Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الإعتاق
وصف مملوكه بصفة من يعتق عليه إذا ملكه فيعتق عليه؛ كما إذا قال هذا عمي أو خالي.
وجه رواية الأصل أن قوله: هذا أخي، يحتملُ تحقيق العتق، ويحتمل الاكرام والتخفي
به، لأنه يستعمل في ذلك عرفاً وشرعاً؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فلا يحمل على العتق من غير نية بخلاف اسم الخال والعم،
فإنه لا يستعمل في الإكرام عرفاً وعادةً، فلا يُقال: هذا خالي أو عمي، على إرادة الإكرام،
فكان ذكره للتحقيق، وبخلاف قوله: هذا ابني أو هذا أبي؛ لأنه لا يستعمل في الإكرام عرفاً
وشرعاً، وقد منع الشرع من ذلك؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾
[الأحزاب: ٤] وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿أَدْعُوهُمْ لَِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عَنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
آبَاءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وروي أنهم كانوا يسمون زيد بن حارثة (زيد بن محمد)، فنزل قوله - تعالى -: ﴿مَا
كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبيِّين﴾ [الأحزاب: ٤٠] فكفوا عن ذلك،
وإن لم يكن مستعملاً في الإكرام يحمل على التحقيق.
وأما النداء فهو أن يقول: يا ابني، يا أبي، يا ابنتي، يا أمي، يا خالي، يا عمي، أو يا
أختي، أو يا أخي، على رواية الحسن لا يعتق في هذه الفصول، لأن الغرض بذكر اسم النداء
هو استحضارُ المنادى، لا تحقيق معنى الاسم فيه، إلاَّ إذا كان الاسم موضوعاً له على ما بينا،
فاحتمل أنه أراد به النداء على طريق الإكرام دون تحقيق العتق، فلا يحمل على العتق من غير
نية .
ولو قال لعبده: يا ابن، أو لأمته يا ابنة، لا يعتق لعدم الإضافة إلى نفسه، ولو قال: يا
بني، أو يا بنية، يعتق لوجود الإضافة.
وأما الكناية فنحو قوله: لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليك، أو خَلَّيْتُ سبيلك، أو
خرجت من ملكي، فإنْ نوى العتق يعتق، وإلا فلا؛ لأن كل واحد من هذه الألفاظ يحتمل
العتق، ويحتمل غيره، فإن قوله لا سبيل لي عليك يحتمل سبيل اللوم والعقوبة/ أي: ليس لي ١٥٦ب
عليك سبيل اللوم والعقوبة لوفائك بالخدمة والطاعة، ويحتمل لا سبيل لي عليك؛ لأني
كاتبتك، فزالت يدي عنك، ويحتمل لا سبيل لي عليك لأني أعتقتك، فلا يحمل على العتق
إلاَّ بالنية، ويصدق إذا قال: عنيتُ به غير العتق، إلاّ إذا قال: لا سبيل لي عليك إلاَّ سبيل
الولاء، فإنه يعتق في القضاء، ولا يصدق أنه أراد به غير العتق؛ لأنه نفي كل سبيل وأثبت
سبيل الولاء، وإطلاق الولاء يراد به ولاء العتق، وذلك لا يكون إلاَّ بعد العتق.
ولو قال: إلاَّ سبيل الموالاة دين في القضاء؛ لأن مطلق الموالاة يراد بها الموالاة في
بدائع الصنائع ج٥ - م١٦

٢٤٢
كتاب الإعتاق
الدين، أو يستعمل في ولاء الدين، وولاء العتق، فأي ذلك نوى يصدق في القضاء، وقوله: لا
ملك لي عليك، يحتملُ ملك اليد، أي: كاتبتك فزالت يدي عنك، ويحتمل لا ملك لي عليك
لأني بعتك، ويحتمل لا ملك لي عليك لأني أعتقتك، فنقف على النية.
وقوله: ((خلَيْتُ سبيلك))، يحتمل سبيل الاستخدام، أي: لا أستخدمك، ويحتمل
أعتقتك، ولو قال له: ((أمرك بيدك))، أو قال له: ((اخْتَرْ))، وقف على النية؛ لأنه يحتمل العتق
وغيره، فكان كناية.
ولو قال له: ((أمر عتقك بيدك))، أو ((جعلت عتقك في يدك))، أو قال له: ((اختر العتق))،
أو ((خيرتك في عتقك))، أو ((في العتق))، لا يحتاج فيه إلى النية؛ لأنه صريح، ولكن لا بد من
اختيار العبد العتق، ويقف على المجلس؛ لأنه تمليكٌ.
وقولهُ: ((خرجت عن ملكي))، يحتمل ملك التصرف، فيكون بمعنى كاتبتك، ويحتمل
أعتقتك، ولو قال لمملوكه: نسبك حُرِّ، أو أصلك حُرٌّ، فإن كان يعلم أنه سبي لا يعتق، وإن
لم يكن سبي يعتق؛ لأن الأصل أن حرية الأبوين تقتضي حرية الولد؛ لأن المتولد من الحرين
يكون حُرّاً إلاَّ أن حرية المسبي بطلت بالسبي فبقي الحكم في غير المسبي على الأصل.
ولو قال لعبده: ((أنت لله - تعالى -)) لم يعتق في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: إن نوى العتق يعتق (١).
وجه قوله: إن قوله: الله - تعالى - يحتملُ أن يكون بيان جهة القربة للإعتاق المحذوف،
فإذا نوى العتق يعتق؛ كما لو قال: أنت حُرِّ لله، ولأبي حنيفة أن الإعتاق إثبات صفة للمملوك
لم تكن ثابتة قبل الإعتاق، لأنه إثبات العتق ولم يوجد؛ لأن كونه لله - تعالى - كان ثابتاً قبل
الإعتاق، فلم يكن ذلك إعتاقاً، فلا يعتق.
(١) وقال الشعبي والمسيب بن رافع وحماد والشافعي يعتق إذا نوى.
وقال أبو حنيفة: لا تَعْتِقُ به، لأَنَّ مُقْتَضاهُ، أنتَ عَبْدُ لله، أو مخلوقٌ لله وَخْدَه. وهذا لا يقْتضِي العِثْقَ.
ولَنا، أنَّهُ يُخْتَمِلُ: أنتَ حُرِّ لله، أو عَتيقٌ لله، أو عبدٌ لله وحدَه، لست بعبدٍ لي، ولا لأحدٍ سِوَى الله.
فإذا نَوَى الحُرِّيَّةَ بهِ، وقعَتْ، كسائِرِ الكِنَّاياتِ. وما ذكروهُ لا يصِحُ، لأنَّ احتمالَهُ لما ذِكَروهُ لا يَمْنَعُ
احتمالَه لما ذِكَرْناه، بدَليلِ سائِرِ الكِناياتِ، فإنَّها تَحْتَمِلَ العِثْقَ وغيرَه، ولو لم تَحْتَمِلْ إلاَّ العِثْقَ لكانتْ
صَرِيحَةً فيه، وما احْتَمَلَ أَمَرَيْنٍ، انْصرَفَ إلى أحدِهما بالنّيَّةِ، وهذا شَأْنُ الكِناياتِ. وما ذكَرَهُ من الاحتِمالِ
يدُلُّ على أنَّ هذا ليس بصَريحِ، وإنَّما هو كِنايَةٌ.
ينظر: المغني ١٤ / ٣٤٧.

٢٤٣
كتاب الإعتاق
ولو قال له: أنت عبد الله، لم يعتق بلا خلاف، أما على قول أبي حنيفة فظاهر لما ذكرنا
أن الإعتاق إنشاء العتق، فيقتضي أن لا يكون ثابتاً قبله، وكونه عبداً لله صفة ثابتة له قبل هذه
المقالة.
وَأما على قول أبي يوسف، فلأن قوله عبداً لله لا يحتمل أن يكون جهة القربة للإعتاق،
وقوله: لله - تعالى -، يحتمل ذلك.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لعبده: قد جعلتك الله - تعالى -، في صحته أو
مرضه، وقال: لم أنوِ العتق، ولم يقل شيئاً حتى مات قبل أن يبين لا يعتق، وإن نوى العتق
◌ُتق.
وكذلك إذا قال هذا في مرضه(١)، فمات قبل أن يبين، فهو عبدٌ أيضاً؛ لأنه يحتمل أنه
أراد بهذا اللفظ النذر، ويحتمل أنه أراد به العتق، فلا يعتق إلا بالنية، ولا يلزم الورثة بعد
الموت الصدقة؛ لأن النذر يسقط بالموت عندنا.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذَا قَال لأمته: أطلقتك، يريد به العتق تُعتق؛ لأن
الإطلاق إزالة اليد، والمرء يزيل يده عن عبده بالعتق وبغير العتق بالكتابة، فإذا نوى به العتق
تعتق؛ كما لو قال لها: خَلَيْتُ سبيلك.
ولو قال لها: طلقتك، يريد به العتق، لا تعتق عندنا(٢) لما نذكر، ولو قال: فَرْجُكِ عَلَيَّ
حرام يريد العتق لم تعتق؛ لأن حرمة الفرج مع الرق يجتمعان؛ كما لو اشترى أخته من
الرضاعة أو جارية قد وطىء أمَّها أو بنتها، أو جارية مجوسية أنها لا تعتق.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لعبده: أن ت ح ر، أو قال لزوجته: أن ت ط
ا ل ق، فتهجي ذاك هجاءً إن نوى العتق أو الطلاق وقع؛ لأنه يفهم من هذه الحروف عند
انفرادها ما يفهم عند التركيب والتأليف، إلا أنه ليست بصريحة في الدلالة على المعنى، لأنها
عند انفرادها لم توضع للمعنى، فصارت بمنزلة الكناية فتقف على النية، وأما ما يقوم مقامٍ
اللفظ في الدلالة على العتق فالكتابة المستبينة؛ لأنها في الدلالة على المراد بمنزلة اللفظ، إلاّ
أن فيها ضرب استتار وإبهام؛ لأن الإنسان قد يكتب ذلك لإرادة العتق، وقد يكتب لتجويد
الخط فالتحق بسائر الكنايات فافتقر إلى النية، والكلام في هذا كالكلام في الطلاق، وقد ذكرناه
(١) في أ: وصية.
(٢) لأنَّ الطّلاقَ لفْظْ وُضِعَ لِإِزْلَةِ المِلْكِ عنِ المَنْفَعَةِ، فلم يُزَلْ به المِلْكُ عن الرَّقْبَةِ، كَفَسْخِ الإجارةِ، ولأنَّ
مِلْكَ الرَّقْبَةِ لا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ، فلا يُنْحَلَّ بالطّلاقِ، كسائِرِ الأملاكِ.
ينظر: المغني ١٤ / ٣٤٧.

٢٤٤
كتاب الإعتاق
في ((الطلاق))؛ وكذا الإشارة من الأخرس إذا كانت معلمة مفهومة المراد؛ لأنها في الدلالة على
المراد في حقه كالعبارة في الطلاق.
١١٥٧
الأصل في قيام الإشارة مقامَ العبارةِ قوله - تعالى - خطاباً لمريم - عليها السلام -:
﴿فَقُولِي أَنِّي نَذَرتُ لِلْرَّحْمُنِ صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتاً وإمساكاً، وذلك على الإشارة لا على
القول منها، وقد سماها الله - تعالى - قولاً، أنها تعمل عمل القول.
وأما الألفاظ التي يقع بها العتق أصلاً، نوى أو لم ينوٍ، فنحو أن يقول لعبده: قم، أو
اقعد أو اسقني ونوى به العتق، لأن هذه الألفاظ لا تحتمل العتق فلا تصح فيها نية العتق.
وكذا لو قال: لا سلطان لي عليك؛ لأن السلطنة عبارة عن نفاذ المشيئة على وجه القهر،
فانتفاؤها لا يقتضي انتفاء الرق؛ كالمكاتب، فلا يقتضي العتق؛ بخلاف قوله: لا سبيل لي
عليك؛ لأنه نفى السبل كلها ولا ينتفي السبيل عليها مع قيام الرق؛ ألا ترى أن للمولى على
مكاتبه سبيل المطالبة ببدل الكتابة .
وكذا السلطان يحتمل الحجة أيضاً، فقوله: لا سلطان لى عليك، أي: لا حجة لي
عليك، وانتفاء حجته على عبده لا يوجب حريته؛ وكذا لو قال لعبده: اذهب حيث شئت، أو
توجه حيث شئت من بلادِ الله - تعالى -، يريد به العتق، أو قال له: أنْتَ طالقٌ، أو طلقتُك،
أو أنتَ بائن، أو ابنتك، أو قال لأمته: أنتِ طالقٌ، أو طلقتك، أو أنتِ بائنٌ، أو ابنتُكِ، أو أنت
عليَّ حرام، أو حرمتُكِ، أو أنتِ خليّة، أو برية، أو بنة، أو اذهبي، أوِ اخرجي، أوِ اعزبي، أو
تَقَنَّعِي، أو اسْتَبْرَئِي، أو اختاري - ونوى العتق فاختارت، وغير ذلك مما ذكرنا في الطلاق،
وهذا عندنا .
وعند الشافعي يقع العتق بها إذا نوى.
ولقب المسألة أنَّ صريح الطلاق وكناياته لا يَقَعُ بها العتاق عندنا؛ خلافاً له.
وجه قوله: أن قوله لمملوكته: أنتِ طالقٌ، أو طلقتك، إثبات الإنطلاق أو إزالة القيد،
وأنه نوعان :
كاملٌ، وذلك بزوال الملك والرق، وهو تفسير العتق.
وناقصٌ، وذلك بزوال اليدٍ لا غير؛ كما في المكاتب والمأذون، فإذا نوى به العتق فقد
نوى أحد النوعين، فنوى ما يحتمله كلامه فصحَّتْ نيتُهُ، ولهذا إذا قال لزوجته: أنتِ حُرَّةٌ،
ونوى به الطلاق، طُلِّقَتْ؛ كذا هذا.
ولنا: أن هذه الألفاظ المضافةً إلى المملوك عباراتٌ عن زوال يد المالك عنه، أما قوله:

٢٤٥
کتاب الإعتاق
أنت طالق، فلأنَّ الطلاقَ عبارةٌ عن رفع القيد، والقيدُ عبارةٌ عن المنع عن العمل، لا عن
الملك، والمانع يد المالك فرفع المانع يكون بزوال يده، وزوال يد المالك عن المملوك لا
يقتضي العتق كالمكاتب؛ وكذا قوله: اذهب حيثُ شئتُ، أو توجه إلى أين شئت؛ لأنه عبارةٌ
عن رفع اليد عنه، وأنه لا ينفي الرق كالمكاتب، وبه تبين أن القيد ليس بمتنوع، بل هو نوع
واحد، وزواله عن المملوك لا يقتضي زوال الملك كالمكاتب.
وكذا قوله: أنت بائنٌ، أو ابنتُكِ؛ لأنه ينبىء عن الفصل والتبعيد، وكذا التحريم يجامع
الرق، كالأختِ منَ الرضاعةِ، والأمة المجوسية؛ ونحو ذلك؛ بخلاف قوله لامرأته: أنتِ
حُرَّةٌ، لأن التحرير (١) تخليص، والقيد ثبوت فينافيه؛ ولأن ملك اليمين لا يثبت بلفظ النكاح،
وما لا يملك بلفظ النكاح لا يزول الملك عنه بلفظ الطلاق؛ كسائر الأعيان؛ وهذا لأن الطلاق
رفع ما يثبت بالنكاح، فإذا لم يثبت ملك اليمين بلفظ النكاح، لا يتصور رفعه بلفظ الطلاق،
بخلاف قوله لامرأته: أنتِ حرة، ونوى به الطلاق؛ لأنَّ ملك المتعة لا يختص ثبوته بلفظ
النكاح، فإنه كما يثبت بغير النكاح يثبت بغيره من الشراء وغيرِهِ، فلا يختص زواله بلفظ
((الطلاقٍ)).
ألا ترى أنه يزول بردة المرأة؛ وكذا بشرائها بأن اشترى الزوج امرأته، فجاز أن
يزول بلفظ التحرير، ولو قال لعبده: رأسُك رأسُ حُرِّ، أو بدنك بَدَنُ حُرٍّ، أو فرجُك
فرج حر، لم يعتق، لأنَّ هذا تشبيه، لكن بحذف حرف التشبيه، وأنه جائز من باب
المبالغة، قال الله - تعالى -: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] أي: كمِّر السحاب
وقال الشاعرُ: [من الطويل]
وَعَيْنَاكَ عَيْنَاهَا وَجِيدُكَ جِيدُهَا سِوَىْ أَنَّ عَظْمَ السَّاقِ مِنْكِ دَقِيقٌ(٢)
فتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي المشاركة بينهما في جميع الصفات، وهذا معنى قولهم:
كلامُ التشبيهِ لا عمومٍ له، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرِجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]
وقال - تعالى -: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] فلا يعتق ولو نون، فقال: رأسُكَ رأسُ
(١) في ط: التحريم.
(٢) البيت للمجنون في ديوانه ص ١٦٣، وجمهرة اللغة ص ٤٣، وخزانة الأدب ١١ / ٤٦٤، ٥٦٧، ٥٦٨،
وسرّ صناعة الإعراب ٢٠٦/١، ولسان العرب ١٣٦/٨ (روع)؛ ولرجل من أهل اليمامة في جمهرة اللغة
ص ٢٩٢؛ والكامل ١٣٣/٣، والإبدال لأبي الطيب ٢٣١/٢ وبلا نسبة في ويروى هكذا:
فَعَيْناشِ عَيْناها وجيدُشِ جِيدُها سِوى أَنَّ عَظْمَ السَّاقِ مِنْشِ دَقيقُ
الخصائص ٢/ ٤٢٠، وشرح المفصل ٧٩/٨، ٤٨/٩، ولسان العرب ١٦٨/١٠ (سوق)؛ والمقرب ٢/
١٨٢؛ والممتع في التصريف ص ٤١١.

٢٤٦
كتاب الإعتاق
حر، وبدنك بدن حر، وفرجك فرج حر، فهو حُرٍّ، لأن هذا ليس بتشبيه، بل هو وصف، وقد
وصف جملة، أو ما يعبر به عن جملة بالحرية، فيعتق.
ولو قال: ما أنت إلاَّ مثل الحر، أو أنت مثل الحر، لم يعتق في القضاء، ولا فيما بينه
وبين الله - تعالى -؛ كذا ذكر في الأصل؛ لأن هذا تشبيه بحرف التشبيه، والتشبيه لا يقتضي
المشاركة في جميع الصفات، بخلاف قوله: ما أنت إلاَّ حر؛ لأن ذلك ليس بتشبيه، بل هو
تحرير، لأنه نفي وأثبت، والنفي ما زاده إلاَّ تأكيداً؛ كقول القائل لغيره: ما أنت إلاَّ فقيه.
١٥٧ ب
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال كُلُّ مالي حُرٍّ، وله عبيد، لم يعتقوا/؛ لأنه جمع
بين العبيد وغيرهم من الأموال، ووصف الكل بالحرية بقوله: كُلُّ مالي حُرُّ، ومعلوم أن غير
العبيد من الأموال لا يحتمل الوصف بالحرية التي هي العتق، فينصرف الوصف بالحرية إلى
الحرية التي يحتملها الكُلُّ، وهي أن تكونَ جميعُ أموالِهِ خالصةً صافيةً له، لا حق لأحدٍ فيها،
فلا تعتق عبيده، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق.
فصل في شرائط الركن
وأما شرائط الركن فأنواعٌ: بعضُها يرجع إلى المعتق خاصّةً، وبعضُها يرجع إلى المعتق
خاصَّة، وبعضُها يرجع إليهما جميعاً، وبعضُها يرجع إلى نفس الركن.
أما الذي يرجع إلى المعتق خاصة، فمنها: أن يكون عاقلاً(١) حقيقةً أو تقديراً، حتى لا
يصح الإعتاق من الصبي الذي لا يعقل والمجنون(٢)؛ كما لا يصح الطلاق منها، وأما المجنونُ
الذي يُجَنَّ في حالٍ ويفيقُ في حالٍ، فما يوجد منه في حال إفاقته فهو فيه بمنزلة سائر العقلاء،
وما يوجد منه في حال جنونه فهو بمنزلة المجنون المطبق اعتباراً للحقيقة، وأما السكران فإعتاقه
كطلاقه، وقد مَرَّ ذلك في ((كتاب الطلاق)).
ومنها: أن لا يكون معتوهاً ولا مدهوشاً ولا مبرسماً ولا مغمى عليه ولا نائماً حتى لا
يصح الإعتاق من هؤلاء؛ كما لا يصح الطلاق منهم؛ لما ذكرنا في الطلاق.
ومنها: أن يكون بالغاً، فلا يصح الإعتاق من الصبي، وإن كان عاقلاً؛ كما لا يصح الطلاق
(١) أي يصح من كل من يجوز تصرفه في المال.
(٢) قال ابن المُنْذِرِ: هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العلم، وممَّن حفِظْنا عنه ذلِكَ؛ الحسنُ، والشّعْبِيِّ، والزُّهْرِيُّ،
ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأَيِ، وذلّك لقَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيّ حَتَّى
يَبْلُغَ، وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنَ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَئِقِظَ)). ولأنه تبرع بالمال، فلم يصح منهما كالهبة.
ينظر: المغني ٣٤٩/١٤.

٢٤٧
کتاب الإعتاق
منه، ولو قال رجلٌ: اعتقت عبدي وأنا صبي، أو قال: وأنا نائم، كان القولُ قَولُه، والأصل فيه
أنه إذا أضاف الإعتاق إلى حال معلوم الكون، وهو ليس من أهل الإعتاق فيها يصدق بأن قال:
أعتقته وأنا صبي، أو وأنا نائم، أو مجنون، وقد علم جنونه، أو وأنا حربيٍّ في دارِ الحربِ، على
أصل أبي حنيفة ومحمد، وقد علم ذلك منه؛ لأنه إذا أضاف الإعتاق إلى زمان لا يتصور منه
الإعتاق، علم إن أراد به صيغة الإعتاق لا حقيقة الإعتاق، فلم يصر معترفاً بالإعتاق.
ولو قال: أعتقته وأنا مجنون، ولم يُعلم له جنونٌ، لا يصدق لأنه إذا أضافه إلى حالة لا
يتيقن وجودها، فالظاهر أنه أراد الرجوعَ عما أقر به، فلا يقبل منه، ولو قال: أعتقته قَبْلَ أَنْ
أخلق، أو قبل أن يخلق لا يعتق؛ لأن زمان ما قبل انخلاقه وانخلاق العبد معلومٌ، فقد أضاف
الإعتاق إلى زمان معلوم الكون، ولا يتصور منه فيه الإعتاق، فلا يعتق.
وأما كونه طائعاً فليس بشرط عندنا؛ خلافاً للشافعي، والمسألةُ مَرَّتْ في ((كتاب
الطلاق))، وكونه جادّاً ليس بشرط بالإجماع، حتى يصح إعتاق الهازل، وكذا كونه عامداً حتى
يصبح إعتاق الخاطىء؛ لما ذكرنا في الطلاق؛ وكذا التكلم باللسان ليس بشرط، فيصح الإعتاق
بالكتابة المستبينة، والإشارة المفهومة؛ وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط في الإعتاق
بعوض وبغير عوض، إذا كان الخيار للمولى حتى يَقَع العتق ويبطل الشرط.
أما إذا كان بغير عوض فظاهرٌ؛ لأن ثبوت الخيار لفائدة الفسخ، والإعتاقُ بغير العوض لا
يحتمل الفسخ؛ وكذا إن كان بعوض، لأن العوض من جانب المولى هو العتق، وأنه لا يقبل
الفسخ، فلا معنى للخيار فيه، وإن كان الخيار للعبد فخلوه عن خياره شرط صحته حتى لو ردًّ العبد
العقد في مدة الخيار، فينفسخ العقد ولا يعتق؛ لأنَّ العوضَ في جانبه هو المال، فكان محتملاً
للفسخ، فيصح شرط الخيار فيه كما في الطلاق على مال، وقد ذكرناه في ((كتاب الطلاق)).
وعلى هذا الصلح من دم العمد بشرط الخيار، وإن الخيار إن كان مشروطاً للمولى يبطل
"الخيار ويصح الصلح؛ لأن الخيار لثبوت الفسخ، والذي من جانب المولى وهو العفو لا
يحتمل الفسخ، وإن كان الخيار للقاتل جاز؛ لأن ما هو العوض من جانبه وهو المال قابل
للفسخ، ثم إذا جاز الخيار وفسخ القاتل العقد هل يبطل العفو؟
فالقياسُ أن يبطل؛ لأنه تعلق بشرط المال ولم يسلم المال، وفي الاستحسان لا يبطل
ويلزم القاتل الدية؛ کذا روي عن محمد.
أما صحة العفو وسقوط القصاص فلأن عفو الولي يصير شبهة، والقصاصُ يسقط
بالشبهات، وأما وجوب الدية فلأن الولي لم يرض بإسقاطه بغير عوضٍ ولا عوض إلاَّ الدية؛
إذ هي قيمة النفس، ثم فرق بين الإعتاقِ على مال وبين الكتابة؛ فإنه يجوز فيها شرط الخيار
للمولى، لأنها عقد معاوضة يلحقها الفسخ، فيجوز شرط الخيار في طرفيها كالبيع؛ بخلاف
الإعتاق على مال، والله - عزَّ وجلّ - الموفق.

٢٤٨
كتاب الإعتاق
وكذا إسلام المعتق ليس بشرط، فيصح الإعتاق من الكافر، إلاَّ أن إعتاق المرتد لا ينفذ
في الحال في قول أبي حنيفة، بل هو موقوفٌ، وعندهما نافذٌ، وإعتاق المرتد نافذٌ بلا خلاف،
١٥٨ أ والمسألة نذكرها في ((كتاب السير))، إن شاء الله - تعالى -].
وكذا صحة المعتِقِ فيصح الإعتاق من المريضِ مرضَ الموتِ؛ لأن دليل الجواز لا
يوجب الفصل، إلاَّ أن الإعتاق من المريض يعتبرُ من الثلثِ؛ لأنه يكون وصيةً.
ومنها: النية في أحد نوعي الإعتاق، وهو الكناية دون الصريح، يستوي في صريح
الإعتاق وكناياته أنْ يَكُونَ ذلك بمباشرة المولى بنفسه على طريق الأصالة أو بغيره على طريق
النيابة عن المولى بإذنه وأمره، وذلك أنواع ثلاثة: تفويضٌ، وتوكيلٌ، ورسالةٌ.
فالتفويضُ هو التخييرُ، والأمرُ باليد صريحٍ وكناية على ما بينا، والأمرُ بالإعتاق كقوله:
اعتق نفسك، وقوله: أنت حر إن شئت.
والتوكيل هو: أن يأمر غيره بالإعتاق بأن يقول لغيره: أعتق عبدي فلاناً من غير التقييد
بالمشيئة .
والرسالة معروفةٌ، وقد فسرناها في ((كتاب الطلاق)).
والحكم في هذه الفصول في العتاق كالحكم فيها في الطلاق، وقد استوفينا الكلام فيها
في ((كتاب الطلاق)) بتوفيق الله - عزَّ وجلَّ -.
ومنها عدمُ الشك في الإعتاق، وهو شرط الحكم بثبوت العتق، فإن كان شاكّاً فيه لا
يحكم بثبوته؛ لما ذكرنا في الطلاق.
وأما الذي يرجع إلى المعتق خَاصَّةً فنوعان:
أحدهما: الإضافة، فمنها أن يكون المضاف إليه العتق موجوداً بيقين، فإن لم يَكُنْ لم
تصح الإضافة بأن قال الجارية مملوكة له: حملُ هذا الجارية حُرٍّ، أو ما في بطن هذه الجارية
حُرٍّ، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الكلام ◌ُتق، وإن ولدت لستة أشهر فصاعداً لم
يعتق؛ لأنها إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين تَيَقِّنَا بوجوده في ذلك الوقت؛ لأن
المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، فإن ولدت واحداً لأقل منها بيوم، ثم ولدت آخر لأكثر منها
بيوم، عُتِقًا جميعاً؛ لأن الأول عتق لكونه في البطن يوم الكلام، فإذا عتق الأول عتق الثاني؛
لأنهما توأمان، وأما إذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً من وقت التكلم، فلا نستيقن بوجوده
وقت التكلم؛ لاحتمال حدوثه بعد ذلك فوقع الشك في ثبوت الحرية، فلا تثبت مع الشك.
ومنها: الإضافة إلى بدن المعتق، أو إلى جزء جامع منه، وهو الذي يعبر به عن جميع
البدن أو إلى جزء شائع عندنا، خلافاً للشافعي، حتى لو أضاف إلى جزء معين لا يعبر به عن

٢٤٩
كتاب الإعتاق
جميع البدن لا يصح عندنا، وعنده يصح كما في الطلاق؛ غير أنه إذا أضاف العتق إلى جزء
شائع منه لا يعتق كله عند أبي حنيفة، وإنما يعتق قدر ما أضاف إليه لا غير.
وعند أبي يوسف ومحمد یعتق کله.
وفي الطلاقِ تطلق كلها بلا خلافٍ؛ بناء على العتق يتجزأ عند أبي حنيفة وعندهما لا
يتجزأ، والطلاق لا يتجزأ بالإجماع، فأبو حنيفة يحتاج إلى الفرق بين الطلاق والعتاق.
ووجه الفرق أن ملك النكاح لا يراد به إلا الوطء والاستمتاع، وذلك لا يتحقق في
البعض دون البعض، فلا يكون إثبات حكم الطلاق في البعض دون البعض مفيداً، فلزم القول
بالتكامل، فأما ملك اليمين فلم يوضع للاستمتاع والوطء فإنه يثبت مع حرمة الوطء
والاستمتاع؛ كالأمة والمجوسية والمحرمة بالرضاع والمصاهرة، وإنما وضع للاسترباح أو
الاستخدام، وذلك يتحقق مع قيام الملك في البعض دون البعض؛ فكان ثبوت العتق في
البعض دون البعض مفيداً فهو الفرق فلا ضرورة إلى التكامل، وَأمَّا كون المضاف إليه العتق
معلوماً، فليس بشرط لصحة الإضافة(١) عند عامة العلماء، فيصبح إضافته إلى المجهول بأنْ
قال لعبديه: أحدكما حر، أو قال: هذا حر أو هذا، أو قال ذلك لأمَتَيْهِ .
وقال نفاه القياس: شرط حتى لا تصح الإضافة إلى المجهول عندهم والكلام في العتاق
على نحو الكلام في الطلاق، وقد ذكرناه في ((كتاب الطلاق))، وسواء كانت الجهالةُ مقارنة أو
طارئة، بأن عتق واحداً من عبيده عيناً، ثم نسي المعتق لما ذكرنا في ((كتاب الطلاق)).
ومنها: قبول العبد في الإعتاق على مال فما لم يقبل لا يعتق.
ومنها: المجلس وهو مجلس الإعتاق إن كان العبد حاضراً، أو مجلس العلم إنْ كان
غائباً؛ لما نذكر في موضعه، إن شاء الله - تعالى -.
وأما الذي يرجع إليهما جميعاً فهو الملك إذ المالك والمملوك من الأسماء الإضافية،
والعلاقة التي تدور عليها الإضافة من الجانبين هي الملك، فكون المعتق مملوك المعتق رقبة
وقت ثبوت العتق شرط ثبوته، فيحتاج في هذا الفصل إلى بيان كون المعتق مملوك المعتق رقبة
وقت ثبوت العتق شرط ثبوته، وإلى بيان أنه هل يشترط أن يكون مملوكه وقت الإعتاق، وهو
التكلم بالعتق أم لا؟ وإلى بيان من يدخل تحت مطلق اسم المملوك في الإعتاق المضاف إليه
ومن لا يدخل.
أما الأول، فالدليلُ على اعتبار هذا الشرط قولُ النبيِ نَّر: ((لاَ عِثْقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ
(١) في أ: الاعتاق.

٢٥٠
كتاب الإعتاق
١٥٨ ب آدَمَ))(١) لأن زوال ملك المحل شرط/ ثبوت العتق فيه، ولا بد للزوال من سابقة الثبوت.
وَعَلَى هذا يخرج إعتاق عبد الغير بغير إذنه؛ إذ لا ينفذ لعدم الملك، ولكن يتوقف على
إجازة المالك عندنا، وعند الشافعي لا يتوقف وهي مسألة تصرفات الفضولي، وموضعها
((كتاب البيوع)).
وكذا العبد المأذون لا يملك الإعتاق؛ وكذا المكاتب لانعدام ملك الرقبة؛ وكذا لو اشترى
العبد المأذون أو المكاتب ذا رحم منه لا يعتق عليه لما قلنا، ولو اشترى العبد المأذون ذا رحم
محرم من مولاه، فإن لم يكن عليّه دين مستغرق لرقبته عتق عليه؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فقدً
ملكه المولى، فيعتق عليه كما لو اشتراه بنفسه، وإن كان عليه دين مستغرق لرقبته لا يعتق عند أبي
حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يعتق بناءً على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون
المديون عنده، وعندهما يملك وهي من مسائل المأذون، ولو اشترى المكاتب ابنه من مولاه أو
ذا رحم محرم من مولاه، لم يعتق في قولهم جميعاً؛ لأنَّ المولى لم يملكه؛ لأنه من كسب
المكاتب والمَولى لا يملك إكساب مكاتبه فلا يعتق، ولو اشترت المكاتبة ابنها من سيدها عتق؛
لأن إعتاق المولى ينفذ في المكاتبة وولدها فيعتق من طريق الحكم لأجل النسب، ويجوز إعتاق
المولى المكاتب والعبد المأذون والمشتري قبل القبض والمرهون والمستأجر لقيام ملك الرقبة؛
وكذا العبد الموصي برقبته لإنسان وبخدمته لآخر إذا أعتقه الموصى له بالرقبة لما قلنا.
وعلى هذا الأصل يخرجُ قول أبي يوسف في الحربي إذا أعتق عبداً حربيّاً له في دارٍ
الحربِ أنه يعتق لقيام الملك.
وأما عند أبي حنيفة ومحمد: فلا يعتق(٢)، وَلاَ خِلاَف في أنه إذا أعتقه وخلى سبيله
(١) أخرجه أحمد (٤٢٩/٦، ٤٣٠، ٤٣٢): ومسلم (١٢٦٢/٣): كتاب النذر باب لا وفاء لنذر في
معصية الله حديث (٨/ ١٦٤١) وأبو داود (٦٠٩/٣ - ٦١٠ - ٦١١ - ٦١٢) كتاب الأيمان والنذور - باب
من النذر فيما لا يملك - حديث (٣٣١٦) والترمذي (٤٠/٣، ٤٢): كتاب النذور والأيمان باب أن لا نذر
في معصية حديث (١٥٦٢) وباب لا نذر فيما لا يملك ابن آدم - حديث (١٥٦٦) والنسائي (١٩/٧) كتاب
الأيمان والنذور باب النذر فيما لا يملك وابن ماجه (٦٨٦/١): كتاب الكفارات: باب النذر في المعصية .
حديث (٢١٢٤) والبيهقي (١٠ / ٧٥) كتاب النذور - باب ما يوفى به من النذر وما لا يوفى.
ولفظ الترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً بذكر المرفوع من قوله رَله .
(٢) خلافاً للأئمة الثلاثة وعتق الحربي لا يصح بناء على أنه لا مِلْكَ له على النَّمام، بدليل إباحة أخذِه منه،
وانتفاءِ عصمته في نفسه وماله. ولنا، أنه يصح طلاقه، فصح إعتاقه، كالذّمُيِّ، ولأنه مالك، بالغ، عاقل،
رشيد، فصح إعتاقه، كالذَّمْيّ. وقولهم: لا ملك له. لا يصح، فإنهم قد قالوا: إنهم يملكون أموال
المسلمين بالقهر، فلأن يثبت الملك له في غير ذلك أولى.
ينظر: المغني ٣٤٨/١٤.

٢٥١
كتاب الإعتاق
يعتق، منهم من قال في العتق أنه يعتق وَإنما الخلاف في الولاء أنه هل يثبت فيه (١) أم لا؟ ذكر
الطحاوي عن أبي حنيفة أن للعبد أن يوالي من يشاء ولا يكون ولاؤه للمعتق.
والصحيح أن الخلاف ثابتٌ في العتق، فإنهم قالوا في الحربي إذا دخل إلينا ومعه
مماليك، فقال: هم مدبرون أنه لا يقبل قوله، وإن قال: هم أولادي أو هن أمهات أولادي قُبل
قوله، فهذا يدل على أن التدبير لا يثبت في دار الحرب.
ورواية الطحاوي عن أبي حنيفة محمولة على ما إذا خرج إلى دار الإسلام وإذا خرج إلى
دار الإسلام فلا ولاء له عليه عندهما، لأنه لم يعتق بإعتاقه، وإنما عتق بخروجه إلى دار
الإسلام.
وعند أبي يوسف عتق بإعتاق مولاه له.
وجه قول أبي يوسف في مسألة العتق: أنه أعتق ملك نفسه فيعتق كما لو باعه وكما لو
كان في دار الإسلام فأعتق عبداً له حربيّاً أو مسلماً أو ذميّاً، وكالمسلم إذا أعتق عبده المسلم
في دار الحرب، ولا شك أنه أعتق ملك نفسه؛ لأن أموال أهل الحرب أملاكهم حقيقة.
ألا ترى أنهم يرثون ويورث عنهم، ولو كانت جارية يصح من الحربي استيلاؤها إلاّ أنه
ملك غير معصوم.
ولهما أن إعتاق الحربي عبده الحربي في دار الحرب بدون التخلية لا يفيد معنى العتق؛
لأن العتق عبارة عن قوة حكمية تثبت للمحل يدفع بها يد الاستيلاء والتملك عن نفسه، وهذا
لا يحصل بهذا الإعتاق بدون التخلية؛ لأن يده عليه تكون قائمة حقيقة، وملك أهل الحرب في
دار الحرب في ديانتهم بناء على القهر الحسي والغلبة الحقيقية، حتى أن العبد إذا قهر مولاه
فاستولى عليه ملكه، وإذا لم توجد التخلية كان تحت يده وقهره حقيقة، فلا يظهر معنى العتق،
هذا معنى قول المشايخ: معتق بلسانه مسترق بيده؛ بخلاف ما إذا أعتق في دار الإسلام؛ لأن
يد الاستيلاء والتملك تنقطع بثبوت العتق في دار الإسلام، فيظهر معنى العتق وهو القوة الدافعة
يد الاستيلاء، وبخلاف المسلم إذا أعتق عبده المسلم في دار الحرب؛ لأن المسلم لا يدين
الملك بالاستيلاء، والغلبة الحقيقية، ولو كان عبده حربيّاً فأعتقه المسلم في دارٍ الحرب يعتق
من غير تخلية استحساناً.
والقياسُ أن لا يعتق عندهما كالحربي إذًا أعتق عَبْدَهُ الحربي في دار الحرب، ومنهم من
جعل المسألة على الاختلاف.
(١) في ط: منه.

٢٥٢
كتاب الإعتاق
وعلى هذا الخلاف إذا ملك الحربي في دار الحرب ذل رحم محرم منه أنه قال لا يعتق
عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يعتق؛ لأن ملك القَريب يُوجب العتق، فكان
الخلاف فيه كالخلاف في الإعتاق.
وأما الثاني: فالإعتاق لا يخلو إما أن يكون تنجيزاً، وإمَّا أن يكون تعليقاً بشرط، وإما أن
يكون إضافة إلى وقت، فإن كان تنجيزاً يشترط قيام الملك وقت وجوده؛ لأن التنجيز إثبات
١١٥٩ العتق للحال ولا عتق بدون الملك، وإن كان تعليقاً/، فالتعليق في الأصل نوعان: تعليقٌ
محض ليس فيه معنى المعاوضة، وتعليق فيه معنى المعاوضة فيكون تعليقاً من وجه ومعاوضة
من وجه، والتعليق المحض نوعان أيضاً: تعليقٌ بما سوى الملك وسببه من الشروط، وتعليقٌ
بالملك أو بسبب الملك، وكلُّ واحد منهما على ضربين: تعليقُ صورة ومعنى، وتعليق معنى
لا صورة، فيقع الكلام في الحاصل في موضعين.
أحدهما: في بيان أنواع التعليق ما يشترط لصحته قيام الملك وقت وجوده وما لا
يشترط .
والثاني: في بيان ما يظهر به وجود الشرط.
أما الأول: فالتعليق المحض بما سوى الملك وسببه من الشروط فنحو التعليق بدخول
الدار، وكلام زيد، وقدوم عمرو؛ ونحو ذلك؛ بأن يقول لعبده إن دخلت الدار فأنت حر، أو
إن كلمت فلاناً، أو إذا قدم فلانٌ؛ ونحو ذلك، فإنه تعليق صورة ومعنى لوجود حرف التعليق
والجزاء، وهذا النوع من التعليق لا يصح إلاَّ في الملك حتى لو قال لعبد لا يملكه: إن دخلت
الدار فأنت حر، ثم اشتراه فدخل الدار لا يعتق؛ لأن تعليق العتق بالشرط ليس إلا إثبات العتق
عند وجود الشرط لا محالة، ولا عتق بدون الملك، ولا يوجد الملك عند وجود الشرط إلاَّ إذا
كان موجوداً عند التعليق؛ لأن الظاهر بقاؤه إلى وقت الشرط، وإذا لم يكن موجوداً وقت
التعليق كان الظاهر عدمه عند وجود الشرط، فلا يثبت العتق عند وجوده لا محالة ولأن اليمين
بغير الله - عزَّ وجلَّ - شرط وجزاء، والجزاء ما يكون غالب الوجود عند وجود الشرط أو
متيقن الوجود عند وجوده؛ لتحصيل معنى اليمين، وهو التقوى على الامتناع أو على
التحصيل، فإذا كان الملك ثابتاً وقت التعليق، كان الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط؛
لأن الظاهر بقاء الملك إلى وقت وجود الشرط فيحصل معنى اليمين.
وكذا إذا أضاف اليمين(١) إلى الملك أو سببه، كان الجزاء متيقن الوجود عند وجود
(١) في أ: العتق.

٢٥٣
كتاب الإعتاق
الشرط [أما إذا لم يكن الملك موجوداً وقت اليمين ولا وجدت الإضافة إلى الملك وسببه، لم
يكن الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط، ولا متيقن الوجود عند وجوده، بل كان محتمل
الوجود والعدم احتمالاً على السواء، بل كان محتمل العدم؛ لأنه معدوم الحال، فكان الظاهر
بقائه على العدم؛ لأنَّهُ معدوم للحال، فلا يحصل معنى اليمين حتى لو قال لعبد لا يملكه: إن
دخلت الدار وأنت في ملكي فأنت حر، يصح حتى لو اشتراه فدخل الدار يعتق لوجود الإضافة
إلى الملك، فكان الجزاء متيقن الوجود عند وجود الشرط](١) فيحصل معنى اليمين فتنعقد
اليمين، ثم إذا وجد التعليق في الملك حتى صح، فالعبد على ملكه في جميع الأحكام قبل
وجود الشرط، وإذا وجد الشرط وهو في ملكه يعتق، وإن لم يكن في ملكه تنحل اليمين لا
إلى جزاء حتى لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه قبل دخول الدار، فدخل الدار
وهو ليس في ملكه يبطل اليمين، ولو لم يدخل حتى اشتراه ثانيا فدخل الدار عتق؛ لأن اليمين
لا يبطل بزوال الملك؛ لأن في بقائها فائدة لاحتمال العود بالشراء وغيره من أسباب الملك إلا
أنه لم ينزل الجزاء عند الشرط لعدم الملك، فإذا عاد الملك واليمين قائم عتق على ما ذكرنا في
الطلاق .
ولو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فباعه بيعاً صحيحاً لا يعتق لعدم الملك له فيه عند
الشرط، ولو باعه بيعاً فاسداً وهو في يده، حنث لوجود الملك له فيه، ولو كان التعليق في
الملك بشرطين يراعى قيام الملك عند وجود الشرط الأخير عندنا؛ خلافاً لزفر، حتى لو قال
لعبده: إن دخلت هذين الدارين فأنت حرٍّ، فباعه قبل الدخول، فدخل إحدى الدارين ثم اشتراه
فدخل الدار الأخرى، يعتق عندنا، وعند زفر: لا يعتق، والمسألة مَرّتْ في ((كتاب الطلاق)).
ولو قال لعبده: إنْ دخلت الدار فأنت حُرٍّ إن كلمت فلاناً يعتبر قيام الملك عند الدخول
أيضاً؛ لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين، واليمين بالعتاق لا تنعقد إلا في الملك أو مضافة
إلى الملك أو بسببه؛ كأنه قال له عند الدخول: إن كلمت فلاناً فأنت حر.
ولو قال لعبده: أنت حر إن شئت، أو أحببت، أو رضيت، أو هويت، أو قال لأمته: إن
كنت تحبيني أو تبغضينى أو إذا حضت ـ فأنت حرة، فالجواب فيه كالجواب في الطلاق، وقد
ذكرنا هذه المسائل وأخواتها في ((كتاب الطلاق)).
ولو قال: أنت حر إن لم يشأ فلان، فإن قال فلان: شئتُ في مجلس علمه لا يعتق لعدم
شرطه، وإن قال: لا أشاء يعتق لكن لا يقول لا أشاء؛ لأن له أن يشاء في المجلس، بل
لبطلان المجلس بإعراضه واشتغاله بشيء آخر بقوله: لا أشاء، ألا ترى أنه إذا/ قال إن لم يشأ ١٥٩ب
(١) سقط من ط .

٢٥٤
كتاب الإعتاق
فلان اليوم فأنت حر، فقال فلان: شئت لا يعتق، ولو قال: لا أشاء، لا يعتق، لأن له أن يشاء
بعد ذلك ما دامت المدة باقية إلاّ إذا مضي اليوم ولم يشأ، فحينئذٍ يعتق.
ولو علَّق بمشيئة نفسه فقال: أنت حر إن شئت أنا، فما لم توجد المشيئة منه في عمره لا
يعتق، ولا يقتصر على المجلس؛ لأن هذا ليس بتفريق؛ إذ العتاق بيده.
ولو قال أنت حُرّ إن لم تشأ، فإن قال: شئت، لا يعتق لعدم الشرط، وإن قال لا أشاء
لا يعتق؛ لأن العدم لا يتحقق بقوله: لا تشاء؛ إذ له أن يشاء بعد ذلك إلى أن يموت بخلاف
الفصل الأول، لأن هناك اقتصر على المجلس، فإذا قال: لا أشاء، فقد أعرض عن المجلس،
وههنا لا يقتصر على المجلس، فله أن يشاء بعد ذلك حتى يموت، فإذا مات فقد تحقق العدم
فيعتق قبل موته بلا فصلٍ، ويعتبر من ثلث المال؛ كوقوع العتق في المرض إذِ الموتُ لا يخلو
عن مقدمة مرض.
ولو قال: أنت حُرِّ غداً إن شئت، فالمشيئة في الغد، فإن شاء في الحال لا يعتق ما لم
يشأ في الغد.
ولو قال: أنت حر إن شئت غداً، فالمشيئة إليه في الحال، فإذا شاء في الحال عتق غداً؛
لأن في الفصل الأول علق الإعتاق المضاف إلى الغد بالمشيئة فيقتضي المشيئة في الغد، وفي
الفصل الثاني أضاف الإعتاق المعلق بالمشيئة إلى الغد فيقتضي تقدم المشيئة على الغد.
وروي عن أبي حنيفة: أنه قال المشيئة في الغد في الفصلين جميعاً، وقال زفر: المشيئة
إليه للحال في الفصلين جميعاً، ومن هذا القبيل قول الرجل لعبده إن أديت إليَّ ألفاً فأنت حر،
لأنه تعليق صورة ومعنى لوجود الشرط والجزاء، فيصح في الملك ويتعلق العتق بوجود الشرط
وهو الأداء إليه في ملكه، فإذا جاء بألف وهو في ملكه وخلي بينه وبين الألف [عتق](١) شاء
المولى أو أبى، وهو تفسير الجبر على القبول إلا أن القاضي يجبره على القبض بالحبس؛ كذا
فسره محمد، فقال: إن العبد إذا أحضر المال بحيث يتمكن المولى من القبض عتق، وهذا
استحسان، والقياس أن لا يعتق ما لم يقبض أو يقبل، وهو قول زفر.
وجه القياس: أنه علق العتق بشرط الأداء إليه، ولا يتحقق الأداء إليه إلاَّ بالقبض ولم
يوجد فلا يعتق كما لو قال: إن أديت إليَّ عبداً فأنت حر، فجاء بعبد رديء وخلي بينه وبينه،
لا يعتق، ولو قيل يعتق، وكذا إذا قال: إن أديت إليَّ كراً من حنطة فأنت حُرٍّ، فأدى كرّاً من
حنطة رديئة، ولو قبل يعتق، وكذا إذا قال: إن أديت إليَّ ثوباً أو دابة، فأتى بثوب مطلق أو دابة
(١) سقط من ط .

٢٥٥
کتاب الإعتاق
مطلقة، لا يعتق بدون القبول؛ وكذا إذا قال إن أديت إليَّ ألفاً أحج بها أو حججت بها، لا
يعتق بتسليم الألف ما لم يقبل؛ وكذا إذا قال: إن أديت إليَّ هذا الدن من الخمر لا يعتق
بالتخلية بدون القبول.
وجه الاستحسان أنَّ أداءَ المال إلى الإنسان عبارة عن تسليمه إليه، قال الله - تبارك
وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] أي: تسلموا، وقال
- سبحانه وتعالى - خبراً عن نبيه موسى - عليه الصلاة والسلام -: ﴿أَنْ أَدُوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾
[الدخان: ١٨] أي: سلموا، وتسليم الشيء عبارة عن جعله سالماً خالصاً لا ينازعه فيه أحدٌ، وهذا
يحصل بالتخلية، ولهذا كانت التخلية تسليماً في الكتابة؛ وكذا في المعاوضات المطلقة فلا
يحتاج فيه إلى القبض كما لا يحتاج إليه في الكتابة والمعاوضات المطلقة مع أن التخلية تتضمن
القبض؛ لأنها تفيد التمكن من التصرف وهو تفسير القبض لا الجعل في البراجم كما في سائر
المواضع .
وأما المسائل فهناك لم يوجد الشرط أما مسألة العبد؛ فلأنه وإن ذكر العبد مطلقاً، فإنما
أراد به المقيد، وهو العبد المرغوب فيه لا ما ينطلق عليه اسم العبد علم ذلك بدلالة حاله، فلا
يعتق بأداء الرديء، فإذا قبل يعتق، لأنه إذا قبل تبين أنه ما أراد به المقيد بل المطلق، وعلم أن
له فيه غرضاً آخر في الجملة، فلا يعتبر الدلالة مع الصريح بخلافه، حتى لو أتى بعبد جيد أو
وسط وخلي يعتق، وهو الجواب عن(١) مسألة الكر.
وأما مسألة الثوب فثم لا يعتق ما لم يقبل، ولا يعتق بأداءِ الوسط؛ لأن الثياب أجناس
مختلفة وأنواع متفاوتة، واسم الثوب يَقَعُ عَلَى كُلُ ذلك على الانفراد من الديباج والخز والكتان
والكرباس والصوف وكل جنس تحته أنواع، فكان الوسط مجهولاً جهالة متفاحشة، ولا يقع
على أدنى الوسط من هذه الأجناس؛ كما لا يقع على أدنى الرديء، لأن قيمة أدنى الوسط وهو
الكرباس وهو ثوب تستر به العورة مما لا يرغب فيه بمقابلة إزالة الملك عن عبد قيمته ألف،
ومتى بقي مجهولاً لا تنقطع المنازعة فلا يتحقق التسليم والتخلية، حتى لو قال: إن أديت إليَّ
ثوباً هروياً فأنت حر، يقع على الوسط، وَإِذَا جاء به يجبر على / القبول؛ وكذا الجواب عن ١١٦٠
مسألة الدابة؛ لأن الدواب أجناس مختلفة تحتها أنواع متفاوتة، واسم الدابة يقع على كل ذلك
على الانفراد، حتى لو قال: إن أدَّيْتَ إليَّ فرساً فأنت حر، فقد قالوا إنه يقع على الوسط ويجبر
على القبول.
وأما مسألة الحج ففيها تفصيلٌ: إن قال: إن أدَّيْتَ إليَّ ألفاً فحججت بها، أو قال:
(١) في ط: في.

٢٥٦
كتاب الإعتاق
وحججت بها، فأتى بالألف لا يعتق؛ لأنه علق العتق بشرطين فلا يعتق بوجود أحدهما، ولو
قال: إن أدَّيت إليَّ ألفاً أحج بها يُعْتَقُ إذا خليَّ، ويكون قوله أحج بها لبيان الغرض ترغيباً للعقد
في الأداء؛ حيث يصير كسبه مصروفاً إلى طاعة الله - تعالى - لا على سبيل الشرط.
ومسألة الخمر لا رواية فيها، ولكن ذكر في الكتابة أنه إذا كاتب عبده على دن من خمر
أو على كذا عدد من الخنازير، على أنه متى أتى بها فهو حر، فقبل يكون كتابة فاسدة، فلو
جاء بها المكاتَبُ وخلي بينه وبينها يعتق؛ لوجود الشرط، ويلزمه قيمة نفسه، فيجوز أن يقاس
عليه، ويقال يعتق ههنا بالتخلية أيضاً.
وقال بعضُ المشايخ إن العتق في هذا الفصل ثبت من طريق المعاوضة لا بوجود الشرط
حقيقةً كما في الكتابة، والصحيحُ إنه ثبت بوجود الشرط حقيقة كما في سائر التعليقات
بشروطها لا بطريق المعاوضة، والمسائل تَدُلُّ عليها؛ فإنه ذكر عن بشر بن الوليد أنه قال:
سمعتُ أبا يوسف قال في رجلٍ قال لعبده: إذا أدَّيْتَ إليَّ ألفاً فأنت حر، أو متى أدَّيت أو إن
أدَّيت، فإنَّ أبا حنيفة قال: ليس هذا بمكاتب، وللمولى أن يبيعه؛ وكذا قال أبو يوسف
ومحمد .
فإن أدَّى قبل أن يبيعه فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً قالوا يجبر المولى على قبوله،
ويعتق استحساناً، فإن مات المولى قبل أن يؤدي الألف، فالعبد رقيق يورث مع أكسابه بخلاف
الكتابة، ولو مات العبد قبل الأداء وترك مالاً، فماله كله للمولى ولا يؤدى عنه فيعتق بخلاف
المكاتب، وَإِن بقي بعد الأداء في يده مالٌ مما اكتسبه، فهو للمولى بخلاف المكاتب، لأنَّ
المكاتب في يد نفسه، ولا سبيل للمولى على أكسابه مع بقاء الكتابة فبعد الحرية أولى.
وقالوا إن المولى لو باعه قبل الأداء صح، كما في قوله لعبده: إن دخلت الدار فأنت
حر، بخلاف المكاتب؛ فإنه لا يجوز بيعه من غير رضا المكاتب، وإذا رضي تنفسخ الكتابة،
ولو قال لعبدين له: إن ادَّيْتُمَا إليَّ ألفاً فأنتما حران، فإن أدى أحدهما حصته لم يعتق أحدهما؛
لأنه علق العتق بأداء الألف ولم يوجد؛ وكذا إذا أدى أحدهما الألف كلها من عنده؛ لأنه جعل
شرط عتقهما أداءهما جميعاً الألف، ولم يوجد الألف، فلا يعتقان؛ كما إذا قال لهما: إن "
دخلتما هاتين الدارين فأنتما حران، فدخل أحدهما، لا يعتق ما لم يدخل الآخر، وإن أدى
أحدهما الألف كلها وقال: خمسمائة من عندي وخمسمائة أخرى بعث بها صاحبي ليؤديها
إليك، عُتِقًا لوجود الشرط، وهو أداء الألف منهما، حصة أحدهما بطريق الأصالة، وحصة
الآخر بطريق النيابة؛ لأن هذا باب تجزىء فيه النيابة، فقام أداؤه مقام أداء صاحبه، ولو أدى
عنهما رجلٌ آخر لم يُعْتَقًا لعدم الشرط وهو أداؤهما.
وَأما إذا أدَّى الأجنبي الألف وقال: أؤديها إليك على أنهما حران فقبلها المولى على

٢٥٧
كتاب الإعتاق
ذلك، عتقا؛ لأن هذا بمنزلة التعليق بشرط آخر مع الأجنبي؛ كأنه قال له: إن أديت إليَّ ألفاً
فعبدي حُرٍّ، ويرد المال إلى المولى(١)؛ لأن المولى لا يستحق المال بعتق عبده قبل الغير،
ولأن منفعة هذا العتق تحصل له فلا يجوز أن يستحق بذلك على الغير مالاً، بخلاف ما إذا قال
لآخر: طَلْقِ امرأتك على ألفي هذه، ودفع إليه، فَطَّلق ــ أن الألف تكون للمطلق؛ لأن الزوج
لم يحصل له بالطلاق منفعة، إذ هو اسقاط حق، والأجنبي صار متبرعاً عنها بذلك، فأشبه ما
إذا قضى عنها ديناً بخلاف العتق؛ لأنه حصلت للمولى منفعة وهو الولاء، فلا يجوز أن يستحق
بدلاً على الغير.
ولو أداها الأجنبي وقال: هما أمراني أن أؤديها عنهما، فقبلها المولى، عُتقا لوجود
الشرط، لأنه يجوز أن يكون الرجل رسولاً عنهما، فأداءُ الرسولِ أداءُ المُرسِل، فإن أدى العبد
من مالٍ اكتسبه قبل القبول، عُتق لوجود الشرط، ويرجع المولى عليه بمثله؛ لأن المولى ما أذن
له بالأداء من هذا الكسب؛ لأن الإذن ثبت بمقتضى القبول، والكسب كان قبل القبول فصار
بمنزلة المغصوب؛ بأن غصب ألفاً من رجلٍ وأدى ولم يجز المغصوب منه أداءه، فإن العبد
يعتق لوجود الشرط وللغاصب أن يسترد المغصوب، وللمولى أن يرجع على العبد بمثلها .
وَإن أدى من مالٍ اكتسبه بعد القبول صح الأداء وعتق العبد، ولا يرجع المولى على العبد
بمثله بعد العتق، استحساناً.
والقياس أن يرجع؛ لأنه/ أدى مال المولى فيرجع عليه؛ كما لو اكتسبه قبل القبول ١٦٠ب
بخلاف المكاتب؛ لأنه أدى من مال نفسه؛ لأن اكتسابه ملكه إلاَّ أنهم استحسنوا فقالوا إنه لا
يرجع؛ لأنه أدَّى بإذن المولى، فكان إقدامه على هذا القبول(٢) إذناً له بالتجارة دلالة؛ لأنه لا
يتوصل إلى أداء الألف إلاَّ بالتجارة فيصير مأذوناً في التجارة، فقد حصل الأداء من كسبٍ هو
مأذون في الأداء منه من جهة المولى، فلا يستحق الرجوع عليه، أو نقول الكسب الحاصل بعد
القبول ليس على حكم ملك المولى في القدر الذي يؤدى ككسب المكاتب، فصار من هذا
الوجه كالمكاتب، ولو كانت هذه أمة فولدت، ثم أدت، لم يعتق ولدها بخلافِ المكاتَّبَةِ إذا
ولدت ثم أدت فعتقت، أنه يعتق ولدها .
ولو قال العبدُ للمولى: حُطَّ عني مائة، فحط عنه، فأدى تسعمائة لم يعتق، لأن الشرط
لم يوجد بخلاف الكتابة، فإن العتق فيها يثبت بطريق المعاوضة والحط يلتحق بأصل العفو في
المعاوضات كالبيع؛ وكذا لو أدى مكان الدراهم دنانير لا يعتق، وإن قبل لعدم الشرط.
(١) في أ: المؤدي.
(٢) في أ: القول.
بدائع الصنائع ج٥ - م١٧

٢٥٨
كتاب الإعتاق
ولو قال لعبده: إن خَدَمْتَنِي سنة فأنت حر، فخدمه أقل من سنة لم يعتق حتى يكمل
خدمته [سنة](١)؛ وكذا إن صالحه من الخدمة على دراهم، أو من الدراهم التي جعل عليه على
دنانير؛ وكذا إذا قال اخدم أولادي سنة وأنت حر، فمات بعضهم قبل تمام السنة لم يعتق،
وهذا كلُّه دليلٌ على أن العتق ثبت بوجود الشرط حقيقة، فلا يختلف الحكم فيه بالرضا وعدمه
واسقاط بعض الشرط كما في سائر الأزمان؛ ألا ترى أنه إذا قال لعبده(٢): إن دخلت هاتين
الدارين فأنت حر، فدخل أحدهما، وقال المولى: أسقطت عنك دخول الأخرى لا يسقط؛ كذا
هذا .
ولو أبرأ المولى العبد من الألف لم يعتق لعدم الشرط وهو الأداء، ولو أبرأ المكاتب عن
بدل الكتابة يعتق.
وذكر محمد في ((الزيادات)) أنه قال [لعبده](٣): إن أديت لي ألفاً في كيس أبيض فأنت
حر فَأدَّاهَا في كيس أسود لا يعتق، وفي الكفاية يعتق، وهذا نَصِّ على أن العتق ههنا يثبت
بوجود الشرط لا من طريق المعاوضة؛ بخلاف الكتابة، وإن باع هذا العبد ثم اشتراه وأدَّى إليه
يجبر على القبول عند أبي يوسف.
وقال محمد في ((الزيادات)): لا يجبر على قبولها، فإن قبلها عتق، وذكر القاضي في
شرحة ((مختصر الطحاوي)) أنه لا يجبر على القبول ولم يذكر الخلاف، وعلى هذا إذا رده عليه
بعیب أو خیار.
وجه قول أبي يوسف ظاهر مطرد على الأصل؛ لأنه عتق تعلق بالشرط والجزاء لا يتقيد
بالملك القائم، فكان حكمه في الملك الثاني كحكمه في الملك الأول؛ كما في قوله: إن
دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم اشتراه فدخل.
وأما الوجه لمحمد فهو أن دلالة الحال دَلَّتْ عَلَى التقييد بالملك القائم ظاهراً؛ لأنَّ
غَرَضَهُ من التعليق بالأداء تحريضه على الكسب ليصل إليه المال، وذلك في المال القائم، وأكد
ذلك بوجود العتق المرغب له في الكسب مع احتمال أن المراد منه مطلق الملك، فإذا أتى
بالمال بعد ما باعه واشتراه فلم يقبل، لا يعتق لتقيده بالملك القائم ظاهراً بدلالةِ الحالِ، وإذا
قبل يعتق؛ لأنه تبين أن المراد منه المطلق، ولو قال لأمته: إذا أدَّيت إليَّ ألفاً كُلَّ شهرٍ مائة
فأنت حرة، فقبلت ذلك، فليس هذا بكتابة، وله أن يبيعها ما لم تؤد، وإن كسرت شهراً لم تؤد
إليه ثم أدت إليه في غير ذلك الشهر لم تعتق، كذا ذكر في رواية أبي حفص وهشام، وذكر في
(١) سقط من ط .
(٣) سقط من ط.
(٢) في ط: له.

٢٥٩
كتاب الإعتاق
رواية أخرى وقال هذه مكاتبَةٌ، وليس له أن يبيعها، وإن كسرت شهراً واحداً ثم أدت في غير
ذلك الشهر كان جائزاً .
وجه هذه الرواية أنه أدخل فيه الأجل فدل أنه كتابة.
وجه رواية أبي حفص أن هذا تعليق العتق بشرط في وقت، وهذا لا يدل على أنه كتابة
كما لو قال لها: إن دخلت دار فلان اليوم أو دار فلان غداً فأنت حرة، لا يكون ذلك كتابة،
وإن أدخل الأجل فيه.
والدليل على أن الصحيح هذه الرواية أنه قال لها إذا أديت إليَّ ألفاً في هذا الشهر فأنت
حرة، فلم تؤدها في ذلك الشهر وأدتها في غيره لم تعتق، ولو كان ذلك كتابة لما بطل ذلك إلاَّ
بحكم الحاكم أو بتراضيهما، فدل أن هذا ليس بكتابة، بل هو تعليق بشرط لكن في وقت(١)
دون وقت، ثم التعليق بالأداء هل يقتصر على المجلس، فإن قال: متى أدَّيت، أو متى ما
أديت، أو إذا(٢) ما أديت، فلا شك أن هذا كله لا يقتصر على المجلس؛ لأن في هذه الألفاظ
معنى الوقت.
وإن قال: إن أدَّيت إليَّ/ ذكر في الأصل أنه يقتصر على المجلس، وظاهر ما رواه بشر ١١٦١
عن أبي يوسف يدل أنه لا يقتصر على المجلس، فإنه قال في رواية عن أبي يوسف أنه قال في
رجلٍ قال لعبده: إن أدَّيْتَ إليَّ ألفاً فأنت حُرّاً، أو متى أدَيْتَ، أو إن أدَّيت، فقد سوى بين هذه
الكلمات، ثم في كلمة: (إذ)، أو: (متى) لا يقتصر على المجلس، فكذا في كلمة (إن).
وكذا ذكر بشر ما يدل عليه؛ فإنه قال عطفاً على روايته عن أبي يوسف إن المولى إذا
باعه ثم اشتراه، فأدى المال، عتق، ويبعد أن ينفذ البيع والشراء وأداء المال في مجلس واحدٍ،
وهذا يدل على أن العتق لا يقتصرُ على المجلس في الألفاظ كلها، والوجه فيه ظاهرٌ؛ لأنه عتقٌ
معلق بالشرط، فلا يقف على المجلس كالتعليق بسائر الشروط من قوله: إن دخلت الدار فأنت
حُرٍّ، وغير ذلك.
وجه رواية الأصل أن العتق المعلق بالأداء معلقٌ باختيار العبد، فصار كأنه قال: أنت حرِّ
إن شئت، ولو قال: إن شئت يقتصر على المجلس، ولو قال: إذا شئت، أو متى شئت، لا
يقتصرُ على المجلس؛ كذا ههنا، وسواء أدى الألف جملة واحدةً، أو على التفاريق خمسة
وعشرة وعشرين، أنه يجبر على القبول حتى إذا تم الألف يعتق؛ لأنه علق العتق بأداء الألف
مطلقاً وقد أدى.
(١) في ط: بوقت.
(٢) في أ حيث.

٢٦٠
کتاب الإعتاق
وروى ابن رستم عن محمد فيمن قال لعبدهِ في مرضه: إذا أدَّيت إليَّ ألفاً فأنت حر،
وقيمة العبد ألف، فأداها من مال اكتسبه بعد القول، فإنه يعتق من جميع المال، استحسن أبو
حنيفة ذلك.
وقال زفر: يُعتق من الثلث وهو القياس، ووجهه أن الكسب حصل على ملك المولى؛
لأنه كسب عبده، فإذا أسقط حقه عن الرقبة كان متبرعاً فيعتبر من الثلث كما لو أعتقه ابتداء
بخلاف الكتابة؛ لأن المولى لا يملكُ اكسابَ العبد المكاتب فكان كسبه عوضاً عن الرقبةِ،
فيعتق من جميع المال.
وجه الاستحسان: أن القدر الذي يؤدى من الكسب الحاصل بعد القول ليس على ملك
المولى ككسب المكاتَبِ؛ لأن المولى أطعمه العتق بأدائه إليه، فصار تعليق العتق به سبباً داعياً
إلى تحصيله، فصار كسبه من هذا الوجه بمنزلة كسب المكاتب.
ولو قال له أدّ إليَّ ألفاً وأنت حُرٍّ، فما لم يؤد لا يعتق؛ لأنه أتى بجواب الأمر؛ لأن
جواب الأمر بالواو، فيقتضي وجوب ما تعلق بالأمر وهو الأداء.
ولو قال: أدّ إليَّ ألفاً فأنت حُرٍّ، فلا رواية في هذا، وقبل هذا والأول سواء لا يعتق إلاَّ
بأداء المال إليه؛ لأن جواب الأمر قد يكون بحرف الفاء، ولو قال: أدّ إليَّ ألفاً أنت حُرِّ، يعتق
للحال، أدى أو لم يؤد؛ لأنه لم يوجد ههنا ما يوجب تعلق العتق بالأداء؛ حيث لم يأت
بحرف الجواب، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
ومن هذا القبيل إذا قال لأمته: إن ولدت(١) ولداً فهو حُرّ، أو قال: إذا ولدت ولداً فهو
حُرّ، ويعتبر لصحة قيام الملك في الأمة وقت التعليق؛ كما في قوله: إن ولدت ولداً فأنت
حرة؛ لأن الملك إذا كان ثابتاً في الأمة وقت التصرف فالظاهر بقاؤه إلى وقتِ الولادة، فلا
حاجة إلى إضافة الولادة إلى الملك فيصح، فإذا صح التعليق فكلُّ ولد تلده في ملكه يعتق،
وإن ولدت في غير ملكه لا يعتق وتبطل اليمين بأن ولدت بعدما مات المولى أو بعدما باعها،
ولو ضرب ضاربٌ بطنها فألقت جنيناً ميتاً، كان فيه ما في جنين الأمة؛ لأن الحرية تحصل بعد
الولادة، والضربُ حصل قبل الولادة، فكان عبداً، فلا يجب ضمان الحر.
ولو قال: إن حملت بولد فهو حُرٍّ، كان فيه ما في جنين الحرة، لأن الحرية تحصل منها
للحمل، فالضرب صادفه وهو حُرٍّ، إلاَّ أنا لا نحكم به ما لم تلد لأنَا لا نعلم بوجوده، فإذا
ألقت فقد علمنا بوجودِهِ وقت الضرب.
(١) في أ: حملت.