Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الإعتاق
فإن قيل: الحريةُ لا تثبت إلاَّ بعد حدوث الحياة فيه، ولا نعلم ذلك، فكيف يحكم
بحريته؟ فالجواب: أنه لما حكم الشرع بالأرش على الضارب فقد صار محكوماً بحدوث الحياة
فيه؛ لأن الأرش لا يجب إلاَّ بإتلاف الحي.
ولو باعها المولى فولدت عند المشتري قبل مضّي سته أشهر، كان الولد حرّاً، والبيعُ
باطلٌ؛ لأنَا تيقنا أنه باعها والحمل موجودٌ والحرية ثابتةٌ فيه، وحرية الحمل تمنع جواز بيع الأم
لِمَا مَرَّ، وإنْ ولدته لستة أشهر فَصَاعِداً لم يعتق؛ لأنَّا لم نتيقن بحصول الولد يوم البيع، فلا
يجوز فسخ البيع وإثبات الحرية [بالشك](١).
ولو قال لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلاماً فأنت حرة، فولدت غلاماً وجاريةً، فهذا لا
يخلو من أوجهٍ؛ أما إن علم أيهما ولد أولاً بأن اتفق المولى والأمة على أنهما يعلمان ذلك،
وأما إن لم يعلم بأنِ اتفقا على أيّهما لا يعلمان، وأما إن اختلفا في ذلك، فإن علم أيهما ولد
أولاً فإن كان الغلام هو الأول فهو رقيق؛ لأن المعلق بولادته عتق الأم، وهي إنما تُعْتَقُ بعد
الولادة/ فكان انفصال الولد على حكم الرق فلا يؤثر في عتق الأم، وتعتق الأم بوجود الشرط، ١٦١ب
وتعتق الجارية بعتقها(٢).
وَإن كانت الجارية هي الأولى لم يعتق واحدٌ منهم لعدم شرط العتق، وإن لم يعلم،
فالغلامُ رقيقٌ على كلٌّ حالٍ؛ لأنه لا حال له في الحرية أصلاً، سواء كان متقدماً في الولادةِ أو
متأخراً؛ لأنه إن كان أولاً فذاك شرط عتق أمه لا شرط عتقه، وعتق أمه لا يؤثر فيه لما بينا.
وَإنْ كانت الجارية أولاً فولادتها لم تجعل شرط العتق في حق أحد، فلم يكنِ للغلامُ
حال في الحرية رأساً، فكان رقيقاً على كلِّ حال، وأما الجارية والأم فيعتق من كلُّ واحدة
منهما نصفها، وتسعى في نصف قيمتها؛ لأن كلَّ واحدة منهما تعتق في حال وَتُرَقُّ في حالٍ؛
لأن الغلام إن كان أولاً عُتقت الأم والجارية، أما الأم فلوجود شرط العتق فيها، وأما الجارية
فلعتق الأم؛ لأن الأم إذا عتقت عتقت الجارية بعتق الأم تبعاً لها، فَعُتِقَتَا جميعاً.
وإن كانت الجاريةُ أولاً لا يعتقان؛ لأنه لم يوجد شرط العتق في الأم، وإذا لم تعتق الأم
لا تعتق الجارية؛ لأن عتقها بعتقها فإذا هما يعتقان في حال وَيُرَقَّانِ في حالٍ، فينتصف العتق
فيهما، فيعتق من كل واحدة منهما نصفها على الأصل المعهود لأصحابنا في اعتبار الأحوال
عند اشتباهها والعمل بالدليلين بقدر الإمكان.
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: نصفها.

٢٦٢
کتاب الإعتاق
وروي عن محمد أنه يستحلف المولى على علمه بالله - تعالى - ما يعلم الغلام ولد
أولاً، فإن نكل عن اليمين عتقت الأم وابنتها، وكان الغلام عبداً، وإن حلف كانوا جميعاً
أرقّاء؛ وكذلك إذا لم يخاصم المولى حتى مات وخوصم وارثه بعده، فأقر أنه لا يدري،
وحلف بالله - تعالى - ما يعلم الغلام وُلِدَ أولاً، رقُوا.
ووجه هذه الرواية أن الأحوال إنما تعتبر عن تعذر البيان، والبيانُ ههنا ممكن بالرجوع
إلى قول الحالف، فلا تعتبر الأحوال، والجواب: أنه لا سبيل إلى البيان باليمين ههنا، لأن
الخصمين متفقان على أنهما لا يعلمان الأولَ منهما، فلا يجوز للقاضي أن يكلف المولى
الحلف على أنه لا يعلم الأولُ منهما مع تَصَادقهما على ذلك، وإن اختلفَا فالقولُ قولُ المولى:
أن الجارية هي الأولى؛ لأنه ينكر العتق.
ولو قال لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلاماً فأنت حرة، وإن كانت جارية فهي حرة،
فولدت غلاماً وجاريةً، فإن علم أن الغلام كان أولاً عُتقت الأمُّ والجارية لا غير.
أما الأمُّ: فلوجود الشرط.
وأما الجاريةُ: فلعتق الأم.
وأما رق الغلام فلانفصاله على حكم الرق، فلا يؤثر فيه عتق الأم.
وإن علم أن الجارية كانت هي الأولى، عتقت هي لا غير، لأن المعلق بولادتها عتقها لا
غير، وعتقُها لا يؤثر في غيرها، وإن لم يعلم أيهما أول، فالجاريةُ حُرَّةٌ على كل حالٍ، والغلام
عبدٌ على كلّ حال، ويعتق نصف الأم، وتسعى في نصف قيمتها.
أما حرية الجارية على كل حال؛ فلأنه لا حال لها في الرق؛ لأن الغلام إن كان أولاً
عتقت الجارية؛ لأن أمها تعتق فتعتق هي بعتق الأم، وإن كانت الجارية أولاً فقد عتقت لوجود
شرط العتق في حقها، فكانت حُرَّةً على كل حال.
وأما رِقُ الغلامِ على كل حال؛ فلأنه ليس له حال في الحرية، سواء ولد أولاً أو آخراً.
وأما الأمُّ فإنما يعتق نصفها؛ لأنها تعتق في حال وتُرَقُّ في حالٍ؛ لأن الغلام إن كان هو
الأول تعتق الأم والجارية أيضاً بعتق الأم، وإن كانت الجارية أولاً تعتق الجارية لا غير؛ لأن
المعلق بها عتقها لا غير، وعتقُها لا يتعدى إلى عتق الأم، فإذا تعتق الأم في حال ولا تعتق في
حال فيعتق نصفها اعتباراً للأحوال، وإنِ اخْتَلَفَا، فالقولُ قولُ المولى لما بينا.
ولو قال لها: إنْ كان أول ولد تلدينه غلاماً فهو حُرُّ، وإنْ كان جاريةً فأنت حرة، فولدت
غلاماً وجاريةً، فإن علم أن الغلام ولد أولاً عُتق هو لا غير، وإن علم أن الجارية ولدت أولاً،

٢٦٣
کتاب الإعتاق
عتقتِ الأمُّ والغلامُ لا غير، وإن لم يعلم أيهما ولد أولاً، فالغلام حُرٍّ على كل حال؛ لأنه لا
حال له في الرق، سواء كان أولاً أو آخراً، والجاريةُ رقيقة على كل حال؛ لأنه لا حال لها في
الحرية، تَقَدَّمَتْ في الولادة أو تأخرت؛ لأن الغلام إن كان هو الأول لا يعتق إلا هو، وإن
كانت الجارية هي الأولى لا تعتق إلاَّ الأم والغلام، فلم يكن للجارية حال في الحرية، فبقيت
رقيقة، والأم يعتق منها نصفها وتسعى في نصف قيمتها؛ لأن الجارية إن كانت هي الأولى تعتق
الأم كلها، وإن كان الغلام هو الأول لا يعتق شيءٌ منها، فتعتق في حال ولا تعتق في حال،
فيعتق نصفها وتسعى في النصف اعتباراً للحالين وعملاً بهما بقدر الإمكان، وإن اختلفًا،
فالقولُ/ قولُ المولى لما ذكرنا.
١١٦٢
هذا إذا ولدت غلاماً وجاريةً، فأما إذا ولدتْ غُلاَمَيْنٍ وجاريتين والمسألة بحالها، فإن
علم أوَّلهم أنه ابن يعتق هو لا غير، لأن المعلق عتقه لا غير يعتق هو لا غير عند وجود
الشرط، وإن علم أنه جارية، فهي رقيقةٌ، ومن سواها أحرارٌ؛ لأنه جعل ولادتها أولاً شرط
حرية الأم، فإذا وجد الشرط عُتقت الأم ويعتقُ كلُّ مَنْ ولد بعد ذلك بعتق الأم تبعاً لها، وإن
لم يعلم من كان أولهم يعتق من الغلامين كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، ويسعى في ربع قيمته،
ويعتق من الأم نصفها وتسعى في نصف قيمتها، ويعتق من البنتين من كل واحدة منهما ربعها،
وتسعى في ثلاثة أرباع قيمتها، وإنما كان كذلك.
وأما الغلامان فلأن أول من ولدت إن كان غلاماً عتق الغلام كله لوجود الشرط، وإن كان
جارية عتق الغلامان؛ لأن الأم تعتق ويعتق كل من ولد بعد ذلك وهم الغلامان والجارية
الأخرى، وقد تيقنا بحرية أحد الغلامين وشككنا في الآخر، وله حالتان يعتق في حال ولا يعتق
في حال، فيجعل ذلك نصفين فيعتق غلام واحد ونصف من الآخر، ولا يعلم أيهما عتق كله
وأيهما عتق نصفه فاستويا في ذلك، وليس أحدهما في ذلك بأوْلَى من الآخر، فيعتق من كل
واحد منهما ثلاثة أرباعه، ويسعى في ربع قيمته.
وأما الأم فإنها تعتق في حال ولا تعتق في حال، لأن أول ما ولدت إن كان غلاماً لا
تعتق أصلاً، وإن كانت جارية تعتق، فَتُعْتَقُ في حالٍ وتُرَقَّ في حالٍ، فيعتق نصفها وتسعى في
نصفها .
وأما الجاريتان فإحداهما أمة بلا شك؛ لأن أوَّلَ ما ولدت إن كان غلاماً فهما رقيقان،
وإن كانت جارية فإنَّ الأولى لا تعتق، وتعتقُ الأخرى بعتق الأم، فإذا في حالة لهما حرية
واحدة، وفي حالة لا شيء لهما، فيثبت لهما نصف ذلك وليست إحداهما بأولى من الأخرى،
فيصير ذلك بينهما نصفين، وهو ربع الكل، فيعتق من كل واحدة منهما ربعها وتسعى في ثلاثة
أرباع قيمتها، والله أعلم.

٢٦٤
كتاب الإعتاق
ولو قال لأمته إن ولدت غلاماً ثم جارية فأنت حرة، وإن ولدت جارية ثم غلاماً، فالغلام
حر، فولدت غلاماً وجارية، فإن كان الغلام أولاً عتقت الأم لوجود شرط عتقها، والغلامُ
والجارية رقيقان لانفصالهما على حكم الرق، وعتق الأم لا يؤثر فيهما، وإن كانت الجارية أولاً
عُتق الغلام لوجود الشرط، والأم والجارية رقيقتان، لأن عتق الغلام لا يؤثر فيهما، وإن لم
يعلم أيهما أولاً واتفقا على أنهما لا يعلمان ذلك، فالجارية رقيقة؛ لأنه لا حال لها في الحرية؛
لأنها تُرَقُّ في جميع الأحوال.
وأمَّا الغلامُ والأم فإنَّه يعتق من كل واحد منهما نصفه، ويسعى في نصف قيمته؛ لأن كل
واحد منهما يعتق في حال وَيُرَقُّ في حالٍ، فيعتق نصفه ويسعى في نصف قيمته، وإذا اختلفا،
فالقولُ قولُ المولى مع يمينه على علمه، هذا إذا ولدت غلاماً وجاريةً، فأما إذا ولدت غلامين
وجاريتين، والمسألة بحالها، فإن ولدت غلامين ثم جاريتين، عُتقت الأم لوجود الشرط،
وعُتقت الجارية الثانية بعتقها، وبقي الغلامان والجارية الأولى أرقّاء، وإن ولدت غلاماً ثم
جاريتين ثم غلاماً عُتقت الأم لوجود الشرط، والجارية الثانية والغلام الثاني بعتق الأم، وإن
ولدت غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية، عُتقت الأم بوجود الشرط، والغلام الثاني والجارية
الثانية بعتق الأم، وإن ولدت جاريتين ثم غلامين، عُتق الغلامُ الأول لوجود الشرط، [والغلام
الثاني والجارية الثانية بعتق الأم، وإن ولدت جاريتين ثم غلامين، عتق الغلام الأول لوجود
الشرط]، وبقي من سواه رقيقاً.
وكذلك إذا ولدت جارية ثم غلامين ثم جارية، عتق الغلام الأول لا غير لوجود شرط
العتق في حقُّه لا غير؛ وكذلك إذا ولدت جارية ثم غلاماً ثم جارية ثم غلاماً، عتق الغلام
الأول لا غير لما قلنا.
وَإن لم يعلم بأن اتفقوا على أنهم لا يعلمون أنهم الأول، يعتق من الأولاد من كل واحد
ربعُهُ، لأن أحد الغلامين مع [إحدى] الجاريتين رقيقان على كلِّ حالٍ؛ لأنه ليس لهما في
الحرية، والجارية الأخرى والغلام الآخر يُعْتَقُ كل واحد منهما في حال ويُرَقُّ في حالٍ، فيعتق
من كل واحد نصفه، فما أصاب الجارية يكون بينها وبين الجارية الأخرى نصفين؛ إذ ليست
إحداهما بأوْلَى مِنَ الأخرى، فيعتق من كل واحدة ربعها؛ وكذلك ما أصاب الغلام يكون بينه
وبين الغلام الآخر نصفين لما قلنا.
وأما الأم فيعتق منها نصفها؛ لأنه إن سبق ولادة الغلام فيعتق لوجود الشرط، وإن سبقت
ولادة الجارية لا تعتق فيعتق نصفها، وتسعى في نصف قيمتها، وإن اختلفوا، فالقولُ قولُ
المولى مع يمينه على علمه لما قلنا.
ولو قال لها: إنْ ولدت ما في بطنك فهو حر، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم

٢٦٥
كتاب الإعتاق
حلف عتق ما في بطنها، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً لا يعتق؛ لأنها إذا جاءت به لأقل
من ستة أشهر تَيَقَّنَا بكونه موجوداً وِقْتَ التعليقِ؛ لأن الولد لا يولد لأقلٌ من ستة أشهر، فَتَيَقَّنَا
بكونه/ داخلاً تحت الإيجاب، وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً، لم نتيقن بوجوده، بل ١٦٢ب
يحتمل أن لا يكون موجوداً ثم وجد [من](١) بعد، فلا يدخل تحت الإيجاب مع الشك، وكذا
إذا قال لها: ما في بطنك حُرُّ، إلاَّ أن ههنا يعتق من يوم حلف، وفي الفصل الأول يوم تلد؛
لأن هناك شرط الولادة ولم تشترط ههنا.
ولو قال لها إذا حملت فأنت حُرَّةٌ، فولدت لأقل من سنتين أو لسنتين من وقت الكلام،
لا تعتق، وإن ولدت لأكثر من سنتين تعتق؛ لأن يمينه يقع على حمل يحدث بعد اليمين، فإذا
ولدت لأقل من سنتين أو لسنتين يحتمل أنها كانت حبلى من وقت الكلام، لا تعتق، وإن
ولدت لأكثر من سنتين أو لسنتين، يحتمل أنها كانت حبلى وقت اليمين، ويحتمل أنه حدث
الحمل بعد اليمين، فيقع الشك في شرط ثبوت الحرية، فلا تثبت الحرية مع الشك، فَأمَّا إذا
ولدت لأكثر من سنتين، فقد تيقنا أن الحمل حصل بعد اليمين؛ لأن الولد لا يبقى في البطن
أكثر من سنتين، فقد وجد شرط العتق وهو الحمل بعد اليمين، فيعتق.
فإن قيل: أَلَيْسَ إن من أصلكم أن الوطء إذا كان مباحاً تقدر مدة الحبل بستة أشهر، فَهَلاً
قدرتم ههنا كذلك.
فالجوابُ: إن هذا من أصلنا فيما لم يكن فيه إثبات رجعة أو إعتاق بالشك، ولو جعلنا
مدة الحمل ههنا ستة أشهر، لكان فيه إثبات العتق بالشك، وهذا لا يجوز، ثم إن ولدت بعد
المقالة لأكثر من سنتين حتى عُتقت، وقد كان وطئها قبل الولادة، فإن وطئها قبل الولادة لأقل
من ستة أشهر، فعليه العقر، وإن وطئها قبل الولادة لستة أشهر فصاعداً لا عقر عليه؛ لأنها إذا
ولدت لأقل من ستة أشهر منذ وطئها، علم أنه وطئها وهي حاملٌ؛ لأن الحمل لا يكون أقل
من ستة أشهر، فإذا وضعت لأقل من ستة أشهر بعد الوطء، علم أن العلوق حصل قبل هذا
الوطء، فيجب عليه العقر؛ لأنه علم أنه وطئها بعد ثبوت الحرية، فإذا ولدت لستة أشهر
فصاعداً من وقت الوطء يحتمل أن الحمل حصل بذلك الوطء، فلا يجب العقر(٢)؛ لأن الوطء
لم يصادف الحرية، ويحتمل أنه حصل بوطء قبله، فيجب العقر فيقع الشك في وجوب العقر،
فلا يجب مع الشك، وينبغي في الورع والتنزه إذا قال لها هذا المقالة، ثم وطئها، أن يعتزلها
حتى يعلم: أحاملٌ [هي] (٣) أم لا، فإن حَاضَتْ وطئها بعدما طهرت من حيضها؛ لجواز أنها
(١) سقط من ط .
(٣) سقط من ط .
(٢) اسم من أسماء المهر.

٢٦٦
كتاب الإعتاق
قد حملت بذلك الوطء فعتقت، فإذا وطئها بعد ذلك كان وطء الحرة، فيكون حراماً، فيعتزلها
صيانةً لنفسه عن الحرام، فإذا حاضت تَبَيَّنَ أن الحمل لم يوجد؛ إذ الحاملَ لا تحيض، ولهذا
تستبرأ الجارية المشتراة بحيضة لدلالتها على فراغ الرحم.
وَلَوْ باع هذه الجارية قبل أن تلد، ثم ولدت في يد المشتري يُنظر: إن ولدت لأقل من
سنتين أو لسنتين بعد اليمين يصح البيع؛ لجواز أن الولد حدث بعد اليمين فلا يبطل البيع
بالشك، وإن ولدت لأقل من سنتين بعد اليمين، ينظر: إن كان ذلك لأقل من ستة أشهر قبل
البيع، لا يجوز البيع؛ لأنه حدث الولد قبل البيع فعتقت هي وولدها، وبيعُ الحرّ لا يجوز،
وَإنْ كان ذلك لستة أشهر فصاعداً من وقت البيع، فإنها لا تُعتق؛ لأن مِنَ الجائزِ أن الولد حدث
بعد البيع، والبيعُ قد صَحَّ فلا يفسخ بالشك
وَلَوْ قَالَ لها: إن كان حملك غلاماً فأنت حُرَّةٌ، وإن كان جارية فهي حرة، فكان حملها
غلاماً وجارية، لم يعتق أحد منهم؛ لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم(١)؛ قال الله
- تعالى -: ﴿وَأُوْلاَتِ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والمراد منه جميع ما في
البطن حتى لا تنقضي العدة إلاَّ بوضع جميع ما في الرحم، وَلَيْسَ كل الحمل الغلام وحده ولا
الجارية وحدها، بل بعضه غلام وبعضه جارية، فصار كأنه قال: إن كان حملك غلاماً فهو
حر (٢)، وإن كان كلُّ حملك جارية فهي حرة، فولدت غلاماً وجارية، فلا يعتق أحدهم؛
وكذلك لو قال: إن كان ما في بطنك؛ لأن هذا عبارة عن جميع ما في بطنها.
ولو قال: إن كان ما في بطنك عتق الغلام والجارية؛ لأن قوله: إن كان في بطنك غلام،
ليس عبارة عن جميع ما في البطن، بل يقتضي وجوده، وقد وجد غلام ووجد أيضاً جارية
فَعُتِقًا .
ولو قال لها: إن كنت حبلى فأنت حرة، وولدت لأقل من ستة أشهر، فهي حرة
وولدها، وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر لم يعتق(٣)؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر فإذا أتت
[به](٤) لأقل من ستة أشهر علم أن الحمل كان موجوداً وقت اليمين، فتعتق الأم لوجود شرط
عتقها، وهو كونها حاملاً وقت اليمين، ويعتق الحمل بعتقها تبعاً لها، وإذا أتت لستة أشهر أو
أكثر يحتملُ أن يكون لحمل(٥) حادث بعد اليمين، فلا يعتق ويحتمل أن يكون بحمل موجود
وقت اليمين، فيعتق، فوقع الشك في العتق، فلا يعتق مع الشك.
(١) في أ: البطن.
(٣) في ط: يعتق.
(٥) في ط: بحمل.
(٢) في ط: فأنت حرة.
(٤) سقط من ط.

٢٦٧
كتاب الإعتاق
ومن هذا القبيل التدبير والاستيلاد؛ لأن كل واحد منهما تعليق العتق بشرط الموت، إلاَّ
أن التدبير تعليق بالشرط قولاً، والاستيلاد تعليق بالشرط فعلاً، لكن الشرط فيهما يدخل على
الحكم لا على السبب، وَلِكُلٌ واحِدٍ منهما كتاب مفرد.
وأما التعليق المحض بما سوى الملك وسببه معنى لا صورة، فنحو أن يقول لأمته: كلُّ
ولدٍ تلدينه فهو حُرّ، وهذا ليس بتعليق من حيث الصورة؛ لانعدام حرف التعليق، وهو: (إن) و
(إذا) ونحو ذلك؛ لأن كلمة: (كل) ليست كلمة تعليق، بل هي كلمة الإحاطة بما دخلت عليه؛
لكنه تعليق من حيث المعنى / لوجود معنى التعليق فيه؛ لأنه أوقع العتق على موصوف بصفة ١١٦٣
وهو الولد الذي تلده، فيتوقف وقوع العتق على انصافه بتلك الصفة، كما يتوقف على وجود
الشرط المعلق به صريحاً في قوله: إن ولدت ولداً، أو إن دخلت الدار، ونحو ذلك، فكان
معنى التعليق موجوداً فيه لا يصح إلاَّ إذا كانت الأمة في ملكه وقت التعليق، حتى لو قال
لأمة: لا يملكها كل ولد تلدينه فهو حرّ، لا يصح، حتى لو اشتراها فولدت منه(١) ولداً لا
يُعتق الولد؛ لعدم الملك وقت التعليق؛ وعدم الإضافة إلى الملك وسببه، ويصح إذا كانت
الأمة في ملكه وقت التعليق، وقيام الملك في الأمة يكفي لصحته، ولا يشترط إضافة الولادة
إلى الملك للصحة بأن يقول كل ولد تلدينه وأنت في ملكي فهو حُرٍّ؛ لما بينا فيما تقدم.
ثم إن ولدت في ملكه يعتق الولد لوجود الشرط في الملك، وإن ولدت في غير ملكه لا
يعتق لعدم الملك، وتبطل اليمين لوجود الشرط؛ كما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت
حُرٍّ، فباعه فدخل الدار يبطل اليمين حتى لو اشتراه ثانياً فدخل الدار لا يعتق؛ كذا هذا.
وعلى هذا إذا قال لعبد یملکه أو لا یملکه: گُلُّ ولد یولد لك فهو حُرّ، فولد له ولد من
أمة، فإن كانت الأمة ملك الحالفِ يَوْمَ حَلَفَ عتق الولد، وإلاَّ فلا، وينظر في ذلك إلى ملك
الأمة لا إلى ملك العبد؛ لأن الولد في الرق والحرية يتبع الأم لا الأب، فإذا كانت الأمة على
ملكه وقتَ التكلم، فالظاهرُ بقاء الملك فيها إلى وقتِ الولادةِ، وملك الأم سبب ثبوت ملك
الولد، فصار كأنهَ قال: كُلُّ ولد يولد لك من أمةٍ لي فهو حُرٍّ، فإذا لم تكنِ الأمة مملوكة له في
الحال، فالظاهر بقاؤه على العدم لا يوجد ملك الولد وقت الولادة ظاهراً، فلم يوجد التعليق
في الملك ولا الإضافة إلى الملك، فلا يصح هذا إذا ولد الولد من أمة مملوكة للحالف من
نكاح، فأما إذا ولد منها من سفاح بأنْ زنى الغلام بها فولدت منه، هل يعتق أم لا؟ فقدِ اختلفَ
المشايخُ فيه وهي من مسائل الجامع.
ولو قال لأمته: أوَّلُ ولد تلدينه فهو حُرٍّ، أو إن ولدتِ ولداً فهو حر، فولدت ولداً ميتاً،
(١) في أ: عنده.

٢٦٨
کتاب الإعتاق
ثم ولدت ولداً حيّاً، لا شك في أنه لا يعتق الولد الميت، وإن كان الولد الميت ولداً حقيقة،
وهل يعتق الولد الحي؟ قال أبو حنيفة: يعتق، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق.
وَحَاصِلُ الكلام يَرْجِعُ إلى كيفية الشرط، إن الشرط ولادة ولد مطلق أو ولادة ولد حيّ،
فعندهما الشرط ولادة ولد مطلق، فإذا ولدت ولداً ميتاً، فقد وجد الشرط، فينحل اليمين، فلا
يتصور نزول الجزاء بعد ذلك، وعند أبي حنيفة الشرط ولادة ولد حي، فلم يتحقق الشرط
بولادة ولد ميت، فيبقى اليمين فينزل الجزاء عند وجود الشرط وهو ولادة ولد حَيٍّ.
وجه قولهما: إن الحالف جعل الشرط ولادة ولد مطلق، لأنه أطلق اسم الولد ولم يقيده
بصفة الحياة والموت، والولد الميت ولد حقيقة حتى تصير المرأة به نفساء، وتنقضي به العدة،
وتصير الجارية أم ولدٍ له، ولهذا لو كان المعلق عتق عبداً آخر أو طلاق امرأة نزل عند ولادة
ولد ميت.
وكذا إذا قال لها: إن ولدت ولداً فهو حُرٍّ، وعبدي فلان، فولدت ولداً ميتاً، عتق عبده،
ولو لم تكن هذه الولادة شرطاً لما عتق، فإذا ولدت ولداً ميتاً فقد وجد الشرط، لكن المحل
غير قابل للجزاء، فينحل اليمين لا إلى جزاء، وتبطل كما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت
حر، فباعه قبل الدخول، ثم دخل، تنحل اليمين، لكن لا إلى جزاء حتى لو اشتراه ودخل لا
يعتق، وإن أمكن تقييد التعليق بالملك كأنه قال: إن دخلت الدار وأنت في ملكي مع ذلك لم
يتقید به؛ كذا ههنا .
ولأبي حنيفة أن الإيجاب أضيف إلى محل قابل للحرية؛ إذ العاقل الذي لا يقصد إيجاب
الحرية فيما لا يحتمل الحرية لأنه سفه، والقابل للحرية هو الولد الحي، فيتقيد به؛ كأنه قال:
أولُ ولدٍ تلدينه(١) حيّاً فهو حرِّ؛ كما إذا قال لآخر: إن ضربتك فعبدي حر، أنه يتقيد بحال
الحياة للمضروب حتى لو ضربه بعد موته لا يحنث؛ لعدم قبول المحل للضرب؛ كذا ههنا،
ولا فرق سوى أن ههنا تقيد لنزول الجزاء وهناك تقيد لتحقق الشرط، بخلاف ما إذا عتق
بالولادة عتق عبد آخر أو طلاق امرأته، لأن هناك المحل المضاف إليه الإيجاب قابل للعتاق
والطلاق، فلا ضرورة إلى التقييد بحياةِ الولدِ، كما إذا قال لها: إن ولدت ولداً فأنت حرة، أو
قال: أوَّلُ ولدٍ تلدينه فأنت حرةٌ، فولدت ولداً ميتاً، عتقت، وههنا بخلافه، وهو الجواب عن
١٦٣ ب قوله: إذا ولدت ولداً فهو حُرٍّ وعبدي فلان، إن ولادة الولد الميت تصلح شرطاً في عتق عبد
آخر؛ لكون المحل قابلاً للتعليق(٢)، ولا تصلح شرطاً في عتق الولد لعدم قبول المحلّ.
(١) في ط: ولدتيه.
(٢) في أ: للعتق.

٢٦٩
كتاب الإعتاق
ويجوز أن يعلق بشرط واحد جزآن، ثم ينزل عند وجود أحدهما دون الآخر لمانع؛ كمن
قال لامرأته: إذا حضتٍ فأنتٍ طالق وفلانة معك، فقالت: حضت، فكذبها يقع الطلاق عليها
ولا يقع على الأخرى، وإن كان الشرط واحداً؛ كذا هذا.
وأما التعليق بدخول الدار، فإنما لم يتقيد بالملك، لأن التقييد للتصحيح والإيجاب هناك
صحيح بدون الملك لقبول المحل العتق عند وجود الشرط، ألا ترى أنه يقف على إجازة
المالك، والباطل لا يقف على الإجازة، وإنما الملك شرط النفاذ، أما ههنا فلا وجه لتصحيح
الإيجاب في الميت رأساً لعدم احتمال المحل؛ إذ لا سبيل إلى إعتاق الميت بوجه، فدعت
الضرورة إلى التقييد بصفة الحياة.
وذكر محمد في ((الأصل)) إذا قال: أوَّلُ عبدٍ يدخل عليَّ فهو حُرٍّ، فأدخل عليه عبد
ميت، ثم حي، عتق الحي، ولم يذكر خلافاً، فمن أصحابنا من قال هذا قول أبي حنيفة
خاصةً؛ لأن ما أضيف إليه الإيجاب وهو العبد لا يحتمل الوجوب إلا بصفة الحياة، فصار كأنه
قال: أولُ عبد يدخل علي حَيّاً فهو حُرّ؛ كما في الولادة، فأما على قولهما فلا يعتق، لأن
الحالف أطلق اسم العبد فيجري على إطلاقه ولا يقيد بحياة العبد كما في الولادة.
ومنهم مَنْ قَالَ: هذا قولهم جميعاً، قال القدوري: وهو الصحيح؛ لأنه علق العتق باسم
العبد، والعبد اسم للمرقوق، وقد بطل الرق بالموت، فلم يوجد الشرط بإدخاله عليه، فيعتق
الثاني لوجود الشرط في حقه بخلاف الولد؛ لأن الولد اسم للمولود والميت مولود حقيقة.
فإن قيل: الرقُّ لا يبطل بالموت بدليل أنه يجب على المولى كفن عبده الميت،
فالجوابُ: أن وجوب الكفن لا يدل على الملك؛ ألا ترى أن من مات ولم يترك شيئاً فكفنه
على أقاربه، وإن لم يكن هناك ملك، وإذا زال ملكه عن الميت صار الثاني أوَّل عبدٍ من عبيده
أدخل عليه، فوجد الشرط فيعتق.
ومن هذا القبيل قول الرجل: كُلُّ مملوكٍ لي فهو حرٍّ، ويقع على ما في ملكه في الحال،
حتى لو لم يكن يملك شيئاً يوم الحلفِ كان اليمين لغواً، حتى لو ملكه في المستقبل لا يعتق؛
لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا للحال، فلا يتعلق به عتق ما ليس بمملوك له في الحال.
وكذا إذا علَّق بشرطِ قدم الشرط أو أخر بأن قال: إن دخلت هذه الدار فَكُلُّ مملوكٍ لي
حُرّ، أو قال: إذا دخلت أو إذا ما دخلت، أو متى دخلت، أو متى ما دخلت، أو قال: كُلُّ
مملوك لي حر إن دخلت الدار، فهذا كله على ما في ملكه يوم حلف، وكذا إذا قال: كُلُّ
مملوك أملكه، ولا نية له؛ لأن صيغة ((أفعل)) وإن كانت تستعمل للحال والاستقبال لكن عند
الإطلاق يرادُ به الحال عرفاً وشرعاً ولغةً، أما العرف فإنَّ مَنْ قَالَ: فلانٌ يأكلُ أو يفعلُ كذا،
يريد به الحال، أو يقول الرجل: أنا أملك ألف درهم، يريد به الحال.

٢٧٠
كتاب الإعتاق
وأما الشرع فإنَّ مَنْ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، يكون مؤمناً.
ولو قال: أشهد أن لفلان على فلان كذا، يكون شاهداً، ولو قال: أقِرُّ أنَّ لفلان عليّ
كذا، صح إقراره.
وأما اللغة: فإن هذه الصيغة موضوعةٌ للحالِ على طريق الأصالة؛ لأنه ليس للحال صيغة
أخرى وللاستقبال السين وسوف، فكانت الحال أصلاً فيها، والاستقبال دخيلاً، فعند الإطلاق
يصرف إلى الحال.
ولو قال: عنيت به ما استقبل ملكه، عتق ما في ملكه في الحال(١)، وما استحدث الملك
فيه لما ذكرنا أن ظاهر هذه الصيغة للحال، فإذا قال: أردتُ به الاستقبال، فقد أراد صرف
الكلام عن ظاهره، فلا يصدق فيه، ويصدق في قوله: أردت ما يحدث ملكي فيه في المستقبل
فيعتق عليه بإقراره؛ كما إذا قال: زينب طالقٌ، وله امرأة معروفة بهذا الاسم، ثم قال: لي امرأة
أخرى بهذا الاسم عنيتها، طلقتِ المعروفة بظاهر هذا اللفظ والمجهولة باعترافه؛ كذا ههنا.
وكذا لو قال: كُلُّ مملوك أملكه الساعة فهو حُرٍّ، إن هذا يقع على ما في ملكه وقت
الحلف، ولا يعتق ما يستفيده بعد ذلك إلاَّ أن يكون نوى ذلك فيلزمه ما نوى؛ لأن المراد من
الساعة المذكورة هي الساعة المعروفة عند الناس وهي الحال، لا الساعة الزمانية التي يذكرها
المنجمون، فيتناول هذا الكلام من كان في ملكه وقت التكلم لا من يستفيده بعده، فإن قال:
أردتُ به من أستفيده في هذه الساعة الزمانية يصدق فيه؛ لأن اللفظ يحتمله وفيه تشديد على
١٦٤أ نفسه، ولكن لا يصدق في صرفه اللفظ عمن يكون في ملكه للحال، سواء أطلق/ أو علق
بشرط، قدم الشرط أو أخر، بأن قال: إن دخلت الدار فَكُلُّ مملوك أملكه حُرٌّ، أو قال: كُلُّ
مملوك أملكه حُرٍّ إن دخلت هذه الدار، فهذا والأول سواء في أن اليمين إنما يتعلق بما في
ملكه يوم حلف؛ لأنه علق العتق بشرط، فيتناول ما في ملكه لا ما يستفيده؛ كما إذا قال: كُلُّ
عبدٍ يدخل الدار فهو حُرٍّ، فإن قال: أردت به ما استحدث ملكه، عتق ما في ملكه إذا وجد
الشرط باليمين وما يستحدث بإقراره؛ لأنه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره، ويصدق في
التشديد على نفسه، فإن لم يكن في ملكه يوم حلف مملوك فاليمين لغو؛ لأنها تتناول الحال،
فإذا لَمْ يَكُنْ له مملوك للحال لا تنعقد اليمين لانعدام المحلوفِ عليه بخلاف قوله: إن كلمت
فلاناً أو إن دخلت الدار فكلُّ مملوك أشتريه فهو حُرَّ، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالقٌ؛ لأن
قولَهُ: أشتري، أو أتزوج، لا يحتمل الحال، فاقتضى ملكاً مستأنفاً، وقد جعل الكلام أو
الدخول شرطاً لانعقادِ اليمين فيمن يشتري أو يتزوج فيعتبر ذلك بعد اليمين.
(١) في ط: للحال.

٢٧١
كتاب الإعتاق
ولو قال: كُلُّ مملوك أملكه اليوم فهو حُرٍّ ولا نية له، وله مملوك، فاستفاد في يومه ذلك
مملوكاً آخر، عتق ما في ملكه وما استفاد ملكه في اليوم [وكذلك](١) لو قال: هذا الشهر أو
هذه السنة؛ لأنه لما وقت باليوم أو بالشهر أو بالسنة فلا بد أن يكون التوقيت مقيداً، ولو لم
يتناول إلا ما في ملكه يوم الحلف لم يكن مقيداً، فإن قال: عنيت به أحد الصنفين دون الآخر،
لم يدين في القضاء؛ لأنه نوى تخصيص العموم، وأنه خلاف الظاهر، فلا يصدق في القضاء
ويصدق فيما بينه وبين الله - عزَّ وجلَّ -، لأن الله مُطلِعٌ على نيته.
ولو قال: كُلُّ مملوك أملكه غداً فهو حُرٍّ ولا نية له، ذكر محمد في الجامع أنه يعتق مَنْ
ملكه في غدٍ، وَمَنْ كان في ملكه قبله، وهو قوله في الإملاء أيضاً وهو إحدى روايتي [ابن
سماعة عن محمد](٢).
وقال أبو يوسف: لا يعتق إلا مَنِ استفاد ملكه في غدٍ، ولا يعتق من جاء غد وهو في
ملكه، وهو إحدى روايتي ابن سماعة عن محمد.
وجه قول محمد أنه أوجب العتق لكلِّ مَنْ يضاف إليه الملك في غد، فيتناول الذي ملكه
في غد والذي[كان في](٣) ملكه قبل الغد؛ كأنه قال: في الغد كُلُّ مملوك أملكه الیوم فهو حُرٍّ،
فيتناول الكل.
وجه قول أبي يوسف أن قوله أملك، إن كان للحال عند الإطلاق ولكنه لما أضاف العتق
إلى زمان في المستقبل انصرف إلى الاستقبال بهذه القرينة؛ كما ينصرف إليه بقرينة السين
[وسوف] (٤) فلا يتناول الحال.
وعلى هذا الخلاف إذا قال: كُلُّ مملوك أملكه رأس شهر كذا فهو حُرّ، ورأس الشهر
الليلة التي يهل فيها الهلال، ومن الغد إلى الليل، وكان القياس أن يكون رأس الشهر أول ساعة
منه؛ لأن رأس كل شهر ما رأس عليه وهو أوله، إلاَّ أنهم جعلوه اسماً لما ذكرنا للعرف
والعادة؛ فإنه يقال في العرف والعادة لأول يوم من الشهر هذا رأس الشهر.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال: كُلُّ مملوك أملكه يوم الجمعة فهو حر،
قال: ليس هذا على ما في ملكه، إنما هو على ما يملكه يوم الجمعة، فهذا على أصل أبي
يوسف صحيحٌ؛ لأنه أضاف العتق إلى زمان مستقبل، فإن قال: كُلُّ مملوك حُرِّ لي يوم
الجمعة، فهذا على من في ملكه يعتقون يوم الجمعة ليس هو على ما يستقبل، لأنه عقد يمينه
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: أبي سماعة عنه.
(٣) سقط من ط.
(٤) سقط من ط.

٢٧٢
كتاب الإعتاق
على من في ملكه في الحال، وجعل عتقهم موقتاً بالجمعة، فلا يدخل فيه الاستقبال.
فَأْمَا إِذَا قَالَ: كُلُّ مملوك أملكه إذا جاء غد فهو حُرٍّ، فهذا على ما في ملكه في قولهم؛
لأنه جعل مجيء الغد شرطاً لثبوت العتق لا غير فيعتق من في ملكه، لكن عند مجيء
غد، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
ومن هذا القبيل الإعتاق المضاف إلى المجهول عند بعض مشايخنا؛ لأنه تعليق معنى لا
صورة، ولا يثبت العتق في أحدهما قبل الاختيار، وإنما ثبت عند الاختيار في أحدهما عيناً،
وهو الذي يختار العتق فيه مقصوراً على الحال، كأنه علق عتق أحدهما بشرط اختيار العتق
فيه، كالتعليق بسائر الشروط ومن دخول الدار وغير ذلك، إلا أنه ثمة الشرط يدخل على
السبب والحكم جميعاً، وههنا يدخل على الحكم لا على السبب، كالتدبير والبيع بشرط
الخيار، كذا قال بعض مشايخنا فى كيفية الإعتاق المضاف إلى المجهول، وبعضهم نسب هذا
القول لأبي يوسف، ويقال: إنه قول أبي حنيفة أيضاً.
وقال بعضُهم: هو تنجيز للعتق في غير العتق للحال، واختيار العتق في أحدهما بيان
وتعيين لمن وقع عليه العتق بالكلام السابق من حين وجوده، وبعضُهم نسب هذا القول إلى
محمد، والحاصل أن الخلاف فى كيفية هذا التصرف على الوجه الذي وصفنا غير منصوص
عليه من أصحابنا، لكنه مدلول عليه ومشار إليه.
١٦٤ ب أما الدلالة فإنه ظهر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد في الطلاق فيمن/ قال لامْرَأتيْهِ:
إحداكما طالقٌ، إن العدة تعتبر من وقت الاختيار في قول أبي يوسف، والعدة إنما تَجِبُ مِنْ
وَقْتِ وقوع الطلاق، فيدل على أن الطلاق لم يكن واقعاً، وإنما يقع عند الاختيار مقصوراً
عليه، وفي قول محمد تعتبر من وقت الكلام السابق، وهذا يدل على أن الطلاق قد وقع من
حين وجوده، وإنما الاختيار بيان وتعيين لمن وقع عليها الطلاق.
وأما الإشارة فإنه روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أعتق أحد عبديه تعلق العتق بذمته،
ويقال له أعتق، وهذا إشارة إلى أن العتق غير نازل في المحل، إذ لو كان نازلاً لما كان معلقاً
بالذمة، ومعنى قوله يقال له أعتق، أي: اختر العتق لإجماعنا على أنه لا يكلف بإنشاء
الإعتاق .
وذكر محمد في ((الزيادات)): يقال له بين، وهذا إشارة إلى الوقوع في غير المعين، لأن
البيان للموجود لا للمعدوم.
وإلى هذا ذهب الكرخي والقدوري وحقّقا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد، إلاَّ أن
القدوري حكى عن الكرخي أنه كان يفرق بين العتاق والطلاق، فيجعل الاختيار بياناً في الطلاق

٢٧٣
كتاب الإعتاق
بالإجماع من قبل أن العتاق يحتمل الثبوت في الذمة، والطلاق لا يحتمل، قال: وكان غيره من
أصحابنا يسوي بينهما، لأن الطلاق أيضاً يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة.
ألاَ تَرَى أن الفرقة واجبة على العنين، وإنما يقوم القاضي مقامه في التفريق وهو الصحيح
أنهما يستويان، لأن تعلق العتق بالذمة ليس معناه إلاَّ انعقاد سبب الوقوع من غير وقوع، وهو
معنى حق الحرية دون الحقيقة، وهما في هذا المعنى مستويان.
وجه القول الأول أن قوله: أحدكما حر، تنجيز الحرية في أحدهما، وليس بتعليق حقيقة
لانعدام حرف التعليق إلاَّ أنه تنجيز في غير المعين فيتعين بالاختيار.
ووجه القول الثاني أن العتق إما أن يثبت باختيار العتق، وإما أن يثبت بالكلام السابق،
والثاني لا سبيل إليه؛ لأن اختيار العتق لم يعرف إعتاقاً في الشرع.
ألا ترى أنه لو قال لعبده: اخترت عتقك، لا يعتق، فلا بد وأن يثبت بالكلام السابق،
فلا يخلو إما أن يثبت حال وجوده في أحدهما غير عين ويتعين باختياره وأما أن يثبت عند
وجوده الاختيار في أحدهما عيناً، وهو تفسير التعليق بشرط الاختيار، لا وجه للأول؛ لأنه
ربما يختار غير الحر فيلزم القول بانتقال الحرية من الحر إلى الرقيق، أو انتقال الرق من الرقيق
إلى الحر، أو استرقاق الحر، والأول محال والثاني غير مشروع، فتعين الثاني ضرورة، وهي
أن يثبت العتق عند وجود الاختيار بالكلام السابق مقصوراً على حال الاختيار، وهو تفسير
التعليق، ثم القائلون بالبيان اختلفوا في كيفية البيان، منهم من قال: البيان ظاهرٌ محضّ، ومنهم
من قال: هو إظهارٌ من وجهٍ، وإنشاءً من وجه.
واستدلوا بما ذكر محمد في ((الزيادات)» في موضع يقال له بين، وفي موضع يقال له
أعتق، وزعموا أن المسائل تتخرج عليه، وهذا غير سديد؛ لأن القول الواحد لا يكون إظهاراً
وإنشاءً؛ إذِ الإنشاء إثباتُ أمرٍ لم يكن، والإظهارُ إبداء أمرٍ قد كان، وبينهما تَنَافٍ، وثمرة هذا
الاختلاف تظهر في الأحكام، وأنها في الظاهر متعارضة بعضها يدلُّ على صحة القول الأول،
وبعضُها يدل على صحة القول الثاني، ونحن نشير إلى ذلك إذا انتهينا إلى بيان حكم الاعتاق
وبيان وقت ثبوت حكمه، فَأَمَّا ترجيح أحد القولين على الآخر، وتخريج (١) المسائل عليه
فمذكوران في الخلافيات .
وأما التعليق بالملك أو بسببه صورة ومعنى فنحو أن يقول لعبدٍ لا يملكه: إن ملكتك
فأنت حر، أو إن اشتريتك فأنت حُرٍّ، وأنه صحيحٌ عندنا حتى لو ملكه أو اشتراه، يعتق، وإن
لم يكن الملك موجوداً وقت التعليق.
(١) في ط: تخرج.
بدائع الصنائع ج٥ - ١٨٢

٢٧٤
كتاب الإعتاق
وقال الشافعي: لا يصحُ ولا يعتق.
وقال بشرُ المريسي: يَصِحُ التعليق بالملك، ولا يصح بسبب الملك، وهو الشراء.
أما الكلام مع الشافعي فعلى نحو ما ذكرنا في ((كتاب الطلاق))، وأما مع بشر، فوجه قوله
أن اليمين بالطلاق والعتاق لا يصح إلا في الملك أو مضافاً إلى الملك ولم توجد الإضافة إلى
الملك؛ لأن الشراء قد يفيد الملك للمشتري وقد لا يفيد كالشراء بشرط الخيار وشراء الوكيل،
فلم توجدِ الإضافة إلى الملك، فلا يصح، بخلاف قوله: إن ملكتك.
ولنا أن مطلق الشراء ينصرف إلى الشراء المتعارف(١)، وهو الشراء لنفسه ومن غير شرط
الخيار، وأنه من أسباب الملك، فكان ذكره ذكراً للملك، والإضافةُ إليه إضافةً إلى الملك؛
كأنه قال: إن ملكتك فأنت حُرٍّ، ولأنه لما علق العتق بالشراء ولا بد من الملك عند الشراء
١٦٥أ لثبوت/ العتق، كان هذا تعليق العتق بالشراء الموجب للملك؛ كأنه قال: إن اشتريتك شراء
موجباً للملك، فأنت حُرِّ. فإذا اشتراه شراءً موجباً للملك، فقد وجد الشرط فيعتق.
ولو قال: إن تسرَّيت جارية فهي حرة، فاشترى جارية فتسراها، لا تعتق عند أصحابنا
الثلاثة، وعند زفر تعتق، ولو تسرى جارية كانت في ملكه يوم حلف، عُتقت بالإجماع.
وجه قول زفر: إنه وجدت الإضافة إلى الملك؛ لأن التسري لا يصح بدون الملك،
فكانتِ الإضافة إلى التسري إضافة إلى الملك، فيصح التعليق.
ولنا أنه لم يوجد الملك وقت التعليق ولا الإضافة إلى الملك، والكلام فيه ولا إلى سبب
الملك؛ لأن التسرِّي ليس من أسباب الملك.
ألا ترى أنه يتحقق في غير الملك كالجارية المغصوبة واليمين بالعتاق والطلاق لا يصح
إلا في الملك أو مضافاً إلى الملك أو سببه، ولم يوجد شيءٌ من ذلك.
وأما قوله: إنَّ التسرِّي لا صحة له بدون الملك، فهذا مسلم أن الملك شرط صحة
التسري وجوازه، لكن الحالف جعل وجوده شرط العتق والتسري نفسه يوجد من غير ملك،
فلم يكن التعليق به تعليقاً بسبب الملك، فلم يصح.
ثم اختلف في تفسير التسري. قال أبو حنيفة ومحمد: هو أن يطأها ويحصنها ويمنعها
من الخروج والبروز، سواء طلب منها الولد أو لم يطلب.
وقال أبو يوسف: طلب الولد مع التحصين شرطً.
(١) في أ: المعتاد.
-

٢٧٥
كتاب الإعتاق
وجه قوله: إن الإنسان يَطَأ جاريته ويحصنها ولا يقال لها سرية، وإنما يقال ذلك إذا كان
يطلب منها الولد أو تكون أم ولده، هذا هو العرف والعادة.
ولهما أنه ليس في لفظ التسري ما يدل على طلب الولد؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون
مأخوذاً من السرو، وهو الشرف، فتسمى الجارية سرية بمعنى أنه أسرى الجواري، أي:
أشرفهن؛ وإما أن يكون مأخوذاً من السر، وهو الجماعُ؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ لاَ
تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] قيل: جماعاً، وليس في أحدهما ما ينبىء عن طلب الولد، ولو
وطىء جارية كانت في ملكه يوم الحلف فعلقت منه، لم تعتق لعدم التسري؛ لأنه لم يوجد منه
إلاَّ الوطء، والوطء وحده لا يكون تسرياً بلا خلاف، فلم يوجد شرط العتق فلا تعتق.
ولو قال لامرأةٍ حرة: إن ملكتك فأنت حرة، أو قال لها: إن اشتريتك فأنت حرة،
فارتدَّتْ عنِ الإسلام ولحقت بدار الحرب، ثم سُبِيَتْ فاشتراها الحالفُ، ذكر محمد في الجامع
أن على قياس قول أبي حنيفة لا تعتق، وعند أبي يوسف ومحمد تعتق، يعني به: قياس قوله
في المكاتَبِ والعبد والمأذون إذا قال: كُلُّ عبدٍ أملكه فيما استقبل فهو حُرٍّ، أو قال: كل عبد
أشتريه فهو حر، فيعتق، ثم ملك عبداً أو اشترى عبداً على قول أبي حنيفة لا يعتق، وعلى
قولهما يعتق، والمسألة تأتي في موضعها.
ولو قال لأمة لا يملكُها: إن اشتريتك فأنت حرة بعد موتي، فاشتراها صارت مدبرة؛
لأنه علق تدبيرها بسبب الملك وهو الشراء؛ لأن قَوْلَهُ أنت حرة بعد موتي صورة التدبير، وقد
علقه بالشراء فيصير عند الشراء قائلاً: أنت حرة بعد موتي.
وأما التعليق بالملك أو بسببه معنى لا صورة، فهو أن يقول الحر: كل مملوك أملكه فيما
يستقبل فهو حر، ويتعلق العتق بملك يستفيده؛ لأنه نص على الاستقبال.
وروى ابنُ سَمَاعَةَ عن محمد في النوادر إذا قال: كلُّ جارية اشتريها إلى سنة فهي حرة،
فكلُّ جارية يشتريها إلى سنة فهي حرة ساعة يشتريها، قال: وإن قال: كُلَّ جاريةٍ أشتريها فهي
حرةٌ إلى سنة، فاشترى جارية لم تعتق إلى سنة؛ لأنه في الفصل الأول عقد يمينه على الشراء
في السنة، فتعتق كل جارية يشتريها في السنة ساعة الشراء؛ كأنه قال عند الشراء أنت حرة
فتعتق، وفي الفصل الثاني جعل الشراء شرطاً لعتق مؤقت بالسنة، فكأنه قال بعد الشراء أنت
حرة إلى سنة، قال: ولو قال: كُلُّ مملوكٍ أشتريه فهو حر غداً، فهذا عندي على كل مملوك
يشتريه قبل الغد، وإن اشترى مملوكاً غداً لا يعتق؛ لأنه جعل الشراء شرطاً لزوال حرية مؤقتة
بوجوه العد، فلا بد من تقدم الملك على الغد لينزل العتق الموقت به.
ولو قال: كُلُّ مملوكٍ أملكه إلى ثلاثين سنة، فهذا على ما يستقبل ملكه في الثلاثين سنة
أوَّلُهَا من حين حلف بعد سكوته في قولهم جميعاً، ولا يكون على ما في ملكه قبل ذلك؛ لأنه
لما أضاف العتق إلى الاستقبال تعين اللفظ للمستقبل، وإذا انصرف إلى الاستقبال لا يحمل

٢٧٦
کتاب الإعتاق
على الحال؛ إذ اللفظ الواحد لا ينتظم معنيين مختلفين بخلاف قوله غداً عند محمد؛ لأن ذاك
ليس أصلاً إلى الاستقبال، بل هو إيقاع عتق على موصوف بصفة، فيتناول كل من كان على
تلك الصفة .
وكذلك إذا قال: كُلُّ مملوكٍ أملكه ثلاثين سنة أو في ثلاثين سنة، أو قال: أملكه إلى
١٦٥ب سنة أو سنة أو في سنة، أو قال/ أملكه أبداً، أو إلى أن أموت، فهذا كله باب واحدٌ يَدْخُلُ فيه
ما يستقبل دون ما كان في ملكه؛ لأنه أضاف الحرية إلى المستقبل، فإن قال: أردت بقولي كل
مملوك أملكه سنة، أن يكون ما في ملكه يوم حلف مستداماً سنة، دِينَ فيما بينه وبين الله
- تعالى - ولم يدين في القضاء؛ لأن الظاهر إنه إنما وقت السنة لاستفادة الملك، لا لاستمرار
الملك القائم، فلا يصدق في العدول عن الظاهر.
ولو قال: إن دخلت الدار فكلُّ مملوك أملكه يومئذٍ فهو حر، أو قال: إذا قدم فلانٌ فكلُّ
مملوك أملكه يومئذٍ فهو حرٍّ، ولا نية له في عتق ما في ملكه يوم دخل الدار؛ لأنه علق عتق
كل عبد يكون مملوكاً له يوم الدخول بالدخول؛ لأن معنى قوله: ((يومئذٍ)) أي: يوم الدخول،
هذا هو مقتضى اللغة؛ لأن تقديره يوم إذا دخل الدار؛ لأنه حذف الفعل وعوض عنه بالتنوين،
فيعتق كل ما كان مملوكاً له يوم الدخول، فكأنه قال عن الدخول: كل مملوك لي فهو حر،
وسواء دخل الدار ليلاً أو نهاراً؛ لأن اليوم يذكر ويراد به الوقت المطلق؛ قال الله - سبحانه
وتعالى -: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهُ إِلاَّ مُتَحَرْفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحِيْزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنِ اللَّهِ
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِثْسَ المَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] وهذا الوعيد(١) يلحق المولى دبره ليلاً ونهاراً؛ ولأن
غرض الحالف الامتناع من تحصيل الشرط، فلا يختص بوقت دون وقت.
ولو قال: كل مملوك اشتريته فهو حر إن كلمت، أو إذا كلمت فلاناً، أو إذا جاء غدّ، لا
نية له، فهذا يقع على ما يشتريه قبل الكلام، فكلُّ مملوك اشتراه قبل الكلام ثم تكلم عتق، وما
اشتراه بعد الكلام لا يعتق، ولو قدم الشرط فقال: إن كلمت فلاناً، أو إذا كلمت فلاناً، أو إذا
جاء غدّ، فكل مملوك اشتريته فهو حُرٍّ، فهذا على ما يشتريه بعد الكلام لا قبله، حتى لو كان
اشترى مماليك قبل الكلام، ثم كلم لا يعتق واحد منهم، وما اشترى بعده يعتق.
ووجه الفرق أن في الفصل الأول جعل الكلام شرط انحلال اليمين؛ لأن قوله: كلُّ
مملوكٍ أشتريه فهو حر، يمينٌ تامَّةٌ لوجود الشرط والجزاء؛ فإذا قال: إن كلمت فلاناً، فقد
جعل كلام فلان غاية لانحلالها، فإذا كلمه انحلت، فلا يدخل ما بعد الكلام؛ كقوله: كل
مملوك لي حر إن دخلت الدار.
(١) في ط: الوعد.

٢٧٧
كتاب الإعتاق
وفي الفصل الثاني جعل كلام فلان شرط انعقاد اليمين، فإذا كلمه الآن انعقدت اليمين،
فيدخل فيه ما بعده لا ما قبله، فيصير كأنه قال عند الكلام: كل مملوك أشتريه فهو حُرٍّ، وذلك
يتناول المستقبل.
ولو قال: كُلُّ مملوك أشتريه إذا دخلت الدار فهو حُرٍّ، أو قال: إن قدم فلان، فهذا على ما
يشترى بعد الفعل الذي حلف عليه، ولا يعتق ما اشترى قبل ذلك إلاَّ أن يعينهم؛ لأنه جعل
دخول الدار شرطاً لانعقاد اليمين، فيصير عند دخول الدار كأَنَّهُ قال: كُلُّ مملوك اشتریه فهو حُرٍّ .
والدليل على أنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين أن قوله: كل مملوك أشتريه،
شَرْطٌ، وقوله: إذا دخلت الدار شرط آخر، ولا يمكن أن يجعلا شرطاً واحداً لعدم حرف
العطف، ولا سبيل إلى إلغاء الشرط الثاني؛ لأن إلغاء تصرف العاقل مع إمكان تصحيحه خارج
عن العقل، ولتصحيحه وجهان :
أحدهما: أن يجعل الشرط الثاني مع جزائه يميناً وجزاء الشرط الأول، وحينئذٍ لا بد من
إدراج حرف الفاء؛ لأن الجزاء المتعقب للشرط لا يكون بدون حرف الفاء وفيه تغيير.
والثاني: أن يجعل شرط الانعقاد وفيه تغيير أيضاً بجعل المقدم من الشرطين مؤخراً، إلاَّ
أنَّ التغيير فيه أقل؛ لأنَّ فيه تبديل محل الكلام لا غير، وفي الأول إثبات ما ليس بثابت، فَكَانَ
الثاني أقل تغييراً، فكان التصحيح به أولى، وتسمى هذه اليمين اليمين المعترضة لاعتراض
شرط بين الشرط والجزاء، ولو نوى الوجه الأول صحت نيته؛ لأن اللفظ يحتمله؛ ولهذا قال
محمد: إلاَّ أن يعني غير ذلك، فيكون على ما عنى.
ولو قال: المكاتَبُ أو العبدُ المأذون كل عبد أملكه فهو حر، فعتق، ثم ملك عبداً لا
يعتق؛ لأن قوله ((أملك)) للحال لما يتناوله للحال نوع ملك إلاّ أنه غير صالح للإعتاق، فتنحل
اليمين لا إلى الجزاء.
ولو قال: كُلُّ مملوك أملكه إذا أعتقت فهو حرٍّ، فعتق، فملك عبداً عتق؛ لأنه علق العتق
بالملك الحاصل له بعد عتقه، وإنه ملك صالح للإعتاق، فصحت الإضافة بخلاف الصبي إذًا
قَالَ كُلُّ مملوك أملكه بعد البلوغ فهو حر، ثم بلغ فملك عبدً أنه لا يعتق؛ لأن الصبي ليس من
أهل الإعتاق تنجيزاً وتعليقاً لكونه من التصرفات الضارة المحضة/ فأما العبد فهو من أهله؛ ١٦٦
لكونه عاقلاً بالغاً إلاَّ أنه لا ينفذ تنجيز العتق منه لعدم شرطه، وهو الملك الصالح، فإذا علق
بملك يصلح شرطاً له صح.
ولو قال: كلُّ مملوكٍ أملكه فيما استقبل فهو حرٌّ، أو قال: كُلُّ مملوكٍ أشتريه فهو حر،
فعتق، فملك بعد ذلك عبداً أو اشترى عبداً لا يعتق عند أبي حنيفة.

٢٧٨
كتاب الإعتاق
وعند أبي يوسف ومحمد: يعتق.
وجه قولهما إن قوله: ((أملكه)) فيما استقبل يتناول كل ما يملكه إلى آخر عمره، فيعمل
بعموم اللفظ كما في الحر؛ ولأنَّ في الحمل على الاستقبال تصحيح تصرفه، وفي الحملِ عَلَى
الحال إبطاله، فكان الحمل على الاستقبال أولى.
ولأبي حنيفة أنَّ للمكاتَبِ نوع ملك ضروري ينسب إليه في حالة الرق في حالة الكتابة
بمنزلة المجاز لمقابلة الملك المطلق، ألا ترى إلى قولِ النبيِّ وَّهِ: (مَنْ بَاعَ عَبْدَاً وَلَهُ مَالْ ... ))
الحديث، أضاف المال إليه بلام الملك، دلَّ أن له نوع ملك فهو مراد بهذا الإيجاب بالإجماع،
بدليل أنه لو قال: إن ملكت هذا العبد بعينه في المستقبل فهو حر، فملكه في حال الكتابة
فباعه، ثم اشتراه بعدما صار حرّاً، لا يعتق، وتنحل اليمين بالشراء الأول؛ لأن الملك المجازى
مراد، فخرجت الحقيقة عن الإرَادَةِ كي لا يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ
واحدٍ، وقد قالوا في عبد قال: الله - تعالى - عليَّ عتقُ نسمةٍ أو إطعام مسكين، لزمه ذلك،
وكان عليه إذا عتق؛ لأن هذا إيجاب الإعتاق والإطعام في الذمة، وذمَّتُهُ تحتمل الإيجاب،
فيصح، ويلزمه الخروج عنه بعد العتق.
ولو قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر، أو إن اشتريت هذه الشاة فهي هدي، لم يلزمه
ذلك في قياسٍ قَوْلِ أبي حنيفة حتى يضيف إلى ما بعد العتق، فيقول: إن اشتريتُه بعد العتق.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمانه.
لأن مِنْ أصْلٍ أبي حنيفة أن العبد يضاف إليه الشراء في الحال، وإن كان بمنزلة المجاز
بمقابلة الشراء بعد الحرية والمجاز مراد فلا تكون الحقيقة مرادة.
ومن أصلهما أن هذا يتناول ما يستقبل من الشراء في عمره وتصحيح اليمين أيضاً أولى
مِنْ إبطالها .
وقد قالوا جميعاً في مكاتب أو عبد قال: إن دخلت هذه الدار فعبدي هذا حرِّ، ثم
أعتق، فدخل الدار - لم يعتق العبد؛ لأن هذا الملك غير صالح للعتق، ولم توجد الإضافة إلى
ما يصلح، وقالوا في حرِّ قال لامرأةٍ حُرَّةٍ: إذا ملكتك فأنت حرة، أو إذا اشتريتك فأنت حرة،
فارتدت ولحقت بدارٍ الحرب، ثم سبيت فاشتراها الحالف - أنها لا تعتق في قياس قول أبي
حنيفة، وعندهما تعتق بناء على أنَّ مِن أصل أبي حنيفة أنه يحمل الملك أو الشراء على ما يقبله
المحل في الحال، وهو ملك النكاح ههنا، والشراء أيضاً يصلحُ عبارة عن سبب هذا الملك
وهو النكاح، والحرية أيضاً تصلح عبارة عما يبطله وهو الطلاق.
وكلام أبي حنيفة في هذا الفصل ظاهر؛ لأنَّ اليمينَ تحمل على ما يسبق إلى الأوهام،

٢٧٩
كتاب الإعتاق
ولا تنصرفُ الأوهام إلى ارتدادها ولحوقها بدار الحرب وسبيها؛ لأنَّ ذلك غير مظنون
بالمسلمة، فكان صرف كلامه إلى ما ذكرنا أولى من صرفه إلى ما تسبق إليه الأوهام، وَمِنْ
أصلهما أنه يحمل مطلق الملك على الملك الحقيقي الصالح للإعتاق، وهو الذي يوجد بعد
السبي.
ولو قال لها: إذا ارتدتٍ وسبيتٍ فملكتك أو اشتريتك فأنت حرة، فكان ذلك، عتقت في
قولهم؛ لأنه أضاف العتق إلى الملك الحقيقي فيضاف إليه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وَمِنْ هذا القبيل إذا قال: أوَّلُ عبد أشتريه فهو حر، فاشترى عبداً عتق؛ لأن الأول اسم
لفرد سابق وقد وُجد، ولوِ اشترى عبدين معاً لم يعتق أحدُهما؛ لأنه إن وجد معنى السبق فلم
يوجد معنى التفرد، فإن اشترى عبدين معاً ثم اشترى آخر لم يعتق الثالث؛ لأنه إن وجد فيه
معنى التفرد فقد انعدم معنى السبق، وقد استشهد محمد في الكتاب لبيان الثالث ليس بأول أنه
لو قال: عبدٍ أشتريه(١) فهو حُرٍّ، فاشترى عبدين معاً، ثم اشترى آخر، ثم مات المولى - أنه
يعتق الثلث فدل أنه آخر، وإذا كان آخراً لا يكون أوّلاً ضرورةٍ؛ لاستحالة كونه ذات واحد(٢)
من المخلوقين أولاً وآخراً.
ولو قال: أوَّلُ عبد أشتريه واحداً فهو حُرِّ، عتق الثالث؛ لأنه أعتق عبداً يتصف بكونه
فرداً سابقاً فى حال الشراء، وقد وجد هذا الوصف في العبد الثالث، ولو قال: آخرُ عبدٍ أشتريه
فهو حُرٍّ، فاشترى عبداً، ثم لم يشتر غيره حتى مات المولى لم يعتق؛ لأن الآخر اسم لفردٍ
لاحق، وهذا فرد سابق، فكان أولاً لا آخراً، ولو اشترى عبداً ثم مات المولى عتق الثاني؛ لأنه
آخر عبد اشتراه.
واختلف/ في وقت ثبوت العتق، فعند أبي حنيفة: يُعتق يوم اشتراه، وعند أبي يوسف ١٦٦ب
ومحمد: يَوْمَ مات.
وجه قولهما: إنه علق العتق بصفة الآخرية، وإنما يتحقق عند موته إذا لم يشتر آخراً.
ألاَ تَرَى أنه لو اشترى بعده عبداً آخر، خرج(٣) هو مِن أنْ يَكُونَ آخراً، فيتوقف اتصافه
بكونه آخراً على عدم الشراء بعده، ولا يتحقق ذلك إلاَّ بالموت.
لأبي حنيفة أنه لما لم يشتر آخر بعده حتى مات تبين أنه كان آخراً يوم (٤) اشتراه، إلا أنّا
كُنَّا لا نعرف ذلك لجواز أن يشتريَ آخر بعده، فتوقفنا في تسميته آخراً، فإذا لم يشتر آخر حتى
(١) في ط: اشتريته.
(٢) في ط: واحدة.
(٣) في ط: حرم.
(٤) في أ: من حين.

٢٨٠
کتاب الإعتاق
مات زال التوقف، وتبين أنه كان آخراً من وقت الشراء، ولوِ اشترى عبداً ثم عبدين معاً لم
يعتق أحدهم.
أما الأولُ: فلا شك فيه؛ لأنه أوَّلٌ فلا يكون آخراً، وَأمَّا الأخران؛ فلأن الآخر اسم لفرد
لاحق، ولم يوجد معنى التفرد فلا يعتق أحدهما، وَأمَّا بيان ما يظهر به وجود الشرط، فالحالف
لا يخلو إما أن يكون مقرّاً بوجود الشرط، وإما أن يكون منكراً وجوده، فإن كان مقرّاً يظهر
بإقراره كائناً ما كان من الشرط، وإن كان منكراً، فإن كان الشرط مما لا يعرف إلاَّ من قبل
المحلوف بعتقه كمشيئة ومحبة وبغضة والحيض ونحو ذلك، يظهر بقوله، وإذا اختلفا كان
القولُ قَولَهُ، لأنه إذا كان أمراً لا يعرف إلاَّ من قبله، كان الظاهر شاهداً له، فكان القول قولَهُ،
وإن كان أمراً يمكن الوصول إليه من قبل غيره؛ كدخول الدار وكلام زيد وقدوم عمرو، ونحو
ذلك، إذا اختلفا لا يظهر إلاَّ بينةٍ تَقُومُ عليه من العبد، ويكون القولُ عند عدم البينة قولَ
المولى؛ لأنَّ العبد يدعي عليه العتق، وهو ينكر، فَكَانَ القولُ قولَ المنكر مع يمينه، وَلَوْ كَانَ
الشرط ولادة الأمة بأن قال لها: إن ولدت فأنت حرة، فقالت: ولدت، فكذبها المولى،
فشهدت امرأةٌ على الولادةِ، لا تعتق عند أبي حنيفة حتى يَشْهَدَ بالولادةِ رجلان أو رجلٌ
وامرأتان، وعندهما تعتق بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ ثقةٍ، والمسألة مَرَّت في فصول العدة من ((كتاب
الطلاق)) .
وأما الثالث: وهو بيان مَنْ يدخل تحت مطلق اسم المملوك في الإعتاق المضاف إليه
وَمَنْ لا يدخل، فنقول وبالله التوفيق: يدخل تحته عبد الرهن، والوديعة، والآبق،
والمغصوب، والمسلم، والكافر، والذكر، والأنثى؛ لانعدام الخلل في الملك والإضافة.
ولو قال: عنيتُ به الذكور دون الإناث، لم يدين في القضاء؛ لأنه أدخل كلمة الإحاطة
على المملوك، فإذا نوى به البعض فقد نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر، فلا يصدق
في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله - تعالى -؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ويدخل فيه
المدبّرُ، والمدبَّرَةُ، وأمَّ الولد، وولداهما؛ لما قلنا.
ألا ترى أن للمولى أنْ يَطَأ المدبرة وأم الولد مع أنَّ حِلَّ الوطء منفى شرعاً إلاَّ بأحد
نوعي الملك مطلقاً بقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرِ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ولا يدخل فيه المكاتب إلاَّ أن يعينه؛ لأنه خرج
على يده بعقد الكتابة، وصار حراً يداً، فاختل الملك والإضافة، فلا يدخل تحت إطلاق اسم
المملوك؛ ولهذا لا يحل له وطؤها، ولو وطئها يلزمه العقر، وإن عنى المكاتبين عتقوا؛ لأنَّ
الاسم يحتمل ما عنى وفيه تشديد على نفسه فيصدق، وكذا لا يدخل فيه العبد الذي أعتق