Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الإعتاق بعضه، لأنه حُرِّ عندهما، وعنده بمنزلة [المكاتب](١)، ويدخل عبده المأذون سواء كان عليه دَیْنٌ أو لم یکن؛ لما قلنا. وأما عبيد عبده المأذون إذا لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ، فهل يدخلون؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يدخلون إلاَّ أن ينويهم. وقال محمدٌ: يدخلون من غير نية. وجه قوله: إنه لم يَكُنْ على العبد دينٌ فعبد عبده ملكه بلا خلاف فيعتق. ولهما أن في الإضافة إليه قصور، ألا ترى أنه يقال هذا عبد فلان، وهذا عبد عبده، فلا يدخل تحت مطلق الإضافة إلا بالنية؛ لأنه لما نوى فقد اعتبر الملك دون الإضافة، والحاصلُ أنَّ محمداً يعتبر نفس الملك ولا خلل في نفسه، وهما يعتبران معه الإضَافَةَ، وفي الإضافة خللٌ، واعتبارهما أولى؛ لأن الحالف اعتبر الأمرين جميعاً بقوله: كلُّ مملوكٍ لي، فما لم يوجدا على الإطلاق لا يعتق. وَإِنْ كَانَ على عبده دينٌ محيط برقبته وبما في يده لم يعتق عبيده عند أبي حنيفة، وإن نواهم؛ بناءً على أصله أن المولى لا يملك عبد عبده المأذون المديون ديناً مستغرقاً لرقبته و کسبه . وقال أبو يوسف: إن نواهم عُتقوا؛ لأنهم مماليكه، إلاَّ أنهم لا يضافون إليه عند الإطلاق، فإذا نوى وفيه تشديدٌ على نفسه عُتقوا، وعند محمد يعتقون وإن لم ينوهم بناء على ما ذكرنا أنَّ محمداً لا ينظر إلا إلى الملك؛ وهما ينظران إلى الملك والإضافة جميعاً، ولا يدخل فيه مملوك/ بينه وبين أجنبي؛ كذا قال أبو يوسف؛ لأنَّ بَعْضَ المملوكِ لا يسمى مملوكاً ١٦٧أ حقيقية، وإن نواه عتق استحساناً؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه في الجملة، وفيه تشديد على نفسه فيصدق، وهل يدخل فيه الحمل؟ إن كانت أمة في ملكه يدخلُ ويعتق بعتقها، وإن كان في ملكه الحمل دون الأمة(٢)؛ بأن كان موصى له بالحمل لم يعتق؛ لأنه لا يسمى مملوكاً على الإطلاق؛ لأن فى وجوده خطراً، ولهذا لا يجب على المولى صدقة الفطر عنه. والدليل عليه أنه لو قال: إن اشتريتُ مملوكين فهما حُرَّان، فاشترى جارية حاملاً لم يعتقا؛ لأنَّ شرط الحنث شراء مملوكين، والحملُ لا يسمى مملوكاً على الإطلاق؛ وكذا لو قال (١) في ط : المكاتبة. (٢) في أ: الأم. ٢٨٢ کتاب الإعتاق لأمتِهِ كُلِّ مملوكٍ لي غيرك [فهو](١) حر، لم يعتق حملها، فثبت أن إطلاق اسم المملوك لا يتناوك الحمل، فلا يعتق إلاّ إذا كانت أمة في ملكه فيعتق بعتقها، لأنه في حكم أجزائها. وَأَمَّا التعليقُ الذي فيه معنى المعاوضة فهو الكتابة والإعتاق على مال، أما الكتابة فلها كتاب مفرد، وأما الإعتاق على مال فالكلام فيه في مواضع: في بيان ألفاظه، وفي بيان ماهية الإعتاق على مال، وفي بيان ما يصح تسميته فيه من البدل وما لا يصح، وفي بيان حكم صحة التسمية وفسادها. أما الأولُ: فنحو أن يقول لعبده: أنت حر على ألف درهم، أو بألف درهم، أو على أن تعطيني ألفاً، أو على أن تؤدي إليَّ ألفاً، أو على أن تجيثني بألفٍ، أو على أنَّ لي عليك ألفاً، أو على ألف تؤديها إليَّ. وكذا لو قال: بعتُ نفسك منك على كذا، أو وهبتُ لك نفسك على أن تعوضني كذا، فهذا وقوله: أنت حرّ على كذا، أو أعتقك على كذا - سواءً إذا قبل عتق لما ذكر فيما تقدم أن البيع إزالة ملك البائع عن المبيع، والهبة إزالة ملك المواهب عن الموهوب. ثم لو كان المشتري والموهوب له ممن يصح له الملك في المبيع والموهوب يثبت الملك لهما، والعبد ممن لا يصح أن يملك نفسه لما فيه من الاستحالة، فنفى البيع والهبة إزالة الملك لا إلى أحد ببدل على العبد، وهذا تفسير الإعتاق على مال. ولو قال: أنْتَ حُرِّ وَعَلَيْكَ ألف درهم، يعتق من غير قبول، ولا يلزمه المال عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يعتق إلاَّ بالقبول، فإذا قبل عتق ولزمه المال، وعلى هذا الخلاف إذا قال العبد لمولاه: أعتقني ولك ألفُ درهم، فأعتقه، والمسألة ذكرت في ((كتاب الطلاق)). وأما بيان ماهيته: فالإعتاق علَى مال من جانب المولى تعليقٌ، وهو تعليق العتق بشرط قبول العرض، فيراعى فيه من جانبه أحكام التعليق، حتى لو ابتدأ المولى فقال: أنت حر على ألف درهم، ثم أراد أن يرجع عنه قبل قبول العبد، لا يملك الرجوع عنه ولا الفسخ ولا النهي عن القبول، ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول العبد، ولا يشترط حضور العبد حتى لو كان غائباً عن المجلس يَصِحُّ، ويصح تعليقه بشرط، وإضافته إلى وقتٍ؛ بأن يقول له: إنْ دخلتَ الدارَ، وَإن كلَّمتَ فلاناً فأنت حُرٍّ على ألف درهم، أو يقول: إنْ دَخَلْتَ، أو إنْ كلمت فلاناً فأنت حُرٍّ على ألف درهم غداً، أو رأس شهر كذا؛ ونحو ذلك، ولا يصح شرط الخيار فيه بأن قال: أنْتَ حُرِّ على ألفٍ، على أني بالخيار ثلاثة أيام. (١) سقط من ط . ٢٨٣ كتاب الإعتاق ومن جانب العبد معاوضة وهو معاوضة المال بالعتق؛ لأنه من جانبه تمليك المال بالعوض؛ وهذا معنى معاوضة المال، فيراعى فيه من جانبه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه، حتى لو ابتدأ العبد فقال: اشتريتُ نفسي منك بكذا، فله أنْ يَرْجِعَ عنه ويبطل بقيامه عن المجلس قَبْلَ قبول المولى، وبقيام المولى أيضاً، ولا يقف على الغائب عن المجلس، ولا يحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت؛ بأن قال: اشتريت نفسي منك بكذا إذا جاء غد، أو قال: عند رأس شهر كذا. ولو قال: إذا جاء غَدٌ فأعتقني على كذا جاز؛ لأن هذا توكيل منه بالإعتاق حتى يملك العبد عزله قَبْلَ وجود الشرط وبعده وقبل أن يعتق، ولو لم يعزله حتى أعتقه نفذ إعتاقه، ويجوز بشرط الخيار لهما عند أبي حنيفة على ما ذكرنا في ((كتاب الطلاق)) في فصل «الخلعُ والطلاق على مال))، ولا يصحُّ الإعتاق على مال إلاَّ في الملك؛ لأنَّ التعليق بما سوى الملك وسببه من الشروط لا صحة له بدون الملك؛ وكذا المعاوضة. ويعتق العبد بنفس القبول؛ لأنهُ من جانبه تعليق العتق بشرط قبول العوض وقد وجد الشرط، فينزل المعلق، كالتعليق بدخول الدار وغيره، ومن جانب العبد معاوضة، وزوال الملك عن المعوض يتعلق بنفس قبول العوض في المعاوضات كالبيع ونحوه؛ بخلاف قوله: إن أديت إليَّ ألفاً فأنت حر؛ لأنَّه لَيْسَ فيه معنى المعاوضة رأساً، بل هو تعليقٌ محضّ، وقد علقه بشرط الأداء، فلا يعتق قبله، والعتق ههنا تعلق بالقبول، فإذا قبل عتق. ولو قال المولى: أعتقتك أمس بألفِ درهم، فلم يقبل، وقال العبد: قبلت، فالقولُ قولُ المولى مع يمينه؛ لأنه من جانب المولى تعليقّ بشرط القبول، والعبد يدعي وجود الشرط والمولى ينكر، فكان القولُ قولَ المولى؛ كما لو قال لعبده: إِنْ دَخَلْتَ الدار اليوم فأنت حر، فمضي اليوم والعبد يدعي الدخول، وأنكر المولى، كان القولُ قولَ المولى؛ كذا ههنا/ . ١١٦٨ ولو كان [هذا](١) الاختلاف في البيع، كَانَ القولُ قولَ المشتري؛ بأن قال البائعُ: بعتك عبدي أمس بألف درهم، فلم تقبل، وقال المشتري: بل قبلت، فالقولُ قولُ المشتري، والفرق أن البيع لا يكون بيعاً إلا بعد قبول المشتري، فإذا قال: بعتُك، فقد أقر بالقبول، فبقوله لم تقبل، يريدُ الرجوع عما أقر به وإبطال ذلك، فلم يقبل بخلاف الإعتاق على مالٍ، لأن كونه تعليقاً لا يقف على وجود القبول من العبد، إنَّما ذاك شرط وقوع العتق، فكان الاختلاف واقعاً في ثبوت العتق وعدمه، فكان القولُ قولَ المولى. (١) سقط من ط . ٢٨٤ كتاب الإعتاق ولو اختلف المولى والعبد في مقدار البدل، فالقولُ قولُ العبد؛ لأنه هو المستحق عليه المال، فكان القولُ قولهُ في القدر المستحق كما في سائر الديون، ولأنه لو وقع الاختلاف في أصل الدين كان القولُ قولَ المنكر، فَكَذَا إذا وقع في القدر، وَإِنْ أقَامًا بينة، فالبينة بينة المولى؛ لأنها تثبت زيادة بخلاف التعليق بالأداء إذا اختلفا في مبلغ المال أنَّ القولَ فيه قولُ المولى؛ لأن الاختلاف هناك وقع في شرط ثبوت العتق، إذا هو تعليق محضٍ، فالعبد يدعي العتق على المولى وهو ينكر، فكان القول قوله، وإن أقاما البينة، فالبينةُ بينة العبد؛ لأن الأصل هو العمل بالبينتين ما أمكن، إذْ هو عمل بالدليلين، وههنا أمكن الجمع بينهما لعدم التنافي؛ لأنا نجعل كأن المولى علق عتقه بكلٌ واحد من الشرطين على حياله، فأيهما وجد عتق، ثم إذا قبل العبد عتق وصار البدل المذكور ديناً في ذمته إذا كان مما يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة على ما تبين، ويسعى وهو حُرِّ في جميع أحكامه. وذكر على الرازي أصلاً فقال: المستسعى على ضربين: كُلُّ مَنْ يسعى في تخليص رقبته فهو في حكم المكاتب عند أبي حنيفة، وكلُّ من يسعى في بدل رقبته الذي لزمه بالعتق، أو في قيمة رقبته لأجل بدل شرط عليه أو لدين ثبت في رقبته فهو بمنزلة الحرّ في أحكامه، مثل أن يعتق الراهن عبده المرهون وهو معسرٌ. وكذلك العبد المأذون إذا أعتق عليه دين، وكذلك أمة أعتقها سيدها على أن تتزوجه فقبلت، ثم أبت، فإنها تسعى في قيمتها وهي بمنزلة الحرة، وكذلك إذا قال لعبده: أنت حُرّ رقبتك، فقبل ذلك فهو بمنزلة الحر، وإنما كان كذلك لأن السعاية في هذه الفصول لزمت بعد ثبوت الحرية، وفي الفصل الأول قبل ثبوتها، وإنما يسعى ليتوسل بالسعاية إلى الحرية عند أبي حنيفة . وَعَلَى هذا لو أبرأ المولى المكاتب من مال الكتابة، فلم يقبل، فهو حر وعليه أن يؤدي الكتابة؛ لأنَّ الإبراء يصح من غير قبول إلاَّ أنه يرتد بالرد، لكن فيما يحتمل الرد، والعتق لا يحتمل الرد فلم يرتد بالرد، والمال يحتمل الرد فيرتد بالرد، فيعتق ويلزمه المال. ولو قال لأمته: أنت حرة على ألف درهم، فقبلت ثم ولدت ثم ماتت، لم يكن على الولد أنْ يَسْعَى في شيءٍ مما أعتقت عليه؛ لأنها عتقت بالقبول، ودَيْنُ الحرة لا يلزم ولدها، وسواء أعتق عبده على عوض فقبل، أو نصف عبده على عوض فقبل - أنه يصح غير أنه إذا أعتق نصفه على عوض فقبل يعتق نصفه بالعوض ويسعى العبد في نصف قيمته عن النصف الآخر، فإذا أدَّى بالسعاية عتق باقيه وهو قبل الأداء بمنزلة المكاتَبِ في جميع أحكامه إلاَّ أنه لا يرد في الرق، وهذا قول أبي حنيفة . وعلى قول أبي يوسف ومحمد: يُعتق كله ولا سعاية عليه بناءً على أن العتق يتجزأ عنده، ٢٨٥ كتاب الإعتاق فعتق البعض يوجب(١) عتق الباقي، فيجب تخريجه إلى العتاق، فيلزمه السعاية، وعندهما لا يتجزأ، فكان عتق البعض بعوض عتقاً للكل بذلك العوض، وذكر محمد في الزيادات فيمن قال لعبدِهِ: أنت حر على ألف درهم أنت حر على مائة دينار، فقال العبد: قد قبلت، عتق، وكان عليه المالان جميعاً . وكذا لو قال لامرأتِهِ: أنت طالقٌ ثلاثاً على ألف درهم، أنت طالقٌ ثلاثاً على مائة دينار، فقالت: قد قبلت، فطلقت ثلاثاً بالمالين جميعاً، وهذا قول محمدٍ . وقال أبو يوسف في مسألة الطلاق القبول على الكلام الأخير، وهي طالقٌ ثلاثاً بمائة دینار . قال الكرخي : وكذلك قياسُ قوله في العتق ووجهه/ أنه لما أوجب العتق بعوض ثم أوجبه بعوض آخر فقدِ انفسخَ الإيجاب الأول، ١٦٨أ فَتَعَلَّقَ القبولُ بالثاني كما في البيع، ولمحمد أن الإعتاق والطلاق على مال تعليق من جانب المولى والزوج، وأنه لا يحتمل الانفساخ، فلم يتضمن الإيجاب الثاني انفساخ الأول، فيصح الايجابان وينصرف القبول إليهما جميعاً؛ إذ هو يصلح جواباً لهما جميعاً، فيلزم المالان جميعاً بخلاف البيع؛ لأن إيجاب البيع يحتمل الفسخ فيتضمن الثاني انفساخ الأول. وَلَوْ بَاعَ المولى العبد من نفسه أو وهب له نفسه على عوضٍ، فله أن يبيع العوض قبل القبض؛ لأنه مملوك بسبب لا ينفسخ بهلاكه، فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالميراث، وله أن يعتقَّهُ على مالٍ مؤجلٍ، ويكون ذلك ديناً عليه مؤجلاً، وله أن يشتري منه شيئاً يداً بيدٍ، ولا خير فيه نسيئةً؛ لأن من أصل أصحابنا أن جميع الديون يجوزُ التصرفِ فيها قبل القبض؛ كأثمان البياعات والعروض والغصوب، إلاَّ بدل الصرف والسلم إلاَّ أنه لا بد من القبض في المجلس؛ لئلا يكون افتراقاً عن دين بدين، ولو أعطاه كفيلاً بالمال الذي أعتقه عليه فهو جائز، لأنه صار حرّاً بالقبول، والكفالة بدينٍ على حر جائزة؛ كالكفالة بسائر الديون، وولاؤه يكون للمولى لأنه عتق على ملكه والمال دين على العبد؛ لأنه في جانبه معاوضة والمولى أيضاً لم يرض بخروجه عن ملكه إلاَّ يبدل، وقد قبله العبد، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما بيان ما تصح تسميته من البدل وما لا تصح، وبيان صحة (٢) التسمية وفسادها؛ فالبدلُ لا يخلو إما أن يكون عين مال، وإما أن يكون منفعة وهي الخدمة؛ فإن كان عين مال، فإما أن يكون بعينه بأن كان معيناً مشاراً إليه، وإما إن كان بغير عينه بأن كان مسمى غير مشار (١) في أ: لا يوجب. (٢) في ط: حكم. ٢٨٦ كتاب الإعتاق إليه، فإن كان بعينه عتق إذا قبل؛ لأن عدم ملكه لا يمنع صحة تسميته عوضاً؛ لأنه مال معصوم متقوم معلوم، ثم إن أجاز المالك سلم عينه إلى المولى، وإن لم يجز فعلى العبد قيمة العين؛ لأن تسميته قد صحت، ثم تعذر تسليمه لحق الغير فتجب قيمته؛ إذ الإعتاق على القيمة جائزٌ؛ كما إذا قال: أعتقتُكَ على قيمة رقبتك، أو على قيمة هذا الشيء فقبل يعتق؛ وكذا عدم الملك في باب البيع لا يمنعُ صحة التسمية(١) أيضاً حتى لوِ اشترى شيئاً بعبد مملوكٍ لغيره صَحّ العقدُ إلاَّ أنَّ هناك إن لم يجز المالك يفسخ العقد؛ إذ لا سبيل إلى إيقاعه على القيمةِ؛ إذ البيع على القيمة بيع فاسدٌ، وههنا لا يفسخ لإمكان الإيقاع على القيمة؛ إذ الإعتاق على القيمة إعتاق صحيح، فتجب قيمته كما في [باب](٢) النكاح والخلع والطلاق على مال، وإن كان بغير عينه، فإن كان المسمى معلومَ الجنس والنوع والصفة؛ كالمكيل والموزون - فعليه المسمى، وإن كان معلوم الجنس، والنوع مجهول الصفة كالثياب الهروية والحيوان من الفرس والعبد والجارية، فعليه الوسط في ذلك، وإذا جاء بالقيمة يجبر المولى على القبول؛ لأن جهالة الصفة لا تمنع صحة التسمية فيما وجب بدلاً عما ليس بمالٍ؛ كالمهر، وبدل الخلع، والصلح من دم العمد. وإن كان مجهول الجنس؛ كالثوب والدابة والدار، فعليه قيمة نفسه؛ لأن الجهالة متفاحشة ففسدت التسمية . وَالأصل فيه إن كل جهالة تزيد على جهالة القيمة توجب فساد التسمية كالجهالة الزائدة على جهالة مهر المثل في باب ((النكاح))، وَالكَلامُ فيه كالكلام في المهر، وقد ذكرناه على سبيلِ الاستقصاء في ((كتاب النكاح))، إلاّ أن هناك إذا فسدت التسمية يجب مهر المثل، وههنا تجب قيمة العبد؛ لأن الموجب الأصلي هناك مهر المثل؛ لأنه قيمة البضع وهو العدل والمصير إلى المسمى عند صحة التسمية، فإذا فسدت صير إلى الموجب الأصلي، والموجبُ الأصلي ههنا قيمة العبد؛ لأن الإعتاق على مال معاوضة من جانب العبد ومبنى المعاوضة على المعادلة وقيمة الشيء هي التي تعادله إلاَّ أن عند صحة التسمية يعدل عنها إلى المسمى، فإذا فسدت وجب العوض الأصلي وهو قيمة نفس العبد، وإن كان البدل منفعة وهي خدمته بأن قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني سنة، فقبل، فهو حر حين قبل ذلك، والخدمة عليه أن يؤخذ بها؛ لأن تسمية الخدمة قد صحت فيلزمه المسمى؛ كما إذا أعتقه على مال عين، فإن مات المولى قبل الخدمة بطلت الخدمة؛ لأنه قبل الخدمة للمولى وقد مات المولى لكن للورثة أنْ يأخُذُوا العبد بقيمة نفسه، وإن كان قد خدم بعض السنة، فلهم أن يأخذوه بقدرِ ما بقي من الخدمة، وَهَذَا قولُ أبي حنيفة وأبي يوسف. (١) في ط: التسليم. (٢) سقط من ط. ٢٨٧ كتاب الإعتاق وقال محمد: يؤخذُ العبدُ/ بقيمة تمام الخدمة إن كان لم يخدم، وإن كان قد خدم بَعْضَ ١٦٨ب الخدمةِ يُؤْخَذُ بقيمةِ ما بقي من الخدمة . وكذلك إذا قال: أنْتَ حُرِّ على أنْ تَخْدِمَنِي أربع سنين، فمات المولى قبل الخدمة على قولهما على العبد قيمة نفسه، وعلى قول محمدٍ عليه قيمة خدمته أربع سنين، ولو كان العبد خدمه ثم مات المولى، فعلى قولهما على العبد ثلاثة أرباع قيمة نفسه، وعلى قول محمدٍ عليه قيمة خدمته ثلاث سنین. وكذلك لو مات العبد وترك مالاً يقضي لمولاه في ماله بقيمة نفسه عندهما، وعنده يقضي بقيمة الخدمة. وأصلُ المسألةِ أن من باع العبد من نفسه بجارية بعينها، ثم استحقت الجارية، فعلى قولهما يرجع العبد بقيمة نفسه، وعلى قول محمد يَرْجَعُ عليه بقيمة الجارية، وكذلك لو لم تستحق ولكنه وجد بها عيباً فردها، فهو على هذا الاختلاف. وجملة الكلام فيه: أن المولى إذا قبض العوض ثم استحق من يده، فإن كان العوضُ بغير عينه كالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة، أو العروض والحيوان كالثوب الهروي والفرس والعبد والجارية، فعلى العبد مثله في المكيل والموزون والوسط في الفرس والحيوان؛ لأنَّ العقدَ وَقَعَ على مال في الذمة، وإنما المقبوض عوض عمَّا في الذمة، فإذا استحق المقبوض فقد انفسخ فيه القبض فبقي موجب العقد على حاله، فله أن يرجع على العبد بذلك، وإن كان عيناً في العقد وهو مكيل أو موزون، فكذلك يرجع المولى على العبد بمثله لما قلنا، وإن كان عرضاً أو حيواناً، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يرجع على العبد بقيمة نفسه، وقال محمدٌ: يرجع عليه بقيمة المستحق . وجه قول محمد إن العقد لم يفسخ باستحقاق العوض؛ لأنه لا يحتمل الفسخ فيبقى موجباً لتسليم العوض، وقد عجز عن تسليمه، فيرجع عليه بقيمته كالخلع والصلح عن دم العمد . ولهما أن العقد قد انفسخ في حق أحد العوضين وهو المستحق؛ لأنه تبين أنه وقع على عين هي ملك المستحق ولم يجز، وإذا انفسخ العقد في حقه لم يبق موجباً على العبد تسليمه، فلا يجب عليه قيمته، وانفساخُهُ في حق أحد العوضين يقتضي انفساخه في حق العوض الآخر، وهو نفس العبد إلاّ أنه تعذر إظهاره في صورة العبد فيجب إظهاره في معناه، وهو قيمته، فتجب عليه؛ إذْ قيمته قائمة مقام رد عينه؛ كمن باع عبداً بجارية فأعتقها ومات العبد قبل التسليم إنه يجب على البائع رد قيمة العبد لا ردّ قيمة الجارية؛ كذا ههنا. ٢٨٨ كتاب الإعتاق ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الاختلاف في العيب إذا كان العيب فاحشاً؛ لأن العيب الفاحش في هذا الباب يوجب الردّ بلا خلاف كما في ((باب النكاح))، فأما إذا كان غير فاحش، فكذلك عندهما . وأما عند محمد فلا يملك ردها؛ لأنه مبادلة المال بمال ليس بمال فأشبه النكاح، والمرأة في ((باب النكاح)) لا تملك رَدَّ المهر إلاَّ في العيب الفاحش؛ وكذا المولى ههنا. ولو قال عبدُ رجلٍ لرجل: اشتر لي نفسي من مولاي بألف درهم فاشتراه، فالوكيلُ لا يخلو إما أن يبين وقت الشراء أنه يشتري نفس العبد للعبد، وإما أن لم يبين، فإن بين جاز للشراء وعتق العبد بقول(١) الوكيلِ ويجب الثمن؛ لأنه أتى بما وكل به فنفذ على الموكل. ثم ذكر في الجامع أن المولى يطالب الوكيل ثم الوكيل يطالب العبد، فقد جعل هذا التصرف في حكم معاوضة المال بالمال كالبيع ونحوه، لأن حقوق العبد إنما ترجع إلى الوكيل في مثل هذه المعاوضة. وذكر في ((كتاب الوكالة)) أنه يطالب العبد ولا يطالب الوكيل، واعتبره معاوضة المال بما ليس بمال كالنكاح والخلع والطلاق على مال والصلح عن دم العمد. وإن لم يبين يصير مشترياً لنفسه لا للعبد؛ لأنه إذا لم يبين، فالبائع رضي بالبيع لا بالإعتاق. فلو قلنا إنه يصير مشترياً للعبد ويعتق، لكان فيه إثبات الولاية على البائع من غير رضاه، وهذا لا يجوز، وكذلك لو بين لكنه لو خالف في الثمن بأن اشترى بزيادة يكون(٢) مشترياً لنفسه لما قلنا. هذا إذا أمر العبدُ رجلاً، فأما إذا أمَرَ الرجل(٣) العبدَ بأن يشتري نفسه من مولاه بألف درهم، فاشترى، فإن بين وقت الشراء أنه يشتري للآمر فيكون للآمر ولا يعتق، لأنه اشترى للآمر لا لنفسه فيقع الشراء للآمر، ويصير قابضاً لنفسه بنفس العقد؛ لأنه في يد نفسه وليس للبائع أن يحبسه لاستيفاء الثمن؛ لأنه صار مسلماً إياه حيث عقد على شيءٍ هو في يده وهو نفسه، ولو وجد الآمر به عيباً له أن يرَّدُهُ، ولكن العبد هو الذي يتولى الرد؛ لأنه وکیلٌ، ١٦٩أ وحقوق هذا العقد ترجع إلى العاقد، وإن لم يبين وقال/ لمولاه بع نفسي مني بألف درهم، فباع، صار مشترياً لنفسه وعتق؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق، وكذا إذا بين وخالف أمره يصير مشترياً لنفسه ويعتق. (١) في ط: بقبول. (٣) في ط: رجل. (٢) في أ: لا يكون. ٢٨٩ كتاب الإعتاق ولو قال لعبدٍ واحدٍ: أنت حر على ألف درهم، فقبل أن يقبل قال له: أنت حُرِّ على مائة دينار، فإن قال قبلت بالمالين عتق ويلزمه المالان جميعاً بلا خلاف، وإن قال قبلت مبهماً ولم یبین، فکذلك في قول محمد. وكذلك لو قال لامرأتِهِ: أنت طالقٌ ثلاثاً على ألف درهم، أنت طالق ثلاثاً على مائة دينار، أنها إن قالت قبلت بالمالين طلقت بالمالين بلا خلاف، وإن أبهمت بأن قالت قبلت، طلقت ثلاثاً بالمالين جميعاً في قول محمدٍ وأما عند أبي يوسف: فالقبولُ على الكلام الأخير في المسألتين، ووجهه أن القبول خرج عقب الإيجاب الأخير فينصرف إليه، ولأنه لما أوجب بعوض ثم أوجب بعوض آخر تضمن الثاني انفساخ الأول كما في البيع، فيتعلق القبول بالثاني كما في البيع، ولمحمدٍ الفرق بين الإعتاق والطلاق على مال وبين البيع وهو أن الإعتاق والطلاق على مال تعليق من جانب المولى والزوج، وأنه لا يحتمل الانفساخ، فلم يوجب الثاني رفع الأول بخلاف البيع؛ لأنه يحتمل الرفع والفسخ فيوجب الثاني ارتفاع الأول، هذا إذا قبل بالمالين أو قبل على الإبهام، فَأمَّا إذا قبل بأحد المالين بأن قال: قبلت بالدراهم أو قال: قبلت بالدنانير، ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أنه لا يعتق، وعلل بأن للمولى أن يقولَ: أعتقتك بالمالين جميعاً، فلا يعتق بقبول أحدهما مع الشك، وذكر أبو يوسف في الآمالي أنه يعتق، ووجهه أن المولى أتى بإيجابين مختلفين فَكَانَ للعبدِ أن يقبل بأيهما شاء. ولو قال: أنت حُرِّ عَلَى ألف درهم أو مائة دينار، فإن قبل بأحد المالين عيناً عتق؛ بأن قال: قبلت بالدراهم، أو قال: قبلتُ بالدنانير؛ لأنه أعتقه بأحد المالين، وإن قبل بأحد المالين غير عين، عتق أيضاً لوجود الشرط، ويلزمه أحد المالين، والبيان إليه؛ كما إذا قال: لفلانٍ علي ألفُ درهم أو مائة دينار، يلزمه أحدهما، والبيان إليه كذا. وَلَوْ قال: قبلتُ بالمالين لا شك أنه يعتق، لأن في قبول المالين قبول أحدهما، فوجد شرط العتق فيعتق، ويلزمه أحد المالين؛ لأنه أعتقه على أحد المالين فلا تلزمه الزيادة، والبيان إلى العبد يختار أيهما شاء؛ وكذلك إذا قال: قبلت ولم يبين، يعتق ويلزمه أحد المالين، وخيار التعيين إليه؛ لأن قوله: ((قبلت)) يصلحُ جواب الإيجاب، فيصير كأنه قال: قبلت بأحدهما، ولم يعين، أو قبلت بهما، وهناك يعتق وخيار التعيين إليه؛ كذا ههنا. وعلى هذا إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ على ألف درهم أو على مائة دينار، فقبلت بأحدهما عيناً أو غير عينٍ، أو قبلت بالمالين أو أبهمت؛ لما قلنا في العتق، وكذلك لو قال: أنْتَ حُرِّ عَلَى ألفِ درهم أو على ألفين إلاَّ أن ههنا إذا قبل بالمالين يعتق بألف ولا يخير؛ لأن الجنس متحدّ، والتخيير بين الأكثر والأقل في الجنس الواحد لا يفيد؛ لأنه لا يختار إلا الأقل بدائع الصنائع ج٥ - م١٩ ٢٩٠ كتاب الإعتاق بخلاف الفصل الأول، لأن هناك اختلف الجنس، فكان التخيير مفيداً، هذا كله إذا أضاف العتق إلى معين، فإن أضافه إلى مجهولٍ بأن قال لعبديه: أحدكما حُرِّ بألف درهم، لا يعتق واحدٌ منهما ما لم يقبلا جميعاً، حتى لو قبل أحدهما ولم يقبل الآخر، لا يعتق؛ لأن قوله: ((أحدكما)) كما يقع على القابل يَقَعُ على غير القابل، فمنَ الجائز أنه عَنَى به غير القابل. ألاَ تَرَى أن له أن يقولَ: عنيتُ به غير القابل، فلو حكمنا بعتق القابل لكان فيه إثبات العتق بالشك، وإن قبلا جميعاً، فإن قبل كُلُّ واحد منهما بخمسمائة لا يعتق واحدٌ منهما؛ لأنه أعتق أحدهما بألف لا بخمسمائة، وإن قبل كل واحد منهما بألف؛ بأن قال: كُلُّ واحدٍ منهما قبلت بألف درهم، أو قال: قبلت، ولم يقل بألف، أو قالا ما قبلنا بألفٍ، أو قالا: قبلنا، ولم يذكرا الألف، عُتق أحدهما بألف لوجود شرط العتق، وهو قبول كل واحد منهما الألف، ويقال للمولى: اختر العتق في أحدهما؛ لأنه هو الذي أجمل العتق فكان البيان إليه، فأيهما اختار عُتق ولزمته الألف، فإن مات قبل البيان يعتق من كلِّ واحد منهما نصفه بخمسمائة، ويسعى في نصف قيمته؛ لأنه لما مات قبل البيان وَقَدْ شاع عتق رقبة فيهما فيقسم عليهما نصفین. ١٦٩ب ولو قال: أحدُكما حُرِّ بألف درهم، فقبلا، ثم قال: أحدُكما حر بألف درهم، أو قال: / أحدكما حر بغير شيءٍ، فاللفظ الثاني لغوٌ لأنَّهما لما قبلا العتق بالإيجاب الأول فقد نزل العتق في أحدهما لوجود شرط النزول، وهو قبولهما فالإيجاب الثاني يَقَعُ جميعاً بين حُرِّ وعبدٍ، فَلاَ يَصِحُ ولو لم يقبلا، ثم قال: أحدُكما حُرِّ بغيرِ شيءٍ، عتق أحدهما باللفظ الثاني بغير شيء؛ لأنهما لما لم يقبلا لم ينزل العتق بالإيجاب الأول، فَصَحَّ الإيجاب الثاني، وهو تنجيز العتق على أحدهما غير عينٍ، فيقال للمولى: اصْرفِ اللفظ الثاني إلى أحدهما، فإذا صَرَفَهُ إلى أحدهما عتق ذلك بغير شيء؛ لأن التنجيز حَصَلَ بغير بدل. وأما الآخر: فَإِنْ قبل البدل في المجلس يُعتق، وإلاَّ فلا، لأن الإيجاب الأول وقَعَ صحيحاً لحصولهِ بين عبدين، وتعلق العتق بشرط القبول وقد وجد فيه ضرب إشكال، وهو أنَّ شرط وجوب الحرية لأحدهما هو قبولهما، ولم يوجد ههنا إلاَّ قبول أحدهما فينبغي أن لا يعتق العبد الآخر. والجوابُ: أن الإيجاب أضيف إلى أحدهما، ألاَ تَرَى أنه قال: أحدُكما حُرٍّ وقد وجد القبول من أحدِهما ههنا إلاَّ أنه إذا لم ينجز عتق أحدهما يتوقف عتق أحدهما على قبولهما جميعاً؛ لاحتمال أنه أراد به الآخر، فإذا عينه في التخيير علم أنه ما أراده بالإيجاب الأول، لأن الإعتاق من المعتق لا يتصور فتعين الآخر للقبول، وقد قبل فيعتق، ولو قبلا جميعاً قبل البيان عُتِقًا؛ لأن العتق لم ينزل بالإيجاب الأول، لأنه تعليق العتق بشرط القبول، فلا ينزل قبل وجود ٢٩١ كتاب الإعتاق الشرط، فيصحُ الإيجاب الثاني، فإذا قبلا جميعاً فقد تيقِّنا بعتقهما؛ لأنَّ أيهما أريد بالإيجاب الأول عتق بالقبول، وأيهما أريد بالإيجاب الثاني عتق من غير قبول؛ لأنه إيجاب بغير بدلٍ، فكان عتق كُلُّ واحدٍ منهما متيقناً به، لكن عتق أحدهما بالإيجاب الأول وعتق الآخر بالإيجاب الثاني فيعتقان ولا يقضي عليهما بشيء؛ لأن أحدهما وإن عتق بالإيجاب ببدل إلاَّ أنه مجهولٌ، والقضاء بإيجاب المال على المجهول متعذرٌ؛ كرجلين قالا لرجلٍ لك على أحدنا ألف درهم أنه لا يلزمهما بهذا الإقرار شيءٌ؛ لكون المقضى عليه مجهولاً؛ كذا هذا. ولو لم يقبلا جميعاً ولكن قبل أحدُهما لا يعتق إلاَّ أحدهما لوجود شرط عتق أحدهما، وهو قبول أحدهما في هذه الصورة لما بينا من الفقه، ثم إن صرف المولى اللفظ الثاني إلى غير القابل، عتق غير القابل بغير شيء، وعتق القابل بألف، وإن صرف اللفظ الثاني إلى القابل عتق القابل بغير شيء، وعتق غير القابل باللفظ الأول بألف إن قبل في المجلس، لأن القابل منهما يعتق بالإيجاب الأول، وأنه إيجاب ببدل فيعتق ببدل، وغير القابل يعتق بالإيجاب الثاني، وأنه إيجاب بغير بدل فيعتق بغير بدل. وولو قال لعبديه: أحدكما حر بغير شيء، ثم قال: أحدكما حر بألف درهم، فالكلام الثاني لغوٌ؛ لأن أحدهما عتق بالإيجاب الأول لوجود تنجيز العتق في أحدهما، فالثاني يَقَعُ جميعاً بين الحر والعبد فيبطل. ولو قال: أحذكما حر بألف درهم، فقبل أن يقبلا، قال: أحدُكما حُرٍّ بمائة دينار، فإنْ قبل كلُّ واحد منهما العتق بأحد المالين بأن قبل أحدهما بألف درهم وقبل الآخر بمائة دينار، أو قبل أحدهما بالمالين ولم يقبل الآخر، أو قبل أحدهما بالمالين وقبل الآخر بمالٍ واحدٍ لا يعتق واحدٌ منهما؛ لأن للمولى أن يجمع المالين على أحدهما فيقول عنيتك بالمالين أو يقولُ: عنيت غيرك فلا يثبت العتق مع الشك، فإن قبلا جميعاً بالمالين بأن قال كلُّ واحد منهما: قبلت بالمالين، أو قالا جميعاً قد قبلنا، يخير المولى فيقال له إما أن تصرف اللفظين جميعاً إلى أحدهما فنجمع المالين عليه فيعتق بالمالين ويبقى الآخر رقيقاً، وإما أن تصرف أحد اللفظين إلى أحدهما، والآخر إلى صاحبه، فيعتق أحدهما بألف درهم والآخر بمائة دينار؛ لأن الإیجابین وَقَعَا صحیحین. أما الأول فلا شك فيه؛ ولأنه أضيف إلى أحد العبدين، وكذا الثاني لأن الإيجاب الأول لم يتصل به القبول، والعتق معلقٌ بالقبول، فالإيجاب الثاني حصل مضافاً إلى أحد عبدين فيصح، ومتى صح الإيجاب الثاني فيحتمل أنه عنى به من عناه بالإيجاب الأول، ويحتمل أنه عنى به العبد الآخر لذلك خير المولى، فإن مات قبل البيان عتق مِن كل واحد ثلاثة أرباعه بنصف المالين، لأن أحدهما حُرِّ بيقين؛ لأنه أراد الإيجاب الثاني غير مَنْ أراده بالأول، فكان ٢٩٢ كتاب الإعتاق الثابت بالكلامين عتقين بكل كلام عتق، وإن أراد بالثاني عَيْنَ مَنْ أراده بالأول، كان الثابت ١٧٠ أ الكلامين عتق واحدٍ، فإذا عتق واحد ثابت بيقين والعتق الآخر يثبت/ في حالٍ ولا يثبت في حال فينصف، فثبت عتق ونصف عتق بالمالين، وليس أحدهما بكمال العتق بأولى من الآخر فينقسم عتق ونصف عتق بينهما، فيصيب كل واحد منهما ثلاثة أرباع العتق بنصف المالين، ویسعی في ربع قيمته. ولو قال لعبدٍ له بعينه: أنت حر على ألف درهم، فقبل أن يقبل جمع بين عبد له آخر وبينه، فقال أحدكما حر بمائة دينار، فقالا: قبلنا، يخير المولى، فإن شاء صرف اللفظين إلى المعين وعتق بالمالين جميعاً، وإن شاء صرف أحد اللفظين إلى أحدهما والآخر إلى الآخر وعتق المعين بألف درهم وغير المعين بمائة دينار؛ لأن الإيجابين صحيحان لما قلنا، فيحتمل أنه أراد بالثاني المعين أيضاً، ويحتمل أنه أرادَ به غير المعين، فيقال له بين، فأيهما بَيَّنَ فالحكمُ للبيان، فإن مات قبل البيان عتق المعين كله؛ لأنه دخل تحت الإيجابين جميعاً . أما الإيجاب الأول فلا شك فيه، لأنه خصه به فلا يشاركه فيه غيره. وَأمَّا الإيجاب الثاني فلأن قَوْلَهُ: ((أحدكما)) يَقَعُ على كل واحد منهما، فإذا قبل الإيجابين وجد شرط عتقه فيعتق، فيلزمه ألف درهم وخمسون ديناراً، أما الألف فلأنه لا مشاركة للثاني فيهما، وَأمَّا نصف المائة الدينار فلأنه في حال يلزمه مائة دينار وهي ما عناه باللفظين، وفي حالٍ لا يلزمه منها شيء وهي ما إذا عنى باللفظ الثاني غيره فينتصف ذلك فيلزمه خمسون ديناراً . وَأمَا غير المعين فإنه يعتق نصفه بنصف المائة؛ لأنه يعتق في حالٍ ولا يعتق في حالٍ؛ لأنه إن عناه بالإيجاب الثاني يعتق كله بكلُ المائة، وإن لم يعنه لا يعتق شيء منه، ولا يلزمه شيء، فيعتق في حالٍ ولم يعتق في حالٍ، فتعبر الأحوال ويعتق نصفه بنصف المائة وهو الخمسون . هَذَا إذا عرف المعين من غيرِ المعين، فإن لم يعرف وقال: كُلُّ واحدٍ منهما أنا المعين يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه بنصف المالين وهو نصف الألف، ونصف المائة الدينار؛ الاستوائهما في ذلك، والثابت عتق ونصف عتق فيصيب كلُّ واحد منهما ثلاثة أرباع العتق، ویسعی في ربع قیمته. ولو قال لعبديه: أحدكما حُرٍّ على ألف درهم، والآخر على خمسمائة، فإن قالا جميعاً قبلنا، أو قال كُلُّ واحدٍ منهما: قبلت بالمالين، أو قال كُلُّ واحد منهما: قبلت بأكثر المالين، عُتقا جميعاً، فيلزم كلّ واحدٍ منهما خمسمائة، أما عتقهما فلأن الإيجابين خرجا على الصحة ٢٩٣ كتاب الإعتاق بخروج كُلِّ واحد منهما بين عبدين، والمراد بالإيجاب الثاني ههنا غير المراد بالإيجاب الأول، فإذا قبلا فقد وجد شرط نزول العتق فيهما جميعاً وانقطع خيار المولى ههنا فيعتقان جميعاً، وَعَلَى كلِّ واحدٍ منهما خمسمائة؛ لأنَّ أحدهما عتق بألف والآخر بخمسمائة، لكنّا لا ندري الذي عليه الألف والذي عليه خمسمائة، إلاَّ أنا تيقنا بوجوب خمسمائة على كلِّ واحد منهما، وفي الفصل الثاني شك فيجب المتيقن، ولا يجب المشكوك فيه؛ كاثنين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم، وعلى الآخر خمسمائة، لا يطالب كل واحد منهما إلا بخمسمائة؛ لما قلنا؛ فكذا هذا. ولو قبل أحدهما بأقل المالين والآخر بأكثر المالين، عتق الذي قبل العتق بأكثر المالين؛ لأنه لا يخلو إما أن عناه المولى بالإيجاب بالأقل، أو بالإيجاب بالأكثر، فتيقنا بعتقه، ثم في الأكثر قدر الأقل وزيادة فيلزمه خمسمائة؛ كأنه قال: قبلت بالمالين، فيلزمه الأقل وهو خمسمائة، ويصير العتق كأنه قال: لك عليَّ ألف درهم أو خمسمائة، وَلَوْ قال ذلك لزمه الأقل؛ كذا ههنا. ولو قبل كلُّ واحد منهما بأقل المالين لا يعتقان؛ لأن حجة المولى لم تنقطع لأن لَهُ أن يقولَ لم أعتقك بهذا المال، بخلاف ما إذا قبل أحدهما بأكثر المالين؛ لأن الأقل داخل في الأكثر. ولو قال: أحدُكما حُرِّ بألف والآخر بألفين، فإن قبلا بأن قال كل واحد منهما قبلت بالمالين، أو قالا: قبلنا، عُتقا لوجود شرط عتقهما، وَعَلَى كُلِّ واحد منهما ألف؛ لأنه أعتق أحدهما بألف والآخر بألفين، فتيقنا بوجوب الألف على كل واحد منهما؛ كرجلين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف وعلى الآخر ألفان، يلزم كل واحد منهما ألف؛ لكونٍ الألف تيقنا بها؛ كذا هذا. وإن قبل أحدهما المالين جميعاً بأن قال: قبلت بالمالين، أو قال: قبلت، أو قبل بأكثر المالين بأن قال: قبلت بالمالين، أو قال: قبلت بألفين، يعتق لوجود شرط العتق وهو القبول، أما إذا قبل بالمالين أو قال: قبلت فلا شك فيه؛ وكذا إذا قبل بأكثر المالين لوجود القبول المشروط بيقين فيعتق. وقيل هذا على قياس قولهما، فَأَمَا على قياس قول أبي / حنيفة يَنْبَغِي أن لا يعتق وهو ١٧٠ب القياس على مسألة الشهادة بالألف والألفين، والصحيحُ أنه يعتق بلا خلاف، وإذا عتق لا يلزمه الألف درهم؛ لأن الواجبَ أحد المالين، وأحدهما أقل والآخر أكثر، والجنس متحدٌ، فيتعين بالأقل للوجوب ولا يخير العبد ههنا؛ لأن التخيير بين الأقل والأكثر عند اتحاد الجنس غيرُ مفيدٍ؛ لأنه يختار الأقل لا محالة، وإن قبل أحدهما الألف لا يعتق؛ لأن للمولى أن يصرف ٢٩٤ كتاب الإعتاق العتق إلى الآخر؛ كما إذا قال: أحدكما حر بألفين(١)، فقبل أحدهما. ولو قال: أحدكما حر بألف أحدكما حر بمائة دينار، فإن قبر جميعاً عُتقا لوجود شرط العتق، ولا شيء عليهما، لأن المقضى عليه مجهول؛ إذ لا يدري الذي عليه الألف منهما، والذي عليه المائة الدينار؛ كاثنين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم، وعلى الآخر مائة دينار، أنه لا يلزم أحدهما شيءٌ، كذا هذا؛ وكذا هذا في الطلاق بأن قال لامرأتيه: إحداكما طالقٌ بألف والأخرى بمائة دينار، فقبلتا جميعاً، طلقت كل واحدة منهما طلقة بائنة، ولا يلزمهما شيءٌ لما قلنا. وإنْ قبل أحدهما العتق بألف درهم أو بمائة دينار، أو قبل أحدهما العتق بأحد المالين والآخر بالمال الآخر لا يعتق واحد منهما؛ لأن للمولى أن يقول لم أعنك بهذا المال الذي قبلت . وَلَوْ قبل أحدهما بالمالين عتق ويلزمه أي المالين اختاره؛ لأن الواجب أحدهما وهما جنسان مختلفان، فكان التخيير مفيداً فيخير؛ بخلاف الفصل الأول، فإن قبل الآخر في المجلس عُتقا وسقط المال عن القابل الأول؛ لأن المقضى عليه مجهول، هذا إذا كان قَبِلِ قَبْلَ البيان الأول، فإن قبل بعد البيان عتق الثاني بغير شيء، وعُتق الأول بالمالين؛ لأنَّ بيانه في حق نفسه صحيحٌ، وفي حق الآخر لم يصح. ولو قال: أحدكما حُرِّ بألف [درهم](٢) والآخرُ حر بغير شيء، فإن قبلا عُتقا لوجود شرط عتقهما، وهو قبولهما ولا شيء عليهما؛ لأن الذي عليه البدل مجهول، ولا يمكن القضاء على المجهول كرجلين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم، ولا شيء على الآخر، لا يجب على أحدهما شيء لجهالة من عليه الواجب؛ كذا ههنا. وإنْ قبل أحدهما بألف ولم يقبل الآخر، يقال للمولى: اصرفِ اللفظ الذي هو إعتاق بغير بدل إلى أحدهما؛ فإن صرفه إلى غير القابل عتق غير القابل بغير شيء وعتق القابل بألف، وَإِن صرفه إلى القابل عتق القابل بغير شيء ويعتق الآخر بالإيجاب الذي هو ببدل إذا قبل في المجلس؛ وكذا لو لم يقبل واحد منهما حتى صرف الإيجاب الذي هو بغير بدل إلى أحدهما، يعتق هو ويعتق الآخر إن قبل البدل في المجلس، وإلاَّ فلا. وإن مات المولى قبل البيان، عتق القابل كله، وعليه خمسمائة، وعتق نصف الذي لم يقبل، ویسعی في نصف قيمته. (١) في أ: بألف. (٢) سقط من ط. ٢٩٥ كتاب الإعتاق أما عتق القابل كله؛ فلأن عتقه ثابتٌ بيقين لأنه إن أريد بالإيجاب الأول عتق، وَإن أريد بالإيجاب الثاني عتق، فَكَانَ عتقه متيقناً به، وأما لزوم خمسمائة لأنه إن أعتق بالإيجاب الأول يعتق بألف، وإن أعتق بالإيجاب الثاني يعتق بغير شيءٍ، فينصف الألف فيلزمه خمسمائة . وَأْمَا عتق النصف من غير القابل؛ فلأنه إن أريد باللفظ الأول لا يعتق، وإن أريد باللفظ الثاني يُعتق فيعتق في حالٍ دون حالٍ فينتصف عتقه، فيعتق نصفه ويسعى في نصف قيمته. هذا إذا كان الإعتاق تنجيزاً أو تعليقاً بشرط، فأما إذا كان أضافه إلى وقت، فلا يخلو إما أن أضافه إلى وقت واحد، وأما أن أضافه إلى وقتين، فإن أضافه إلى وقت واحد، فإما أن أضافه إلى مطلق الوقت، وإما إن أضافه إلى وقت موصوف بصفة، وفي الوجوه كلها يشترط وجود الملك وقت الإضافة؛ لأن إضافة الإعتاق إلى وقت إثبات العتق في ذلك الوقت لا محالة ولا ثبوت للعتق بدون الملك، ولا يوجد الملك في ذلك الوقت إلاَّ إذا كان موجوداً وقتّ الإضافة؛ لأنه إن كان موجوداً وقت الإضافة فالظاهرُ أنه يبقى إلى الوقت المضاف إليه، فيثبت للعتق، وإذا لم يكن موجوداً كَانَ الظاهرُ بَقَاءَهُ على العدم، فلا يثبت العتق في الوقت المضاف إليه لا محالة، فيكون خلاف تصرفه. وَالأصلُ اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه، أما الإضافة إلى وقت مطلقٍ فنحو أن يقولَ لعبدهِ: أنت حُرِّ غداً، أو رأس شهرٍ كذا، فيعتق إذا جَاءَ غدٌ أو رأس الشهر؛ لأنه جعل الغد أو رأس الشهر ظرفاً للعتق، فلا بد من وقوع العتق عنده ليكون ظرفاً له، وليس هذا تعليقاً بشرط لانعدام أدوات التعليق/، وهي كلمات الشرط، ولهذا لو حلف لا يحلف فقال: ١٧١أ هذه المقالة لا يحنث بخلاف ما إذا قال: أنت حُرِّ إذا جاء غد، لأن ذلك تعليق بشرط لوجود كلمة التعليق. فإن قيل: كيف يكون تعليقاً بشرط، والشرطُ ما في وجوده خطر ومجيء الغد كائن لا محالة؟ قيل له: مِنْ مشايخنا مَنْ قال إن الغد في مجيئه خطر لاحتمال قيام الساعة في كل ساعة، قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] فيصلح مجيء الغد شرطاً، لكن هذا الجواب ليس بسديدٍ؛ لأن الساعة لا تقوم إلا عند وجود اشراطها من خروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها، ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب ووردت به الأخبار. والجوابُ الصحيحُ أن يقال إنَّ مجيء الغد، وإن كان متيقن الوجود يمكن كونه شرطاً لوقوع العتق، وليس بمتيقن الوجود، بل له خطر الوجود والعدم لاحتمال موت العبد قبل مجيء الغد أو موت المولى أو موتهما وحينئذٍ لا يكون شرطاً لعدم تصور الجزاء، على أن الشرط اسم لما جعل علماً لنزول الجزاء، سواء كان موهوم الوجود أو متيقنُ الوجود. ٢٩٦ کتاب الإعتاق وأما الإضافة إلى وقتٍ مَوْصُوفٍ، فنحو أن يقول لعبده: أنت حر قبل دخولك الدار بشهر، أو قبل قدوم فلان بشهر، أو قبل موت فلان بشهر، ولا شك أنه لا يعتق قبل وجود الوقت الموصوف حتى لو وجد شيء من هذه الحوادث قبل تمام الشهر لا يعتق؛ لأنه أضاف العتق إلى الوقت الموصوف، فلا يثبت قبله ويشترط تمام الشهر وقت التكلم، وَإنْ كَانَ العبدُ في ملكه قبل ذلك بشهور، بل بسنين؛ لأن إضافة العتق إلى وقت إيجاب العتق في غير إيجاب العتق في الزمان الماضي، وإيجاب العتق في الزمان الماضي لا يتصور، فلا يحمل كلام العاقل عليه ولا شك إن العتق ثبت عند وجود هذه الحوادث لتمام الشهر. واختلفَ في كيفية ثبوته فَقَالَ زفر: يثبت من أول الشهر بطريق الظهور، وقال أبو يوسف ومحمد: يثبت مقتصراً على حال وجود الحوادث، وأبو حنيفة فَرَّق بين القدوم والدخول وبين الموت، فقال في القدوم والدخول كما قالا، وفي الموت كما قال زفر حتى لو كان المملوك أمة فَوَلَدَتْ في وسط الشهر يعتق الولد في قول أبي حنيفة وزفر، وعندهما لا يعتق. وجه قول زفر إنه أوْقَعَ العتق في وقت موصوف بكونه متقدماً على هذه الحوادث بشهر، فإذا وجدت بعد شهر متصلة به، علم أن الشهر من أوله كان موصوفاً بالتقدم عليها لا محالة فتبين أن العتق كان واقعاً في أول الشهر؛ كما إذا قال أنت حر قبل رمضان بشهر، وَلاَ فرق سوى أنَّ هناك يحكم بالعتق من أول هلال شعبان، ولا يتوقف على مجيء شهر رمضان، وههنا لا يحكم بالعتق من أول الشهر؛ لأن ثمة رمضان يتصل بشعبان لا محالة، وههنا وجود هذه الحوادث يحتمل أن يتصل بهذا الشهر، ويحتمل أن لا يتصل لجواز أنها لا توجد أصلاً، فأما في ثبوت العتق في المسألتين من ابتداء الشهر فلا يختلفان؛ ولهذا قال أبو حنيفة: ثبوت العتق بطريق الظهور في الموت. وجه قولهما إن هذا في الحقيقة تعليق العتق بهذه الحوادث، لأنه أوقع العتق في شهر منصف بالتقدم على هذه الحوادث، ولا يتصف بالتقدم عليها إلاّ باتصالها به، ولا نتصل به إلا بعد وجودها، فكان ثبوت العتق على هذا التدريج متعلقاً بوجود هذه الحوادث، فيقتصر على حال وجودها، ولهذا قال أبو حنيفة هكذا في الدخول والقدوم؛ كذا في الموت بخلاف شعبان [مع رمضان]؛ لأن الصاف شعبان بكونه متقدماً على رمضان لا يقف على مجيء رمضان. ووجه الفرق لأبي حنيفة بين الدخول والقدوم وبين الموت أن في مسألة القدوم والدخول بعد ما مضى شهر من وقت التكلم يبقى الشهر الذي أضيف إليه العتق هو موهوم الوجود قد یوجد وقد لا يوجد؛ لأن قدوم فلان موهوم الوجود، قد یوجد وقد لا يوجد؛ فإن وجد یوجد هذا الشهر وإلا فلا؛ لما ذكرنا أن هذا الشهر لا وجود له بدون الإنصاف، ولا إنصاف بدون الاتصال، ولا اتصال بدون القدوم؛ إذ الاتصال إنما يتصور بين موجودين لا بين موجود ٢٩٧ كتاب الإعتاق ومعدوم، فصار العتق وإن كان مضافاً إلى الشهر متعلقاً بوجود القدوم، فكان هذا تعليقاً ضرورة فيقتصر الحكم المتعلق به على حال وجود الشرط، كما في سائر التعليقات، فأما في مسألة الموت فبعد ما مضى شهر من زمن الكلام لم يبق ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود، بل هو كائن لا محالة؛ لأن الموت كائنٌ لا محالة، فصار هذا الشهر متحقق الوجود بلا شك؛ بخلاف الشهر المتقدم على الدخول والقدوم، غير أنه/ مجهول الذات، فلا يحكم ١٧١ب بالعتق قبل وجود الموت، وإذا وجد فقد وجد المعرف للشهر بخلاف الشهر المتقدم على شهر رمضان، فإنه معلوم الذات؛ لأنه كما وجد شعبان علم أنه موصوف بالتقدم على رمضان وههنا بخلافه وبخلاف القدوم والدخول، فإنَّ بعد مضي شهر من وقت الكلام بقي ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود، فلم يَكُنِ القدوم معرفاً للشهر، بل كان محصلاً للشهر الموصوف بهذه الصفة؛ بحيث لولا وجوده لما وجد هذا الشهر البتة، فكان الموت مظهراً معيناً للشهر، فيظهر من الأصل من حين وجوده. ثم اختلف مشايخنا في كيفية الظهور على مذهب أبي حنيفة، قال بعضُهم: هو ظهور محضّ، فتبين أن العتق كان واقعاً من أول الشهر من غير اعتبار حالة الموت، وهو أن يعتبر الوقوع أولاً، ثم يسري إلى أول الشهر، لأن الأصل اعتبار التصرف على الوجه الذي أثبته المتصرف، والمتصرف أضاف العتق إلى أول الشهر المتقدم على الموت، فيقع في أول الشهر لا في آخره، فكان وقت وقوع الطلاق أول الشهر، فيظهر أن العتق وقع من ذلك الوقت؛ كما إذا قال: إن كان فلان في الدار فعبده حر، فمضت مدة ثم علم أنه كان في الدار يَوْمَ التكلم، يقع العتق من وقت التكلم لا من وقت الظهور. وهؤلاء قالوا: لو كان مكان العتاق طلاق ثلاث، فالعدة تعتبر من أول الشهر في قول أبي حنيفة، حتى لو حاضت في الشهر حيضتين ثم مات فلان، كانت الحيضتان محسوبتين من العدة، ولو كان قال: أنتِ طالق قبل موت فلان بشهرين أو ثلاثة أشهر، ثم مات فلان لتمام المدة، أو كانت المرأة رأت ثلاثة حيض في المدة تبين عند موته أن الطلاق كان وَاقِعاً، وأن العدة قد انقضت، كما لو قال: إن كان زيد في الدار فامرأتي طالق، ثم علم بعدما حاضت المرأة ثلاثة حيض أنه كان في الدار يَوْمَ التكلم به، تبين أنها قد طلقت من ذلك الوقت، وأنها منقضية العدة؛ كذا هذا. وكذلك لو قال: إن كان حمل فلانة غلاماً فأنت طالق، فولدت غلاماً، يقع الطلاق على طريق التبيين؛ كذا هذا. والذي يؤيد ما قلنا أن رجلاً لو قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة ثم أخرى ثم ماتت، طلقت الثانية على وجه التبيين المحض عند أبي حنيفة، وإن كان لا يحكم بطلاقها ما لم يمت؛ كذا ههنا. ٢٩٨ كتاب الإعتاق وقالوا: لو خالعها في وسط الشهر ثم مات فلان لتمام الشهر، فالخلع باطلٌ، ويؤمر الزوج برد بدل الخلع، سواء كانت عند الموت معتدة أو منقضية العدة، أو كانت ممن لا عدة عليها؛ بأن كانت غير مدخول بها، وهؤلاء طعنوا فيما ذكر محمد في الكتاب لتخريج قول أبي حنيفة أنه إن مات فلان وهي في العدة يحكم ببطلان الخلع، ويؤمر الزوج برد بدل الخلع، وإن كانت غير معتدة وقت موت فلان بأن كان بعد الخلع قبل موت فلان أسقطت سقطاً أو كانت غير مدخولٍ بها، لا يبطل الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع. وقالوا هذا التخريج لا يستقيم على قول أبي حنيفة؛ لأن هذا ظهور محض فتبين عند وجود الجزء الأخير أن هذا الشهر من ابتداء وجوده موصوف بالتقدم، فتبين أن الطلقات الثلاثة كانت واقعة من ذلك الوقت، سواء كانت معتدة أو غير معتدة، كما لو قال إن كان فلان في الدار فامرأته طالق، ثم خالعها، ثم تبين أنه كان يوم الحلف في الدار - أنه يتبين أن الخلع كان باطلاً على الإطلاق، سواء كانت معتدة أو لم تكن؛ كذا ههنا. والفقه أن وقت الموت إذا لم يكن وقت وقوع الطلاق لا يعتبر فيه قيام الملك والعدة، وعامة مشايخنا قالوا: إن العتق أو الطلاق يقع وقت الموت، ثم يستند إلى أول الشهر إلاّ أنه يظهر إنه كان واقعاً من أول الشهر. ووجهه مما لا يمكن الوصول إليه إلا بمقدمة، وهي إن ما كان الدليل على وجوده قائماً يجعل موجوداً في حق الأحكام؛ لأن إقامة الدليل مقام المدلول أصل في الشرع والعقل. ألاَ ترى أنَّ الخطاب يَدُورُ مَعَ دليلِ القدرة وسببها دون حقيقة القدرة، ومع دليل العلم وسببه دون حقيقة العلم، حتى لا يعذرَ الجاهل بالله - عزَّ وجلَّ - لقيام الآيات الدالة على وجود الصانع(١)، ولا بالشرائع عند إمكان الوصول إلى معرفتها بدليلها، ثم الدليل وإن خفي (١) وقد أقام المتكلمون على إثبات الصانع أدلة عقلية وأخرى كونية ونحن نبدأ بذكر الأدلة العقلية، فنقول: فالأدلة العقلية : الدليل الأول: اعلم أولاً أن المعلوم ينقسم على رأي الأشاعرة - إلى موجود، ومعدوم، لأنه إن كان بحيث يشاء إليه بالإشارة الحسية، فموجود، وإن لم يكن الإشارة إليه بالإشارة الحسية - فمعدوم، ولا ثالث، ثم إن الموجود ينقسم إلى قسمين: موجود واجب، وموجود ممكن، لأنه إن كان وجوده تقتضي ذاته، فالواجب وإن كان وجوده مستفاداً من غيره، فالممكن، ثم إن الموجود الممكن ينقسم إلى قسمين: جوهر، وعرض، فالجوهر ما تحيز بذاته، والعرض ما كان تابعاً لغيره في التميز. إذا علمت هذا فاعلم أن العالم بجميع أجزائه من جواهر وأعراض حادث، وكل حادث لا بد له من محدث ينتج العالم لا بد له من محدث . أما الصغرى، وهي: العالم بجميع أجزائه من جواهر وأعراض حادث. = ٢٩٩ کتاب الإعتاق فقد تضمنت حدوث الجواهر والأعراض، وهو نظري، فلذلك وجب إثباته بالدليل حتى تكون الصغرى = مسلمة، فنقول: الجواهر ملازمة للأعراض الحادثة، وكل ملازم للأعراض الحادثة حادث؛ فالجواهر حادثة. وتسليم صغرى هذا لدليل يبنى على مطالب: الأول: إثبات أعراض زائدة على الجواهر. الثاني: ملازمة الجواهر للأعراض. الثالث: إثبات حدوث الأعراض الزائدة. ووجه ابتناء تسليم صغرى هذا القياس على هذه المطالب أن الخصم ربما يقول: لا نسلم أن هناك زائداً على الجواهر، فيبطل هذا القول بالمشاهدة،. إذ ما من عاقل إلا ويحس أن لذاته شيئاً زائداً عليها، كاللون، والحركة، والنوم واليقظة، وغير ذلك. وأيضاً فإن بعض الأزکیاء قد رده بقوله: نزاعكم لنا موجود، أو معدوم؛ فإن قلتم غير موجود - فقد خرجتم عن طور العقلاء، وسقط جوابكم من وجهين: خروجكم عن دائرة العقلاء، وإقراركم أنكم لم تنازعونا - وإن قلتم: أن نزاعكم لنا موجود، فلا شك أنه عرض زائد علی ذاتکم فقد سلمتم مدعانا. فيقول: سلمنا ذلك، لكن لا نسلم ملازمة الجواهر للأعراض، فيبطل بالمشاهدة، فإنا لم نشاهد جوهراً منفكاً عن عرض، عما لا تفصل جسماً خالياً عن حركة وسكونه، أو بياض وسواد. وأما المطلب الثالث؛ وهو: إثبات حدوث الأعراض الزائدة: فيبنى على مطالب أربعة أيضاً: الأول: إبطال قيام العرض بنفسه. الثاني: إبطال انتقاله. الثالث: إبطال كمونه وظهوره. الرابع: إبطال أن القديم لا ينعدم، وبيان ذلك: أنا إذا قلنا: هذه الأعراض الزائدة حادثة؛ لتغيرها من عدم إلى وجود وعكسه، وكل متغير حادث - فللخصم منع الصغرى، وادعاء أن الحركة - مثلاً - لم تكن معدومة، ثم وجدت، بل كانت موجودة قبل ذلك. فنقول له: إنها عند وجودها هل كانت قائمة بنفسها، أو بمحل؟ فإن قال: بنفسها - لزمه قيام العرض بنفسه؛ وهو: قلب لحقيقة العرض، وإن قال: بمحل - فنقول له: ذلك القائم به هل هذا المترك الآن أو غيره؟ فإن قال: غيره، ثم انتقلت عن هذا - لزمه ما ذكر، وهو: قيام العرض بنفسه في لحظة الانتقال، وإن قال: هذا المحل، وكانت كامنة فيه، ثم ظهرت - لزم اجتماع الضدين، وهما الحركة والسكون في الجسم الواحد، وذلك باطل. هذا إذا كان التغير من عدم إلى وجود. أما إذا كان التغير من وجود إلى عدم - ربما يقول الخصم: إن ذلك لا يدل على حدوث الزائد؛ لاحتمال أن يكون قديماً، وقد انعدم، والقديم ينعدم؛ فنقول: إن القديم لو انعدم - لكان جائزاً، والجائز لا يكون وجوده إلا حادثاً، وقد قلتم: إنه قديم هذا خلف. وإلى هنا سلمت المقدمة الصغرى القائلة: الجواهر ملازمة للأعراض الحادثة. أما الكبرى القائلة: وكل ملازم الحادث حادث - فثبوت صحتها ظاهر؛ لأن ملازم الأعراض الحادثة لا يصح أن يسبقها، إذ لو سبقها لانتفت الملازمة، وإذا لم يصح أن يسبقها يكون حادثاً مثلها، لكن للخصم أن يقول: = ٣٠٠ كتاب الإعتاق إني أسلم لكم أن الجواهر حيث كانت ملازمة للأعراض الحادثة . فلا تسبقها، ولكن كونها حادثة غير = مسلم؛ لأن حدوثها إنما يسلم، إذا كانت الأعراض الحادثة التي لازمت الجواهر لها مبدأ يفتتح عددها، وليس هذا بمسلم. لم لا يجوز أن تكون تلك الأعراض الحادثة لا مبدأ لها، وما من حادث إلا وقبله حادث مثله؟ وهكذا لا إلى أول؛ فتكون الجواهر قديمة، وقوع الأعراض الذي لا ينفك عن الجواهر قديم، والحادث هو شخص العرض، ولدفع ذلك تذكر الأدلة الآتية: الدليل الأول: أنه لو سلم أن هناك حوادث لا أول لها - للزم التسلسل، وهو محال. والتسلسل هو: أن يستند الممكن في وجوده إلى علة مؤثرة، وتستند العلة المؤثرة إلى علة أخرى مؤثرة، وهكذا إلى غير النهاية . وقد ذكر علماء الكلام أدلة كثيرة على بطلان التسلسل، نقتصر منها على برهان التطبيق، وحاصله: إننا نفرض جملة من الجوارح من الآن إلى ما لا نهاية له في الأزل، ثم نفرض من هذه السلسلة نفسها جملة أخرى تبتدىء من الطوفان إلى ما لا نهاية له من الأزل، وبعد هذا الفرض نقابل أول فرد من السلسلة الظرفانية بأول فرد من السلسلة الآتية، ونستمر في باقي الأفراد هكذا إِلى الأزل؛ فعند ذلك لا يخلو الحال شيء واحد من أمرين: إما أن يتساويا، وإما أن يتفاوتا، فإن تساويا - لزم مساواة الزائد للناقص، وهو محال فما أرى إليه، وهو التسلسل محال، وإن تفاوتا، وانتهت الناقصة - كان التفاوت بينهما بمقدار - لأنه من الآن إلى الطوفان، والتفاوت بالمتناهي يستلزم التناهي، فلا تسلسل، وذلك لأن الناقصة لما انقطعت . كانت متناهية، والزائدة لم تزد عليها إلا بذلك المقدار المبتدأ من الحادث الأخير إلى الطوفان، وهو متناه، فيلزم التناهي لا محالة الدليل الثاني على إبطال حوادث لا أول لها: ذكر الأمدي في ((أبكار الأمكار)» أدلة كثيرة على إبطال حوادث لا أول لها، ثم كد على بعضها بالإبطال، وقال في البعض الآخر: إنه غير سديد، ثم قال: والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية - لكان كل واحد فيها ممكناً على ما دفع به الفرض، فهي إما متعاقبة أولاً، فإن كانت متعاقبة - فقد قيل: إن ذلك محال؛ لثلاثة أوجه: الأول: أن كل واحد منها يكون مسبوقاً بالعدم، والجملة مجموع الآحاد؛ فالجملة تكون مسبوقة بالعدم، وكل جملة مسبوقة بالعدم، فلوجودها أول ينتهي إليه، فالقول بكونه غير متناه محال. الثاني: هو أن كل واحد منها يكون مشروطاً في وجوده بوجود علته قبله، فلا يوجد حتى توجد علته، وكذا الكلام في علته بالنسبة إلى علتها، وهلم جرًّا؛ فإذا قيل بعدم النهاية - فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود، فلا وجود لواحد منها، وهذا كما قيل : لا أعطيك درهماً إلا وقبله درهم، فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطاً بإعطاء درهم قبله، وكذا في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية كان الإعطاء محالاً وبهذا البيان كمن المقدمة الصغرى من الدليل القائلة: العالم بجميع أجزائه من جواهر وأعراض حادث. وأما المقدمة الكبرى، القائلة: وكل حادث لا بد له من محدث، فمن العلماء من قال إنها ضرورية، حتى قال الفخر الرازي في ((معالمه)): إن العلم بها مركوز في فطرة طبائع الصبيان، فإنك إذا لطمت وجه الصبي =