Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
كتاب الرضاع
أولى، حملاً للنص على ظاهره، واحتياطاً في الأحكام.
=
الخلاف في مبدأ حسبان مدة الرضاع
ذهب الرافعي إلى أن ابتداء مدة الرضاع من تمام انفصال الولد، قياساً على العدة. وقال الروباني: تحسب
من ابتداء خروج الولد، وينبني على هذا الخلاف أنه لو ارتضع قبل تمام الانفصال لا تحريم على الأول،
دون الثاني حتى لو كان بين ابتداء الانفصال والانتهاء يوم مثلاً؛ فعلى الأول - لا يحسب من الحولين،
دون الثاني .
وقال الزركشي: لو ارتضع قبل تمام الانفصال الأمثل ترجيح التحريم؛ لوجود الرضاع حقيقة قياساً على
الضمان بالقود، أو الدية لو حز جان رقبته قبل انفصاله، وبناء على هذا تحسب المدة من حين أن يرضع.
قال ابن المقري في ((الروض)): الأوجه خلافه؛ لما فيه من إحداث قول ثالث.
وقياس الزركشي مع الفارق؛ لأن مسألة الحزُّ خارجة عن النظائر؛ فيضمن الجنين بالغرة عبد، أو أمة.
استدل المثبتون بما يأتي: ١ - رُوِيَ عَنْ زَيْئَبَ بِنْتِ أُمْ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ: إِنَّه يَدْخُل
عَلَيِكِ الْغُلاَمُ الأَنْفَعُ الَّذِي مَا أحِبُ أَنْ يَدْخَل عَلي؛ فقالت عائشة: أَمَا لَك فِي رَسُولِ اللهِوَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟
وَقَالَتْ: إِنْ امْرَأَةً أَبِي حذيفة قَالَتْ يَا رَسُولَ الله: إِنَّ سَالِما يَدْخُلُ عَلَيَّ، وَهُوَ رَجُلٌ وَفِي نَفْسٍ أَبِي حَذِيفَةَ
مِنْهُ شَيء، فقالَ رَسُول الله وَّهِ: ((أَرْضِعِيْهِ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْكِ)) رواه أحمد ومسلم.
٢ - وروي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - قالت: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهِيل إلى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ الله: إِنِّي أَرَى مِنْ وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِم ((وَهُوَ حَليفُهُ)) فقال النبي ◌َِّ((أَرْضِعِيْهِ)) قَالَتْ:
كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ كَبِير، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّه كَبِيرٌ)).
وقد ذكر الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في مسنده هذا الحديث فقال: حدثني مالك، عن ابن
شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير؛ فقال: أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان
من أصحاب النبي - ◌َ طير - قد كان شهد بدراً، وكان قد تبنى سالماً الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة،
كما تبنى رسول الله - 9ور - زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة سالماً، وهو يرى أنه ابنه. فأنكحه بنت أخيه
فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهي - يومئذ - من المهاجرات الأوليات، ومن أفضل أيامى قريش،
فلما أنزل الله في زيد بن حارثة ما أنزل، فقال: ﴿اذْعُوهُمْ لِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فإِنْ لَمْ تَعْلَمُوْا آبَاءَهُمْ
فِإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّيْنِ وَمَوَالِيْكُمْ﴾ رد كل واحد من أولئك متبناه إلى أبيه، فإن لم يعلم أباه رده إلى الموالي
فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله - اليه -
فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليّ، وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد،
فقال النبي - ◌َ﴿ - فيما بلغنا: ((أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضْعَاتٍ فَيَحْرِمُ بِلَبَنِهَا)) وكانت تراه ابناً من الرضاعة،
فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم، وبنات
أختها يرضعن لها من أحبت أن يدخل عليها من الرجال والنساء.
وأبي سائر أزواج رسول الله - يوليو - أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس، وقلن: ما ترى الذي
أمر به - 18 - سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده، من رسول الله - وَّر - لا يدخل علينا بهذه
الرضاعة أحدٌ.
فظاهر هذا الحديث أن سالماً قبل الرضاع لم يكن محرماً لسهلة، لا يجوز نظره إليها، ولا الخلوة بها،
ولهذا كره أبو حذيفة دخوله، وتغير وجهه من ذلك. ولما رضع وهو كبير، خصوصاً وأنه ثبت في بعض =
بدائع الصنائع ج٥ - م٦
٨٢
كتاب الرضاع
الروايات أنه ذو لحية - صار من المحارم. فدل على هذا على أن رضاع الكبير يثبت به التحريم كالصغير
=
وهو المطلوب. فإن قيل: كيف ساغ له الرضاع المستلزم للنظر والخلوى عادة، مع أن المحرمية لا تتحقق
إلاَّ بعد الرضعة الخامسة؟ أجيب: بأن هذا خصوصية لسالم، كما خص بثبوت محرميته بالرضاع، أو أنه
يجوز أنها كانت تحلب اللبن في إناء ويشربه .
والجواب عن هذه الأحاديث:
أولاً: أنها معارضة لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْن كَامِلَيْنِ لِمَنْ
أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ .
وجه الدلالة: كما قال الإمام فخر الدين الرازي: إنه ليس المراد بإتمام الرضاعة عدم حاجة الصبي إليها؛
فإنه قد يستغني عنها قبل الحولين، ويحتاج إليها بعدهما لضعفه. بل المراد: أن الحكم المختص بالرضاع
لا يثبت إلا عند حصوله في هذه المدة.
ثانياً: إن هذه الأحاديث معارضة لكثير من الأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في الرُّضَاعِ مع إمكان
الجمع .
فمنها ما رواه ابن مسعود عن النبي - وَّ - قال: ((لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ العَظْمَ)»
ولا يكون هذا إلا في الصغير؛ لأن الكبير لا ينبت رضاعه لحماً، ولا ينشز عظماً.
ومنها: ما روي عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله - وَهِ -
وَعِنْدِي رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَة، قال: (يا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ. فَإِنَّمَا
الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)) فلولا أنَّ الرضاعة في الكبر لا أثر لها في التحريم - لما غضب، وتغير
وجهه - وَّر: وإنما تؤثر في التحريم حين الصغر، ويرشد إلى هذا قوله - وَلّره -: ((فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ
المَجَاعَةِ)) فإن المعنى - كما قاله المهلب ـ: انظرن ما سبب هذه الأخوة؛ فإن مدة الرضاع إنما هي في
الصغر؛ حيث يسد اللبن المجاعة؛ فإن الكبير لا يسد اللبن جوعته؛ ولهذا الحديث الذي روته قال
بعضهم: إنها رجعت عن مذهبها؛ كما رجع أبو موسى.
ومنها: ما روته أم سلمة قالت: قال رسول الله وَلَهُ: ((لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي النَّذِيِّ
وَكَانَ قَبْلُ الفِطَام)) رواه الترمذي، وصححه، وفي رواية ((الرَّضَاعَةُ مَا فَتَقَّتِ المِعَى وَأَنْبَتَتِ اللَّخْمَ)) والمراد
بتفق الأمعاء: أنَّ يشقها اللبن، ويسلك فيها، وهذا لا يكون إلا في الصغير. أما الكبير فقد جرى الطعام
فيها ففتقها، وزمن الثدي هو زمن الرضاع؛ جرياً على عادات العرب؛ فيقولون: مات فلان في الثدي؛
أي: في زمن الرضاع، ومنه الحديث المشهور: ((إنَّ إبْرَاهِيمَ مَاتَ فِي الثَّذِيِّ، وَإِنَّ لَه مَرْضَعاً فِي الجَنَّةِ تَتِمُ
رَضَاعَهُ)).
ومنها: ما روي عن جابر عن النبي - وَّر - قال ((لاَ رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ، وَلاَ يُتْمُّ بَعْدَ اخْتِلاَمِ)) رواه أبو داود،
والطيالسي في ((مسنده))، والمراد بالفصال: الفطام في مدته؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَفِصَأَلُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
فكل هذه الأحاديث الشريفة دالة على اشتراط الصغر في تحريم الرضاع، ويكفي اعتماداً على صحة
هذا -، أعني اشتراط الصغر في تحريم الرضاع - أنه مذهب الكثير من أكابر الصحابة؛ كسيدنا علي
- كرم الله وجهه -، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وسائر أزواج النبي وَ لقر غير سيدتنا عائشة، بل قيل:
إنها رجعت عن ذلك، وردت ما يدل على عدم تحريم رضاع الكبير على ما تقدم؛ فعلم من هذا أن ما دلّ
على تحريم رضاعة الكبير من الأحاديث معارض بالآية. وبهذه الأحاديث المتقدمة الصحيحة الإسناد.
=
٨٣
كتاب الرضاع
ويستوي في الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم ..
وروي عن عبد الله بن الزبير وعائشة - رضي الله عنهما - أن قليلَ الرضاعِ لا يحرم (١)،
وبه أخذ الشافعي فقال: لا يحرم إلاَّ خمسُ رضعاتٍ متفرقاتٍ.
واحتج بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كَانَ فيما نَزَلَ عشرُ رضعاتٍ
يَحْرِمْنَ، ثم صرن إلى خمس، فتوفي النبيُّ وَّ وهو فيما يقرأ(٢)، وروي عن النبيِّ وَّر أنه
والدليلان إذا تعارضا - تساقطا، ما لم يرجح جانب أحدهما، وههنا قد ترجح جانب ما دل على اشتراط
=
الصغر في التحريم بالرضاع، بتضافر الكتاب والسنة، وبأنه قول الكثير من أجلاء الصحابة - رضوان الله
تعالى عليهم أجمعين - ولنا جوابان آخران :
الأول: إن الأحاديث التي دلت على تحريم رضاعة الكبير منسوخة بالأحاديث المفيدة، لاشتراط الصغر.
ودليلنا على دعوى النسخ: أن قصة سالم المذكورة كانت في أول الهجرة عند نزول قوله تعالى: ﴿أَذْعُوهُمْ
لِبَائِهِمْ ... ﴾ الآية وقد دَلّ حديث ابن عباس على اعتبار الصغر، ولم يقدم المدينة إلا قبل الفتح،
وحديث أبي هريرة، ولم يسلم إلا في فتح خَيْبَرَ والمتأخر ينسخ المتقدم.
الجواب الثاني: إن هذا الحكم خاص بسالم؛ كما خص خزيمة بإقامته مقام رجلين في الشهادة، وخص
أبو بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، ويرشد لكونه خصوصية لسالم. فَهْمُ أمهات المؤمنين .
ذلك؛ حيث قلن: ما نرى الذي أمر به رسول الله ◌َو سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده من
رسول الله وَي*، ويؤيد ذلك أن السؤال حصل بعد نزول آية الحجاب، وهي أجنبية، لا يصح إبداء زينتها
السالم، والرضاع يستدعي إبداء الزينة عادة، وهو حرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِيْنَ زَيْتَتَهُنَّ إلاَّ
لِيُعُولَتِهِنَّ ... ) الآية وحيث أمر سالماً بذلك، وكان في الشرع ما يعارضه - وهو عموم الآية الدالة على
حرمة إبداء الزينة التي يستلزمها الرضاع عادة - علم أن هذا خاص به، وليس أمراً للجميع، وإلا لزم إهمال
أحد الدليلين، وإعمال الدليلين حين الإمكان أولى من إهمالٍ أحدهما؛ كما هو معلوم من فن الأصول.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مالك (٦٠٨/٢) كتاب الرضاع - باب جامع ما جاء في الرضاعة حديث (١٧) ومسلم (٢/ ١٠٧٥)
كتاب الرضاع - باب التحريم بخمس رضعات - حديث (٢٤/ ١٤٥٢) والشافعي (٢١/٢) كتاب النكاح - الباب
فيما جاء في الرضاع - حديث (٦٦) والدارمي (٢/ ١٥٧) كتاب النكاح - باب كم رضعة تحرم، وأبو داود
(٥٥١٢) كتاب النكاح - باب هل يحرم ما دون خمس رضعات - حديث (٢٠٦٢) والترمذي (٤٥٦/٣) كتاب
الرضاع - باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان - حديث (١١٥٠) والنسائي (٦ / ١٠٠) كتاب النكاح باب
القدر الذي يحرم من الرضاعة، وابن حبان (٤٢٠٧ - الإحسان) والبيهقي (٧ / ٤٥٤) كتاب الرضاع - باب من
قال لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة به .
وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٧٥) كتاب الرضاع: باب التحريم بخمس رضعات حديث (١٤٥٢/٢٥) والشافعي
في «المسند» (٢١/٢) كتاب النكاح: باب فيما جاء في الرضاع حديث (٦٧) وسعيد بن منصور (١/
٢٧٩) رقم (٩٧٦) وابن الجارود (٦٨٨) والدارقطني (١٨١/٤) من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن
عائشة به وأخرجه ابن ماجه (٦٢٥/١) كتاب النكاح: باب لا تحرم المصة والمصتان حديث (١٩٤٢) من
طريق القاسم بن محمد عن عمرة عن عائشة.
٨٤
كتاب الرضاع
قال: ((لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةَ وَالمَصَّتانِ، وَلاَ الإِمْلاَجَةَ وَلاَ الإِمْلاَجَتَانِ))(١) ولأن الحرمة بالرضاع لكونه
(١) ورد من حديث عائشة وأم الفضل والزبير بن العوام وابنه وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة.
- حديث عائشة
أخرجه مسلم (١٠٧٣/٣ - ١٠٧٤) كتاب الرضاع: باب في المصة والمصتان حديث (١٧ / ١٤٥٠) وأبو
داود (٥٥٢/٢) كتاب النكاح: باب هل يحرم ما دون خمس رضعات حديث (٢٠٦٣) والنسائي (٦/
١٠١) كتاب النكاح: باب القدر الذي يحرم من الرضاعة والترمذي (٤٥٥/٣) كتاب الرضاع: باب ما جاء
لا تحرم المصة ولا المصتان حديث (١١٥٠) وابن ماجه (٦٢٤/١) كتاب النكاح: باب لا تحرم المصة
ولا المصتان حديث (١٩٤٠) وأحمد (٣١/٦، ٩٥ -٩٦) وسعيد بن منصور (١ /٢٧٧) رقم (٩٦٩)
ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (ص - ٨٨) رقم (٣١٢) وأبو يعلى (٢٣٩/٨) رقم (٤٨١٢) وابن
حبان (٤٢١٤ - الإحسان) والدارقطني كتاب الرضاع: باب من قال لا يحرم من الرضاع إلا خمس
رضعات وابن الجارود (٦٨٩) كلهم من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أن
رسول الله وَالقر قال: لا تحرم المصة ولا المصتان.
- حديث أم الفضل
أخرجه مسلم (١٠٧٤/٣) كتاب الرضاع: باب هل يحرم ما دون خمس رضعات حديث (١٤٥١/١٨)
والنسائي (٦/ ١٠٠ - ١٠١) كتاب النكاح: باب القدر الذي يحرم من الرضاعة وابن ماجه (١ / ٦٢٤) كتاب
النكاح: باب لا تحرم المصة ولا المصتان حديث (١٩٤٠) والدارمي (١٥٧/٢) كتاب النكاح: باب كم
رضعة تحرم وسعيد بن منصور (٢٧٧/١) رقم (٩٨٠) وأحمد (٣٣٩/٦) وعبد الرزاق (٤٦٩/٧) رقم
(١٣٩٢٦) والمروزي في ((السنة)) (ص - ٨٨) رقم (٣١١) وأبو يعلى (١٢ /٤٩٨) رقم (٢٠٧٢) وابن حبان
(٤٢١٥ - الإحسان) والدارقطني (١٧٥/٤) كتاب الرضاع رقم (٢٧) والطبراني في «الكبير» (٢٢/٢٥) رقم
(٢٨، ٢٩) والبيهقي (٧/ ٤٥٥) كتاب الرضاع: باب من قال لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات
كلهم من طريق عبد الله بن الحارث عن أم الفضل أن رجلاً أتى النبي ◌َّر فقال: يا رسول الله إني قد
تزوجت امرأة وعندي أخرى فزعمت الأولى أنها أرضعت الحدثي فقال: ((لا تحرم الإملاجة ولا
الإملاجتان».
- حديث الزبير بن العوام
أخرجه أبو يعلى (٤٦/٢) رقم (٦٨٨) وابن حبان (١٢٥٢ - موارد) من طريق محمد بن دينار الطاحي عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير عن النبي ◌َ ◌ّ و قال: ((لا تحرم المصة والمصتان
والإملاجة والإملاجتان)) قال الترمذي (٤٥٥/٣): وهو غير محفوظ.
وأخرجه من هذا الوجه في ((العلل)) (ص - ١٦٧ - ١٦٨) وقال: سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا
الحديث فقال الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة وحديث محمد بن دينار أخطأ فيه وزاد فيه (عن الزبير)
إنما هو هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن النبي وَلَّ اهـ.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٦٤/٤) وقال: رواه أبو يعلى والطبراني وفيه محمد بن
دينار الطاحي وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان.
- حديث عبد الله بن الزبير
أخرجه عبد الرزاق (٤٦٩/٧) رقم (١٣٩٢٥) والنسائي (١٠١/٦) كتاب النكاح: باب القدر الذي يحرم
من الرضاعة والشافعي (٢١/٢) كتاب النكاح: باب ما جاء في الرضاع (٦٥) والمروزي في ((السنة)) =
٨٥
کتاب الرضاع
منبتاً للحم ومنشراً للعظم، وهذا المعنى لا يحصل بالقليل منه، فلا يكون القليل محرماً.
ولنا قولهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]
مطلقاً عن القدر، وروي عن علي وعبد الله/ بن مسعود وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - ١٣٣أ
أنهم قالوا: قليلُ الرضاعِ وكثيره سواءٌ(١).
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ((الرَّضْعَةُ الوَاحِدَةُ تُحَرِّمُ))(٢) وروي أنه
لما بلغه أن عبد الله بن الزبير يقولُ: لا تحرمُ الرضعةُ والرضعتان، فقال قضاء الله خيرٌ من
قضاء ابن الزبير، وتلا قوله - تعالى -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣](٣) وروي أنه
لما بلغه أنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - تقولُ: لا تحرم المصةُ والمصتان، فقال حكم الله
- تعالى - أوْلَى وخيرٌ من حكمها (٤).
(ص ـ ٨٨) رقم (٣١٣، ٣١٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٣/٥ - بتحقيقنا) من طريق عروة بن الزبير
=
عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله وَالر قال: لا تحرم المصة ولا المصتان.
والحديث صححه ابن حبان فأخرجه في ((صحيحه)) (١٢٥١ - موارد).
وذكره الترمذي في ((سننه)) (٤٥٥/٣) تعليقاً ورجحه البخاري كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (ص - ١٦٨)
على حديث الزبير .
- حديث أبي هريرة
أخرجه البزار (١٦٨/٢ - كشف) رقم (١٤٤٤) ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (ص - ٨٩) رقم
(٣١٨) والبيهقي (٤٥٦/٧) من طريق جرير بن عبد الحميد عن محمد بن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة
قال: كان عروة بن الزبير يحدث عن الحجاج بن الحجاج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ولين: ((لا
تحرم من الرضاعة المصة والمصتان ولا يحرم منه إلا ما فتق الأمعاء)».
قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد وحجاج بن حجاج روى عن أبيه وأبي هريرة وروى عنه
عروة وهو معروف. ا هـ.
وقد سقط من إسناد البزار اسم عروة.
والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٤/٤) وقال: رواه البزار وفيه ابن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس
وبقية رجاله ثقات .
- حديث المغيرة بن شعبة
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٤/٤) عنه قال: قال رسول الله وَلقول لا تحرم العنقة قال المرأة تلد فيحضر
اللبن في ثديها فترضع جارتها المرة والمرتين وقال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الكبير والأوسط)) ورجاله
رجال الصحيح .
(١) ينظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٥٨/٧) كتاب الرضاع: باب من قال يحرم قليل الرضاع وكثيره.
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥٨/٧) كتاب الرضاع: باب من قال يحرم قليل الرضاع وكثيره.
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥٨/٧) كتاب الرضاع: باب من قال يحرم قليل الرضاع وكثيره.
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٨/٧ ٤) كتاب الرضاع: باب من قال يحرم قليل الرضاع وكثيرة.
٨٦
كتاب الرضاع
وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد قيل: إنه لم يثبت عنها، وهو الظاهرُ؛ فإنه
روي أنها قالت: تُوفي النبيُّ وَّر وهو مما يتلى في القرآن، فما الذي نسخه ولا نسخ بعد وفاة
النبيُّ وَّر، ولا يحتمل أن يقال ضاع شيء من القرآن؛ ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء
أن هذا حديثٌ منكرٌ، وأنه من صيارفة الحديث، ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع الكبير
فَتُسخ العدد بنسخ رضاع الكبير .
وأما حديثُ المصَّةِ والمصتين، فقد ذكر الطحاوي أنَّ في إسناده اضطراباً؛ لأن مداره
على عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها -، وروي أنه سئل عروة عن الرضاعة، فقال:
ما كَانَ في الحَوْلَيْنِ، وإن كان قطرة واحدة محرم، والراوي إذا عمل بخلافٍ ما روى، أوجب
ذلك وهنا في ثبوت الحديث؛ لأنه لو ثبت عنده لعمل به، على أنه إن ثبت فيحتمل أن الحرمة
لم تثبت لعدم القدر المحرم، ويحتملُ أنها لم تثبت؛ لأنه لا يعلم أن اللبن وَصَلَ إلى جوف
الصبي أم لا، وما لم يصل لا يحرم، فلا يثبت لعدم القدر المحرم، ولا تثبت الحرمة بهذا
الحديث بالاحتمال؛ ولهذا قال ابن عباس - رضي الله عنهما - إذا عقي الصبي فقد حرم(١) حين
سئل عن الرضعة الواحدة هل تحرم؛ لأن العقي اسمٌ لما يخرج من بطن الصبي حين يولد أسود
لزج، إذا وصل اللبن إلى جوفه،، يقال هل عقيتم صبيكم؟ أي: هل سقيتموه عسلاً ليسقط عنه
عقيه، إنما ذكر ذلك ليعلم أن اللبن قد صار في جوفه؛ لأنه لا يعقي من ذلك اللبن حتى يصير
في جوفه، ويحتمل أنه كان ذلك في إرضاع الكبير حين كان محرماً، ثم نسخ.
وأما قولهُ إن الرضاع إنما يحرم لكونه مُثْبِتاً للحم منشراً للعظم، فنقول القليل ينبت وينشر
بقدره، فوجب أن يحرم بأصله وقدره، على أن هذه الأحاديث إن ثبتت فهي مبيحة، وما تلونا
محرم، والمحرم يقضي على المبيح احتياطاً؛ لأن الجرعة الكبيرة(٢) عنده لا تحرم، ومعلومٌ أن
الجرعة الواحدة الكبيرة (٣) في إنبات اللحم وإنشار العظم فوق خمس رضعات صغار، فَدَلَّ أنه
لا مدار على (٤) هذا.
(١) أخرجه البيهقي (٤٥٨/٧) كتاب الرضاع باب من قال يحرم قليل الرضاع وكثيره.
٠
(٢) في ط: الكثيرة.
(٣) في ط: الكثيرة.
(٤) من شروط الرضيع: أن يصل اللبن إلى جوف الطفل من معدة، أو دماغ خمس رضعات متفرقات يقيناً؛
فإن ارتضع أقل من الخمس - لم يثبت التحريم. نعم، لو حكم حاكم لم ينقص قوله للخلاف، وكذا لا
يثبت التحريم؛ لو شك في كونه رضع خمساً، أو أقل؛ لأن اليقين - وهو عدم التحريم - لا يرتفع
بالشك؛ خلافاً للإمام مالك - رضي الله عنه - حيث قال: يثبت بالشك احتياطاً.
وكون التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات هو مذهب إمامنا الشافعي - رضي الله عنه - وبه قال من
الصحابة سيدنا عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم -، ومن =
٨٧
کتاب الرضاع
..
التابعين سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومن الفقهاء أحمد، وإسحاق، وحكاه ابن القيم، عن
=
الليث بن سعد، - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ..
وذهب أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلى أن التحريم يثبت برضعة واحدة وبه قال من الصحابة سيدنا علي
- كرم الله وجهه - وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومن الفقهاء سيدنا مالك، والأوزاعي،
والثوري - رضي الله تعالى عنهم ..
وذهب داود الظاهري: إلى أنه يثبت التحريم بثلاث رضعات، وبه قال من الصحابة سيدنا زيد بن ثابت،
ومن الفقهاء أبو ثور - رضي الله عنهم ..
احتج إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ، ومن وافقه بما رواه الإمام مسلم - رضي الله تعالى عنه - قال: حَدَّثَنَا يَخِيّى بنُ
يَخْيَى قَالَ: قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكٍ عن عَبْدِ الله بْنٍ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةً عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ
الْقُرْآنِ عَشرُ رَضَعَتٍ مَعْلُومَاتٍ يحرمن، ثمَّ نسَخْ بِخَمْسَ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُنِّيَ رسول الله ◌َِّ وُهِنَّ فِيمَا يُقْرأ
مِنَ الْقُرْآنِ)) وقد روى هذا الحديث أبو داود، والنِّسَّائي، والترمذي، وابن ماجه، وذكره الشافعي في مسنده
فقال : .
(أَخْبَرِنَا سُفْيَان عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرٍ
رَضَعاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ)) ثمَّ صُيِّرْنَ إِلَى خَمْسٍ يُحَرِّمْنَ فَكَانَ لاَ يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ إِلاَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسََ
رَضَعَاتٍ.
فهذه الرواية صريحة في إناطة التحريم بخمس رضعات، وأنها ناسخة لغيرها، وأن الأمر قد استقر على
ذلك. فلو لم تكن هي مناط الحكم - لما كانت ناسخة لغيرها، لكن التالي - وهو عدم كونها ناسخة
لغيرها - باطل؛ فَبَطَلَ ما أدى إليه. وهو عدم كونها مناط الحكم؛ فثبت نقيضه، وهو: أنها مناطة، وهو
المطلوب الملازمة ظاهرة: إذ لو نيط الحكم بغيرها - لكان هو الناسخ للعشر دونها. أما بطلان التالي -
الذي هو عدم كونها ناسخة - فلمخالفته لصريح النص وهو ((ثُمَّ نُسِخَنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ)) ويؤيد هذا
المذهب أنه لا يخالف ما دلَّ على ربطه بغير الخمس من القليل والكثير، بل يكون تقييداً له، لا ناسخاً؛
بخلاف القول بالتحريم بالقليل والكثير؛ فإنه يخالف ما دل على نفي التحريم بالرضعة والرضعتين،
وبخلاف القول بالتحريم بالثلاث؛ فإنه يخالف ما دل على الإناطة بالخمس دون ما كان أقل منها.
اعترض هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول: تمنع كون ما نقل عن أم المؤمنين قرآناً؛ لعدم تواتره، وعدم إثباته في المصاحف، وأجيب
بأن عدم كونه قرآناً؛ لانتفاء التواتر لا يمنع من وجوب العمل؛ فإنه يكفي فيه الظن، وقد احتج الأئمة
بخير الواحد في مواضعَ كثيرة؛ فاحتج الإمام الشافعي، وأحمد - رضي الله تعالى عنهما - به في هذا
الموضع، واحتج أبو حنيفة به في وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، ولا سند له إلا قراءة ابن مسعود
- رضي الله تعالى عنه - ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام مُتَتَابِعَاتٍ﴾ واحتج به سيدنا مالك والصحابة قبله - رضوان الله
تعالى عليهم - في فرض السدس للواحد من ولد الأم .. وله أخ أو أخت من أم في قراءة أَبَيِّ، وقد أجمع
على هذا، وليس له سند سوى هذه القراءة. وبالجملة فعدم القرآنية؛ لعدم التواتر لا ينافي وجوب العمل؛
لأن القرآنية لا يلزمها إِلاَّ انعقادُ الصلاة به، وتحريم مَسّهٍ على المحدث، وقراءته على الجنب، والتعبد
بتلاوته والتحدي به، وليس من لوازمها الخاصة بها عدم وجوب العمل؛ لأن وجوب العمل قد يثبت =
٨٨
کتاب الرضاع
بالآحاد الذي ليس بقرآن وقول المعترض سنداً لمنعه؛ لعدم إثباته في المصحف ((ممنوع؛ لأنه لا يثبت في
=
المصاحف إلا ما بقيت تلاوته، سواء نسخ حكمه، أم بقي؛ بخلاف ما نسخت تلاوته، فلا يثبت فيها،
سواء نسخ حكمه أيضاً، أو بقي فالمدار في الإثبات في المصاحف على بقاء التلاوة فقط.
وظهر من هذا أن القرآن له جهة تلاوة، وجهة حكم، وكل منهما إما منسوخ، أو باق؛ فالأقسام أربعة:
باقي التلاوة والحكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وهو كثير: ومنسوخ التلاوة
والحكم؛ كقول سيدتنا عائشة - رضي الله عنها -: ((عشر رضعات معلومات يحرمن)). ومنسوخ التلاوة
دون الحكم؛ كما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ((كان فيما أنزل الله الشيخ
والشيخة إذا زنيا - فارجموهما ألبتة نكالاً من الله)) وكان يقول: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن .
لكتبتها في حاشية المصحف، وهذا النوع؛ أي: منسوخ التلاوة دون الحكم - يحفظه الله في صدور
الأمة، ويتوارثونه جيلاً بعد جيلٍ: ومنسوخ الحكم دون التلاوة، كما في قوله تعالى ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ... ﴾ الآية فإنها: نسخت بآية ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً﴾ وكآية الوصية نسخت بآية المواريث.
الوجه الثاني: من أوجه الاعتراض:
قال الحنفية: الحكم إنما يُعلم من داله، وهو اللفظ، فإذا نسخ اللفظ - فمن أين يعلم. وأجيب: بأن نسخ
التلاوة لا يستلزم إلا نفي لوازمها؛ كصحة الصلاة بها، وإثباتها في المصاحف، ولا يستلزم نفي الحكم؛
لجواز حفظه في صدور الأمة.
الوجه الثالث:
قالت الحنفية: كيف ساغ الاستدلال بهذا، مع أنه لم ينقل نقل الأخبار، بل نقل نقل القرآن، ولم يثبت
به، لعدم تواتره؟ وأجيب: بمنع أنه ليس بقرآن بأننا نلتزم أنه قرآن، ولا يشترط التواتر إلا فيما بقيت
تلاوته؛ بخلاف ما نسخت تلاوته؛ كما هنا، سلمنا أنه ليس بقرآن، ولكن انتفاء قرآنيته لا يستلزم نفي
حجيته، لأنه يكفي فيها الظن.
وأجاب الشوكاني بالتزام أنه سنة، لكونه مروي صحابي، وهو يستلزم التوقيف عنه بَّل، وذلك كاف في
الحجية .
الوجه الرابع :
قال النافي للعدد: تسلم هذا الاستدلال يؤدّي إلى إثبات النسخ بعد زمن الرسول مثل﴿ لقول سيدتنا عائشة
- رضي الله عنها -: ((فَتُوُفي رسول اللهِ وَّهُ وهنَّ فيما يقرأ من القرآن)).
وأجيب: بأن المراد بقولها - رضي الله تعالى عنها -: ((فتوفي ... )) الخ أن النسخ قد تأخر إنزاله إلى قرب
وفاة الرسول (18 حتى إن من لم يبلغه النسخ، لقرب عهده بالإسلام، أو بعد داره - كان يقرؤها، فلما
بلغه رجع؛ فصار إجماعاً على أنه لا يتلى، فلا نسخ بعد زمنه وَل .
الوجه الخامس: من أوجه الاعتراض على الدليل :
أن الاستدلال بهذا يؤدي إلى إثبات النسخ بخبر الواحد، وهو لا يثبت إلا بالتواتر؛ وأجيب بأنه ليس بنسخ
بخبر الواحد إنما هو نقل نسخ به، وشتان بينهما.
الوجه السادس: قالت سيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنها -:
((كان تحريم الرضاع في صحيفة، فلما توفي رسول الله رؤَّ﴾ تشاغلنا بغسله، فدخل داجن الحي، فأكلها)) =
٨٩
كتاب الرضاع
..
فلو كان قرآناً - لكان محفوظاً؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّا نُحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَه لَحَافِظُونَ﴾.
=
أجاب المارودي بما حاصله أن داجن الحي أكل الصحيفة التي فيها رضاع الكبير، وهو منسوخ، ولم يأكل
ما يدل على العدد، ولئن سلمنا ذلك - فيكفي الحفظ في الصدور، وقد وهبهم الله - تعالى - حافظة قوية
قال ◌َّهِ((أَنَاجِيلُ أُمَّتِي فِي صُدُورِها)) على أن المعتبر حفظ الحكم، وهو محفوظ منقول إلينا.
الدليل الثاني :
((عن أم المؤمنين - سيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنها - ((أن رسول الله وَلي أمر امرأة أبي حذيفة؛
فأرضعت سالماً خمس رضعات، وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة)) رواه أحمد.
وفي رواية ((أن أبا حذيفة تبنى سالماً، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي ◌َ ﴿ زيداً، وكان من
تِبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث ميراثه، حتى أنزل الله - عز وجل - ﴿أَذعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَّ
أَقْسَطُ عِنْدَ الله فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإخْوَانُكُم فِي الدِّيْنِ وَمَوَالِيْكُمْ﴾ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلمْ له
أَبٌّ، فمولى، وأخ في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل؛ فقالت: يا رسول الله كنَّ نرى سالماً ولداً، وكان
يأوي معي، ومع أبي حذيفة، ويراني فضلي، وقد أنزل الله - عز وجل - فيهم ما قد علمت. فقال:
((أَرْضِعِيْه خُمْسَ رَضْعَاتٍ)) فكان بمنزلة ولده من الرضاعة. رواه في ((الموطأ))، وأحمد. فهذا صريح في
ربط التحريم بالخمس، إذ لو كان الأقل كافياً - لما كان لذكر الخمس فائدة، خصوصاً، وأن إرضاع
سهلة؛ لضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
اعترض النافي للعدد هذا الدليل بقوله: هذا الدليل لتحريم رضاعة الكبير، وهو منسوخ؛ فلا يتمسك به
في إثبات العدد لغير الكبير. وأجيب: بأن الحديث قد اشتمل على حكمين: رضاعة الكبير، وإثبات العدد
ونسخ أحد الحكمين لا يستلزم نسخ الآخر؛ لاشتماله على المصلحة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿والَّلاتِي
يَأْتِيْنَ الفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فِإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَافَهُنَّ
المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ فقد اشتملت هذه الآية على حكمين: العدد المثبت للزنا، وحدَّه، وهو
الإمساك في البيوت، وقد نسخ هذا الأخير مع بقاء الأول.
وأجيب أيضاً: بأن رضاع الكبير لم ينسخ، بل هو غير محرِّم؛ لعدم سببه ومقتضيه، وذلك لأن رضاع
الكبير إنما حرّم بسبب سبق التبني بالمباح؛ فلما حرم التبني، ونسخ الله حكمه بقوله تعالى: ﴿أَذْعُوهُمْ
لَآبَائِهِمْ ... ﴾ الآية سقط ما تعلق به من تحريم رضاع الكبير. ولهذا نظائر؛ منها: فسخ الحج إلى العمرة
في أشهر الحج عند فقورهم من العمرة في أشهره فلما استقر هذا الحكم في نفوسهم سقط به فسخ
الحج، ولم یفسخ، وزال بزوال سببه.
الدليل الثالث:
هو ما استدل به الأصحاب من نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، فمنها: ما روي عن سيدتنا عائشة
- رضي الله عنها - أن النبي وَ لّ قال: ((لاَ تُخْرِمُ المَصَّةُ ولاَ المَصَّتَانِ». ومنها: ما روي عن أم الفضل أن
رجلاً سأل النبي وَّرَ أتحرم المصة؟ فقال: ((لاَ تُخْرِمُ الرَّضَعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالمَصَّةُ والمصَّتَانِ)). وفي رواية
أخرى: ((دخل أعرابي على نبي الله ◌َّ وهو في بيتي؛ فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة، فتزوجت
عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحدثي رضعة، أو رضعتين؛ فقال النبي ◌َّ: ((لاَ
تُخْرِمُ الإِمْلاجَةُ ولاَ الإمْلاجَتَانِ)» فهذه الأحاديث صريحة في نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، فلا يتعلق =
٩٠
كتاب الرضاع
C
بالتحريم بقليل الرضاع وكثيره؛ كما هو مذهب الحنفية، ولا يؤخذ بمفهومها، وهو التحريم بالثلاث؛ كما
هو قول داود للأحاديث الدالة على حصر التحريم بالخمس؛ مثل: ما رواه الشافعي - رضي الله تعالى
عنه - في مسنده ((فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات))، وما يثبت من رواية ابن
ماجه ((لا يحرم إلا عشر، أو خمس)) خصوصاً لو جرينا على ما قاله الزمخشري من أن الإخبار بالجملة
الفعلية يفيد الحصر.
اعترض هذا بثلاث اعتراضات:
الأول: هذا استدلالٌ بمفهوم العدد، والعدد لا مفهوم له.
وأجيب: بأنه لا يؤخذ بمفهوم العدد إلا إن دلت قرينة، والقرينة ههنا قائمة من نسخ العشر بالخمس وإلا
لم يكن لذكرها فائدة وأيضاً الأحاديث المفيدة لحصر التحريم في الخمس.
الثاني: هذه الأحاديث محمولة على ما إذا لم يصل اللبن إلى الجوف.
أجيب: بأن الرضعة لا تطلق إلا على ما وصل إلى الجوف بالمصِّ والازدراد، وأيضاً على هذا لم يكن
لذكر الرضعة فائدة؛ لأن الرضعة والمصة في نفي التحريم سواء.
الثالث: قالت الحنفية، والمالكية: إن مفهوم هذه الأحاديث يدل على التحريم بالثلاث؛ فكما أن منطوقه
حجة علينا؛ فمفهومه حجة عليكم.
وأجيب: بأن المفهوم مقيد بمنطوق الأحاديث الدالة على ربط التحريم بالخمس.
ومن أدلة الشافعية القياس على اللعان بجامع أن كلاً سببٌ للتحريم المؤبد وعَرِيٍّ عن جنس الاستباحة،
فلا يرد الوطء بشبهة مثلاً؛ فإنه لم يعر عن جنس الاستباحة؛ فلهذا لم يفتقر إلى العدد واحتج النافي للعدد
- وهم الحنفية والمالكية - بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ والَّلاتِي أَرْضَعْتَكُمْ﴾ ومن أرضعت مرة واحدة - يطلق على فعلها
هذا الاسم الرضاعة، ويقال لها: أم أرضعت؛ فتدخل في عموم الآية، وبهذا احتج ابن عمر على ابن
الزبير حين قال: لا تحريم إلا بخمس رضعات.
فقال: كتاب الله أولى من قضاء ابن الزبير.
وأما السنة - فمنها: قوله وَالفقه: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) فأطلق، ولم يقيد بعدد. ومنها:
قوله {َّ﴿: ((الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ)) ولا شك أنَ الرضعة الواحدة تسد الجوعة. ومنها: ما ثبت في
((الصحيحين)) عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء؛ فقالت: قد
أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله وَلقر فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، فقال:
((وَكَيْفَ وَقَدْ زُعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا)) فنهاه عنها، رواه أحمد، والبخاري، وفي رواية ((دَعْهَا عَنْكَ)) فلو
لم يكن مطلق الرضاع محرماً - لسأله عن العدد، ولكنه قد أمره بتركها بادىء الأمر.
وأما القياس: فأفراده كثيرة؛ فمنها: قياسه على الوطء بشبهة، وعقد النكاح بجامع أن كلاً يفيد التحريم
المؤبد، فسيعطي حكمه من عدم اعتبار العدد ومنها: القياس على الإفطار في رمضان؛ بجامع الوصول
إلى الجوف؛ فيعطي حكمه ومنها: القياس على حد الخمر؛ بجامع أن كلاً متعلق بالشرب؛ فلا يناط
بالعدد .
=
٩١
كتاب الرضاع
والجواب من هذه الأدلة:
=
أما عن الآية - فمطلقها مقيد بالأحاديث الدالة على اعتبار الخمس، ولا مانع من تقييد السنة للكتاب،
وتقييد المطلق بيان لا نسخ، ولا تخصيص؛ قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزْلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبهذا تعلم الجواب
عن قول ابن عمر لابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يقض برأيه، بل بالتوقيف.
قال المُزَنِيُّ: قلت للشافعي: أَسَمِعَ ابن الزبير من النبي ◌َِّ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعَ، وَلَّهُ تِسْعُ سِنِينَ، ومن له
تسع سنين يصح نقله وروايته؛ لأنه يضبط ما يسمعه.
وأما عن الأحاديث - فعن الأول منها أن الأخبار التي وردت في شأن الرضاع على نوعين: الأول: ما كان
المقصود منها الحكم، وهو التحريم. الثاني: بيان العدد المحرم، ولكل مقام، وهذا الحديث من النوع
الأول، على أن إطلاقه مقيد بما ذكر.
وعن الثاني: أن الرضعة الواحدة لا تسد الجوعة، خصوصاً إذا لم يصل إلى جوفه غير قطرة. وعن
الثالث: حمل مطلقه على المقيد؛ دفعاً لإهمال أحد الدليلين، ولم يقم ما يدل على النسخ، على أنه
يحتمل أن يكون ترك الاستفصال؛ اعتماداً على بيانه من قبل، ولا حجة مع الاحتمال.
وأما عن القياس - فالجواب عن الأول منها: أنه قياس مع الفارق؛ لأن الأصل لم يعر عن جنس
الاستباحة؛ بخلاف الفرع.
وعن الثاني: أن العلة، والحكمة التي كان لأجلها التحريم في الرضاع لم تتحقق في الإفطار، وهي
التغذية؛ فهو قياس مع الفارق أيضاً.
وعن الثالث: بالمنع من الإلحاق؛ لأن الشارع حرم المسكر بدون تقييد بعدد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ
أَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلْكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولا
كذلك الرضاع. فإن نص على العدد المحرّم، ولا قياس مع النص.
استدل داود، ومن وافقه بقوله وَله: ((لاَ تُحَرّمُ المصَّةُ وَلاَ المصَّتَانِ وَلاَ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ)) ونحوه من
كل ما دل على نفي التحريم بالرضعة وبالاثنتين، فدلت هذه الأحاديث بمفهومها على تحريم الثلاث،
وقالوا أيضاً: إن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه من الثلاث، وأيضاً إن هذا العدد. هو أدل مراتب
الجمع .
الجواب: أما عن الأول - فإن مفهوم هذه الأحاديث مقيد بالأحاديث الصريحة الدالة على اعتبار الخمس،
وقد جرى قوله وَله: ((لاَ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ، وَلاَ المَصَّةُ وَلاَ المصَّتَانِ)) مجرى قولهِ وََّ ((إِنَّمَا
الرِّبَا في النَّسِيْئَةِ)) فإن مفهومه هو جواز الرِّبا في المنجز، إذا كان مقايضة، وليس كذلك للنصوص الأخرى
الدالة على جريان الرِّبا فيه. أو يجاب بأن هذه الأحاديث التي تمسكتم بها واردة على سؤال خاص،
ورواية أم الفضل مصرحة بلفظ السؤال؛ فلا يدل على إثبات الحكم فيما عدا هذا السؤال.
والجواب عن الثاني والثالث: أن النص واقع لهذه الاحتمالات.
المرجع في تحديد الأشياء الشرع؛ كما في تقدير السفر الطويل بكونه ستة عشر فرسخاً، فإن لم يوجد
تقدير من الشرع - فالمرجع هو اللغة؛ كما في تحديد الدقيق والخبز، والعرف؛ كما في تحديد الزيت من
الشيرج، وحرز المثل، وهذه المراجع قد تتحد، وقد تختلف، وقد يعتبر تقديم العرف على اللغة في
بعض الأبواب، ولا شك أنه ليس في تحديد الرضعة نصٌّ شرعيّ، ولا ضابط لُغَويّ، وحينئذ فليرجع إلى =
٩٢
کتاب الرضاع
وكذا يستوي فيه لبن الحية والميتة بأن حلب لبنها بعد موتها في قدح فأوجر به صبي
یحرم عندنا .
وقال الشافعي لبن الميتة لا يحرم، ولا خلاف في أنه إذا حلب لبنها في حال حياتها في
إناء فأوجر به الصبي بعد موتها، أنه يثبت به الحرمة.
وجه قوله أن حكم الرضاع هو الحرمة، والمرأة بالموت خرجت من أن تكون محلاً لهذا
الحكم؛ ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة بوطئها عندكم، فصار لبنها كلبن البهائم، ولو ارتضع
صغيران من لبنٍ بهيمةٍ لا تثبت حرمة الرضاع بينهما؛ كذا هذا، وإذا لم تثبت الحرمة في حقها،
لا تثبت في حق غيرها؛ لأن المرضعة في أصل هذا الحكم فأولاً يثبت في حقها، ثم يتعدى
إلى غيرها، فإذا لم يثبت في حقها، فكيف يتعدى إلى غيرها بخلاف ما إذا حلب حال حياتها،
ثم أوجر الصبي بعد وفاتها؛ لأنها كانت محلاً قابلاً للحكم وقتَ انفصالِ اللبن منها، فلا يبطل
بموتها بعد ذلك، وههنا بخلافه؛ ولأن اللبن قد ينجس بموتها لتنجس وعائه وهو الثدي، فأشبه
البول والدم.
ولنا: الحديثُ المشهور عن رسولِ اللهِ وَّرَ: ((أَنَّهُ يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ))
واسم الرضاع لا يقف على الارتضاع من الثدي؛ فإن العرب تقول: يتيم راضع، وإن كان
يرضع بلبن الشاة والبقر، ولا على فعل الارتضاع منها بدليل أنه لو ارتضع الصبي منها وهي
العرف في تحديد الرضعة. فما يعده العرف رضعة - اعتبر شرعاً رضعة، وما لا - فلا.
=
فمما يعد رضعة عرفاً - أن يعرض عن الثّذيِّ إعراضاً كلبيًّا، أو تعرض هي عن إرضاعه، سواء عاد فوراً،
أم لا، وأن تقطع عليه الإرضاع لشغل، وطال الزمن؛ كما في أصل ((الروضة))، فهذه لو عاد - عد رضعة
أخرى، ومما يعد رضعة واحدة عُزفاً - ما لو ترك الرضيع الثدي لاهياً أو التنفس، أو لازدراد ما اجتمع في
فمه، أو تحول من ثدي إلى آخر، أو قطعته المرضعة لشغل خفيف، أو نام نوماً خفيفاً، وعاد فوراً، وكذا
لو طال نومه والثدي في فمه، فكل هذه رضعة واحدة؛ لقضاء العرف بذلك. أما لو طَالَ الزمن - فلم يعد
إلا بعد مدة طويلة عرفاً تعدد الرضاع، اتباعاً للعرف.
ونظير هذا التفصيل ما قيل في تحديد الأكلة؛ فمن حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة، وقطع الأكل،
إعراضاً؛ أو لشغل طويل، وعاد تعدد الأكل؛ فيحنث؛ بخلاف ما لو أطال الأكل، وصار يتنقل من نوع
إلى آخر، ويتحدث في خلال الأكل، أو يأتي بالخبز عند نفاده - لم يتعدد؛ فلا يحنث؛ لأن هذا في
العرف يعد أكلة واحدة.
هذا هو المدار في تحديد الرضعة، ولا نظر إلى كونها مشبعة، أو لا، حتى ولو كانت قطرة في كل مرة
حَرَم، وتوقف الأذرعي في ذلك مُتَمَسِّكاً بظاهر حديث «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنشَزَ العَظْمَ)) ومنع هذا
التوقف بأن المدار على الشأن، وبأنه لا مانع من تأثير القطرة في إثبات اللحم، خصوصاً مع انضمام بقية
الرضعا.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.
٩٣
كتاب الرضاع
نائمة يسمى ذلك رضاعاً حتى يحرم، ويقال أيضاً: أرضع هذا الصبي بلبن الميتة؛ كما يقال:
ارضع بلبن الحية؛ وقوله وَّرَ: ((الرَّضَاعُ مِنَ المَجَاعَةِ))، وقوله: ((الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ الَّحْمَ وَأَنْشَزَ
العَظْمَ)) وقولهِ وََّ: ((الرَّضَاعُ فَتَقَ الأَمْعَاءَ)) ولبن الميتة يدفعُ الجوعَ، وينبت اللحم، وينشز
العظم، ويفتق الأمعاء فيوجب الحرمة؛ ولأن اللبن كان محرماً في حال الحياة، والعارض هو
الموت، واللبن لا يموت كالبيضة؛ كذا روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ((الَّلبنُ لا
يموتُ))؛ ولأن الموت يحل محل الحياة، ولا حياة في اللبن.
ألا ترى أنْهَا لم تتألم بأخذِهِ في حالٍ حياتها، والحيوان يتألم بأخذ ما فيه حياة من لحمه
وسائر أعضائه، وإذا لم يكن فيه حياة، كان حاله بعد موت المرأةِ كحال قبل موتها، وقبل
موتها محرم، کذا بعده.
وأما قوله المرأة بالموتِ خَرَجَتْ من أن تكون محَّلاً للحرمة، وهي الأصْلُ في / هذه ١٣٣ب
الحرمة، فنقول الحرمة في حال الحياة ما ثبتت باعتبار الأصالة والتبعية، بل باعتبار إنبات اللحم
وإنشاز العظم، وقد بقي هذا المعنى بعد الموت فتبقى الحرمة بخلاف حرمة المصاهرة؛ لأنها
تثبت لدفع فساد قطيعة الرحم أو باعتبار الجزئية والبعضية؛ لكون الوطء سبباً لحصول الولد،
وكلُّ واحد من المعنيين لا يتقدر بعد الموت لذلك افترقا.
وقوله: اللبن ينجس بالموت، ممنوعٌ، وهذا شيءٌ بناه على أصله، فأما على أصل
أصحابنا، فاللبن لا ينجس بالموت، بل هو طاهر بعد الموت، وإن تنجس الوعاء الأصلي له،
ونجاسة الظرف إنما توجب نجاسة المظروف إذا لم يكن الظرف معدناً للمظروف وموضعاً له
في الأصل، فأما إذا كان في الأصل موضعه ومظانه، فنجاسته لا توجب نجاسة المظروف.
ألاَ ترى أنَّ الدَّمَ الذي يجري بين اللحم والجلد في المذكاة لا ينجس اللحم؛ لما كان
في معدنه ومظانه فكذلك اللبن، والدليل عليه أنه لو حلب لبنها في حال حياتها في وعاء نجس
فأوجر به الصبي يحرم، ولا فرق بين الوعاء إذ النجس في الحالين ما يجاور اللبن لا عينه، ثم
نجاسة الوعاء الذي ليس بمعدن اللبن لما لم يمنع وقوع التحريم فما هو معدن له أولى،
ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار؛ لأن المؤثر في التحريم
هو حصول الغذاء باللبن وإنباتُ اللحم وإنشاز العظم وسدُّ المجاعة؛ لأن [به](١) يتحقق
الجرية(٢) وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار؛ لأن السعوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي
ويسد الجوع، والوجور يصل إلى الجوف فيغذي، وأما الإقطار في الأذن فلا يحرم؛ لأنه لا
(١) سقط من ط .
(٢) الجزئية .
٩٤
كتاب الرضاع
يعلم وصوله إلى الدماغ لضيق الخرق في الأذن(١).
وكذلك الإقطار في الإحليل؛ لأنه لا يصل إلى الجوف فضلاً عن الوصول إلى المعدة؛
وكذلك الإقطار في العين والدبر(٢) لما قلنا.
وكذلك الإقطار في الجائفة وفي الآمة؛ لأن الجائفة تصل إلى الجوف لا إلى المعدة،
والآمة إن كان يصل إلى المعدة لكن ما يصل إليها من الجراحة لا يحصل به الغذاء، فلا تثبت
به الحرمة والحقنة لا تحرم بأن حقن الصبي باللبن في الرواية المشهورة.
(١) الإسعاط هو: صبّ اللبن في الأنف؛ ليصل إلى الدماغ، فصبه في الأذن والعين لا يقالُ له: إسعاطْ.
والإيجار صبُّ اللبن في الحلق؛ ليصل إلى المعدة، وقد اختلف في التحريم بهما على أقوال ثلاثة:
فقال إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - بالتحريم بالإيجار جزماً، وبالإسعاط على المذهب، ولا
يخفى أن التعبير بلفظ المذهب يشعر بالخلاف، وهناك طريقة أخرى تقطع بالتحريم أيضاً في الإسعاط.
وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - يحرم الإيجار، دون الإسعاط. وقال عطارد وداود الظاهري بعدم
التحريم بهما.
استدل إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - بقوله وَالر: ((الرضاعة من المجاعة)) وقوله: ((الرَّضَاعُ مَا
أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ العظْمَ)) علم من هذين الحديثين أن الحكمة في تحريم الرضاع هي تغذية الجسم، ولا
شك أنها موجودة في كل من الإيجار والإسعاط، فيتعلق بهما التحريم لذلك، قيل: إن قوله وَلهو السهلة
بنت سهيل: ((أَرْضِعِيه خَمْساً يُخْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْكِ)) دَليلِ التحريم بالإيجار؛ لأنه وَّه لم يرد بقوله ((أَرْضِعِيه))
الإرضاع من الثدي؛ لأنها أجنبية عنه، وإنما أراد الصب في الحلق، وهو عن الإيجار.
وقيل: أيضاً إن قوله وَله: ((بَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً)) دليل على التحريم بالإسعاط؛ لقياس
التحريم بالإسعاط على الإفطار. ورد بأنه قياس مع الفارق، لاعتبار التغذية، ويبعد أن تكون بالإسعاط،
وفيه ما تقدم.
استدل أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بقوله وَلهو: ((الرضاعة من المجاعة)) والإيجار يسد المجاعة،
بخلاف الإسعاط ورُدّ بأنه لا فرق في التغذية بين المعدة والدماغ؛ فإن الأدهان إذا وصلت للدماغ .
انتشرت في العروق، وغذّتها.
والقياس على الحقنة قياسٌ مع الفارق على القول بعدم التحريم بالحقنة، لوجود التغذية بالإسعاط دون
الحقنة، وأما على القول بالتحريم بها - ففيه أن الحقنة على هذا إنما ثبت بها التحريم؛ قياساً على الإفطار
بها، وحينئذ يقال: إن الإسعاط يحصل به الإفطار فلم فرّقت بينهما وقلت: إن الإيجار يحرم دون
الإسعاط؟
استدل داود، ومن وافقه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ الَّلاتِي أَرْضَعْتَكُمْ﴾ لتبادره في إرضاع الأم. ورد
بأن المراد نسبة الإرضاع إلى الأم فالرَّضاع هو صيرورة اللبن جزءاً من الرضيع، وهذا المعنى متحقّق في
كل من الإيجار، والإسعاط، وليس المراد الإرضاع بالفعل من الثدي.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.
(٢) في ط: القبل.
٩٥
کتاب الرضاع
وروي عن محمد أنها تحرم، وجه هذه الرواية أنها وَصَلَتْ إلى الجوف حتى أوجبت
فساد الصوم، فصار كما لو وصل من الفم، وجه ظاهرٌ الرواية أن المعتبر في هذه الحرمة هو
معنى التغذي؛ والحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء؛ لأن موضع الغذاء هو المعدة، والحقنة لا
تصل إليها، فلا يحصل بها نباتُ اللحم ونشورُ العظم واندفاع الجوع، فلا توجب الحرمة.
ولو جعل اللبن مخيضاً أو رائباً أو شيرازاً أو جبناً أو أفطاً أو مصلاً، فتناوله الصبي لا
يثبت به الحرمة؛ لأن اسم الرضاع لا يقع عليه، وكذا لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم، ولا
يكتفي به الصبي في الاغتداء فلا يحرم.
ولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه.
أما إن اختلط بالطعام أو بالدواء أو بالماء أو بلبن البهائم أو بلبن امرأة أخرى، فإن اختلط
بالطعام فإن مسته النار حتى نضج، لم يحرم في قولهم جميعاً، لأنه تغير عن طبعه بالطبخ،
وإن لم تمسه النار فإن كان الغالب هو الطعام لم تثبت الحرمة؛ لأن الطعام إذا غلب سلب قوة
اللبن وأزال معناه، وهو التغذي، فلا يثبت الحرمة، وإن كان اللبن غالباً للطعام وهو طعام
يستبين لا يثبت به الحرمة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يثبت.
وجه قولهما: أن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم أصل في الشرع فيجب اعتباره ما
أمكن كما إذا اخْتَلَطَ بالماء أو بلبن شاة، ولأبي حنيفة أن الطعام وإن كان أقل من اللبن، فإنه
يسلب قوة اللبن؛ لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك في حس البصر، فلا تقع الكفاية به في
تغذية الصبي، فكان اللبن مغلوباً معنى، وإن كان غالباً صورة، وإن اختلط بالدواء أو بالدهن أو
بالنبيذ يعتبر فيه الغالب، فإن كان اللبن غالباً يحرم؛ لأن هذه الأشياء لا تحل بصفة اللبن
وصيرورته غذاء، بل يقدر ذلك؛ لأنها إنما تخلط باللبن ليوصل اللبن إلى ما كان لا يصل إليه
بنفسه؛ لاختصاصها بقوة التنفيذ، ثم اللبن بانفراده يحرم فمع هذه الأشياء أولى، وإن كان
الدواء هو الغالب لا تثبت به الحرمة؛ لأن اللبن إذا صار مغلوباً، صار مستهلكاً، فلا يقع به
التغذي، فلا تثبت به الحرمة؛ وكذا إذا اختلط بالماء يعتبر في الغالب أيضاً، فإن كان اللبن
غالباً يثبت به الحرمة، وإن كان الماء غالباً لا يثبت به، وهذا عندنا.
وعند الشافعيٍّ: إذا قطر من/ الثدي مقدار خمس رضعات في حب ماء فسقي من ١١٣٤
الصبي، تَثْبُتُ به الحرمة.
وجه قوله: إن اللبن وَصَلَ إلى جوف الصبي بقدره في وقته، فتثبت الحرمة؛ كما إذا كان
اللبن غالباً، ولا شك في وقت الرضاع، والدليلُ على أن القدر المحرم من اللبن وصل إلى
جوف الصبي أن اللبن، وإن كان مغلوباً فهو موجود شائع في أجزاء الماء، وإن كان لا يرى،
فيوجب الحرمة.
٩٦
كتاب الرضاع
ولنا: أن الشرع علق الحرمة في باب الرضاع بمعنى التغذي على ما نطقت به الأحاديث،
واللبن المغلوب بالماء لا يغذي الصبي؛ لزوال قوته؛ ألا ترى أنه لا يقع الاكتفاء به في تغذية
الصبي، فلم يكن محرماً، وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف، وذكر الجصاص أن جراب
الكتاب ينبغي أن يكون قولهما، فأمَّا على قول أبي حنيفة ينبغي أن لا يحرم، وإن كان اللبن
غالباً، وقاس الماء على الطعام، وجمع بينهما من حيث إن اختلاطه بالماء يسلب قوته، وإن
كان الماء قليلاً؛ كاختلاطه بالطعام القليل، وفي ظاهر الرواية أطلق الجواب ولم يذكر
الخلاف، ولو اختلط بلبن البهائم كلبن الشاة وغيره يعتبر فيه الغالب أيضاً؛ لما ذكرنا، ولو
اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى، فالحكم للغالب منهما في قول أبي يوسف.
وروي عن أبي حنيفة كذلك، وعند محمد يثبت الحرمة منهما جميعاً، وهو قول زفر.
وجه قول محمد: إن اللبنين من جنس واحدٍ، والجنسُ لا يغلب الجنس، فلا يكون
خلط الجنس بالجنس استهلاكاً، فلا يصير القليل مستهلكاً في الكثير، فيغذي الصبي كل واحد
منهما بقدره بإنبات اللحم وإنشار العظم أو سد الجوع؛ لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر.
والدليل على أن خلط الجنس بالجنس لا يكون استهلاكاً له، أن من غصب من آخر زيتاً
فخلطه بزيتٍ آخر اشتركا فيه في قولهم جميعاً، ولو خلطه بشيرج أو بدهن آخر من غير جنسه
يعتبر الغالب، فإن كان الغلب هو المغصوب، كان لصاحبه أن يأخذه ويعطيه قسط ما اختلط
بزيته، وإن كان الغالب غير المغصوب صار المغصوب مستهلكاً فيه، وإن لم يكن له أن يشاركه
فيه، ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه، فَدَلَّ ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد
والجنسين، وأبو يوسف اعتبر هذا النوع من الاختلاط باختلاط اللبن بالماء، وهناك الحكم
للغالب؛ كذا ههنا.
ولمحمد أن يفرق بين الفصلين، فإن اختلاط اللبن بما هو من جنسه لا يوجب الإخلال
بمعنى التغذي من كلِّ واحد منهما بقدره؛ لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر، وليس كذلك
اختلاط اللبن بالماء، واللبن مغلوب؛ لأن الماء يسلب قوة اللبن أو يخل به، فلا يحصل
التغذي أو يختل، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
ولو طلق الرجل امرأته ولها لبنّ من ولد كانت ولدته منه، فانقضت عدتها وتزوجت
بزوج آخر وهي كذلك، فأرضعت صبيّاً عند الثاني، يُنظر إن أرضعت قبل أن تحمل من الثاني،
فالرضاعُ من الأول بالإجماع، لأن اللبن نزل من الأول، فلا يرتفع حكمه بارتفاع النكاح؛ كما
لا يرتفع بالموت؛ وكما لو حلب منها لبن ثم ماتت لا يبطل حكم الرضاع من لبنها؛ كذا هذا.
وإن أرضعت بعد ما وضعت من الثاني، فالرضاع من الثاني بالإجماع؛ لأن اللبن منه
ظاهراً.
٩٧
كتاب الرضاع
وإن أرضعت بعد ما حملت من الثاني قَبْلَ أن تضع، فالرضاعُ من الأول إلى أن تضع في
قول أبي حنيفة .
وقال أبو يوسف: إن علم أن هذا اللبن من الثاني بأن ازداد لبنها، فالرضاع من الثاني،
وإن لم يعلم، فالرضاع من الأول.
وروى الحسن بن زياد عنه أنها إذا حبلت فاللبن للثاني، وقال محمد وزفر: الرضاعُ
منهما جميعاً إلى أن تلد، فإذا ولدت، فهو من الثاني.
وجه قول محمد: أن اللبن الأول باقي، والحمل سبب لحدوث زيادة لبن، فيجتمع لبنان
في ثدي واحد، فتثبت الحرمة بهما؛ كما قال في اختلاط أحد اللبنين بالآخر، بخلاف ما إذا
وضعت؛ لأن اللبن الأول ينقطع بالوضع ظاهراً وغالباً، فكان اللبن من الثاني، فَكَانَ الرضاعُ
منه .
وجه قول أبي يوسف: أن الحامل قد ينزل لها لبنّ، فلما ازداد لبنها عند الحمل من
الثاني، دَلَّ أن الزيادة من الحمل الثاني؛ إذ لو لم يكن لكان لا يزداد، بل ينقص؛ إذ العادة أن
اللبن ينقص بمضي الزمان ولا يزداد، فكانت الزيادة دليلاً على أنها من الحمل الثاني لا من
الأول.
وجه رواية الحسن عنه أن العادة أن بالحمل ينقطع اللبن الأول، ويحدث عند لبن آخر،
فكان الموجود عند الحمل الثاني من الحمل الثاني لا من الأول، فكان الرضاع منه لا من
الأول.
ولأبي حنيفة: أن نزول اللبن من الأول ثبت بيقين؛ لأن الولادة سبب لنزول اللبن بيقين/ ١٣٤ب
عادة، فكان حكم الأول ثابتاً بيقين، فلا يبطل حكمه ما لم يوجد سبب آخر مثله بيقين، وهو
ولادة أخرى لا الحمل، لأن الحامل قد ينزل لها لبن بسبب الحمل، وقد لا ينزل حتى تضع،
والثابت بيقين لا يزول بالشك.
وأما قول أبي يوسف لما ازداد اللبن دَلَّ على حدوث اللبن من الثاني، فممنوعٌ أن زيادة
اللبن تدلُّ على حدوث اللبن من الحمل، فإن لزيادة اللبن أسباباً من زيادة الغذاء وجودته،
وصحة البدن، واعتدال الطبيعة؛ وغير ذلك، فلا يدل الحمل على حدوث الزيادة بالشك، فلا
ينقطع الحكم عن الأول بالشك، وقد خرج الجواب عما قاله محمد، والله الموفق للصواب.
ويستوي في تحريم الرضاع: الرضاع المقارن للنكاح والطارىء عليه؛ لأن دلائل التحريم
لا توجب الفصل بينهما، وبيان هذا الأصل في مسائل: إذا تزوج صغيرة فأرضعتها أمه من
النسب أو من الرضاع حرمت عليه؛ لأنها صارت أختاً له من الرضاع، فتحرم عليه كما في
بدائع الصنائع ج٥ - ٧٢
٩٨
كتاب الرضاع
النسب؛ وكذا إذا أرضعتها أخته أو بنته من النسب أو من الرضاع؛ لأنها صارت بنت أخته أو
بنت بنته من الرضاعة، وأنها تحرم من الرضاع كما تحرم من النسب.
ولو تزوج صغيرتين رضيعتين، فجاءت امرأة أجنبية فأرضعتهما معاً أو على التعاقب، حُرِّمَتَا
عليه؛ لأنهما صارتا أختين من الرضاعة، فيحرم الجمع بينهما في حالة البقاء كما يحرم في حالة
الابتداء كما في النسب؛ ويجوز أن يتزوج إحداهما أيتهما شاء؛ لأن المحرم هو الجمع كما في
النسب؛ فإن كن ثلاثاً فأرضعتهن جميعاً معاً حرمن عليه؛ لأنهن صرن أخوات من الرضاعة
فيحرم الجمع بينهن، وله أن يتزوج واحدة منهن أيتهن شَاءَ؛ لما قلنا.
وإن أرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة، حرمت عليه الأولتان، وكانت الثالثة
زوجته؛ لأنها لما أرضعت الأولى ثم الثانية، صَارَتًا أختين فبانتا منه، فإذا أرضعت الثالثة فقد
صارت أختاً لهما؛ لكنهما أجنبيتين فلم يتحقق الجَمْعُ فلا تبين منه؛ وكذا إذا أرضعت البنتين
معاً، ثم الثالثة حُرِّمَتَا، والثالثة امرأته؛ لما قلنا ولو أرضعت الأولى ثم الثنتين معاً، حرمن
جميعاً؛ لأن الأولى لم تحرم؛ كذا الإرضاع لعدم الجمع، فإذا أرضعت الأخرتين معاً، صرن
أخوات في حالة واحدة، فيفسد نكاحهن، ولو كن أربع صبيات فأرضعتهن على التعاقب،
واحدة بعد واحدة، حُرِّمْنَ جميعاً؛ لأنها لما أرضعت الثانية فقد صارت أختاً للأولى، فحصل
الجمع بين الأختين من الرضاعة، فبانتا، ولما أرضعت الرابعة فقد صارت أختاً للثالثة فحصل
الجمع فبانتا، وحكم المهر والرجوع في هذه المسائل نذكره في المسألة التي تليها، وهي ما إذا
تزوج صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرةُ.
أما حكم النكاح فقد حرمنا عليه؛ لأن الصغيرة صارت بنتاً لها، والجمع بين الأم والبنت
من الرضاع نكاحاً، حرام، كما يحرم من النسب، ثم إن كان ذلك بعد ما دخل بالكبيرة لا
يجوز له أن يتزوج واحدة منهما أبداً؛ كما في النسب وإن كان قبل أن يدخل بالكبيرة، جاز له
أن يتزوج الصغيرة لأنها ربيبته من الرضاع لم يدخل بأمِّها، فلا يحرم عليه نكاحها كما في
النسب، لا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبداً؛ لأنها أم منكوحة من الرضاع، فتحرم بمجرد نكاح
البنت، دَخَلَ بها أو لم يدخل بها، كما في النسب.
وَأمَّا حكم المهر: فأما الكبيرة فإن كان قد دَخَلَ بها، فلها جميع مهرها، سواء تعمدت
الفساد أو لم تتعمد؛ لأن المهر قد تأكد بالدخول، فلا يحتمل السقوط بعد ذلك، فلها مهرها
ولها السكنى ولا نفقةٌ لها؛ لأن السكنى حق الله - تعالى - فلا تسقط بفعلها، والنفقة تجب حَقّاً
لها بطريق(١) الصلة، وبالإرضاع خرجت عن استحقاق الصلة، فإن كان لم يدخل بها، سقط
(١) في ط: بطريقة.
٩٩
كتاب الرضاع
مهرها، فلا مهر لها ولا سكنى ولا نفقة، سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد؛ لأن الأصل أن
الفرقة الحاصلة قبل الدخول توجب سقوط كل المهر؛ لأن المبدل يعود سليماً إلى المرأة،
وسلامة المبدل لأحد المتعاقدين يوجب سلامة البدل للآخر؛ لئلا يجتمع المبدل والبدل في
ملك واحدٍ في عقد المبادلة؛ كان ينبغي أن لا يجب على الزوج شيء، سواء كانت الفرقة بغير
طلاق أو بطلاق، إلا أن الشرع أوجب عليه في الطلاق قبل الدخول مالاً مقدراً بنصف المهر
المسمى ابتداء بطريق المتعة صلة لها؛ تطييباً لقلبها لما لحقها من وحشةِ الفراقِ بفواتِ نعمةٍ
الزوجية عنها من غير رضاها، فإذا أرضعت فقد رضيت بارتفاع النكاح، فلا تستحق شيئاً، وأما
الصغيرة فلها نصف المهر على الزوج عند عامة العلماء.
وقال مالك: لا شيء/ لها، وجه قوله إن الفرقة جاءت من قبلها لوجود علة الفرقة منها، ١١٣٥
وهي ارتضاعها؛ لأنه بذلك يحصل اللبن في جوفها فينبت اللحم وينشر العظم، فتحصل
الجزئية التي هي المعنى المؤثر في الحرمة، وإنما الموجود من المرضعة التمكين من ارتضاعها
بإلقامها ثديها، فكانت محصلة للشرط والحكم للعلة لا للشرط، فلا يجب على الزوج للصغيرة
شيء، ولا يجب على المرضعة (١) للزوج(٢) شيء أيضاً.
ولنا ما ذكرنا أن الفرقة من أيهما كانت توجب سقوط كل المهر لما ذكرنا؛ وإنما يجب
نصف المهر مقدراً بالمسمى ابتداء صلة المرأة؛ نظراً لها ولم يوجد من الصغيرة ما يوجب
خروجها عن استحقاق النظر؛ لأن فعلها لا يوصف بالخطر وليست هي من أهل الرضا لنجعل
فعلها دلالة الرضا بارتفاع النكاح، فلا تُحرم نصف الصداق بخلاف الكبيرة؛ لأن إقدامها على
الإرضاع دلالة الرضا بارتفاع النكاح، وهي من أهل الرضا، وإرضاعها جناية، فلا تستحق النظر
بإيجاب نصف المهر لها ابتداء؛ إذ الجاني لا يستحق النظر على جنايته، بل يستحق الزجر،
وذلك بالحرمان؛ لئلا يفعل مثله في المستقبل، فلا يجب لها شيء، سواء تعمدت الفساد أو لم
تتعمد؛ لأن فعلها جناية في الحالين، ويرجع الزوج بما أدى على الكبيرة إن كانت تعمدت
الفساد، وإن كانت لم تتعمد لم يرجع عليها؛ كذا ذكر المشايخ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي
یوسف .
وروي عن محمد: أن له أن يرجع عليها، سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد، وهو قولُ
زفر، وبشر المريسي، والشافعي.
وجه قولهم إن هذا ضمان الإتلاف وأنه لا يختلف بالعمد والخطأ، والدليل على أن هذا
(١) سقط في أ.
(٢) في ط: الزوج للمرضعة.
١٠٠
كتاب الرضاع
ضمان الإتلاف أن الفرقة حصلت من قبلها بإرضاعها؛ ولهذا لم تستحق المهر أصلاً ورأساً،
سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد، وإذا كان حصول الفرقة من قبلها بإرضاعها صارت بالإرضاع
مؤكدة نصف المهر على الزوج؛ لأنه كان محتملاً للسقوط برمتها أو تمكينها من ابن الزوج أو
تقبيلها إذا كبرت، فهي بالإرضاع أكدت نصف المهر (١)؛ بحيث لا يحتمل السقوط، فصارت
متلفة عليه ماله فتضمن.
وجه قول محمد أنها وإن تعمدت الفساد، فهي صاحبة شرط في ثبوت الفرقة؛ لأن علة
الفرقة هي الارتضاع للصغيرة؛ لما بينا، والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط، على أن
إرضاعها إن كان سبب الفرقة، فهو سبب محض؛ لأنه طرأ عليه فعل اختياري، وهو ارتضاع
الصغيرة، والسبب إذا اعترض عليه فعل اختياري يكون سبباً محضاً، والسبب المحض لا حكم
له، وإن كان صاحب السبب متعمداً في مباشرة السبب، كفتح باب الإصطبل والقفص حتى
خرجت الدابة وضلت، أو طار الطير وضاع، ولأن الضمان لو وجب عليها إما أن يجب بإتلاف
ملك النكاح، أو بإتلاف الصداق، أو بتأكيد نصفه على الزوج.
لا وجه للأول؛ لأن ملك النكاح غير مضمون بالإتلاف على أصلنا، ولا وجه للثاني؛
لأنها ما أتلفت الصداق، بل أسقطت نصفه والنصف الباقي بقي واجباً بالنكاح السابق، ولا وجه
الثالث؛ لأن التأكيد لا يماثل التفويت، فلا يكون اعتداء بالمثل.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الكبيرة وإن كانت محصلة شرط الفرقة، وعلة الفرقة من
الصغيرة كما ذكره محمد، لكن الأصل أن الشرط مع العلة إذا اشتركا في الحظر والإباحة،
أي: في سبب المؤاخذة وعدمه، فإضافة الحكم إلى العلة أولى من إضافته إلى الشرط.
فأما إذا كان الشرط محظوراً والعلة غير موصوفة بالحظر، فإضافة الحكم إلى الشرط
أولى من إضافته إلى العلة؛ كما في حق البئر على قارعة الطريق، فالكبيرة إذا لم تكن تعمدت
الفساد، فقد استوى الشرط والعلة في عدم الحظر، فكانت الفرقة مضافة إلى العلة وهي
ارتضاعها، وإن كانت تعمدت الفساد كان الشرط محظوراً، وهو إرضاع الكبيرة، والعلة غير
موصوفة بالحظر، وهي ارتضاع الصغيرة، فكان إضافة الحكم إلى الشرط أولى.
وإذا أضيفت الفرقة إلى الكبيرة عند تعمدها الفساد، ووجب نصف المهر للصغيرة على
الزوج ابتداء ملازماً للفرقة، صارت الفرقة الحاصلة منها كأنها علة لوجوبه، لا أنه بقي النصف
بعد الفرقة واجباً بالنكاح السابق؛ لأن ذلك قول بتخصيص العلة؛ لأنه قول ببقاء نصف المهر
(١) في أ: الصداق.