Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب النفقة
بيان ذلك أن المملوك إذا خاصم مولاه في النفقة عند القاضي، فإن القاضي يأمره بالنفقة عليه،
فإن أبى أن ينظر القاضي، فكل مَنْ يصلح للإجارة يؤاجره وينفق عليه من أجرته، أو يبيعه إن
كان محلاًّ للبيع كالقن، ورأى البيع أصلح، ولا يجبر على الإنفاق، وإن لم يصلح للإجارة بأن
كان صغيراً أو جاريةً ولا محلاً للبيع كالمدبر وأم الولد - يجبره على الإنفاق؛ لأنه لا يمكن بيعه
ولا إجارته، وتركه جائعاً تضييع إلى آدمي، فيجبر المولى على الإنفاق، والله - عزَّ وجلَّ -
أعلم.
وأما نفقة البهائم فلا يجبر عليها في ظاهر الرواية، ولكنه يفنى فيما بينه وبين الله
- تعالى - أن ينفق عليها، وروي عن أبي يوسف أنه يجبر عليها؛ لأن في تركه جائعاً تعذيب
الحيوان بلا فائدة، وتضييع المال، ونهى رسول الله وَلّر عن ذلك كله؛ ولأنه سَفَةٌ لخلوه عن
العاقبة الحميدة، والسفه حرام عقلاً.
وجه ظاهر الرواية: أنَّ الجبرَ عَلَى الحقِّ يكون عند الطلب، والخصومة من صاحب الحق
ولا خصم، فلا يجبر، ولكن تجب فيما بينه وبين الله - تعالى - لما قاله أبو يوسف.
وأما نفقة الجمادات كالدور والعقار، فلا يجبر عليها لما قلنا، ولا يفتى أيضاً بالوجوب
إلاَّ أنه إذا كان هناك تضييع المال فيكره له ذلك، والله أعلم.

كِتَابُ الحِضَائَةَ(١)
الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في تفسير الحضانة، وفي بيان من له الحضانة، وفي
بيان مدة الحضانة، وفي بيان مكان الحضانة.
(١) قال زين الدين بن نجيم في ((البحر الرائق، شرح كنز الدقائق)): ((الحَضَانة بكسر الحاء، وفتحها لغةً: تربية
الولد)) ((والحاضنة)): المرأة توكل بالصبي؛ فترفعه وتربيه.
وقد حضنت ولدها حضانة من باب ((طَلَبَ)) وحضن الطائر بَيْضَهُ حضناً: إذا جثم عليه بكَنَفِهِ يحضنه، كذا
في ((المغرب)» والحضانة مصدر الحاضن والحاضنة.
والحاضن والحاضنة الموكّلان بالصبي يحفظانه، ويربيانه، والحضن: ما دون الإبط إلى الكَشْحِ.
وقيل: هو الصدر والعَضُدَانِ، وما بينهما، والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع، والخاصرة: هي وسط
الإنسان.
وجمع الحضن: أضحان، ومنه الاحتضان، وهو: احتمالك الشيء، وجعله في حضنك، كما تحضن
المرأة ولدها تحمله في أحد شقّيها، وفي الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - ((خرج محتضناً إحدى ابني
ابنته؛ أي: حاملاً له في حضنه)) والحضن: الجنب، وهما حضنان. انتهى ابن منظور في لسان العرب.
وقال علاء الدين الكاشاني في ((البدائع)): الحضانة لغة تستعمل في معنيين:
أحدهما: جعل الشيء في ناحية، يقال: حضن الرجل الشيء: إذا اعتزله، فجعله في ناحية منه.
ثانيهما: الفم إلى الجنب، يقال: حَضَنتُهُ، واحتضنتَهُ: إذا ضممته إلى جانبك انتهى.
والحضانة بمعنى: الفم هو المراد؛ لمناسبته للمعنى الشرعي.
واصطلاحاً :
عرفها الحنفية بأنها: تربية الطّفْلِ ورعايته، والقيام بجميع أموره في سن معينة ممن له الحق في الحضانة .
عرفها الشّافعية بأنها: تربية من لا يستقلُّ بأموره بما يصلحه، ودفع ما يضره.
عرفها المالكية بأنها: حِفْظُ الولد في مبيته، ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعَه وتنظيف جسمه.
عرفها الحنابلة بأنها: حفظ صغير وغيره عما يضرُّه، وتربيته بعمل مصالحه.
انظر: شرح الخرشي ٣٤٧/٣، حاشية ابن عابدين ٦٣٣/٢، نهاية المحتاج ٢١٤/٧، المدونة ٢٢٤/١٤،
الروض المربع ٣٢٨/٢، والمطلع على أبواب المقنع: ٣٥٥.
حكمة مشروعية الحضانة
من لطف الله - تعالى - بالصغير العاجز عن إقامة مصالحهُ، وتدبير شؤونه، واحتياجه إلى من يقوم بأمره،
وينظر في حوائجه أسند الله - سبحانه وتعالى - أمره إلى من هو مشفق عليه؛ لأن في تعهده بالعناية =
٢٠٢

٢٠٣
كتاب الحضانة
أما الأول: فالحضانةُ في اللغة تستعمل في معنيين:
أحدهما: جَعْلُ الشيء في ناحية يقال: حضن الرجل الشيء، أي: اعتزله، فجعله في
ناحية منه .
والثاني: الضمُّ إلى الجنب، يقال: حضنته واحتضنته: إذا ضممته إلى جنبك، والحضن
والرعاية حقًّا له على أبويه، أو من يقوم مقامهما، ومن ذلك (الحضانة)) لِمَا فيها من العناية بالصغير، من
=
غُسْل ثيابه، ونظافة جسمه، وحاجاته الآلية، والقيام بكل ما يلزم لراحته وسعادته؛ وبذلك ينشأ نشئاً
حسناً، سليم الجسم، صالحاً لما يُطْلَبُ منه في الحياة من أمر ديني، أو دنيوي. وقد حتمت الشريعة
الإسلامية على من يحضن الطفل أن يكون مستوفياً لشروط تكفل مصلحته، وأحكاماً تدل على العناية به،
والاهتمام بشأنه، وذلك من لطف الله - تعالى - ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، قال تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوْا
نِعْمَةَ الله لاَ تُخْصُوَهَا﴾ .
الأصل في ثبوت الحضانة السنة والإجماع
أما السنة - فلما رُوي في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن
عمرو - رضي الله تعالى عنهم - أن امرأة قالت: ((يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له
سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني: فقال لها رسول الله وَّه: ((أنت أحقُّ به ما
لم تنکحي» رواه الحاكم، وصححه.
دل الحديث الشريف على أن الأم أحق بحضانة ولدها؛ إذا أراد الأب انتزاعه منها، وقد ذكرت هذه المرأة
صفات اختصت بها تقتضي استحقاقها، وأولويتها بحضانة ولدها، وأقرها وَّ ر على ذلك، وحكم لها ما
لم تتزوج بزوج آخر.
ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم، وأن العلل والمعاني المعتبرة في إثبات الأحكام مستقرة في الفطرة
السليمة .
والأم أولى بالولد من سائر الحضانات؛ ما لم يحصل مانع من ذلك؛ كالنكاح؛ لتقييده وَّل * للأحقية
بقوله: ((ما لم تنكحي)) وذلك مجمع عليه؛ كما حكاه صاحب ((البحر)) عن ((نيل الأوطار)) - فإن حصل
النكاح منها - سقط أولويتها، وبطل حضانتها، وبه قال الإمام مالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله تعالى
عنهم ..
وأما الإجماع - فدليله ما رواه ابن أبي شيبة، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه طلق جميلة أم
عاصم الأنصارية، ثم أتى عليها، وفي حجرها عاصم، وأراد أن يأخذه منها؛ فتجاذباه بينهما حتى بكى
الغلام؛ فانطلقا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه - فقال أبو بكر لعمر: ((خلَ بينها وبينه؛ فإن مسحها،
وحجرها، وريحها خير له منك، حتى يشب الصبي)) فما راجعه عمر، وسلم عاصماً لأمه، والصحابة
- رضوان الله تعالى عليهم - حاضرون متوافرون، ولم ينكر على حكم أبي بكر أحد منهم؛ فكان ذلك
إجماعاً، انتھی (فتح وبحر)).
على أن عمر - رضي الله تعالى عنه - كان مذهبه في هذا خلاف مذهب أبي بكر، ولكنه سلم للقضاء ممن
له الحكم والإمضاء.
ينظر الحضانة لشيخنا بكر داود.

٢٠٤
كتاب الحضانة
الجنب، فحضانة الأمّ ولدها هي ضمها إياه إلى جنبها واعتزالها إيَّاه من أبيه ليكون عندها،
فتقوم بحفظه وإمساكه وغسل ثيابه، ولا تُجبر الأم على إرضاعه إلا ألا يوجد من ترضعه فتجبر
عليه، وهذا قول عامة العلماء.
وقال مالك: إن كانت شريفة لم تجبر، وَإن كانت دَنِيَّةً تجبر، والصحيحُ قول العامة؛
لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] قيل في بعض وجوه التأويل: أي لا
تضار بإلزام الإرضاع مع كراهتها، وقوله - عزَّ وجلَّ - في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَغْنَ لَّكُمْ
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] جعل - تعالى - أجْرَ الرضاع على الأب لا على الأم مع وجودها،
فدلَّ أن الرضاع ليس على الأم، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَعَلَّى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكَسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: رزق الوالدات المرضعات، فإن أريد به المطلقات، ففيه أن لا
إرضاع على الأم حيث أوجب بدل الإرضاع على الأب مع وجود الأم، وإن أريد به
١٥٠/٢ ب المنكوحات كان المراد منه - والله - عزَّ وجلَّ - أعلم - إيجاب/ زيادة النفقة على الأب للأم
المرضعة لأجل الولد، وإلا فالنفقة تستحقها المنكوحة من غير ولدٍ، ولأن الإرضاع إنفاق على
الولد، ونفقة الولد يختص بها الوالد لا يشاركه فيها الأم كنفقته بعد الاستغناء، فكما لا تجب
عليها نفقته بعد الاستغناء، لا تجب عليها قبله، وهو إرضاعه، وهذا في الحكم.
وأما في الفتوى: فتفتى بأنها ترضعه؛ لقوله - تعالى -: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾
[البقرة: ٢٣٣] في بعض تأويلات الآية: أي: لا تضار بولدها بأن ترميه على الزوج بعد ما عرفها
وألفها ولا ترضعه فيتضرر الولد، ومتى تضرر الولد تضرر الوالد؛ لأنه يتألم قلبه بذلك، وقد
قال الله - تعالى -: ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا يضار المولود له بسبب الإضرار
بولده؛ كذا قيل في بعض وجوه التأويل؛ ولأن النكاح عقد سكن وإزواج(١)، وذلك لا يحصل
إلا باجتماعهما على مصالح النكاح.
ومنها: إرضاع الولد فيفتى به، ولكنها إن أبَتْ لا تجبر عليه لما قلنا، إلا إذا كان لا
يوجد مَنْ يرضعه، فحينئذٍ تجبر على إرضاعه؛ إذ لو لم تجبر عليه لهلك الولد.
ولو التمس الأب لولده مرضعاً فأرادتِ الأم أن ترضعه بنفسها فهي أولى؛ لأنها أشفق
عليه، ولأن في انتزاع الولد منها إضراراً بها، وأنه منهيٍّ عنه؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لاَ تُضَارَّ
وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] قيل في بعض الأقاويل، أي: لا يضارها زوجها بانتزاع الولد منها
وهي تريد إمساكه وإرضاعه.
(١) في ط: ازدواج.

٢٠٥
كتاب الحضانة
فإن أرادت أن تأخذ على ذلك أجراً في صلب النكاح لم يجز لها ذلك؛ لأن الإرضاع
وإن لم يكن مستحقّاً عليها في الحكم، فهو مستحق في الفتوى، ولا يجوز أخذ الأجر على أمر
مستحق؛ لأنه يكون رشوة، ولأنها قد استحقت نفقة النكاح وأجرة الرضاع، وأجرة الرضاع
بمنزلة النفقة فلا تستحق نفقتين؛ ولأن أجر الرضاع يجب لحفظ الصبي وغسله وهو من نظافة
البيت، ومنفعةُ البيت تحصل للزوجين، فلا يجوز لها أن تأخذ عوضاً عن منفعة تحصل لها،
حتى لو استأجرها على إرضاع ولده من غيرها جاز؛ لأن ذلك غير واجب عليها، فلا يكون
أخذ الأجرة على فعل واجب عليها؛ وكذا ليس في حفظه منفعة تعود إليها؛ لأنه لا يجب عليها
أن تسکنه معها .
وكذلك إذا كانت معتدة من طلاق رجعي لا يحل لها أن تأخذ الأجرة؛ كما لا يجوز في
صلب النكاح؛ لأن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه.
وأما المبتوتةُ ففيها روايتان: في رواية لا يجوز لها أن تأخذ الأجر؛ لأنها مستحقة للنفقة
والسكنى في حال قيام العدة، فلا يحل لها الأجرة كما لا يحل للزوجة.
وفي روايةٍ يجوز؛ لأن النكاح قد زال بالإبانة، فصارت كالأجنبية.
وأما إذا انقضت عدتها فالتمست أجرة الرضاع، وقال الأب: أنا أجد من يرضعه بغير أجر
أو بأقل من ذلك، فذلك له؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أَخْرَى﴾ [الطلاق: ٢]
ولأن في إلزام الأب بما تلتمسه الأم إضراراً بالأب، وقد قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلاَ
مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا يضار الأب بإلزام الزيادة على ما تلتمسه الأجنبية؛ كذا ذكر
في بعض التأويلات، ولكن ترضعه عند الأم ولا يفرق بينهما لما فيه من إلحاق الضرر
بالأم، والله أعلم.
فصل في بيان مَنْ له الحضانة
وأما بيان من له الحضانة، فالحضانةُ تكون للنساء في وقت وتكون للرجال في وقت،
والأصل فيها النساء لأنهن أشفق وأرفق وأهدى إلى تربية الصغار، ثم تصرف إلى الرجال؛
لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدرُ، ولكلِّ واحدٍ منهما شرط، فلا بد من
بيان شرط الحضانتين ووقتهما.
أما التي للنساء، فمن شرائطها أن تكون المرأة ذات رحم محرم من الصغار، فلا حضانة
لبنات العم وبنات الخال وبنات العمة وبنات الخالة؛ لأن مبنىّ الحضانة على الشفقة، والرحم
المحرم هي المختصة بالشفقة، ثم يتقدم فيها الأقرب فالأقرب، فأحق النساء من ذوات الرحم

٢٠٦
كتاب الحضانة
المحرم بالحضانة الأم؛ لأنه لا أقرب منها (١)، ثم أم الأم، ثم أم الأب؛ لأن الجدتين وإن
استويتا في القرب لكن إحداهما من قبل الأم أولى، وهذه الولاية مستفادة من قبل الأم، فكل
من يدلي بقرابة الأم كان أولى؛ لأنها تكون أشفق(٢) [ثم الأخوات] (٣) فأم الأب(٤) أولى من
(١) لَمَّا كانت حاجة الطفل في أول أطوار حياته، ترجع إلى تدبير طعامه، وملبسه، ونومه، ونظافته، وأمثال هذه
الحاجات التي تقدر عليها النساء أكثر من الرجال؛ لوفور شفقتهن، وصبرهن على تربية الأطفال، وقدرتهن
على ذلك؛ لملازمتهن البيوت؛ ولذا كان الحق بحضانة الطفل من النساء محارمه أولاً؛ فإن لم تكن له محرم
من النساء، أو وجدت، وليست أهلاً لحضانته ـ انتقل الحق إلى محارمه من الرجال العصبة.
ثانياً: فإن لم يوجد عاصب محرم للصغير، أو وُجِدَ، وليس أهلاً لحضانته انتقل الحق إلى محارمه من
الرجال غير العصبة .
ثالثاً: ولما كانت النساء مقدمات على الرجال العصبة، وغير العصبة؛ لشفقتهن، وصبرهن - ابتدأت
بترتيب أرباب الحق في الحضانة من النساء.
فَأَحقُّ النساء المحارم بحضانة الصغير أمه؛ لصبرها، وقدرتها على تحمل المشاق، مهما طال الزمان،
وتداولت الأعصار؛ فهي التي تفرح لفرحه، وتسر عند رؤيته، وتسهر لسهره، وتحزن لمرضه؛ لِمَا أُودِعَ
في قلبها من العطف، والحنان، والمحبة .
وهذه فطرة فطر الله الأمهات عليها، سواء أكانت الزوجية قائمة بينها وبين أبيه، أو مطلقة منه؛ فهي أحق؛
لِما رُوِيَ من قوله وَّهِ((أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي)) .
والإجماع على ذلك لِمَا رُوِيّ أن أبَا بَكرِ - رضي الله عنه - قال لعمر - حين فارق امرأته -: ((رِيحُهَا وَمَسُهَا
وَمَسْحُهَا وَرِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنَ الشَّهْدِ عِنْدَكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ أَحَدٌ؛ فَكَانَ إِجْمَاعاً».
ولأن الصغار لما عجزوا عن مصالحهم - جعل الشرع ولايتها إلى غيرهم؛ فجعل ولاية التصرف في
النفس، والمال إلى الآباء، أو من يقوم مقامهم، لأن الرجال أقوى رأياً مع الشفقة الكاملة، وأوجب النفقة
عليهم، لكونهم أقدر عليها، وجعل الحضانة إلى الأمهات؛ لأنهن أشفق، وأرفق، وأفرغ للقيام بخدمته؛
فكان في تفويض الحضانة إليهن، وغيرها من المصالح إلى الآباء زيادة منفعة على الصغير؛ فكان حسناً،
سواء كان المحضون ذكراً، أو أنثى؛ فهي أولى، وهو قول ((يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، وأبي
حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي إسحاقَ المروزي)) قال ابن قدامة في ((المغني)): ((وَلاَ نْعَلَمُ
أَحَداً خَالَفَهُمْ)).
ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود.
(٢) إذا ماتت الأم، أو لم تكن أهلاً للحضانة - انتقل الحق في حضانة الولد إلى أمها ((وهي جدة الولد من
جهة أمه)) لما روى أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) في قصة عمر بن الخطاب، أنه طَلّق جميلة ابنة
عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري؛ فتزوجت فأخذ عمر ابنه منها؛ فأدركته ((شموس)) أم جميلة،
فَأَخَذت الولد منه؛ فَتَرَافَعَا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وهما متشبثان؛ فَقَالَ الصِّدِيقُ لِعمر: ((خَلِّ بَيَتُه
وبینھا» فأخذته.
ولأن هذه الولاية تستفاد من قِبَل الأم؛ فكانت التي من قبلها أولى، وإن بعدت.
وعند الإمام أحمد أن أم الأب أحق من أم الأم؛ لكنه مستضعف؛ فإن أم الأم تُذْلي بالأم، وهي مقدمة
على الأب؛ فالذي يدلي بها ولاداً أولى ممن يدلي بالأب.
=

٢٠٧
كتاب الحضانة
الأخت؛ لأن لها ولاداً، فكانت أدخل في الولاية(١)؛ وكذا هي أشفق، وأولى الأخوات
الأخت لأب وأم، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب؛ لأن الأخت لأب وأم تُذْلِي بقرابتين
فترجَّح على الأخت لأم بقرابة الأب، وترجح الأخت لأم؛ لأنها تدلي بقرابة الأم، فكانت
أولى من الأخت لأبٍ(٢).
وصحح الولوالجي: بأنها أولى من الخالة؛ فإن لم تكن، أو كانت، وليست أهلاً - انتقل الحق في حضانة
=
الصغير إلى أم الأب، فهي مقدمة على الأخوات، والخالات؛ لأنها من الأمهات؛ ولكونها أوفر شفقة
على الأولاد.
وقال زُفَرُ: ((الأخت الشقيقة، أو الأخت لأم، أو الخالة أحق بحضانة الصغير من أم الأب؛ لأنها تدلي إليه
بقرابة الأب، وهن يدلين إليه بقرابة الأم، فَكُنَّ أَحقُّ، لأن الحضانة تستحق باعتبار قرابة الأم أولاً .
ونحن نقول: أم الأب أم لما لها من قرابة الولادة، وهي من الأمهات، ولهذا تحرز ميراث الأم، وهو
السُّدُسُ.
وقال مالك: الخالة أولى من الجدة لأب؛ كمَا رُوِيّ في ((الصحيحين)) ((أن عليًّا، وجعفر الطيار، وزيد بن
حارثة اختصموا في بنت حمزة فَقَالَ عَلِيُّ: أنا أحق بها هي ابنة عمي. وقال زيد: بنت أخي. وقال
جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي؛ فقضى النبي ◌َّ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت
مني، وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا.
ورواه أبو داود في ((سننه)) وقال بعد هذا قوله: ((إِنَّمَا الخَالَةُ أَمَّ) ورواه إسحاق بن راهويه، وقال بعد قوله:
((وأما أنت يا زيد فأخونا، ومولانا، والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة)).
قلنا: هذا كله تشبيه، ولم يذكر وجهه، فيحتمل كونه في ثبوت الحضانة، أو كونها أحق بها من كل من
سواها، ولا دلالة على الثاني، والأول متيقن، فيثبت؛ فلا يفيد الحكم بأنها أحق من أحد بخصوصه أصلاً
ممن له الحق في الحضانة؛ فيبقى المعنى الذي عنيناه بلا معارض، وهو أن الجدة لأب تقدم على الخالة؛
لكونها من الأمهات.
والاستدلال بالحديث على ما قلنا استدلال بالظاهر، وعلى قول مالك استدلال بالمؤل وهو في مقابلة
الظاهر خفي.
فإن لم تكن جدة سفلى، ولا عُليا من جهة الأم، ولا من جهة الأب فالأخت الشقيقة، ثم لأم، ثم الأب،
لأنهن بنات الأبوين، فكن أولى من بنات الأجداد، ولهذا قدمن في الميراث.
ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الأم.
(١) في أ: القرابة.
(٢) تقدم الأخت الشقيقة؛ لوفور شفقتها، ثم الأخت لأم، لأن الحق لها من جهة الأم، وأما الأخت لأب .
فالمذكور في ((البحر)) وغيره، أنها تقدم على الخالة اعتباراً بقرب القرابة، وهي رواية محمد، عن أبي
حنيفة في كتاب ((النكاح))، لأن المدلى بالأم يقدم على المدلى بالأب عند اتحاد الرتبة، وفي رواية عنه من
كتاب ((الطلاق)) تقدم الخالة عن الأخت لأب؛ لأنها تدلي بالأم والأخت بالأب؛ ولقوله عليه السلام:
((الْخَالَةُ وَالِدَةً».
=

٢٠٨
كتاب الحضانة
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الأخت لأب مع الخالة، أيتهما أولى؟ روي عنه في
١٥١/٢أ كتاب ((النكاح)) أن الخالة أولى، وهو قول محمد وزفر، وروي عنه في كتاب ((الطلاق)) أن/
الأخت لأبٍ أوْلَى.
وجه الرواية الأولى: ما روي أن بنت حمزة لما رأت عليّاً - رضي الله عنه - تمسكت به،
وقالت: ابن عمي، فأخذها، فاختصم فيها عليٍّ وجعفر وزيد بن حارثة - رضي الله عنهم -؛
فقال - رضي الله عنه -: بنتُ عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتُها عندي، وقال زيد بن
حارثة - رضي الله عنه - بنت أخي؛ آخيت بيني وبين حمزة يا رسولَ الله، فقضى
رسولُ اللهِ وَّه بها لخالتها، وقال ◌َّهِ: ((الخَالَةُ وَالِدَةٌ))(١) فقد سمى الخالة والدة فكانت أولى.
وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفُعَ أَبَوَيِهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أنها كانت خالته، وعند زُفَرُ ((الأخت الشقيقة،
=
والأخت لأم يشتركان؛ لاستوائهما فيما يعتبر، وهو الإدلاء بالأم، وجهة الأب لا مدخل لها فيه)).
وأبو حنيفة وصاحباه يقولون: تقدم الشقيقة، لأن جهة الأب تصلح للترجيح، وإن لم يكن له مدخل مع
وجود القرابة من جهة الأم، وإذا عدمت قرابة الأم - كان لها مدخلاً في استحقاق الحضانة.
(١) ورد بلفظ: الخالة بمنزلة الأم.
حديث البراء بن عازب أخرجه البخاري ٣٥٧/٥ كتاب الصلح/ باب كيف يكتب ((هذا ما صالح فلان بن
فلان ... )) (٢٦٩٩) وأطرافه في البخاري (١٧٨١، ١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١).
والبيهقي ٨/ ٥ كتاب النفقات/ باب الخالة (حق بالحضانة من العصبة وقال: رواه البخاري في الصحيح
عن عبيد الله بن موسى - هكذا عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل مدرجاً.
وقد ورد الحديث عن علي بن أبي طالب وأبي مسعود البدري وأبي هريرة ومحمد بن علي بن
الحسين بن علي وابن شهاب مرسلاً.
أمَّا حديث علي بن أبي طالب:
فقد رواه أحمد ٩٨/١ - ٩٩ حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانىء بن هانىء
وهبيرة بن يريم عن علي - رضي الله عنه - قال: لما خرجنا ... فذكر الحديث بطوله.
وعزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٦٧/٣ لإسحاق بن راهويه في مسنده بالإسناد المذكور عند أحمد.
وأبو داود في السنن ٦٩٤/١ كتاب الطلاق/ باب من أحق بالولد (٢٢٨٠) والترمذي.
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٤/ ١٤٠.
وعزاه الألباني في الإرواء (٢٤٧/٧) للطحاوي في المشكل (١٧٣/٤ - ١٧٤) والحاكم ١٢٠/٢ وقال:
((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.
ورواه في موضع آخر مختصراً ٣٤٤/٤ وقال:
((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي والبيهقي ٦/٨ كتاب النفقات/ باب الخالة أحق
بالحضانة من العصيبة.
وأما حديث أبي مسعود: قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٦٧/٣: رواه الطبراني في ((معجمه)) حدثنا أبو
الشيخ محمد بن الحسن الأصبهاني وأحمد بن زهير التستري قالا: ثنا محمد بن حرب النسائي ثنا
يحيى بن عباد ثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن خالد بن سعد عن أبي مسعود قال: قال =

٢٠٩
كتاب الحضانة
وجه الرواية الأخرى: أن الأخت لأب بنت الأب، والخالة بنت الجد، فكانت الأخت
أقرب فكانت أولى.
وبنت الأخت لأب وأم أولى من الخالة، لأنها من ولد الأبوين؛ وكذا بنت الأخت لأم؛
لأنها من ولد الأم، والخالة ولد الجد.
وكذا بنت الأخت لأب أولى من الخالة على الرواية الأخيرة؛ لأنها من ولد الأب،
والخالة ولد الجد، فكانت أولى.
وأما على الرواية الأولى: فلا شك أن الخالة تتقدم عليها؛ لأنها تتقدم على أمها وهي
الأخت لأب، فلأن تتقدم على بنتها وهي أبعد من أمها - أولى، وبنات الأخت أولى من بنات
الأخ؛ لأن الأخ لا حق له في الحضانة، والأخت لها حق فيها، فكان ولد الأخت أولى،
والخالات أولى من بنات الأخ؛ لأن بنت الأخ تدلي بقرابة الذكر، والخالة تدلي بقرابة الأم،
فكانت الخالة أولى، وبنات الأخ أوْلَى مِنَ العَمَّاتِ.
وإن كانت واحدة منهما، أعني: بنت الأخ والعمة، تدلي بذكر لكن بنت الأخ أقرب؛
لأنها ولد الأب، والعمة ولد الجد، فكانت بنت الأخ أقرب، فكانت أولى، ثم الخالات أولى
من العمات، وإن تساوين في القرب؛ لأن الخالات يدلين بقرابة الأم فكن أشفق، وأولى
الخالات الخالة لأب وأم؛ لأنها تدلي بقرابتين، ثم الخالة لأم لإدلائها بقرابة الأم، ثم الخالة
لأب، ثم العمات.
رسول الله وَلو ((الخالة والدة)).
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٢٣/٤):
((وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات)).
أمَّا حديث أبي هريرة: أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٤٧٢) في ترجمة السمتي قال: حدثنا أبو هريرة
المدني عن مجاهد عن أبي هريرة قال رسول الله وَّل: ((الخالة والدة)).
وأعله بيوسف هذا ووصفه بالكذب وقال: لا يتابع عليه أمَّا حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
عن أبيه مرسلاً.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣٥/٤ - ٣٦).
قال الألباني في الإرواء: ((إسناده مرسل صحيح)).
أما حديث الزهري بلاغاً أن رسول الله وَ له قال: العم أب إذا لم يكن دونه أب والخالة والدة إذا لم يكن
دونها أم)) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٦٨/٣: رواه ابن المبارك في ((البر والصلة)) بسنده عن الزهري
وقال الألباني في الإرواء ٦/ ١٤٤: وقد رأيته في كتاب الجامع لعبد الله بن وهب شيخ الإمام أحمد عن
ابن شهاب بلاغا)» ! هـ وهو ((ضعيف)).
بدائع الصنائع ج٥ - ١٤٣

٢١٠
كتاب الحضانة
وذكر الحسن بن زياد في ((كتاب الطلاق)) أن أم الأب أولى من الخالة في قول أبي
يوسف، وقال زفر: الخالة أولى، وجه قول النبي ◌َّ: ((الخَالَةُ وَالِدَة)).
وجه قول أبي يوسف: أن أم الأب لها ولاد، والولاية في الأصل مستفادة بالولادِ.
وأولى العمات العمة لأب وأم؛ لأنها تدلي بقرابتين، ثم العمة لأم لاتصالها بجهة الأم،
ثم العمة لأب.
وأما بنات العم والخال والعمة والخالة، فلا حق لهن في الحضانة لعدم الرحم
المحرم(١) والله أعلم.
ومنها: ألا تكون ذات زوج أجنبيٍّ من الصغير(٢)، فإن كانت فلا حق لها في الحضانة،
(١) أولاد الأخوات على الترتيب الآتي:
فأولاد الأخوات لأم وأب أولى من الخالات والعمات؛ بخلاف أولاد الأخوات لأب؛ فإن الخالات أولى
منهن.
والصحيح إن الخالات أولى من أولاد الأخوات لأب.
ثم الخالات ينزلن منزلة الأخوات؛ أعني: من كانت لأم وأب أحق، ثم يليها من كانت لأم فقط، ثم لأب
تليها في المرتبة، لأن من كان اتصاله من الجانبين أحق بحضانة الصغير، ثم من كانت لأم؛ لكونها
أشفق، والمراد بالخالة: أخت الأم لا مطلق خالة، الصادق بخالة الأم، وخالة الأب؛ لأنهما مؤخرتان
عن العمة، وأيضاً الخالات أحق بحضانة الصغير من بنات الأخ، ثم بنات الأخ على الترتيب المتقدم؛
فتقدم بنات الأخ الشقيق، ثم بنات الأخ لأم، ثم بنات الأخ لأب، ثم العمات، وتقدم الشقيقة، ثم لأم،
ثم لأب، ثم خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عمات الأمهات، وعمات الآباء على هذا الترتيب.
قال ((شلبي)) نقلاً عن العيني في شرح ((الهداية)): ومن خطّه نقلت: ((وبنات الأعمام، وبنات العمات،
وبنات الأخوال، وبنات الخالات بمعزل عن حق الحضانة، لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية، وإن كن
رحمة)) وفصل في غيره من الكتب المعتمدة، فقالوا: لا حق لبني العم، والعمة، والخال والخالة في
حضانة الصبية، لعدم المحرمية، ولهم الحق في حضانة الصبي؛ كما لا حق لبنات العم، والعمة،
والخال، والخالة في حضانة الصبي، ولهن الحق في حضانة الصبيّة.
والمحارم غير القريبات؛ كالأم رضاعاً، والأخت رضاعاً، لاحق لهن في الحضانة.
ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود.
(٢) ألا تكون متزوجة بغير رحم محرم للمحضون، لأن الأجنبي ينظر إلى ولدها شذراً، ويبطن له الكراهة،
سواء دخل بها، أو لم يدخل، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمهُ الله - وبه قال الشافعي؛ لأنه بمجرد العقد
على المرأة يملك الزوج منافع الاستمتاع بها وتكون مشغولة عن الولد بالتهيىء للدخول، والأخذ في
أسبابه، وعلى هذا لا يسلم الولد إليها؛ لأن التزوج اسم للعقد أفاده الرملي؛ كما هو منقول عنه في
((حاشية البحر)).
وقال الإمام مالك، وأحمد - رضي الله عنهما -: لا يسقط حقها في الحضانة بمجرد العقد، وإنما يسقط
بالدخول عليها؛ إذ به يتحقق اشتغالها عن الولد حقيقة.
=

٢١١
كتاب الحضانة
وأصله ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن امرأةً أتتْ رسولَ الله وَّ فقالت: يا
رسولَ الله؛ إن ابني هذا كان بطني له وعاءً وحجري له حواء وثديي له سقاء، ويزعم أبوه أن
ينزعه منيٍّ، فقال رسولُ اللهِ وَرَ: ((أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ مَا لَمْ تُنكَجِي))(١).
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: طلق عمر - رضي الله عنه - أمَّ ابنه عاصم - رضي
الله عنه - فلقيها ومعها الصبي فنازعها، وارتفعا إلى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقضى أبو
بكر - رضي الله عنه - بعاصم بن عمر - رضي الله عنهما - لأمه ما لم يشب أو تتزوج، وقال: إن
ريحها وفراشها خيرٌ له حتى يشب أو تتزوج(٢)، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -؛
ولأن الصغير يلحقه الجفاء والمذلة من قبل الأب لأنه يبغضه لغيرته، وينظر إليه نظر المغشى عليه
من الموت، ويقتر عليه النفقة، فيتضرر به حتى لو تزوجت بذي رحم محرم من الصبي، لا يسقط
حقها في الحضانة؛ كالجدة إذا تزوجت بجد الصبي، أو الأم تزوجت بعم الصبي، أنه لا يلحقه
الجفاء منهما لوجود المانع من ذلك؛ وهو القرابة الباعثة على الشفقة.
ولو مات عنها زوجها أو أبانها، عاد حقها في الحضانة؛ لأن المانع قد زال، فيزول
المنع ويعود حقها، وتكون هي أولى ممن هي أبعد منها كما كانت.
ومنها: عدم ردتها، حتى لو ارتدت عن الإسلام بطل حقها في الحضانة(٣)؛ لأن المرتدة
وإنما اشترط ذلك؛ لأن زوج الأم الأجنبي ينظر إلى الولد بعين الكراهة؛ لظنه أن أمه تطعمه من ماله وربما
=
اشتد بينه وبين أمه الخلاف والشقاق من أجل الولد، ووجوده عند أمه، وقد يترتب على ذلك ما لا يحمد
عقباه مما فيه إضرار بالأم والولد معاً.
وأما الرحم المحرم إذا كان زوجاً للأم - فلا خوف على الولد منه؛ لما بينه وبين المحضون من أواصر
القرابة؛ فيعطف عليه، وينظر له نظر رحمة، وإِذَن لا خوف على الصغير منه؛ ولذا يسلم الولد للأم
وغيرها من الحاضنات، إذا تزوجن برحم محرم للمحضون، كتزوج أم الصغير بعمه، أو جدته بجده، فإنه
ينزل منزلة الأب من جهة العطف والحنان.
ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود.
(١) أخرجه أبو داود (٦٩٣/١) كتاب الطلاق: باب من أحق بالولد حديث (٢٢٧٦) والدار قطني (٣٠٥/٣)
كتاب النكاح: باب المهر، والحاكم (٢٠٧/٢) والبيهقي (٤/٨- ٥) وأحمد (١٨٢/٢) من طريق
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨/ ٥) كتاب النفقات: باب الأم تتزوج فيسقط حقها من حضانة الولد
وينتقل إلى جدته .
(٣) وهو الخروج عن دين الإسلام بعد اعتناقة، سواء لحقت بدار الحرب، أو لا؛ لأن حكمها الحبس
والضرب حتى تعود إلى الإسلام.

٢١٢
كتاب الحضانة
تحبس فيتضرر به الصبي، ولو تابت وأسلمت يعود حقها لزوال المانع، وسُئل محمد عن النساء
إذا اجتمعن ولهن أزواج، قال يضعه القاضي حيث يشاء؛ لأنه لاحق لهن فَصَار كَمَنْ لا قرابة
له .
ومنها: أن تكون حرة فلا حق للأمة وأم الولد في حضانة الولد(١) الحر؛ لأن الحضانة
ضرب من الولاية، وهما ليستا من أهل الولاية، فأما إذا اعتقتا فهما في الحضانة كالحرة؛
لأنهما استفادتا الولاية بالعتق.
وأهل الذمة في هذه الحضانة بمنزلة أهل الإسلام؛ لأن هذا الحق إنما يثبت نظراً
للصغير، وأنه لا يختلف بالإسلام والكفر، وكذا اتحاد الدين ليس بشرط لثبوت هذا الحق حتى
لو كانت الحاضنة كتابية والولد مسلم، كانت في الحضانة كالمسلمة، كذا ذكر في الأصل لما
١٥١/٢ ب قلنا، وكان أبو بكر أحمد بن علي الرازي/ يقول: إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا،
فإذا عقلا سقط حقها؛ لأنها تعودهما أخلاق الكفرة وفيه ضرر عليهما، والله - عزَّ وجلَّ -
الموفق .
فصل في وقت الحضانة من قبل النساء
وأما وقت الحضانة التي من قبل النساء، فالأم والجدتان أحق بالغلام حتى يستغني
(١) ويشترط في الحاضة، أمّا كانت للمحضون، أو غيرها شروطاً، بمراعاتها يمكن الوصول إلى التربية
الصحيحة، والعناية بكل ما يلزم للصبي؛ حتى ينشأ نشأ حسناً صالحاً لكل ما يطلب منه وهي مبسوطة في
كتب الفقهاء :
أولاً: أن تكون حرة؛ كي تستطيع القيام بخدمة الصغير، والتضرع لكل ما يلزم له .
فلو كانت أمة، أو أم ولد - لا حق لهما في حضانة أولادهما، لعجزهما عن الحضانة بخدمة المولى،
ولأن حق الحضانة ضرب من الولاية، ولا ولاية لهما على أنفسهما؛ فلا يكون لهما على غيرهما ولاية،
وعلى هذا تكون الحضانة لمولاه؛ إن كان الصغير رقيقاً، ولا يفرق المولى بينة وبين أمه، إن كانا في
ملکه.
ولو عتقت أمه بعد وضعه لم يكن لها حق في الحضانة، سواء كانت منكوحة لأبيه، أو فارقها، وسواء
كان أبوه حرًّا، أو عبداً، لأن الولد مملوك للولي.
وإذا كان الولد حرًّا - فالحضانة لأقربائه الأحرار؛ إن كانت أمُّه أَمَةٍ، لا لمولاها، ولا لمولاه الذي أعتقه،
وإن عتقت - كانت الحضانة لها؛ لأنها حرة، وابنها حر، أو أن ثبوت الحق.
وأما المدبرة - فحكمها حكم القنة، لوجود الرقة فيها، والمكاتبة أحق بولدها المولود في كتابتها، لأنه
يصير داخلاً في الكتابة؛ تبعاً لأمه، بخلاف المولود قبل الكتابة، فلا يكون لها حق في حضانته.
ينظر : الحضانة لشيخنا بكر داود.

٢١٣
كتاب الحضانة
عنهن؛ فيأكل وَحْدَهُ، ويشرب وحده، ويلبس وحده (١)، كذا ذكر في ظاهر الرواية، وذكر أبو
داود بن رشيد عن محمد: وَيَتَوَضَّأُ وحده؛ يريدُ به الاستنجاء، أي: ويستنجي وحده، ولم
يقدر في ذلك تقديراً، وذكر الخصاف سبع سنين أو ثمان سنين أو نحو ذلك.
وأما الجارية: فهي أحق بها حتى تحيض؛ كذا ذكر في ظاهر الرواية.
وحكى هشام عن محمد: حَتَّى تبلغ أو تُشْتَهَى وإنما اختلف حكم الغلام والجارية لأن
القياس أن تتوقت الحضانة بالبلوغ في الغلام والجارية جميعاً؛ لأنها ضرب ولاية، ولأنها ثبتت
للأم، فلا تنتهي إلا بالبلوغ كولاية الأب في المال، إلاَّ أنا تركنا القياس في الغلام بإجماع
الصحابة - رضي الله عنهم - لما روينا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قضى بعاصم بن
عمر لأمِّهِ ما لم يثبَّ عاصم أو تتزوج أمه، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -
ولم ينكر أحدٌ من الصحابة، فتركنا القياس في الغلام بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فبقي
الحكم في الجارية على أصل القياس؛ ولأن الغلام إذا استغنى يحتاج إلى التأديب والتَّخَلَّقِ
(١) أصل المذهب: أن مدة الحضانة للصغير والصغيرة تنتهي باستغنائهما عن خدمة النساء، وقدرة الواحد
منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الأولية؛ من أكل، ولبس، ونظافة بلا معين، ولم تقدر لهذا سن معينة.
ولكن مجتهدي المذهب قدروا سن الاستغناء؛ فقدر الخصاف سن الاستغناء للغلام بسبع سنين، لأن
الظاهر أن الصغير إذا بلغ السبع - يهتدي بنفسه إلى الأكل والشرب، بلا معين؛ فلا حاجة إلى الحضانة،
وأيضاً إذا بلغ الصبي هذا السن - يحتاج إلى التأديب، والتهذيب، والتعليم، والتخلق بأخلاق الرجال
وآدابهم، والأب أقدر على ذلك من الأم، وسائر الحاضنات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((مُرُوا
صِبْيَانَكُمُ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعاً».
والأمر بالصلاة لا يكون إلا بعد القدرة على الطهارة. والفتوى على قول الخصاف؛ كما في ((الكافي))
للحاكم الشهيد. وقدر أبو بكر الرازي الاستغناء للغلام بتسع سنين.
وأما الصغيرة - فقد قدر الرازي مدة حضانتها بتسع سنين على المفتى به، فقد روى هشام عن محمد أن
الصغيرة تدفع إلى أبيها إذا بلغت حدَّ الشهوة، وقدره أبو الليث في ((الوجيز)) بتسع سنين، وعن أبي يوسف
مثله؛ ولأن الصغيرة بعد هذه المدة تحتاج إلى الصيانة، ولذا قال في ((النقاية)): ((وهو المعتمد لفساد
الزمان)» وبه يفتي في زماننا؛ لكثرة الفساق. وأما على ظاهر الرواية - فالبنت تبقى عند أمها وجدتها حتى
تحيض، وذلك أنه بعد استفتائها بنفسها تحتاج إلى معرفة آدابي النساء، من الغزل، والطبخ، والغسل،
والأم أقدر على ذلك؛ ولذا تبقى البنت في حضانة أمها وجدتها حتى تحيض، فإذا حاضت البنت - تحتاج
إلى التزويج، والصيانة، والأب له ولاية التزوج، وأيضاً أقدر على صيانتها من أمها وجدتها؛ لأنها إذا
بلغت صارت عرضة للفتنة، ومطمعاً للرجال، وبالرجال من الغيرة ما ليس للنساء؛ فالأب أقدر على دفع
خداع الفسقة واحتيالهم؛ فكان أولى.
وأما غير الجدة والأم من الحاضنات - فلهن حق الحضانة حتى تبلغ الصبية حد الشهوة؛ أي: تسع سنين
اتفاقاً .
ينظر الحضانة لشيخنا بكر داود.

٢١٤
كتاب الحضانة
بأخلاق الرجال وتحصيل أنواع الفَضَائِل واكتساب أسباب العلوم، والأب على ذلك أقوم
وأقدر، مع ما [أنّه لو ترك] (١) في يدها لتخلق بأخلاق النساء وتعود بشمائلهن، وفيه ضرر
[به] (٢)، وهذا المعنى لا يوجد في الجارية، فتترك في يد الأم، بل تمس الحاجة إلى الترك في
يدها إلى وقت البلوغ لحاجتها إلى تعلم آداب النساء والتخلق بأخلاقهن وخدمة البيت، ولا
يحصل ذلك إلاَّ وأن تكون عند الأم، ثم بعد ما حاضت أو بلغت عند الأم حد الشهوة، تَفَعُ
الحاجةُ إلى حمايتها وصيانتها وحفظها عمن يطمع فيها؛ لكونها لحماً على وضم، فلا بد ممَّن
يذب عنها، والرجال على ذلك أقدر.
وأما غير هؤلاء من ذوات الرحم المحرم من الأخوات والخالات والعمات إذا كان
الصغير عندهن، فالحكم في الجارية كالحكم في الغلام، وهو أنها تترك في أيديهن إلى أنْ
تأكل وحدها وتشرب وحدها وتلبس وحدها، ثم تسلم إلى الأب، وإنما كان كذلك لأنها وإن
كانت تحتاج بعد الاستغناء إلى تعلم آداب النساء، لكن في تأديبها استخدامها، وولاية
الاستخدام غير ثابتة لغير الأمهات من الأخوات والخالات والعمات، فتسلمها إلى الأب احترازاً
عن الوقوع في المعصية .
وأما التي للرجال فأما وقتها فما بعد الاستغناء في الغلام إلى وقت البلوغ وبعد الحيض
في الجارية إذا كانت عند الأم أو الجدتين، وإن كانا عند غيرهن فما بعد الاستغناء فيهما جميعاً
إلى وقت البلوغ لما ذكرنا من المعنى، وإنما توقت هذا الحق إلى وقت بلوغ الصغير
والصغيرة؛ لأن ولاية الرجال على الصغار والصغائر تزول بالبلوغ كولاية المال، غير أن الغلام
إذا كان غير مأمون عليه فللأب أن يضمه إلى نفسه، ولا يخلى سبيله، کَیْلاً يكتسب شيئاً عليه،
وليس عليه نفقته إلا أن يتطوع، فأما إذا بلغ عاقلاً واجتمع رأيه واستغنى عن الأب وهو مأمون
عليه فلا حق للأب في إمساكه؛ كما ليس له أن يمنعه من ماله، فيخلى سبيله فيذهب حيث
شاء، والجارية إن كانت ثيباً وهي غير مأمونة على نفسها، لا يخلى سبيلها، ويضمها إلى
نفسه، وإن كانت مأمونة على نفسها، فلا حق له فيها، ويخلى سبيلها وتترك حيث أحَبَّتْ، وإن
كانت بكراً لا يخلى سبيلها، وإن كانت مأمونة على نفسها؛ لأنها مَطْمَعٌ لكلّ طامعٍ ولم تختبر
الرجال، فلا يُؤمن عليها الخداع.
وأما شرطها، فمن شرائطها: العصوبة، فلا تثبت إلا للعصبة من الرجال(٣)، ويتقدم
الأقرب فالأقرب؛ الأب ثم الجد أبوه وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن
(١) في أ: لو بقي.
(٢) سقط من ط.
(٣) عصبة الرجل - لغةً -: قرابته لأبيه، سموا بذلك لإحاطتهم به.
=

٢١٥
كتاب الحضانة
الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم،
ثم ابن العم لأب إن كان الصبي غلاماً، وإن كان جارية فلا تسلم إليه؛ لأنه ليس بمحرم منها،
لأنه يجوز له نکاحها، فلا يؤتمن عليها .
وأما الغلام فإنَّهُ عصبة وأحقُّ به ممن هو أبعد منه، ثم عم الأب لأب وأم، ثم عم الأب
لأب، ثم عم الجد لأب وأم، ثم عم الجد لأب.
ولو كان لها ثلاثة أخوة كلهم على درجة واحدة بأن كانوا كلهم لأبٍ وأم، أو لأب، أو
ثلاثة أعمام كلهم على درجة واحدة، فأفضلهم صلاحاً وورعاً أوْلَى، فإن كانوا في ذلك سواء
فأكبرهم سناً أوْلَى بالحضانة، فإن لم يكن للجارية من عصباتها غير ابن العم، اختار لها القاضي
أفضل/ المواضع؛ لأن الولاية في هذه الحالة إليه فيراعى الأصلح، فإن رآه أصلح ضمها إليه، ٢/ ١١٥٢
وإلا فيضعها عند امرأة مسلمة أمينة .
وكل ذكر من قبل النساء فلا حق له في الولد؛ مثل الأخ لأم، والخال، وأبو الأم؛
لانعدام العصوبة .
وقال محمد: إن كان للجارية ابن عم وخال، وكلاهما لا بأس في دينه، جعلها القاضي
عند الخال، لأنه محرم وابن العم ليس بمحرم، فكان المحرم أولى، والأخ من الأب أحق من
الخال؛ لأنه عصبة وهو أيضاً أقرب؛ لأنه مِنْ أولاد الأب والخال من أولاد الجد.
والعصبة: جمع عاصب، سواء كان عاصباً نسبيًّا، أو سببيًّا، فهم أولى بحضانة الصغير، إن لم يكن له
امرأة محرم من أهله، أو وجب انتزاعه من النساء، وأخذه الرجال، واختصموا فيه؛ فأولاهم به أقربهم
تعصبياً، لأن الولاية للأقرب.
فيقدم الأب، ثم الجد وإن عَلاً، والأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب،
وهكذا كل من سفل من أولادهم، ثم العم شقيق الأب، ثم ابن العم الشقيق؛ لأن الولاية لهم، والحضانة
فرع من الولاية، فإن تعدد المستحقون للحضانة، وطلب كل منهم ضم الصغير إليه - قدم أصلحهم
للصغير؛ فإن تساوِوا فِي الأَصْلَحِيَّةِ - قدم أورعهم، وهو من يترك الشبهات، اتقاءً الوقوع في المحرمات؛
فإن تساووا فِي الأَوْرَعِيَّةِ، فأكبرهم سنًّا أحق بالحضانة، وينبغي أن يلاحظ الأنفع للصغير؛ فإنه أولى من
غيره؛ لأن الغرض من الحضانة العمل على ما هو أنفع للولد، فإن تساووا من جميع الجهات - فالرأي
للقاضي يضعه حيث شاء، لأنه نصب ناظراً لمصالح المسلمين، ولا تدفع الجارية للعصبة الفاسق، ولا
إلى مولى العتاقة، ولا للأم التي ليست بمأمونة، تحرزاً عن الفتنة، بخلاف الغلام، فإنه يدفع إليهم.
وأيضاً إذا كان العاصب فاسقاً، وهو الذي لا يبالي بما يصنع، ويخشى على الولد منه، أو كان متصفاً
بوصف يوجب ضياع الولد، وإهماله - فلا حق له في الحضانة، سواء كان المحضون ذكراً أو أنثى، بل
ينتقل الحق إلى من يليه من العصبات، إن كان وإلا انتقل الحق إلى ذي رحمة المحرم، غير العصبة.
ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود.

٢١٦
كتاب الحضانة
وذكر الحسن بن زياد بأن الصبي إذا لم يكن له قرابة من قبل النساء فالعم أولى به من
الخال وأبو الأم؛ لأنه عصبته، والأخ لأب أولى من العم، وكذلك ابن الأخ لأنه أقرب، فإن
لم تكن له قرابة أشفق من جهة أبيه من الرجال والنساء، فإن الأم أولى من الخال والأخ لأم؛
لأن لها ولاداً وهي أشفق ممن لا ولاد له من ذوي الأرحام.
ومنها: إذا كان الصغير جارية أنْ تكون عصبتها ممن يؤتمن عليها، فإن كان لا يؤتمن
لفسقه ولخيانته، لم يكن له فيها حق؛ لأن في كفالته لها ضرر عليها، وهذه ولاية نظر، فلا
تثبت مع الضرر حتى لو كانت الأخوة والأعمام غير مأمونين على نفسها ومالها، لا تسلم
إليهم، وينظر القاضي امرأة من المسلمين ثقة عدلة أمينة فيسلمها إليها، إلى أن تبلغ فتترك حيث
شاءت، وإن كانت بكراً.
ومنها: اتحاد الدين، فلا حق للعصبية في الصبي إلا أن يكون على دينه؛ كذا ذكر
محمد، وقال: هذا قولُ أبي حنيفة وقياسُهُ؛ لأن هذا الحق لا يثبت إلا للعصبة، واختلاف
الدين يمنع التعصيب.
وقد قالوا في الأخوين إذا كان أحدهما مسلماً والآخر يهوديّاً والصبيُّ يهوديّ - أن
اليهودي أولى به؛ لأنه عصبة لا المسلم، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق.
ولا خيار للغلام والجارية إذا اختلف الأبوان فيهما قبل البلوغ عندنا، وقال الشافعي:
يخير الغلام إذا عقل التخيير.
واحتج بما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ امرأة أتت رسول الله وَله فقالت:
[إن](١) زوجي يريد أن ينتزع ابنه مني وإنه قد نفعني وسقاني من بئر أبي عتبة، فقال ◌َله:
(اسْقِيْهِمَا عَلَيْهِ)) فقال الرجلُ: مَنْ يشافني في ابني، فقال النبي ◌َِّ للغلام: ((اخْتَزْ أَيَّهُمَا شِئْتَ))،
فاختار أمه فأعطاها إياه (٢) ولأن في هذا نظر للصغير؛ لأنه يحتاج الأشفق.
(١) سقط من ط .
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٦٩٣) كتاب الطلاق: باب من أحق بالولد حديث (٢٢٧٧) والترمذي (٦٣٨/٣) كتاب
الأحكام: باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا حديث (١٣٥٧) وابن ماجه (٧٨٧/٢ - ٧٨٨)
كتاب الأحكام: باب تخيير الصبي بين أخويه حديث (٢٣٥١) والنسائي (١٨٥/٦) كتاب الطلاق: باب
إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد، وأحمد (٢٤٦/٢) والحميدي (٤٦٤/٢) رقم (١٠٨٣) والشافعي في
((الأم)» (٩٢/٥) وأبو يعلى (٥١٢/١٠) رقم (٦١٣١) وابن حبان (١٢ - موارد) والحاكم (٩٧/٤) والبيهقي
(٣/٨) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٧/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق أبي ميمونة عن أبي هريرة.
وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وأبو ميمونة اسمه سليم.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وصححه أيضاً ابن حبان.

٢١٧
كتاب الحضانة
ولنا ما روينا عن النبي ◌َّر أنه قال للأم: ((أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي)) وَلَمْ يخير؛ ولأن
تخيير الصبي ليس بحكمة؛ لأنه لغلبة هواه يميل إلى اللذة الحاضرة من الفراغ والكسل والهرب
من الكتاب وتعلم آداب النفس ومعالم الدين، فيختار شَرَّ الأبوين، وهو الذي يهمله ولا يؤدبه.
وَأمَّا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فالمراد منه التخيير في حق البالغ لأنها قالت:
نفعني وسقاني من بئر أبي عتبة، ومعنى قولها: نفعني، أي: كسب عليَّ، والبالغ هو الذي
يقدر على الكسب، وقد قيل إن بئر أبي عتبة بالمدينة لا يمكن الصغير الاستقاء منه، فدل على
أن المراد منه التخيير في حق البالغ، ونحن به نقول إن الصبي إذا بلغ يخير.
والدليل عليه ما روي عن عمارة بن ربيعة المخزومي؛ أنه قال: غزا أبي نحو البحرين،
فَقُتِلَ، فجاء عمي ليذهب بي، فخاصمتْهُ أمي إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومعي
أخّ لي صغيرٌ، فخيرني عليٍّ - رضي الله عنه - ثلاثاً فاخترت أمي فأبى عمي أن يرضى، فوكزه
علي - رضي الله عنه - بيده، وضربه بدرَّتِهِ، وقال: لو بلغ هذا الصبي أيضاً خير(١)، فهذا يدل
على أن التخيير لا يكون إلا بعد البلوغ.
فصل في مكان الحضانة
وأما بيان مكان الحضانة، فمكان الحضانة مكان الزوجين إذا كانت الزوجية بينهما قائمةٌ،
حتى لو أراد الزوج أن يخرج من البلد وأراد أن يأخذ ولده الصغير ممَّن له الحضانة من النساء -
ليس له ذلك حتى يستغني عنها؛ لما ذكرنا أنها أحق بالحضانة منه، فلا يملك انتزاعه من يدها
لما فيه من إبطال حقها؛ فضلاً عن الإخراج من البلد، وإن أرادت المرأة أن تخرج من المصر
الذي هي فيه إلى غيره، فللزوج أن يمنعها من الخروج، سواء كان معها ولد أو لم يكن؛ لأن
عليها المقام في بيت زوجها؛ وكذلك إذا كانت معتدة لا يجوز لها الخروج مع الولد وبدونِهِ،
ولا يجوز للزوج إخراجها؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لاَ تَخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ
يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
وأما إذا كانت منقضية العدة فأرادت أن تخرج بولدها من البلد الذي هي فيه إلى بلد،
فهذا على أقسام: إن أرادت/ أن تخرج إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه، فلها ذلك؛ مثل أن ٢/ ١٥٢ ب
تزوج كوفية بالكوفة ثم نقلها إلى الشام فولدت أولاداً، ثم وقعت الفرقة بينهما وانقضت العدة،
فأرادت أن تنقل أولادها إلى الكوفة، فلها ذلك، لأن المانع هو ضرر التفريق بينه وبين ولده،
(١) أخرجه البيهقي (٤/٨) كتاب النفقات باب الأبوين إذا افترقا في قرية واحدة فالأم أحق بولدها ما لم
تتزوج.

٢١٨
كتاب الحضانة
وقد رضي به لوجود دليل الرضا وهو التزوج بها في بلدها؛ لأن من تزوج امرأة في بلدها،
فالظاهر أنه يقيم به، والولد من ثمرات النكاح، فكان راضياً بحضانة الولد في ذلك البلد، فكان
راضياً بالتفريق إلاَّ أن النكاح ما دام قائماً يلزمها اتباعَ الزَّوج، فإذا زال فقد زال المانع، وإن
وقع النكاح في غير بلدها لم يكن لها أن تنتقل بولدها إلى بلدها بأن تزوج امرأة كوفية بالشام
فوقعت الفرقةُ، فأرادت أن تنقل ولدها إلى الكوفة، لم يكن لها ذلك؛ لأنه إذا لم يقع النكاح
في بلدها لم توجد دلالة الرضا بالمقام في بلدها، فلم يكن راضياً بحضانة الولد فيه، فلم يكن
راضياً بضرر التفريق، ولو أرادت أن تنقل الولد إلى بلد ليس ذلك ببلدها، ولكن وقع النكاح
فيه، كما إذا تزوج كوفية بالشام فنقلها إلى البصرة، فوقعت الفرق بينهما، فأرادت أن تنتقل
بأولادها إلى الشام - ليس لها ذلك؛ كذا ذكر في الأصل لأن ذلك البلد الذي وقع في النكاح
ليس ببلدها ولا بلد الزوج، بل هو دار غربة لها كالبلد الذي فيه الزوج، فلم يكن النكاح فيه
دليل الرضا بالمقام فيه، فلم يكن راضياً بحضانة الولد الذي هو من ثمرات النكاح فيه، فلم
يكن راضياً بضرر التفريق، فاعتبر في الأصل شرطين:
أحدهما: أن يكون البلد الذي تريد أن تنقل إليه الولد بلدها.
والثاني: وقوع النكاح فيه، فما لم يوجدا لا يثبت لها ولاية النقل، وروي عن أبي
يوسف أنَّ لها ذلك، واعتبر مكان العقد فقط، وإليه أشار محمد في الجامع الصغير، فقال:
وإنما أنظر في هذا إلى عقدة النكاح أين وقعت، وهكذا اعتبر الطحاوي والخصاف اتباعاً لقول
محمد في الجامع، وهذا غير سديد؛ لأن محمداً وإن أجمل المسألة في الجامع فقد فصلها في
الأصل على الوجه الذي وصفنا، والمجمل يحمل على المفسر، وقد يكون المفسر بياناً
للمجمل؛ كالنص المجمل من الكتاب والسنة إذا لحق به التفسير أنه يصير مفسراً من الأصل؛
كذا هذا، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق.
هذا إذا كانت المسافة بين البلدين بعيدة، فإن كانت قريبة بحيث يقدر الأب أن يزور ولده
ويعود إلى منزله قبل الليل، فلها ذلك؛ لأنه لا يلحق الأب كبير ضرر النقل بمنزلة النقل إلى
أطراف البلد.
وأما أهل السواد، فالحكم في السواد كالحكم في المصر في جميع الفصول إلاَّ في فصل
واحد، وبيانه أن النكاح إذا وقع في الرستاق فأرادت المرأة أن تنقل الصبي إلى قريتها، فإن كان
أصل النكاح وقع فيها، فلها ذلك كما في المصر لما قلنا.
وإن كان وقع في غيرها، فليس لها نقلة إلى قريتها، ولا إلى القرية التي وقع فيها النكاح
إذا كانت بعيدة لما ذكرنا في المصر؛ وإن كانت قريبة على التفسير الذي ذكرنا، فلها ذلك كما
في المصر.

٢١٩
كتاب الحضانة
وإن كان الأب متوطناً في المصر، فأرادت نقل الولد إلى القرية، فإن كان تزوجها فيها
وهي قريتها، فلها ذلك، وإن كانت بعيدة عن المصر لما ذكرنا في المصر وإن لم تكن تلك
قريتها، فإن كانت قريته ووقع فيها أصل النكاح، فلها ذلك كما في المصر، وإن كان لم يقع
النکا فیھا فليس لها ذلك.
وإن كانت قريبة من المصر بخلاف المصرين؛ لأن أخلاق أهل السواد لا تكون مثل
أخلاق أهل المصر، بل تكون أجفى، فيتخلق الصبي بأخلاقهم فيتضرر به، ولم يوجد من
الأب دليل الرضا بهذا الضرر؛ إذ لم يقع أصل النكاح في القرية، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم (١).
(١) إذا ثبت حق الحضانة للنساء - فلا يخلو الحال من أن تكون الحاضنة الأم، أو غيرها من الحاضنات.
فإن كانت الحاضنة الأم، وأرادت أن تخرج بالولد إلى بلد آخر، وزوجيتها بأبي الولد قائمة - فليس لها
الانتقال إلى أي بلد آخر إلا بإذن زوجها؛ لأن قرارها في المسكن الشرعي الذي أعده لها حق له واجب
عليها .
وإذا كانت في عدة طلاقه الرجعي، أو البائن - فليس لها الانتقال مطلقاً إلا بإذنه، ولا بغير إذنه، لأن
اعتدادها في مسكن العدة حق للشرع واجب عليها.
وإذا كانت مطلقة، انتهت عدتها وأرادت أن تسافر بولدها في أثناء مدة الحضانة، وأراد أبوه منعها من
ذلك - فالحكم كما يأتي: أولاً: أن تسافر بالولد إلى وطنها الذي تزوجها أبو الولد فيه، وفي هذه الحالة
لها أن تسافر بالمحضون بغير إذن أبيه، وإن بعدت المسافة بين البلدين، وسواء كان الوطن حصراً، أو
قرية، لأن مقتضى عقده عليها في بلد هو وطنها التزام الرضا بإقامتها فيه، إلا إذا كان المنتقل إليه دار
حرب، والزوج مسلم، أو من أهل الذمة.
وإنما جاز لها السفر إلى وطنها الذي تزوجها فيه، لقوله 8َّ# في مسند ابن أبي شيبة، حدثنا المعلى بن
منصور، عن عكرمة، عن إبراهيم الأسدي، عن عبد الرحمن بن الحارث أن عثمان - رضي الله عنه .
صلى بمنى أربعاً، ثم قال: قال رسول اللّهِ وَّ ((من تَأَهَّل في بلدةٍ - فهو من أهلِهَا يُصَلّي صلاة المقيم،
وإني تأهّلْت منذ قَدِمتُ مكّة)) ورواه أبو يعلى كذلك، ولفظه: سمعت رسول الله وَليه يقول: ((إِذا تزوج
الرجل ببلد - فهو من أهله)) وقال عثمان: ((أتممتُ صلاتي؛ لأني تزوجت منها منذ قدمتها)) انتهى ((فتح)).
ثانياً: أن تسافر بالولد إلى بلد ليس وطناً لها، ولم يعقد عليها فيه، أو إلى بلد عقد عليها فيه، وليس وطناً
لها، أو إلى بلد هو وطناً لها، ولم يعقد عليها فيه؛ ففي هذه الأحوال الثلاثة ليس لها السفر وللأب أن
يمنعها من الانتقال بالمحضون، إلا إذا كان هذا البلد مصراً قريباً؛ بحيث يمكن الأب أن يذهب إليه،
ويرى ولده، ويعود قبل أن يدخل الليل؛ فإذا كان مصراً بعيداً، أو قرية مطلقاً، سواء كانت قريبة، أو
بعيدة - فليس لها الانتقال بالمحضون، إلا بإذن الأب.
لكن قال في ((الجامع الصغير)): أن لها السفر بالمحضون إلى مصر غير وطنها، ولو بعيداً؛ إذا كان قد عقد
عليها فيه؛ وذلك لأن العقد متى وجد في مكان - يوجب أحكامه؛ كما يوجب البيع التسليم في مكانه،
ومن جملة ذلك حق إمساك الولد، والأصح ما تقدم؛ وهو: عدم جواز السفر بدون إذن الأب وهو رواية
كتاب الطلاق من الأصل.
ووجه ذلك: أن التزوج في دار القرية ليس التزاماً للمكث فيها عرفاً، وهذا هو الاصح؛ فإن لم يكن بين =

٢٢٠
كتاب الحضانة
المِصْرَيْنِ بُعْدٌ - فلا تمنع من الانتقال بالمحضون؛ لأنهما حينئذٍ في حكم بلدٍ واحدٍ، أو الثانية ضاحية من
=
ضواحي الأولى، والحكم كذلك إذا أرادت الانتقال من قرية إلى مصرٍ، لا بعد بينهما.
وأما غير الأم من الحاضنات - فليس لها أن تنتقل بالولد من محل حضانته إلا بإذن أبيه؛ وذلك لعدم العقد
بينهما؛ لأن العقد على الزوجة في وطنها دليل ظاهر على الرضا بإقامتها بالولد فيه.
والحكمة في هذا: مراعاة مصلحة الصغير بالجمع بين حضانته بواسطة أمه، أو قريباته المحارم، وبين
إشراف أبيه على تربيته؛ حتى لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده، ولا يحرم صغير من شفقة
حاضنته ورعاية أبيه؛ ولهذه الحكمة نفسها ليس للأب أن يُخرجَ الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام
في حضانتها التي هي أهل لها؛ لأن في هذا الإخراج تفويت حقها، وحق الصغير؛ فيمنع الأب منه، سواء
كان البلد الذي يريد نقله إليه قريباً من أمه أو بعيداً، إلا إذا سقط حق الأم في الحضانة؛ لسبب من
الأسباب، ولم يكن في البلد الذي هي فيه من ينتقل إليه حق حضانة الصغير، فللأب حينئذ أن ينقله من
بلد أمه إلى البلد الذي فيه من لها الحق في الحضانة.
وإذا زال المانع من أهلية الأم للحضانة، وعاد إليها إليها استحقاقها - وجب على الأب أن يعيده إليها؛
حيث تقيم، وفي كل حال لا يكون للحاضنة حق السفر بالصغير، وإذا أبت ألا تسافر - سقط حقها في
الحضانة، وانتقل الحق إلى من يليها، وإذا سقطت حضانة الأم، وأخذ الولد منها - لا يجبر الأب على
إرساله إليها؛ لتراه، وإنما يثبت لها حق رؤيته، بحيث لا تُمنع من ذلك؛ كما أنه إذا كان الولد عندها،
وأراد أبوه أن يرى ولده - فلا تجبر على إرساله إليه، بل تخرجه إلى مكان يمكنه أن يبصر ولده فيه قريباً
منه.
وإذا انتهت مدة حضانة الولد، وأخذه الأب - فله أن يسافر به، وبذلك أفتى الخير الرملي، وكذا أفتى به
في الحامدية حين سئل ((في بنت بلغت من السن إحدى عشرة سنة، وهي عند أمها المطلقة من أبيها يريد
أبوها أخذها من الأم، والسفر بها إلى بلدته التي هي فوق مدة السفر؛ فهل له ذلك؛ حيث سقطت حضانة
الأم؟ فأجاب)): ((نعم)).
قال في ((المجمع)): ((ولا يخرج الأب بولده قبل الاستغناء)).
وعلله في الشرح بقوله: ((لما في ذلك من الإضرار بالأم؛ بإبطال حقها في الحضانة)) ويؤخذ من هذا على
أن حضانة الأم إذا سقطت - جاز له السفر بالولد، وكذا غير الأب من العصبة له أن يسافر بالولد بعد انتهاء
مدة الحضانة؛ كما أنه يجوز لهم ذلك بعد سقوط حقها في الحضانة بالتزوج بالأجنبي، لكن قال في
((التتارخانية)) ما نصه: ((الولد متى كان عند أحد الأبوين - لا يمنع الآخر عن النظر إليه)).
ولا يخفى أن السفر أعظم مانع من رؤية الولد وتعهده وإلى هذا ذهب بعض مشايخ الحنفية؛ حيث قالوا:
((ولا يجوز للأب أن يسافر بولده قبل مدة الحضانة، ولو سقط حق الحاضنة، إلا إذا كان الخروج به إلى
مكان قريب، وهو ما يمكنها أن ترى ولدها، وترجع إلى منزلها في يومها الذي سافرت فيه، وذلك لأن
لها حق التعهد والرؤيا لولدها بدون أن يلحقها مشقة في ذلك. ولا شك أن الخروج به إلى مكان بعيد
يمنعها من ذلك، ولا يمكنها مشاهدة ولدها إلا بضرر ومشقة، فكان ممنوعاً، رفقاً بالأم.
ويؤخذ من عبارة الحاوي القدسي، وهي: ((أن للأب إخراج ولده إلى مكان يمكنها أن تبصر ولدها فيه كل
يوم؛ كما في جانبها، وأن هذا ثابت بعد انقضاء مدة الحضانة أيضاً)).
=