Indexed OCR Text
Pages 1-20
٧ بَدَائِ الصَّنَّائِعِ في ترتيب الشرائح تأكیف الإمَامِ عَلَاءِ الدِّين أَنْ بَكَرْ بن مَسْعُود الكَاسَانِي الحَنفى المتوفى سنة ٥٨٧ هـ تَقِيقَ وَتَعَلِيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخِ عَلى محمّد معوض الجزء الخامس يحتوي عَلى الكتبِ التَّالية: الظَّهار - اللَعان - الرّضَاع - النفقَة - الحضَانة- الإعتَاق التَّدَبير - الاستيلاد - المكاتب - الولاء - الإجارة منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان 1 مَنشوراتْ محمّد علي بيضوت دار الكتب العلمية. جميع الحقوق محفوظة Copyright All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً Exclusive rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur. الطبعة الثانية ٢٠٠٣ م- ١٤٢٤ هـ دار الكتب العلمية. بَيْرُوت - لبْنَان رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+) صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor Head office Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13 P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kutub Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage Administration général Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13 P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-0417-9 90000> 9 782745 104175 http://www.al-ilmiyah.com/ e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com بِسْم ◌َسِالرَّنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الظُّهَارِ(١) يحتاجُ في هذا الكتاب إلى معرفة رُكْنِ الظّهارِ، وإلى مَعْرِفَةٍ شرائط الركن، وإلى معرفةٍ حِكم الظّهار، وإلى معرفة ما ينْتَهي به حكمُهُ، وإلى معرفة كفّارة الظُّهارِ . أما ركنُ الظهار: فهو اللفظُ الدالُ على الظهارِ، والأصلُ فيه: قولُ الرجلِ لامرأتِهِ أنت علي كظهر أمي، يُقال: ظاهر الرجلُ من امراتِهِ، وأظاهر وتظاهر وأظهر وتظهر، أي: قال لها أنتِ علي كَظُهرِ أمِّي، ويلحقُ به قولَهَ: أنت علي كبطنِ أمّي، أو فخذ أمي، أو فرج أمي؛ ولأن معنى الظهار تشبيه الحلالِ بالحرام، ولهذا وصفه الله - تعالى - بكونِهِ منكراً مِنَ القول وزوراً، فقال - سبحانه وتعالى - في آية الظّهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القُولِ وَزُورَاً﴾(٢) (١) الظهار لُغَةً: الظُّهار، والتظهر، والتّظَاهُر: عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت عَلَيَّ كُظَهْرِ أمي، مُشْتَقٌّ من الظّهر، وخصّوا الظّهْرَ دون غيره؛ لأنه موضع الرُّكُوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت عليّ كَظَهْرِ أمي، أراد: ركوبك للنكاح حَرَام عليَّ، كركوب أمي للنّكّاحِ، فأقام الظَّهْرَ مَقَامَ الركوب؛ لأنه مركوب، وأقام الركوب مقام التّكَاح؛ لأن الناكح راكب. وهذا من استعارات العرب في كلامها. انظر: تاج العروس: ٣٧٣/٣، الصحاح: ٧٣٠/٢، المصباح المنير ٢/ ٥٩٠، المغرب: ٢٩٩. واصطلاحاً: عرفه الحنفيةُ بأنه: تشبيه المسلم زوجته، أو جُزْءاً شائعاً منها، بمحرم عليه تأييداً. عرفه الشافعية بأنه: تشبيه الزوجة غير البائن بأُنتی لم تکن چِلاً. عرفه المالكية بأنه: تشبيه المسلم المُكَلّفِ من تحلُّ أو جزأها بِظَهْرٍ محرم أو جزئه. عرفه الحنابلةُ بأنه: هو أن يُشبه امرأته أو عُضْواً منها بظَهْر من تَحْرُمُ عليه على التأييد، أو بها أو بعضو منها. انظر: حاشية ابن عابدين: ٥٧٤/٢، شرح فتح القدير: ٢٤٥/٤، ٢٤٦ مجمع الأنهر: ٤٤٦/١، مغني المحتاج: ٣٥٤/٣، المهذب: ١٤٣/٢ المحلى على المنهاج: ١٤/٤، مواهب الجليل: ١١١/٤، الخرشي: ١٠١/٤، حاشية الدسوقي: ٤٣٩/٢، الإنصاف: ١٩٣/٩، المغني: ٢٥٥/٣. (٢) كان الظهار معروفاً في الجاهلية، وكانوا يعتبرون قول الرجل لمن تحل له ((أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمّي)) محرّماً لها على الأبد لا تحل له أصلاً بعد ذلك، فلما جاء الإسلام، وَظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ من امرأته خَوْلَةٌ بِئْتَ ثَعْلَبَةَ، ودعاها إليه بعد ظهاره، فقالت له: والذي نفس خولة بيده لا تَصِلْ إليَّ، وقد قلت ما قلت، حتى = ٣ ٤ كتاب الظهار [المجادلة: ٢]، وبطنُ الأمُّ وفخذها في الحرمةِ مِثلُ ظهرها، ولفرجها مزيد حرمةٍ؛ فتزداد جنايتُهُ في كون قوله منكراً وزوراً فيتأكَّد الجزاء، وهو الحرمةُ. فصل في شَرَائِطِ الظُّهارِ ١٢٠ ب وأما الشرائطُ فأنواعٌ؛ بعضها/ يرجع إلى المُظَاهِرِ، وبعضُها يرجع إلى المُظَاهَرِ منه، وبعضُها يرجعُ إلى المظاهرِ به. أما الذي يرجعُ إلى المظاهر فأنواعٌ: منها: أن يكون عاقلاً إِما حقيقةً أَو تقديراً، فلا يصحُّ ظهارُ المجنون والصبيِّ الذي لا يعقل؛ لأن حكم الحرمةِ وخطابِ التحريمِ لا يتناولُ منْ لا يعقل. ومنها: ألاَّ يكونَ معتوهاً ولا مدهوشاً (١) ولا مبرسماً (٢) ولا مغمى عليه ولا نائماً؛ فلا يصحُّ ظهار هؤلاءِ؛ كما لا يصح طلاقُهم، وظهارُ السكرانِ كطلاقِهِ، وهو على التفصيل الذي ذكرناه في ((كتاب الطلاق)). ومنها: أن يكون بالغاً(٣)؛ فلا يصحُّ ظهارُ الصبيِّ وإِن كان عاقلاً؛ لَمَا مَرَّ في ظهار يحكم الله ورَسُولُهُ، وأتت رسول الله رَّه فقالت له يَا رَسُولَ الله إِنَّ أَوساً تَزَوَّجَنِي، وَأَنَا شَابَّةُ مَرْغُوبٌ = فِيَّ، فَلَمَّا خَلاَ سَنِّي، وَنَثرتْ بَطْنِي جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمْهِ، وَتَرَكَّنِي إِلىَ غَيْرِ أَحَدٍ، فإن كنت تجد لي رخصة تنعشني بها وإياه، فحدثني بها. فَقَالَ لَهَا عَلَيهِ الصَّلاَةَ وَالسَّلامُ: ((مَا أَرَاكِ إِلاَّ قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ)). فَجَادَلَتِ النبي ◌َّه وقالت له ما ذكر طلاقاً، وقعدت بعد ذلك مراراً. ثم قالت: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك فاقتي، وشدة حالي، فأنزل على لسان نبيك. فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهِ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجَها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ .... ﴾ الآيات إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوْا فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِنْ قبلٍ أَنْ يَتَمَاسًا ذَلِكُمْ تُوْعَظُونَ بِهِ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فصيَامُ شَهْرَينٍ مُتَتَابِعَينٍ مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ كُمْ يَسْتَطِعْ فإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً ... ) الآية. فكانت هذه الآيات حَدًّا فاصلاً بين ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل الظهار طلاقاً مؤبداً، وما عليه الإسلام من اعتبار الحرمة فيه مؤقتة تزول بفعل الكفارة، ولقد بين الله سبحانه وتعالى كفارة الظهار، وذكر لها أنواعاً ثلاثة مرتبة لا ينتقل المكفر فيها من الخصلة الأولى إلى الثانية، إلا بعد العجز عن الأولى، ولا من الثانية إلى الثالثة، إلا بعدم استطاعة الثانية . ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. (١) المدهوش: من ذهب عقله من وَلَّهِ أو فزع أو حياء المعجم الوسيط (دهش). (٢) المبرسم: المريض بالبرسام، وهو ذات الجنب، وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة المعجم الوسيط (برسم). (٣) اتفقت كلمَةُ الفقهاء على اعتبار البلوغ والعقل شرطين في وجوب الكفّارة على المظاهر، لأن سببها يعتمد القول وعبارة الصبي والمجنون لغو، فلا تكون موجبة لها. ٥ كتاب الظهار المجنون؛ ولأنَّ الظهارَ من التصرفاتِ الضارة المحضةِ فلا يملكه الصبيُّ؛ كما لا يملك الطلاقَ والعِتاق وغيرَهما من التصرفاتِ التي هي ضارةٌ محضةٌ. ومنها: أن يكون مسلماً (١)؛ فلا يصحُّ ظهارُ الذميِّ، وهذا عندنا. وعند الشافعيِّ إسلامُ المظاهرِ ليس بشرطِ لصحةٍ ظهاره، ويصح ظهار الذميِّ. واحتجَّ بعموم قولِهِ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يُظِاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] من غير فصلٍ بين المسلم والكافرِ؛ ولأن الكافر من أهل الظهار؛ لأن حكمة الحرمةُ، والكفارُ مخاطَبون بشرائع هي حرمات؛ ولهذا كان أهلاً للطلاق؛ فكذا للظهار. ولنا: أن عمومات النكاح لا تقتضي حلَّ وطء الزوجات على الأزواج؛ نحو قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجِهِمَّ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ -٦] وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حرْئَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] والظهارُ لا يُؤُجب زوالَ النكاح والزوجَّية؛ لأن لفظ الظهارِ لا يُنبىء عنه؛ ولهذا لا يحتاج إلى تجديد النكاح بعد الكفارة؛ لأنَ المسلم صَارَ مخصوصاً، فمن ادَّعى تخصيصَ الذميِّ يحتاج إلى الدليلِ؛ ولأنَّ حكم الظهار حرمةٌ مؤقتةٌ بالكفارةِ أو بتحريرِ يخلفُهُ الصومُ، والكافر ليس من أهلِ هذا الحكم، فلا يكون من أهلِ الظهارِ، وقد خرج الجوابُ عما ذكره من المعنى. وأما آيَةُ الظهارِ؛ فإنها تتناول المسلم لدلائل : أحدُها: أن أوَلَ الآيةِ خاصٍّ في حق المسلمين، وهو قولُه - عزَّ وجلَّ -: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢] فقولِهِ - تعالى - ﴿منكم﴾ كناية عن المسلمين؛ ألا ترى إلى قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَإِنَّ اللَّه لَغَفُورٍ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] والكفر(٢) غيرُ جائزِ المغفرةِ، وقوله (١) ذهبت الحنفية، والمالكية إلى أن الإسلام شرط في إيجاب الكفارة على المظاهر. ووجهتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ... ) الآية، فلفظ: ﴿منكم﴾ خاصّ بالمسلمين، فلا يصح الظهار من الكافر. ولأن الكفارة عبادة تفتقر إلى النية، وهو ليس من أهلها . وذهبت الشافعية، والحنابلة إلى أن الإسلام ليس شرطاً في إيجاب الكفّارة على المظاهِرِ. ووجهتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ﴾ الآيات، فإن اسم الموصول من صيغ العموم يتناولُ المسلمَ والكافر، ولأنه قولٌ يختصُّ به النكاح، فيصح من كل زوج مكلف، كالطلاق، وقد تقدَّم الكلام على هذا الشرط في كفارة اليمين، وما هو الراجح في ذلك، من أن هذا يعتبر القول، وهو من أهله، ولأن الكفارة زاجرة في حقّهِ. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. (٢) في ط: الكافر. ٦ كتاب الظهار - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] بناء على الأول. والثاني: إِنَّ فيها أمراً بتحريرٍ بِخلفُهُ الصيامُ إذا لم يجد الرقبة، والصيامُ يُخلفُهُ الطعام إذا لم يستطيع، وكلُّ ذلك لا يتصور إلَّّ في حق المسلم. والثالث: أن المسلم مرادٌ من هذه الآية بلا شك. والمذهبُ عندنا أَنَّ العامَّ يبنى على الخاصِّ، ومتى بُني العام على الخاص خرج المسلم عن عموم الآية، ولم يَقُل به أحدٌ، وأما كونه حرّاً فليس بشرط لصحة الظهار فيصح ظهار العبد؛ لأن الظهار تحريمٌ، والعبدُ من أهل التحريم؛ ألا ترى أنه يملك التحريم بالطلاق؛ فكذا بالظهار؛ ولعموم قولِهِ - عزَّ وجلَّ - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]. فإن قيل: هذه الآيةُ لا تتناول العبد؛ لأنه جعل حكم الظهار التحرير بقولِهِ - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] والعبدُ ليس من أهلِ التحرير، فلا يكونُ من أهلِ حكم الظهارِ، فلا يكون من أهلِ الظهار فلا يتناوله نَصُ الظهارَ، فالجوابُ أنه ممنوع أنه جعل حكم الظهار التحرير على الإطلاق، بل جَعَلَ حكمه في حقٌّ من وجد، فأمَّا في حق من لم يجد، فإنما جعل حكمه الصيام بقولهِ - تعالى -: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينٍ مُتَتَابِعِيْنٍ﴾ [المجادلة: ٤] والعبد غير واجدٍ؛ لأنه لا يكون واجداً إلاَّ بالملك، وللعبد ليس من أهلِ الملكِ، فلا يكون واجداً، فلا يكون الإعتاق حكم الظهار في حقه؛ إذ لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله ◌َّةٍ(١) فلا يجوز له التفكير بالإعتاق؛ وكذا بالإطعام؛ إذ الإطعام على وجه التمليك أو الإباحة، والإباحةُ لا تتحقق بدون الملك. ولو كفّر العبد بهما بإذنٍ مولاه أو المولى كفر عنه بهما، لم يجز؛ لأنَّ الملك لم يثبت له، فلا يقع الإعتاق، والإطعام عنه؛ بخلافِ الفقير إذا أعتق عنه غيره أو أطعم؛ فإنه يجوز، لأنّ الفقير من أهل الملك فثبت الملك له أولاً، ثم يؤدي عنه بطريق النيابة، والعبدُ ليس من أهلِ الملك، فلا يملك المؤدي، فلا يجزيه في الكفارة إلا الصيام، وليس لمولاه أن يمنعه من صيام الظهار بخلاف صيام النذر وكفارة اليمين؛ لأنَّ للمولى أن يمنعَهُ عن ذلك؛ لأن صوم الظهار قد تعلق به حق المرأة؛ لأنهُ يتعلقُ به استباحةُ وَطْئِها الذي استحقه بعقد النكاح، فكان منعُهُ إياها عن الصيام منعاً له عن إيفاء حقِّ مستحق للغير، فلا يملك ذلك، بخلاف صوم النذر وكفارة اليمين؛ لأنه لم يتعلق به حَقُّ أحدٍ، فكان العبد بالصوم متصرفاً في المنافع المملوكة (١) سيأتي في العتق. ٧ كتاب الظهار لمولاه من غير إذنه، لا حقَّ لأحد فيه، فكان له منعُهُ عن ذلك، سواء كان العبد قناً أو مدبراً أو أمَّ أو ولدٍ مُكَاتَباً أو مستسعى على أصل أبي حنيفة؛ لما قلنا؛ وكذا كونه جاداً، فليس/ بشرط ٦١٢١ لصحة الظهار حتى يصح ظهار الهازل؛ كما يصح طلاقه؛ وكذا كونه طائعاً أو عامداً ليس بشرط عندنا، فيصح ظهار المكره والخاطىء كما يصح طلاقهما. وعند الشافعيةِ شرطً فلا يصح ظهارهما كما لا يصح طلاقهما، وهذه من مسائل الإكراه. وكذا التكلم بالظهارِ ليس بشرط حتى يصير مظاهراً بالكتابة المستبينة والإشارةِ المعلومةِ من الأخرس. وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط، فيصحُ ظهارُ شارطِ الخيار لما ذكرنا في ((كتاب الطلاق)). وأما كون المظاهر رجلاً، فهل هو شرطُ صحة الظهار؟ . قال أبو يوسف: ليس بشرط. وقال محمد: شرط، حتى لو قالتِ المرأةُ لزوجها: أنت عليَّ كظهر أمي، تصير مظاهرة عند أبي يوسف، وعليها كفارة الظهار. وعند محمد لا تصير مظاهرة، ولما حكى قولهما للحسن بن زياد فقال هما شيخا الفقه أخطأ، عليهما كفارة اليمين إذا وطئها زوجُها. وجه قول الحسن أن الظهار تحريم فتصير؛ كأنها قالت لزوجها: أنت علي حرامٌ، ولو قالت ذلك تلزمها الكفارةُ إذا وطئها؛ كذا هذا. وجه قولٍ محمد أن الظهار تحريم بالقولِ، والمرأةُ لا تملك التحريم بالقولِ، ألا ترى أنها لا تملك الطلاق فكذا الظهار، ولأبي يوسف أَنَّ الظهار تحريمٌ يرتفعُ بالكفارةِ، وهي من أهل الكفارة، فكانت من أهل الظهار، والله أعلم. ومنها النيةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف في بعض أنواع الظهار دون بعْضٍ؛ وبيان ذلك أنه لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهرٍ أمي، كان مظاهراً، سواء نَوى الظهار أو لا نية له أصلاً؛ لأن هذا صريح في الظهار؛ إذ هو ظاهرُ المرادِ مكشوفُ المعنى عند السماع بحيث يُسْبِقُ إلىَ أفهامٍ السامعين، فكان صريحاً لا يفتقر إِلى النية؛ كصريح الطلاق في قوله: أنتِ طالقٌ. وكذا إذا نوى به الكرامةَ أو المنزلة أو الطلاق أو تحريمَ اليمين، لا يكون إلا ظهاراً، لأن ٨ كتاب الظهار هذا اللفظَ صريحٌ في الظهار؛ فإذا نوى (١) به غيره، فقد أراد صرف اللفظ عَمَّا وُضِعَ له إلى غيره، فلا ينصرف إليه؛ كما إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ، ونوى به الطلاق عن الوثاقِ، أو الطلاق عن العملِ. أنه لا ينصرفُ إليه وَيَقَعُ الطلاقُ لما قلنا؛ كذا هذا. ولو قال: أردتُ به الإخبار عما مضى كذباً لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلافُ الظاهر؛ لأن هذا اللفظ في الشرع جعل إنشاء، فلا يصدق في إرادةِ الإخبار عنه؛ كقوله: أنت طالقٌ، إذا أراد به الإخبار عن الماضي كاذباً، ولا يسعُ للمرأةِ أن تصدقه كما لا يسع للقاضي؛ لأن القاضي إنما لا يصدقه لادعائه خلافَ الظاهر، وهذا موجودٌ في حقِّ المرأة، ويصدق فيما بينه وبين الله - تعالى -، لأنه نوى ما يحتمله كلامه؛ وكذا إذا قال: أنا منك مظاهراً أو قد ظاهرتُكِ، فهو مظاهرٌ، نوى به الظهار أو لا نيةَ له؛ لأن هذا اللفظ صريحٌ في الظهارِ أيضاً؛ إذ هو مكشوفُ المراد عند السامع، فلا يَفْتَقِرُ إلى النية، وأَّ شيءٍ نوى لا يكون إلا ظهاراً، وَإِن أراد به الخبر عن الماضي كاذباً، لا يصدق قضاءً، ويصدق ديانة؛ لما قلنا؛ كما لو قال: أنت مطلقةٌ، أو: قد طلقتُكِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَبِطْنِ أُمَيِّ، أَوْ كَفَخْذِ أُمَيِّ، أَوْ كَفَرْجِ أُمِيَّ، فَهَذَا وَقَوْلُهُ: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي - عَلَى السَّواءِ؛ لأَنَّه يَجْرِي مَجْرى الصَّريح لما ذَكَّرْنَاهَ فيما تَقَدَّمَ. وَلَوْ قَالَ لَها أَنْتِ عَليَّ كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي، يَرْجِعُ إلى نيتِهِ؛ فَإِنْ نَوَىُ بِهِ الظُّهَارَ، كَانَ مُظَاهِراً، وإنْ نَوىُ به الكَرَامةِ كَانَ كِرامة، وإن نَوَىُ به الطَّلاق، كان طلاقاً، وإن نوى به اليمينَ كَانَ إيلاءً؛ لأنَّ اللفظَ يَحْتَمِلُ كلَّ ذَلكِ؛ إذْ هُوَ تشبيهٌ المرأةِ بالأمِّ، فَيحتملُ التَشْبِيهُ في الكرامةِ والمنزلةِ، أَيْ: أَنْتِ عَليَّ في الكَرَامَةِ والمِنْزِلَةِ كَأُمِيِّ، وَيَخْتَمِلُ التَشْبِيهُ في الحُزْمةِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ ذَلك حُزْمَةَ الظُّهَارِ، وَيَخْتَمِلُ حَرَمَةَ الطَّلاَقِ وَحُرْمَةَ اليَمينِ، فأي ذلك نوى فَقَدْ نَوى ما يحتملُه لفظُه، فيكونُ عَلَى مَا نَوى. وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيةٌ لاَ يَكونُ ظِهَاراً عِنْدَ أبي حَنِيفَة، وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف، إلا أنَّ عِنْدَ أبي حنيفةً لاَ يَكُونُ شَيْئاً، وَعِنْدَ أبي يوسف يَكُونُ تحريم اليمين، وَعِنْدَ محمدٍ يَكونُ ظِهَاراً. احتج محمدٌ بقوله - تعالى - في آيةِ الظهارِ رَدّاً على المظاهرینِ: ﴿مَا هُنَّ أَمُهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] وذكر الله - سبحانه وتعالى - الأُم ولم يذكر ظَهْرَ الأُمّ، فدلَّ أن تشبيه المرأة بالأم وهو قوله: أنتِ عَلَيَّ كأمي، ظهارٌ حقيقة؛ كقوله: أنت علي كظهر أمي، بل أولى؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، تشبيه المرأة بعضوٍ من أعضائها . (١) في أ: أراد. ٩ كتاب الظهار وقوله أنت [عليَّ](١) كأمي، تشبيه بكلِّها، ثم ذاك لما كان ظهاراً فهذا أولى؛ ولأن كاف التشبيه تختص بالظهار، فعند الإطْلاَقِ تحمل عليه، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن هذا اللفظ يحتملُ الظهار وغيره احتمالاً على السواء لما ذكرنا، فلا يتعيَّن الظهارُ إلا بدليلٍ معينٍ ولم يوجد، إلا أن أبا يوسف يقولُ: يُحْمَلُ على تحريم اليمين؛ لأن الظاهر إنه أراد بهذا التشبيه التشبيه في التحريم، وذلك يحتمل تحريم الطلاق وتحريم اليمين، إلاَّ أن تحريم اليمين أدنى / فيحمل عليه. ١٢١ب والجوابُ: إنَّا لا نسلم إنه أراد به التشبيه في التحريم، بل هو محتملٌ، يحتمل الحرمة وغيرها، فلا يتعين(٢) التحريم من غير دليل مع ما أن معنى الكرامة والمنزلة أدنى فيحمل مطلق التشبيه عليه، وما ذكره محمدٌ أَن الله - تعالى - ذَكَرَ الأمهات لا ظهورهن، قلنا: هذا لا يَدُلُّ على أن التشبيه بالأم ظهارٌ حقيقة؛ لأنه لو كان حقيقة لقال: ما هُنَّ كأمهاتهم [شبهها بالأم](٣)؛ لأنه أثبت الأمومية لها. ولو قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كأمي، حُمل على نيته؛ لأنه إذا ذكر مع التشبيه التحريم لم يحتمل معنى الكرامة فتعين التحريم، ثم هو يحتملُ تحريمَ الظهارِ، ويحتمل تحريم الطلاق والإيلاء، فيرجع إلى نيته، فإنْ لم يكن له نية يكون ظهاراً؛ لأنَّ حرف التشبيه يختصُّ بالظهارِ، فَمُطْلَقُ التحريمُ يُحْمَلُ علیه. ولو قال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كظهر أمي، فإن نوى الظهار أو لا نية له أصلاً، فهو ظهارٌ، وإن نوى الطلاق لم يكن إلا ظهاراً في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يكون طلاقاً. وروي عن أبي يوسف أنه يكون ظهاراً وطلاقاً معاً (٤)، وجه قولهما: أَن قولَهُ: أنتِ عَلَيَّ حرامٌ، يحتملُ الطلاقَ كما يحتمل الظهارَ، فإذا نوى به الطلاقَ، فقد نوى ما يحتمله لفظه فصحت نيتُهُ. وأبو حنيفة يقولُ: لما قال بعد قولِهِ حرامٌ كظهر أمي، فقد فسر التحريم بتحريم الظهار، فزالَ الاحتمالُ، فكان صريحاً في الظهارِ، فلا نعمل فيه النية، وما روي عن أبي يوسف غير سديدٍ؛ لأنه حمل اللفظ الواحد على معنيين، واللفظُ الواحد لا ينْتَظِمُ معنيين مختلفين. ولو قال: أنتِ عليَّ كالميتة، أو كالدم، أو الخمرِ، أو كلحم الخنزيرِ، يرجعُ إلى نيته؛ إن نوى الطلاق كان طلاقاً، وإنْ نوى التحريم أو لا نيةً له يكون يميناً ويصير مولياً، وإن قال عنيتُ به الكذب، لم يكن شيئاً ولا يصدق في نفي اليمين في القضاء، وقد ذكرنا هذه المسألة في ((كتاب الطلاق)) في فصل ((الإيلاء)). (١) سقط من ط . (٢) في ط: يتغير. (٣) سقط من ط. (٤) في أ: جميعاً. ١٠ كتاب الظهار فصل فيما يرجع إلى المظاهر منه وأما الذي يرجع إلى المظاهر منه، فمنها: أن تكون زوجته، وهي أن تكون مملوكة له بملك النكاح، فلا يصحُّ الظهارُ من الأجنبية لعدم الملك، ويصحُّ ظهارُ زوجته تنجيزاً وتعليقاً وإضافة إلى وقتٍ؛ بأنْ قال لها: أنتِ علي كظهر أمي إلى رأسٍ شهرٍ كذا لقيام الملك، وتعليقاً في الملك؛ بأن قال لها: إن دخلت الدار أو إن كلَّمت فلاناً، فأنتِ علَّ كظهرِ أمي لوجود الملك وقت اليمين. وأما تعليقه بالملكِ وهو إضافتُهُ إلى سببِ الملك فصحيحٌ عندنا خلافاً للشافعي؛ بأن قال الأجنبية: إنْ تزوجُتك فأنتِ علي كظهرٍ أمي، حتى لو تزوجها صار مظاهراً عندنا لوجود الإضافة إلى سبب الملك. وعنده لا يصحُّ لعدم الملك للحال. ولو قال لأجنبية: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهرٍ أمي، لا يقع (١) الظهار، حتى لو تزوجها فدخلتِ الدارَ لا يصير مظاهراً بالإجماع لعدم(٢) الملك، والإضافة إلى سبب الملك، وعلى هذا يخرجُ الظهار من الأمة، والمُدَبَّرةِ، وأمّ الولد، وَالمكاتَبَةِ، والمستسعاة على أصل أبي حنيفة أنه لا يصح لعدم الزوجية (٣)، ثم إنما كانت الزوجية شرطاً لصحةِ الظهار(٤)؛ لأنَ (١) في أ: لا يصح. (٢) في أ: لانعدام. (٣) ذهبت الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى اشتراط كون المظاهر منها زوجة، فلا يصح من الأمة، ولا تجب به كفارة على السيد، غير أن الحنابلة يقولون: تجب فيه كفارةُ يمين، لأنه يشبه قوله لها «أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامُ». وذهبت المالكية، والظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك، فأوجبوها على السيد بظهاره من أمته، وهو رأي سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والزهري، والثوري، وقتادة. استدل أصحاب الرأي الأول بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ) الآية ووجه الدلالة من هذه الآية، أن الله - تعالى - أضاف النِّساء إلى المظاهرين، وهي ظاهرةٌ في الأزواج، فاختصّ الظهار بهم دون غيرهم. يقوى ذلك أن الظهار في الإسلام جاء ناسخاً لما كانت عليه الجاهليةُ من اعتباره طلاقاً مؤبداً، وهم إنما كانوا يعرفون الظهار في الزوجات دون الأرقاء فوجب بقاء المحل كما كان في الجاهلية والنسخ يرجع إلى الحكم، لا إلى المحل. واستدل أصحابُ الرأي الثاني بالآية نفسها قائلين: إن الله تعالى أضاف النِّساء إلى المظاهرين، ولفظ النساء عامُّ يتناول الزوجات والإماء، والعام يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصّصه. ولم يوجد المخصص، فكان الظهار معتبراً في الأرقاء كالزوجات. ونحن إذا نظرنا: إلى أن السيد بظهاره من أمته الموطوءة له قد تجرأ على الله، فحرم ما جعله حلالاً له، وأن الأمة لا فرق بينها وبين الزوجة، إلا من جهة أن الزوجة حل وطؤها بعقد النكاح، وتلك حل وطؤها بملك اليمين، وأن ذلك لا يعتبر فارقاً مؤثراً في أن القول يعمل عمله في الزوجة دون الأمة. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. (٤) في ط: الإظهار. ١١ كتاب الظهار ثبوت الحرمة بالظهار أمرٌ ثبت تَعَبُّداً غير معقول المعنى؛ لأن قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، تشبيه المرأة بالأُمّ، وأنه محتمل يحتمل التشبيه في الكرامة والمنزلة، ويحتمل التشبيه في الحرمة . ثم التشبيه في الحرمة محتمل أيضاً يحتمل حرمه الظهار، وهي الحرمةُ المؤقتةُ بالكفارة، ويحتملُ حرمة الطلاق وحرمة اليمين، وهذه الوجوه كلُّها في احتمال اللفظ سواءٌ، فلا يجوز تنزيله على بعض الوجوه من غير دليل معين، إلاَّ أن هذه الحرمة تثبت شرعاً غير معقول، فيقصر(١) على مورد الشرع وهي الزوجية، قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، والمراد منه الزوجات؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقوله - تعالى -: ﴿وَأَمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ونحو ذلك، وسواءً كانت الزوجة حرةً، أو أمةً قنة، أو مُدَبَّرَةً، وأمَّ ولدٍ أوِ ولدٍ أم ولد، أو مُكَاتَّبَةً، أو مستسعاة على أصل أبي حنيفة؛ لعموم قولهِ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥٨]. ومنها: قيام ملك النكاح من كلِّ وجهٍ، فلا يصح الظهار من المطلقة ثلاثاً ولا [من](٢) المبانة والمختلعة، وإن كانت في العدة بخلاف الطلاق؛ لأن المختلعة والمبانة يلحقهما صريح الطلاق؛ لأن الظهار تحريم وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع وتحريم المحرم محال، ولأنه لا يفيد؛ لأن الثاني لا يفيد إلاَّ ما أفاده الأول فيكون عبثاً؛ لخلوه عن العاقبة الحميدة بخلاف الطلاق؛ ولأن الطلاق إزالة حل المحلية، وإنه قائمٌ بعد الإبانة فلم يكن إثبات الثابت فلم يكن مستحيلاً. وكذا الثاني يفيد غير ما أفاده الأول، وهو نقصان/ العدد، فهو الفرق بين الفصلين، ١٢٢ وكذا(٣) إذا علق الطلاق بشرط، ثم أبانها قبل وجود الشرط، ثم وجد الشرط وهي في العدة؛ أنه لا ينزل الظهار بخلاف ما إذا علق الإبانة بشرط فنجز الإبانة، ثم وجد الشرط وهي في العدة أنه يلحقها البائن المعلق؛ لما ذكرنا أن الظهار تحريم والمبانة محرمة، فلو لحقها الظهار بيمين كانت قبل الإبانة لكان تحريم المحرم وهو (٤) مستحيل، ثم هو غير مفيد فاستوى فيه الظهار المبتدأ والمعلق بشرط؛ بخلاف البينونة المعلقة بشرط؛ لأن ثبوتها بعد تنجيز الإبانة غير مستحيل، وهو مفيد أيضاً وهو نقصان العدد، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق. ومنها: أن يكون الظهار مضافاً إلى بدن الزوجة، أو إلى عضوٍ منها جامع أو شائع، وهذا (١) في أ: فيقتصر. (٢) سقط من ط. (٣) في أ: وكذلك. (٤) في أ: وإنه. ١٢ كتاب الظهار عندنا، وعند الشافعي: ليس بشرط، وتصح الإضافة إليها أو إلى كل عضو منها. وعلى هذا يخرجُ ما إذا قال لها: رأسُكِ عليَّ كظهر أمي، أو وجهك، أو رقبتك أو فرجك؛ أنه يصير مظاهراً؛ لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن، فكانتِ الإضافةُ إليها إضافة إلى جميع(١) البدن. وكذا إذا قال لها: ثُلُئُكِ عليَّ كظهر أمي، أو ربعك، أو نصفك؛ ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة . ولو قال: يَدُكِ، أو رجلك، أو أصبعك، لا يصير مظاهراً عندنا؛ خلافاً للشافعي، واختلف مشايخنا في الظهر والبطن، وهذه الجملة قد مرت في ((كتاب الطلاق)). فصل فيما يرجع إلى المظاهر به وأما الذي يَرْجِعُ إلى المُظَاهَرِ به: فمنها: أن يكون من جنس النساء حتى لو قال لها: أنت عليَّ كظهر أبي، أو ابني، لا يصح [الظهار](٢)؛ لأَن الظهار عرفاً موجباً بالشرع، والشرعُ إنما ورد بها فيما كان المظاهر به امرأة. ومنها: أن يكون عضواً لا يحل له النظر إليه من الظهر والبطن والفخذ والفرج، حتى لو شبهها برأس أمه أو بوجهها أو يدها أو رجلها، لا يَصير مظاهراً؛ لأن هذه الأَعضاء من أمّه يحلُّ له النظر إليها. ومنها: أن تكون هذه الأعضاء من امرأةٍ يحرمُ نكاحها عليه على التأبيد، سواءٌ حرمت عليه بالرحم؛ كالأم والبنتِ، والأختِ، وبنتِ الأخ والأختِ، والعمةِ، والخالة، أو بالرضاع أو بالصهرية؛ كامرأة أبيه وحليلة ابنه؛ لأَنّه يحرم عليهَ نكاحُهُنَّ على التأبيد، وكذا أم امرأته، سواء كانت امرأته مدخولاً بها أو غير مدخول بها؛ لأن نفس العقد على البنت محرمٌ للأم، فكانت محرمةً عليه على التأبيد؛ وأما بنت امرأته فإن كانت امرأته مدخولاً بها فكذلك؛ لأَنَه إذا دخل بها فقد حرمت عليه ابنتها على التأبيد، وإن كانت غير مدخولٍ بها لا يصيرُ مظاهراً؛ لعدمِ الحرمة على التأبيد، ولو شبهها بظهر امرأة زنى بها أبوه أو ابنه(٣). (١) في أ: جزء. (٢) سقط من ط . (٣) ذهب جمهور الفقهاء إلى أن خصوص الأم ليس شرطاً في إيجاب الكفارة، غير أن بعضهم يقول: ((يكفي في تحقق الظهار كون المشبه بها مؤبدة التحريم على المظاهر، كالشافعية، والحنفية، والمالكية)). = . ١٣ كتاب الظهار قال أبو يوسف: هو مُظَاهِرٌ، وقال محمد: ليس بمظاهرٍ بناء على أن قاضياً لو قضى بجواز نكاح امرأة زنى بها أبوه أو ابنه لا ينفذ قضاؤه عند أبي يوسف؛ حتى لو رفع قضاءه إلى قاض آخر أَبْطَلَهُ، فكانت محرمة النكاح على التأبيد، وعند محمد ينفذُ قضاؤه، وليس للقاضي الثاني أنْ يبطلَهُ، إذا رفع إليه فلم تكن محرمة على التأبيد. وجْهُ قولٍ أبي يوسف: أنَّ حُرْمَةَ نكاح موطوءة الأب منصوصٌ عليها، قال الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ أَبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] لأن النكاح في اللغة: الضم، وحقيقةُ الضم في الوطء، فلم يكن هذا محل الاجتهاد؛ إذ الاجتهاد المخالف للنصوص باطلٌ، فالقضاء بالجواز يكون مخالفاً للنصَّ، فكان باطلاً؛ بخلاف ما إذا شبهها بامرأة قد فرق بينه وبينها باللسان أنه لا يكون مظاهراً، وإن كان لا يجوز له نكاحها - عندي، لأنه لو حَكْمَ حاكمٌ بجواز نكاحها جاز؛ لأن حرمة نكاحها غير منصوص عليه، فلم تكن محرمة على التأبيد. وجه قول محمد: أنَّ جوازَ نكاح هذه المرأة مجتهدٌ فيه ظاهرُ الاجتهاد، وأنه جائز عند والبعض الآخر يقول: ((يكفي في تحقُّقه كون المشبه به مما يحرم على المظاهر الاستمتاع به، ولو لم تكن = الحرمةُ مؤبدةً، يستوي في ذلك الذُّكُورُ والإناث)) كالحنابلة . وذهبت الظاهرية إلى اشتراط كون المشبه بها في الظهار خصوص الأم، فلا ينعقد الظهارُ عندهم بتشبيه الزوجة بالأخت، أو العمة، أو الخالة مثلاً، ولا تجب الكفارةُ بذلك. استدلَّ الجمهورُ بأن غير الأم من كل مؤبدة التحريم، كالأم في تأبيد الحرمة، فيجب اعتبارُ التشبيه به كالأم، والقياس حُجَّةٌ شرعيّةٌ قام الدليل على اعتبارها، فلا عبرة بإنكار الظاهرية لها، لأن ذلك منهم مكابرة . واستدل الظاهرية بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنٍ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجُكُمُ الَّلَائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّ اللَِّي وَلَذْتَهُمْ﴾. ووجهُ الدلالة من الآيتين أن الله تعالى إنما تعرض لذكر الأم، ولم يتعرض لغيرها، فكان ذلك دليلاً على أن خصوص الأم هي المعتبرة في الظهار، ولا يصح قياسُ غيرها عليها،، لأن القياس لا ينتج إلاَّ ظَنًّا، والظن منهيٍّ عن اتباعه، فهو غير معتبر في الأحكام. وبالنظر في وجهة كل يخبر أن رأي الجمهور هو الراجح؛ لقوة مدركة، وكون المولى - سبحانه وتعالى . نَصَّ على الأم، ولم ينصَّ على غيرها - لا يقضي باعتبار خصوص الأم شرطاً لإيجاب الكفارة على المظاهر، لأن اختصاصها بالذكر له فائدة أخرى، خلاف قصر الحكم عليها، وهو أن الغالب عند الجاهلية هو ما نصّ عليه القرآن. وشرط اعتبار المفهوم المخالف ألاَّ تظهر له فائدة أخرى، سوى نفي الحكم عن غير المذكور. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. ١٤ كتاب الظهار الشافعي، وقد ظهر الاختلاف فيه في السلف فكان محلّ الاجتهاد، وظاهر النص محتمل التأويل، فكان للاجتهاد فيه مساغاً وللرأي مجالاً . ولو شبهها بظهر امرأة هي أم المزنى بها أو بنت المزنى بها لم يكن مظاهراً؛ لأنَّ هذا فصل مجتهدٌ فيه ظاهرُ الاجتهاد في السلف، فلم تكنِ المرأةُ المظاهر بها محرمة على التأبيد، ولو قَبَّلَ أجنبيةً بشهوةٍ أو نَظَرَ إلى فرجها بشهوةٍ، ثم شبه زوجته بابنتها لم يكن مظاهراً عند أبي حنيفة . قال: ولا يشبه هذا الوطء، الوطء أبين وأظهر، عنى بذلك أنه لو شبه زوجته ببنت موطوءته له فلا يصير مظاهراً، فهذا أولى؛ لأن التقبيلَ واللمسَ والنظر إلى الفرج سببٌ مفضٍ إلى الوطء، فكان دون حقيقة الوطء، فلمَّا لم يصر مظاهراً بذلك، فهذا أولى. وعند أبي يوسف يكون مظاهراً؛ لأن الحرمة بالنظر منصوص عليها. ١٢٢ ب قال النبي بَّ: ((مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ أَوْ نَظَرَ / إلى فَرْجِهَا حُرُّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْتَتُهَا)) (١) وعلى هذا يخرجُ ما إذا شبهها بامرأةٍ محرمةٍ عليه في الحال وهي ممن تحلُّ له في حال أخرى؛ كأختِ امرأتِهِ، أو امرأةٍ لها زوجٌ، أو مجوسية أو مرتدة، أنه لا يكون مظاهراً؛ لأنها غيرُ محرمةٍ على التأبيد، والله أعلم. فصل في حكم الظهار وأما حكم الظهار، فللظهار أحكام: منها حرمةُ الوطء قبل التكفير؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ [المجادلة: ٣] أي فليحرروا كما في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَالَّوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوَلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٣٣] أي: ليرضعن، وقوله - تعالى -: ﴿وَالمُطَلَّقَاتِ يَتَرَبْصِنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ليتربصن، أمر المظاهر بتحرير رقبةٍ قبل المسيسٍ، فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمرِ بتقديم (١) الحديث الذي في هذا الباب أخرجه الترمذي (٤١٦/٣ - ٤١٧) كتاب النكاح: باب ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل يتزوج ابنتها أم لا؟. حديث (١١١٧) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَليّ قال: أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل لها نكاح ابنتها وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل لها نكاح أمها. وقال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث. ١٥ كتاب الظهار التحرير قَبْلَ المسيس معنى؛ وهو كقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولِ فَقَدْمُوا بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وأنه يدل على حرمةِ النجوى قبل الصدقة؛ إذ لو لم يحرم لم يكن للأمر بتقديم الصدقة على النجوى معنى؛ فكذا هذا. وروي أن سلمة بن صخر البياضي(١) ظَاهَرَ من امرأتِهِ، ثم أبصرها في ليلة قمراء وعليها خلخال فضة، فأعجبته فوطئها، فسأل رَسُولَ اللهِوَّر عن ذلك فقال له رسولُ الله - دَل ـ: (اسْتَغْفِرِ اللَّه وَلاَ تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ)) (٢) أمرِهِ وَِّ بالاستغفار والاستغفارُ إنما يكون عن الذنبِ، فدلْ (١) سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج الخزرجي - كان يقال له البياضي، لأنه كان حالفهم. ويقال: اسمه سلمان، وسلمة أصح، وهو الذي ظاهر من امرأته قال البغوي: لا أعلم لا حديثاً مسنداً إلا حديث الظهار، رواه عنه سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة، وسماك بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. ينظر: الإصابة (١٢٦/٣ -١٢٧)، وأسد الغابة ت (٢١٧٦)، والاستيعاب ت (١٠٢٨)، والتهذيب (٤/ ٤٧)، والتقريب (٣١٧/١). (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٤/٢) كتاب الطلاق: باب ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، الحديث، وأحمد (٤٣٦/٥)، والدارمي (١٦٣/٢، ١٦٤) كتاب الطلاق: باب الظهار، وأبو داود (٢/ ٦٦٠، ٦٦٢): كتاب الطلاق باب الظهار، الحديث (٢٢١٣)، وابن ماجه (٦٦٥/١): كتاب الطلاق: باب الظهار، الحديث (٢٠٦٢)، وابن الجارود المنتقى ص (٢٤٨): كتاب الطلاق باب الظهار، الحديث (٧٤٤)، والحاكم (٢٠٣/٢): كتاب الطلاق: باب مسألة الظهار، وحكاية سلمة بن صخر، والبيهقي (٣٨٥/٧ - ٣٨٦): كتاب الظهار باب لا يقربها حتى يكفّر. من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت أحد غيري، فلما كان رمضان ظاهرت من امرأته حتى ينسلخ فرقاً من أن أصيب من ليلي منها شيئاً فأتَّابع في ذلك حتى يدركني النهار وأنا لا أستطيعُ أن أنزع. فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت لهم: انطلقوا إلى رسول الله وَ﴿ ﴿ فأخبروه بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله وَ# مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب فاصنع ما بدا لك، فخرجت حتى أتيت رسول الله و * فأخبرته خبري. فقال لي: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك. قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك؟ قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك فامض في حكم الله فإني صابر محتسب، قال: أعتق رقبة، قال: فضربت صفحة عنقي فقلت: والذي بعثك بالحق يا رسول الله ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: يا رسول الله: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم، قال: فاطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشاً ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زُرَيْقٍ، قال يحيى والصواب زريق. فقل له فليرفعها إليك فاطعم عنك منها وسقاً من تمر ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال: فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي وَّرِ السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، قال فدفعوها لي. = ١٦ كتاب الظهار على حرمة الوطء، وكذا نهى المظاهر عن العود إلى الجماع، ومطلقُ النهي للتحريم فيدلَّ على حرمة الجماع قبل الكفارة. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((إذا قال أنتِ عليَّ كظهرِ أمي، لم تحلَّ له حتی یُكَفِّرَ». ومنها: حرمةُ الاستمتاع بها من: المباشرةِ والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها عن شهوة قَبْلَ أَنْ يكفر؛ لقولَه - عزَّ وجلَّ -: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَّمَاسًا﴾ [المجادلة: ٣] وأخفُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ المس، هو اللمس باليد؛ إذ هو حقيقةٌ لهما جميعاً، أعني: الجماعَ واللمسَ باليدِ؛ أو جود معنى المس(١) باليد فيهما، ولأَنَّ الاستمتاعَ داع إلى الجماع؛ فإذا حُرِّمَ الجماع حُرِّمَ الداعي إليه، إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض، ولهذا حرم في الاستبراء وفي الإحرام بخلافٍ قال الترمذي: حديث حسن ... وقال محمد - يعني البخاري سليمان بن يسار لم يسمع عندي من = سلمة بن صخر. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفيه نظر. محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر. قال العلاني في ((جامع التحصيل)) (ص - ١٩٠ - ١٩١): سلمان بن يسار أحد كبار التابعين سمع من جماعة من الصحابة منهم زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو هريرة، وميمونة مولاته، وأم سلمة، وابن عباس، والمقداد بن الأسود، ورافع بن حديج، وجابر رضي الله عنهم، وأرسل عن جماعة منهم عمر رضي الله عنه قاله أبو زرعة، وسلمة بن صَخر البياضي قال البخاري لم يسمع منه، وعبد الله بن حذامة قال یحیی بن معين لم يسمع منه . ومحمد بن إسحاق توبع أخرجه أبو داود (٢٢١٧) وابن الجارود (٧٤٥) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر به. لتبقى علة الانقطاع. وللحديث طريق آخر أخرجه الترمذي (٥٠٣/٣ - ٥٠٤) كتاب الطلاق: باب ما جاء في كفارة الظهار حديث (١٢٠٠) والحاكم (٢٠٤/٢) والبيهقي (٧/ ٣٩٠) من طريق يحيى بن أبي كثير أنبأنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، إن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله وَ * فذكر ذلك له فقال له رسول الله وَله: ((أعتق رقبة)) قال: لا أجدها. قال: ((فصم شهرين متتابعين)) قال: لا أستطيع. قال: ((أطعم ستين مسكيناً)) قال لا أجدها فقال: لا أجد: فقال رسول الله وَله لفروة بن عمرو ((أعطه ذلك العرق (وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً أو ستة عشر صاعاً) إطعام ستين مسكينا)). وقال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. (١) في أ: اللمس. ١٧ كتاب الظهار باب الحيض والنفاس؛ لأن الاستمتاع هناك لا يفضي إلى الجماع؛ لوجود المانع وهو استعمال الأَذى، فامتنع عمل الداعي للتعارض فلا يفضي إلى الجماع؛ ولأن هذه الحرمة إنما حصلت بتشبيه امرأته بأمِّه، فكانت قبل انتهائها بالتكفير وحرمة الأم سواء، وتلك الحرمة تمنع من الاستمتاع؛ كذا هذه؛ ولأنَّ الظهارَ كان طلاق القوم(١) في الجاهلية، فنقله الشرع من تحريم المحل إِلى تحريم الفعل، فكانت حرمة الفعل في المظاهر منها مع بقاء النكاح كحرمة الفعل في المطلقة بعد زوال النكاح، وتلك الحرمة تعم البدن كله كذا وهذا، ولا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه بقربها بالوطء والاستمتاع حتى يُكَفِّرَ؛ لأن ذلك حرامٌ عليه، والتمكينُ من الحرامِ حرامٌ. ومنها: أن للمرأة أن تطالبه بالوطء، وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره حتى يُكَفِّرَ ويطأ؛ لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الملك، فكان لها المطالبة بإيفاء حقُّها ودفع التضرر عنها، وفي وسعه إيفاء حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك وَيُخْبَرُ عليه لو امتنع . ويستوي في هذه الأحكام جميع أنواع الكفارات كلّها منَ: الإعتاقِ والصيام والطعام، أعني: كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم، لا يباح له قبل الإطعام؛ وهذا قول عامة العلماء. وقال مالك: إن كانت كفارتة الإطعام جاز له أن يطأها قبله؛ لأن الله - تعالى - ما شرط تقديم هذا النوع على المسيس في كتابه الكريم؛ ألا ترى أنه لم يذكر فيه من قبل أن يتماسا، وإنما شرط - سبحانه وتعالى - في النوعين الأولين فقط، فيقتصر الشرط على الموضع المذكور . ولنا: أنه لو أبيح له الوطء قبل الإطعام فيطؤها، ومن الجائز أنه يقدر على الإعتاق والصيام في خلال الإطعام فتنتقل كفارته إليه، فتبين أن وطأه كان حراماً، فيجب صيانته عن الحرام بإيجاب تقديم (٢) الإطعام احتياطاً. وعلى هذا يخرج ما إذا ظاهر الرجلُ من أربع نسوةٍ له أن عليه أربع كفارات، سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة أو بقول واحدٍ . (١) في أ: البدن. (٢) في أ: فعل. بدائع الصنائع ج٥ - م٢ ١٨ كتاب الظهار وقال الشافعي: إذا ظاهر بكلمة واحدة فعليه كفارة واحدة(١). وجه قوله إن الظهار أحد نوعي التحريم فيعتبر بالنوع الآخر، وهو الإيلاء، وهناك لا يجب إلا كفارة واحدة بأن قال لنسائه الأربع: ((والله، لا أَقربكُنَّ)) فقربهن، فكذا ههنا . ولنا: الفرق بين الظهار وبين الإيلاء، وهو أن الظهار، وإن كان بكلمةٍ واحدةٍ؛ فإنها ١٢٣ أ تتناول كل واحدة منهن على حيالها/ فصار مظاهراً من كل واحدة منهن، والظهار تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة بخلاف الإيلاء؛ لأنَّ الكفارة ثمة تجب لحرمة اسم الله - تعالى - جبراً لهتْكِهِ، والاسم اسم واحد، فلا تجب إلا كفارة واحدة؛ وكذا إذا ظاهر من امرأة واحدة بأربعة أقوال يلزمه أربع كفارات؛ لأنه أتى بأربع تحريمات، ولو ظاهر (١) لا خلاف بين العلماء في أن الظهار يتعدد بتعدد المظاهر منها، فمن له زوجات، وقال لكل واحدةٍ منهن: ((أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرٍ أُمِّي)) وجبت عليه كفارات بعددهن، إذا وجد العود، لحصول السبب في كل منهن، وهو الظهار والعود. ولا خلاف بينهم أيضاً في أنه إذا ظاهر من نسائه، أو من إحداهن بعد أن كَفَّر - عن الظهار الأول - تجب عليه كفارةٌ أخرى؛ لوجود سببها . واختلفوا فيما إذا كرر الظهار في المرأة الواحدة، قبل أن يخرج الكفارة عن الأول، سواء كان ذلك في مجلس واحد، أم في مجالس متعددة في يوم واحد، أم في أيام تعددة. فذهب الإمام أحمد بن حنبل - في مشهور مذهبه - والشافعي - في - قوله القديم - إلى أنه تجب بذلك كفارة واحدة، قصد بذلك التأكيد، أو الاستئناف؛ لأن الموجب للتحريم إنما هو القول الأول، وأما الثاني - فلا أثر له فيه، والكفارة إنما تجب بالقول المحرم؛ فتختص بالأول. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه إلى أن تكرر اللفظ يوجب تعدد الكفارة، ولو وقع ذلك في المجلس الواحد، ما دام لم ينوِ التأكيد، فإن نواه - وجبت كفارة واحدةٌ، ويصدق في نية التأكيد قضاء. وذهبت المالكية إلى أنه تَجِبُ كفارة واحدة، إلا إذا نوى به كفارات؛ فيعامل بمقتضى نيته، وهذا هو قولُ الشافعي في الجديد. ووجهتهم في ذلك أنه بالظهار الأول تثبت الحرمة المؤقتة، على بقاء ملك الحل، فيصح الظهار الثاني والثالث، ولا منافاة في اجتماع أسباب الحرمة؛ كالخمر، فإنها حرامٌ على الصائم، لعينها، ولصومه وليمينه إذا حلف على ترك شربها. وما قيل: إن في هذا تحصيل الحاصل مدفوعٌ بأن الثابت بكل ظهار حرمة مغايرة لما ثبت بالآخر، كما في أسباب الحدث. وبالنظر في وجهة كل نجد أن القول بالتفصيل هو الراجح؛ لأن المكرر للفظ متى قصد الاستئناف بالثاني . فقد جعله معتبراً؛ كالقول الأول؛ فوجب أن يأخذ حكمه، تحقيقاً لقصده. وأما إذا نوى به التأكيد - فقد جعل المعتبر عنده هو القول الأول، والثاني لم يفد فائدة جديدة. ولم يوجد ما يقوى سببيته للكفارة، وهو نيتها، فوجب إلغاؤه. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. ١٩ كتاب الظهار من امرأة واحدة في مجلسٍ واحدٍ ثلاثاً أو أربعاً، فإن لم يكن له نية، فعليه لكلِّ ظهارٍ كفارةٌ؛ لأَن كلَّ ظهارٍ يوجب تحريّماً لا يرتفع إلا بالكفارة. فإن قيل: إنها إذا حرمت بالظهار الأول فكيف تحرم بالثاني، وأنه إثبات الثابت، وأنه محال، ثم هو غير مفيد، فالجواب: أَن الثاني إن كان لا يفيد تحريماً جديداً، فإنه يفيد تأكد الأول، فلئن تعذر إظهاره في التحريم أمكن إظهاره في التكفير، فكان مفيداً فائدة التكفير، وإن نوى به الظهار الأول، فعليه كفارةٌ واحدةٌ؛ لأن صيغته صيغة الخبر، وقد يكرر الإنسان اللفظ على إرادة التغليظ والتشديد دون التجديد، والظهار لا يوجب نقصان العدد في الطلاقٍ؛ لأَنّه ليس بطلاقٍ ولا يوجب البَيْنُونَة، وإن طالت المدة؛ لأنه لا يوجب زوال الملك؛ وإنما يحرم الوطء قبل التكفير مع قيام الملك. وإن جامعها قَبْلَ أن يكفر لا يلزمه كفارة أخرى؛ وإنما عليه التوبةُ والاستغفارُ، ولا يجوز له أَنْ يعود حتى يكفر؛ لما روينا أنَّ رَسُولَ الله - وَّهِ - قال لذلك الرجل الذي ظَاهَرَ من امرأتِهِ فواقعها قَبْلَ أنْ يكفر: ((اسْتَغْفِر اللّه وَلاَ تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ))، فأمره - وَّـــ بالاستغفارِ لما فعل لا بالكفارة، ونهاه - وَّ - عن العودِ إليه إلا بتقديم الكفارة، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل في بيان ما ينتهي به حكم الظهار وأما بيان ما يَنْتَهِي به حكم الظهار أو يبطل، فحكم الظهار ينتهي بموتِ أحدِ الزوجين؛ البطلان محل حكم الظهار، ولا يتَصَوَّرُ بقاء الشيء في غير محله، وينتهي بالكفارة وبالوقت إن كان مؤقتاً؛ وبيان ذلك أن الظهار لا يخلو إما إن كان مطلقاً وإما إن كان مؤقتاً، فالمطلق كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، وحكمه لا ينتهي إلا بالكفارةِ؛ لقوله - وَل ور - لذلك المظاهر: (اسْتَغْفِرِ الله وَلاَ تَعُذْ حَتَّى تُكَفِّرَ)) نهاه عن الجماع وَمَدَّ النهي إلى غاية التكفير فيمتد إليها، ولا يبطل ببطلان ملك النكاح، ولا ببطلان حل المحلية، حتى لو ظاهر منها ثم طلقها طلاقاً بائناً ثم تزوجها لا يحل له وطؤها والاستمتاعُ بها حتى يكفِّر؛ وكذا إذا كانت زوجته أمة فظاهر منها، ثم اشتراها حتى بطل النكاح بملك اليمين، وكذا لو كانت حرة فارتدت عن الإسلام ولحقت بدارِ الحرب فسبيت ثم اشتراها؛ وكذا إذا ظاهر منها ثم ارتدَّتْ عن الإسلامِ في قولَ أبي حنيفة، واختلفت الرواية عن أبي يوسف على ما ذكرناه في الإيلاء. وكذا إذا طلقها ثلاثاً فتزوجت بزوج آخر، ثم عادت إِلى الأول، لا يحل له وطؤها بدون تقديم الكفارة عليه؛ لأن الظهار قد انعقد موجباً حكمه وهو الحرمة، والأصل أن التصرف الشرعي إذا انعقد مفيداً لحكمه وفي بقائه احتمال الفائدة أو وهم الفائدة، يبقى لفائدة محتملة أو موهومة، أصله الاباق الطارىء على البيع واحتمال العود ههنا قائمٌ فيبقى، وإذا بقي يبقى على ٢٠ كتاب الظهار ما انعقد عليه وهو ثبوت حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة، وإن كان مؤقتاً بأن كان قال لها: أنتٍ عليَّ كظهر أمي يوماً أو شهراً أو سنةً، صح التوقيتُ، وينتهي بانتهاء الوقت بدون الكفارة عند عامَّة العلماء، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قوله الآخر وهو قول مالك: يبطلُ التأقيتُ ويتأبدُ الظهار. وجه قوله: إن الظهار أخو الطلاق؛ إذ هو أحد نوعي التحريم ثم تحريم الطلاق لا يحتمل التأقيت؛ كذا تحريم الظهار. ولنا: أن تحريم الظهار أشبه بتحريم اليمين من الطلاق؛ لأن الظهار تحله الكفارة كاليمين يحله الحنث، ثم اليمين تتوقت كذا الظهار بخلاف الطلاق؛ لأنه لا يحله شيء فلا يتوقت، والله عزَّ وجلَّ أعلم فصل في كفَّارة الظهار وأمَّا بيانُ كَفَّارة الظّهار، فالكلامُ فيه يقع في مواضع: في تفسير كفارة الظهار، وفي بيان سبب وجوبها، وفي بيان شرط وجوبها، وفي بيان شرط جوازها. أما تفسيرُها فما ذكره الله - عزَّ وجلَّ - في كتابه العزيز من أحد الأنواع الثلاثة لكن على الترتيب، الإعتاق ثم الصيام ثم الإطعام(١). وأمَّا سبب وجوب الكفارة: فلا خلاف في أنَّ الكفارةَ لا تجب إلا بعد وجود العود والظهار؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلٍ أَنْ يَتَماسًا﴾ [المجادلة: ٣] غير أنه اخْتُلِفَ في العود. قال أصحابُ الظواهر: هو أن يكون لفظ الظهار(٢). (١) اتفقت كلمة الفقهاء على أن الكفارة الظهار أنواعاً ثلاثة؛ وهي عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين إن عجز عن الرقبة، أو إطعام ستين مسكيناً، إن لم يقدر على الصيام، وهي واجبة على الترتيب كذلك. (٢) الناظر في الآية الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد ذكر الكفارة بعد أن ذكر أمرين: الظهار، والعود، وعطف ذلك بإلغاء المفيدة للترتيب، والمشعرة بأن ما قبلها سبب فيما بعدها، وهذا يؤخذ منه أن مجموع الأمرين سبب في الكفارة هَذَا هو المعروف من مذاهب الفقهاء. العود عند الفقهاء: اختلفت كلمةُ الفقهاء في تفسير العود. فقالت الشافعية: هو إمساكُ الزَّوْجَةِ مدة يتمكن فيها الزوجُ من الفرقة، دون أن يفارق؛ لأن الظهار فيه تشبيه الزوجة بالأم، وهو يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة، فقد عاد فيما قال: لأن العود للقول مخالفة، يقال: قال فلان قولاً، ثم عاد له، وعاد فيه؛ أي : =