Indexed OCR Text

Pages 561-576

٥٦١
كتاب الإجارة
وأما هبة الواحد من اثنين فإنما لا تجوز عند أبي حنيفة، لأن الملك في باب الهبة يقع
بالقبض، والشيوع ثابت عند القبض وأنه يمنع من القبض فيمنع من وقوع الملك؛ على ما نذكر
في ((كتاب الهبة)).
وإن استأجر أرضاً فيها زرع للآجر أو شجر أو قصب أو كرم أو ما يمنع من الزراعة، لم
تجز، لأنها مشغولة بمال المؤاجر، فلا يتحقق تسليمه، فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء
شرعاً، فلم تجز؛ كما لو اشترى جذعاً في سقف؛ وكذا لو استأجر أرضاً فيها رطبة، فالإجارة
فاسدة، لأنه لا يمكن تسليمها إلا بضرر، وهو قطع(١) الرطبة فلا يجبر على الإضرار بنفسه،
فلم تكن المنفعة مقدورة الاستيفاء شرعاً، فلم تجز؛ كما لو اشترى جذعاً في سقف، فإن قلع
رب الأرض الرطبة، فقال للمستأجر: أقبض الأرض، فقبضها، فهو / جائز، لأن المانع قد زال ١٢٢٧/٢
فصار كشراء الجذع في السقف إذا نزعه البائع وسلمه إلى المشتري، فإن اختصما قبل ذلك
فأبطل الحاكم الإجارة، ثم قلع الرطبة بعد ذلك، لم يصح العقد؛ لأن العقد قد بطل بإبطال
الحاكم فلا يحتمل العود، فإن مضي من مدة الإجارة يوم أو يومان قبل أن يختصما ثم قلع
الرطبة، فالمستأجر بالخيار إن شاء قبضها على تلك الإجارة وطرح عنه ما لم يقبض، وإن شاء
لم يقبض فرقاً بين هذا وبين الدار إذا سلمها المؤاجر في بعض المدة، أن المستأجر لا يكون له
خيار الترك.
ووجه الفرق أن المقصود من إجارة الأرض الزراعة، والزراعة لا تمكن في جميع
الأوقات، بل في بعض الأوقات دون بعض، وتختلف بالتقديم والتأخير، فالمدة المذكورة فيها
يقف بعضها على بعض، ويكون الكل كمدة واحدة، فإذا مضى بعضها فقد تغير عليه صفة
العقد لاختلاف المعقود، فكان له الخيار بخلاف إجارة الدار، لأن المقصود منها السكنى،
وسكنى كل يوم لا تعلق له بيوم آخر، فلا يقف بعض المدة فيها على بعض، فلا يوجب خللاً
في المقصود من الباقي، فلا يثبت الخيار.
ولو اشترى أطراف رطبة ثم استأجر الأرض لتبقية ذلك، لم تجز الإجازة؛ لأن أصل
الرطبة ملك المؤاجر، فكانت الأرض مشغولة بملك المؤاجر واستئجار بقعة مشغولة بمال
المؤاجر لم تصح؛ لأن كونها مشغولة بملكه يمنع التسليم فيمنع استيفاء المعقود عليه كاستئجار
أرض فيها زرع المؤاجر.
ولو اشترى الرطبة بأصلها ليقلعها ثم استأجر الأرض مدة معلومة لتبقيتها جاز، لأن
(١) في ط: قلع.
بدائع الصنائع ج٥ - م٣٦

٥٦٢
كتاب الإجارة
الأرض ههنا مشغولة بمال المستأجر، وذا لا يمنع الإجارة كما لو استأجر ما هو في يده.
وكذلك إذا اشترى شجرة فيها ثمر بثمرها على أن يقلعها، ثم استأجر الأرض فبقاها
فيها، جاز لما قلنا.
قال محمد: وإن استعار الأرض في ذلك كله، فهو جائز؛ لأن المالك بالإعارة أباح
الانتفاع بملكه فيجوز.
وعلى هذا يخرج ما ذكرنا أيضاً من استئجار الفحل للإنزاء، واستئجار الكلب المعلم
والبازي للاصطياد، أنه لا يجوز؛ لأن المنفعة المطلوبة منه غير مقدورة الاستيفاء؛ إذ لا يمكن
إجبار الفحل على الضراب والإنزال، ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد، فلم تكن المنفعة
التي هي معقود عليها مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر، فلم تجز.
وعلى هذا أيضاً يخرج استئجار الإنسان للبيع والشراء أنه لا يجوز، لأن البيع والشراء لا
يتم بواحد، بل بالبائع والمشتري فلا يقدر الأجير على إيفاء المنفعة بنفسه، فلا يقدر المستأجر
على الاستيفاء، فصار كما لو استأجر رجلاً ليحمل خشبة بنفسه وهو لا يقدر على حملها
بنفسه، ولو ضرب لذلك مدة بأن استأجره شهراً ليبيع له ويشتري جاز لما مر.
وعلى هذا يخرج الاستئجار على تعليم القرآن والصنائع أنه لا يجوز، لأن الأجير لا يقدر
على إيفاء العمل بنفسه، فلا يقدر المستأجر على الاستيفاء، وإن شئت أفردت لجنس هذه
المسائل شرطاً فقلت: ومنها أن يكون العمل المستأجر له مقدور الاستيفاء من العامل بنفسه،
ولا يحتاج فيه إلى غيره، وخرجت المسائل عليه، والأول أقرب إلى الصناعة فأفهم.
وعلى هذا يخرج الاستئجار على المعاصي أنه لا يصح؛ لأنه استئجار على منفعة غير
مقدورة الاستيفاء شرعاً؛ كاستئجار الإنسان للعب واللهو (١)، وكاستئجار المغنية والنائحة للغناء
(١) وكذا المعازف وهي الآلات التي تستعمل فيه، كالعود، والطنبور، وسائر آلات اللهو مما هو معروف في
بابه، واحدها: معزفة، وهذه الآلات بحسب مادتها كالعرة غالباً، لاتخاذها من النباتات، والجلود
المدبوغة، والمعادن.
ولكننا نرى العلماء، يختلفون في جواز استئجارها، لاختلافهم فيما تقصد له من الضرب عليها، والغناء
بها .
فمن رأى أن استعمالها مباح في الشرع أجازا استئجارها، لأن المنفعة في نظره غير محظورة، ومن رأى
استعمالها حراماً - حرم استئجارها بالأول. قال الظاهرية وبالثاني في قال الجمهور، وللمالكية خلاف
وتفصيل، وإليك خلاصة مذهبهم في ذلك.
قال الخرشي في ((مختصره)) علي خليل - بعد قول المصنف: وكراء دف، ومعزف لعرس -: ما نصه
((الدف، بضم الدال وفتحها لغةً هو: المدور المغشي من جهة واحدة، فإن غشي منهما وكان مربعاً - فهو =
i

٥٦٣
كتاب الإجارة
المزهر، والمعزف نوع من أنواع العيدان)) ونقل بعض عن الرافعي أن المعازف: الملاهي، ويشمل
=
الأوتار، والمزاهر. ثم قال: والمعنى: أن مالكاً كره كراء ما ذكر للأعراس، ولا يلزم من إباحة ضرب
الدف في العرس إباحة إجارته فيه، وأما إجارة المعزف في غير الأعراس فإنه لا يجوز، والمراد بالعرس:
خصوص النكاح. ا هـ.
قال العدوي في ((حاشيته)) عليه: إن قول المصنف: وكراء دف، ومعزف لعرس لا يفيد حرمة الآلة التي
هي من أفراد المعزف، مع أن المعتمد الحرمة، ثم قال: والحاصل أن البدر نقل منع سماع الآلة عن
عياض والمازري، وأن ابن رشد نص على أن كراهة كراء المعازف إنما باقي على القول بجواز سماع الآلة
في العرس. وخلاصة أن المعتمد حرمة استماع الآلة، فيحرم الاستئجار عليها، وأما كراء الدف في غير
العرس وضربه في غيره - فحكمهما الحرمة، كما ذكرنا ذلك في رسالة متعلقة به ا هـ.
وقال الدردير في ((الشرح الصغير)): والراجح أن الدف، والكبر، والمزمار جائزة في العرس ونكرة الأجرة
عليها، وأن ما عداه حرام في العرس وغيره، فتحرم الأجرة عليها ! هـ.
قال الصاوي في ((حاشيته)): حاصله أن الدف والكبر في النكاح فيهما قولان: الجواز، والكراهة. وفي
المعازف ثلاثة أقوال بزيادة الحرمة، وهو أرجحها.
وأما في غير النكاح - فالحرمة في الجميع قولاً واحداً، ولو كان في عقيقة، أو ختان، أو حج، أو قدوم
من سفر ا هـ.
ومن هذه النقول تبين أن الدف والكبر في النكاح فيهما قولان: الجواز، والكراهة، وأرجحهما: الجواز.
وفي المعازف وهي سائر آلات اللهو، كالأعواد، والستطير، والكبنجا، والرباب، والمزمار في النكاح
ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والحرمة. وأرجحها: الحرمة.
وأما في غير النكاح - فالحرمة في الجميع قولاً واحداً.
ثم الكراء عند حرمة الاستعمال يكون حراماً، وعند كراهة يكون مكروهاً، وعند جوازه يكون مكروهاً
أيضاً سدًّا للذريعة، إذ لو قيل بجوازه في العرس بلا كراهة - لتوصل للكراء في غيره.
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه من تحريم استعمال هذه الآلات، واستماعها، فلا تجوز إجارتها بما
يأتي :
أولاً: ما أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري سمع
النبي ◌َّهو يقول: ((ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)).
والاستحلال حبل المحرم حلالاً، فيستباح الفرج بالزنا، والحرير باللبس، والخمر بالشرب، والمعازف
باستعمالها، وإذا كان المعازف محرمة، فلا يجوز استئجارها.
ثانياً: ما أخرجه ابن ماجه، عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً بلفظ: ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها
بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسفُ الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة
والخنازير)) وأخرجه أيضاً أبو داود وصححه ابن حبان.
فقد توعد رسول الله # هؤلاء بما ذكر، وذلك شأن الحرام.
ثالثاً: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - سمع
صوت زمارة راع، فوضع أصبعه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع أتسمع، =

٥٦٤
كتاب الإجارة
وأقول: نعم، فيمضي حتى قلت: لا، فرفع يده، وعدل راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله وَلخير
=
سمع زمارة راع، فصنع مثل هذا».
ولا شك أن الزمارة من الملاهي، ولولا أن سماعها حرام لما وضع رسول الله وَي أصبعيه في أذنيه)».
رابعاً: ما رواه أحمد، وأبو داود، عن عبد الله عمر أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله حرم الخمر، والميسر،
والكوبة، والغبيراء والكوبة: الطبل، وقيل: الدف، والغبيراء: الطنبور، وقيل: العود وقيل هو لعبة للروم
كانوا يقامرون بها، وقيل هو الطنبور بالحشيشة وكل مسكر حرام».
وفي لفظ لأحمد: ((إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر وهو نبيذ الشعير والكوبة والقنين ولفظ
الحديثين صريح في تحريم ما ذكر.
خامساً: ما رواه أحمد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَّ قال: ((إن الله حرم الخمر،
والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام) ورواه أيضاً أبو داود، وابن حبان، والبيهقي.
والكوبة، والقنين، والغبيراء من الملاهي، وتحريمهن في الحديث صريح في تحريم استعمالهن
واستماعهن، وهذا يقتضي تحريم إجارتهن.
سادساً: ما رواه الترمذي، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لقر قال: ((في هذه
الأمة خسف، ومسخ، وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ فقال: إذا ظهرت
القبان والمعازف، وشربت الخمر"! هـ والخسف، والمسخ والقذف لا يكون إلا على محرم.
سابعاً: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا اتخذ الفيء دوَلاً، والأمانة مغنماً،
والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأوفى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت
الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل، مخافة شره،
وظهرت القبان والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ربحاً
حمراء، وزلزلة، ونسفاً، ومسخاً، وقذفاً، وآيات تتابع، كنظام بال قطع سلكه، فتتابع بعضه بعضاً)).
والحديث صريح في تحريم ما ذكر، لقرنه بالمحرمات، واستحقاقه معها العقاب بالريح، والزلزلة،
والخسف، وسواها.
ثامناً: ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّر قال تبينت طائفة من أمتي على أكل
وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير وتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسف من
كان قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف اتخاذهم القينات والحديث صريح في إثبات المطلوب.
تاسعاً: ما رواه أحمد عن أبي أمامة عن النبي ◌ّ قال إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن
أمحق المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية.
والحديث صريح في تحريم المزامير والمعازف لأنها لا تمحق إلا إذا كان استعمالها حراماً.
فقد ثبت بهذه الأحاديث كلها تحريم استعمال المعازف وبهذا يثبت تحريم إيجارها واستئجارها فإنه متى
كان الضرب عليها معصية لم يتصور استحقاقه بالعقد فلا تجب الأجرة عليه من غير أن يستحق هو إذ
المبادلة لا تكون إلا باستحقاق كل من العاقدين على صاحبه شيئاً.
وقد ناقش المجوزون هذه الأدلة بما يأتي
أما الأول فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام الذي رواه البخاري عنه وفي إسناده صدقة بن خالد: وقد =

٥٦٥
كتاب الإجارة
حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشيء، وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم.
=
ثم هو مضطرب سنداً ومتناً، أما سنداً فللتردد ومن الراوي في اسم الصحابي هل هو أبو عامر أو أبو
مالك، وأمامتنا فلأن في بعض المناطق يستحلون وفي بعضها بدونه. وفي رواية الحر بمهملتين، وفي
أخرى الخز بمعجمتين. وهو ضرب من الإبريسم. وأن لفظة المعازف لم تكن في رواية أبي داود، يضاف
إلى هذا كله أن الحديث لا يدل على التحريم لأن لفظة يستحلون ليست نصاً فيه، فإن أبا بكر بن العربي
قد ذكر لها معنيين أحدهما أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال. والثاني أن يكون ذلك مجازاً عن
الاسترسال في استعمال هذه الأشياء.
وأما الثاني فإنه ليس في محل النزاع. لأن الذي فيه هو العزف بالمعازف والمغنيات على رؤوس شاربي
الخمور، ولا يخالف أحد في حرمة ذلك، لاقترانه بالشرب المحرم وإعانته عليه.
وأما الثالث: فقد قال أبو علي اللؤلؤي سمعت أبا داود يقول هو حديث منكر اهـ. ومثل هذا لا تقوم به
حجة، وعلى فرض صحته فهو لا يدل على المطلوب، لأن السماع لو كان حراماً لما ترك الرسول عليه
الصلاة والسلام ابن عمر يسمع ولبادر بالإنكار عليه وأمره بكسر الآلة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة
لا يجوز، وأما سد النبي و لو أذنبه وقت الزمر فلا يدل على التحريم. لأنه يحتمل أن ذلك حصل منه لأنه
كان من عادته عليه الصلاة والسلام أنه يتجنب كثيراً من المباحات مثل أن يبيت في بيته درهم أو دينار.
وأما الرابع في إسناده الوليد بن عبدة الراوي له عن ابن عمر قال أبو حاتم الرازي هو مجهول، فالحديث
لا تقوم به الحجة .
وأما الخامس فهو على فرض صحته محمول على المعازف المقترنة بالحرام كالخمر.
وأما السادس فقد قال الترمذي بعد إخراجه عن عباد بن يعقوب الكوفي قال حدثنا عبد الله بن عبد
القدوس عن الأعمش عن هلال بن يساف عن عمران ما لفظه، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن
عبد الرحمن بن ساباط عن النبي مرسلاً، وهذا حديث غريب اهـ.
وإذا ثبتت غرابته لم تقم به حجة على إثبات المطلوب.
وأما السابع فقد قال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق علي بن حجر قال حدثنا محمد بن يزيد الواسطي
عن المسلم بن سعيد عن رميح الجذامي عنه بالفظة وفي الباب عن علي. وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه ١ هـ، ومثله لا تقوم به الحجة .
وأما الثامن فإن في إسناده فرقداً السبخي، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد وقال أحمد ليس بالقوي.
وأما التاسع فإنه قد رواه أحمد عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن
أبي أمامة وعبيد الله بن زحر. قال أبو مسهر إنه صاحب كل مفصلة، وقال ابن معين ضعيف. وقال مرة
ليس بشيء وقال ابن المديني منكر الحديث، وقال الدارقطني ليس بالقوي، وقال ابن حبان روى
موضوعات عن الأثبات، وإذا روي عن علي بن يزيد أتى بالطاقات وقال الترمذي تكلم بعض أهل العلم
في علي بن يزيد وضعفه ا هـ فمثل هذا الحديث لا تقوم به الحجة.
هذه مناقشة المجوزين لأدلة المانعين، ومنها يتضح أن هذه الأدلة لم تنتهض في نظر المجوزين على إثبات
المطلوب، حتى قال ابن حزم لا يصح في الباب حديث أبداً، وكل ما فيه فموضوع، وقال أبو بكر بن
العربي في كتابه الأحكام لم يصح في التحريم شيء، وكذلك قال الغزالي وابن النحوي في العمدة، وهكذا =

٥٦٦
كتاب الإجارة
٠٠
قال ابن طاهر أنه لم يصح منها حرف واحد، وقال الفاكهاني لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثاً
=
صحيحاً صريحاً في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها لا أدلة قطعية وقد أجاب
المانعون عن هذه المناقشات بما يأتي:
أما مناقشة الحديث الأول فهي غير قادحة لأن دعوى الانقطاع باطلة كما قال الحافظ في الفتح بأن البخاري
لقي هشاماً وحدث عنه، فقوله قال هشام محمول على السماع منه فهو متصل ودعوى الاضطراب في السند
باطلة فإنه قد رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر
وأبي مالك وهي رواية ابن داسة عند أبي داود، ورواية ابن حبان أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين،
وبهذا يظهر أن الحديث من روايتهما جميعاً وعلى فرض الشك فهو غير مؤثر ما دام كل منهما ثقة، ودعوى
الاضطراب في المتن باطلة كذلك لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى، ومثل هذا
ليس اضطراباً. وإنما الاضطراب الاختلاف الذي لا يمكن الجمع فيه إلا بتعسف.
ودعوى أن الحديث ليس نصاً في التحريم باطلة أيضاً. فإن أصل الاستحلال اعتقاد الحل والوعيد على
اعتقاد الحل يدل على تحريم الملابسة بفحوى الخطاب ولا ملجىء للخروج عن هذه الحقيقة ولا يجوز
أن يكون الاستحلال مجازاً عن الاسترسال فإن المجاز بلا قرينة غير جائز.
وأما مناقشة الحديث الثاني فجوابها أن استحقاق الخسف والمسخ على الجميع بين هذه الأمور يفيد أن
لكل منها دخلاً في ذلك.
فشرب الخمر وتسميتها بغير اسمها والضرب بالمعازف وحضور المغنيات لو لم يكن كل منها حراماً في
ذاته لما ذكر في معرض الوعيد.
وأما مناقشة الحديث الثالث فجوابها أن ضعف الحديث مجبور باجتماعه مع غيره من الأحاديث التي في
معناه فهو إن المبدل على المقصود وحده دل عليه بانضمامه إلى غيره.
وقولهم لو كان حراماً لما ترك الرسول ابن عمر يسمع ممنوع، فإنه يحتمل أن يكون ابن عمر حينذاك
صغيراً لم يبلغ الحلم، وكذا يقال في ترك ابن عمر لنافع يسمع وأما قولهم إن سد الأذنين لا يدل على
التحريم فجوابه أنه يدل على التحريم ظاهراً وكونه للتورع عن المباح خلاف الأصل فلا يثبت إلا بدليل.
وأما مناقشة الحديث الرابع فجوابها أن ابن يونس ذكر في تاريخ المصريين أن الوليد بن عبدة قد روى عنه
يزيد بن أبي حبيب وبهذا ارتفعت جهالته على أنه يشهد له حديث ابن عباس المروي بعده والحديث
الضعيف يتقوى بشاهده.
ومناقشة الحديث الخامس باطلة. لأن الحمل على حرمة المعازف لاقترانها بأمر محرم لا دليل عليه.
وأما مناقشة السادس فجوابها أن الغرابة في هذا الحديث لا تضر، فإن عبارة الترمذي تدل على أنه روي
متصلاً من طريق ومرسلاً من طريق أخرى. فهو بهذا يتقوى ويصلح للاستدلال على أن معناه مؤيد
بحديث أبي هريرة الآتي بعده. والحديث الضعيف إذا روي معناه من طريق كفي في الاستدلال وأما
مناقشة الحديث السابع فجوابها أن مجد الدين بن تيمية في المنتقى نقل عن الترمذي أنه قال هذا حديث
حسن غريب، فالغرابة إذا لا تقدح فيه لأنه يكفي في الاحتجاج بالحديث أن يكون حسناً وإن لم يرد إلا
من وجه واحد وأما مناقشة الحديث الثامن فجوابها أن فرقداً هذا قال ابن معين هو ثقة وقال الترمذي تكلم
فیه یحیی بن سعید، وقد روى عنه الناس ا هـ.
=

٥٦٧
كتاب الإجارة
فقول الترمذي وقد روى عنه الناس فيه رد على يحيى بن سعيد وبيان أن تكلمه فيه غير قادح لأن الناس
=
لم يتركوه والتعديل مقدم على الجرح الذي لم يفسر كما لا يخفى.
وأما مناقشة الحديث التاسع، فجوابها أن عبيد الله بن زحر لا يضره كل ما قيل فيه، فقد قال أبو زرعة أنه
صدوق وقال النسائي لا بأس به، ونقل المجد بن تيمية عن البخاري أنه ثقة ولو سلم ما قيل فيه فغاية
ذلك أن الحديث ضعيف وقد روى معناه من طرق كما عرفت.
وبالجملة فهذه الأحاديث لا يضرها الكلام في أسانيدها فإنها تنتهض بمجموعها ولا سيما أنه قد حسن
بعضها فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره.
ب - واستدل الآخرون على ما ذهبوا إليه من جواز استعمال المعازف واستماعها فيجوز استئجارها بما يأتي:
أولاً: ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه عن بريدة قال خرج رسول الله وَير في بعض مغازيه فلما
انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب بين يديك
بالدف وأتغنى قال لها إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم
دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت أستها ثم قعدت
عليه فقال رسول الله ◌َ﴿ إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالساً وهي تضرب فدخل أبو بكر
وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت
الدف.
وأخرجه أيضاً ابن حبان والبيهقي.
وجه الدلالة أن المرأة نذرت أن تضرب بين يدي رسول الله، وقد أذنها في الضرب ولو كان معصية ما
أقرها على الوفاء بنذرها.
والدف من آلات اللهو فيجوز استعماله واستماعه وإذا جاز ذلك جازت إجارته.
ثانياً: ما رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والحاكم عن محمد بن حاطب قال قال رسول الله وَيه
فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح اهـ.
فالنكاح حلال والزنا حرام والفصل بينهما مشروع بما ذكر فيكون مأذوناً فيه فيدل على جواز استئجاره.
ثالثاً: ما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله وَر أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في
المساجد واضربوا عليه بالدفوف: ورواه بنحوه ابن ماجه والبيهقي اهـ.
وجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ◌ّل# أمر بضرب الدفوف في النكاح، فكان هذا دليلاً على
مشروعيتها ومشروعية استماعها وإذا فيجوز كراؤها.
رابعاً: ما رواه أحمد والبخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال
النبي ◌َّ يا عائشة ما كان معكم من لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو! هـ.
والمراد باللهو الضرب بالدف مع الغناء فقد جاء في بعض رواية حديث عائشة فهل بعثتم جارية تضرب
بالدف وتغني قلت تقول ماذا قال تقول:
أتيـنـاكم أتيناكم فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحمـــ ر ماحلت بواديكم
ولولا الحنطة السمرا ما سمنت عذاريكم
=

٥٦٨
كتاب الإجارة
خامساً: وأخرجه النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال دخلت على قرظة بن كعب وأبي
=
مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يغنين فقلت أي صاحبي رسول الله وّ﴿ أهل بدر يفعل عندكم
لهذا.
فقالا اجلس إن شئت فاستمع وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس: ١ هـ.
والحديث صريح في إثبات المطلوب لأن الصحابة لا يفعلون مثل هذا من أنفسهم فلا بد من توقيف.
سادساً: ما رواه البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان
وتضربان بالدف ورسول الله وَّللر مسجّن بنوبه فانتهرهما فكشف رسول الله ﴿ وجه وقال وعهما يا أبا
بکر فإنها أيام عيد ا هـ.
وجه الدلالة: أن الرسول وَل# قد أذن الجاريتين في الغناء والضرب وسمعه منهما إذن لعائشة في سماعه
والاستماع إليه، وأنكر على أبي بكر تعرضه لهن.
وهذا كله يفيد جواز استئجار الآت الملاهي.
سابعاً: أن الأصل في الأفعال الإباحة ما لم يرد ما يدل على المنع ولم يرد في الكتاب ولا في السنة
الصحيحة ولا الإجماع ولا القياس ولا الاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة
مع آلة من الآلات. وما ورد فيه من الأحاديث فأكثره ضعيف والصحيح منه لا دلالة فيه، وإذا ثبت جواز
استعمال الآلات واستماعها جازت إجارتها لأن استعمالها من المنافع المباحة المقصودة.
هذه أدلة المجوزین.
وقد ناقش المانعون هذه الأدلة كلها ما عدا الأخير منها، بأنها إنما وردت في خصوص الضرب الدف وفي
خصوص المناسبات الثلاث السارة وهي الرجوع من العزو والنكاح والعيد، ولا يقاس على الدف المزامير
ولا الآلات ذوات الأوتار لعظم الفرق بينها، ولا يقاس على المناسبات الثلاثة إلا ما شابهها، فيبقى جميع
الآلات سوى الدف مطلقاً، وكذا الدف في غير المناسبات مسكوتاً عنه في هذه الأحاديث ويكفي في
تحريمه مجموع الأحاديث الدالة على تحريم المعازف.
وقد علمت انتهاض مجموعها للدلالة وإن كان كل واحد منها بخصوصه يمكن إيراد شيء من المناقشات
عليه .
وأما الأخير فهو مدفوع بما ورد من الأدلة الكثيرة التي يدل مجموعها على التحريم العام، فلا يخرج عنه
إلا ما دلت الأدلة على حله من خصوص الدف في المناسبات.
من تأمل في أدلة الفريقين وما دار حولها من مناقشات وأجوبة لم يسعه إلا أن يختار التفصيل في آلات
اللهو بين الدف وغيره، وفي أزمانه بين المناسبات السارة وغيرها فيحكم بجواز ضرب الدفوف في النكاح
والرجوع من الغزو والعيد ونحو ذلك، وبتحريم ما دعا الدف من الآلات في المناسبات وغير المناسبات
وتحريم الدف في غير المناسبات.
وعلى هذا تجوز إجارة الدفوف في هذه الأحوال الخاصة.
وهذا كله مفروض فيما لا يقترن بمعصية أو يدعو إلى منكر وإلا حرم من غير تفصيل.
وبهذا تعلم تحريم ما اعتاده أهل العصر من كراء المغنين والمغنيات على المعازف، وأن الكراء لذلك سنه
وفسق، وأن الأجرة عليه محرمة خبيثة لا سيما أن القائمين والقائمات بذلك لا يقتصرون على مجرد=

٥٦٩
كتاب الإجارة
والنوح؛ بخلاف الاستئجار لكتابة الغناء والنوح أنه جائز؛ لأن الممنوع عنه نفس الغناء والنوح
لا کتابتهما.
وكذا لو استأجر رجلاً ليقتل له رجلاً أو ليسجنه(١) أو ليضربه ظلماً، وكذا كل إجارة
وقعت لمظلمة؛ لأنه استئجار لفعل المعصية، فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعاً،
فإن كان ذلك بحق بأن استأجر إنساناً لقطع عضو، جاز؛ لأنه مقدور الاستيفاء، لأن محله
معلوم فيمكنه أن يَضَعَ السكين عليه فيقطعه.
وإن استأجره لقصاص في النفس لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وتجوز عند محمد
هو بقول استيفاء القصاص بطريق مشروع، هو حز الرقبة، والرقبة معلومة، فكان المعقود عليه
مقدور الاستيفاء، فأشبه الاستئجار لذبح الشاة وقطع اليد، وهما يقولان إن القتل بضرب العتق
يقع على سبيل التجافي عن المضروب، فربما يصيب العنق وربما يعدل عنه إلى غيره، فإن
أصاب كان مشروعاً وإن عدل كان محظوراً؛ لأنه يكون مثله، وأنها غير مشروعة، بخلاف
الاستئجار على تشقيق الحطب، لأنه وإن كان ذلك يقع على سبيل التجافي فكله مباح، وههنا
بخلافه، فَلَمْ يَكُن هذا النوع من المنفعة مقدور الاستيفاء، وليس كذلك القطع والذبح؛ لأن
الغناء، بالآلات بل يجمعون إلى ذلك أكثر أنواع الفسق والفجور من الخمر والمخدرات واتخاذ الأخلاء
=
والخليلات والخلوة بالأجنبيات وكشف العورات واستعمال الأغاني المثيرة للشهوات والمحرضة على
ارتكاب الموبقات.
وأما المذياع فمعلوم أنه يذيع حلالاً وحراماً فمثله مثل الرجل الذي يستطيع النطق بالحلال والحرام فإذا
اكترى للحلال جاز وإذا اكترى للحرام لم يجز وإذا اكتری لهما معاً لم يجز أيضاً، لما علم أن درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فكذلك المذياع إذا اكترى لسماع القرآن أو المحاضرات أو الأخبار أو نحو ذلك واقتصر مكتريه على ذلك
لم يحرم، وإذا اكترى على الأطلاق أو كان القصد إلى خصوص المحرمات لم يجز، وإذا اكترى للحلال
وخيف استعماله في الحرام سواء أكان مستعملة هو المكتري أو غيره حرم ذلك لأن ما يؤدي إلى الحرام
حرام.
ولا يفوتني هنا أن أنحي باللائمة على أولياء أمورنا في هذا البلد الذي يعتبر في مقدمة البلاد الإسلامية بل
يعتبر قدوة لها جميعاً حيث تركوا للمستهزئين الحيل على الغارب ووكلوا الأشراف على الإذاعات إلى قوم
لا يفرقون بين ما يحل وما يحرم.
وليتهم اقتصروا على ذلك ولم يوغلوا في الحرام ويغلبوه على الحلال حتى إنهم جعلوا حضة القرآن
والحديث في أوقات قصيرة جداً وخصصوا لها الأوقات التي يخرج فيها الناس من بيوتهم لقضاء
أشغالهم، وكأنهم تعمدوا ذلك ليتخيروا للملاهي أوقات الراحة والإصغاء.
ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ.
(١) في أ: ليشجه.

٥٧٠
كتاب الإجارة
القطع يقع بوضع السكين على موضع معلوم من اليد وهو المفصل وإمراره عليه؛ وكذلك
الذبح، فهو الفرق.
ولو استأجر ذميٍّ من مسلم بيعة ليصلي فيها لم يجز، لأنه استئجار لفعل المعصية، وكذا
لو استأجر ذمي من ذمي لما قلنا، ولو استأجر الذمي داراً من مسلم وأراد أن يصلي فيها من
غير جماعة أو يتخذها مصلى للعامة، فقد ذكرنا حكمه فيما تقدم، ولو استأجر ذمي مسلماً
ليخدمه، ذكر في الأصل أنه يجوز وأكره للمسلم خدمة الذمي، أما الكراهة فلأن الاستخدام
استذلال، فكان إجارة المسلم نفسه منه إذلالاً لنفسه، وليس للمسلم أن يذل نفسه خصوصاً
بخدمة الكافر.
وأمَّا الجواز فلأنه عقد معاوضة فيجوز كالبيع، وقال أبو حنيفة: أكره أن يستأجر الرجل
امرأة حرة يستخدمها ويخلو بها، وكذلك الأمة وهو قول أبي يوسف ومحمد، أما الخلوة فلأن
الخلوة بالمرأة الأجنبية معصية، وأما الاستخدام فلأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها والوقوع في
المعصية .
ويجوز الاستئجار لنقل الميتات والجيف والنجاسات؛ لأن فيه رفع أذيتها عن الناس، فلو
لم تجز لتضرر بها الناس.
وقال ابن رستم عن محمد أنه قال: لا بأس بأجرة الكناس؛ أرأيت لو استأجره ليخرج له
حماراً ميتاً أما يجوز ذلك؟ ويجوز الاستئجار على نقل الميت الكافر إلى المقبرة؛ لأنه جيفة
فيدفع أذيتها عن الناس كسائر الأنجاس.
وجه قياس قول أبي حنيفة ما ٥كرنا أن الدعوى شرط والمدعي مجهول.
وجه الاستحسان: أن المدعي ههنا معلوم، لأن الإعتاق في مرض الموت وصية،
والخصم في تنفيذ الوصية هو الموصي، فكان الميت المشهود له لوقوع الشهادة له، فكان
المدعي معلوماً، فجازت الشهادة له، بخلاف حال الصحة؛ فإن الشهادة هناك وقعت لأحد
العبدين فكان المدعي مجهولاً، فلم تجز الشهادة، ولأن المولى لما مات فقد شاع العتق فيهما
جمعياً، فصار كُلُّ واحدٍ منهما خصماً في حق نفسه. متعيناً، فتقبل الشهادة، بخلاف حال
الحياة والصحة.
وكذلك جواب أبي حنيفة في هذه المسألة في الأمتين بأن شَهِدًا بأنه أَعتق إحدى أمتيه -
أنها لا تقبل؛ لأن انعدام اشتراط الدعوى بقبول الشهادة على عتق الأمة لكونه سبباً لحرمة
الفرج، وهي حق الله - تعالى - ولا تثبت حرمة الفرج بالعتق المبهم عند أبي حنيفة، فكان
الحواب في العبدين والأمتين ههنا عنده على السواء، بخلاف ما إذا شهدا على أنه طلق إحدى

٥٧١
كتاب الإجارة
امرأتيه، أنها تقبل؛ لأنها قامت على سبب حرمة الفرج، والدعوى فيها ليست بشرط.
ولو شهدا أن أحد هذين الرجلين أعتق عبده فلاناً، لم تجز شهادتهما، لأن المدعى عليه
مجهول، ولو شهدا أنه أعتق عبداً له وسماه ونسياه أن الشهادة باطلةٌ لأن الشاهد إذا نسي ما
تحمل لا تقبل شهادته، ولو شهدا أنه أعتق عبده سالماً، ولا يعرفان سالماً، وله عبد اسمه
سالم، ليس له غيره، تقبل شهادتهما، ولو شهدا به في البيع لأ تقبل.
ووجه الفرق: أن البيع لا يحتمل الجهالة أصلاً، والعتق يحتمل ضرباً من الجهالة؛ ألا
ترى أنه لا يجوز بيع أحد العبدين، ويجوز إعتاق أحد العبدين، ولو اختلف الشاهدان في
الشرط الذي علق به العتق، لم تجز شهادتهما، لأنهما شهدا بعقدين، كُلُّ عقدٍ لا يثبت إلا
بشهادة شاهدین، ولم يوجد.
والأصل فيه: أنه إذا اختلفت شهادة الشاهدين، فإن كان ذلك في دعوى العتق لا تقبل
أصلاً، وإن كان في دعوى المال، ففيه تفصيل ووفاق واختلاف، نذكر ذلك كله في ((کتاب
الشهادات)) إن شاء الله تعالى، والله - عز وجل - أعلم.
تم الجزء الخامس، ويليه الجزء السادس
وأوله: ((بقية كتاب الإجارة))

فهرس المحتويات
كِتَابُ الظُّهَارِ
٣
فصل في شَرَائِطِ الظُّهارِ
٤
.
فصل فيما يرجع إلى المظاهر منه
١٠
فصل فيما يرجع إلى المظاهر به
١٢
فصل في حكم الظهار
١٤
فصل في بيان ما ينتهي به حكم الظهار
١٩
فصل في كفّارة الظهار
٢٠
كِتَابُ اللِّعَانِ
٢٥
فصل في صفة اللعان
٢٧
فصل في سبب وجوب اللعان
٣٠
فصل في شرائط الوجوب والجواز
٣٦
فصل فيما يظهر به الوجوب عند القاضي
٤٨
فصل فيما يسقط اللعان بعد وجوبه
٤٨
فصل في حكم اللعان
٥٠
فصل فيما يبطل به حكم اللعان
٦٠
كِتَابُ الرَّضَاعِ
٦١
فصل في المحرمات الرضاع
٦٢
فصل في صفة الرضاع المحرم
٧٣
٥٧٣

٥٧٤
فهرس المحتويات
فصل فيما يثبت به الرضاع
١٠٣
كِتَابُ النَّفَقَةِ
١٠٨
فَضْل في سبب الوجوب
١١٤
١٢٨
فَضْل في شرط الوجوب
١٤٥
فَضْل في مقدار الواجب .
١٥٤
فصل في كيفية الوجوب
١٦٤
فصل فيما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها ديناً في الذمة
فصل في نفقة الأقارب
١٦٦
فصل في سبب وجوب نفقة الأقارب
١٧٤
١٨٠
فصل في شرائط وجوب هذه النفقة
فصل في مقدار الواجب من هذه النفقة
١٩٧
١٩٧
فصل في كيفية الوجوب
١٩٨
فصل في المسقط لها بعد الوجوب
١٩٨
فصل في نفقة الرقيق
١٩٩
فصل في سبب وجوبها
٢٠٠
فصل في شرط وجوبها
٢٠٠
فصل في مقدار الواجب منها
٢٠٠
فصل في كيفية وجوبها
٢٠٢
كِتَابُ الحِضَائَةَ
٢٠٥
فصل في بيان مَنْ له الحضانة
فصل في وقت الحضانة من قبل النساء
٢١٢
فصل في مكان الحضانة
٢١٧
كِتَابُ الإغتَاقِ
٢٢٢

٥٧٥
فهرس المحتويات
فصل في ركن الإعتاق
٢٢٥
فصل في شرائط الركن
٢٤٦
فصل في صفة الإعتاق
٣١٣
فصل في حكم الإعتاق ووقت ثبوت الحكم
٣٤٣
فصل فيما يظهر به حكمه
٣٦٤
كتاب التدبير .
٣٧٠
فصل في بيان ركن التدبير
٣٧٠
فصل في شرائط الركن
٣٧٧
فصل في صفة التدبير
٣٧٨
٠
فصل في حكم التدبير
٣٨٥
٣٩٢
.
فصل في بيان ما يظهر به التدبير
کتاب الاستیلاد .
٣٩٤
فصل في سبب الاستیلاد
٣٩٦
فصل في شروط الاستيلاد
٣٩٨
فصل في صفة الاستيلاد
٤٠٦
فصل في حكم الاستيلاد
٤٠٧
فصل فيما يظهر به الاستيلاد
٤١٨
كِتَابُ المُكاتب
٤١٩
فصل في ركن المكاتبة
٤٢٢
فصل في شروط الركن
٤٢٣
فصل في شروط الركن الراجعة إلى المكاتبة
٤٢٨
فصل فيما يرجع إلى بدل الكتابة
٤٣
فصل فیما یرجع إلى نفس الركن
٤٣٩

٥٧٦
فهرس المحتويات
فصل فيما يملك المكاتب من التصرفات
٤٤٣
فصل فيما يملك المولى من التصرف في المكاتب
٤٥١
فصل في صفة المكاتبة
٤٥١
٤٥٧
فصل في حكم المكاتبة
٤٧٤
فصل في بيان ما تنفسخ به الكتابة
٤٧٦
كِتَابُ الوَلاءِ
٥٠٠
فصل في ولاء الموالاة
٥٠٩
فصل في صفة الحكم
٥١٠
فصل في بيان ما يظهر به
٥١١
كِتَابُ الإِجَارَةِ
٥١٦
فصل في ركن الإجارة ومعناها
فصل في شرائط الركن
٥٢٤