحادث مما لم يثبت فيه حكم البيع رأساً لا أصلاً ولا تبعاً؛ بأن بنى المشتري بناءً أو غرس أو زرع، ثم حضر الشفيع - يقضي له بشفعة الأرض، ويجبر المشتري على قلع البناء والغرس وتسليم الساحة إلى الشفيع، إلا إذا كان في القَلْع نقصان الأرض، فللشفيع الخيار إن شاء أخذ الأرض بالثمن والبناء والغرس بقيمته مقلوعاً، وإن شاء أجبر المشتري على القلع؛ وهذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف: أنه لا يجبر المشتري على قلع البناء والغرس، ولكنه يأخذ الأرض بثمنها، والبناء والغرس بقيمته قائماً غير مقلوع إن شاء، وإن شاء ترك؛ وبه أخذ الشافعي - رضي الله عنه -. وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض، ثم حضر الشَّفيع ـ أنه لا يجبر المشتري على قلعه، ولكنه ينتظر إدراك الزَّرع ثم يقضي له بالشفعة، فيأخذ الأرض بجميع الثمن. وجه رواية أبي يوسف - رحمه الله -، أن في الجبر على النَّقض ضرراً بالمشتري، وهو ١٨٣/٣ أ إيطال تصرفه في ملكه، وفيما قلنا مراعاة الجانبين. وأما جانب المشتري فظاهر؛ لأن فيه صيانة حقه عن الإبطال، وأما جانب الشفيع؛ فلأنه يأخذ البناء بقيمته، وأخذ الشيء بقيمته لا ضَرَر فيه على أحد. وجه ظاهر الرواية: أن حق الشَّفيع كان متعلقاً بالأرض قبل البناء، ولم يبطل ذلك بالبناء بل بقي؛ فإذا قضى له بالشُّفعة، فقد صار ذلك الحق ملكاً له، فيؤمر بتسليم ملكه إليه، ولا يمكنه التسليم إلا بالنقض، فيؤمر بالنَّقض، ولهذا أمر الغاصب والمشتري عند الاستحقاق بالنقض كذا هذا، قوله: في النقض ضرر بالمشتري، قلنا: إن كان فيه ضرر به، فهو الذي أضرَّ بنفسه؛ حيث بنى على محل تعلق به حق غيره؛ ولو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة وبنى عليها، ثم استحقت وأمر الشفيع بنقض البناء - فإن الشفيع يرجع على المشتري بالثَّمن، ولا يرجع عليه بقيمة البناء إن كان أخذ منه، ولا على البائع أيضاً إن كان أخذ منه في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه يرجع عليه. وجه هذه الرواية: أن الأخذ بالشَّفعة بمنزلة الشراء من المشتري؛ ولو كان اشتراه، لرجع عليه؛ كذا إذا أخذه بالشفعة له الرُّجوع بقيمة البناء في الشراء؛ لوجود الغرور من البائع، وضمان السلامة للمشتري؛ لأن كل بائع مخير للمشتري أنه يبيع منك نفسه، وشارط سلامة ما يبني فيه دلالة، فإذا لم يسلم يدفع(١) بحكم الضمان المشروط دلالة؛ إِذ ضمان الغرور ضمان الكفالة في الحقيقة، ولا غرور من المشتري في حق الشفيع؛ لأنه مجبور على التملك منه، (١) في أ: يرجع. ١٦٠ كتاب الشفعة وحق الرجوع بضمان الغرور على المختار لا على المجبور؛ كالجارية المأسورة إذا اشتراها رجل، فأخذها المالك القديم بالثمن واستولدها، ثم استحقت من يده وقضى عليه بالعقر (١) وقيمة الولد - فإنه يرجع على المشتري بالثّمن الذي دفعه إليه، ولا يرجع عليه بقيمة الولد؛ ومثله إذا استولد جارية بالشِّراء ثم استحقت، فإن المشتري يرجع على بائعه بالثمن وبقيمة الولد؛ لصيرورته مغروراً من جهته، ولا غرور من المشتري من الحربي؛ لكونه مجبوراً في التملك عليه بما أخذه من الحربي؛ كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في بيان من يتملك منه الشقص وأما بيان من يتملّك منه الشقص المشفوع فيه: فالشفيع يتملك من الذي في يده، إن كان في يد البائع أخذه منه ونقده الثمن، والعهدة عليه؛ وإن كان في يد المشتري، أخذه ودفع الثمن إليه، والعهدة عليه، سواء كان المشتري عاقداً لنفسه أو لغيره، بأن كان وكيلاً بالشراء وقبض الدار ثم حضر الشفيع، وهذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه لا يأخذها من يد الوكيل. وجه هذه الرواية: أن الوكيل لم يشتر لنفسه، وإنما اشترى لموكله، فلم يكن هو خصماً بل الخصم الموكل، فلا يأخذ منه، ولكن يقال له: سلم الدار إلى الموكل، فإِذا سلم يأخذها الشَّفیع منه. وجه ظاهر الرواية: أن الشُّفعة من حقوق العقد، وأنها راجعة إلى الوكيل، والوكيل في الحقوق أصل بمنزلة المشتري لنفسه، فكان خصم الشفيع فيأخذ الدار منه بالثمن وكانت العهدة عليه، وإِن كان الوكيل سلم الدار إلى الموكل، ثم حضر الشفيع - فإنه يأخذ الدار من الموكل ويدفع الثمن إليه، وكانت العهدة عليه، ولا خصومة للشفيع مع الوكيل؛ لأنه بالتسليم إلى الموكل زالت يده عن الدار، فخرح من أن يكون خصماً، بمنزلة البائع إذا سلم الدار إلى المشتري؛ أنه لا خصومة للشفيع مع البائع لما قلنا؛ كذا هذا، غير أن الدار إذا كانت في يد البائع لم يكن خصماً ما لم يحضر المشتري؛ وإِذا كانت في يد الوكيل، يكون خَصْما وإِن لم يحضر الموكل؛ لأن الوكيل بالتَّوكيل قائم مقام الموكل، والبائع ليس بقائم مقام المشتري؛ لانعدام ما يوجب ذلك. ولو قال المشتري قبل أن يخاصمه الشفيع في الشفعة: إنما اشتريت لفلان، وسلم إليه ثم (١) العقر: المهر وقد تقدم.