Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أما الطيب: فلما روت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي ◌َّهَهَى الْمُعْتَدَّةَ أَنْ
تُخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ»(١)، وقال بََّ ((الحِنَّا طيبٌ))(٢) فيدل على وجوب اجتناب الطيب، ولأن
الطيب فوق الحناء، فالنهي عن الحناء يكون نهياً عن الطيب دلالة، كالنهي عن التأفيف نهى عن
الضرب والقتل دلالة، وكذا لبس الثوب المطيب، والمصبوغ بالعصفر والزعفران له رائحة
طيبة؛ فكان كالطيب.
وأما الدهن: فلما فيه من زينة الشعر، وفي الكحل زينة العين، ولهذا حرم على المحرم
جميع ذلك، وهذا في حال الاختيار، فأما في حال الضرورة فلا بأس به بأن اشتكت عينها، فلا
بأس بأن تكتحل، أو اشتكت رأسها فلا بأن أن تصب فيه الدهن، / أو لم يكن لها إلا ثوب ١٠٩ب
مصبوغ؛ فلا بأس أن تلبسه، لكن لا تقصد به الزينة؛ لأن مواضع الضرورة مستثناة.
وقال أبو يوسف: لا بأس أن تلبس القصب والخز الأحمر، وذكر في الأصل، وقال:
ولا تلبس قصباً ولا خزًّا تتزين به؛ لأن الخز والقصب قد يلبس للزينة، وقد يلبس للحاجة
والوفاء، فاعتبر فيه القصد؛ فإن قصدت به الزينة لم يجز، وإن لم يقصد به جاز.
الإحداد وأما الثاني وهو بيان أنه واجب أم لا، فنقول: لا خلاف بين الفقهاء أن المتوفى
عنها زوجها يلزمها الإحداد، وقال نفاة القياس: لا إحداد عليها وهم فيها محجوجون
بالأحاديث، وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ..
أما الأحاديث فمنها ما رُوِيَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رضي الله تعالى عنها - ((لَمَّا بَلَغَهَا مَوْتَ أَبِيهَا
أَبِي سُفْيَانَ انْتَظَرَتْ ثَلاثَةَ أَيَّامِ، ثُمَّ دَعَتْ بِطِيبٍ، وَقَالَتْ: مَالِي إِلَى المَطْيِبِ مِنْ حَاجَةٍ، لَكِنْ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: لاَ يَحِلُّ لاَمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمَ الآخِرِ، أَنْ تَحُدَّ عَلَىْ مَيِّتٍ،
فَوْقَ ثَلاثَةً أَيَّامٍ، إِلاَّ عَلَىْ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً))(٢)، وروي أن امرأة مات زوجها فجاءت
بل من مقتضياتها ومكملاتها. فإن المرأة تحتاج للتزين والتجمل؛ لتحسن في عين زوجها. وتتوطد صلة
=
العشرة بينهما، فإذا مات انقطعت نعمة الزوجية. ووجب على المرأة حقاً له الاعتداد عليه. ولإتمام هذا
الحق تمنع مما تضعه النساء لأزواجهن من التطيب والزينة، سداً للذريعة في طمعها إلى الرجال، أو طمع
الرجال فيها بسبب هذه الزينة.
ينظر نص كلام شيخنا عبد العظيم وهبي في ((العدة)).
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣) كتاب الطلاق: باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها حديث (٢٣٠٥)
والبيهقي (٧/ ٤٤١).
(٢) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٢١/٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.
وأخرجه أيضاً البيهقي في ((المعرفة)) كما في («نصب الراية)) (١٢٤/٣).
(٣) أخرجه مالك (٢ / ٥٩٦ - ٥٩٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في الإحداد حديث (١٠١) والبخاري (٤٨٤/٩)
كتاب الطلاق: باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً حديث (٥٣٣٤) ومسلم (٢/ ١١٢٣ - ١١٢٤)
كتاب الطلاق: باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة حديث (١٤٨٦/٥٨) وأحمد (٦/ ٣٢٥ -٣٢٦، ٤٢٦) =

٤٦٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إلى رسول الله وَ﴿ تستأذنه في الانتقال، فقال رسول الله وَّ: ((إِنَّ إِحْدَاكُنَّ كَانَتْ تَمْكُثُ فِي
شَرِّ أَخْلاَسِهَا إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَلْقَى الْبعرة، أَفَلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)، فدل الحديث أن
عدتهن من قبل نزول هذه الآية - كانت حولا، وإنهن كن من شر أحلاسهن مدة الحول، ثم
انتسخ ما زاد على هذه المدة، وبقي الحكم فيما بقي على ما كان قبل النسخ، وهو أن تمكث
المعتدة هذه المدة في شر أحلاسها، وهذا تفسير الحداد.
وأما الإجماع؛ فإنه روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - منهم
عبد الله بن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - مثل قولنا، وهو
قول السلف، واختلف في المطلقة ثلاثاً أو بائنا، قال أصحابنا: يلزمها الحداد.
وقال الشافعي: لا يلزمها الحداد.
وجه قوله: إن الحداد في المنصوص عليه إنما وجب لحق الزوج؛ تأسفاً على ما فاتها
من حسن العشرة، وإدامة الصحبة إلى وقت الموت، وهذا المعنى لم يوجد في المطلقة؛ لأن
الزوج أوحشها بالفرقة، وقطع الوصلة باختياره (١) ولم يمت عنها؛ فلا يلزمها التأسف.
ولنا: أن الحداد إنما وجب على المتوفى عنها زوجها، لفوات النكاح، الذي هو نعمة
في الدين خاصة في حقها، لما فيه من قضاء شهوتها، وعفتها عن الحرام، وصيانة نفسها عن
الهلاك بدرور النفقة، وقد انقطع ذلك كله بالموت، فلزمها الإحداد؛ إظهاراً للمصيبة والحزن،
وقد وجد هذا المعنى في المطلقة الثلاث والمبانة، فيلزمها الإحداد، وقوله: الإحداد في عدة
الوفاة وجب لحق الزوج - لا يستقيم؛ لأنه لو كان لحق الزوج - لما زاد على ثلاثة أيام؛ كما
في موت الأب.
وأما الثالث في شرائط وجوبه: فهي أن تكون المعتدة بالغة عاقلة مسلمة من نكاح
وأبو داود (٢/ ٧٢١ - ٧٢٢) كتاب الطلاق باب إحداد المتوفى عنها زوجها حديث (٢٢٩٩) والترمذي
=
(٥٠٠/٣) كتاب الطلاق: باب ما جاء في عدة المتوفى عنها زوجها حديث (١١٩٥) والنسائي (٢٠١/٦)
كتاب الطلاق: باب ترك الزينة للحادة المسلمة .
وابن ماجه (١٠/ ٦٧٣ - ٦٧٤) كتاب الطلاق: باب كراهية الزينة للمتوفى عنها زوجها حديث (٢٠٨٤)
وابن الجارود (٧٦٥) وأبو يعلى (١٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧) رقم (٦٩٦١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(٣/ ٧٥ - ٧٦) والبيهقي (٤٣٩/٧) كتاب العدد: باب كيف الإحداد والبغوي في ((شرح السنة)) (٥/ ٢٢٠-
بتحقيقنا).
من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة أنها دخلت عليها لما توفي أبوها أبو سفيان ... فذكرت
الحديث .
(١) في ط: باختيار.

٤٦٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
صحيح، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة ثلاثاً أو بائناً، فلا يجب على الصغيرة
والمجنونة الكبيرة والكتابية والمعتدة من نكاح فاسد، والمطلقة طلاقاً رجعياً وهذا عندنا.
وقال الشافعي: يجب على الصغيرة والكتابية.
وجه قوله: أن الحداد من أحكام العدة، وقد لزمتها العدة، فيلزمها حكمها.
ولنا: أن الحداد عبادة بدنية، فلا تجب على الصغيرة والكافرة كسائر العبادات البدنية من
الصوم والصلاة وغيرهما، بخلاف العدة؛ فإنها اسم لمضي زمان وذا لا يختلف بالإسلام
والكفر والصغر والكبر، على أن بعض أصحابنا قالوا: لا تجب عليهما العدة، وإنما يجب علينا
ألا تتزوجهما، ولا إحداد على أم الولد إذا أعتقها مولاها أو مات عنها؛ لأنها تعتد من الوطء
كالمنكوحة نكاحاً فاسداً، ولا إحداد على المعتدة من نكاح فاسد، فكذا عليها ولا إحداد على
المطلقة طلاقاً رجعياً؛ لأنه يجب إظهاراً للمصيبة على فوت نعمة النكاح، والنكاح بعد الطلاق
الرجعي غير فائت، بل هو قائم من كل وجه، فلا يجب الحداد، بل يستحب لها تتزين لتحسن
في عين الزوج فيراجعها، ولا إحداد في النكاح الفاسد؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنعمة في
الدين؛ لأنه معصية، ومن المحال إيجاب إظهار المصيبة على فوات المعصية، بل الواجب
إظهار السرور والفرح على فواتها.
وأما الحرية: فليست بشرط لوجوب الإحداد، فيجب على الأمة والمدبرة وأم الولد، إذا
كان لها زوج، فمات عنها أو، طلقها، والمكاتبة والمستسعاة؛ لأن ما وجب(١) له الحداد لا
يختلف بالرق والحرية، فكانت الأمة فيه كالحرة، والله تعالى أعلم.
ومنها وجوب النفقة(٢) والسكنى، وهو مؤنة السكنى لبعض المعتدات دون بعض،
(١) في أ: يجب.
(٢) قال الجوهري في الصحاح: ((نَفَقَ البَيْعُ نَفَاقاً، بالفتح أي رَاج. والنِّفَاق بالكسر، يقل المنافِق. والنّفاق
أيضاً. جمع النفقة من الدراهم)) - ثم قال: ((وقد أنفقت الدراهم من النفقة. ا هـ).
وقال المجد في الناموس: ((النَّفَقَّةُ، ما تُنْفِقُهُ من الدراهم ونحوها)» ثم قال: ((وأنْفُقُ: افتقر، ومالَه: أنفده،
کاستنفقه. ا هـ)).
وقال ابن منظور في لسان العرب: ((أنفق المال صَرَفه، وفي التنزيل: ((وإذا قيلٍ لهم: أنفقوا مما رزقكم
الله)) أي أنفقوا في سبيل الله وأطعموا، وتصدقوا. واستَنْفَقَهُ: أَذْهَبَهُ. والنَّفَقَّةُ: ما أَنْفِقِ والجمع، نِفَاقٌ)) - ثم
قال: ((وقد أَنْفَقْتُ الدراهم من النَّفَقَّةِ)) والنَّفَقَةُ: ما أنْفَقْتُ، واسْتَنْفَّقْتَ على العيال، وعلى نفسك. ا هـ).
ويستفاد من هذه النصوص، أن النفقة، اسم لما تصرفه من الدراهم أو نحوها على نفسك أو غيرك.
واصطلاحاً :
عند الشافعية: قال الشرقاوي في حاشيته على شرح التحرير: النفقة: طعام مقدر لزوجة وخادمها على
زوج، ولغیرهما من أصل وفرع، ورقيق، وحیوان ما يكفيه.
=

٤٦٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
١١٠ أ وجملة الكلام فيه أن المعتدة إما أن كانت/ عن طلاق أو عن فرقة بغير طلاق، وإما إن كانت عن
وفاة، ولا يخلو من أن تكون معتدة من نكاح صحيح أو فاسد، أو ما هو في معنى النكاح الفاسد،
فإن كانت معتدة من نكاح صحيح عن طلاق؛ فإن كان الطلاق رجعياً فلها النفقة والسكنى بلا
خلاف(١)؛ لأن ملك النكاح قائم، فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، ولما نذكر من دلائل
أخر، وإن كان الطلاق ثلاثاً أو بائناً - فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملاً بالإجماع(٢)؛ لقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]،
وعند الحنفية: من تنوير الأبصار مع شرح الدر المختار: هي الطعام والكسوة والسكنى، وعرفاً: هي
الطعام.
عند المالكية: في شرح ((الخرش على مختصر خليل)): النفقة مطلقاً، ما به قوام معتاد حال الآدمي دون
سَرَفٍ.
عند الحنابلة: في ((الإقناع والمنتهى)): هي كفاية من يموته، خبزاً، وأدماً وكسوة، ومسكناً، وتوابعها.
ينظر: الصحاح ٤/ ٥٦٠، والمغرب ٣١٩/٢ وأنيس الفقهاء ص ١٦٨، والدرر ٤١٢/١.
(١) أجمع العلماء على وجوب نفقة الرجعية، طعاماً، وَإِرَاماً، وكسوة، وسُكْنَى وغيرها؛ لأنها زوجة؛ بدليل
أنها يلحقها طلاق، وظهاره، وإيلاؤه، وأنها باقية في سلطة وحبسه، وله عليها حق الرجعة، كما قال
تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدْهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ولا فرق بينها وبين الزوجة التي في العصمة إلا امتناع التمتع،
وهو امتناع حاصل من قبل الزوج، يمكنه قطعه متى شاء بالرجعة، فلا يضر، كما لو سافر، وَقَدْ جَاءَ في
بعض روايات حديث فَاطِرَ بِنْتِ قَيْسِ الآتي: ((إِنَّمَا النَّفَقَةُ، والسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ»
رواه النِّسَائِي. فإسناد صحيح (فإن قيل:) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أَوَلاتٍ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ يفيد بمفهومه أن المطلقة غير الحامل لا نَفَقَّةً لها، سواء كانت بائناً، أم رجعية.
(أجيب) بأن الأدلة السابقة، ومنها الإجماع، خصصت هذا المفهوم بغير الرجعية عند من يقول بالمفهوم.
ينظر نص كلام شيخنا محمد سالم في النفقات.
(٢) تجب للبائن الحامل السكنى، والنفقة ما دامت العِدَّةُ باتفاق أهل العلم، ما عدا ابن حزم وحده فيما رأيت.
وقد حَكَى ابنُ رشد الحفيد في ((بداية المجتهد»وابن قدامة في ((المُغْنِي)) إجماع أهل العلم على ذلك،
وكأنهما لم يعتبر المخالفة ابن حزم، وإليك أدل الفريقين:
١ - استدل ابن حزم بأن البائن أجنبية، والعدة شيء ألزمها الله إياها لا مدخل للزوج في إسقاطه، ولا
الزيادة فيه، ولم يرد في الكتاب، ولا السنة ما يوجب لها شيئاً حاصلاً كانت أو حائلاً، وسيأتي في أول
الجمهور مناقشة الرد عليه، وفي ذلك غناء عن ذكرها هنا.
٢ - واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والقياس.
أ - أما الكتاب، فقوله تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيْقُوْا عَلَيهِنَّ، وَإِنْ
كُنَّ أُوَلاَتِ حَمْلِ فَأَتْفِقُوْا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وجه الدلالة: أن الله عز وجل أمر بإسكان المطلقات سواء أكن حوائل أم حوامل، وخص الحوامل
بالإنفاق عليهن، فوجب للحامل كل من النفقة والسُّكْنَى.
(وأورد عليه) أن الآية في الرجعيات، يرشد إلى ذلك أمران . - أحدهما -: دلالة السياق، فإن سورة
الطلاق، قد ذكر الله تعالى فيها أحكاماً متلازمة.
=

٤٦٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أحدها : - أن الأزواج لا يخرجونهن من بيوتهن.
=
والثاني: ۔ أنهن لا یخرجن من بيوت أزواجهن.
الثالث : - أن لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل أو تسريحهن بإحسان.
الرابع : - إشهاد ذوي عدل على الإمساك، وهو الرجعة. وقد أشار سبحانه إلى حكمة عدم الإخراج
والخروج بقوله تعالى: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ والأمر الذي يرجى إحداث هو
المراجعة، كَمَا قال الشعبي، والضحاك، وعطاء وقتادة، والحسن وفاطمة بنت قيس، فهذه الأحكام كلها
في الرجعيات وقد جاء بعد ذلك: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ فالضمائر في الآية للرجعيات أيضاً ...
وأجيب، فأن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ينتظم الرجعيات والبائن؛ لأن
يتناول الطلقة الثالثة، كما يتناول الأولى، فيجب حمل الضمائر، والأحكام في الآيات كلها على العموم إن
ما قام الدليل على تخصيصه بالرجعيات، وذلك كقوله تعالى: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْروفٍ﴾ وقيام الدليل على التخصيص
في حكم لا يعود على سائر الأحكام بالتخصيص، وبهذا يبقى قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية عاماً في
جميع المطلقات، ولا يلزم تشتيت الضمائر، إذ مرجعها جميعاً ((النساء)) في أول السورة. ولذلك نظائر
كثيرة في الكلام.
ثانيهما : - دلالة السبر والتقسيم، وذلك أن الضمائر في الآية إما أن يراد بها المطلقات عموماً. أو البوائن
خاصة، أو الرجعيات خاصة.
أما الأول - فلا يجوز؛ لأن الآية بناء عليه تدل على أن الرجعية، لا نفقة لها إلا إن كانت حاملاً، وهو
باطل بالإجماع. وتدل أيضاً على أن البائن يجب إسكانها إذا كانت حائلاً، وهذا يخالف حديث فاطمة
بنت قيس الآتي، حيث لم يجعل لها رسول الله وَ رَ سُكْنَى. ولا نفقة، فيلزم أن يكون حكم الرسول
فسخاً، ولا فسخ إلا بيقين.
وأما الثاني : - فلا يجوز؛ لأن تخصيص للقرآن بلا دليل، ولأنه يلزم عليه مخالفة الحديث المذكور،
(فتعين الثالث)، وهو أن المراد بالضمائر الرجعيات، فأفادت الآية أن لهن السُّكْنَى والنفقة إن كن حوامل،
والسكنى إن كن حوائل. وسكتت عن النفقة للحوائل، وهي مستفادة من دليل آخر، وهو أن الرجعية
زوجة ترث مطلقها، ویرثها بلا خلاف.
ويجاب باختيار أن الآية في المطلقات عموماً، ولا يلزم منه إلا نفقة للرجعية إلا إن كانت حاملاً، لأن هذا
من قبيل مفهوم الشرط، والمفهوم إذا عورض بدليل أقوى منه ألغاه أو خصصه، وهاهنا قد عورض
بالإجماع على وجوب نفقة الرجعية؛ لأنها محتبسة بحق مطلقها ويتوارثان، ويلحقها طلاق.
ومخالفة منطوقها لحديث فاطمة بنت قيس لا تضر، فمنهم من طعن فيه، وأوجب للبائن الحائل النفقة،
والسُّكْنَى كالحنفية، ومنهم من أثبته وخصه بما لو كان هناك عذر، كالشَّافعِيَّة، فيكون مخصصاً لِقَولِهِ
تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية بالرجعيات، وبالبائن الحائل عند عدم العذر، ومنهم من أثبته. وجعله عاماً
لكل بائن حائل كالحنابلة، فيكون مخصصاً لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية بالرجعيات، والتخصيص لا
يجب فيه اليقين، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.
ب - وأما السُّنَّةُ: فما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: قال: أرسل =
بدائع الصنائع ج٤ - ٣٠٢

٤٦٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
مَرْوانُ ((قبيصة بن ذؤيب)) إلى فاطمة فسألها، فأخبرته: أنها كانت عند أبي حفصة بن المغيرة، وكان
==
النبي ◌َّل﴿ أَمَّرَ الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض اليمن، فَخَرَجَ مَعَهُ زَوجُهَا، فبعث إليها
بتطليقة كانت بقيت لها، وأمر عياش بن أبي ربيعة، والحارث بن هاشم أن ينفقا عليها؛ فقالا: ((والله
مَالَهَا نَفَقَةُ إِلاَّ تَكُونَ حَامِلاً)) فَأَتْتِ النبي ◌ََّ؛ فقال: ((لاَ نَفَقَةَ لَكِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَامِلاً)) واستأذنته في
الانتقال، فأذن لها؛ فقالت: أين أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللّه فَقَالَ: عِنْدَ ابْن أمَّ مَكْتُوم، وَكَانَ أعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا
عِنْدَهُ، وَلاَ يُبْصِرُهَا، فلم نزل هناك حتى مضت عدتها، فأنكحها النبي ◌َّ أسامة، فرجع قبيصة إلى
مروان، فأخبره بذلك، فقال مَرْوَانُ: ((لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا))
الناس عليها؛ فقالت فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله. قَالَ الله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾
حتى قال: ﴿لَعَلَّ الاَّ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟».
ورواه مسلم بمعناه وموضع الدلالة: أن النبي ◌َّ قال لفاطمة بنت قيس، وكانت مطلقة ثلاثاً: ((لاَ نَفَقَةً
لَكِ إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَامِلاً) فَدَلَّ على وجوب النفقة للبائن الحامل. وحيث وجبت النفقة تجب السُّكْنَى،
لأنها إن وجبت للحمل، فهي نفقة قريب، والقريب تجب له السُّكْنَى، وإن وجبت للحامل من أجل
الحمل، فهي كالزوجة، والزوجة تجب لها السُّكْنَى.
((وأورد ابن حزم على هذا الحديث، بعد أن أورده مختصراً) أن هذه اللفظة)) إلا أن تكوني حاملاً، لم
تأت إلا من هذا الطريق - وهو طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود - ولم يذكرها ممن روى هذا الخبر عن فاطمة غير قبيصة، وعلة هذا الخبر أنه منقطع لم
يسمعه عبيد الله بن عبد الله، لا من قبيصة، ولا من مَرْوَانَ، فلا ندري ممن سمعه؟ ولا حجة في منقطع،
ولو اتصل لسارعنا إلى القول به)) اهـ.
(ويمكن أن يجاب) بأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كان معاصراً لمروان وقبيصة، ولم يذكر
أحد أنه مدلْسُ، ومن المعلوم أن الراوي الثقة الذي لا تدليس عنده إذا روى خبراً حادثاً في عصره، يجب
حمله على السماع، ولا يجب أن يقول: سمعت، أو حدثني، أو قال في، ولذا لم يذكر النووي في شرح
مسلم نقداً لهذا الحديث مع أنه التزم أن يذكر كل نقد وارد على أحاديث مسلم.
جـ ـ وأما المعقول . - فأولاً -: إن البائن الحامل محبوسة لاشتغال رحمها بماء مطلقها، فوجبت لها المؤنة
كالزوجة المحبوسة للاستمتاع، وإنما كان الحبس للاشتغال كالحبس للاستمتاع؛ لأن النسل مقصود
بالنّكَاح كالاستمتاع، بل إن الاستمتاع ما قصد إلا للتوصل إليه .
- وثانياً -: أن الحمل ولده فيلزمه الإنفاق عليه وإسكانه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها. وإسكانها،
فوجب لها ذلك، كما وجبت أجرة الرضاع لو أرضعت.
اختلف الموجبون لنفقة البائن الحاصل في أن النفقة حق لها أو للحمل على قولين.
- أحدهما : أن النفقة للحامل، وإليه ذهب الحنفية، والشافعي في الجديد وأحمد في رواية.
- وثانيهما -: أنها للحمل. وإليه ذهب المالكية وأحمد في أظهر الروايتين والشافعي في القديم.
(وجه القول بأنها للحمل) أنها تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله، وتجب بوجوده وتسقط بعدد عند غير
الحنفية .
(ولك أن تقول) : - أولاً -: إن السقوط بانفصاله ليس لأن النفقة له، وإنما هو لانقضاء العدة، والسقوط
بعدد غير متفق عليه، إذ ينازع فيه الحنفية إلا أن يستدل على السقوط بعدمه بآية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فإن قوله =

٤٦٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن كانت حائلاً فلها النفقة والسكنى عند أصحابنا(١).
تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ﴾ فيه تعليق الحكم، وهو النفقة بشرط، وهو الحمل، فيفيد عدم النفقة
=
عند عدم الحمل، ما لم يعارض ذلك بدليل مساوٍ أو أقوى.
- ثانياً - إن هذا الدوران إنما يفيد أن كونهن حاملات علة في النفقة، ولا يلزم أن يكون الحمل هو
المقصود بها، فيجوز أن تكون النفقة حقاً للحامل لأجل الحمل.
(ووجه القول بأنها للحامل) أنها لو كانت للحمل لوجبت في ماله إن كان له مال ورثه أو أوصى به مع أنها
لا تجب فيه، لوجبت على السيد لا المطلق إن كانت الحامل أمَةً، أو كان المطلق عبداً مع أنها تجب على
المطلق، ولسقطت بالإعسار، وبمضي الزمان، مع أنها لا تسقط عند من لا يسقط نفقة الزوجة بهما،
وهذه خمسة أوجه.
(وتدفع هذه الأوجه) بالتزام أنها تجب في مال الحمل إن كان له مال وأنها تجب على السيد، وأنها تسقط
بالإعسار وبمضي الزمان بلا استدانة بإذن القاضي، وقد صرح الحنابلة بذلك في كتبهم.
(ووجه سادس) وهو أنها لو كانت للحمل لتعددت بتعدده (ويمكن دفعه) بأن العبرة بالحاجة، وحاجة
الحمل المتعدد لا تزيد عن حاجة الحمل الواحد، إذ الأم هي التي تتناول النفقة (ووجه سابع) وهو أنها لو
كانت له لتضاعفت نفقة الزوجة الحامل، بأن تعطي نفقة لنفسها، وثانية للحمل.
(ويمكن دفعه) بأن نفقة الغريب تسقط بالاستغناء، والحمل هنا مستغن بنفقة أمه.
(وثامنٌ) وهو أنها لو كانت له لتقدرت بكفايته، لكنها تتقدر بكفايتها - عند غير الشافعية، وبالإمداد عند
الشافعية .
(ويمكن دفعه) بأنها إنما قدرت بكفايتها؛ لأن لا وسيلة لكفايته إلا ذلك: إذ كل الإضرار التي تحصل لها
تعود عليه، وتقديرها عند الشافعية حكم مذهبي مبني على كونها للحامل، وماذا يضر لو قالوا في هذه
الحالة بكفايتها بناء على أنها للحمل.
(قد يجاب) بأن كان ممكناً أن تقدر بكفايته، وهي الفرق بين كفاية الحامل والحائل إن كان هناك فرق؛
لأن الحامل إما أن تحتاج إلى غذاء أكثر من الحائل أولاً، فإن لم تحتج كان إذاً مستغنياً، ولا نفقة للولد
مع الاستغناء، وإن احتاجت لم يجب الزائد، أما الأصل، فهو واجب على من يجب عليه النفقة عليها.
(والذي يظهر للمتأمل) أنها للحامل؛ لكن لأجل الحمل، لا لأجل العدة، إذ لو كانت للحمل لما وجب
على المطلق سوى الفرق بين نفقتي الحامل والحائل، ولو كانت للحامل لأجل العدة لما علق الإنفاق
بالحمل في القرآن الكريم، إذ التعليق يفيد التعليل.
فتعين أنها للحامل لأجل الحمل، وبوجوبها لها لأجله سقطت نفقته لاستغنائه.
هذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح.
ينظر نص كلام شيخنا محمد سالم في النفقات.
(١)
وإليك أدلة كل قول
١ - استدل الحنفية، ومن وافقهم على وجوب النفقة والسكنى لها بالكتاب، والسنة، والمعقول.
أ - أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿أسكنوهن ... ) الآية وهذه الآية تدل على وجوب النفقة، والسكنى للبائن
الحائل بطريقين.
- أحدهما : أن قوله سبحانه: ﴿من وجدكم﴾ متعلق بمحذوف، تقديره ((وأنفقوا عليهن)): لأن الوجد هو =

٤٦٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
السعة والغنى؛ وذلك راجع إلى ما يملك، فلا يتعلق بالأسكان، إذ الإسكان قد يكون في غير ما يملك،
=
وإنما يتعلق بالإنفاق؛ لأنه خاص بما يملك، وبذلك جاءت قراءة عبد الله بن مسعود المروية عن
رسول الله ◌َ﴿ حيث قرأ: ((وانفقوا عليهن من وجدكم)). وهي إن لم تكن قرأنا كانت تفسير للقرآن، فكان
كل من النفقة والسكنى واجباً للحائل.
- ثانيهما - أنه عز وجل قال: ﴿أسكنوهن﴾ ثم قال: ﴿ولا تضاروهن﴾ والإضرار يتحقق بترك النفقة؛ كما
يتحقق بترك الإسكان، فكان كلاهما واجباً.
- (ويرد على الوجه الثاني) أن قوله سبحانه: ﴿ولا تضاروهن﴾ لا يتناول إلا ترك ما وجب، أو فعل ما
حرم، والنفقة محل نزاع، فعليكم أن تثبتوا وجوبها أولاً؛ ليكون تركها من قبيل المضارة.
(ويرد على الوجه الأول أمور) - أحدها - أن الآية خاصة بالرجعيات بدلالة السياق، أو السير والتقسيم،
كما تقدم في الفصل الثاني. (ويجاب) بما أجيب به هناك مما يدل على أن الآية عامة.
- ثانيهما - أن قوله تعالى: ﴿من وجدکم﴾ بدل من قوله: ﴿من حيث سکنتم﴾؛ كما قال المفسرون،
وقولكم: إن الوجد لا يكون إلا فيما يملك، فيه: أن المسكن تملك منفعته بالإجارة ونحوها، وإن لم
تملك عينه، فلا وجه لتقدير محذوف. وقراءة ابن مسعود المذكورة لم يثبتوا سندها، ولا منزلتها من
القوة. ولو صمت لكان من المحتمل أن تكون تفسيراً منه بالرأي لا بالرواية، فلا حجة فيها.
- ثالثها - أن قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ يفيد انتفاء الحكم
عند انتفاء الشرط، ما لم يوجد معارض، ولا معارض هنا.
(ويجاب) بأن هذا الانتفاء إنما هو من قبيل مفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون به.
(وفيه) أنه ليس من قبيل المفهوم، بل هو من قبيل تعليق الحكم بالشرط، وهو يفيد العلية، وإذا انتفت العلة
انتفى المعلول، على أنه يجب أن يكون للشرط فائدة، رأى فائدة فيه إذا استوى حكم الحوائل والحوامل.
(فإن قالوا): إن فائدته خوف توهم أن الانفاق على الحوامل ينتهي بثلاثة أشهر، أو بمقدار ثلاثة أقراء.
(قيل لهم:) لا توهم هنا أصلاً؛ إذ تبين في السورة قبل ذلك أن أجل أولات الأحمال وضع الحمل.
وأيضاً قد تقل عدة الحامل عن الأشهر والأقراء، فربما تضع بعد الطلاق بيوم واحد أو أقل.
ب - وأما السنة، فمنها ما جاء في مسلم عن أبي إسحاق قال: ((كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في
المسجد، ومعنا الشعبي؛ فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس؛ أن رسول الله وَ ل﴿ لم يجعل لها نفقة
ولا سكنى)) ثم أخذ الأسود كناً من حصى فحصبه به؛ وقال: ويلك: تحدث بمثل هذا؟! قال عمر
رضي الله عنه: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ولو لقول امرأة: لا تدري أحفظت أم نسيت، لها السكنى
والنفقة، قال الله عز وجل: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾.
فهذا الحديث يدل على أن عمر رضي الله عنه فهم أن كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ◌َ له يدلان على وجوب
السكنى والنفقة للبائن الحامل.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ... ) الآية. فهي عامة في الرجعيات والبوائن،
وإلا على وجوب السكنى، كما هو ظاهر وعلى وجوب النفقة؛ لأن المنع من الإخراج، والخروج، حبس
لصيانة ماء المطلق، فعليه جزاؤه وهو النفقة؛ إذ لولاها لهلكت.
وأما السنة فلا بد أن تكون حديثاً عرفه عن النبي وير في ذلك فقول الصحابي: من السنة كذا في حكم
المرفوع، فكيف بقوله: ((سنة نبينا)»؟
=

٤٦٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ومما يؤيد هذا ما رواه الطحاوي، والدارقطني، وفيه زيادة قول عمر رضي الله عنه: سمعت
=
رسول الله وَله يقول: (للمطلقة ثلاثاً النفقة والسكنى)).
(ويرد على ذلك) أن قول عمر رضي الله عنه: ((كتاب ربنا»، إن كان يعني به الآية المذكورة، فبعد تسليم
أنها عامة في الرجعيات والبوائن، إنما تدل على وجوب السكنى، ولا يلزم منها وجوب النفقة، لأنها إنما
تلزم لو كان الاحتباس لحق الرجل، لكن هذا الاحتباس لحق الله تعالى، فنفقتها واجبة على من تجب
عليه نفقتها لولا الزواج. ولا يلزم الهلال؛ إذ لولم يمكنها التكسب إلا بالخروج جاز لها ذلك للضرورة.
والضرورات تبيح المحظورات.
وإن كان يعني به: ((أسكنوهن)) فقد سبق البحث فيها، وأنها لا تدل على وجوب النفقة للحائل.
هذا، ويجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه - إنما فهم من الآيتين وجوب الإسكان فقط، فأنكر على
فاطمة بنت قيس؛ لأنها نفت وجوب الإسكان والنفقة جميعاً .. والجملة التي في آخر الحديث، وهي:
(لها السكنى والنفقة)) لا يتعين أن تكون من كلام، بل يجوز أن تكون من كلام الأسود.
وقوله: ﴿وسنة نبينا﴾ لا يعني به رواية حديث مخصوص عن النبي بَّر، وإنما يعني به ما دلت عليه سنته
من اتباع كلام الله تعالى على ما فهمه منه.
وأما الحديث الذي رواه الطحاوي، والدارقطني، وفيه التصريح بالسماع من النبي ◌َّر فهو مروي عن
حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عمر - رضي الله عنه - ولا حجة فيه.
قال ابن القيم ما خلاصته: ((نحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقينا أن هذا كذب على عمر - رضي الله
عنه - وكَذِب على رسول الله وَله وينبغي ألا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على
معارضة سنن رسول الله # الصحيحة الصريحة بالكذب البحث، فلو كان هذا عند عمر - رضي الله
تعالى عنه - عن النبي ◌َّل لخرست فاطمة وذووها، ولم يبرزوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة.
ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط، لا لمذهب
ولا لرجل.
هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قدرنا وصولنا به إلى إبراهيم لا نقطع نخاعه، فإن إبراهيم لم يولد
إلا بعد موت عمر - رضي الله عنه - بسنين. فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر - رضي الله عنه -
وحَسَّنًا به الظن. كان قد روى له قول عمر - رضي الله عنه - بالمعنى، وظن أن رسول الله وَّلقول هو الذي
حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة، حتى قال عمر - رضي الله عنه -: ((لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة))
فقد يكون الرجل صالحاً، ويكون مغفلاً، ليس تَحَمُّل الحديث وحفظه وروايته من شأنه وبالله التوفيق))،
وسیأتي تمام البحث في حديث فاطمة بنت قيس.
جـ ـ وأما المعقول، فوجهان.
- أحدهما - أن المعنى الذي من أجله وجبت النفقة للرجعية والبائن الحامل فوجود بعينه في البائن الحائل،
فوجبت النفقة لها.
وهذا المعنى هو الاحتباس لحق مقصود بالنكاح، وهو الولد. فإن الله عز وجل إنما شرع العدة لصيانة
الولد.
(ويرد عليه) أن الولد في البائن الحائل غير محقق فوجب الإسكان حتى تحقق البراءة منه، ولا يلزم
وجوب النفقة كما سيأتي بخلاف البائن الحامل؛ فإن الولد فيها محقق فوجبت النفقة: لاشتغال رحمها به، =

٤٧٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كما وجبت في حال الزوجية للاحتباس لتمتعه. وأما الرجعية فهي تحت سلطان الزوج، يجوز له في كل
=
لحظة من عدتها أن يراجعها ثم يستمتع بها فهي كالزوجة، فافترقت البائن الحائل عنهما جميعاً.
- ثانيهما - أن البائن الحائل وجبت لها السكنى بقوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ وهو حق مالي وجب
للاحتباس، فتجب لها النفقة.
(ويرد عليه) أنه لا يلزم من وجوب السكنى وجوب النفقة إلا في الزوجة، والرجعية حيث وجب كل منهما
لهما للاحتباس لحق الزوج، والبائن الحامل، حيث وجب كل منهما لها للاشتغال بصيانة الولد المحقق.
وأما البائن الحائل، فتجب لها السكنى منعاً للاشتباه في أمرها، إذ لو خرجت، ثم ظهر بها حمل لساء بها
الظن، وهذا المعنى حق الله تعالى فلا يوجب النفقة.
على أن بعض الفقهاء منع السكنى أيضاً، وحمل الآية على الرجعية. كما سيأتي.
٣- واستدل أحمد، ومن معه على عدم وجوب النفقة والسكنى لها بالسنة، والمعقول.
أ - أما السنة: فحديثان - أحدهما - ما رواه أحمد ومسلم عن فاطمة بنت قيس عن النبي ◌َّر: في المطلقة
ثلاثاً، قال: ((ليس لها سكنى ولا نفقة)) - ثانيهما ما رواه مسلم، وغيره عن فاطمة بنت قيس، قالت:
((طلقني زوجي ثلاثاً، فلم يجعل لي رسول الله ريو سكنى ولا نفقة)).
وهذا الحديث الثاني في قصة فاطمة بنت قيس ذكر بروايات كثيرة مطولاً، ومختصراً، والمقصود منه هنا
أن رسول الله وَالر لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، وهي بائن حائل.
(ولا يقال): إن هذا مخصوص بفاطمة، لأنا نقول: إن الحديث الأول الذي روته عن النبي ◌َّ ليس
خاصاً بها. بل هو عام في كل مطلقة ثلاثاً.
(ويرد على الحديثين) أن شرط قبول خبر الواحد سلامته من طعن السلف فيه، ومن معارضة ما يجب
تقديمه، ومن الاضطراب.
وهذان الحديثان، لم يسلم مضمونهما من شيء مما ذكر.
(وأما طعن السلف فيه) فقد ثبت في الآثار الصحيحة طعن عمر، وعائشة، وأسامة بن يزيد، ومروان بن
الحكم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والأسود بن يزيد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وإليك
بعض هذه الآثار.
طعن عمر - رضي الله عنه - روى مسلم عن أبي إسحاق: قال: كنت مع الأسود بن يزيد - الحديث الذي تقدم
قريباً - وفي آخره: قال عمر: ((لا نترك كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري. أحفظت أم نسيت)).
وروى النسائي أن الأسود بن يزيد سمع الشعبي يحدث بحديث فاطمة بنت قيس، فأخذ كنا من حصباء
فحصبه؛ وقال: ويلك: لم تفتي بمثل هذا؟: قال عمر بن الخطاب: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما
سمعاه من رسول الله وَّر وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.
طعن عائشة رضي الله عنها روى الشيخان من حديث هشام بن عروة عن أبيه، قال: تزوج يحيى بن
سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلقها، فأخرجها من عنده فعاب ذلك عليهم عروة؛
فقالوا: إن فاطمة قد خرجت: قال عروة، فأتيت عائشة - رضي الله عنها - فأخبرتها بذلك؛ فقالت: ما
بفاطمة بنت قيس خبرُ أن تذكر هذا الحديث.
وفي ((صحيح البخاري))، وسنن أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن فاطمة كانت في مكان
وحسن، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخَصَ النبي وَلّ لها.
=

٤٧١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي؛ قال: حدثنا نصر بن علي؛ قال: حدثني أبي عن هرون عن
=
محمد بن إسحاق؛ قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم؛ أن عائشة - رضي الله عنها - قالت لفاطمة بنت
قيس: ((إنما أخرجك هذا اللسان)).
طعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - روى عبد الله بن صالح كاتب الليث عن محمد بن أسامة بن زيد
أنه كان يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك - يعني انتقالها في عدتها - رماها بما في يده.
طعن مروان بن الحكم روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
قال: أرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة - الحديث الذي تقدم في الكلام على البائن الحامل - وفي
آخره: أن قبيصة حدث به مروان فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا
الناس عليها .
طعن سعيد بن المسيب روى أبو داود في ((سننه)) من حديث ميمون بن مهران؛ قال: قدمت المدينة إلى
سعيد بن المسيب؛ فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها؟ فقال سعيد: تلك امرأة فتنت
الناس، إنها كانت امرأة لَسِنه، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم.
طعن سليمان بن يسار روى أبو داود في سننه عن أنه قال، في خروج فاطمة: إنما كان من سوء الخلق)).
طعن الأسود بن يزيد سبق في بيان طعن عمر - رضي الله عنه ..
طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب؛ قال: أخبرني أبو
سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة؛ ثم قال: فأنكر الناس عليهما ما كانت تحدث به من
خروجها قبل أن تحل.
(وأما معارضة ما يجب تقديمه) فقد تبين من الآثار السابقة أن ما تضمنه هذان الحديثان معارض بالكتاب
والسنة، وما هو معروف مشهور عن الصحابة، فهو بمنزلة الحديث الشاذ، ومعلوم أن الثقة إذا شذ لا يقبل
ما شذ فيه.
(وأما الاضطراب) ففي بعض الروايات، أنه طلقها وهو غائب، وفي بعضها أنه طلقها، ثم سافر، وفي
بعض الروايات؛ أنها ذهبت إلى رسول الله ور فسألته، وفي بعضها: أن خالد بن الوليد، ذهب في نفر،
فسألوه وَّر وفي بعض الروايات: سمى الزوج أبا عمرو بن حفص، وفي بعضها: أبا حفص بن المغيرة.
إذا تبين هذا تبين أنه لا حجة فيما أفاده الحديثان من عدم السكنى والنفقة للبائن الحائل.
وجلالة شأن فاطمة بنت قيس لا تمنع رد روايتها المخالفة، لما هو معروف مشهور، فالثقة قد يقع في
الوهم. ولعل منشأوهما أن الرسول ولو أجاز لها الخروج لوحشتها أو منازعتها أحماءها، ولم يوجب لها
النفقة، لأن زوجها كان غائباً، ولم يترك مالاً سوى الشعير الذي بعث به إليها، فلم ترضى به، وطالبت
أهله، فلم يحكم لها رسول الله وَّل﴿ بنفقة عليهم، إذ لا يلزمهم شيء فظنت أن البائن لا نفقة لها ولا
سکنی.
(وأجيب عن ذلك) بأن ما تضمنه هذان الحديثان لا اضطراب فيه، ولا يعارض بما يجب تقديمه عليه،
والطعن فيه لا يوجب رده وإنما يوجب النظر فيه، وفيما طعن عليه به، والموازنة بينهما بالعرض على
أصول الشرع.
(أما عدم الاضطراب) فظاهر؛ إذ الروايات كلها متفقة على هذا المعنى وهو أنها طلقت ثلاثاً، ولم يجب
لها رسول الله ◌َّو سكنى ولا نفقة، واختلافها في غيره لا يضر.
=

٤٧٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
على أنه لا اختلاف عند التأمل، فرواية أنه طلقها وهو غائب، وأنه طلقها ثم سافر. لا معارضة بينهما، إذ
=
يجوز أنه طلقها وهو غائب عن المنزل. ثم سافر، ورواية أنها سألت رسول الله وَّ ر لا معارضة بينها وبين
رواية أن خالد بن الوليد مع نفر سألوه؛ إذ يحتمل حصول الأمرين جميعاً، وما في بعض الروايات من أن
اسم زوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة فهو المذكور في روايات الجمهور كمسلم في الصحيح
وغيره، وخطأ بعض الروايات في الاسم لا يرد الحديث.
(وأما عدم المعارض الذي يجب تقديمه) فسيظهر من الجواب الآتي عن الطعون.
(وأما الطعون الواردة عن الصحابة والتابعين) - فلا أثر لها: وذلك أنها تتلخص في أربعة أمور ..
الأول - مخالفة كتاب الله تعالى.
الثاني - مخالفة سنة رسول الله وَله.
الثالث - أنها امرأة؛ فلا بد أن تأتي على روايتها بشاهدين.
الرابع - أنها أخطأت حيث ظنت سقوط السكنى والواقع أنها خرجت من المنزل لفحش من لسانها، أو
لغير ذلك.
- أما الأول - وهو مخالفة كتاب الله تعالى، فيجاب عنه بأن الآية، إن كانت عامة في الرجعيات والبوائن،
فليس هذا أول موضع خصص فيه الكتاب بالسنة، فآية المواريث مثلاً خصصت بالسنة الدالة على أن
الكافر والقاتل لا يرثان.
وإن كانت خاصة بالرجعيات، فلا مخالفة بينها وبين حديث فاطمة بنت قيس.
-(وأما الثاني) - وهو مخالفة سنة رسول الله و # فلا نجد سنة مخالفة لحديث فاطمة إلا روايتين عن عمر
- رضي الله عنه -- إحداهما - قوله: لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا، وهذا له حكم المرفوع - والثانية -
قوله: سمعت رسول الله ولو يقول: ((لها السكنى والنفقة)).
- أما الرواية الأولى - عن عمر، فقد قال فيها الإمام أحمد - رضي الله عنه - لا يصح ذلك عن عمر
- رضي الله عنه -، وقال أبو الحسن الدارقطني: قوله: ((وسنة نبينا)) هذه زيادة غير محفوظة، لم يذكرها
جماعة من الثقات بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعاً، ومن له إلمام بسنة رسول الله وَلهير يشهد شهادة الله
أنه لم يكن عند عمر - رضي الله عنه - سنة عن رسول الله؛ أن للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة.
- وأما الرواية الثانية - فلم يخرجها - فيما أعلم - إلا ابن حزم، والجصاص عن حماد عن إبراهيم إلخ،
ومعلوم أن إبراهيم لم يولد إلا بعد وفاة عمر بسنين فالخبر منقطع، وقد أنكره علماء الحديث، وصرح ابن
القيم أنه مكذوب على عمر كما سبق في أدلة الحنفية.
(وأما الثالث) - وهو أنها امرأة لم تأت بشاهدين، فذلك ليس جرحاً ترد له الرواية، ولم يشترط أحد في
الرواية نصاباً، ولم يكن طلب عمر الشهادة على الرواية، وكذلك تحليف عليَّ - كرم الله وجهه - إلا تثبيتاً
منهما - رضي الله عنهما -، حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله وَيّد.
وقد نقل مثل ذلك عن عمر - رضي الله عنه - في حديث أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد
الخدري - رضي الله عنه - وفي حديث المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن سلمة
كل ذلك كان تثبيتاً منه - رضي الله عنه - وتحذيراً من الأكثار عن رسول الله وَل و لا أنه كان يعتبر الشهادة
شرطاً في قبول الرواية، وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سنان الكلابي وحده، وقبل لعائشة - رضي الله
عنها - أخباراً تفردت بها.
=

٤٧٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يقبل قول الراوي العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من
=
الصحابة - رضي الله عنهم ..
- (وأما الرابع) - وهو أنها أخطأت حيث ظنت سقوط السكنى، والواقع أنها خرجت من المنزل لفحش
لسانها؛ كما في رواية عائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، أو للخوف عليها لوحشة المكان؛
كما في رواية عائشة أيضاً.
(فجوابه) أن رواية عائشة، أنها قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا اللسان ساقطة من جهتين.
- الأولى - أن محمد بن إسحاق الراوي شك فيمن روي عنه؛ فقال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم.
- الثانية - أن محمد بن إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع.
ورواية سعيد بن المسيب أنها كانت لسنة، ورواية سليمان بن يسار؛ أنها خرجت لسوء خلقها، لا حجة
فيهما؛ لأنهما تابعيان، ولم يذكرا من أخبرهما بذلك، فلعله رأى أراد أن يوفقا به بين حديث فاطمة وبين
ما فهماه من قوله تعالى: ﴿لا تخروجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾.
ورواية عائشة أن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها رواها أبو داود موصولة، والبخاري
معلقة عن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة، وابن أبي الزناد ضعيف. قال ابن حزم: وأول من
ضعفه جداً مالك بن أنس ١ هـ ومما يرد على دعوى سوء الخلق، وفحش اللسان، وغير ذلك من
الأعذار؛ أن فاطمة بنت قيس من خيار الصحابة ومن المهاجرات الأول ممن لا يحملها رقة الدين على
فحش يوجب إخراجها من دارها، ومنع حقها الذي جعله الله لها، ولو كان بها ذلك لنهاها رسول الله وَله
عن ذلك، أو بين لها أنه هو الداعي إلى إخراجها ولو كان المانع فحش اللسان أو الوحشة لم يعدل عنه
إلى قوله: ((لا نفقة ولا سكنى) إنما النفقة والسكنى إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) فهذا صريح في أن
المانع هو عدم ملك الرجعة لا غير.
(أقول:) قد عرضت هنا خلاصة ما أورده القائلون بوجوب السكنى والنفقة جميعاً، ولو تأملنا كلام
الفريقين أمكننا أن نقول: إنه لا يصح رد القصة من أصلها لمكان فاطمة بنت قيس، ولا إغفال كلام
الصحابة الأجلاء الطاعنين عليها؛ لما ينطوي عليه ردهم من العلم لمخالفة فاطمة، لما يجزمون به من
فهم كتاب الله تعالى، وسنة رسوله وَالم
فالذي يقتضيه النظر الصحيح أن القصة صحيحة، لكن النبي ◌َّ لم يجعل لها سكنى في منزل العدة، لما
نالها من الوحشة، ولم يكن زوجها حاضراً حتى يحكم عليه بإسكانها في منزل آخر، ولم يجعل لها نفقة؛
لأنها ليست حاملاً. والطاعنون أنكروا عليها أنها أطلقت في موضع التقييد، فظنت أنه لا سكنى للمبنوتة،
سواء كان لها عذر أم لا .
(فإن قيل): إن التعليل بالوحشة إنما جاء في رواية ابن أبي الزناد عن عائشة، وهو ضعيف كما قال ابن
حزم.
(أجبت): بأنه تعقبه الحافظ ابن حجر، بأنه ليس متفقاً على ضعفه بل هو مختلف فيه، وأن من طعن فيه
لم يذكر ما يدل على تركه، وقد جزم يحيى بن معين؛ بأنه أثبت الناس في هشام بن عروة، وهذا الأثر
إنما هو من رواية عن هشام؛ ولذا أخرجه البخاري في صحيحه وإن كان من قبيل التعليق.
(فإن قيل:) إن النبي ◌َّليل علل عدم السكنى والنفقة بالبينونة؛ حيث قال: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا
كان لزوجها عليها الرجعة».
=

٤٧٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
(أجبت): بأن هذا أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعاً، لكنه في أكثر
=
الروايات موقوف عليها، وقد بيّن الخطيب في المدرج أن مجالد بن سعيد تفرد برفعه وهو ضعيف، ومن
أدخله في رواية غير مجالد عن الشعبي فقد أدرجه.
واستدل المالكية والشافعية، ومن وافقهم على وجوب السكنى للبائن الحائل دون النفقة بالمنقول
والمعقول.
أ - أما المنقول، فقوله جل شأنه: ﴿أسكونهن، ... ) الآية وجه الدلالة: أن الضمائر في هذه الآية راجعة
إلى النساء المطلقات فهي عامة شاملة للرجعيات والبوائن، فالأمر بالأسكان عام لهما، سواء أكن حوامل
أو حوائل، والأمر بالإنفاق عند الحمل عام لهما أيضاً، وفيه تعليق الحكم - وهو وجوب الإنفاق - بالشرط
- وهو كونهن حوامل - وهو يقتضي التعليل، فيفيد أنه إذا انتفى الشرط - وهو الحمل - انتفى الحكم
- وهو وجوب الإنفاق ..
لكن سن عن ذلك في الرجعية الإجماع على وجوب النفقة لها عند عدم الحمل، لأنها زوجة ترث،
وتورث، ويلحقها الطلاق، ويجوز للرجل في كل لحظة أن يراجعها فيستمتع بها، فصار النفي خاصاً
بالبائن (وأورد على ذلك من قبل المانعين للسكنى) أن الآية خاصة بالرجعيات، بل السورة كلها من أولها.
(وأورد من قبل الموجبين للنفقة) أن قوله: ﴿من وجدكم﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ﴿وانفقوا عليهن)
وأيضاً قوله: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ - لا يدل على عدم الإنفاق عند عدم الحمل إلا بطريق مفهوم
المخالفة. ونحن لا نقول به؛ وعلى فرض القول به هو معطل هنا لأنه قد وجبت السكنى المعنى هو بعينه
موجب للنفقة، وهو الاحتباس؛ لصيانة الولد، فلزم القول بوجوبها بمفهوم الموافقة لا المخالفة.
ب - وأما المعقول، فهو أن البائن محتبسة لتحصين الماء، لكن لهذا الماس صفتان.
الأولى - أنه ناشئ عن فعل مقصود شرعاً بخلاف وطء الشبهة.
الثانية - أنه لم يتحقق انعقاد ولد منه، بخلاف الحامل؛ ولهذا وجب إسكانها محافظة على هذا الماء
المقصود الذي لم يتحقق حتى يتحقق فيما بعد اشتغالها به أو خلوها عنه، ولم تجب نفقتها؛ لأنه لا
استمتاع كما في الزوجة، ولا اشتغال بولد محقق؛ كما في البائن الحامل.
٤ - واستدل الهادوية والمؤيدية على ما ذهبوا إليه من وجوب النفقة للبائن الحائل دون السكنى بما يأتي:
أ - دليل وجوب النفقة، قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) قالوا: إن ((المتاع))
بعمومه بشمل النفقة، وقد جعله الله حقاً ثابتاً للمطلقات على أزواجهن، ودعاهم إليه بداعية التقوى، ودفع
الضرر والإيذاء، كما أرشد إليه النهي عن المضارة.
ب - ودليل عدم وجوب السكنى، أن الله تعالى قال في المطلقات: ﴿أسكونهن من حيث سكنتم﴾ والبائن
لا يجوز سكناها حيث يسكن الزوج، فوجب اختصاصها بالرجعية، فلا تجب للبائن سكنى.
(ويرد على ذلك) - أولاً - أن قوله - عز وجل -: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾ إما أن
يراد ((بالمطلقات)) منه العموم، وإما أن يراد خصوص اللاتي لم يفرض لهن، ولم يدخل بهن أزواجهن،
كما في الآية التي سبقتها بعدة آيات، وهي قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن
أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على
المحسنين﴾ فعلى الخصوص تكون مؤكدة لها ببيان أن التمتع من التقوى، لا من الإحسان الزائد الذي قد
يتساهل المرء فيه، وعلى العموم تكون دالة على طلب المتاع لكل المطلقات. وعلى كلا الحالين ليس =

٤٧٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فيها إيجاب لنفقة العدة: لأن قوله تعالى: ﴿متاع﴾ نكرة في سياق، الإثبات غير مقيد إلا بالمعروف، وإذا
=
رجع الأمر إلى المعروف، فهل المعروف للبائن الحائل الإنفاق عليها مدة العدة؟
إن ثبت ذلك صح الاستدلال بالآية عليه، وإلا فالمطلوب أن يعطيها شيئاً من المال يقرر العرف أنه كافٍ
في تخفيف مصابها .
- وثانياً - أن قوله تعالى: ﴿ولا تضاروهن﴾ لا يستوجب النفقة، وقد سبق تقرير ذلك.
- وثالثاً - أن قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ أمر عام للرجعيات والبوائن. وقولهم: إنه يقتضي
الاختلاط، فيختص بالرجعيات غير مسلم؛ فإن الرجعية تحرم الخلوة بها، والنظر إليها كالبائن، فلو صح
ما قالوه، لما صلحت الآية للرجعية، ولا البائن وحينئذ يجب أن يقال: إن معناها (أسكنوهن في بعض
المواضع الصالحة لسكناكم﴾ فيكون في ذلك إشارة إلى إسكانهن في مواضع تليق بالأزواج يساراً
وإعساراً، وليس فيها إشارة إلى أن تسكن في الموضع الذي فيه الزوج بالفعل.
لكن قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ يدل على أنه يجب بقاؤهن في المسكن الذي طلقن فیه،
سواء أكان هو مسكن الزوج، أم مسكن أهلها، أم مسكناً خاصاً بهن، وإلا خير أن لا شبهة فيهما،
والأول يجب على الزوج فيه أن يمتنع من الخلوة والنظر، فإن أمكنه ذلك بدون خروجه فيها، وإلا وجب
عليه أن يخرج هو، ولا يساکنها ولا يداخلها.
(والذي تميل إليه النفس) بالموازنة بين الأدلة الماضية، أن البائن الحائل لها السكنى دون النفقة حتى
تنقضي عدتها، وهذا هو ظاهر القرآن الكريم.
ومن منع السكنى، وجعل سورة الطلاق كلها في الرجعيات فقد أبعد: حيث جعل ما فيها من الأمر
بالتطليق للعدة، وبيان العدد المختلفة، وإيتاء أجرة الرضاع خاصاً بهن مع أن هذه الأحكام عامة
بالإجماع .
(فإن قال:) أجعل الآيات عامة، وأخصص الأسكان بالرجعيات لحديث فاطمة بنت قيس، ولا أعبأ بما
قیل فيه.
(قلنا له:) إنما يكون هذا لو كان القائلون من غير الصحابة، أما الصحابة الذين ليس من عادتهم رد خبر
المرأة، ولا تحقير رأيهما، فلا بد أن يكون لإنكارهم باعث قوي من توقيف نبوي، وليس هذا تكذيباً
لها، ولكن هو تخطئة لفهمها، حيث أطلقت في موضع التقييد فالصواب وجوب الإسكان، وحرمة
الخروج إلا لعذر، كالوحشة.
(ومن أوجب النفقة لها مع السكنى) فقد زاد على النص بحيث أصبح في غاية القصور، وإلا فكيف تكون
السكنى والنفقة واجبتين للمعتدات مطلقاً حوائل وحوامل، ثم يقول الله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ و﴿إن كن
أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾؟
ألم يكن الظاهر حينئذ أن يقول: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وأنفقوا عليهن حتى يبلغن
أجلهن﴾ .
(ومن أوجب النفقة دون السكنى) فأمره أعجب، حيث خص السكنى بالرجعيات زاعماً أنها تدعو
للاختلاط، وكيف يُحظر الاختلاط بالبائن ويباح للرجعية؟ وما أثر الطلاق حينئذ؟ وكان الأجدر به أن
يفهم الآية على وجه لا يرحب الاختلاط.
(فتلخص) أن القول بوجوب السكنى دون النفقة أرجح دليلاً وأقوم قيلا.
=

٤٧٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقال الشافعي: لها السكنى ولا نفقة لها، وقال ابن أبي ليلى: لا نفقة لها ولا سكنى،
واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاَتْ حَمْلٍ فَأَنْفِقُو عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ خص الحامل
بالأمر بالإنفاق عليها، فلو وجب الإنفاق على غير الحامل - لبطل التخصيص.
وروي عن فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْس؛ أَنَّهَا قَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاَثْ، فَلَمْ يَجْعَلْ لِي النَّبِيُّ ◌َِهُ
نَفَقَةٌ وَلاَ سُكْنَى (١)؛ ولأن النفقة تجب بالملك، وقد زال الملك بالثلاث البائن، إلا أن الشافعي
يقول: عرفت وجوب السكنى في الحامل بالنص، بخلاف البائن.
ولنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وِجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي قراءة
عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم؛
ولا اختلاف بين القراءتين، لكن إحداهما تفسير الأخرى؛ كقوله - عز وجلّ - ﴿وَالسَّارِقُ
(ولا يتنافى مع العقل أيضاً) فإن من المتيسر أن يقال: إن الاحتباس للاستمتاع المقصود شرعاً؛ كما في
=
الزوجة، والرجعية يوجب السكنى والنفقة ... والاحتباس لصيانة الماء المقصود الذي تحقن اشتغال
الرحم به؛ كما في البائن الحامل يوجبها أيضاً، فإن اشتغال الرحم بالماء ليس أقل شأناً من اشتغاله
بالاستعداد للاستمتاع.
والاحتباس لصيانة الماء المقصود الذي لم يتحقق اشتغال الرحم به؛ كما في الحائل البائن يوجب السكنى
على الزوج؛ لما فيها من مصلحته؛ فإنه لو لم يسكنها، فربما ظهر بها حمل فساء بها ظنه، ونفى الولد
وهو ابنه، ولا يوجب النفقة؛ لأنه ليس احتباساً متمحضاً لحق الزوج ولا ملحقاً به؛ لعدم تحقق اشتغال
الرحم بالحمل.
والاحتباس لصيانة الماء الذي لم يقصد شرعاً، لا يوجب شيئاً أصلاً؛ وذلك كالاحتباس بوطء الشبهة، أو
النكاح الفاسد. سواء أظهر حمل أم لا؛ فإن الاحتباس، وإن كان مقصود الصيانة الماء المحترم؛ لكونه
ليس من قبيل الزنا، لكنه ليس ناشئاً عن أمرٍ مقصود بل عن غلطة، واعتقاد فاسد.
وبهذا ظهر الفرق، وبه يجاب عن قول ابن القيم: ((إن النص والقياس يدفعان القول بوجوب السكنى دون
النفقة))، وقول ابن رشد: ((إن التفريق بين إيجاب النفقة والسكنى عسير)).
ينظر نص كلام محمد سالم في النفقات.
(١) أخرجه مسلم (١١١٧/٢) كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها حديث (١٤٨٠/٤٢) وأحمد (٦/
٤١١ - ٤١٢) وأبو داود (٧١٥/٢) كتاب الطلاق: باب في نفقة المبتوتة حديث (٢٢٨٨) والترمذي (٢/
٣٢٥) كتاب الطلاق: باب ما جاء في المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة رقم (١١١٩) والنسائي (٦/
٢١٠) كتاب الطلاق: باب نفقة الحامل المبتوتة وابن ماجه (٦٥٦/١) كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً
هل لها سكنى ونفقة حديث (٢٠٣٥، ٢٠٣٦) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٧٦١) والطحاوي في
((شرح معاني الآثار (٦٤/٣) كتاب الطلاق، وابن حبان (٤٢٤٠ - الإحسان) والدارقطني (٤ / ٢٢ - ٢٥)
كتاب الطلاق والبيهقي (٧/ ٤٧٢- ٤٧٤) كتاب النفقات: باب المبتوتة لا نفقة لها إلا أن تكون حاصلاً،
من حديث فاطمة بنت قيس وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٤٧٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقراءة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أيمانهما،
وليس ذلك اختلاف القراءة، بل قراءته تفسير القراءة الظاهرة؛ كذا هذا؛ ولأن الأمر بالإسكان
أمر بالإنفاق؛ لأنها إذا كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج لا تقدر(١) على اكتساب النفقة، فلو
لم تكن نفقتها على الزوج ولا مال لها - لهلكت، أو ضاق الأمر عليها وعسر، وهذا لا يجوز.
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْقِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا أَتَاهُ الله﴾ [الطلاق: ٧]،
من غير فصل بين ما قبل الطلاق وبعده في العدة؛ ولأن النفقة إنما وجبت قبل الطلاق؛ لكونها
محبوسة عن الخروج والبروز لحق الزوج، وقد بقي ذلك الاحتباس بعد الطلاق في حالة
العدة، وتأبد بانضمام حق الشرع إليه؛ لأن الحبس قبل الطلاق كان حقاً للزوج على الخلوص،
وبعد الطلاق تعلق به حتى الشرع، حتى لا يباح لها الخروج، وإن أذن الزوج لها بالخروج -
فلما وجبت به النفقة قبل التأكد؛ فلأن تجب بعد التأكد أولى.
وأما الآية ففيها أمر بالإنفاق على الحامل، وأنه لا ينفي وجوب الإنفاق على غير
الحامل؛ ولا يوجبه أيضاً؛ فيكون مسكوناً موقوفاً على قيام الدليل، وقد قام دليل الوجوب،
وهو ما ذكرنا.
وأما حديث فاطمة بنت قيس: فقد رده عمر - رضي الله تعالى عنه - فإنه «رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا
رَوَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَىْ وَلاَ نَفَقَةَ، قَالَ عُمَرُ : - رضي الله تعالى عنه - لاَ
نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَلاَ سُنَّةَ نَبِيْنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَ نَذْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ))، وفي الروايات قال: ((لاَ
نَدَعُ كِتَابَ رَبَّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا وَنَأْخُذَ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَعَلَّهَا نَسِيَتْ أَوْ شُبِهَ لَهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيُّ
يَقُولُ لَهَا: ((السُّكْنَى وَالنَفَقَةُ»(٢) .
وقول عمر - رضي الله تعالى عنه - «لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا» ۔ یحتمل أنه أراد به قوله - عز
وجل -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وَأَنْفِقُوا عَلَّيْهِنَّ مِنْ وِجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، كما هو قراءة
ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ويكون هذا قراءة عمر أيضاً، ويحتمل أنه أراد قوله - عز
وجل -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله﴾ [الطلاق: ٧]، مطلقاً،
ويحتمل أنه أراد بقوله: لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا فِي السُّكْنَی خاصة، وهو قوله - عز وجل -:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وِجْدِكُمْ﴾؛ كما هو القراءة الظاهرة، وأراد بقوله - رضي الله
تعالى عنه - ((سُنَّةَ نَبِيِّنَا)) ما روي عنه - رضي الله تعالى عنه -؛ أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: ((لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى)).
(١) في أ: لا تقوى.
(٢) ينظر: الحديث السابق.

٤٧٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ويحتمل أن يكون عند عمر - رضي الله تعالى عنه - في هذا تلاوة رفعت عينها وبقي
حكمها، فأراد بقوله: لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا تلك الآية؛ كما روي عنه؛ أنه قال في باب الزنا: كُنَّا
نَثْلُوا فِي سُورَةِ الأَخْزَابِ: ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَّيَا فَارْجُمُوهُمَا﴾ نَكَالاً مِنَ الله والله عَزِيزٌ
حَكِيمٌ، ثُمَّ رُفِعَت، التّلاَّوَةُ وَبَقِيَ حُكْمُهَا، كذا هُهنا.
وَرُوِيَ أَنَّ زَوْجَهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ كَانَ إِذَا سَمِعَهَا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ حَصَبَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ .
وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت لها: ((لَقَدْ فَتَنْتِ النَّاسَ بِهَذَا
١١٠ ب الْحَدِيثِ))، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب/ طعنا فيه، ثم قد قيل
في تأويله: إنها كانت تبذر على أحماتها (١)، أي: تفحش عليهم باللسان من قولهم: بذوت
على فلان، أي: فحشت عليه، أي: كانت تطيل لسانها عليهم بالفحش، فَنَقَّلَّهَا رَسُولُ اللهِ وَه
إِلَى [بِنْتِ](٢) ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَّةً وَلاَ سُكْنَى؛ لأنها صارت كالناشزة؛ إذ كان
سبب الخروج منها؛ وهكذاً نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها، أو كان منها سبب
أوجب الخروج؛ أنها لا تستحق النفقة (٣) ما دامت في بيت غير الزوج، وقيل: إن زوجها كان
غائباً، فلم يقض لها بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته؛ إذ لا يجوز القضاء على الغائب، من
غير أن یکون عنه خصم حاضر.
فإن قيل: روي أن زوجها [كان قد](٤) خرج إلى الشام، وقد كان وكل أخاه - فالجواب
أنه إنما وكله بطلاقها، ولم يوكله بالخصومة .
وقولهما: إن النفقة تجب لها بمقابلة الملك - ممنوع؛ فإن للملك ضماناً آخر، وهو
المهر على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وإنما تجب بالاحتباس، وقد بقي بعد الطلاق الثلاث
والبائن فتبقى النفقة، وسواء كانت المعتدة عن طلاق كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية؛ لأن ما
ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل، ولا نفقة ولا سكنى للأمة المعتدة عن طلاق إذا لم يبوؤها
المولى بيتاً؛ لأنه إذا لم يبوؤها المولى بيتاً - فحق الحبس لم يثبت للزوج.
ألا ترى أن لها أن تخرج، فإن كان المولى قد بوأها بيتاً - فلها السكنى والنفقة؛ لثبوت
حق الحبس للزوج، وكذلك المدبرة وأم الولد إذا طلقهما، وبوؤهما المولى بيتاً أو لم يبوئهما؛
لأن كل واحدة منهما أمة. وكذا المكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة، وإن أعتقت أم
الولد أو مات عنها مولاها - فلا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها غير محبوسة.
(١) في أ: الرجال.
(٣) في أ: القسم.
(٢) سقط في أ.
(٤) سقط في ط .

٤٧٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ألا ترى آن لها أن تخرج، فلا تجب لها النفقة والسكنى؛ كالمعتدة من نكاح فاسد؛ لأن
عدتها كعدة المنكوحة نكاحاً فاسداً، هذا إذا كانت معتدة عن طلاق من نكاح صحيح، فإن
كانت معتدة من نكاح فاسد- فلا سكنى لها ولا نفقة؛ لما ذكرنا أن حال العدة معتبرة بحال
النكاح، ولا سكنى ولا نفقة في النكاح الفاسد، فكذا في العدة منه، هذا إذا كانت معتدة عن
طلاق، فإن كانت معتدة عن فرفة بغير طلاق من نكاح صحيح، فإن كانت الفرقة من قبله - فلها
النفقة والسكنى كيفما كانت الفرقة، وإن كانت من قبلها؛ فإن كانت بسبب ليس بمعصية :
كالأمة إذا أعتقت فاختارت نفسها، وامرأة العنين إذا اختارت الفرقة - فلها السكنى والنفقة، وإن
كانت بسبب هو معصية؛ كالمسلمة قبلت ابن زوجها بشهوة، قالوا: لا نفقة لها ولها السكنى؛
لأن السكنى فيها حق الله تعالى، وهي مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى.
وأما النفقة فتجب حقّاً لها على الخلوص، فإذا وقعت الفرقة من قبلها بغير حق - فقد
أبطلت حق نفسها، بخلاف المعتقة وامرأة العنين؛ لأن الفرقة وقعت من قبلهما بحق؛ فلا
تسقط النفقة .
هذا إذا كانت معتدة عن طلاق أو عن فرقة بغير طلاق؛ فإن كانت معتدة عن وفاة - فلا
سكنى لها ولا نفقة في مال الزوج، سواء كانت حائلاً أو حاملاً؛ فإن النفقة في باب النكاح لا
تجب بعقد النكاح دفعة واحدة كالمهر، وإنما تجب شيئاً فشيئاً على حسب مرور الزمان، فإذا
مات الزوج انتقل ملك أمواله إلى الورثة، فلا يجوز(١) أن تجب النفقة والسكنى في مال
الورثة، وسواء كانت حرة أو أمة، وكبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية؛ لأن الحرة المسلمة
الكبيرة لما لم تستحق النفقة والسكنى في عدة الوفاة - فهؤلاء أولى، وكذا المعتدة من نكاح
فاسد في الوفاة - لا سكنى لها ولا نفقة؛ لأنهما لا يستحقان النكاح الصحيح في هذه العدة؛
فبالنكاح الفاسد أولى، والله أعلم.
ومنها ثبوت النسب إذا جاءت بولد، والكلام في هذا الموضع(٢) في موضعين في
الأصل :
أحدهما: في بيان ما يثبت فيه نسب ولد المعتدة من المدة.
والثاني: في بيان ما يثبت به نسبه من الحجة، أي: يظهر به.
أما الأول فالأصل فيه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لقوله - عز وجل: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ
(١) في أ: يجب.
(٢) في أ: الحكم.

٤٨٠
كِتَابُ الطَّلاقِ
ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، جعل الله تعالى ثلاثين شهراً مدة الحمل والفصال جميعاً، ثم
جعل سبحانه الفصال وهو الفطام في عامين بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن﴾، فيبقى للحمل ستة
أشهر، وهذا الاستدلال منقول عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فإنه رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً
تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ عُثْمَانُ - رَضِيَ الله عَنْهُ - بِرَجْمِهَا؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -
رَضِيَ الله عَنْهُمُا: أمَّا أَنَّهُ لَوْ خَاصَمْتُكُمْ بِكِتَابِ الله لَخَصَمْتُكُمْ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ
١١١أ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾(١). أشار إلى ما ذكرنا/،
فدل أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأكثرها سنتان عندنا، وعند الشافعي: أربع سنين، وهو
محجوج بحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أنها قَالَتْ ((لاَ يَبْقَى الْوَلَدُ فِي رَحِمٍ أُمِّهِ أَكْثَرَ
مِنْ سَنَتَيْنٍ ولو بفلكة مغزل(٢)، والظاهر أنها قالت ذلك سماعاً من رسولَ الله وَلّر؛ لأن هذا
باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد، ولا يظن بها أنها قالت ذلك جزافاً وتخميناً فتعين السماع.
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٩/٦) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٢) واختلف العلماء في أكثر الحمل؛ فروى ابن جُرَيج عن جَمِيلة بنت سعد عن عائشة قالت: يكون الحمل
أكثر من سنتين قدر ما يتحوّل ظِل المِغزَل؛ ذكره الدَّارَقُطْنِي. وقالت جَميلة بنت سعد - أخت عبيد بن
سعد، وعن الليث بن سعد - إن أكثره ثلاث سنين. وعن الشافعي أربع سنين؛ وروي عن مالك في
إحدى روايتيه، والمشهور عنه خمس سنين؛ وروي عنه لا حدّ له، ولو زاد على العشرة الأعوام؛ وهي
الرواية الثالثة عنه. وعن الزهري ست وسبع. قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛
والشافعي: مُدَّةٌ الغاية منها أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ومحمد بن عبد الحكم يقول:
سنة لا أكثر. وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها. قال أبو عمر: وهذه مسألة لا
أصل لها إلا الاجتهاد، والردّ إلى ما عُرف من أمر النّساء وبالله التوفيق. رَوى الدَّارَقُطْنِيّ عن الوليد بن
مسلم قال: قلت لمالك بن أنس إني حدّثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين
قَدْرَ ظِلّ المِغْزَل، فقال: سبحان الله! مَن يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، تحمل وتضع
في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق؛ حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل
بطن أربع سنين. وذكره عن المبارك ابنُ مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل
وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل. وروي أيضاً قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ
جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب
مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إِلاَّ أَنَّا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: اللهم هذه
المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاماً، فإنك
تَمحُو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمّ الكتاب، ورفع مالك يده، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى
الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على
رقبته غلام جَعْد قَطَّطْ، ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قُطِعَت سراره؛ ورُوي أيضاً أن رجلاً جاء
إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى؛ فشاور عمر
الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في =