Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
المولى؛ لأن العدة إنما تجب عليها بموت المولى لزوال الفراش، فإذا كانت تحت زوج، أو
في عدة من زوج - لم تكن فراشاً له؛ لقيام فراش الزوج، فلا تجب عليها العدة، فإن أعتقها
المولى، ثم طلقها الزوج - فعليها عدة الحرائر؛ لأن إعتاق المولى صادفها، وهي فراش
الزوج؛ فلا يوجب عليها العدة، وطلاق الزوج صادفها/ وهي حرة - فعليها عدة الحرائر.
١١٠٦
ولو طلقها الزوج أولاً، ثم أعتقها المولى؛ فإن كان الطلاق رجعياً تتغير عدتها إلى عدة
الحرائر، وإن كان بائناً لا تتغير؛ لما ذكرنا فيما تقدم؛ فإن انقضت عدتها، ثم مات المولى -
فعليها بموت المولى ثلاث حيض؛ لأنها لما انقضت عدتها من الزوج، فقد عاد فراش المولى،
ثم زال بالموت فتجب العدة لزوال الفراش؛ كما إذا مات، قبل أن يزوجها، فإن مات المولى
والزوج، فالأمر لا يخلو؛ إما أن علم أيهما مات أو لا، وإما ألا يعلم، وكل ذلك لا يخلو؛
إما أن علم كم بين موتهما، وإما أن لم يعلم، فإن علم أن الزوج مات أولاً، وعلم أن بين
موتيهما أكثر من شهرين وخمسة أيام، فعليها شهران وخمسة أيام مدة عدة الأمة في وفاة
الزوج، فإذا مات المولى فعليها ثلاث حيض؛ لأنه مات بعد انقضاء عدتها من الوفاة - فعليها
العدة من المولى، وذلك ثلاث حيض، وإن كان بين موتيهما أقل من شهرين وخمسة أيام،
فكذلك عليها شهران وخمسة أيام مدة عدة وفاة الزوج، فإذا مات المولى لا شيء عليها بموته؛
لأنه مات وهي في عدة الزوج.
وإن علم أن المولى مات أولاً - فلا عدة عليها من المولى؛ لأنها تحت زوج، فلم تكن
فراشاً للمولى، فإذا مات الزوج فعليها أربعة أشهر وعشر عدة الوفاة من الزوج؛ لأنها أعتقت
بموت المولى، وعدة الحرة في الوفاة أربعة أشهر وعشر، وإن لم يعلم أيهما مات أولاً، فإن
علم أن بين موتيهما أكثر من شهرين وخمسة أيام - فعليها أربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث
حيض، وتفسيره أنها إذا لم تر ثلاث حيض في هذه الأربعة الأشهر والعشر - تستكمل بعد
ذلك؛ لأنه إن مات الزوج أولاً فقد وجب عليها شهران وخمسة أيام؛ لأنها أمة، وعدة الأمة
من زوجها المتوفى هذا القدر، ثم مات المولى بعد انقضاء عدتها، فوجب عليها ثلاث حيض
عدة المولى.
وإن مات المولى أولاً فقد عتقت بموته، ولا عدة عليها منه؛ لأنها ليست فراشاً له،
وعدة أم الولد من مولاها تجب بزوال الفراش، فلما مات الزوج بعد موت المولى فقد مات
الزوج وهي حرة، فوجب عليها عدة الحرائر في الوفاة وهي أربعة أشهر وعشر؛ فإذا في حال
يجب عليها شهران وخمسة أيام وثلاث حيض، وفي حال يجب أربعة أشهر وعشر، والشهران
يدخلان في الشهور، فيجب عليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض على التفسير الذي ذكرنا
احتياطاً، وإن علم أنه بين موتيهما أقل من شهرين وخمسة أيام - فعليها أربعة أشهر وعشر في

٤٤٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
قولهم جميعاً؛ لأنه لا حال ههنا لوجوب الحيض، لأنه إن مات المولى أولاً - لم يجب بموته
شيء؛ لأنها تحت زوج، فإذا مات وجب عليها أربعة أشهر وعشر؛ لأنها عتقت بموت
المولى، وعدة الحرة في الوفاة أربعة أشهر وعشر.
وإن مات الزوج أولاً وجب عليها شهران وخمسة أيام؛ لأنها أمة، فإذا مات المولى بعده
لا يجب عليها شيء بموته؛ لأنه مات وهي في عدة الزوج، فلم تكن فراشاً له، فإذا في حال
يجب عليها أربعة أشهر وعشر فقط، وفي حال شهران وخمسة أيام فقط، فأوجبنا الاعتداد بأكثر
المدتين احتياطاً، فإذا لم يعلم أيهما مات أولاً، ولم يعلم أيضاً كم بين موتيهما - فقد اختلف
فيه، قال أبو حنيفة: عليها أربعة أشهر وعشر لا حيض فيها، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها
أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض.
وجه قولهما: أنه يحتمل أن الزوج مات أولاً، وانقضت العدة، ثم مات المولى بعد
انقضاء العدة؛ فيجب عليها ثلاث حيض، ويحتمل أن يكون المولى مات أولاً، فعتقت بموته،
ثم مات الزوج؛ فيجب أربعة أشهر وعشر، فيراعى(١) فيه الاحتياط، فيجمع بين الأربعة الأشهر
والعشر والحيض.
ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وهذا تقدير لعدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر، فلا يجوز الزيادة عليه
إلا بدليل؛ ولأن الأصل في كل أمرين حادثين لم يعلم تاريخ ما بينهما أن يحكم بوقوعهما
معاً؛ كالغرقى، والحرقى، والهدمى، وإذا حكم بموت الزوج مع موت المولى - فقد وجبت
عليها العدة وهي حرة، فكانت عدة الحرائر؛ فلم يكن لإيجاب الحيض حال، فلا يمكن
إيجابها، والله - عز وجل - أعلم.
وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف: إذا تزوج أم الولد بغير إذن مولاها، ودخل بها
الزوج، ثم مات الزوج والمولى، ولا يعلم أيهما مات أولاً، ولا كم بين موتيهما - فعليها
١٠٦ ب حيضتان في قياس قول أبي حنيفة؛ لأنه يحكم بموتهما معاً، وفي قول/ أبي يوسف يجب
عليها ثلاث حيض في أربعة أشهر وعشر؛ بناء على أصله في اعتبار الاحتياط؛ لأنه يحتمل أن
يكون المولى مات أو لا، فنفذ النكاح لموته؛ لأنها عتقت، فجاز نكاحها بعتقها، ثم مات
الزوج وهي حرة، فوجب عليها أربعة أشهر وعشر، ويحتمل أنه مات الزوج أولاً، وانقضت
عدتها، ثم مات المولى بعد انقضاء العدة - فعليها عدة المولى ثلاث حيض، فوجب عليها
أربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حيض احتياطاً.
(١) في أ: فيجب.

٤٤٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن علم أن بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين - فعليها أربعة أشهر وعشر فيها
حيضتان؛ لأن عدة المولى قد سقطت، سواء مات أولاً أو آخراً، إذا كان بين موتيهما ما لا
تحيض فيه حيضتين، ووقع التردد في عدة الزوج؛ لأنه إن مات المولى أو لا فعتقت نفذ
نكاحها بعتقها فوجب عليها عدة الحرائر بالوفاة، وإن مات الزوج أولاً - وجب عليها حيضتان،
فيجمع بينهما احتياطاً .
ولو حاضت حيضتين بين موتيهما - فعليها أربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حيض؛ لأنه إن
مات المولى أولاً، فعتقت فنفذ نكاحها، فلما مات الزوج - وجب عليها عدة الشهور؛ وإن
مات الزوج أولاً، ثم مات المولى بعد انقضاء العدة - فيجب عليها ثلاث حيض، فيجمع بين
الشهور والحيض احتياطاً .
ولو اشترى الرجل زوجته، وله منها ولد فأعتقها - فعليها ثلاث حيض: حيضتان من
النكاح تجتنب فيهما ما تجتنب المنكوحة، وحيضة من العتق لا تجتنب فيها؛ لأنه لما اشتراها
فقد فسد نكاحها، ووجبت عليها العدة، فصارت معتدة في حق غيره، وإن لم تكن معتدة في
حقه؛ بدليل أنه لا يجوز له أن يزوجها، فإذا أعتقها صارت معتدة في حقه وفي حق غيره؛ لأن
المانع من كونها معتدة في حقه هو إباحة وطئها، وقد زال ذلك بزوال ملك اليمين، فزال
المانع، فظهر حكم العدة في حقه أيضاً، فيجب عليها حيضتان من فساد النكاح، وهما معتبران
من الإعتاق أيضاً، وعدة النكاح يجب فيها الإحداد.
وأما الحيضة الثالثة؛ فإنما تجب من العتق خاصة، وعدة العتق لا إحداد فيها، فإن كان
طلقها قبل أن يشتريها تطليقة واحدة بائنة؛ ثم اشتراها - حل له وطؤها، وكان لها أن تتزين؛
لأن ملك اليمين سبب لحل الوطء في الأصل، إلا لمانع(١) وماؤه لا يصلح مانعاً لوطئه، فصار
كما لو جدد النكاح، فإذا حل له وطؤها سقط عنها الإحداد، فإن حاضت ثلاث حيض قبل
العتق، ثم أعتقها - فلا عدة عليها من النكاح، وتعتد في العتق ثلاث حيض؛ لأنها وإن لم تكن
معتدة في حقه بعد الشراء - فهي معتدة في حق غيره؛ بدليل أنه لا يجوز له أن يتزوجها، فإذا
مضت الحيض بعد وجوب العدة فوجه من الوجوه تعتد بها، فإذا أعتقها وجب عليها بالعتق
عدة أُخرى، وهي عدة أم الولد ثلاث حيض، وإذا اشترى المكاتب زوجته، ثم مات وترك -،
فأدت المكاتبة - فسد النكاح قبل الموت بلا فصل، ووجبت عليها العدة من فساد النكاح
حیضتان، إذا کانت لم تلد منه وقد دخل بها.
أما فساد النكاح قبل موته بلا فصل؛ فلأن المكاتب إذا مات وترك وفاء، فأدى - يحكم
بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وإذا أعتق ملكها الآن ففسد نكاحها.
(١) في ط: لا مانع.

٤٤٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما وجوب العدة عليها حيضتان؛ فلأنها بانت وهي أمة، فإن كانت ولدت - فعليها تمام
ثلاث حيض؛ لأنها أم ولد، فيجب عليها حيضتان بالنكاح والعتق، وحيضة بالعتق خاصة، فإن
لم يترك وفاء، ولم تلد منه - فعليها شهران وخمسة أيام، دخل بها أو لم يدخل بها، إذا لم
تكن ولدت منه؛ لأنه لما مات عاجزاً لم يفسد نكاحها؛ لأنه مات عهداً، فلم يملكها فمات عن
منكوحته - وهي زوجته - أمة؛ فيجب عليها شهران وخمسة أيام عدة الأمة في الوفاة، ويستوي
فيه الدخول وعدم الدخول؛ لأن العدة عدة الوفاة، فإن كانت ولدت منه سعت وسعى ولدها
على نجومه، فإن عجزا فعدتها شهران وخمسة أيام لما بينا، فإن أديا عتقاً وعتق المكاتب، فإن
كان الأداء في العدة - فعليها ثلاث حيض مستأنفة من يوم عتقاً، يستكمل فيها شهرين وخمسة
أيام من يوم مات المكاتب؛ لأن الأصل أن المكاتب إذا ترك ولداً، ولم يترك وفاء، فاكتسب
الولد وأدى - يحكم بعتق المكاتب في الحال، ويستند إلى ما قبل الموت من طريق الحكم؛
لأنه إذا لم يترك (١) وفاء، فقد مات عاجزاً في الظاهر، فلم يحكم بعتقه قبل موته مع العجز،
وإنما يحكم عند الأداء، فيحكم بعتقه للحال، ثم يستند فيعتق بعتقه، ويجب عليها الحيض بعد
١٠٧أ العتق، بخلاف ما إذا ترك وفاء/؛ لأنه إذا كان له مال فالدين، وهو بدل الكتابة ينتقل من ذمته
إلى المال، فيمنع ظهور العجز، فإذا أدى يحكم بسقوط الدين الكتابة عنه، وسلامته للمولى في
آخر جزء من أجزاء حياته، فيعتق في ذلك الوقت.
وعند زفر في الفصلين جميعاً: يحكم بعتقه قبل الموت، ويجعل الولد إذا أدى كالكسب
إذا أدى عنه، والمسألة تعرف في موضع آخر، فإن أديا فعتقاً بعدما انقضت العدة بالشهرين
وخمسة أيام - فعليها ثلاث حيض مستقبلة؛ لأن عدة الوفاة لما انقضت تجدد وجوب عدة
أُخرى بالعتق؛ فكان عليها أن تعتد بها .
وذكر ابن سماعة في ((نوادره)) عن محمد : - رحمه الله - إذا اشترى المكاتب امرأته، وولده
منها ومات ترك وفاء من ديون له أو مال - فعدتها ثلاث حيض في شهرين وخمسة أيام؛ لأني لا أعلم
يؤدي المال، فيحكم بعتقه، أو يتوفى فيحكم بعجزه؛ فوجب الجمع بين العدتين .
ولو تزوج المكاتب بنت مولاه، ثم مات المولى ومات المكاتب، وترك وفاء - فعليها
أربعة أشهر وعشر، دخل بها أو لم بدخل بها؛ لأن النكاح عندنا لا يفسد بموت المولى، فإذا
مات المكاتب عن منكوحته الحرة - وجبت عليها عدة الحرائر، وإن لم يترك وفاء - فعليها
ثلاث حيض إن كان قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها؛ لأنه مات عاجزاً،
فملكته قبل موته، وانفسخ النكاح، ووجبت عليها العدة بالفرقة في حال الحياة إن كان دخل
بها، وإلا فلا.
(١) في أ: إذا ترك.

٤٤٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فضلْ في أحكام العدة
وأما أحكام العدة: فمنها أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة(١) لقوله تعالى: ﴿وَلاَ
(١) المعتدة سواء أكانت معتدة من موت أو من طلاق - يحرم على غير المطلق لها أن يخطبها بصريح القول
في زمن العدة؛ كما تحرم المواعدة بالزواج بعد العدة في زمن العدة.
وأما المطلق لها فلا يخلو الحال من أن تكون المرأة مطلقة ثلاثاً أو أقل من ذلك؛ فإن كانت مطلقة ثلاثاً.
فلا يجوز له نكاحها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، ويطلقها وتنقضي عدتها. فإن عقد عليها قبل ذلك
- فالنكاح باطل؛ كما لا يجوز له الخطبة إلا بعد الخروج من عدة الزوج الثاني. وإن كانت المرأة مطلقة
بما دون الثلاث - فله أن يتزوجها في العدة؛ لأن العدة حقه.
وكما يحرم خطبة المعتدة كذلك يحرم خطبة المستبرأة من زنا أو غصب بصريح اللفظ، وكذلك المواعدة
من الجانبين تحرم.
هذا كله في الخطبة والمواعدة. وأما التعريض والكناية فقد أباحهما الشارع في العدة قال الله تعالى: ﴿ولا
جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ... ﴾ (الآية) - ومما يدل على إباحة
التعريض في العدة أيضاً ما روي أن النبي - وَّلهو - دخل على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: لقد
علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومه.
فإذا عقد الرجل على المعتدة في زمن عدتها، فقد اتفق الفقهاء على القول بفساد النكاح، لقوله - سبحانه
وتعالى -: ((ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)) فقد تضمنت الآية الكريمة المنع من النكاح،
حتى يبلغ الكتاب أجله. والمراد ببلوغ الكتاب أجله: فقضاء عدتها - وقد اختلف الفقهاء بعد اتفاقهم على
فساد النكاح في العدة هو إذا عقد عليها في العدة تحرم عليه حرمة مؤيدة أولاً .
وحاصل ذلك؛ أن من عقد في العدة؛ إما أن يدخل بها قبل الفسخ أو لا، فإن دخل بها قبل الفسخ.
فقد ذهب المالكية والأوزاعي والليث بن سعد إلى القول بأنه يتأبد عليه تحريمها فلا تحل له أبداً.
وذهب الحنفية، والشافعية والثوري إلى القول بأنه يفرق بينهما، وإذا انقضت عدتها - فله أن يتزوجها، ولا
يتأید علیه تحريمها بذلك.
استدل المالكية ومن معهم. بما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار؛ أن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فرق بين طليحة الأسدية وزوجها رائد الثقفي لما تزوجها في العدة من
زوج ثاني، وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها - فرق بينهما،
ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب. وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم
اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً» قال سعيد: ولها مهرها بما
استحل منها .
ووجه الدلالة من هذا الأثر أن عمر بن الخطاب حكم بأنهما لا يجتمعان أبداً إذا دخل بها، وقد كانت
قضاياه وأحكامه تنقل وتنشر في الأمصار، ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع وقد نوقش هذا الدليل بأن
عمر - رضي الله عنه - يحتمل أن يكون حكم بالفرق بينهما زجراً لهما، ومعاملة لهما بنقيض مقصودهما؛
وذلك أخذا بالمصالح المرسلة .
والقول بأن ذلك صار إجماعاً لا يستقيم مع مخالفة علي وعبد الله بن مسعود له. على أنه قد جاء في
بعض الروايات: أن عمر كان قضى بتحريمها، وكون المهر في بيت المال. فلما بلغ ذلك علياً =

٤٤٦
كِتَابُ الطَّلاقِ
تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، قيل: أي لا تعزموا على عقدة
النكاح، وقيل: أي: لا تعقدوا عقد النكاح حتى ينقضي ما كتب الله عليها من العدة؛ ولأن
النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه، وبعد الثلاث والبائن قائم من وجه حال قيام
العدة لقيام بعض الآثار، والثابت من وجه؛ كالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطاً .
ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها؛ لأن النهي عن التزوج للأجانب لا للأزواج؛ لأن
عدة الطلاق إنما لزمتها حقاً للزوج؛ لكونها باقية على حكم نكاحه من وجه، فإنما يظهر في
حق التحريم على الأجنبي لا على الزوج؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه، ومنها: أنه لا يجوز
للأجنبي خطبة المعتدة صريحاً، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها. أما المطلقة طلاقاً
رجعياً؛ فلأنها زوجة المطلق لقيام ملك النكاح من كل وجه، فلا يجوز خطبتها؛ كما لا تجوز
قبل الطلاق .
وأما المطلقة ثلاثاً، أو بائناً، والمتوفى عنها زوجها؛ فلأن النكاح حال قيام العدة قائد من
كل وجه لقيام بعض آثاره؛ كالثابت من كل وجه في باب الحرمة؛ ولأن التصريح بالخطبة حال
قيام النكاح من وجه وقوف موقف التهمة رتع حول الحمى، وقد قال النبي وَّرَ: (مَنْ كَانَ
- رضي الله عنه - أنكره فرجع عن ذلك عمر، وجعل الصداق على الزوج، ولم يقض بتحريمها عليه رواه
=
الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق.
وأما الحنفية ومن معهم فقد استدلوا بالأثر المعقول.
أما الأثر: فما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إذا انقضت عدتها تزوجت الآخر إن شاء، وقد
روي مثله عن ابن مسعود. وهو صريح في عدم التأبيد.
وأما المعقول فقد قالوا: إن هذا الوطء ممنوع، فلا يتأبد به التحريم؛ كما لو زوجت متعة أو زنت.
وبالنظر في الأدلة يتبين لنا أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية ومن معهم. خصوصاً أنهم تمسكوا بالبراءة
الأصلية، فإن الأصل أن المرأة لا تحرم إلا إذا قام دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل هنا من
كتاب أو سنة أو إجماع ينص على تحريمها، وفعل عمر على فرض عدم صحة الرواية عنه بالرجوع لا
يصح الأخذ به وترك الأصل.
هذا كله فيما إذا حصل دخول أما إذا لم يحصل دخول.
فالجمهور قالوا: إنه مجرد العقد لا يتأيد به التحريم. وأن الزوج بعد العدة يكون خاطباً من الخطاب.
وقال به مالك، وابن القاسم في المدونة، وهناك رواية أخرى عن مالك، بأن التحريم يتأبد بمجرد العقد
في العدة. رواها عنه القاضي أبو محمد. ووجه هذه الرواية أن هذا النكاح وقع في العدة فوجب أن يتأيد
به التحریم كما لو بنى بها.
ولكن يرد هذا القياس بأنه مخالف للأصل. وأيضاً فإنه إذا عقد ولم يدخل؛ فإنه لم يدخل شبهة في
النسب، فلا يتأبد عليه التحريم. فيكون كما لو وعد ولم يعقد. وأيضاً فإن مجرد العقد الفاسد لا يتعلق به
التحريم المؤبد حتى يقارنه الوطء.

٤٤٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَقِفَنَّ مَوَاقِف التُّهَم))، وقال بََّ: ((مَنْ رَكَعَ حَوْلَ الحِمَّى يُوشِكُ أَنْ
يَقَعَ فِيهِ))(١) فلا يجوز التصريح بالخطبة في العدة أصلاً.
وأما التعريض: فلا يجوز أيضاً في عدة الطلاق، ولا بأس به في عدة الوفاة، والفرق
بینهما من وجھین.
(أحدهما): أنه لا يجوز للمعتدة من طلاق الخروج من منزلها أصلاً بالليل ولا بالنهار،
فلا يمكن التعريض على وجه لا يقف عليه الناس، والإظهار بذلك بالحضور إلى بيت زوجها
قبيح .
وأما المتوفى عنها زوجها، فيباح لها الخروج نهاراً، فيمكن التعريض على وجه لا يقف
عليه سواها .
(والثاني): أن تعريض المطلقة اكتساب عداوة، وبغض فيما بينها وبين زوجها، إذ العدة
من حقه؛ بدليل أنه إذا لم يدخل بها لا تجب العدة، ومعنى العداوة لا يتقدر بينها وبين الميت،
ولا بينها وبين ورثته أيضاً؛ لأن العدة في المتوفى عنها زوجها - ليست لحق الزوج؛ بدليل أنها
تجب قبل الدخول بها، فلا يكون التعريض في هذه العدة نسبياً إلى العداوة والبغض بينها وبين
ورثة المتوفى، فلم يكن بها بأس، والأصل في جواز التعريض في عدة الوفاة قوله تعالى:
﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
واختلف أهل التأويل في التعريض أنه ما هو، قال بعضهم: هو أن يقول لها: إنك لجميلة،
وإني فيك لراغب، وإنك لتعجبيني، أو إني لأرجو أن نجتمع، أو ما أجاوزك إلى غيرك، وإنك
(١) أخرجه البخاري (١٢٦/١) كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه حديث (٥٢)، (٤ /٩٢) كتاب
البيوع: باب الحلال بين والحرام بين حديث (٢٠٥١) ومسلم (٣/ ١٢١٩ - ١٢٢٠) كتاب المساقاة: باب
أخذ الحلال وترك الشبهات حديث (١٥٩٩/١٠٧) وأبو داود (٢٦٣/٢) كتاب البيوع: باب في اجتناب
الشبهات حديث (٣٣٢٩) والترمذي (٥١١/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في ترك الشبهات حديث
(١٢٠٥) والنسائي (٧/ ٢٤١ - ٢٤٢) كتاب البيوع: باب اجتناب الشبهات في الكسب حديث (٤٤٥٣)
وابن ماجه (٢ / ١٣١٨ - ١٣١٩) كتاب الفتن: باب الوقوف عند الشبهات حديث (٣٩٨٤) وأحمد (٤/
٢٦٩، ٢٧٠) والدارمي (٢٤٥/٢) كتاب البيوع: باب في الحلال بين والحرام بين، والحميدي (٤٠٨/٢)
رقم (٩١٨) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٥٥) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣٢٤/١) وأبو نعيم
في ((الحلية)» (٤ / ٢٦٩ - ٢٧٠) والسهمي في ((تاريخ جرجان)) ص (٣١٧ - ٣١٨) والبيهقي (٢٦٤/٥)
كتاب البيوع: باب طلب الحلال واجتناب الشبهات، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤/ ٢٠٧ - بتحقيقنا) من
طرق عن الشعبي عن النعمان بن بشير مرفوعاً.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٤٤٨
كِتَابُ الطَّلاقِ
النافعة، وهذا غير سديد، ولا يحل لأحد أن يشافه امرأة أجنبية لا يحل له نكاحها للحال بمثل هذه
الكلمات؛ لأن بعضها صريح في الخطبة، وبعضها صريح في إظهار الرغبة، فلا يجوز شيء من
١٠٧ ب ذلك، وإنما / المرخص هو التعريض، وهو أن يرى من نفسه الرغبة في نكاحها بدلالة في الكلام من
غير تصريح منه(١) إذ التعريض في اللغة هو تضمين الكلام في الدلالة على شيء من غير التصريح به
بالقول، على ما ذكر في الخبر؛ أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله وَّل وهي معتدة،
فقال لها: ((إِذَا انْقَضَتْ غِذَّتُكِ فَاذِنِينِي، فَاذَنْتَهُ فِي رَجُلَيْنٍ كَانَا خَطَبَاهَا، فَقَالَ لَهَا، أَمَا فُلاَنٌ فَإِنَّهُ لا
يَرْفَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا فُلانْ فإِنَّهُ صُغْلُوكٌ لاَ مَالَ لَّهُ، فَهَلْ لكِ في أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ))(٢) فكان
قوله ◌َله: ((آذنيني)) كناية خطاب إلى أن أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى أسامة بن زيد وصرح به.
(١) في ط: به.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٥٨٠ - ٥٨١) كتاب الطلاق - باب ما جاء في نفقة المطلقة حديث (٦٧) ومن طريقه
أحمد (٤١١/٦، ٤١٢) ومسلم (١١١٤/٣) كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاث لا نفقة لها - حديث
(٣٦ / ١٤٨٠) وأبو داود (٢/ ٧١٢ - ٧١٣) كتاب الطلاق - باب في نفقة المبتوتة حديث (٢٢٨٤)
والنسائي (٦/ ٧٥ - ٧٦) كتاب النكاح - باب إذا استشارت المرأة رجلاً فيمن يخطبها هل يخبرها بما
يعلم. والبيهقي (٧/ ١٨٠ - ١٨١) كتاب النكاح - باب من أباح الخطبة على خطبة أخيه.
وابن الجارود رقم (٧٦٠) وابن حبان ( ٤٢٧٦ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٦٥/٣)
وابن سعد في ((الطبقات)) (٨/ ٢١٣- ٢١٤) عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة
ابن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس به.
وأخرجه مسلم (١١١٩/٢) كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها حديث (٤٧/ ١٤٨٠) والترمذي
(٤٤٢/٣) كتاب النكاح: باب ما جاء أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه وابن ماجه (١ / ٦٠١) كتاب
النكاح: باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حديث (١٨٦٩) من طريق وكيع ثنا سفيان عن أبي
بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي قال سمعت فاطمة بنت قيس تقول: قال لي رسول الله وَتليفون: إذا
حللت فآذنيني فآذنته فخطبني معاوية وأبو الجهم بن صخير وأسامة بن زيد فقال رسول الله وَله: أما
معاوية فرجل ترب لا مال له وأما أبو الجهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة بن زيد فقالت بيدها هكذا
أسامة أسامة فقال لها رسول الله ◌َ في طاعة الله وطاعة رسوله خير لك فتزوجته فاغتبطت.
وأخرجه مسلم (١١١٩/٢) من طريق عبد الرحمن عن سفيان به.
وأخرجه مسلم (١١٢٠/٢) كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها حديث (١٤٨٠/٥٠) والترمذي
(٣/ ٤٤١ - ٤٤٢) كتاب النكاح: باب ما جاء لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حديث (١١٣٥) من
طريق شعبة عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: دَخَلْتُ أنَا وَأَبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرُحْمُنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ
قَيْسٍ. فَحَدَّثَتْنَا؛ أَنْ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثلاثاً، وَلَمْ يَجْعَلْ لَها سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةٌ. قَالَتْ: وَوَضَّعَ لِي عَشْرَةً أَقْفِزَةٍ
عِنْدَ ابْنِ عَم لَهُ: خَمْسَةً شَعِيراً وَخَمْسَةً بُرًّا. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ
((صَدَقَ) قَالَتْ: فَأَمَرَّنِي أَنْ أَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمّ شَرِيكٍ. ثمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّةِ ((إِنَّ بَيْتَ أُمُّ شَرِيكٍ بَيْتْ
يَغْشَاهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَلَكِنِ اعتَدْي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ وَلاَ يَرَاكِ. فَإِذَا انْقَضَتْ
عِدَّتُكِ فَجاءَ أحَدٌ يَخْطُبكِ، فَآَذِنِيني)).
=

٤٤٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: التَّعْرِيضُ بِالخِطْبَةِ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أُرِيدُ
أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةٌ مِنْ أمْرِهَا كَذَا وَكَذَا يُعَرِّضُ لَهَا بِالْقَوْلِ، والله عز وجل أعلم.
ومنها: حرمة الخروج من البيت لبعض المعتدات دون بعض، وجملة الكلام في هذا
الحكم أن المعتدة لا يخلو؛ إما أن تكون معتدة من نكاح صحيح، وإما أن تكون معتدة من
نكاح فاسد ولا يخلو؛ إما أن تكون حرة، وإما تكون أمة بالغة أو صغيرة، عاقلة أو مجنونة،
مسلمة أو كتابية، مطلقة أو متوفى عنها زوجها، والحال حال الاختيار أو حال الاضطرار، فإن
كانت معتدة من نكاح صحيح، وهي حرة مطلقة بالغة عاقلة مسلمة، والحال حال الاختيار فإنها
لا تخرج ليلاً ولا نهارًا، سواء كان الطلاق ثلاثاً أو بائناً أو رجعياً.
أما في الطلاق الرجعي، فلقوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ
يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِينَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قيل في تأويل قوله عز وجل: ﴿إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ﴾:
إلا أن تزني، فتخرج لإقامة الحد عليها، وقيل: الفاحشة هي الخروج نفسه، أي: إلا أن
يخرجن، فيكون خروجهن فاحشة، نهى الله تعالى الأزواج عن الإخراج، والمعتدات عن
الخروج.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] والأمر بالإسكان نهى عن
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي، خَطَنِي أَبُو جَهْم وَمُعَاوِيَّةُ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ، فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ ((أمَّا
=
مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لاَ مَالَ لَهُ. وَأَمَّا أَبُو جَهْم فَرَجُلٌ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ».
قَالَتْ، فَخَطَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَزَوَّجَنِي، فَبَارَكَ الله لِي فِي أُسَامَّة.
وقا الترمذي: هذا حديث صحيح وقد رواه سفيان الثوري عن أبي بكر بن أبي الجهم نحو هذا الحديث
أ .هـ
وهو الحديث السالف.
وأخرجه السنائي (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨) كتاب الطلاق: باب الرخصة في خروج المبتوتة من بيتها في عدتها
لسكناها. وأحمد (٤١٤/٦) والحاكم (٥٥/٤) من طريق ابن جريج عن عطاء أخبرني عبد الرحمن بن
عاصم.
أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ؛ أَنَهُ طَلَّقَهَا ثَلاَثَاً، وَخَرَجَ إِلَى بَعْضٍ
الْمَغَازِي، وَأَمَرَ وَكِيْلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا بَعْضَ النَّفَقَةِ، فَتَقَالَّتْهَا، فَانْطَلّقَتْ إلَى بَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ وََّ فَدَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّةَ وَهِيَ عِنْدَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله، هُذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ طَلَّقَهَا فُلاَنْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِبَعْضٍ
النَّفَقَّةِ فَرَدَّتْهَا، وَزَعَمَ أَنَّهُ شَيْءٌ تَطَوَّلَ بِهِ قَالَ: صَدَقَ قَالَ النَِّيُّ ◌َ فَانْتَقِّي إِلَى أُمْ كُلْتُوم فَاغْتَدِي عِنْدَهَا، ثُمَّ
قَالَ: إِنَّ أُمَّ كُلْثُوم امْرَأَةٌ يَكْثُرُ عُوَّادُهَا فَانْتَقِي إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ أَعْمَى، فَانْتَقَلَتْ إِلَى عَبْدِ الله
فَاعْتَدَّتْ عِنْدَهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ خَطَبَهَا أَبُو الْجَهْم وَمَعَاوِيَةُ بْنِ أَبِىِ سُفْيَانَ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وَهُ
تَسْتَأْمِرُهُ فِيهِمَا فَقَالَ أَمَّا أَبُو الْجَهْم فَرَجُلٌ أَخَافُ عَلَيْك قِشَّقَاسَتَهُ لِلْعَصَا، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ أَمْلَقُ مِنَ الْمَال؛
فَتَزَوَّجَتْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بَعْدَ ذُلِكَ.
بدائع الصنائع ج٤ - م٢٩

٤٥٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الإخراج والخروج، ولأنها زوجته بعد الطلاق الرجعي؛ لقيام ملك النكاح من كل وجه، فلا
يباح لها الخروج كما قبل الطلاق، إلا أن بعد الطلاق لا يباح لها الخروج، وإن أذن لها
بالخروج، بخلاف ما قبل الطلاق، لأن حرمة الخروج بعد الطلاق لمكان العدة، وفي العدة
حق الله تعالى، فلا يملك إبطاله، بخلاف ما قبل الطلاق؛ لأن الحرمة ثمة لحق الزوج خاصة،
فيملك إبطال حق نفسه بالإذن بالخروج، ولأن الزوج يحتاج إلى تحصين مائه، والمنع من
الخروج طريق التحصين للماء، لأن الخروج يريب الزوج، أنه وطئها غيره، فيشتبه النسب إذا
حبلت .
وأما في الطلاق الثلاث أو البائن(١) فلعموم النهي، ومسائل الحاجة إلى تحصين الماء
على ما بينا. وأما المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج ليلاً، ولا بأس بأن تخرج نهاراً في
حوائجها؛ لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه (٢)؛ لأنه لا نفقة لها من الزوج
المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة(٣)، ولا تخرج بالليل، لعدم
الحاجة إلى الخروج بالليل، بخلاف المطلقة، فإن نفقتها على الزوج، فلا تحتاج إلى الخروج،
حتى لو اختلعت بنفقة عدتها: بعض مشايخنا قالوا: يباح لها الخروج بالنهار للاكتساب؛ لأنها
بمعنى المتوفى عنها زوجها.
:
وبعضهم قالوا: لا يباح لها الخروج؛ لأنها هي التي أبطلت النفقة باختيارها، والنفقة حق
لها، فتقدر على إبطاله، فأما لزوم البيت فحق عليها، فلا تملك إبطاله. إذا خرجت بالنهار في
حوائجها لا تبيت عن منزلها الذي تعتد فيه، والأصل فيه ما روي أن فُرَيْعَةً أُخْتَ أَبِي سَعِيدٍ
الخُذْرِيِّ - رضي الله تعالى عنه - لمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا أَتَتِ النَّبِيِّ نَّرَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ في الانْتِقَالِ (٤) إلى بَنِي
خُذْرَةَ، فَقَالَ لَهَا: أمْكُثِي فِي بَيْئِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَّهُ)) (٥) .
وفي رواية: لما اسْتَأْذَنَتْ أَذَنَ لَهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَقَالَ أَعِيدِي المَسْأَلَةَ، فَأَعَادَتْ فَقَالَ لاَ حَتَّى
يَبْلُعِ الْكِتَابُ أَجَلَهُ(٦).
أفادنا الحديث حكمين: إباحة الخروج بالنهار، وحرمة الانتقال حيث لم ينكر خروجها،
ومنعها ◌َّر من الانتقال، فدل على جواز الخروج بالنهار من غير انتقال.
وروى عَلْقَمَةُ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمَدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ أَزْوَاجَهُنَّ فَسَأَلْنَ ابْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله
تعالى عنه - فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْتَمِعْنَ بِالنَّهارِ، فَإِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَلْتَرُحْ كُلُّ امْرَأَةٍ
(١) في أ: والبائن.
(٣) في أ: المقصود.
(٥) تقدم تخريجه.
(٢) في أ: تنفقه للمعيشة.
(٤) في أ: الخروج.
(٦) تقدم تخريجه.

٤٥١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إِلَى بَيْتِهَا)». وروي عن محمد أنه قال: لا بأس أن تنام عن بيتها أقل من نصف الليل، لأن
البينونة في العرف عبادة عن الكون في البيت أكثر الليل، فما دونه لا يسمى بينونة في العرف،
ومنزلها الذي تؤمر بالسكون فيه للاعتداد هو الموضع الذي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها
وقبل موته، سواء كان الزوج ساكناً فيه أو لم يكن، لأن الله تعالى أضاف البيت إليها بقوله - عز
وجلّ -: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، والبين المضاف إليها هو / الذي تسكنه، ولهذا قال ١٠٨أ
أصحابنا: إنها إذا زارت أهلها، فطلقها زوجها - كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت
تسكن فيه فتعتد ثمة؛ لأن ذلك هو الموضع الذي يضاف إليها، وإن كانت هي في غيره، وهذا
في حالة (١) الاختيار.
وأما في حالة الضرورة، فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها بأن خافت سقوط منزلها، أو
خافت على متاعها، أو كان المنزل بأجرة، ولا تجد ما تؤديه في أجرته في عدة الوفاة، فلا
بأس عند ذلك أن تنتقل، وإن كانت تقدر على الأجرة لا تنتقل.
وإن كان المنزل لزوجها، وقد مات عنها فلها أن تسكن في نصيبها، إن كان نصيبها(٢)
من ذلك ما تكتفي به في السكنى، وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمحرم لها، وإن كان
نصيبها لا يكفيها، أو خافت على متاعها منهم، فلا بأس أن تنتقل، وإنما كان كذلك؛ لأن
السكنى وجبت بطريق العبادة حقاً لله تعالى عليها، والعبادات تسقط بالأعذار. وقد روي أنه لَمَّا
قُتِلَ عُمَرُ - رضي الله تعالى عنه - نَقَّلَ عَليٍّ - رضي الله تعالى عنه - أمَّ كُلْثُومَ - رضي الله تعالى
عنها - لأَنَّهَا كَانَتْ فِي دَارِ الإِمَارَةِ(٣).
وقد روي أن عَائِشِةَ - رضي الله تعالى عنها - نَقَلَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ
- رضي الله تعالى عنه - لما قُتِلَ طَلْحَةُ - رضي الله تعالى عنه - فدل ذلك على جواز الانتقال
للعذر، وإذا كانت تقدر على أجرة البيت(٤) في عدة الوفاة فلا عذر، فلا تسقط عنها العبادة؛
كالمتيمم إذا قدر على شراء الماء بأن وجد ثمنه - وجب عليه الشراء، وإن لم يقدر لا يجب
لعذر العدم؛ کذا ههنا.
وإذا انتقلت لعذر يكون سكناها في البيت الذي انتقلت إليه بمنزلة كونها في المنزل الذي
انتقلت منه في حرمة الخروج عنه؛ لأن الانتقال من الأول إليه كان لعذر، فصار المنزل الذي
انتقلت إليه؛ كأنه منزلها من الأصل، فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة.
وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن، أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى
(١) في أ: حال.
(٣) في ط: الإجارة.
(٢) في أ: ما يصيبها.
(٤) في أ: المنزل.

٤٥٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
سفر، إذا كانت معتدة من نكاح صحيح، وهي على الصفات التي ذكرناها، ولا يجوز للزوج
أن يسافر بها أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١].
وقوله عز وجل: ﴿هُنَّ﴾ كناية عن المعتدات، ولأن الزوجية قد زالت بالثلاث والبائن،
فلا يجوز له المسافرة بها .
وكذا المعتدة من طلاق رجعي: ليس لها أن تخرج إلى سفر، سواء كان سفر حج فريضة
أو غير ذلك، لا مع زوجها، ولا مع محرم غيره، حتى تنقضي عدتها أو يراجعها؛ لعموم قوله
تعالى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] من غير فصل بين خروج وخروج،
ولما ذكرنا أن الزوجية قائمة، لأن ملك النكاح قائم، فلا يباح لها الخروج؛ لأن العدة لما
منعت أصل الخروج، فلأن تمنع من خروج مديد، وهو الخروج إلى السفر أولى، وإنما استوى
فيه سفر الحج وغيره، وإن كان حج الإسلام فرضاً؛ لأن المقام في منزلها واجب لا يمكن
تداركه بعد انقضاء العدة، وسفر الحج واجب يمكن تداركه بعد انقضاء العدة؛ لأن جميع العمر
وقته، فكان تقديم واجب لا يمكن تداركه بعد الفوت، جمعاً بين الواجبين فكان أولى وليس
لزوجها أن يسافر بها عند أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: ((له ذلك))، واختلف مشايخنا في تخريج قول زفر: قال بعضهم: إنما قال
ذلك؛ لأنه قد ثبت من أصل أصحابنا: أن الطلاق الرجعي عدم في حق الحكم قبل انقضاء
العدة، فكان الحال قبل الرجعة وبعدها سواء. وقال بعضهم: إنما قال ذلك؛ لأن المسافرة بها
رجعة عنده دلالة .
ووجهه أن إخراج المعتدة من بيت العدة حرام، فلو لم يكن من قصده الرجعة لم يسافر
بها ظاهراً؛ تحرزاً عن الحرام، فيجعل المسافرة بها رجعة دلالة، خملاً لأمره على الصلاح؛
صيانة له عن ارتكاب الحرام؛ ولهذا جعلنا القبلة، واللمس عن شهوة رجعة؛ كذا هذا.
ولنا قوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةِ﴾
[الطلاق: ١] نهى الأزواج عن الإخراج، والنساء عن الخروج، وبه تبين فساد التخريج الأول؛
لأن نص الكتاب العزيز يقتضي حرمة إخراج المعتدة، وإن كان ملك النكاح قائماً في الطلاق
الرجعي، فيترك القياس في مقابلة النص، إليه أشار أبو حنيفة فيما روي عنه؛ أنه قال: لا يسافر
بها، ليس من قبل أنه غير زوج، وهو زوج وهو بمنزلة المحرم، لكن الله تعالى قال: ﴿لاَ
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنِ﴾ [الطلاق: ١].
وأما التخريج الثاني: وهو قولهم: إن مسافرة الزوج بها دلالة(١) الرجعة - فممنوع، وما
(١) في أ: بمنزلة.

٤٥٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ذكروا أن الظاهر أنه يريد الرجعة؛ تحرزاً عن الحرام، فذلك فيما كان النهي في التحريم ظاهراً،
فأما فيما كان خفياً فلا/ وحرمة إخراج المعتدة عن طلاق رجعي مع قيام ملك النكاح من كل ١٠٨ ب
وجه - مما لا يخفى عن الفقهاء فضلاً عن العوام، فلا يثبت الامتناع عنه من طريق الدلالة مع
ما أن الخلاف ثابت فبما إذا كان الزوج يقول: إنه لا يراجعها نصاً، ولا معتبر بالدلالة، مع
التصريح بخلافها، وإذا لم تكن المسافرة بها دلالة الرجعة، فلو أخرجها لأخرجها مع قيام
العدة، وهذا حرام بالنص. وقد قالوا فيمن خرجت محرمة، فطلقها الزوج، وبينها وبين مصرها
أقل من ثلاثة أيام: إنها ترجع تصير بمنزلة المحصر؛ لأنها صارت ممنوعة من المضي في
حجها لمكان العدة، فأما إذا راجعها الزوج، فقد بطلت العدة وعادت الزوجية؛ فجاز له السفر
بها .
ويستوي الجواب في حرمة الخروج، والإخراج إلى السفر وما دون ذلك؛ لعموم النهي،
إلا أن النهي عن الخروج، والإخراج إلى ما دون السفر أخف لخفة الخروج، والإخراج في
نفسه .
وإذا خرج الرجل(١) مع امرأته مسافراً، فطلقها في بعض الطريق أو مات عنها، فإن كان
بينها وبين مصرها الذي خرجت منه أقل من ثلاثة أيام، وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام
فصاعداً - رجعت إلى مصرها لأنها لو مضت لاحتاجت إلى إنشاء سفر وهي معتدة، ولو
رجعت ما احتاجت إلى ذلك، فكان الرجوع أولى، كما إذا طلقت في المصر خارج بيتها: إنها
تعود إلى بيتها؛ كذا هذا.
وإن كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعداً؛ وبينها وبين مقصدها أقل من ثلاثة أيام؛
فإنها تمضي؛ لأنه ليس في المضي إنشاء سفر، وفي الرجوع إنشاء سفر، والمعتدة ممنوعة عن
السفر، وسواء كان الطلاق في موضع لا يصلح للإقامة؛ كالمفازة، ونحوها، أو في موضع
يصلح لها کالمصر ونحوها.
وإن كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام، وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعداً، فإن كان
الطلاق في المفازة، أو في موضع لا يصلح للإقامة؛ بأن خافت على نفسها، أو متاعها هي
بالخيار؛ إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، سواء كان
معها محرم أو لم يكن. وإذا عادت أو مضت، فبلغت أدنى المواضع - نهى بالخيار، إن شاءت
مصت، وإن شاءت رجعت إلى التي تصلح للإقامة في مضيها أو رجوعها أقامت فيه، واعتدت
إن لم تجد محرماً بلا خلاف.
(١) سقط في ط.

٤٥٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن وجدت فكذلك عند أبي حنيفة؛ لأنه لو وجد الطلاق فيه ابتداء - لكان لا يجوز لها
أن تتجاوزه عنده(١)، وإن وجدت محرماً، فكذا إذا وصلت إليه، وإن كان الطلاق في المصر،
أو في موضع یصلح للإقامة - اختلف فيه.
قال أبو حنيفة: تقيم فيه حتى تنقضي عدتها، ولا تخرج بعد انقضاء عدتها إلا مع محرم،
حجا كان أو غيره، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان معها محرم مضت على سفرها.
وجه قولهما: أن حرمة الخروج ليست لأجل العدة، بل لمكان السفر، بدليل أنه يباح لها
الخروج إذا لم يكن بين مقصدها ومنزلها مسيرة ثلاثة أيام، ومعلوم أن الحركة الثابتة للعدة لا
تختلف بالسفر وغير السفر، وإذا كانت الحرمة لمكان السفر تسقط بوجود المحرم.
ولأبي حنيفة: أن العدة مانعة من الخروج والسفر في الأصل، إلا أن الخروج إلى ما دون
السفر ههنا سقط اعتباره، لأنه ليس بخروج مبتدأ، بل هو خروج مبني على الخروج الأول،
فلا يكون به حكم نفسه، بخلاف الخروج من بيت الزوج؛ لأنه خروج مبتدأ، فإذا كان من
الجانبين جميعاً مسيرة سفر كانت منشئة للخروج باعتبار السفر، فيتناوله التحريم، وما حرم
لأجل العدة لا يسقط بوجود المحرم.
وأما المعتدة في النكاح الفاسد: فلها أن تخرج، لأن أحكام العدة مرتبة على أحكام
النكاح، بل هي أحكام النكاح السابق في الحقيقة بقيت بعد الطلاق والوفاة، والنكاح والفاسد
لا يفيد المنع من الخروج، فكذا العدة إلا إذا منعها الزوج لتحصين مائة - فله ذلك.
وأما الأمة المدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة - فيخرجن في
ذلك كله من الطلاق والوفاة، أما الأمة، فلما ذكرنا أن حال العدة مبنية على حال النكاح، ولا
يلزمها المقام في منزل زوجها في حال النكاح، كذا في حال العدة؛ ولأن خدمتها حق المولى،
فلو منعناها من الخروج - لأبطلنا حق المولى في الخدمة من غير رضاه، وهذا لا يجوز إلا إذا
بوأها مولاها منزلاً، فحينئذ لا تخرج ما دامت على ذلك؛ لأنه رضي بسقوط حق نفسه، وإن
أراد المولى أن يخرجها فله ذلك؛ لأن الخدمة للمولى، وإنما كان أعارها للزوج، وللمعير أن
يسترد العارية، ولما ذكرنا أن حال العدة معتبرة بحال النكاح مرتبة عليها، ولو بوأها المولى في
١١٠٩ حال النكاح - كان للزوج أن/ يمنعها من الخروج، حتى يبدو للمولى؛ فكذا في حال العدة.
وروى ابن سماعة عن محمد في الأمة إذا طلقها زوجها، وكان المولى مستغنياً عن
خدمتها فلها أن تخرج، وإن لم يأمرها؛ لأنه قال: إذا جاز لها أن تخرج بإذنه جاز لها أن تخرج
بکل وجه .
(١) في أ: عنه.

٤٥٥
كِتَابُ الطَلاَقِ
ألا ترى أن حرمة الخروج لحق الله تعالى، فلو لزمها لم يسقط بإذنه، وكذلك المدبرة
لما قلنا، وكذلك أم الولد إذا طلقها زوجها أو مات عنها، لأنها أمة المولى، وكذا إذا عتقت أو
مات عنها سيدها - لها أن تخرج؛ لأن عدتها عدة وطء، فكانت كالمنكوحة نكاحاً فاسداً.
وأما المكاتبة، فلأن سعايتها حق المولى؛ إذ بها يصل المولى إلى حقه، فلو منعناها من
الخروج لتعذرت عليها السعاية، والمعتق بعضها بمنزلة المكاتبة عند أبي حنيفة وعندهما حرة،
ولو أعتقت الأمة في العدة يلزمها فيما بقي من عدتها ما يلزم الحرة؛ لأن المانع من الخروج قد
زال.
وأما الصغيرة فلها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة لا رجعة فيها، سواء أذن الزوج
لها أو لم يأذن؛ لأن وجوب السكنى في البيت على المعتدة لحق الله تعالى وحق الزوج،
وحق الله - عز وجلّ - لا يجب على الصبي، وحق الزوج في حفظ الولد ولا ولد منها، وإن
كانت الفرقة رجعية، فلا يجوز لها الخروج بغير إذن الزوج؛ لأنها زوجته، وله أن يأذن لها
بالخروج، وكذا المجنونة لها أن تخرج من منزلها؛ لأنها غير مخاطية كالصغيرة، إلا أن لزوجها
أن يمنعها من الخروج لتحصين مائة بخلاف الصغيرة، فإن الزوج لا يملك منعها؛ لأن المنع
في حق المجنونة لصيانة الماء لاحتمال الحبل، والصغيرة لا تحبل، والمنع من الطلاق
الرجعي؛ لكونها زوجته.
وأما الكتابية فلها أن تخرج؛ لأن السكنى في العدة حق الله تعالى من وجه، فتكون عبادة
من هذا الوجه، والكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات، إلا إذا منعها الزوج من الخروج
لتحصين مائه، لأن الخروج حق في العدة، وهو صيانة مائه عن الاختلاط، فإن أسلمت الكتابية
في العدة لزمها فيما بقي من العدة ما يلزم المسلمة؛ لأن المانع من اللزوم وهو الكفر، وقد زال
بالإسلام، وكذا المجوسية إذا أسلم زوجها، وأبت الإسلام، حتى وقعت الفرقة ووجبت
العدة، فإن كان الزوج قد دخل بها - لها أن تخرج لما قلنا، إلا إذا أراد الزوج منعها من
الخروج لتحصين مائه، فإذا طلب منها ذلك يلزمها؛ لأن حق الإنسان يجب إبقاؤه عند طلبه،
ولو قبلت المسلمة أين زوجها حتى وقعت الفرقة، ووجبت العدة إذا كان بعد الدخول - فليس
لها أن تخرج من منزلها؛ لأن السكنى في العدة فيها حق الله تعالى، وهي مخاطبة بحقوق الله
- عز وجلّ -.
وأما بعد انقضاء العدة - فلها أن تخرج إلى ما دون مسيرة سفر بلا محرم؛ لأنها تحتاج
إلى ذلك، فلو شرط له المحرم لضاق الأمر عليها، وهذا لا يجوز، ولا يجوز لها أن تخرج
إلى مسيرة سفر إلا مع المحرم.
والأصل فيه ما روي عن رسول الله وَل﴿ أنه قال: ((لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، إِلاَّ

٤٥٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو رَحِمُ مُحَرَّمٍ مِنْهَا))(١)، وسواء كان المحرم من النسب، أو الرضاع، أو
المصاهرة؛ لأن النص، وإن وردّفي ذي الرحم المحرم، فالمقصود هو المحرمية، وهو حرمة
المناكحة بينهما على التأبيد. وقد وجد، فكان النص الوارد في ذي الرحم المحرم وارداً في
المحرم بلا رحم دلالة، ومنها وجوب الإحداد على المعتدة؛ والكلام في هذا الحكم في ثلاثة
مواضع :
(أحدهما): في تفسير الإحداد.
(والثاني): في بيان أن الإحداد واجب في الجملة أولاًّ(٢).
(والثالث): في بيان شرائط وجوبه.
أما الأول: فالإحداد في اللغة عبارة عن الامتناع من الزينة، يقال: أحدت [المرأة(٣)] على
زوجها وحدت، أي: امتنعت من الزينة، وهو أن تجتنب الطيب ولبس المطيب والمعصفر
(١) ورد من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري.
۔ حديث ابن عباس :
أخرجه البخاري (٦/ ١٤٢، ١٤٣): كتاب الجهاد: باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان
له عذر هل يؤذن له؟، حديث (٣٠٠٦)، ومسلم (٩٧٨/٢): كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى
حج أو غيره، حديث (١٣٤١/٤٢٤) وأحمد (٢٢٢/١) والطيالسي (١/ ١٢٣ - منحة) رقم (٥٨٣) وأبو
يعلى (٢٧٩/٤) رقم (٢٣٩١) وابن خزيمة (٢٥٢٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٢/٢) وابن
حبان (٣٧٦٣، ٣٧٦٤ - الإحسان) من طريق عمرو عن أبي معبد عن ابن عباس قال: سمعت
رسول الله وَّ يقول: لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم.
- حديث أبي سعيد الخدري :
أخرجه البخاري (٧٣/٤): كتاب جزاء الصيد: باب حج النساء، حديث (١٨٦٤)، ومسلم (٢/ ٩٧٥،
٩٧٦): كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، حديث (٤١٥، ٨٢٧/٤١٦).
وأحمد (٣٤/٣، ٧١) والحميدي رقم (٧٥٠) وأبو يعلى (٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩) رقم (١١٦٠) من طريق قزعة
عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم
منها .
وأخرجه أبو داود (٥٣٩/١) كتاب المناسك: باب في المرأة تحج بغير محرم حديث (١٧٢٦) والترمذي
(٤٧٢/٣) كتاب الرضاع: باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها حديث (١١٦٩) من طريق الأعمش عن
أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَّلجر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً
فوق ثلاثة أيام فصاعداً إلا معها أبوها أو أخوها أو زوجها وقال الترمذي حسن صحيح.
(٢) في أ: أم لا .
(٣) سقط في ط .

٤٥٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والمزعفر، وتجنب الدهن والكحل، ولا تختضب، ولا تمتشط، ولا تلبس حلبا ولا تتعوف(١).
(١) الأحداد في اللغة: ترك الزينة لكل معتدة. قيل في المصباح: الإحداد فيه لغتان: إحداهما: أنه من باب
أفعل يقال: أحدت المرأة على زوجها تحد (بضم التاء) فهي مُحد ومُحدة، والثانية: أنه من باب فعل.
يقال: حدة المرأة على زوجها تحد ((بفتح التاء مع ضم الحاء وكسرها)) فهي حاد، وأنكر الأصمعي
الثلاثي، واقتصر على الرباعي.
وفي الشرع: ترك الزينة ونحوها لمعتدة موت أو طلاق بائن، واحداً كان الطلاق أو أكثر؛ وذلك بأن
تجتنب المعتدة كل ما يحصل به الزينة. فلا تلبس الحلي بأنواعه من ذهب وفضة، وجواهر وقصب،
وزمرد وياقوت، ومرجان ولا تلبس أنواع الحرير إلا لضرورة؛ كأن يكون بها حكة أو غيرها. فيجوز لها
لبسه؛ لإباحة النبي ◌ّ﴾ لبس الحرير لعبد الرحمن ابن عوف، والزبير بن العوام، لحكة كانت في
جسدیھما .
ولا يحل للمعتدة لبس الثوب الممشق وهو المصبوغ بالمشق (أي المغرة) نوع من الطين الأحمر. ولا
الثوب المصبوغ بالمعصفر، أو الزعفران؛ لأنه يفوح منه رائحة الطيب، لكن إذا لم يكن لها ثوب سوى
المصبوغ فلا بأس عليها بلبسه للضرورة من غير كراهة، بشرط أن لا تقصد به الزينة؛ لأن ستر العورة
واجب، ولا يجوز لها أن تتطيب بالحناء، وغيرها من سائر الروائح الذكية، بل ولا تحضر صنعه ولا تتجر
فيه، حتى ولو لم يكن لها طريق إلى الكسب سواه؛ فإنها تمنع منه، لما روته أم سلمة - رضي الله عنها .
أن النبي ◌َّليّ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: الحناء طيب.
دل ذلك على وجوب اجتناب الطيب، ولا تستعمل المعتدة وهنا؛ كالزيت الخالص والشيرج، والسمن،
وشبه ذلك مما يلين الشعر؛ فيكسبه زينة وجمالاً ما لم يكن بها ضرر ظاهر يدعوها إلى الاستعمال. فإن
كان بها ضرر ظاهر يباح لها، بشرط أن يكون مرادها بالاستعمال الدواء لا الزينة، ولا تكتحل المعتدة إلا
لضرورة مرض بعينها؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يأذن للمعتدة في الاكتحال إلا لضرورة؛ لما
روته أم حكيم بنت أسيد عن أمها؛ أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها، فتكتحل بكحل الجلاء،
فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكتحلي منه إلا من أمر لا بد منه
يشتد عليه؛ فتکتحلي بالليل وتمسحیه بالنهار.
وقالت الظاهرية: لا تكتحل ولو كان بعينها وجع؛ مستدلين بما روي عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن
امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفتكحلها. فقال ◌َله: لا مرتين
أو ثلاث. فهذا يدل على النهي عن الكحل لمن اشتكت عينها نهياً مؤكداً، وإن عورض بحديثها الآخر
قلنا: إن الحديث الأول الذي استدللنا به أصح. أو نقول: الحديث الثاني المستدل به محمول على أنه لم
يتحقق الخوف على عينها، أيضاً تجتنب المعتدة التمشط بالاسنان الضيقة دون الواسعة، فإنه يحل لها
الامتشاط به لدفع الأذى بخلاف الضيقة فإنها تحسن الشعر وتجمله هذا.
والأصل في لزوم الإحداد على المعتدة مطلقاً سواد كان عن وفاة أم طلاق غير رجعي، أو عن خلع - قول
النبي - عليه أفضل الصلاة وأتم السلام -: لا تُحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها؛ فإنها تحد
عليه أربعة أشهر وعشراً. ولا تكتحل ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تمس طيباً إلا إذا
طهرت نبذة من قسط أو أظفار.
وقال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق ولا الحلي.

٤٥٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فهذان يدلان بطريق عبارة النص على وجوب الإحداد في حق المتوفى عنها زوجها. ويدلان بطريق دلالة
النص على غيرها من المعتدات أعني المبتوتة والمختلعة.
وأيضاً روي أن النبي ◌َّلل نهى المعتدة أن تختضب الحناء، وقال: الحناء طيب، وهذا عام في كل معتدة،
سواء كانت بطلاق بائن أم ثلاث، أو متوفى عنها زوجها.
شرائط وجوب الإحداد
يشترط في وجوب الإحداد على المعتدة مطلقاً إلا من رجعي، أن تكون بالغة عاقلة مسلمة. فلا إحداد
على صغيرة ومجنونة وكافرة، أما عدم وجوبه على الصغيرة والمجنونة؛ فلعدم كونهما صالحتين للخطاب
في حال الصغر والجنون؛ إذ أن الخطاب التكليفي يعتمد على الغفل ولا عقل لهما. حتى لو بنت
الصغيرة، أو أفاقت المجنونة في أثناء العدة صارتا صالحتين؛ توجيه الخطاب إليهما لتحقق شرطه، وهو
البلوغ بالنسبة للغيرة والعقل بالنسبة للمجنونة؛ فيلزمهما الإحداد فيما بقي من العدة.
وأما عدم إحداد الكافرة عندنا؛ فلأنها غير مخاطبة بفروع الشريعة. ومن البين أن الإحداد من فروعها،
حتى لو أسلمت في العدة لزمها الإحداد فيما بقي.
وقال مالك، والشافعي: يجب عليها الإحداد في عدة الوفاة؛ لأنه من أحكام العدة، والعدة واجبة عليهن؛
فکذا حكمها.
ولأن الإحداد يجب لموت الزوج، فيعم جميع النساء؛ كما تعم العدة جميعهن، لا فرق بين أن تكون
المعتدة مسلمة أم ذمية، كبيرة أم صغيرة.
ولنا أن الإحداد عبادة بدنية؛ كالصوم، والصلاة، وغيرهما من العبادات البدنية فهو حق من حقوق الشرع.
وإذ قد ثبت ذلك فلا تخاطب الكافرة به؛ لعدم توجيه فروع الشريعة لها.
ومما يؤيد عدم مخاطبة الكافرة بالإحداد شرط الإيمان فيه في قوله - عليه الصلاة والسلام -: لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم - أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر
وعشراً، فلولا أنه عبادة لما شرط فيه الإيمان.
بخلاف وجوب العدة حيث قلنا بوجوبها على جميع النساء من أجل كونها حقاً من حقوق الزوج تجب
على الكل من غير فرق بين مسلمة وكافرة تحت مسلم، كبيرة أو صغيرة، عاقلة أم مجنونة.
ومن أجل كونها اسماً لمضي زمان، وهذا لا يختلف بالإسلام والكفر، والصغر والكبر، والعقل
والجنون.
ويشترط في وجوبه كذلك أن تكون العدة عن طلاق بائن أو موت الزوج، فلا إحداد على المطلقة رجعياً؛ لأن
وجوب الإحداد إنما هو لأجل إظهار المصيبة على فوات نعمة النكاح والمطلقة أنها لم تفتها نعمة النكاح؛ إذا
النكاح باق في حقها، حتى يحل لزوجها وطؤها، بل ويجري عليها سائر أحكام الزوجيات ولذا قيل: يستحب
لها أن تتطيب وتتزين، وتلبس ما تشاء من الحلي والثياب؛ لتحسن في عين الزوج؛ عله أن يراجعها.
كذلك يشترط أن تكون العدة عن نكاح صحيح، فلا إحداد على منكوحة نكاحاً فاسداً؛ لعدم تحقيق
المفتضي وهو النكاح الصحيح؛ ولأن النكاح الفاسد ليس بنعمة في الدين بل هو معصية، ومن المحال
إيجاب الإحداد؛ لإظهار المصيبة على فوات تلك المعصية، بل الواجب إظهار الفرح والسرور.
ولا على الموطوءة بشبهة؛ لأنها كالمنكوحة نكاحاً فاسداً في الحكم، ولا على أم الولد التي أعتقها سيدها =

٤٥٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أو مات عنها؛ لعدم تكليفها بالاعتداد، إذا كانت منكوحة للغير أو معتدة له؛ ولأن زوال الرق نعمة لا
يليق الأسف معه، بل الذي يليق به إنما هو الفرح والشكر؛ لزوال أثر الكفر عنها.
ولا يشترط في وجوب الإحداد الحرية حتى يجب على الأمة المنكوحة والمدبرة، والمكاتبة والمستسعاة
وأم الولد إذا كان زوجها، فيتعدى الحكم إليها بالطريق الأولى؛ إذ الإبانة أقطع للنعمة من الموت، حتى
جاز للمطلقة أن تغسله ميتاً قبل الإبانة. أما بعدها فلا. فدل ذلك بطريق الدلالة على وجوب الإحداد على
المبتوتة؛ كما دل الحديث وهو قوله ﴿ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن تحد على ميت فوق
ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشر بمنطوقه على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها.
فإن قيل: هذا الدليل إنما يتم بالنسبة للمطلقة لا المختلعة؛ إذ الفرقة وقعت باختيارها، حيث فِدت نفسها
برضاها بطلب الخلاص منه فكيف تتأسف عليه بإيجاب الإحداد عليها .
قلنا: الأحكام إنما تعتبر بالموضوعات الأصلية كنعمة النكاح، وفوات هذه النعمة يوجب التأسف بوضع
الشارع له؛ فلا عبرة بصورة نادرة نقض بها سببية فوت نعمة النكاح للإحداد التي صدرت من ناقصات
عقل ودين.
ولا يقل: لو كان الإحداد مشروعاً لأجل فوات نعمة النكاح لوجب على الزوج أيضاً؛ إذ نعمة الزوجية
مشتركة بينهما؛ لأنا نقول: النص لم يرد إلا في الزوجات فحسب، على أن الرجال ليسوا في معناهن؛
لكونهم أدنى منهن في نعمة النكاح؛ لما فيه من صيانتهن، وإدرار النفقة عليهن، لكونهن ضعائف عن
التكسب عواجز عن التغلب، ولا كذلك الرجال.
ثم استدال الإمام الشافعي بقوله: إن العدة شرعت لأجل تعرف براءة الرحم؛ فلا إحداد على المبتوتة:
معارض بأن العدة تحرم النكاح، فكذا دواعيه من الزينة، والتطيب، ونحوهما من باب أولى تحرم ومما
يقوي مذهبنا من عدم الفارق بين معتدة الوفاة، ومعتدة البائن في وجوب الإحداد. ما رواه الطحاوي في
شرح الآثار بإسناده إلى حماد عن إبراهيم النخعي أنه قال: المطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها
والملاعنة لا يختضبن، ولا يتطيين، ولا يلبسن ثوباً مصبوغاً، ولا يخرجن من بيوتهن. والنخعي هذا
أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى.
أقول. ذهب أكثر العلماء إلى وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وخالفهم في ذلك الشعبي،
والحسن البصري. حيث قالا بالحل دون الوجوب. واستدلا بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن
عمرو بن شعيب؛ أن رسول الله وَلو رخص للمرأة أن تحد على زوجها حتى تنقض عدتها وعلى من سواه
ثلاثة أيام. وبحديث أسماء بنت عميس قالت: دخل علي رسول الله وَّر في اليوم الثالث من قتل جعفر
(وكان زوجها) فقال: لا تحدي بعد يومك هذا ولنا أنهما محجوجان بصحيح السنة وإجماع الصحابة .
أما السنة: فمنها ما روي في صحيح مسلم؛ أن رسول الله وَ لقر قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها؛ فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً.
دل هذا على الوجوب؛ إذ فيه تصريح بالإخبار أن المرأة تحد على زوجها. ولا يخفى أن الإخبار بصدور
الفعل من المكلف يفيد الإيجاب، كما يفيده الأمر أيضاً. غير أن الخبر أقوى في الدلالة على الحكم من
الأمر. فإذا قيل مثلاً: الحداد تفعله المرأة أفاد الوجوب. أما إذا قيل: الحداد ثابت شرعاً، فإنه أعم من
الوجوب والحل.
ومنها ما ورد في الصحيحين عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله الفر =

٤٦٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها فقال ◌َ لهو لا مرتين أو ثلاث،
=
كل ذلك يقول: لا ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة
على رأس الحول (الحديث) فإنه بين الدلالة على وجوب الإحداد.
وأما الإجماع فقد روي عن كثير من الصحابة، منهم عائشة، وأم سلمة، وعبد الله بن عمر ما يفيد
الوجوب مثل قولنا. وبه قال السلف أيضاً، ولا نعلم لهم مخالفاً.
ويجاب عما استدلا به من الحديثين أنهما منسوخان بما ذكر من الأحاديث المتقدمة التي استدللنا بها .
وتوجيه النسخ أن الإحداد كان على المعتدة بعض عدتها، وهو ثلاث أيام، ثم وقع الأمر بعد ذلك
بالإحداد أربعة أشهر وعشراً.
هذا بالنسبة لمن توفى عنها زوجها. وأما بالنسبة إلى غيره من الأقارب فلا خلاف في المذهب؛ أن
الإحداد على المرأة لموتهم غير واجب. لكن هل يباح لها ذلك أم لا؟
فعند محمد: لا يباح لها على غير الزوج من ذوي القرابة؛ بقوله في ((النوادر)). لا يحل الإحداد لمن مات
أبوها أو ابنها أو أمها أو أخوها. وإنما الإحداد شرع على الزوج خاصة.
وعند غيره من الأئمة: يباح للمسلمات على غير أزواجهن من ذوي القرابة ثلاثة أيام فما دونها. تمسكين
بقول النبي ◌ّ﴿ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها؛
فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً! أما الزيادة على الثلاثة فتحرم، وينفي أن يحمل على هذا قول محمد؛
قصداً للتوفيق بينه وبين الأئمة.
حكمة مشروعية الإحداد
إن من تأمل في نظام هذه الشريعة السمحة وتدابر أحكامها أيقن أن الشارع الحكيم لم يأمرنا بأمر إلا وقد
أودع فيه حكمة بالغة مرجعها إلى سعادة العباد ورعاية مصالحهم على أكمل وجه وأقوم سبيل، كما أنه لم
ینھي عن شيء إلا وفيه مفسدة.
من ذلك شرعيته الإحداد على المبتوتة أو المتوفى عنها زوجها لأجل فوات نعمة النكاح؛ إذ الزوج كان
سبباً في إعفافها وإدرار النفقة عليها، حتى كان أهل الجاهلية يبالغون في ذلك أعظم مبالغة، فضلاً عما
كانوا يرتكبونه من لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق الشبور، والدعاء بالويل والثبور. ومن مكث
المرأة منهم في أحقر بيت وأضيقه سنة كاملة. لا تمس طيباً ولا تغتسل، ولا تفعل غير ذلك مما فيه نوع
زينة. إلى أن جاء الإسلام بخيره. ونسخ الله تقدس وتعالى بعطفه ورحمته بعباده سنة الجاهلية. تلك السنة
التي كانت قاسية على نسائهن، وجعلها أربعة أشهر وعشراً، إن توفى عنها زوجها. وثلاث أيام إن كان
المتوفى غير زوجها كأبيها وأمها.
وإنما أباح الشارع لهن الإحداد في هذه المدة ولم ينسخها بدون استبدال مرة؛ لضعف عقولهن، وقلة
صبرهن، ولعلها تجد بها نوع راحة. ولكونها تقضي فيها، وطران الحزن؛ ولأن تحويل النفوس عن
مألوفها بالكلية من أشق الأمور عليها. فأعطيت بعض الشيء، ليسهل عليها ترك الباقي؛ ولأن النفس إذا
أخذت بعض مرادها قنعت به؛ لذلك سمح لهن العليم الخبير بتقليل المدة وجعلها ثلاثة أيام دون الذهاب
بالمرة .
وأما وجه مشروعية الإحداد وعلى الزوج أربعة أشهر وعشراً ولم تجب ثلاثة أيام؛ لأن الإحداد تابع للعدة . =